الصالحية؟ ثم أرسله إلى السجن وسجنه، فشقّ ذلك على القضاة والنوّاب، فاضطربت القاهرة بسببه، ثم شفع فيه عند قاضى العسكر القاضى شهاب الدين ابن شيرين الحنفى، فأطلقه من السجن فى يومه هو والعجماوى أفرج عنهما. وقد حصل لأهل مصر من قاضى العسكر غاية الضرر للرجال والنساء، ووقع منه أمور شنيعة ما تقع من الجهّال ولا من المجانين، فتزايد حكمه بالجور بين الناس، وقد ضيّق عليهم غاية الضيق.
ثم تكلموا الناس مع قاضى العسكر فى أمر النساء أن لا يمنعوا من طلوع الترب ودخول الحمّام وزيارة الأقارب، فأذن لهنّ فى ذلك، وأن المرأة لا تخرج الطريق إلا مع زوجها، وأن لا يدخل الأسواق غير العجائز فقط، فسمح لهن قاضى العسكر بذلك، وأنهنّ لا يركبن إلا الخيل والبغال دائما، فاستمرّوا على ذلك.
وقد فتك قاضى العسكر بالناس فى هذه الأيام فتكا ذريعا، وقد جمع بين قبح الشكل والفعل، فإنه كان أعور بفرد عين بلحية بيضاء، وقد طعن فى السن، وكان قليل الرسمال (١) من العلم، أجهل من حمار، لا يدرى شيئا فى الأحكام الشرعية، وقدّمت إليه عدة فتاوى فلم يجب عنها بشئ، وقد هجته الناس هجوا فاحشا فى مدة إقامته بمصر فقالوا فيه عدة مقاطيع، فمن جملة ذلك قول بعض الشهود، وهو قوله فيه:
رأينا مسيخا أعورا قبل موتنا … أتى من بلاد الروم يمنع رزقنا
يقدّم قانونا على شرع أحمد … فنسأل ربّ العرش يكشف كربنا
وقلت أنا:
رأيتك لا ترى إلا بعين … وعينك لا ترى إلا قليلا
فإن تك قد أصبت بفرد عين … فخذ من عينك الأخرى كفيلا
فقد أيقنت أنك عن قريب … إذن بالكفّ تلتمس السبيلا
وفى يوم الجمعة عاشر (٢) الشهر، فيه قدم الأمير شيخ الذى كان توجّه إلى إسطنبول فى بعض أشغال ملك الأمراء، فلما حضر أخبر بأن السلطان سليمان جهّز عدّة
стр. 3362
مراكب مشحونة بالسلاح والمقاتلين، وجهّز عساكر كثيرة من البرّ بسبب غزاة رودس، وخرج بنفسه وذلك فى خامس عشر رجب عما (١) أشيع ذلك بين الناس، وأرسل على يده مراسيم شريفة تتضمّن أن السلطان سليمان قد فوّض أمر مملكة مصر إلى ملك الأمراء خاير بك، يعزل من يختار ويولّى من يختار، والمرجع إليه فى ذلك بما يراه من المصلحة. - وفى يوم السبت حادى عشره نودى فى القاهرة بأن الأمير والى جلبى العثمانى، الذى حضر من إسطنبول، قد استقرّ ناظرا على سائر الأوقاف قاطبة، فلا يحتمى عليه أحد من الناس، فتجدّدت على الناس مظلمة أخرى.
وفى يوم الثلاثاء رابع عشره كانت ليلة النصف من شعبان، فنزل ملك الأمراء من القلعة وتوجّه إلى المقياس، وقرأ هناك ختمة، ومدّ مدّة حافلة، ورسم بقراءة عدّة ختمات فى تلك الليلة فى جامع الأزهر ومقام الإمام الشافعى والليث ﵄، وغير ذلك فى أماكن متفرقة. - وفى يوم الخميس سادس عشره أخلع ملك الأمراء على القاضى بركات المحتسب قفطان مخمل مذهبا، وقرّره فى التحدث على جهات الشرقية قاطبة من المطرية إلى دمياط، وقد التزم فى كل سنة بأربعمائة ألف دينار، يقوم بذلك على ثلاثة أقساط، فنزل من القلعة فى موكب حافل، ومشاعلية قدّامه تنادى أن القاضى بركات بن موسى ناظر الذخيرة الشريفة صار متحدثا على الشرقية قاطبة، فلا يحتمى عليه أحد من الناس، ولا يشتكى أحد من أهل الشرقية إلا من بابه، فتزايدت عظمة القاضى بركات إلى الغاية.
وفى يوم الأحد سادس عشرينه خرج قاضى العسكر يقصد التوجّه إلى مكة المشرفة من البحر الملح، فلما خرج نزل ملك الأمراء وركب صحبته، وكذلك خير الدين نائب القلعة وجماعة من الأمراء العثمانية، فوادعوه من عند تربة العادل ورجعوا، فلما خرج قاضى العسكر من مصر أراح الله تعالى المسلمين منه، فما حصل منه لأهل مصر خير فعزلت القضاة الأربعة بسببه، وأخرج عنهم الأنظار، ومنع الشهود من الجلوس
стр. 3363
فى المجالس قاطبة، وأسمر (١) دكاكينم، ومنع نوّاب القضاة الأربعة من الأحكام الشرعية، ولم يبق منهم غير من تقدّم القول عليه، وضيّق على الناس بسبب عقود الأنكحة وقرّر عليهم ما تقدّم ذكره من المبلغ، وصار لا يعقد عقد إلا فى المدرسة الصالحية، وضيّق على النساء فى ما تقدّم ذكره من الخروج إلى الأسواق ومن ركوب الحمير، فلما خرج من مصر صنّفت النساء رقصة، فقالوا: قوموا بنا نقحب ونسكر قد خرج عنا قاضى العسكر.
وضيّق على أهل مصر فى أمور كثيرة يطول شرحها. فلما خرج قاضى العسكر توجّه إلى نحو الطور، فقيل إن ملك الأمراء أنعم عليه بعشرة آلاف دينار، غير المغل الذى أرسله إليه لما قدم من إسطنبول. فلما توجه قاضى العسكر إلى الحجاز أشيع أن السلطان سليمان أرسل أربعين ألف دينار على يد شخص من العثمانية بسبب عمارة العين التى بمكة لما تعطلت، وعمارة قبة الزيت التى بالحرم، وعمارة المنار التى بالحرم النبوى. فلما خرج قاضى العسكر خرج صحبته جماعة كثيرة من الأصبهانية، ومن أهل مصر، وخرجت صحبته زوجة الأمير سنان فى محفة.
فلما سافر قاضى العسكر جعل القاضى صالح العثمانى الحنفى نائبا عنه يحكم فى المدرسة الصالحية إلى أن يحضر من الحجاز، وكان قاضى العسكر قبل أن يسافر ولّى ستة وعشرين نائبا من نواب القضاة الأربعة، وجعل منهم من هو فى بولاق وفى مصر العتيقة وفى جامع ابن طولون وفى الحسينة، وغير ذلك من الأماكن، وجعل فى كل مجلس من مجالس القضاة أربعة نوّاب من المذاهب الأربعة يقضون (٢) بين الناس بالحق. وجعل على كل مجلس من المجالس شاويشا من العثمانية يضبط ما يتحصّل فى كل يوم من أجرة أشغال الناس، فيقسم للقاضى من ذلك المتحصّل شيئا وللشهود شيئا وله شئ، ثم يأخذ الباقى ويضعه فى صندوق برسم السلطان سليمان يودع ببيت المال (٣).
стр. 3364
ومن الحوادث الشنيعة ما وقع لقاضى القضاة الحنفى على بن ياسين الطرابلسى بسبب وقف الخواجا شهاب الدين بن أحمد بن صالح السكندرى، فطلع قاضى القضاة الحنفى إلى ملك الأمراء، فلما رآه (١) مقبلا من بعيد، قال لمن حوله: إيش طلع هذا الثقيل يعمل؟ فلما جلس بحضرة ملك الأمراء وأخرج مكتوب الوقف الذى زوّروه وثبت عليه، فانتبذ له جماعة من القضاة وحضر أبو الفتح الوفاى المالكى الذى حكم لابن الخواجا شهاب الدين السكندرى، وحضر ذلك المجلس القاضى صالح العثمانى نائب قاضى العسكر، فلما أخرج قاضى القضاة الحنفى المكتوب الذى صنعوه، دفعه ملك الأمراء إلى القاضى صالح، وقال له: انظر فى هذا المكتوب. فلما قرأه، قال:
هذا الحكم الذى حكمه القاضى الحنفى باطلا لا تجوز (٢) قراءته. فحصل لقاضى القضاة الحنفى فى ذلك المجلس غاية البهدلة، واسمعته الفقهاء الكلام المنكى، وانتصف عليه القاضى أبو الفتح الوفاى فى ذلك الحكم الذى حكمه، فقام قاضى القضاة من ذلك المجلس وهو يتعثّر فى أذياله مما قاسى من البهدلة من ملك الأمراء، ومن القاضى صالح وغيره. وكان قاضى القضاة الحنفى غير محبّب للناس، وكان عنده صعصعة وجنّ وسوء تدبير، ويبس طباع مع رهج، وخفّة زائدة مع عبوسة وجه وشناعة زائدة، وقد قلت فيه:
ربّ قاض قد اعتراه جنون … شأنه الرهج ما لديه سكون
لم يفده علمه إذا جنّ شيئا … فهو فينا معلم مجنون
وقولى أيضا:
كم ضاع للنعمان من مذهب … فى عصرنا لما تولّى فلان
تبّا له من قاض أهوج … أحكامه مشهورة بالجنان
وفى يوم الأربعاء سلخ شهر شعبان كانت ليلة رؤية هلال شهر رمضان، فلم يحضر من قضاة القضاة أحد إلى المدرسة المنصورية على جارى العادة، فإنهم كانوا منفصلين عن القضاة، فحضر بعض نوّاب القضاء، منهم: شمس الدين المجولى الشافعى، وشهاب
стр. 3365
الدين أحمد بن شيرين الحنفى، وفتح الدين الوفاى المالكى، ونظام الدين الحلبى الحنبلى، وحضر القاضى بركات بن موسى المحتسب، فلما رؤى الهلال ركب من هناك القاضى المحتسب وشقّ [من] بين القصرين فى موكب حافل، وقدّامه عدّة فوانيس ومشاعل على جارى العادة فى كل سنة.
فلما كانت ليلة الخميس أهلّ شهر رمضان، فلم يطلع من قضاة القضاة أحد للتهنئة بالشهر، وكانت الناس فى غاية الاضطراب بسبب المعاملة، فإن الدينار السليم شاهى صار يصرف بخمسة وأربعين نصفا من الفضة العتيقة، والدينار السليمانى صار يصرف بخمسة وستين نصفا من الفضة الجديدة، حسابا عن كل نصف بنفصين وربع من الفضة الجديدة، فوقف حال الناس بسبب ذلك، ولا سيما حال الفلاّحين فى البلاد، فإن العمّال يحاسبونهم (١) عن النصف عند القبض بنصفين وربع من الفضة الجديدة، ويقيمونه عليهم وقت الحساب بنصف واحد، فخرب غالب البلاد بسبب هذه المعاملة.
