وأما ما أنشأه من العمائر وهى: قاعة الأشرفية التى بالقلعة، والإيوان الأشرفى، والمدرسة التى بجوار مشهد السيدة نفيسة، ﵂.
وكان مغرما بمشترى المماليك حتى قيل بلغت عدّة مماليكه فى هذه المدّة اليسيرة ستة آلاف مملوك (١).
وفيه يقول الصفى الحلّى من قصيدة، وهو قوله:
يا أيها الملك الذى سطواته … حلمت بها الأعداء فى يقظاتها
ملك تقرّ له الملوك بأنه … إنسان أعينها وعين حياتها
شتّت شمل المال بعد وفوره … وجمعت شمل الناس بعد شتاتها
وظهرت بالعدل الذى أمسى به … فى البيد يخشى ذئبها من شاتها
ولما قتل الأشرف خليل، وقع الاتّفاق من الأمراء على سلطنة أخيه محمد، فسلطنوه عوضا عنه، وتلقب بالناصر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الأشرف خليل، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون
وهو التاسع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة بعد أخيه الأشرف خليل، يوم الخميس ثامن عشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستمائة؛ وكان له من العمر لما تولّى السلطنة نحو تسع سنين، وكان مولده سنة أربع وثمانين وستمائة، وكانت أمّه خوند أشلون بنت الأمير نكاى.
فلما جلس على سرير الملك، باس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك الناصر، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير كتبغا، واستقرّ نائب السلطنة، عوضا عن الأمير بيدرا؛ وأخلع على
стр. 387
الأمير سنجر الشجاعى، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن ابن السلعوس؛ وأخلع على الأمير بيبرس الجاشنكير، واستقرّ به أستادارا، وكاشف الكشاف.
وفى ذلك اليوم، طاف والى القاهرة برأس الأمير بيدرا، وهى على رمح، ثم علّقت على باب القلعة، ثم نقلت وعلّقت على باب بيته، ثم بعد أيام دفنت فى تربته التى (١) فى القرافة الصغرى.
ثم إنّ الأمير كتبغا أخذ فى أسباب القبض على جماعة من الأمراء الذين كانوا سببا لقتل الملك الأشرف خليل؛ فنزل الشجاعى وقبض على الأمير قفجق السلحدار، والأمير قرمش، والأمير بورى، والأمير لاجين جركس؛ والأمير مغلطاى المسعودى، والأمير كردى الساقى، وهو صاحب الحمام التى كانت بالمدابغ؛ فلما قبض عليهم قيّدهم وسجنهم فى البرج الذى بالقلعة، ثم إنّه قبض على جماعة من المماليك السلطانية وسجنهم بخزانة شمايل.
ثم إنّ الأمير بيبرس الجاشنكير، تولّى عقوبة هؤلاء الأمراء الذين (٢) كانوا فى البرج، وصار يقرّرهم على من كان سببا فى قتل الأشرف خليل، فمنهم من قرّ ومنهم من لم يقرّ.
ثم إنّ الأمير كتبغا رسم بقطع أيديهم وأرجلهم وسمّرهم على جمال، ثم طاف بهم فى القاهرة، والمشاعلية تنادى عليهم: «هذا جزاء من يقتل أستاذه»، وكان لهم فى القاهرة يوم مشهود (٣)؛ ثم وسّطوهم فى الرملة، عند سوق الخيل.
ثم إنّ الشجاعى قبض على الصاحب شمس الدين بن السلعوس، واحتاط على موجوده، ورسم على أقاربه وعياله وحاشيته، وصار يعاقب ابن السلعوس كل ليلة، ويعصر أكعابه بالمعاصير، حتى مات تحت الضرب، وكانت وفاته يوم الأحد خامس عشر صفر من سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فذهب ماله، وزال سلطانه، وقد قيل فى المعنى:
стр. 388
لا تفرحن بخير جاء من غلط … فللزمان إساءات وإحسان
وكن من الدهر إن يصح (١) على حذر … فما تقدّمت إلا وهو سكران
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: كان للصاحب شمس الدين بن السلعوس أقارب بالشام، فلما صار إليه من الأمر ما صار، أرسل خلف أقاربه، فكلهم حضروا إلى القاهرة، إلا شخص من أقاربه يقال له زين الدين، فإنّه أبى من الحضور إلى مصر، وخاف على نفسه، وكتب إلى ابن السلعوس، وهو يقول له:
تنبّه يا وزير الملك واعلم … بأنك قد وطئت على الأفاعى
فكن بالله محتسبا فإنى … أخاف عليك من نهش الشجاعى
فكان الفال بالمنطق، فما عن قريب حتى جرى عليه ما جرى، ونهشه الشجاعى أى نهش، انتهى ذلك.
(٢) [وفى أيامه ظهرت أعجوبة، وذلك أنّ شخصا من أهل القرى بنواحى الصعيد، خرج بثور له ليسقيه من البحر، فلما شرب الثور وفرغ، قال: «الحمد لله»، فتعجّب منه صاحبه، وأحكى ذلك لأصحابه، فلم يصدّقوه على ذلك.
ثم خرج بالثور فى اليوم الثانى، فلما شرب من البحر، قال: «الحمد لله»؛ فلما كان فى اليوم الثالث، اجتمع أهل القرية قاطبة، فلما خرج الثور وشرب من البحر، قال: «الحمد لله»، فسمعه الناس قاطبة.
فتقدّم إليه شخص من الحاضرين، فقال له: «أيها الثور، أنت تتكلم مثل بنى آدم»؟ فقال: «إنّ الله تعالى كان قد قدّر على عباده أن الأرض تجدب سبع سنين، فشفع فيهم النبى ﷺ ، حتى زاد النيل، ووقع الخصب فى الأرض، وأنّ النبى، ﷺ ، قد أمرنى أن أبلّغ ذلك للناس»، فقال له ذلك الرجل: «وما مصداق قولك أيها الثور»؟ فقال: «مصداق قولى، أنى أموت عقيب هذا اليوم».
стр. 389
فلما مضى الثور إلى دار صاحبه، فمات عقيب ذلك اليوم، فتسامعت به أهل القرية، فأتوا إليه وكفّنوه ودفنوه، وكتب بذلك محضر، وثبت على قاضى الناحية] (٢).
[وواقعة الثور المقدّم ذكرها، أوردها الشيخ جلال الدين الأسيوطى، وذكر أنّها وقعت فى أوائل دولة محمد بن قلاون، فى أثناء سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وأنّ السلطان وقف على المحضر الذى كتب، وتعجّب من هذه الواقعة، انتهى ذلك] (١).
وفى هذه السنة (٢)، أعنى سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فيها، فى جمادى الأولى، توفّى الأمير أحمد بن موسى بن يغمور، وكان من أعيان شعراء مصر، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
سوداء بيضاء الشمائل حلوة … معشوقة الحركات والألفاظ
مسكيّة مسكيّة أنفاسها … هنديّة هنديّة الألحاظ
وكانت وفاته بالمحلّة، ودفن بها.
وفيها توفّى الإمام الحافظ العلامة أبو القاسم عبيد بن محمد بن عياش الشافعى، ولد سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ومات فى شعبان من تلك السنة.
ومن هنا نرجع إلى ما كنا فيه: ثم إنّ الشجاعى صار يستخفّ بالسلطان نصغر سنّه، فلما رأى الكلمة اجتمعت فيه، وصار صاحب الحلّ والعقد فى تلك الأيام، حدّثته نفسه بالسلطنة، فصار يرمى الفتن بين الأمراء، وبين الأمير كتبغا، نائب السلطنة.
وصار ينعم على جماعة من المماليك البرجية، ونفق عليهم فى الدسّ نحو ثمانين ألف دينار، وقال لهم: «كل من قتل أميرا وجاء برأسه، يأخذ إقطاعه وبركه وبيته»، فصار العسكر فريقين، فريق مع الشجاعى، وفريق مع كتبنا.
فلما كان يوم الجمعة ثالث عشرين رجب، وثب المماليك البرجية على الأمير كتبغا،
стр. 390
وتوجّهوا إلى بيوت الأمراء، فركب الأمير كتبغا، هو وخشداشينه، وطلعوا إلى سوق الخيل، وحاصروا القلعة أشدّ المحاصرة، وقطعوا عنها الماء، فنزل إليهم المماليك البرجية، وتحاربوا معهم فى الرملة، حتى كاد الأمير كتبغا أن ينكسر.
فجاء إليه الأمير بيسرى، والأمير بكتاش، أمير سلاح، والأمير بكتوت العلاى، والأمير أيبك الموصلى، والأمير آقسنقر، والأمير بلبان الحسنى، وغير ذلك من الأمراء العشراوات، والمماليك السلطانية.