وغير ذلك كانت أحوال الناس فى غاية الاضطراب بسبب الرزق الأحباسية التى أدخلها فخر الدين بن عوض فى ديوان السلطان، وصار ملك الأمراء كل من طلع له بمكتوبه أو مربّعته يأخذ ذلك منه ويقول له: هذا دخل ديوان السلطان. فحصل للناس غاية الضرر من كل وجه.
ومن الحوادث أن ملك الأمراء طلب التجّار قاطبة، وكتب عليهم قسائم أن لا يتعاملوا (٢) إلا بالذراع العثمانى فى البيع والشرى، وأبطل الذراع القديم الهاشمى وكتب القسايم على التجار بذلك. وهذا الذراع يزيد عن الذراع الهاشمى نحو ربع ذراع - وأهلّ شهر رمضان وقضاة القضاة منفصلون عن القضاء، والمباشرون فى الترسيم بالقلعة من حين جرى عليهم ما جرى. - وفى يوم الخميس ليلة الجمعة ثامنه رأوا الناس كوكبا عظيما جاء من نحو الغرب، وخلفه شرار كمثل العمود النار، فاستمرّ ماشيا فى السماء إلى نحو الشرق فاختفى، وقد شاع خبره بين الناس لما طلع النهار.
وفى يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان، فيه كان وفاء النيل
стр. 3366
المبارك، ووافق ذلك ثالث عشر مسرى، وفتح السدّ فى يوم الخميس خامس عشر رمضان، الموافق لرابع عشر مسرى، فأوفاه الله الستة عشر ذراعا وزاد ثلاثة أصابع من الذراع السابع عشر. فلما أوفى نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجّه إلى المقياس وخلّق العمود (١)، ونزل فى الحراقة (٢) وصحبته الأمراء العثمانية ففتح السدّ الذى عند رأس المنشية، ثم ركب من هناك. وتوجّه الوالى إلى فتح السدّ الثانى الذى عند قنطرة السدّ، وكان ذلك اليوم مشهودا، وكان ذلك آخر فتح ملك الأمراء للسدّ ومات بعد ذلك بشهرين، قال الناصرى محمد بن قانصوه:
خليج السدّ يوم الكسر جبر … بماء للعيون يرى بهيجا
وهذا اليوم يوم الجبر فاسرع … بنا لنرى به هذا الخليجا
وفيه قدم ألاق من البحر الملح وأخبر عن السلطان سليمان أنه فى المحاصرة مع الفرنج، وكثر القال والقيل بين الناس بسبب ذلك. - وفيه جاءت الأخبار بأن ابن سوار قد قتل، وسبب ذلك قد بلغ السلطان سليمان بن عثمان بأن ابن سوار قد التفّ على شاه إسمعيل الصوفى وصار يكاتبه فى الدسّ، فندب إليه الأمير فرحات الذى كان توجّه إلى جان بردى الغزالى نائب الشام، فتوجّه إلى ابن سوار وأظهر له أنه يقصد التوجّه إلى ديار بكر بسبب عسكر الصوفى، فأضافه ابن سوار وأركن إليه، فلما جلسا هو وإياه على مجلس الشراب فى نفر قليل من أصحابه، وثب على ابن سوار جماعة من العثمانية من حاشية الأمير فرحات، فقتلوا ابن سوار وهو على سفرة الشراب على حين غفلة، ولم يشعر به أحد من عسكره. فلما أشيع قتله اضطربت أحوال السوارية بقتله، وقيل إن فرحات قتل بعد ذلك ثلاثة من أولاد ابن سوار، وقتل جماعة من أمرائه، ثم مضى عنهم وقد تمّت حيلته على ابن سوار حتى قتله.
ومن الحوادث أن حضر إلى القاهرة شخص قيل إن أصله من المشرق، وقيل كان بمكة وأقام بها مدّة، فلما حضر ادّعى أنه المهدى، فلما طلع إلى ملك الأمراء استمرّ راكبا على بغلته حتى دخل إلى الحوش السلطانى، وجلس بين يدى
стр. 3367
ملك الأمراء، وقال له: أنا المهدى. وكان حاضرا فى ذلك المجلس القاضى شهاب الدين بن شيرين الحنفى، فسأله عن مسائل فى العلم فلم يجب (١) بشئ. وكان صفته أنه شيخ طاعن فى السنّ قصير القامة جدا، ولم يكن فيه من علامات المهدى شئ، فلما أغلظ على ملك الأمراء فى الكلام رسم ملك الأمراء بالقبض عليه ويتوجّهون به إلى البيمارستان، وأن يضعوه فى الحديد ويسجنوه عند المجانين. فقبضوا عليه وتوجّهوا به إلى نحو البيمارستان، فكشفوا رأسه ووضعوه فى الحديد. فلما بلغ الشيخ إبراهيم الذى فى الجامع المؤيدى والشيخ حسن العثمانى طلعا إلى ملك الأمراء وشفعا فيه، فرسم ملك الأمراء بإطلاقه من البيمارستان، فأتى إليه الشيخ حسن العثمانى وحمله على أكتافه وأخرجه من البيمارستان. وكان هذا الرجل معظما عند العثمانية، وفى خدمته جماعة كثيرة من الأعاجم نحو خمسين إنسانا، فلما خرج من البيمارستان ازدحمت عليه الناس ليروا المهدى، فكان ذلك اليوم مشهودا بسبب الفرجة عليه لما شقّ من القاهرة. فاستمرّ على أكتاف الشيخ حسن حتى توجّه به إلى المؤيدية، ثم بدا لملك الأمراء أن يرسل المهدى إلى بيت الوالى، فقبضوا عليه وتوجّهوا به إلى بيت الوالى، فاستمرّ به مدّة ثم شفع فيه.
وفى يوم الأربعاء حادى عشرينه قبض ملك الأمراء على يوسف بن أبى الفرج ابن الجاكية وسلّمه إلى القاضى بركات بن موسى ليقيم حسابه مما دخل إليه من المال بسبب الرزق، فلما نزل إلى بيت المحتسب همّ أن يعرّيه ويضربه بالمقارع وقال له: قم حسابك من حين قرّرت فى هذه الوظيفة. فقيل إنه أورد سبعمائة دينار، فقال له القاضى المحتسب: جلبت الدعاء على ملك الأمراء لأجل هذا القدر الهيّن لا جزاك الله خيرا.
وفى يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رمضان نزل ملك الأمراء وتوجّه إلى نحو جامع الأزهر ليصلّى هناك صلاة الجمعة، وكان صحبته الأمراء العثمانية الذين (٢) بمصر، وجماعة من الأمراء الجراكسة، منهم الأمير أرزمك الناشف. فلما انقضى أمر الصلاة وقصد
стр. 3368
أن يركب، وقف إليه رضىّ الدين بن الدهانة وجماعة من الفقهاء، وقالوا له: يا ملك الأمراء انظر فى أحوال الرعية. فقال: نعم. ثم ركب بسرعة وخرج من باب الجامع وتوجّه إلى القلعة. وقيل إن ملك الأمراء تصدّق فى ذلك اليوم على مجاورين (١) جامع الأزهر بخمسمائة دينار، وكان الذى تولى أمر الصدقة شهاب الدين أحمد المحلّى إمام أمير آخور كبير قانى باى قرا، فما قاسى من الناس خيرا بسبب تلك الصدقة، وحصل له غاية البهدلة من الناس.
وفى يوم السبت رابع عشرينه نودى فى القاهرة عن لسان ملك الأمراء بأن جميع القضاة والشهود يحضرون (٢) بدفاترهم إلى المدرسة الصالحية ويسلّموهم (٣) إلى القاضى صالح العثمانى نائب قاضى العسكر، فلم يوافق أحد من الشهود على ذلك وأبطلوا هذا الأمر. - وفيه أشيع أن العربان قطعوا جسر الحلفاية، فنقص البحر فى تلك الليلة ثمان أصابع، وكان فى قوة الزيادة، فاضطربت أحوال الناس بسبب ذلك، وارتفع سعر القمح وسائر الغلال بعد ما كان انحطّ السعر، وأقام النيل أربعة أيام لم يزد شيئا، فاضطربت أحوال الناس. ثم فى اليوم الخامس زاد الله فى النيل المبارك أصبعين من النقص، فسكن ذلك الاضطراب، واستمرّت الزيادة عمّالة الى بابه.
وفى شهر شوال كان مستهلّه يوم السبت، وهو يوم عيد الفطر، فكان أكثر العسكر مسافرا فى غزوة رودس، وكذلك الأمير قايتباى الدوادار، وجماعة من الأمراء، فلما صلّى ملك الأمراء صلاة العيد، سدّ مدّة حافلة فتناهبتها الأنكشارية والأصبهانية، وكان هذا العيد خامدا. - وفى يوم الأحد ثانيه حضر ألاق من البحر وعلى يده كتاب من عند الأمير جانم الحمزاوى إلى ملك الأمراء، فقرئ بحضرة القاضى شهاب الدين بن شيرين، فكان من مضمونه أن الأمير قايتباى الدوادار ومن معه من الأمراء والمماليك الجراكسة قد وصلوا إلى رودس فى ثالث عشر شهر رمضان، فوجدوا السلطان سليمان فى جزيرة تجاه رودس، فأقاموا ثلاثة أيام لم يجتمعوا بالسلطان، ثم فى اليوم الثالث أوكب السلطان سليمان وجلس للعسكر جلوسا
стр. 3369
عاما فى ذلك اليوم، فلما نظر إلى الأمير قايتباى الدوادار عظّمه وأكرمه، وكذلك الأمراء الذين (١) صحبته، ووقفت المماليك الجراكسة قدّامه فشكرهم وأثنى عليهم. وقيل إن السلطان سليمان لما رأى المماليك الجراكسة استقلّ عقل والده سليم شاه الذى قتل المماليك الجراكسة، وقال: مثل هذا المماليك كانت تقتل؟ وقيل إنه أنزل العسكر المصرى فى وطاقه عند الوزير الأعظم من وزرائه. وأخبر الأمير جانم الحمزاوى فى كتابه إن إلى الآن لم يقع بين السلطان وبين أهل رودس قتال، وأنه مقيم بجزيرة تجاه رودس، والميعاد بعد العيد.
وفى يوم الاثنين ثالث الشهر قدم الخواجا ابن عباد الله من إسطنبول، فنزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من عند تربة العادل، وأخلع عليه قفطان حرير. فلما حضر ابن عباد الله أشيع أن السلطان قرره ناظر الأوقاف قاطبة التى (٢) بمصر والشام، وأنه يكشف على سائر أوقاف الجوامع والمدارس قاطبة، فيعزل من الصوفية من يشاء ويبقى من يشاء، وأشيع عنه أنه يخرج الوظائف (٣) عن الفقهاء ولا يبقى بيدى فقيه وظيفتين فى التصوف، وأن يقرر الوظائف لجماعة أفاقية من الأروام، فلما بلغ الفقهاء ذلك عن ابن عباد الله اضطربت أحوالهم قاطبة. - وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن الأمير فرحات نائب الشام قبض على جماعة من التجّار أتوا من بلاد شاه إسمعيل الصوفى، وزعم أنهم دواسيس من عند الصوفى، فلما قبض عليهم أخذ جميع أموالهم من البضائع والأصناف التى أتوا بها، ثم ضرب أعناقهم أجمعين. وربما يثور من هذه الواقعة فتنة عظيمة بين العثمانية وبين الصوفى بسبب ذلك، فإنه مسدود بقشّة.
ومن الحوادث أن جماعة من النصارى كانوا فى بيت عند جامع المقسى على الخليج يسكرون، فلما قوى عليهم السكر تزايد عليهم الضجيج والتجاهر بالسكر، وكان فى جامع المقسى ابن الشيخ محمد بن عنان مقيما به، فثقل عليه أمرهم، فأرسل إليهم من ينهاهم عن ذلك، فأغلظ عليهم فى القول، وقال لهم: أما تستحوا من الشيخ ابن عنان؟ فسبّوا له الشيخ ابن عنان سبّا قبيحا، فطلع الشيخ إلى ملك الأمراء
стр. 3370
وشكا له من النصارى، فأرسل ملك الأمراء بالقبض على النصارى، فهربوا، فقبضوا على واحد منهم، فرسم ملك الأمراء بحرقه، فلما رأى ذلك النصرانى عين الجدّ فأسلم من خوفه من الحرق، فألبسوه عمامة بيضاء، فلما جرى ذلك خاف بقيّة النصارى على أنفسهم واختفوا عند الشيخ يونس النصرانى حتى تخمد هذه الواقعة عنهم.
وفى يوم الجمعة قدم قاصد من عند الأمير جانم الحمزاوى وأخبر [أن] العسكر برز للقتال مع الفرنج الذين (١) برودس، وأشيع أنهم أشرفوا على أخذ السور الأول من مدينة رودس، ولكن قتل فى هذه المعركة من العساكر ما لا يحصى عددها. - وفى يوم الجمعة المقدم ذكره كان يوم النوروز، وهو أول توت من الشهور القبطية، وأول سنة ثمان وعشرين وتسعمائة القبطية، فكان النيل يومئذ فى عشرين أصبعا من ثمانية عشر ذراعا، وكان سائر المغل جميعه فى غاية الرخص، بعد ما كان السعر قد اشتطّ لما توقف النيل عن الزيادة كما تقدم. - ومن الحوادث [أن] والى القاهرة شنق فى يوم واحد أربعة وعشرين إنسانا، وخوزق منهم جماعة وعلّقهم فى أماكن متفرّقة، وكان أكثرهم حرامية وزغلية ومن عليه دم، فأخّرهم (٢) الوالى فى السجن حتى مضى شهر رمضان فأتلفهم فى يوم واحد. - وفى ليلة السبت خامس عشره خسف جرم القمر خسوفا كاملا، حتى أظلم الجوّ وصار القمر كالفحمة (٣) السوداء، فأقام فى ذلك الخسوف نحو خمسين درجة، وكان ذلك نصف الليل.
وفى يوم الثلاثاء ثامن عشره خرج المحمل من القاهرة فى تجمّل عظيم، وكان يوما مشهودا. وكان أمير ركب المحمل الأمير جانم السيفى دولات باى الأتابكى، وهذه ثالث سفرة إلى نحو الحجاز سافرها الأمير جانم كاشف الفيوم، فشقّ من القاهرة فى موكب حافل، وطلّب طلبا كأطلاب الأمراء المقدمين، وكان فى طلبه ست عجلات تسحبها (٤) الأكاديش، وفى كل عجلة مكحلة نحاس برسم المدافع، فإن درب الحجاز كان فى غاية الاضطراب بسبب فساد العربان. ولم يركب قدّام المحمل أحد من القضاة
стр. 3371
الأربعة غير قاضى المحمل شمس الدين محمد بن النقيب (١). وأشيع أن كسوة الكعبة الشريفة أرسلها ملك الأمراء من البحر الملح إلى مكة، وكذلك المال الذى بعث به السلطان سليمان بن عثمان إلى مكة والمدينة النبوية، لأجل الصدقة على مجاورى (٢) الحرمين الشريفين، صحبة قاضى العسكر لما توجّه إلى مكة من البحر الملح، وسبب ذلك من فساد العربان فى الطريق واضطراب درب الحجاز فى هذه الأيام المشطّة.
وفى يوم الاثنين رابع عشرينه حضر قاصد من البحر وأخبر أن السلطان سليمان فى المحاصرة مع الفرنج الروادسة، وأحضر كتابا من عند الأمير جانم الحمزاوى يذكر فيه أن العسكر فى انشحات من الغلاء بسبب القمح والدقيق وقد عزّت الأقوات هناك.
فلما بلغ ملك الأمراء ذلك نزل إلى الشون التى بمصر العتيقة وأخرج ثلاثين ألف أردب من القمح ليجهّزها للسلطان والعسكر، ثم أرمى على الطواحين عشرة آلاف أردب قمح يطحنونها دقيقا. فاستمرّ ينزل إلى الشون بسبب ذلك أربعة أيام متوالية حتى جهّز فى المراكب ثلاثين ألف أردب قمح وخمسمائة حمل دقيق وخمسمائة أردب أرز، وقيل مثلها حمّص وبسلّة، وقيل أرسل مع ذلك أشياء كثيرة من البصل وغير ذلك مما استحسنه، فجهّز ذلك بسرعة وأرسله من البحر إلى السلطان والعسكر الذين (٣) هناك.
وفى شهر ذى القعدة كان مستهلّه يوم الأحد، وقيل يوم الاثنين، وكانت القضاة الأربعة منفصلين عن القضاء كما تقدّم، فلم يطلع منهم أحد إلى التهنئة بالشهر فى ذلك اليوم. - وفى يوم الثلاثاء ثالثه عزل الأمير جانى بك من كشف الشرقية، واستقرّ به الأمير أينال السيفى طراباى. - وفى يوم الاثنين ثامنه توفيت أصيل القلعيّة، وكانت من أعيان مغانى البلد، وكان لها إنشاد لطيف، وكانت بارعة فى غناء الخفايف التى هى فرج الزمان، ورأت من الأعيان وأرباب الدولة غاية الحظّ والإحسان لها.
وفيه نودى فى القاهرة بإبطال الفضة العتيقة من المعاملة قاطبة، وأن الفضة الجديدة تصرف كل نصف بنصفين وربع، فازداد وقوف الحال على الناس ثانيا بإبطال الفضة العتيقة من المعاملة، والفلوس الجدد كانوا كل اثنين بدرهم، فنادوا عليهم
стр. 3372
كل واحد بدرهم، فازداد الحال وقوفا ثالثا.
وفيه أشيع أن ملك الأمراء خاير بك قد مرض ولزم الفراش، وتزايد به المرض من يومه وانقطع عن المحاكمات، فلما قوى عليه المرض صار يتصدّق على الأطفال الذين (١) فى المكاتب بالقاهرة قاطبة، لكل صغير منهم بنصف فضة كبير بنصفين وربع، وصار أحد الخازندارية وابن الظريف المقرئ يدفع لكل صغير النصف فى يده، ويعطون (٢) الفقيه خمسة أنصاف كبار، والعريف ثلثة أنصاف كبار، ويقولون لهم: اقرأوا الفاتحة وادعوا لملك الأمراء بالشفا والعافية. وقد تكاثرت الأقوال بأن به ثلاثة أمراض، منها فرخة جمرة طلعت له فى مشعره، ومنها انحدار انصبّ له فى أعضائه، وهو من أنواع الفالج، ومنها كتم البول، فصارت الحكماء تبات عنده فى كل ليلة وقد أعياهم أمره فى هذا العارض الذى به، وقيل إنه مشغول من حين نزل إلى الشونة.
وفى هذا الشهر ثبت النيل المبارك على إحدى وعشرين أصبعا من تسعة عشر ذراعا، وكان نيلا متوسّطا، وكان فى العام الماضى ثبت على عشرين ذراعا إلا أصبعا واحد. - وفى يوم الثلاثاء تاسعه أفرج ملك الأمراء عن القضوى الشرفى شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وأفرج عن القاضى شرف الدين بن عوض، وألبسهما قفطانين حرير مذهب، وأركبهما فرسين من الاسطبل السلطانى، ونزلا من القلعة إلى دورهما، فكان لهما موكب حافل لما شقّوا من القاهرة، وكان ذلك اليوم مشهودا، فتخلّقت عيالهما بالزعفران، فإنهما خلصا من فم موت، وقد قاسوا شدائد ومحنا من ضرب وبهدلة وسجن فى العرقانة، وقد أقاموا فى هذه الشدّة نحو أربعة أشهر، وقسى قلب ملك الأمراء عليهما، فلما أفرج عليهما قال فى ذلك الناصرى محمد بن قانصوه من صادق، وهو قوله:
بالشرفىّ المقرّ أضحى … ديوان ذى الملك فى انضباط
لا زال فيه إلى المعالى … بالسعد يرقى بلا انهباط
стр. 3373
فلما نزل القاضى شرف الدين الصغير إلى بيته لم يقم به إلا ساعة يسيرة وركب وتوجّه إلى الإمام الشافعى ﵁، فزاره ثم طلع إلى القلعة ثانيا هو والقاضى بركات بن موسى المحتسب، فاجتمعوا على ملك الأمراء وتكلّموا معه بسبب المقر الشهابى أحمد بن الجيعان، فإن ملك الأمراء توقّف فى الإفراج عنه، وكان قد عوّل على شنقه على باب زويلة، فنجّاه الله تعالى من كيده، ولولا اشتغل ملك الأمراء بنفسه لكان شنق الشهابى أحمد بن الجيعان لا محالة، فلما تكلّم القاضى شرف الدين الصغير والقاضى بركات المحتسب، وقيل ساعدهما خير الدين نائب القلعة فى أمر الشهابى أحمد ابن الجيعان، فرسم ملك الأمراء بالإفراج عنه بعد جهد كبير، وكان ملك الأمراء على خطّة وبان عليه لوايح الموت، فلما أفرج عنه ألبسه قفطان حرير، وأركبوه على فرس من الاسطبل السلطانى، ونزل من القلعة وشقّ من القاهرة فرجّت له، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وتخلّقت جماعته وعياله بالزعفران، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة، فإن الشهابى أحمد كان محبّبا للناس، فشقّ من القاهرة بعد العصر، فكان له موكب حافل، وكان ذلك اليوم مشهودا، فتوجّه إلى داره بعد ما قد قاسى شدائد ومحنا (١) وأوعد بالشنق من ملك الأمراء فكفاه الله مؤنته، وقد قال فيه الأديب ناصر الدين محمد بن قانصوه، وهو قوله فيه:
الحمد لله بكم عيننا … قرّت وقرّت فرحة فى سرور
لما خلصتم ونزلتم إلى … منازل العزّ وزال الشرور
وفى يوم الخميس حادى عشره أشيع بين الناس أن ملك الأمراء بطلت شقّته وعجز عن القيام، وتزايد به ألم تلك الفرخة الجمرة، واشتدّ عليه مخرج البول والغائط من الورم من تلك الجمرة. وهذا العارض بعينه وقع للخوندكار سليم شاه بن عثمان ومات به. ثم إن قضاة القضاة ركبوا وطلعوا إلى ملك الأمراء وعادوه وسلّموا عليه، فلم يع (٢) لهم ولم يلتفت إليهم، فقرأوا له الفاتحة ونزلوا إلى دورهم. فلما تزايد الأمر بملك الأمراء أعتق جميع جواريه ومماليكه وعبيده. ثم إنه دفع للقاضى
стр. 3374
بركات بن موسى المحتسب ألف دينار فضة، ورسم بإخراج عشرة آلاف أردب قمح من الشونة، ورسم للمحتسب بأن يفرّق ذلك على مجاورين (١) جامع الأزهر والمزارات والزوايا التى بالقرافتين قاطبة، ومجاورين (١) مقام الإمام الشافعى والليث ﵄، ويفرّق باقى ذلك على الفقراء والمساكين ومن عليه دين، فنزل القاضى المحتسب وفرّق ذلك كما رسم له ملك الأمراء. ثم إن ملك الأمراء رسم بإخراج مراسيم إلى القاضى فخر الدين بن عوض بأن يفرج لأصحاب الرزق الأحباسية التى كان أدخلها إلى الديوان السلطانى، وكان قدرها نحو ألف وثمانمائة رزقة، فأفرج عنها لأصحابها، وأعاد مكاتيب الرزق الجيشية التى كان أخرجها المفتش يوسف بن الجاكيّة، فأعادها إلى أصحابها، ثم صار يقول للمباشرين الذين (٢) شوّش عليهم: حاللونى وابروا ذمّتى. فحاللوه غصبا.