فكان بينهم وبين المماليك البرجية وقعة (١) قوية، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد انكسرت المماليك البرجية، وطلعوا إلى القلعة مهزومين، وكانوا يسكنون فى الأبراج التى (٢) بالقلعة، وكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة مملوك (٣).
فلما تزايد أمر الفتنة، نزلت خوند أشلون، أمّ الملك الناصر، إلى باب السلسلة، وأرسلت خلف الأمير كتبغا، وتحدّثت معه من أعلا السور، وقالت له: «إيش آخر هذه الفتنة؟ إن كان قصدك خلع ابنى من السلطنة فافعل، وارسله فى مكان تقصده».
فقال لها كتبغا: «أعوذ بالله السميع العليم، والله لو بقى من أولاد أستاذنا بنت عمياء، ما خرّجنا الملك عنها، وإنما قصدنا مسك الشجاعى الذى يرمى بيننا الفتن».
فلما رأوا عصبة الشجاعى أنّ الكسرة عليهم، صاروا يتسحّبون من القلعة، وينزلون إلى عند الأمير كتبغا.
فلما رأى الشجاعى عين الغلب، أرسل يطلب من الأمير كتبغا أمانا لنفسه، فلم يعطه (٤) كتبغا أمانا، ولا وافقه على ذلك أحد من الأمراء.
ثم إنّ الشجاعى دخل عند السلطان وقت الظهر، فقال له السلطان: «يا عمّى إيش آخر هذا الحال الذى أنتم فيه»؟ فقال له الشجاعى: «هذا كله لأجلك يا ابن
стр. 391
أستاذى، فإنهم يقصدوا (١) خلعك من السلطنة، ويمسكونى أنا»، فقال له السلطان:
«يا عمّى، أنا أعطيك نيابة حلب، واخرج روح عنهم واستريح من هذا الحال كله».
فلم يوافق الشجاعى على ذلك، وأغلظ على السلطان فى القول، فقام إليه جماعة من المماليك الذين (٢) حول السلطان ومسكوه، وقيّدوه، وأرسلوه إلى البرج.
فبينما هو فى أثناء الطريق، خرج عليه جماعة من المماليك الأشرفية، قطعوا رأسه، وكان الذى قطع رأسه شخص من المماليك يسمّى بها الدين آقوش، فلما قطع رأسه، وضعها فى فوطة حرير، وأرسلها إلى الأمير كتبغا.
فلما وصل الذى معه الرأس إلى باب القلعة، قالوا المماليك البرجية، الذين (٢) هم من عصبة الشجاعى: «ما معك فى هذه الفوطة»؟ قال: «خبز سخن أرسله السلطان للأمراء، ليعلموا أنّ عندنا الخبز كثير»، فتركوه حتى مضى ونزل من القلعة، ولو علموا أنّ معه رأس الشجاعى لقتلوه أشرّ قتلة؛ فلما نزل إلى الرملة، وضع رأس الشجاعى بين يدى الأمير كتبغا، فلما تحقّقوا الأمراء قتله، توجّه كل أحد منهم إلى بيته، وخمدت الفتنة.
ثم إنّ الأمير كتبغا رسم بأن تعلّق رأس الشجاعى على رمح، ويطاف بها مصر والقاهرة، فطافوا بها وهى على رمح طويل، والمشاعلية تنادى عليها: «هذا جزاء من يرمى الفتن بين الملوك».
وكان أكثر الناس يكرهون الشجاعى من ظلمه، فصاروا يعطوا (٣) المشاعلية (٤) شيئا من الفضّة، ويأخذون منهم رأس الشجاعى، ويدخلون بها عندهم فى الدار، ولا يزالون يصفعونها بالنعال والقباقيب حتى يشتفوا منه؛ فدخلوا بها حتى حارة زويلة، وصار اليهود يدخلون بها عندهم ويصفعونها بالنعال، وربما (٥) قيل كانوا يبولون عليها.
стр. 392
فأقاموا يطوفون (١) بها ثلاثة أيام متوالية، حتى قيل إنّ المشاعلية كانت معهم برنية خضراء، يحصّلون فيها ما يدخل عليهم من الناس، من فضّة وفلوس، فقيل إنهم ملأوا تلك البرنية فضّة ثلاث مرات؛ ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدّم من الوقائع الغريبة.
وكان الشجاعى رجلا طويلا، أبيض اللون، أشقر اللحية، أزرق العينين، رومى الجنس، ظالم الصورة، عنده قسوة زائدة، إذا ظفر بأحد لا يرحمه، فلما قتل، لم يرث (٢) له أحد من الناس قاطبة، فكان كما قيل فى المعنى:
لا تفعل الشرّ فتسمّى به … وافعل الخير تجازى عليه
أما ترى الحية من شرّها … يقتلها من لا أساءت إليه
فلما قتل الشجاعى خمدت الفتنة، وطلع الأمراء إلى القلعة، وعرضوا المماليك البرجية، فكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة، فرسم لهم الأمير كتبغا أن ينزلوا من القلعة، وسكنوا فى الأبراج التى (٣) فى سور القاهرة، خلف البرقية، فنزلوا من القلعة وسكنوا بها، ورتّب لهم ما يكفيهم فى كل يوم، وشرط عليهم أنهم لا يركبوا، ولا يخرجوا من الأبراج.
ثم إنّ الأمير كتبغا قبض على جماعة من الأمراء، ممن كان من عصبة الشجاعى، وهم: الأمير بيبرس الجاشنكير، الأستادار، والأمير اللقمانى، أمير آخور كبير، وغير ذلك من الأمراء العشراوات، فقيّدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم أفرج عن جماعة من الأمراء، وهم: الأمير قفجق (٤) السلحدار، والأمير عبد الله، حامل الجتر، والأمير قرمش، والأمير بورى، والأمير لاجين جركس، والأمير مغلطاى المسعودى، والأمير كردى الساقى، والأمير عمر شاه السلحدار،
стр. 393
وهو صاحب القنطرة التى عند درب الشمسى؛ فلما حضروا أخلع عليهم وأعادهم إلى وظائفهم وإمرياتهم.
ولما قتل الشجاعى، أخلع السلطان على الصاحب تاج الدين بن الصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنا، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن سنجر الشجاعى، بحكم قتله كما تقدّم.
قلت: والصاحب تاج الدين هذا، هو الذى اشترى الآثار الشريف النبوى، وكان هذا الآثار عند جماعة من بنى إبراهيم بالينبع، فتلطّف بهم حتى اشتراه منهم بستين ألف درهم فضّة، وحمله إلى مصر، فأودعهم أولا فى رباط الأفرم، المطلّ على بركة الحبش، ثم إنّه أنشأ مسجدا مطلاّ على بحر النيل، ونقل إليه الآثار الشريف، واستمرّ به مدّة طويلة، وكانت الناس تقصد الزيارة إليه فى كل يوم أربعاء.
فلما تلاشى أمر ذلك المكان، وصار مقطع طريق، واستمرّ على ذلك إلى سنة تسع وتسعمائة، فنقله الملك الأشرف قانصوه الغورى إلى مدرسته، التى أنشأها فى الشرابشيين، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
وكان نقله عن مكانه غير شرط الواقف، وقد ذكر نقله أيام الشيخ أمين الدين الآقصراى رحمة الله عليه، فلم يوافق على نقله من مكانه، وقال: «ما نتّبع فى ذلك إلا شرط الواقف»، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة
فيها، فى يوم عاشر (١) المحرّم، ركب جماعة من المماليك الأشرفية تحت الليل، وفتحوا باب سعادة، وهجموا على اصطبلات الناس، وأخذوا خيولهم؛ فلما طلع النهار، أرسل الأمير كتبغا قبض على من فعل ذلك من المماليك، وقطع أيديهم، وطاف بهم القاهرة، ثم صلبهم على بابى زويلة، ووسّط منهم جماعة، وكان الذى فعل ذلك نحو ثلثماية مملوك (٢).
стр. 394
فلما اضطربت الأحوال، اجتمعت الأمراء، وضربوا مشورة فى أمر المملكة، وقالوا: إنّ السلطان صغير السنّ، وطمع فيه المماليك، ومن الرأى أن يتولّى المملكة سلطان كبير (١) من الأتراك، لقمع المماليك والعربان.
فوقع الاتّفاق على سلطنة الأمير كتبغا، فأرسلوا خلف القضاة الأربعة، وخلعوا الملك الناصر من السلطنة، وولّوا كتبغا، وبايعه الخليفة.