ثم فى يوم الجمعة ثانى عشره رسم بإطلاق المحابيس من رجال ونساء، فتوجّه القاضى شرف الدين الصغير والقاضى المحتسب إلى بيت الوالى وعرضوا من فى سجن الديلم والرحبة، فطلعوا بالمحابيس فى زناجير مشاة وتوجّهوا بهم إلى بيت الوالى، فلما عرضوهم هناك صار القاضى شرف الدين الصغير والقاضى المحتسب يصالحون (٣) أصحاب الديون الذى عليه من أربعين أشرفيا ونازل فيقولون لأصحاب الديون: اتركوا لأجل ملك الأمراء الباقى. فصالحوا أرباب الديون بقدر يسير، ففعلوا مثل ذلك بجماعة كثيرة من المديونين، وفيهم جماعة من أعيان الناس، وأطلقوا جماعة كثيرة من الضمّان وجماعة من الفلاّحين، فقيل أطلقوا من سجن الرحبة أربعين إنسانا، وأطلقوا من سجن الديلم دون ذلك، ولم يتركوا بالسجنين غير الحرامية ومن عليه دم. ولم يروا الناس فى أيام ملك الأمراء خاير بك أحسن من هذه الأيام، فإنه جاد مع الناس وبرّ الفقراء والمساكين، ولم يعرف الله إلا وهو تحت الحمل، فلم يفده من ذلك كله شئ. ويأبى الله إلا ما أراد.
ويقرب من هذه الواقعة ما وقع للأشرف الغورى لما أن حصل له عارض فى عينه، فجاد مع الناس إلى الغاية وأفرج عن من بالسجون، وعن جماعة من المباشرين
стр. 3375
ممن كان فى الترسيم، وتصدّق بمال له صورة، وكانت تلك الأيام خيار أيام دولته على الإطلاق. ويقرب من ذلك ما وقع للملك الأشرف قايتباى، لما وقع من على الفرس وانكسر فخذه، وأقام وهو منقطع فى القاعة التى بجوار الدهيشة، وجلس على سرير مقوّر، وصارت الناس تدخل عليه وتسلّم عليه، فجاد مع الناس وأفرج عن جماعة كثيرة من المباشرين كانوا فى الترسيم، وتصدّق بمال له صورة على الفقراء وعلى المساكين، وفعل أشياء كثيرة من أنواع البرّ والصدقات، وكانت تلك الأيام خيار أيام دولته، وغالب هؤلاء (١) الملوك ما يعرفون (٢) الله إلا وهم تحت الحمل، إذا جرى عليهم مصيبة يجودون (٣) فى حق الناس ويفعلون الخير.
وفى يوم السبت ثالث عشره أشيع أن ملك الأمراء قد دخل عليه النزاع، وأنه أرسل خلف الأمير سنان بك العثمانى، فلما طلع إليه وجده فى حال التلف، فدفع إليه خاتم الملك الذى كان السلطان سليم شاه أعطاه له، ثم أنه قال له على قدر الأموال التى (٤) فى الحزائن، وقال له: أنت تكون النائب على مصر من بعدى. ثم أوصاه على أولاده، وعلى عياله، وعلى جماعته، وعلى حاشيته، وعلى الشيخ يونس النصرانى، وعلى مماليكه، وقال له: كما كنت فى حقّكم كونوا فى حق جماعتى كذلك.
فلما نزل الأمير سنان من عنده قوى عليه النزاع وصار يتكلم فى الغيبانيات، ويقول: أين المال؟ أين الملك؟ وصار يصعق حتى خاف منه من كان حوله، وقد فتنته الدنيا كما فتنت من قبله، فكان كما يقال فى المعنى.
قد نادت الدنيا على نفسها … لو كان فى العالم من يسمع
كم واثق بالعمر خيّبته … وجامع بدّدت ما يجمع
وفى يوم الأحد رابع عشره أرجفت القاهرة بموت ملك الأمراء خاير بك، وأشيع أنهم أدخلوه إلى دور الحريم وقد أغمى عليه، وأقاموا نعيه بالقلعة بعد الظهر، ثم إنه بعد ذلك أفاق بعد العصر فطلب الحكماء، فلما طلعوا إليه وجدوه قد أفصل
стр. 3376
وتوفى إلى رحمة الله تعالى، فبات تلك الليلة بالقلعة. - فلما كان يوم الاثنين خامس عشره شرعوا فى تجهيزه فغسّلوه وكفّنوه وقدّموا إليه النعش عند باب الستارة، وحملوه وصلّوا عليه عند باب القلّة، وكان الذى صلّى عليه هناك الشيخ إبراهيم شيخ الجامع المؤيدى، ثم نزلوا به من سلّم المدرّج، ومشى قدّام نعشه العسكر العثمانى من الأمراء وغيرها، وكذا الأمراء الجراكسة والمماليك، وكانت جنازته مشهودة، ثم لاقته قضاة القضاة الأربعة من عند مدرسة أيتمش التى عند باب الوزير، فصلّى عليه ثانيا قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل على قارعة الطريق عند مدرسته، ثم توجّهوا به إلى مدرسته التى أنشأها هناك فدفن على إخوته.
وقد أظهر جماعة من مماليكه الحزن والأسف عليه، وقطّعوا وجوههم (١) حتى سال منها الدم، ولبسوا السواد، منهم برسباى الخازندار وجان بلاط وقانصوه أمير آخور ومحمد المهمندار، وغير ذلك من مماليكه، ومهتاره محمد، وجميع غلمانه.
فانقضت أيام دولته كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغيّر. فكانت مدّة نيابته على مصر خمس سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، فإنه ولى نيابة مصر عن الخوندكار سليم شاه فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وتوفى فى يوم الأحد رابع عشر ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وكانت أيامه كلها ظلم وجور، وقد قلت فيه:
اعجبوا من نائب فى مصرنا … خانه الدهر وجازاه العمل
زال عنه الملك والمال معا … وأتاه الموت يسعى بالعجل
وعاش من العمر نحو ستين سنة، وكان ملكا جليلا معظّما كفوا للسلطنة، عارفا بأحوال المملكة، ولولا ما حص فى أيامه من المظالم والحوادث (٢) المقدم ذكرها لكان خيار من ولى على مصر. وكان صفته أبيض اللون مستدير (٣) اللحية، كما وكزه الشيب فى لحيته، وكان طويل القامة، نحيف الجسد، فصيح اللسان بالعربية، حسن الشكل، عربىّ الوجه، رقيق الطباع، منهمكا على شرب الخمور وسماع الآلات،
стр. 3377
ومات عن ثلاث نسوة، منهم خوند مصر باى وجان حبيب وأم أولاده التى كانت بإسطنبول، وعدّة سرارى بيض وحبش، وخلف من الأولاد من ذكور وإناث عدّة ما يحضرنى عددهم، وقيل وجد عنده من الأموال ستمائة ألف دينار ذهب عين، هذا خارجا عما (١) كان فى بيت المال من المال، وخلف من الخيول والجمال والبغال ما لا ينحصر، [ومن] الغلال ومن الأغنام والأبقار أشياء كثيرة، ومع وجود هذه الأموال التى (٢) تركها كان يكسر جوامك المماليك الجراكسة ستة أشهر لم يعطهم شيئا، ويشكى أن بيت المال مشحوت من المال.
أقول: وكان أصل ملك الأمراء خاير بك من مماليك الملك الأشرف (٣) قايتباى، وهو جركسى الجنس أباظا، وكان أبوه اسمه ملباى الجركسى، ولهذا كان يدعى خاير بك من ملباى، وكان له أربعة إخوة، وهم: كسباى وخضر بك وجان بلاط وقانصوه، فقدّمهم أبوهم إلى الملك الأشرف قايتباى. فأما خاير بك فإنه ولد بقرية يقال لها صمصوم، وهى بالقرب من بلاد الكرج، ولم يولد (٤) ببلاد جركس، فلما كبر قدّمه أبوه ملباى إلى الأشرف (٥) قايتباى ولم يدخل تحت رقّ قطّ. وأما أخوه كسباى (٦) فإنه مات بالطاعون فى دولة الملك الأشرف قايتباى، ومات أيضا أخوه خضر بك.
وأما أخوه جان بلاط فإنه بقى مقدّم ألف ومات فى دولة الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، مات بالطاعون. وأما أخوه قانصوه فإنه كان يعرف بقانصوه المحمدى البرجى، فارتقى حتى ولى نيابة الشام، ومات فى دولة الأشرف الغورى.