فكانت مدّة سلطنة الملك الناصر محمد فى هذه المرّة الأولى، أحد عشر شهرا وأياما، ثم يعود إلى السلطنة ثانى مرّة، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا ابن عبد الله المنصورى
وهو العاشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاون، يوم السبت حادى عشر المحرّم سنة أربع وتسعين وستمائة، وتلقّب بالملك العادل، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
قلت: وكان أصله من سبايا التتار، أخذه الملك المنصور قلاون فى وقعة حمص الأولى، سنة تسع وخمسين وستمائة، فصار من جملة المماليك السلطانية، ثم بقى خاصكى، ثم بقى أمير عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناة، ثم بقى مقدّم ألف؛ فلما قتل الأشرف خليل وتولّى أخوه محمد، جعله نائب السلطنة، عوضا عن بيدرا، ثم بقى سلطان مصر.
فلما جلس على سرير الملك، أخلع على الأمير لاجين، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن نفسه؛ وكان الأمير لاجين من جملة من تواطأ على قتل الأشرف خليل،
стр. 395
فلما قتل بيدرا، هرب لاجين، واختفى فى مئذنة (١) جامع أحمد بن طولون، فأقام بها مدّة طويلة؛ ثم إنّ الأمير كتبغا شفع فيه عند الملك الناصر، وقابل به، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، فلما تسلطن كتبغا، جعله نائب السلطنة، وفوّض إليه أمور المملكة.
ثم أخلع على الأمير بهادر، وجعله حاجب الحجّاب؛ وهو أول من أحدث هذه الوظيفة، وجعلها وظيفة كبيرة، ولم يكن قبل ذلك شئ يقال له حاجب الحجّاب، فعظم أمرها من يومئذ.
ثم إن العادل كتبغا صار ينعم على جماعة من خشداشينه بتقادم ألوف، حتى تقوى شوكته، ويروج أمره، وتصير له عصبة، فالتفّ عليه جماعة من الأمراء، وتعصّبوا له، فراج أمره فى السلطنة، وثبتت قواعده، وصار له حلف من الأمراء والمماليك السلطانية.
[وفى هذه السنة، أوفى النيل فى السادس من أيام النسئ، وكسر، فبلغت الزيادة فى تلك السنة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر أصبعا؛ ثم انهبط، ولم يثبت، فشرقت البلاد بسببه] (٢).
ولما تولّى العادل كتبغا، عزل الصاحب تاج الدين بن حنا، من الوزارة، واستقرّ بفخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلى، وزيرا، عوضا عن تاج الدين ابن حنا.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وستمائة
فيها، فى ليلة الجمعة ثامن ربيع الآخر، توفّى الشيخ الزاهد الناسك، سيدى فتح الأسمر، رحمة الله عليه، وهو فتح (٣) بن عثمان بن عبد الله الأسمر التكرورى المراكشى، قدم من مراكش إلى ثغر دمياط، على سبيل التجريد، وكان يسقى الماء بدمياط فى الأسواق، احتسابا لله، من غير أن يأخذ من أحد شيئا.
стр. 396
وكان يلازم الصلاة فى المسجد مع الجماعة، وكان لا يرى إلا وقت إقامة الصلاة، فإذا سلّم الإمام، عاد إلى انعكافه؛ وأشار عليه الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد بالتّزوّج، فتزوّج قرب موته، ورزق ولدين؛ وكان لا يقبل من الناس شيئا.
وجدّد عمارة مسجد الفتح بدمياط، وكان خرابا منذ سنين، فبناه على سبيل التجريد، وساعدته الناس على بنائه؛ ولما مات، دفن بجوار مسجد الفتح.
وكان سلوكه على طريقة السلف فى التمسّك بالكتاب والسنّة، وكان له كرامات خارقة، وكان يبذل جهده فى كتم حاله، والله تعالى يظهر خيره وبركته للناس؛ وقبره فى دمياط يزار إلى يومنا هذا، والدعاء عنده مجاب، قال الشهاب المنصورى:
لعمرك ما دمياط إلاّ حبيبة … تهيم الورى منها بأحسن منظر
وذات جمال إن تبسّم ثغرها … تبسّم من معناه عن عقد جوهر
لها ناظر منه تصول بأبيض … وتطعن من فتح القوام بأسمر
وفى هذه السنة أيضا، كانت وفاة (١) الشيخ سراج الدين عمر الورّاق، الشاعر الماهر، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيّد معين له على أغراضه، وكان لقبه قابلا للتنكيت، حتى قيل له: «لولا لقبك وصناعتك، لذهب غالب شعرك»، وكان مولده سنة خمس عشرة وستمائة، ووفاته فى هذه السنة، وهى سنة خمس وتسعين وستمائة، فكانت مدّة حياته ثمانين سنة.
وقد عاصر ابن سناء الملك، وأبا الحسين الجزّار، والنضير الحمامى، وناصر الدين حسن بن النقيب، وشمس الدين بن دانيال الحكيم، والقاضى محيى الدين بن عبد الظاهر، وأدركه الشيخ جمال الدين بن نباتة فى أواخر عمره؛ وله ديوان فى الأدبيات، يشتمل على سبعة مجلدات فى القطع الكامل، يسمى «لمع السراج».
قيل إنّ الشيخ نصير الدين الحمامى قال للسراج الورّاق: «عملت قصيدة فى الصاحب تاج الدين السبكى، وأشتهى أن تثنى عليها إذا قرئت بحضرتك»، فلما
стр. 397
أنشدها النصير الحمامى بحضرة السراج الورّاق، فأنشد السراج الورّاق على الفور ارتجالا:
شاقنى للنصير شعر بديع … ولمثلى فى الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيه … قلت نعم المولى ونعم النصير
ومما وقع للسراج، أنّه اجتمع هو وأبو الحسين الجزّار، فى مجلس بعض الرؤساء، فقام أبو الحسين الجزّار إلى الخلاء ليقضى حاجة، فقام السراج الورّاق بين يديه بالشمعة، فقال أبو الحسين: «إنّا تعوّدنا ما نخرا إلا على السراج»، فقال السراج: «قد آليت على نفسى أن لا أتيل علقا قط»، وكانت دقّة السراج الورّاق، أقعد من دقّة أبى الحسين؛ ومما ساعد السراج الورّاق فى شعره، من لقبه وصناعته، وهو قوله:
واخجلتى وصحائفى سودا غدت … وصحائف الأبرار فى إشراق
وموبّخ لى فى القيامة قائل … أكذا تكون صحائف الورّاق
وقوله أيضا:
إلهى لقد جاوزت سبعين حجّة … فشكرا لنعماك التى ليس تكفر
وعمّرت فى الإسلام فازددت بهجة … ونورا كذا يبدو السراج المعمر
وعمّم نور الشيب رأسى فسرّنى … وما ساءنى أن السراج منور
انتهى ذلك؛ وفيه يقول أبو الحسين الجزّار:
إنّ السراج نسيم الريح يوقظه … إلى فوائد كالإبريز تنقد
تزيده الريح اتقّادا لفكرته … وما رأينا سراجا فى الهوى يقد
[وفى هذه السنة، أعنى سنة خمس وتسعين وستمائة، فيها توفّى الشيخ فخر الدين والد الشيخ تقىّ الدين بن عبد الحليم بن عبد السّلام بن تيمية الحرانى الحنبلى، توفّى فى صفر من تلك السنة] (١).
ومما وقع فى هذه السنة من الحوادث العظيمة، أنّ الطاعون وقع بمصر وأعمالها، واشتدّ الأمر جدّا حتى صار الناس يتساقطون موتى فى الطرقات، من
стр. 398
نساء ورجال وأطفال، حتى فنى من أهل مصر نحو الثلث.
قال الإمام أبو شامة فى تاريخه: إنّ الملك العادل كتبغا، كفّن من ماله، فى مدّة يسيرة، من مات من الغرباء فى الطرقات، نحوا من مائتى ألف وسبعين ألف إنسان، حتى جافت منهم الطرقات والحارات والأزقّة، وصار الرجل يكون ماشيا فيقع ميّتا فى الحال عن دابته، أو ماشيا؛ وقد قال المعمار:
يا طالبا للموت قم واغتنم … هذا أوان الموت ما فاتا
قد رخص الموت على أهله … ومات من لا عمره ماتا
وتوفّى فى هذه السنة، فى شوّال، الشيخ سحنون المالكى، شيخ القراءات، وكان علامة فى عصره. - وتوفّى فيها أيضا الشيخ عبد البارى الصعيدى، وكان أحد (١) الصالحين بمصر، وكان شيخ القراءات.