وأما خاير بك فإنه أقام بالطبقة وصار من جملة المماليك السلطانية، ثم أخرج له السلطان خيلا وقماشا وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بقى خاصكيا دوادار سكين، ثم بقى أمير عشرة فى سنة إحدى وتسعمائة فى دولة الملك الناصر بن الأشرف قايتباى، ثم بقى أمير طبلخاناه فى دولة الناصر محمد بن قايتباى، وأرسله قاصدا إلى الخوندكار أبى يزيد بن عثمان ملك الروم فى سنة ثلاث وتسعمائة، ثم بقى أمير مائة مقدم ألف
стр. 3378
فى دولة الأشرف جان بلاط، وخرج صحبة العسكر إلى الشام بسبب قتال قصروه نائب الشام، فلما تسلطن العادل طومان باى هناك سجن خاير بك فى قلعة الشام، فلما حضر العادل إلى مصر أرسل بالإفراج عنه، فلما حضر أنعم عليه بتقدمة ألف كما كان، فلما تسلطن الأشرف الغورى جعله حاجب الحجاب، واستمرّ على ذلك حتى توفى أخوه قانصوه المحمدى البرجى نائب الشام، فنقل السلطان الأمير سيباى من نيابة حلب إلى نيابة الشام عوضا عن قانصوه البرجى، وأخلع على الأمير خاير بك وقرّره فى نيابة حلب عوضا عن سيباى، وذلك فى سنة عشر وتسعمائة.
واستمرّ على ذلك حتى تحرّك الخوندكار سليم شاه بن عثمان على السلطان الغورى وانكسر، وكان خاير بك نائب حلب سببا لكسرة الغورى، فلما ملك سليم شاه الديار المصرية وجرى منه ما جرى، فلما أراد التوجّه إلى بلاده أخلع [على] يونس باشاه وقرّره نائبا على مصر، ثم بدا له أن يقرّر خاير بك نائب حلب على نيابة مصر عوضا عن يونس باشاه، فأخلع عليه فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفع إليه خاتم الملك، فاستمرّ على نيابته بمصر إلى أن مات فى يوم الأحد رابع عشر ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، فكانت مدة نيابته على مصر خمس سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، بما فيه من مدّة توعكه وانقطاعه عن المحاكمات، انتهى ذلك.
وأما ما عدّ من مساوئه فإنه كان جبارا عنيدا عسوفا سفاكا للدماء، قتل فى مدّة ولايته على مصر ما لا يحصى من الخلايق، وشنق رجلا على عود خيار شنبر أخذه من جنينة، وشنق ووسّط وخوزق من الناس جماعة كثيرة، واقترح لهم أشياء فى عذابهم، فكان يخوزقهم من أضلاعهم ويسميه شكّ الباذنجان (١)، فقتل بمصر وحلب فوق العشرة آلاف إنسان، وغالبهم راح ظلما. ومنها أنه أتلف معاملة الديار المصرية من الذهب والفضة والفلوس الجدد، وسلّط إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب على أخذ أموال المسلمين. ومنها أنه قرّب شخصا من النصارى يقال له الشيخ يونس، وجعله
стр. 3379
متحدثا على الدواوين، وصارت المسلمون تقف فى خدمته ويخضعون إليه. ومنها أنه كان يكره الفقهاء وطلبة العلم بالطبع، وعزل القضاة الأربعة ونوّابهم قاطبة، ومنع الشهود أن لا يجلسوا فى الحوانيت ويتقاضوا أشغال الناس.
ومنها أنه كان يكره المماليك الجراكسة، ويعوّق جوامكهم ستة أشهر، ثم يصرف لهم شهرين بألف جهد. ومنها أنه شوّش على جماعة من أعيان المباشرين وضربهم وبهدلهم، وعوّقهم (١) فى الترسيم نحو خمسة أشهر، ولا سيما ما جرى على الشهابى أحمد بن الجيعان، فإنه أسلب نعمته وأخذ منه فوق السبعين ألف دينار، حتى باع جميع أملاكه وقماشه ورزقه، وبقى على الأرض البيضاء. ومنها أنه ندب يوسف بن أبى الفرج وقرّره فى وظيفة يقال لها مفتش الرزق الجيشية، فحصل للناس منه غاية الضرر الشامل. ومنها أنه أرسل فخر الدين بن عوض إلى بلاد الصعيد ومسح الرزق الأحباسية وأدخلها فى الديوان، ولم يفرج عنها، وحصل للناس بسبب ذلك غاية الضرر، فقيل إنه أخرج ألفا وثمانمائة رزقة، منهم من كان على الزوايا والمساجد والترب وغير ذلك.
ومنها أنه كان سببا لخراب الديار المصرية، ودخول سليم شاه بن عثمان إلى مصر، وحسّن له عبارة بأخذ مصر، وضمن له أخذها من غير مانع، وعرّفه كيف يصنع، حتى ملكها وجرى منه ما جرى، وقتل الأمراء والمماليك (٢) الجراكسة، وشنق السلطان طومان باى على بابى زويلة، وكل ذلك بترتيبه ودولبته. وكان كثير الحيل والخداع والمكر، وكان من دهاة (٣) العالم، لا يعلم له حال، ولو ذكرت مساوئه كلها لطال الشرح فى ذلك. وقد قلت فيه هذه الأبيات عن لسان خاير بك.
أصبحت بقعر حفرة مرتهنا … لا أملك من دنياى إلا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته … من بعض عبيدك المسيئين أنا
فلما تحقّق الناس موت ملك الأمراء ارتجّت المدينة، وأشيع أن التركمان ينهبون الأسواق، فانتقل سكان الجسر من بركة الرطلى على لمح البصر، ووزّع الناس أمتعتهم
стр. 3380
فى الحواصل. ثم طلع الأمير سنان بك إلى القلعة، وحضر الأمير خير الدين نائب القلعة والأمير خضر، والكواخى أغاوات الأنكشارية. فلما اجتمعوا ضربوا مشورة فى أمر المملكة وما يكون من أمر جماعة العثمانية، فالتزم خير الدين نائب القلعة والكواخى بأمر الأنكشارية، والتزم الأمير سنان بك والأمير خضر بأمر الأصبهانية وغير ذلك من الكمولية، ثم حضر الأمير أرزمك الناشف فألزموه بأمر المماليك الجراكسة وما يحصل منهم. ثم ختم نائب القلعة والأمير سنان على الحواصل التى (١) بالقلعة.
ثم إن الوالى والقاضى بركات بن موسى المحتسب نزلا من القلعة ونادوا فى القاهرة بالأمان والاطمان والبيع والشرى، وأن أحدا لا يغلق له دكانا، والدعاء للسلطان سليمان بالنصر، فارتفعت له الأصوات من [الناس] قاطبة بالدعاء، فكرّروا هذه المناداة يوم الأحد ويوم الاثنين. وكان عند العثمانية عادة إذا مات صاحب المدينة تنهب المدينة عن آخرها، فمنعوا الأمراء التركمان من ذلك، وقالوا: متى نهبتوا المدينة تقتلكم أعوام مصر، ويحصل بينكم وبينهم فتنة عظيمة، وتخرب مصر عن آخرها.
فسكن الاضطراب قليلا.
ثم فى يوم الاثنين، لما دفن خاير بك، تحوّل الأمير سنان وطلع إلى القلعة من يومه وسكن بها، فوقع بين الأمير سنان والأمير خضر تشاجر بسبب النيابة، فأظهر الأمير سنان مرسوما، وعليه علامة السلطان سليمان، بأن إذا توفى ملك الأمراء خاير بك يكون عوضا عنه فى نيابة مصر، فوقع الاتفاق بينهما بأن يستمرّ بالقلعة، ويكاتب السلطان بموت خاير بك، وينتظر الجواب بما تقتضيه الآراء الشريفة فى ذلك. ثم إن الأمير سنان عرض ما فى بيت المال من المال، فوجد خاير بك خلّف من المال عما (٢) قيل ستمائة ألف دينار، خارجا عما كان ببيت [المال].
ثم إن الأمير سنان أخلع على القاضى شرف الدين الصغيّر واستقرّ به متحدثا [على] جهات الغربية. وأخلع على الشهابى أحمد بن الجيعان وشرف الدين بن عوض
стр. 3381
وجعلهما متحدّثين على جهات الشرقية، فامتنع الشهابى أحمد بن الجيعان كل الامتناع من لبس القفطان، وقال: أنا أصبحت رجل فقير لا أملك من الدنيا شيئا، وأنا ما بقيت أباشر شيئا، فارسلونى إلى إسطنبول أو إلى مكة. وردّ على الأمير سنان ذلك القفطان. وأخلع على القاضى بركات بن موسى المحتسب وجعله متحدثا على جميع جهات الشرقية قاطبة، من دمياط إلى المطرية على عادته. وأخلع على محيى الدين بن أبى أصبع وجعله متحدثا على ديوان الوزارة وديوان الخاص على عادته كما كان. - وفى ذلك اليوم نزل حريم خاير بك من القلعة على وجوههم (١) وهم فى غاية الذل.
وفى يوم الأربعاء سابع عشره رسم الأمير سنان بتوسيط شخص من الأصبهانية، فوسّطه فى الرملة، وسبب ذلك أنه خطف خرقة جوخ ثمنها نحو مائة وعشرين دينارا، فطلع صاحب الجوخ إلى الأمير سنان وشكى له من ذلك الشخص الأصبهانى، فقال له الأمير سنان: لك عليه بيّنة بأنه خطف منك الخرقة الجوخ؟ فقال: نعم. وأحضر من شهد عليه بذلك، فأرسل خلف الأصبهانى وسأله عن ذلك، فاعترف وأحضر الخرقة الجوخ، فأعادها الأمير سنان إلى صاحبها ومضى، ثم إنه رسم بتوسيط الأصبهانى فوسّطه فى الرملة عند باب الميدان، وهذا أول حكم الأمير سنان فى القتل.
ثم إن الأمير سنان رسم بأن يقيم جماعة من الأنكشارية فى بيت المحتسب، يضبطون ما يتحصّل من أموال الحسبة فى يوم، وجعل مثل ذلك فى بيت الوالى، وبيت محيى الدين بن أبى أصبع كون أنه متحدث فى ديوان الوزارة والخاص. وجعل مثل ذلك فى ديوان المواريث، يضبطون ما يتحصّل فى كل يوم. وجعل مثل ذلك على المكّاسة الذين (٢) ببولاق ومصر العتيقة، وغير ذلك من القبّاض. - وفى يوم الخميس سابع عشره سافر الأمير أينال السيفى طراباى، الذى ولى كاشف الشرقية، إلى محلّ ولايته بها.