وفيها، فى ذى القعدة، توفّى الإمام العالم، العامل العلامة، البارع الوارع، الناسك الزاهد، أبو محمد عبد الله بن أبى جمرة، المالكى المذهب، مات بمصر، ودفن بجوار تربة الشيخ تاج الدين بن عطا الله، ﵄.
وهو الذى جمع الأحاديث الصحيحة عن رسول الله، ﷺ ، التى تقرأ (٢) عند قبره فى أول يوم من السنة، فتجتمع الناس هناك، [ويفتتحوا العام بزيارته، ويسمعوا] (٣) ما جمعه من الأحاديث الشريفة، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة
فيها وقع من الحوادث العظيمة، أنّ النيل بلغت زيادته إلى أول توت خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر أصبعا، ثم انهبط، ولم يزد بعد ذلك شيئا، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر وأعمالها، وانتهى سعر القمح إلى مائة وسبعين درهما، وانتهى سعر الشعير إلى مائة وعشرين درهما كل أردب، وكذلك (٤) الفول، وبلغ
стр. 399
الرطل اللحم إلى سبعة دراهم، وأبيع الفروج بخمسة عشر درهما، وأبيعت (١) البيضة الواحدة بأربعة دراهم، وأبيعت (١) التفاحة والرمانة والسفرجلة كل واحدة منهم بثلاثين درهما، وأبيعت القطعة السكر بثقلها فضة.
فلما اشتدّ الأمر على الناس، أكلوا القطط والكلاب والحمير والبغال والخيل والجمال، ولم يبق (٢) عند أحد شئ (٣) من الدواب، حتى قيل أبيع كل كلب بخمسة دراهم، وكل قطّ بثلاثة دراهم؛ وقد عمّ هذا الغلاء سائر البلاد الشامية، حتى مكّة والمدينة.
ولطف الله تعالى بأهل مصر، فأرسل عليهم جرادا كثيرا، فأكل منه الناس قاطبة، وصار يباع منه كل أربعة أرطال بدرهمين، وحصل به غاية النفع للناس؛ واستمرّت هذه الشدة على الناس سنة كاملة، حتى حضرت لهم غلال كثيرة من بلاد الفرنج وغيرها، ووقع الرخاء، كما قيل فى المعنى:
قل لمن يحمل همّا … إن هذا لا يدوم
مثلما تنفى المسرّا … ت هكذا تنفى الهموم
نقل ذلك ابن أبى حجلة فى كتاب «السكردان».
وفيها، أعنى هذه السنة، خرج السلطان كتبغا إلى نحو البلاد الشامية، لأمر أوجب ذلك؛ فلما دخل الشام، نزل بالميدان، وحكم بين الناس، ولعب هناك الأكرة، وصلّى الجمعة بدمشق، وأقام بها أياما، وعزل من عزل، وولّى من ولّى، واستقامت أموره، فعند ذلك قصد العود إلى الديار المصرية.
فلما رحل من دمشق، ووصل إلى وادى الفحمة، فوقع بين الأمير لاجين، نائب السلطنة، وبين جماعة من الأمراء، تشاجر بسبب فشروى، لا له أصل، فبادر الأمير لاجين، وقبض هناك على جماعة من الأمراء، منهم: الأمير بتخاص العادلى، والأمير بكتوت الأزرقى، وغير ذلك من الأمراء، وكان هذان الأميران جناحى الملك العادل كتبغا.
стр. 400
فلما جرى ذلك، رجع كتبغا إلى دمشق فى نفر قليل من العسكر؛ فلما دخل دمشق، احتوى الأمير لاجين على خزائن المال، وركب تحت العصائب السلطانية، وقصد التوجّه إلى مصر؛ وأما العادل كتبغا لما رجع إلى دمشق، أقام بقلعة دمشق، وأطاعه عسكر دمشق، وتعصّبوا له.
فما عن قليل حتى جاءت الأخبار من القاهرة بأنّ لاجين قد تسلطن، وتلقّب بالملك المنصور؛ فعند ذلك تلاشى أمر العادل كتبغا، وانفلت عنه الناس، وانحلّ برمه.
فأقام على ذلك أياما، ثم حضر إلى دمشق الأمير حسام الدين لاجين، أستادار العالية، وعلى يده مراسيم شريفة لقضاة دمشق، وللأمراء الذين (١) هناك، بأن يجتمعوا فى دار السعادة، ويقرأوا مراسيم السلطان لاجين على الملك العادل كتبغا.
فحضر القاضى بدر الدين بن جماعة الشافعى، وبقية (٢) القضاة، وطلبوا الملك العادل كتبغا، فحضر، وقرأوا عليه مراسيم السلطان لاجين، بأن يخلع نفسه من السلطنة، ويتوجّه إلى صرخد، ويقيم بها، وله ما يكفيه من النفقة فى كل يوم؛ فأجاب بالسمع والطاعة، وخرج من يومه إلى صرخد وهو معزوز مكروم، ومعه عياله ومماليكه وغلمانه وبركه، وتوجّه إلى صرخد فأقام بها.
فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، إلى أن خلع من السلطنة، سنة وعشرة أشهر إلا أياما، واستمرّ مقيما بصرخد إلى سنة تسع وتسعين وستمائة.
فلما عاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى ملكه ثانى مرّة، أنعم على الملك العادل كتبغا بمملكة حماة وأعمالها؛ وكان الناصر محمد يميل إلى كتبغا، دون مماليك أبيه.
واستمرّ كتبغا فى حماة إلى أن مات بها، وكانت وفاته فى ليلة عيد النحر من سنة اثنتين وسبعمائة، فى دولة الناصر محمد بن قلاون، ودفن بحماة، ثم نقل من بعد ذلك إلى دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون.
стр. 401
وفى أيام العادل كتبغا، فى جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة، توفّى قاضى قضاة الشافعية، تقىّ الدين عبد الرحمن بن القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ، وقد أقام قاضيا بمصر نحو عشر سنين ونصف.
ولما مات تقىّ الدين، أخلع السلطان كتبغا على الشيخ تقىّ الدين أبى الفتح محمد ابن مجد الدين على بن وهب بن مطيع القشيرى القوصى، المعروف بابن دقيق العيد، ﵁، فاستقرّ قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية، عوضا عن تقىّ الدين بن (١) بنت الأعزّ.
قال السبكى فى «الطبقات»: لما تولّى ابن دقيق العيد، تولّى على كره منه، وعزل نفسه عن القضاء غير مرّة، وكان السلطان كتبغا، والسلطان لاجين، يقبّل يده على اللحم، كلما طلع إليه، فلم يلتفت له؛ ولما تولّى أخلع عليه خلعة حرير مخمل، وكانت هذه عادة خلع القضاة، وغيرهم من أرباب الوظائف، فامتنع الشيخ من لبس الحرير، وقال: «هذا حرام لا يجوز لبسه»، وأمر أن تكون خلع القضاة من الصوف، فاستمرّت من يومئذ خلع القضاة صوفا إلى الآن، انتهى ذلك.
وفى هذه السنة، أعنى سنة ست وتسعين وستمائة، انتهت زيادة النيل إلى خمسة عشر ذراعا وثمانية أصابع (٢)، ثم انهبط، ولم يوفى فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر.
وكان الملك العادل كتبغا، قصير القامة، أسمر اللون، أجرود اللحية، وكان موصوفا بالشجاعة، وكان ديّنا خيّرا، قليل الأذى، سليم الباطن، ومات وله من العمر نحو ثلاثة وستين سنة.
ومن صفاء نيّته، كان سببا لخلاص الأمير لاجين من القتل، وشفع فيه عند الملك الناصر من القتل، لأنّ لاجين كان ممن تعصّب فى قتل الأشرف خليل، فلما تسلطن كتبغا جعله نائب السلطنة، وفوّض إليه أمور المملكة.
وكان لاجين باغيا (٣) على كتبغا، وخلعه من السلطنة من غير موجب، وكان
стр. 402
لاجين بظهر لكتبنا محبّة، وهو فى الباطن بخلاف ذلك، كما قد قيل فى المعنى:
والخلّ كالماء تبدى لى ضمائره … مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
انتهى ما أوردناه من أخبار الملك العادل كتبغا، وذلك على سبيل الاختصار؛ ولما خلع كتبغا، تولّى عوضه لاجين، انتهى ذلك.
ذكر سلطنة الملك المنصور حسام لاجين ابن عبد الله المنصورى
وهو الحادى عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة، وخلع الملك العادل كتبغا من السلطنة، لما دخل لاجين إلى القاهرة، فجلس على سرير الملك، وتلقّب بالملك المنصور، وباس له الأمراء الأرض، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر فى القلعة.
قال الإمام أبو شامة: كان عادة (١) السلاطين، يوم يكتب لهم التقليد بالسلطنة، يركب السلطان، ويشقّ القاهرة، وهو لابس خلعة السلطنة، الجبّة السوداء، والعمامة السوداء المدوّرة، والسيف البداوى، مقلّد به، فيشقّ القاهرة فى هذه الأبّهة، والوزير حاملا التقليد على رأسه فى كيس حرير أسود، والأمراء وأرباب الدولة مشاة بين يديه، حتى يطلع إلى القلعة فى ذلك الموكب العظيم، ويكون يوما مشهودا، فبطل ذلك.
فلما تسلطن لاجين شقّ القاهرة، وهو فى هذه الأبّهة على ما ذكرناه، فجاء فى ذلك اليوم مطر عظيم، واستمرّ المطر سبعة أيام متوالية، وفى ذلك يقول الوداعى:
يا أيها العالم بشراكم … بدولة المنصور ربّ الفخار
فالله قد بارك فيها لكم … فأمطر الليل وأضحى النهار
قلت: وكان أصل الملك المنصور لاجين من مماليك الملك المنصور قلاون، فلما وثب الأمير بيدرا، نائب السلطنة، على الأشرف خليل، وقتله، كما
стр. 403
تقدّم، فكان لاجين هذا من جملة من تواطأ على قتلة الأشرف خليل.
فلما تولّى الملك الناصر محمد أخو الأشرف خليل، فاختفى لاجين فى مئذنة (١) جامع أحمد بن طولون، وكان هذا الجامع خرابا بغير سقوف ولا أبواب، مدّة مائة وسبعين سنة.
فاستمرّ لاجين مختفيا فى المئذنة (٢)، حتى شفع فيه كتبغا، وقابل به الملك الناصر، فأنعم عليه بتقدمة ألف؛ فلما أن تسلطن كتبغا جعله نائب السلطنة، عوضا عن نفسه، ثم فوّض إليه أمور المملكة جميعها، وصار صاحب الحلّ والعقد فى أيام كتبغا.
فلما جرى ما جرى من لاجين فى حق كتبغا، وتسلطن لاجين، أخذ فى أسباب عمارة جامع ابن طولون، وعمر فى سطحه دكّة برسم الميقاتية، لتحرير الوقت، وأوقف على ذلك عدّة جهات، وهى باقية إلى الآن، وأحيى (٣) رسوم هذا الجامع بعد ما كان خرابا، وأصرف على عمارته جملة مال من ماله، وصار ذلك فى صحيفته إلى الآن.
ولما تمّ أمر لاجين فى السلطنة، أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير قراسنقر المنصورى، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا [عن] (٤) نفسه؛ وأخلع على الأمير قفجق المنصورى، واستقرّ به نائب الشام، فخرج من يومه إلى الشام بغير طلب؛ وأخلع على مملوكه منكوتمر، واستقرّ به مشير المملكة.
ثم عزل الصاحب تاج الدين بن حنا من الوزارة، واستقرّ بالأمير سنقر الأعسر وزيرا، عوضا عن تاج الدين بن حنا، وهو أول تركى ولى الوزارة بمصر؛ ثم أنعم على جماعة كثيرة من خشداشينه بتقادم ألوف، وعلى جماعة منهم بإقطاعات سنية، فتمّ أمره فى السلطنة، وخضع له العسكر.
стр. 404
ثم إنّه رسم بإحضار أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وكان الملك الأشرف خليل أرسلهم إلى القسطنطينية، كما تقدّم ذكر ذلك، فأمر بإحضارهم إلى مصر.
فأما سلامش بن الملك الظاهر، أدركته المنيّة بالقسطنطينية فمات بها، فصبّرته أمّه حتى أتت به إلى مصر فى سحلية، ودفنته بالقرافة الصغرى، وكان جميل الصورة، حسن الشكل، وكان يسمّى ابن البدوية.
وأما أخوه سيدى خضر، فإنّه أتى إلى مصر، وأقام بها مدّة، ثم طلب من السلطان لاجين دستورا بأن يحجّ، فأذن له فى ذلك، فتوجّه إلى الحجاز وحجّ، ثم عاد إلى مصر، فأقام بها مدّة، ومات، ودفن على أخيه سلامش؛ وبه انقرض نسل الملك الظاهر بيبرس.
ثم إنّ الملك المنصور لاجين، لما ثبت أمره فى السلطنة، قبض على نائب السلطنة، الأمير قراسنقر، وأرسله إلى السجن؛ وأخلع على مملوكه منكوتمر، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن سنقر المذكور؛ فلما جرى ذلك، عزّ على بقيّة الأمراء ما فعله السلطان، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وستمائة
فيها راك الملك المنصور لاجين البلاد المصرية، وهو «الروك الحسامى»؛ وكان ابتداء ذلك فى يوم الاثنين سادس جمادى الأولى من هذه السنة، وكان المتكلّم فى ذلك شخص (١) من المباشرين الأقباط، يقال له التاج الطويل، فشرع فى كتب قوائم بمساحة (٢) البلاد وأسمائها، فأظهر النتيجة فى ذلك، وجار على الناس، وضجّ منه الأمراء وسائر الجند، وصار لا يراعى فى الأنام خليلا، حتى قال فيه بعض الشعراء مداعبة:
تبا لكوم الريش من بلدة … ليس بها رفد لمحتاج
والسبعة الأوجه لا تنسها … ولعنة الله على التاج
стр. 405
وكانت ضواحى مصر يومئذ مقسومة على أربعة وعشرين قيراطا، منها أربعة قراريط للسلطان، وعشرة قراريط للأمراء والإطلاقات، وعشرة قراريط للجند كلهم؛ فرسم السلطان للتاج المذكور، أن يكفى الأمراء والجند بعشرة قراريط، وأن يزاد الذى يشكى من الأجناد قيراطا، وبقى للسلطان ثلاثة عشر قيراطا، فشكوا الجند من ذلك وضجّوا.
وكان المتكلّم فى هذا الأمر الأمير منكوتمر، النائب، فصار يقابح الأمراء والجند أنحس مقابحة، وكرهه سائر العسكر، وكثر عليه الدعاء من الناس؛ وكان الأمير منكوتمر من سيئات الدهر، قبيح السيرة، ظالم الصورة، فجمع بين قبح (١) الفعل والشكل.
فلما كان يوم الخميس ثامن رجب من تلك السنة، فرّقت المثالات على الأمراء والعسكر بما تقرّر عليه الحال، وهم غير راضين (٢) بذلك، وصار كل أحد من العسكر يقصد الوثوب على السلطان.
ثم إنّ الأمير منكوتمر حسّن للسلطان بأن يقبض على جماعة من الأمراء، فقبض على الأمير أينبك الحموى، وعلى أميرين معه، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم إنّه أرسل بالقبض على قفجق، نائب الشام، فلما تحقّق قفجق ذلك، خرج من الشام هاربا، وأخذ معه جماعة من الأمراء، منهم: الأمير بكتمر الأبوبكرى، والأمير بزلار، وغيرهما من الأمراء الذين كانوا بدمشق؛ فلما خرجوا من دمشق، توجّهوا إلى عند القان غازان، ملك التتار، وكان هذا سببا لوقوع الفتنة العظيمة الآتى ذكرها فى محلّه.
وفى هذه السنة أوفى النيل فى آخر أيام النسئ، ولم يثبت، فوقع الغلاء بمصر، وشرقت البلاد.
وفى هذه السنة توفّى قاضى القضاة الحنبلى فخر الدين عمر بن عوض؛ فلما مات
стр. 406
أخلع السلطان على القاضى شرف الدين عبد الغنى بن يحيى الحرانى، واستقرّ به قاضى حنبلى (١)، عوضا عن شرف الدين بن عوض.
ومن الوقائع فى هذه السنة، أنّ أمير المؤمنين أحمد الحاكم بأمر الله، استأذن السلطان بأن يحجّ، فأذن له فى ذلك، وأنعم عليه بمال جزيل، يصرفه على إقامة برك، مثل أمير الحاج الأول.
ولم يعهد بعده أنّ خليفة حجّ وعاد إلى مصر، إلا الحاكم هذا، فخرج من مصر فى يرق عظيم، فحجّ وعاد إلى مصر، فأخلع عليه السلطان خلعة سنية، وأنعم عليه بتقادم ملوكية، وكان السلطان لاجين يضع الأشياء فى محلّها، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وستمائة
فيها عزل السلطان قاضى القضاة الحنفى شمس الدين السروجى؛ وولّى القاضى حسام الدين حسن بن أحمد الرازى الحنفى، عوضا عنه.
ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ السلطان كان صائما فى يوم شديد الحرّ، فتوجّه إلى القصر الكبير يشمّ فيه الهواء (٢)، فأقام فيه إلى المغرب، وفطر هناك، وكان عنده قاضى القضاة حسام الدين الرازى، وأمامه محب الدين بن العسان، وشيخ العرب يزيد، فصلّى المغرب، وفطر، ثم جلس يلعب الشطرنج.
فبلغ ذلك جماعة من المماليك الأشرفية، وكان فى قلوبهم الغدر للسلطان لاجين، من حين تواطأ على قتل الأشرف خليل، فقالوا: «هذا وقت انتهاز الفرصة».
فاتّفقوا مع المماليك البرجية، واجتمعوا فى دهليز القصر الكبير، وكانت تلك الليلة نوبة شخصين من السلحدارية، يقال لهما: نوغان الكرمان، وكرجى.
فلما دخل وقت العشاء، تقدّم كرجى إلى عند الشمعة ليصلحها، فأرمى الفوطة على النمجاة، والسلطان منكبّ على لعب الشطرنج، لا يدرى ما خبئ له فى الغيب،
стр. 407
فلما مضى وقت العشاء، التفت السلطان إلى كرجى، وقال له: «غلقت أبواب الأطباق على المماليك البرجية»؟ فقال له: «نعم»، فشكره وأثنى عليه، وكانت المماليك البرجية واقفة بالسيوف فى دهليز القصر من بعد المغرب.
فلما أبطأ السلطان فى لعب الشطرنج، تقدّم إليه كرجى، وقال له: «يا خجم، ما تصلّى العشاء»؟ فقال: «نعم»، فلما قام يصلّى العشاء، ضربه كرجى بالسيف على كتفه فهدله، فبادر السلطان ليأخذ النمجاة، فلم يجدها، فقبض على كرجى، وأرماه إلى الأرض، فهجمت عليه المماليك البرجية الذين (١) كانوا فى دهليز القصر، ووقعوا فى السلطان بالسيوف، قطعوه قطعا.
فصاح عليهم قاضى القضاة حسام الدين: «ويلكم، قتلتوا (٢) أستاذكم»، فتركوه ميّتا فى القصر مكانه، وغلقوا عليه الأبواب، ومضوا، وتركوا عنده القاضى حسام الدين، والإمام، وشيخ العرب، وقد نالوا قصدهم من السلطان بالقتل، كما قيل فى المعنى:
لما رأيت الغدر منهم بدا … والبغض من أعينهم لى يلوح
فقلت للقلب ارتجع عنهم … ما قصدهم منك سوى أخذ روح
ثم إنّ كرجى لما قتل السلطان، توجّه إلى بيت الأمير منكوتمر، النائب، وكان ساكنا بدار النيابة بالقلعة، فدقّ عليه الباب، وقال له: «قم كلّم السلطان»، فأنكر منكوتمر ذلك، وقال لكرجى: «قتلت السلطان يا نحس، وجئت تقتلنى»؟ قال: «نعم»، وكان بين كرجى ومنكوتمر عداوة من قديم الزمان.
ثم إنّ كرجى أحرق باب منكوتمر، ودخل قبض عليه، وتوجّه به إلى الجبّ الذى كان بالقلعه، يسجن فيه الأمراء، وكان فى هذا الجبّ جماعة من الأمراء مسجونين، وكان منكوتمر سببا للقبض عليهم، فلما عاينوا منكوتمر، قاموا إليه وقتلوه أشرّ قتلة.
стр. 408
هذا كله جرى بالقلعة تحت الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، فلما طلع النهار، شاعت الأخبار بذلك.
ثم إنّ الزمام شرع فى تجهيز السلطان، فغسّله وكفّنه، وصلّى عليه، ونزل به من باب الدرفيل، هو والأمير منكوتمر، فدفنا بالقرافة الصغرى، فكانت مدّة سلطنة الملك المنصور لاجين إلى أن قتل، نحو سنتين وشهرين وأيام.
وكانت قتلته ليلة الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، ومات وله من العمر، نحو ثلاث وستين سنة.
وكان صفته طويل القامة، أبيض اللون، أشقر اللحية، أزرق العينين، مهاب الشكل، موصوفا بالفروسية، شجاعا بطلا، ديّنا خيّرا، أبطل فى أيامه ما حدث من المكوس بالديار المصرية، وكان ناظرا إلى فعل الخير.
ولم يكن من سيئاته سوى مملوكه منكوتمر، لما راك البلاد، فأوقع الفتنة بين الأمراء والسلطان، وكان يجلب الدعاء من الناس على السلطان بما يحدث منه من المظالم، حتى تمنّى كل أحد زوال السلطان لاجين، وعود الملك الناصر محمد من الكرك.
وفى (١) ثانى يوم قتل السلطان لاجين، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير بكتاش، أمير سلاح، وكان توجّه إلى دمشق مع طائفة من العسكر، بسبب القبض على قفجق، نائب الشام.
فلما حضر، نزل إليه نوغان وكرجى، اللذان (٢) قتلا السلطان لاجين؛ فلما وقعت عين الأمير بكتاش عليهما، قبض عليهما وأمر بتوسيطهما، فوسّطا فى الحال، فكان بين قتلة الملك المنصور لاجين، وبين توسيطهما، ليلة واحدة، وقد أظهر الله تعالى سرّ السلطان لاجين فيهما، انتهى ذلك.
ثم إنّ الأمراء اجتمعوا بالقلعة، وضربوا مشورة فيمن يولّونه (٣) سلطانا، فوقع
стр. 409
الاتّفاق على عود الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مقيما بالكرك، فأرسلوا خلفه نجّابا (١) وعلى يده مطالعات من عند الأمراء، تتضمّن سرعة إحضاره إلى الديار المصرية.
فلما ورد النجّاب على الملك الناصر، تكاسل عن الحضور، وثبت حتى يرى ما يصير بمصر من حال الأمراء، فأبطأ واحدا وأربعين يوما حتى دخل إلى مصر، وأقامت مصر بلا سلطان (٢) هذه المدّة إلى أن حضر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك المنصور لاجين، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة بالديار المصرية
وهى السلطنة الثانية، دخل إلى القاهرة يوم الخميس ثامن جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة.
فلما دخل زيّنت له القاهرة، وحملت على رأسه القبّة والطير، ولاقاه القضاة الأربعة من المطرية، فدخل القاهرة فى موكب عظيم، والأمراء مشاة بين يديه، وفرشت له الشقق الحرير، حتى طلع إلى القلعة، فحضر الخليفة الإمام أحمد، والقضاة الأربعة، وبايعوه بالسلطنة، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
نقل بعض المؤرّخين، أنّ الملك الناصر محمد، لما رجع من الكرك، بلغه أنّ الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، قال عنه: «هذا خارجى»، فلما حضر الإمام أحمد للمبايعة، وبّخه الناصر بالكلام، وقال له: «تقول عنى بأنّى خارجى، يا أسود الوجه»، فلم ينطق الإمام أحمد بحرف واحد، وكان الإمام أحمد أسمر اللون جدّا؛ قال الشيخ علاء الدين الوداعى:
стр. 410
الملك الناصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسيه مثلما … عاد سليمان إلى الكرسى
قيل لما عاد الملك الناصر من الكرك، بلغه أنّ ابن المراحلى، الشاعر، قال عنه فى قصيدة نظمها، منها:
ما للصبى وما للملك يكفله … شأن الصبىّ بغير الملك مألوف
فأحضره وقال له: «تقول عنى، ما للصبىّ وما للملك يكفله»، فحلف ابن المراحلى بالطلاق ثلاثة أنّه ما قال هذا البيت، وإنما الأعداء زادوا هذا البيت فى القصيدة، فعفى عنه بشفاعة بعض العلماء، انتهى ذلك.
ثم إنّ الملك الناصر عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم:
الأمير سلار المنصورى، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن منكوتمر؛ وأخلع على الأمير آقوش الأفرم، واستقرّ به نائب الشام، عوضا عن قفجق المنصورى؛ وأخلع على الأمير بيبرس الجاشنكير، واستقرّ به أتابك العساكر، وكانت نيابة السلطنة يومئذ أكبر من الأتابكية.