وفى يوم الجمعة تاسع عشره حضر شخص من مماليك الأمير قايتباى الدوادار فى
стр. 3382
بعض أشغال أستاذه، وعلى يده كتب، فكان من مضمونها أن السلطان سليمان نازل على رودس وأنه بيحاصر (١) مدينة رودس أشدّ المحاصرة، وقد قتل من العسكر العثمانى والعسكر المصرى ما لا يحصى، من البندق الرصاص ومن المدافع التى هى عمّالة (٢) فى كل يوم نازلة من قلعة رودس، وكلما هدم من سورها شئ فتبنيه الفرنج تحت الليل بالحجر الفصّ، وقد أعياهم أمر الفرنج وقوة بأسهم، وقد كتم موت من مات من الأمراء الجراكسة والمماليك.
وفى يوم السبت عشرينه رسم الأمير سنان لمماليك ملك الأمراء خاير بك بأن ينزلوا من الطباق التى (٣) بالقلعة، فشقّ ذلك عليهم، فلما نزلوا من الطباق طلع إليها جماعة من الأصبهانية (٤) ممن هو من جماعة الأمير سنان، فصارت الأصبهانية من عصبة الأمير سنان، والأنكشارية من عصبة خير الدين نائب القلعة. ثم أشيع أن وقع بين الأمير سنان والأمير خضر العثمانى تشاجر بسبب النيابة، فوقع الاتّفاق على ما يرد من جواب السلطان عن ذلك. - وفيه أشيع أن الأمير أينال الذى استقرّ كاشف الشرقية تحوّل عنها إلى كشف الغربية، وأعيد الأمير جانى بك إلى كشف الشرقية كما كان أولا.
وفى شهر ذى الحجة كان مستهلّه يوم الثلاثاء، فكان المتحدّث على الديار المصرية يومئذ الأمير سنان بك العثمانى، نائبا على مصر عوضا عن خاير بك بحكم وفاته، وكانت قضاة القضاة منفصلين عن القضاء كما تقدّم، فلم يطلع إلى التهنئة بالشهر أحد. - وفى يوم السبت خامسه فيه توفى الشيخ أمين الدين بن النجّار خطيب جامع الغمرى، وكان دينا خيرا من أهل العلم والدين، وكان من أعيان الشافعية.
وفى عقيب موته توفى القاضى جلال الدين محمد بن بدر الدين محمد بن كميل أحد نواب الشافعية، وكان عالما فاضلا وله نظم جيد، وكان [من] أعيان نواب الشافعية. - وفى يوم الخميس عاشره كان عيد النحر، فصنع الأمير سنان مدّة حافلة بالقلعة لأجل
стр. 3383
الأصبهانية والأنكشارية والكمولية، فانتهبوا تلك المدّة على لمح البصر، وقد ذاق الأمير سنان طعم المملكة، ودخل حلاوتها فى أسنانه.
وفى يوم الخميس سابع عشره نادى الأمير سنان بعد العصر فى القاهرة، بأن السلطان سليمان استقرّ بالوزير الأعظم مصطفى باشاه بأن يكون نائبا على مصر، عوضا عن خاير بك بحكم وفاته، وقد وصل ذلك النائب إلى ثغر الإسكندرية. ثم نادى فى ذلك اليوم للناس بالأمان والاطمان والبيع والشرى، وأن لا أحدا يكثر كلاما فيما لا يعنيه. فلما تحقّق الناس ذلك خرجت المباشرون وأعيان الناس إلى ملاقاة ذلك النائب، وأشيع أن الأمير جانم الحمزاوى قادم صحبة النائب وأنه قد وصل إلى قليوب، فخرج غالب العسكر العثمانى إلى ملاقاته.
فلما كان يوم الأربعاء ثالث عشرين ذى الحجة، وصل الوزير الأعظم مصطفى إلى ساحل بولاق، فلما أشيع ذلك نزل الأمير سنان من القلعة والأمير خير الدين نائب القلعة، وأتى إليهم الأمير خضر العثمانى، وأتى إليهم الكواخى أغوات الأنكشارية، وأتى الأمير أرزمك الناشف أغات المماليك الجراكسة، ثم توجّه العسكر العثمانى والمماليك الجراكسة، وسائر الأصبهانية والأنكشارية والكمولية قاطبة، فتوجّهوا إلى بولاق لأجل ملاقاة النائب مصطفى. فلما وصلوا إلى بولاق أحضروا للنائب فرسا من الخيول الخاص، ولبس خلعة السلطان، وهى تماسيح على أحمر، وأحضروا لجماعته نحو أربعمائة فرس، فركب النائب من هناك وجماعته، ومشت الأنكشارية قدّامه والكمولية قاطبة، يرمون بالنفوط، وركب قدّامه جميع الأصبهانية وأمراؤهم، وجميع المماليك الجراكسة وأمراؤهم (١)، وأعيان الناس قاطبة، فدخل من باب البحر واستمرّ إلى باب القنطرة، فشقّ من سوق مرجوش، ثم شقّ من القاهرة فى موكب حافل مثل مواكب ملك الأمراء خاير بك، وكان الأمير سنان عن يمينه، والأمير جانم الحمزاوى عن يساره وعليه خلعة تماسيح مذهب، والأمير خير الدين نائب القلعة والأمير خضر قدّامه، وعلى رأسه صنجق
стр. 3384
حرير أحمر بطلعة فضة، ومن ورائه طبلان وزمران عثمانى، وخلفه جماعة من مماليكه بطراطير حمر بعصايب ذهب. فلما شقّ من القاهرة ارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكان ذلك اليوم مشهودا.
وكانت صفته أنه أبيض اللون عربىّ الوجه حليق اللحية، ليس له غير شاربين صفر، معتدل القامة وعليه حشمة وخفر. وقيل هذا أعظم وزراء ابن عثمان حتى أطلق عليه: وزير الوزراء. واستمرّ فى هذا الموكب الحافل حتى شقّ من الرملة ودخل إلى الميدان، ثم صعد إلى القلعة. وفيه يقول الناصرى محمد بن قانصوه من صادق، وهو قوله:
لا تحزنى مصر على … موت الأمير خير بك
بل افرحى بمصطفى … ستنظريه خير بك
ولما قدم النائب مصطفى باشاه إلى مصر، أشيع أن الأخبار وردت على السلطان سليمان بوفاة ملك الأمراء خاير بك وهو على رودس فى يوم الخميس ثالث ذى الحجة، فلما تيقّن موته أخلع على وزيره الأعظم مصطفى باشاه وقرّره فى نيابة مصر عوضا عن خاير بك بحكم وفاته، فاستقرّ فى النيابة يوم السبت خامس ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وكانت ولايته فى يوم الخميس (١) وهو يوم نحس مستمر، وكان السلطان على رودس. فكانت مدّة ولايته من حين ولى برودس إلى أن دخل إلى ثغر الإسكندرية تسعة عشر يوما، وكانت مدة سفره فى البحر أربعة أيام، ودخل إلى شاطئ بولاق يوم الأربعاء ثالث عشرين ذى الحجة، فيكون مدة ولايته من حين ولى برودس إلى أن دخل إلى الديار المصرية ثلاثة وعشرين يوما.
فلما طلع النائب مصطفى باشاه إلى القلعة فى يوم الأربعاء مدّ له الأمير سنان مدّة حافلة بالقلعة، ثم سلمه مفاتيح بيت المال، ودفع إليه خاتم الملك الذى كان السلطان سليم شاه أعطاه لملك الأمراء خاير بك، ثم تحوّل الأمير سنان ونزل إلى داره التى بدرب ابن البابا، فكانت مدّة نيابته على القاهرة إلى أن حضر مصطفى ثمانية وثلاثين
стр. 3385
يوما، كأنها أضغاث أحلام.
ثم فى يوم الخميس رابع عشرينه نزل النائب مصطفى باشاه إلى الميدان، وحضر الأمير سنان والأمير خضر والأمير خير الدين نائب القلعة، وحضرت الكواخى أغوات الأنكشارية، وقرئ عليهم مرسوم السلطان الذى حضر على يدى النائب مصطفى باشاه، فكان براعة استهلال ذلك المرسوم: الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما، ثم نعت فيه النائب مصطفى باشاه بأنعات عظيمة، بأنه وزير الوزراء وأمير الأمراء وما أشبه ذلك من الأنعات الحسنة، ثم رسم له بأن يعطى فى كل سنة من خراج أراضى مصر مائة ألف دينار، له ولمماليكه وحاشيته. ومن مضمون ذلك المرسوم بأن لا يصرف لطائفة الأصبهانية والأنكشارية أكثر من أربعة أنصاف فى كل يوم، فشقّ عليهم ذلك، وكان ملك الأمراء خاير بك رتّب لجماعة من الأصبهانية فجعل له أشرفين كل يوم، وشئ أشرفى كل يوم، وكانت [فى] (١) طائفة الأنكشارية من كان له فى كل يوم عشرون نصفا، وشئ عشرة أنصاف، وشئ ثمانية، فبطل ذلك جميعه واستقرّت على أربعة أنصاف كل يوم. ومن مضمون المرسوم الوصية بالرعية قاطبة، والمماليك الجراكسة، وإصلاح المعاملة، والنظر (٢) فى أحوال المسلمين بما فيه إصلاحهم، وكان من مضمونه أشياء كثيرة يطول الشرح فى ذكرها.
ثم فى ذلك اليوم طلعت القضاة الأربعة يسلّمون عليه فوجدوه فى الأشرفية التى بالقلعة، فلم يمكّنوا فى الدخول إليه غير القضاة الأربعة من غير نوّابهم، فلما دخلوا على النائب وجدوه ملقى على ظهره، فلم يلتفت إليهم ولا قام لهم ولم يعدّهم من البشر، ثم قال لهم على لسان ترجمانه: النائب يقول لكم لولا أنه ضعيف لقام لكم. فقرأوا الفاتحة بسرعة وانصرفوا.
وفى يوم الجمعة خامس عشرينه نزل النائب مصطفى باشاه إلى الميدان وجلس به، وعرض موجود ملك الأمراء خاير بك من الجمال والخيول والبغال، فوجد له من ذلك
стр. 3386
أشياء كثيرة لا تنحصر، ثم تحوّل وطلع إلى الحوش السلطانى وعرض مماليك خاير بك، ثم عرض الحواصل التى (١) فيها موجود خاير بك من القماش وتحف ونحاس وصينى وغير ذلك، فوجد له أشياء كثيرة أعظم من موجود الأشرف قايتباى، ووجد له من الذهب العين عما (٢) قيل ستمائة ألف دينار، وقد حاز هذا الموجود العظيم فى هذه المدّة اليسيرة.
وفى يوم السبت سادس عشرينه نزل النائب مصطفى باشاه إلى الميدان وجلس به، وحوله الأمير سنان والأمير خضر والأمير خير الدين نائب القلعة والأمير أرزمك الناشف، وجماعة آخرون من الأمراء، فأظهر التعاظم فى ذلك اليوم ومشى على طريقة الخوندكار سليم شاه بن عثمان كواحد منهم. وكان النائب مصطفى هذا متزوجا بابنة الخوندكار سليم، وهى أخت السلطان سليمان، فوقف الوالى قدّامه بالعصاه، وكذلك نقيب الجيش أيضا، واصطفّت قدّامه الأنكشارية والكمولية والأصبهانية وبأيديهم العصىّ. ثم ترادفت عليه القصص بحوايج الناس فلم يفهم منها شيئا، وصار الترجمان يقول له معنى ما فى القصص بالتركى وهو كالخشبة. ثم رسم بالمناداة فى القاهرة بالأمان (٣) والاطمان والبيع والشرى، وأن كل من ظلم من بعد ملك الأمراء خاير بك فعليه بالأبواب العالية. ثم أشيع أنه نادى بأن العمال فى البلاد يقبضون الخراج من الفلاّحين على حكم أن النصف من الفضة الجديدة بنصفين، ويقام عليهم عند الحساب بنصفين وربع، ففرحت الفلاّحون بهذه الإشاعة، ثم بعد ذلك تبيّن أن هذه الإشاعة ليس لها صحة، وكل شئ على حكمه فى المعاملة. ثم [إن] النائب قام وطلع إلى القلعة. وهذا أول الديوان فى أيامه، وأول محاكماته بين الناس، وأول جلوسه للناس عامة.
وفى يوم الأحد سابع عشرينه أشيع فى القاهرة بأن القاضى بركات بن موسى قد انفصل من الحسبة، واستقرّ بها شخص من العثمانية من أقارب النائب مصطفى يقال له قاسم باشاه، فاضطربت القاهرة بسبب ذلك، وشقّ على الناس عزله. - وفى ذلك اليوم أشيع أن النائب قد أخذ مفاتيح الحواصل جميعها التى (١) بالقلعة وسلّمها
стр. 3387
إلى جماعة من الأروام من حاشيته، وطرد البوّابين والغلمان والركابة والبابية والركب دارية والفرّاشين والغلمان السلطانية قاطبة، حتى وأبطل الطبّاخين من المطبخ، حتى أبطل السقّايين (١)، وأقام جماعة من الأروام عوضهم، وأبطل المقرئين الذين (٢) كانوا يقرأون بالقلعة قاطبة، حتى أبطل من كان فى القلعة من المؤذّنين وجعل لجامع الحوش فرد مؤذن واحد، وأبطل جميع نظام القلعة الذى كانت عليه قديما، ومشى على القانون العثمانى وهو أشأم (٣) قانون. ثم إنه شرع فى بيع موجود ملك الأمراء خاير بك، فطلب التجّار قاطبة، فطلعوا إلى القلعة بسبب المبيع.
وفى يوم الاثنين ثامن عشرينه طلع أعيان المباشرين إلى القلعة فطردهم، وقال لهم:
انزلوا إلى بيت الدفتردار. فنزلوا من القلعة وتوجّهوا إلى بيت الدفتردار، فاجتمعوا هناك وشرعوا فى أمر تقسيط البلاد. وأشيع أنهم قد أفردوا للنائب مصطفى باشاه (٤) فى كل شهر ثمانية آلاف دينار، له ولمماليكه خاصة، ولجماعته وحاشيته ومطبخه وإنعاماته وغير ذلك. - ومما حكم به الزمان الخبيث على الناس أن المعلّم الحلوانى العجمى، الذى دكانه تجاه المدرسة الناصرية التى بين القصرين، قد صار من خواص النائب مصطفى باشاه وصار من المقرّبين عنده، ويتقاضى حوايج الناس من عنده، واجتمعت فيه الكلمة وصار هو المرجع إليه فى تلك الأيام، حتى بقى كمنزلة الدوادار الكبير، فكان كما يقال فى المعنى:
ما كنت أحسب أن يمتدّ بى زمنى … حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
وفى يوم الثلاثاء تاسع عشرينه قدم مبشر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأن الغلاء وموت الجمال موجود مع الحجاج، ولم يكن لما قالوه من أمر الفتن التى وقعت بمكة صحة، ولله الحمد على ذلك. - وفى ذلك اليوم أخلع النائب مصطفى باشاه على القاضى شرف الدين الصغيّر، وأقرّه على ما كان عليه من التحدّث على جهات الغربية، وأخلع على القاضى فخر الدين بن عوض، وأقرّه على ما كان عليه من التحدّث على
стр. 3388
جهات الصعيد، وأخلع على القاضى بركات بن موسى والقاضى شرف الدين ابن عوض، واستقرّ بهما فى التحدّث على جهات الشرقية قاطبة كما كانا فى الأول، فنزلوا من القلعة وشقّوا من القاهرة فى موكب حافل. ثم أشيع أن القاضى بركات ابن موسى لم يعد (١) إلى الحسبة كما كان، فتشوّش الناس لذلك، وقيل إنه رتّب لذلك الشخص العثمانى الذى قرّر فى الحسبة أشرفين كل يوم.
ثم فى يوم الأربعاء سلخ الشهر ترشّح أمر القاضى بركات بن موسى فى عوده إلى الحسبة، فنادى فى القاهرة بعد العصر حسبما رسم الزينى القاضى بركات بن موسى بأن كل شئ على حاله، وأن جميع السوقة والمتسبّبين يحضرون (٢) باكر النهار إلى بيت القاضى بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة وناظر الذخيرة الشريفة، فهو على حاله فى الحسبة، ففرح غالب الناس بذلك.
انتهى ما أوردناه فى هذا الجزء من الأخبار العجيبة والوقائع الغريبة، وقد اشتمل على أخبار سبع دول كانت بالديار المصرية، وقد تقدّم ذكرها فى أول الجزء وإلى هلمّ.
وقد وقع لى من المحاسن فى هذا الجزء، ما لم يقع لغيرى من المؤرخين فيما أوردوه فى تواريخهم القديمة، وقد أعان الله تعالى على انتهائه على خير، ولله الحمد على ذلك، وفيه أقول:
اغفر لمنشيه (٣) واعف … عما (٤) جنى بالتهامى
أحسنت لى فى ابتداء … يا ربّ فلحسن ختامى (٥)
وقولى أيضا:
تاريخنا بهجة المجالس … يطرب من لفظه المجالس
سماعه للورى سرور … يشرح صدرا لكل عابس
وغيره:
ألّفته (٦) نعم الجليس … إذا تغيّرت البشر
يبقى على سنن الوفا … أبدا ويقنع بالنظر
стр. 3389
الأعلام القسم الأول
стр. 3390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
للشكر والتقدير
أسهم فى تيسير كتابة هذه الفهارس، وإعدادها للنشر، ثم طبعها:
الجمعية الألمانية للأبحاث العلمية
مؤسسة جردا هنكل الموقوفة
وزارة الأبحاث العلمية والتكنولوجية فى ألمانيا الاتحادية
جمعية المستشرقين الألمانية
وكان يشجعنى على الاستمرار فى العمل، والتفرغ لإنجازه، طوال هذه الفترة:
الأستاذ الدكتور هانز روبرت رومر
الأستاذ الدكتور رودلف زيلهايم
الأستاذ الدكتور فريتس شتيبات
الأستاذ الدكتور اسطفان فيلد
стр. 3391
وقد ساعد فى إعداد البطاقات، ومراجعة الأرقام، ثم قراءة التجارب:
ابنتى خديجة مصطفى العجمى
والأستاذة الدكتورة منى مصطفى العجمى
وجماعة من الزملاء كان على رأسهم:
المرحوم حسين محمد على رشدى
ويسعدنى أن أقدم لهؤلاء جميعا أخلص الشكر والتقدير، وأطيب التمنيات.
محمد مصطفى
стр. 3392
مقدمة
كلّفتنى جمعية المستشرقين الألمانية، بأن أحقّق وأنشر الطبعة الثانية للأجزاء الثالث والرابع والخامس، من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، لأبى البركات الناصرى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، فبدأت بنشر الجزء الرابع، لأنه ينقص تماما فى طبعة بولاق، وهو يشمل أخبار السنوات، من ٩٠٦ إلى ٩٢١ هـ (١٥٠١ - ١٥١٥)، ويقع فى ٤٩٢ + ٢٤ صفحة، وطبع بالقاهرة فى سنة ١٣٧٩ هـ (١٩٦٠).
وبعد الجزء الرابع، نشرت الجزء الخامس، وهو الأخير من كتاب ابن إياس، ويشمل أخبار السنوات من ٩٢٢ إلى ٩٢٨ هـ (١٥١٦ - ١٥٢٢)، ويقع فى ٤٩٤ + ٢٢ صفحة، وطبع بالقاهرة فى سنة ١٣٨٠ هـ (١٩٦١)؛ ثم تلاه الجزء الثالث، ويشمل أخبار السنوات من ٨٧٢ إلى ٩٠٦ هـ (١٤٦٨ - ١٥٠١)، ويقع فى ٤٧٧ + ٢٠ صفحة، وطبع بالقاهرة فى سنة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٣).
ومما سبق نرى أن الأجزاء الثالث والرابع والخامس، من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تشمل أخبار السنوات من ٨٧٢ إلى ٩٢٨ هـ (١٤٦٨ - ١٥٢٢)،
стр. 3393
وهى فترة عاصرها ابن إياس بنفسه، إذ كان مولده فى ٦ من ربيع الآخر سنة ٨٥٢ (٨ من يونية سنة ١٤٤٨)، أى أنه كان راشدا ويبلغ من العمر حينئذ عشرين سنة فى ٨٧٢ هـ (١٤٦٨)، فكان يكتب فيها ما يراه أو يسمعه ويثق فيه، من أخبار وحوادث.
ويعتبر ابن إياس المؤرخ الوحيد تقريبا الذى كتب عن هذه الفترة الحماسة من تاريخ مصر، لا سيما ما كتبه فى العشرين سنة الأخيرة من هذه الفترة، من حوليات عن حكم السلطان الأشرف قانصوه الغورى، والعصر الأخير للمماليك الجراكسة، والفتح العثمانى، والسنوات الأولى من العصر العثمانى فى مصر.
ولا يوجد ما يؤكد التاريخ الذى توفى فيه ابن إياس، على وجه التحديد، ولكن من المؤكد أنه بلغ من العمر أكثر من ست وسبعين سنة، وأنه توفى بعد سنة ٩٢٨ هـ (١٥٢٢)، فإن آخر تاريخ كتبه بخط يده كان يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة سنة ٩٢٨ (١٩ من نوفمبر سنة ١٥٢٢)، وذلك ليؤرخ به الفراغ من كتابة الجزء الحادى عشر من بدئع لزهور، ثم يختتم هذه العبارة بقوله «يتلوه الجزء الثانى عشر».
والجزء الحادى عشر هذا، هو الذى نشرته فى الجزء الخامس المذكور أعلاه.
أما الجزء الثانى عشر، الذى أعلن عنه ابن إياس، والذى يجب أن يبدأ فيه المتن من أول المحرم سنة ٩٢٩ (٢٠ من نوفمبر سنة ١٥٢٢)، فإننا لم نعثر عليه حتى الآن، كما أننا لم نستطع الاستدلال على قبر لابن إياس بين مزارات القاهرة.
ونلاحظ أن ابن إياس كان كثيرا ما يسب العثمانيين فى الجزء الأخير من كتابه،
стр. 3394
لغزوهم لمصر، واحتلالهم لها، فهل حدث له حادث بسبب ذلك، واختفى ابن إياس، وضاع معه مخطوط الجزء الثانى عشر، الذى أعلن عنه وهو فى كامل قواه العقلية؛ والمعروف أن مخطوطات الأصل الأربعة الباقية من المخطوطات التى كتبها ابن إياس بخطه، لبدائع الزهور، كانت قد نقلت مع غيرها إلى إسطنبول، ووجدناها هناك فى مكتبة جامع الفاتح.
وقد توخّينا فى نشر الجزء الثالث أن نبدأ فيه بتولّى السلطان الأشرف قايتباى مقاليد الحكم فى مصر، فى شهر رجب سنة ٨٧٢ (١٤٦٨)، وكان من أثر ذلك أننا بدأنا الجزء الثالث هذا من صفحة (٩٩ آ) من مخطوط فاتح رقم ٤١٩٨، الذى كتبه ابن إياس بخطه، دون أن تنشر الثمانى والتسعين ورقة الأولى منه، وهى تحوى أخبار الفترة من شهر ربيع الأول سنة ٨٥٧ (١٤٥٣) إلى شهر رجب سنة ٨٧٢ (١٤٦٨).
ونظرا إلى أنه قد تبيّن لى أننا نستطيع أن نعتبر أن ابن إياس كان أيضا فى هذه الفترة شاهد عيان، وأنه يذكر فيها بعض الأخبار والحوادث، مما لم يذكره غيره من مؤرّخى هذه الفترة لذلك فقد نشرت هذه الأوراق فى سنة ١٩٥١ فى كتاب صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور. وفيما بعد أعدت نشر هذه الأوراق عند ما نشرت الجزء الثانى، فى سنة ١٣٩٢ هـ (١٩٧٢)، فجاءت فى مكانها من هذا الجزء من صفحة ٣٠٧ إلى صفحة ٤٧٦.
ومن دراستى للمخطوطات التى كتبها ابن إياس، وهى التى اعتمدت عليها فى نشر الجزءين الأول والثانى، تبيّن لى أن ابن إياس كان كثيرا ما يذكر فى
стр. 3395
هذه المخطوطات أخبار وحوادث، كان ينقلها عن كتب ومراجع لم نعثر عليها حتى الآن، كما أوضحت ذلك فى المقدمة التى كتبتها للجزء الأول القسم الثانى.
إلى جانب هذا كان ابن إياس يقارن بين ما يقرؤه من أخبار فى كتب المؤرّخين، ويكتب فى بدائع الزهور، ما يثق فى صحته، ويتوخّى الأمانة العلمية فيما ينقله عن المؤرّخين الذين سبقوه، وقد كتبت عن ذلك فى مقدمة الجزء الأول القسم الأول، وقلت، على سبيل المثال، إن ابن إياس يعلّق على ما أورده من أخبار الظاهر بيبرس ويقول فى ج ١ ق ١ ص ٣٤١ «وأخبار الملك الظاهر بيبرس كثيرة، فى عدة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذى أوردناه هنا هى الأخبار الصحيحة، التى ذكرها العلماء من المؤرّخين».
ويذكر ابن إياس الكثيرين من المؤرّخين الذين نقل عنهم، كما يذكر عددا كبيرا من الكتب التى عرفها، وذكر أسماء أصحابها. وقد جمعت أسماء هذه الكتب، وفهرستها تحت كلمة «كتاب» فى الجزء الرابع من الفهارس، الخاص بالمصطلحات.
وقد وافقت جمعية المستشرقين الألمانية على أن أحقّق وأنشر الطبعة الأولى مما بقى من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، لابن إياس، فى الجزءين الأول والثانى، فنشرت الجزء الثانى فى سنة ١٣٩٢ هـ (١٩٧٢)، ويقع فى ٤٧٦ + ٢٣ صفحة، ويشمل الأخبار من سنة ٨١٥ إلى سنة ٨٧٢ هـ (١٤١٢ - ١٤٦٨).
وبعد ذلك نشرت الجزء الأول القسم الثانى، ويشمل أخبار السنوات من ٧٦٤ إلى ٨١٥ هـ (١٣٦٣ - ١٤١٢)، ويقع فى ٨٢٨ + ٢٧ صفحة، وطبع فى
стр. 3396
القاهرة سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤) وأخيرا تلاه الجزء الأول القسم الأول ويشمل المتن من أول الكتاب إلى ١٤ من شعبان سنة ٧٦٤ (٢٩ من مايو سنة ١٣٦٣)، ويقع فى ٥٩٦ + ٥٢ صفحة، وطبع فى القاهرة سنة ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥).
وقد حاولت جهدى أثناء تحقيق ونشر المجلدات الستة، من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، أن أحافظ على أسلوب ابن إياس، فلم أصحح من الهنات، سوى ما ثبت لى أنه وقع سهوا، مع الإشارة إلى ذلك فى الحواشى. أما فى غير ذلك فإننى تركت لغة الكتاب، وما فيها من كلمات، وأصول، وقواعد علمية، كما هى دون أى تغيير أو تعديل فيها، لتكون مثالا يبحثه المشتغلون باللغة وتطور أساليبها.
***
وعقب صدور الجزء الأول القسم الأول، من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، وذلك فى سنة ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥)، تفرغت لمدة سبع سنوات، لكتابة الفهارس، على نسق تلك التى كنت قد كتبتها لكتاب صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، لابن إياس، (القاهرة سنة ١٩٥١)، وأيضا تلك التى كتبتها لكتاب مفاكهة الخلان فى حوادث الزمان، لابن طولون، وهو الذى حقّقته ونشرت القسم الأول منه فى سنة ١٣٨١ هـ (١٩٦٢)، والقسم الثانى فى سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤).
وتتألف الفهارس التى كتبتها لبدائع الزهور، من أربعة أجزاء، فى ستة مجلدات، يشمل الجزء الأول منها: الأعلام، فى مجلدين؛ والثانى: الموظفون
стр. 3397
والوظائف، والحرفيون والحرف؛ والثالث: الأماكن والبلدان، وتفاصيل معمارية؛ والرابع، فى مجلدين: المصطلحات.
وتحوى المجلدات الستة، من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، حوالى ثلاثة آلاف وخمسمائة صفحة، فى كل صفحة منها ٢٤ سطرا، وكل سطر منها يحشوه ابن إياس بأسماء أو كلمات، تدخل ضمن محتويات أجزاء الفهارس الأربعة. فمثلا استطعت أن أجمع حوالى عشرة آلاف من أسماء الأعلام، وأكثر من أربعة آلاف من الوظائف والحرف، ومثلها من الأماكن والبلدان والتفاصيل المعمارية، ونحو عشرة آلاف من المصطلحات، وهذا يبرّر ضخامة الحجم الذى وصلت إليه أجزاء الفهارس.
وقد عمدت أن تبقى جميع الأسماء والكلمات، التى أوردتها فى هذه الفهارس، طبق الأصل كما ذكرها ابن إياس فى كتابه، دون أى تعليق عليها، أو تعديل فى صيغتها.
***
هذا وقد أفدت كثيرا من مراجعة الفهارس التى رتبّتها الأستاذة الدكتورة آ. شمل، لأسماء: الأعلام، والأماكن، والأمراء وقضاة القضاة، التى وردت فى الطبعة الأولى للأجزاء الثالث والرابع والخامس، من بدائع الزهور فى وقائع الدهور. وإنى أذكر هذا مع إعجابى وتقديرى لما بذلته سيادتها، من جهد فى جمع وترتيب هذه الفهارس.
стр. 3398
كما أننى راجعت أيضا «فهرست» أسماء الأعلام والأماكن والبلدان، الواردة فى الأجزاء الثلاثة من طبعة بولاق، وقد ذكرت هذا فى كلمة «تمهيد» التى كتبتها فى أول الجزء الثالث من الفهارس، وأشرت إلى بعض أسماء الأماكن والبلدان التى وردت فى طبعة بولاق، ولم نعثر عليها فيما نشرناه فى متن المجلدات الستة من بدائع الزهور فى وقائع الدهور.
***
وإنه ليشرفنى أن أتقدم لجمعية المستشرقين الألمانية، بأخلص الشكر، لاهتمامها بالعمل على نشر الستة مجلدات، التى كلّفتنى بتحقيقها، من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، لابن إياس، وكذلك المجلدات الستة من الفهارس التى كتبتها لهذا الكتاب، وقد تفضّلت جمعية المستشرقين الألمانية، وأدرجت المجلدات الاثنى عشر، وقررت نشرها مع ما تنشره من كتب التراث، فى سلسلة «النشرات الإسلامية»، وإننى أرجو لها كل توفيق ونجاح.
المعادى فى: ٧ من رمضان سنة ١٤٠٤
٧ من يونيو سنة ١٩٨٤
محمد مصطفى
стр. 3399
الأعلام القسم الثاني
стр. 3400
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
فى المجلدات الستة من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، ذكر ابن إياس أكثر من عشرة الآف من أسماء الأعلام، وكان يذكر الاسم مختصرا، أو يكتفى باسم الشهرة، وعن الوفاة يورد الاسم كاملا.
وفى خلال ذلك يكتب ابن إياس كل ما يعرفه عن الشخص الذى أورد اسمه، من تعيينات، أو ترقيات، أو تنقلات، أو أفراح، أو أحزان، أو ما يصيبه من أمراض، أو يحكم عليه به من السجن، أو النفى، أو التعذيب، أو القتل، وغير ذلك من أمور تتعلق بهذا الشخص فى مدى ما يكتبه ابن إياس فى تاريخه.
وفى هذا الجزء الأول من الفهارس التى كتبتها لبدائع الزهور فى وقائع الدهور، أوردت جميع هذه الأسماء طبق الأصل، كما ذكرها ابن إياس، دون أى تغيير أو تصحيح، وجمعت كل ما وجدته فى بدائع الزهور، من نبذ أو أمور تتعلّق بالشخص المذكور اسمه، وقصدت بهذا أن أجعلها بمثابة تراجم مختصرة لمن وردت أسماؤهم فى هذا الجزء من الفهارس.
ومن دراسة أسماء المماليك الواردة هنا، نستطيع أن نؤكد أنه كانت هناك جداول ثابتة لهذه الأسماء؛ تتغيّر، وتتعدّل، فى كل من عصور المماليك المتعاقبة، فمثلا نجد أن اسم قرابغا يكثر وروده فى القرن الثامن الهجرى (١٤ م).
كما يذكر ابن إياس أسماء الشهرة، التى يعرف بها بعض المماليك مثل الأعمش، الجمل، الخفيف.