ثم إنّه عزل قاضى القضاة حسام الدين الرازى الحنفى، وأعاد شمس الدين السروجى؛ وأبقى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، فى قضاء (١) الشافعية؛ وأبقى القاضى المالكى ابن مخلوف النويرى؛ وأبقى القاضى الحنبلى شرف الدين الحرانى.
وأبقى الأمير سنقر الأعسر فى الوزارة؛ وأبقى الأمير لاجين فى الأستادارية؛ وأنعم على جماعة من مماليك أبيه بتقادم ألوف، وأنعم على جماعة من المماليك السلطانية بإقطاعات سنية.
وتمّ أمره فى السلطنة بخلاف المرة الأولى، فهذا كان شرح مبتدأ دولته فى هذه المرّة، انتهى ذلك.
стр. 411
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وستمائة
فيها جاءت الأخبار من حلب، بأنّ القان غازان، ملك التتار، قد زحف على البلاد، ووصل أوائل عسكره إلى البيرة، وكان غازان هذا ابن أرغون بن أبنا بن هولاكو، الذى أخرب بغداد، وقتل الخليفة، وجرى منه ما جرى؛ فلما وردت هذه الأخبار الرديّة، اضطربت أحوال الديار المصرية، لعظم هذه البليّة.
وكان سبب مجئ غازان وزحفه على البلاد، وهو أنّ قفجق، نائب الشام، لما بلغه أنّ الملك المنصور لاجين أرسل بالقبض عليه، أخذ عياله وأولاده وبركه، وخرج من الشام هو وجماعة من الأمراء، وتوجّه إلى عند القان غازان، فأقام عنده، وحسّن له أن يزحف على البلاد، ويملك البلاد الشامية من غير مانع، فإنّ السلطان صغير السنّ، والأمراء فى خلف بينهم، وأنّه إذا زحف لم يجد من يقابله؛ فجمع غازان العساكر، فاجتمع معه نحو من مائتى ألف مقاتل.
فلما ورد هذا الخبر على السلطان، جمع الأمراء وضرب مشورة، فوقع الاتّفاق على أنّ الأتابكى بيبرس الجاشنكير يتوجّه إلى حلب، ومعه خمسمائة مملوك (١)، قبل خروج السلطان، فخرج الأتابكى بيبرس على جرائد الخيل، ومعه جماعة من العسكر.
ثم فى خامس عشر صفر من سنة تسع وتسعين وستمائة، خرج السلطان، ومعه الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء والعسكر، فجدّ السلطان فى السير، حتى وصل إلى دمشق فى ثامن ربيع الأول من تلك السنة، فأقام بالشام يومين.
ثم توجّه إلى حلب، فتلاقى (٢) مع جاليش غازان، فى مكان يعرف بسلمية، بالقرب من بعلبك، فكان بينهما هناك وقعة (٣) عظيمة لم يسمع بمثلها فيما تقدّم، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم، وآخر الأمر، انكسر عسكر السلطان، وهرب الملك الناصر إلى نحو بعلبك، فنهب التتار برك السلطان والعسكر جميعه.
стр. 412
ثم إنّ القان غازان زحف على ضياع الشام، ونهب ما فيها وسبى (١) أهلها؛ فلما بلغ أهل الشام، خافوا على أنفسهم أن (٢) يفعل بهم كما فعل بغيرهم، فخرج إليه علماء دمشق يطلبوا (٣) منه الأمان.
فخرج إليه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، والشيخ زين الدين الفارقى، والشيخ تقىّ الدين بن تيمية الحرانى الحنبلى، والقاضى نجم الدين بن الصصرى، والقاضى عزّ الدين بن الزكى، والشيخ عزّ الدين بن القلانسى، والقاضى جلال الدين القزوينى، وغير هؤلاء من الصلحاء والزهّاد.
فلما دخلوا على غازان وقفوا بين يديه، فتكلّم الترجمان مع غازان فى أمرهم، بأنّهم جاءوا يطلبوا (٣) منه الأمان، فقال للترجمان: «قل لهم إنّى أرسلت لهم الأمان قبل حضورهم».
فلما سمعوا ذلك، رجعوا إلى دمشق، واجتمعوا فى جامع بنى أميّة، وأهل الشام قاطبة، فقرئ (٤) عليهم الأمان الذى أرسله لهم غازان، فلما سمعوه سكن ما كان عند أهل الشام من الاضطراب.
ثم دخل إلى دمشق الأمير قفجق الذى كان نائب الشام، وتوجّه إلى غازان وأثار هذه الفتنة العظيمة؛ فلما دخل دمشق نزل بالميدان الأخضر، وأرسل يقول لنائب قلعة دمشق: «سلّم إلينا القلعة، ولا تحوجنا إلى حصارك»، فأرسل نائب القلعة يقول له: «كيف أسلّم القلعة والملك الناصر فى قيد الحياة»؟
فلما بلغ غازان ذلك، حاصر القلعة أشدّ المحاصرة، ونصب عليها المناجنيق، وأحرى البيوت التى حولها، فلم يقدر على أخذها.
فلما كان يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى من هذه السنة، رحل القان غازان
стр. 413
عن دمشق، واستناب عليها أميرا من التتار، يقال له قطلو شاه بك، ومعه عسكر (١) من التتار، وولّى الأمير قفجق نائب الشام، كما كان أولا؛ هذا ما كان من أمر غازان.
وأما ما كان من أمر الملك الناصر بعد هذه الكسرة، فإنّه دخل بعلبك وأقام بها أياما، فتسامع به العسكر، وتراجع إليه قليلا، قليلا؛ فلما تكامل العسكر، قصد التوجّه إلى نحو الديار المصرية، فجدّ السير حتى وصل إلى القاهرة فى خمسة عشر يوما، فدخل إلى القاهرة على حين غفلة، وطلع إلى القلعة، وقد نهب جميع بركه من صامت وناطق، وكذلك الأمراء والعسكر قاطبة.
فلما طلع إلى القلعة، فتح الزردخاناة، وفرّق ما فيها من لبوس وخوذ وسيوف؛ ثم فتح خزائن المال، ونفق على العسكر، فأعطى لكل مملوك ثمانين دينارا، وأعطى (٢) لجماعة منهم سبعين دينارا، ولجماعة ستين دينارا، وأعطى (٢) لجماعة خمسين دينارا.
ثم نفق على عسكر الشام الذى حضروا صحبته، فأعطى (٢) لكل واحد منهم عشرة دنانير ذهب، وعشرة أرادب شعير، وعشرة أرادب قمح.
ثم نفق على الأمراء المقدمين، والأمراء الطبلخانات، والأمراء العشراوات، فأعطى كل واحد على قدر مقامه، وكان القائم بتدبير ملكه الأمير سلار، نائب السلطنة، والأتابكى بيبرس الجاشنكير.
ثم إنّ الملك الناصر قصد العود إلى محاربة غازان، فبرز خامه بالريدانية، وخرج من القاهرة ثانيا، وصحبته الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، والقضاة الأربعة، والأمراء والعسكر.
فلما أراد الرحيل من الريدانية، تقلّب عليه العسكر، وشكوا، فنفق عليهم نفقة ثانية، ثم رحل من الريدانية، طالبا للبلاد الشامية، فتقدّم فى جاليش العسكر الأمير سلار، النائب، والأتابكى بيبرس الجاشنكير.
فلما وصل الجاليش إلى دمشق، خرج إليه الأمير قفجق، نائب الشام، وأظهر
стр. 414
الطاعة للسلطان، وباس الأرض له، وتكلّم مع الأمراء بأنّ السلطان يرجع إلى القاهرة، ولا يدخل إلى دمشق، فإنّ فى ذلك عين المصلحة، فكاتب (١) الأمير سلار للسلطان بما وقع من أمر قفجق؛ فلما رأى السلطان أنّ ذلك صوابا، رجع إلى القاهرة، وكان رجوعه فى أوائل شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وستمائة.
ومن النكت اللطيفة، نقل الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة فى «السكردان»، أنّ الملك المنصور قلاون، أستاذ قفجق، خرج يوما إلى خليج الزعفران، على سبيل التنزّه، ومعه جماعة من الأمراء، فانشرح ذلك اليوم، وذبح خروفا سمينا بيده، فلما حضر السماط، قدّموا ذلك الخروف فى صدر السماط، فقطعه السلطان بيده، وأخذ لوح الكتف، وجرّده من لحمه، وتركه ساعة حتى جفّ ثم لوّحه على النار قليلا، ثم أخرجه، ونظر فيه ساعة، وأطال فيه التأمّل، ثم تفل عليه وألقاه من يده، وظهر فى وجهه الغضب.
فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه، فقال: «لا تخرجوا قفجق بعدى، ولا تولّوه نيابة الشام، فيحصل منه غاية الفساد، وسوف ترون (٢) ذلك إن خرّجتوه (٣) من مصر»؛ وكانت هذه الواقعة قبل أن بلى قفجق نيابة الشام بعشر سنين، وكان الأمر كما قال: «والملوك لهم فراسة فى الأمور»، وقد قيل فى المعنى:
يرى العواقب فى أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهّان
لا طرقة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دولة إلاّ لها شان
ولم يزل قفجق عند قلاون فى غاية الطرد، حتى توفّى قلاون؛ ولما (٤) تسلطن لاجين استقرّ بقفجق نائب الشام، فأظهر العصيان، فأراد لاجين القبض عليه، فهرب إلى عند غازان، وجرى منه ما تقدّم ذكره.
стр. 415
قال القاضى محيى الدين بن فضل الله، كاتب السرّ الشريف: حكى لى الأمير قفجق بعد أن جرى منه ما جرى، ورجع إلى القاهرة، قال: لما تلاقى (١) عسكر السلطان مع عسكر غازان، فكاد غازان أن ينكسر، وهمّ بالهروب، فطلبنى ليضرب عنقى، لأنّى كنت السبب فى مجيئه إلى دمشق، فلما أحضرنى بين يديه، قال لى: إيش هذا الحال؟ هذا كله، ما هو شغلك؟ فقلت له: القان يصبر ساعة، فإنّ عسكرنا لهم أول صدمة، ثم يولّوا (٢) عن القتال، فلا يقابلوا بعدها أبدا.
فلما انكسر عسكر السلطان، أراد عسكر غازان أن يزحف عليهم، فقلت فى نفسى متى أن أزحف عليهم لم يبق (٣) منهم أحد، فقلت للقان: اصبر ساعة، فإنّ عسكرنا لهم حيل وخداع، فربما يكون لهم كمين يخرج علينا فننكسر؛ فسمع لى وصبر ساعة حتى أبعدتم عنا، فلو زحف عليكم ما بقى منكم أحد، فلولا أنا، ما سلم منكم أحد؛ فكان كما قيل فى المعنى:
ولو شئت قابلت المسئ بفعله … ولكننى (٤) أبقيت للصلح موضعا (٥)
وفى أواخر هذه السنة، اضطربت أحوال البحيرة، ووقع بها فتنة عظيمة، واختلفت طائفتان من العرب، وهما جابر ومرديس، فنهبوا ضياع البحيرة جميعها، وأحرقوا الجرون.
فلما بلغ السلطان ذلك، أرسل إليهم تجريدة، وكان باش العسكر الأمير بيبرس المنصورى، أمير دوادار كبير، ومعه عشرين أمير عشرة، وخمسمائة مملوك سلطان.
فلما وصلوا إلى البحيرة، تحاربوا مع العرب، فانكسروا أشدّ كسرة، وهربوا نحو الجبال، فاحتاط بهم العسكر، وقتل منهم جماعة كثيرة، أى من العرب، وغنموا منهم جمالا وخيلا وأغناما (٦)، وأسروا نساءهم.
стр. 416
فلما حصلت هذه النصرة، عاد العسكر إلى القاهرة وهم فى غاية النصرة، فطلع الأمير بيبرس، الدوادار، إلى القلعة، وأخلع عليه السلطان خلعة سنية، ونزل إلى بيته فى موكب حفل، والأمراء قدّامه؛ وكان الأمير بيبرس، الدوادار، سعيد الحركات، وكان عالما فاضلا، فقيها نحويا، ينظم الشعر، وله شعر جيّد، وألّف له تاريخا (١)، سمّاه «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة»، وجمع فيه جملة محاسن وفوائد، ومن شعره قوله:
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله … وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
الناس فى نظر العيون كما ترى … صور وإن قليلهم من يفهم
انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة
وهو القرن السابع والمائة، فيه رسم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بتغيير زىّ اليهود والنصارى والسمرة؛ وكان سبب ذلك ما حكاه الشيخ شهاب الدين ابن أبى حجلة فى «السكردان»، أنّ شخصا مغربيّا كان جالسا بباب القلعة، فدخل عليه بعض كتّاب الديوان، وهو بعمامة بيضاء، فقام إليه ذلك المغربى، وبالغ فى تعظيمه، وظنّ أنّه مسلما، فتبيّن له أنّه من النصارى.
فدخل ذلك المغربى على السلطان، وفاوضه فى الكلام، بأن يغيّر زىّ أهل الذمّة، فأجابه الملك الناصر إلى ذلك، وأمر بإشهار النداء فى القاهرة، بأنّ اليهود يلبسوا (٢) عمائم صفر، والنصارى يلبسوا عمائم زرق، والسمرة يلبسوا (٢) عمائم (٣) حمر، فامتثلوا ذلك من يومئذ، واستمرّوا على هذه الهيئة إلى اليوم، فهذا كان سببا لتغيير زيّهم؛ وفى هذه الواقعة يقول الشيخ شمس الدين محمد الطيبى، وهو قوله:
تعجّبوا للنصارى واليهود معا … والسامريّين لما عمّموا الخرقا
стр. 417
كأنما بات بالأصباغ منسهلا … نسر السماء فأضحى فوقهم درقا
وقال الوداعى:
لقد لبسوا الكفار شاشات ذلّة … تزيدهم من لعنة الله تشويشا
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما … ولكنهم قد ألبسوكم براطيشا
انتهى ذلك.
ومن الحوادث، جاءت الأخبار من البيرة بأنّ جاليش غازان قد وصل إلى الفرات، فلما تحقّق السلطان ذلك، جمع الأمراء وضرب مشورة، وقال فى المجلس:
«أنتموا تعلموا أنّى رجعت من التجريدة الأولى مكسورا، ونهب جميع بركى، والآن لم يبق فى بيت المال لا دينار ولا درهم، فمن أين أنفق على العسكر»؟ فقال الأمير سلار، النائب، والأتابكى بيبرس الجاشنكير: «وزّعوا هذه النفقة على المباشرين، وأعيان التجّار، وأعيان الناس».
ثم ندبوا الأمير سنقر الأعسر، وزير الديار المصرية، ليجبى (١) الأموال من الناس، فعمل فى الناس بالباع والذراع، وجبى (٢) منهم الأموال فى أربعين يوما، أو دون ذلك، فتحصّل من هذه الحركة نحو مائتى ألف دينار وكسور.
ثم إنّ السلطان نفق على العسكر، وخرج من القاهرة قاصدا لحلب؛ فلما وصل إلى غزّة، جاءت إليه الأخبار بأنّ نائب حلب كسر عسكر التتار كسرة قوية، ورجعوا إلى بلادهم هاربين.
فلما بلغ السلطان ذلك رجع من غزّة، وقيل كان سبب رجوعه أن العسكر تقلّب عليه هناك، وطلبوا منه نفقة ثانية، لأنّ التبن والشعير كان لا يوجد أصلا.
فلما جرى ذلك رجع السلطان إلى القاهرة، وعيّن الأمير بكتمر السلحدار، وجماعة من الأمراء العشراوات، والمماليك السلطانية، بأن يتوجّهوا من هناك إلى حلب، ويقيموا بها إلى أن يظهر من أمر التتار ما يكون، فتوجّهوا من هناك.
стр. 418
ثم إنّ السلطان عاد إلى القاهرة، ودخل فى موكب عظيم، وطلع إلى القلعة، وسكن الحال قليلا، انتهى ذلك.
ومن الوقائع فى هذه السنة، أنّ ربعا عند جامع قوصون وقع على ثلاثين نفسا، فمات منهم ثلاثة وعشرون، وسلم منهم سبعة؛ فأقاموا مدّة يسيرة، وسافروا فى البحر نحو الصعيد، فهبّ عليهم ريح شديد، فغرقت بهم المركب، فماتوا السبعة بالغرق، بعد أن سلموا من تحت الردم، وعاشوا هذه المدّة، فماتوا بالغرق، ولم يموتوا بالردم، فسبحان القادر على كل شئ - ذكر ذلك ابن أبى حجلة.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة
فيها، فى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، توفّى الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله؛ وهو أول خلفاء بنى العبّاس بمصر، قدم من بغداد إلى مصر سنة تسع وخمسين وستمائة، وقيل بل كان قدومه سنة ستين وستمائة، فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وأقام فى الخلافة نيفا وأربعين سنة؛ وحجّ فى دولة الملك المنصور لاجين سنة سبع وتسعين وستمائة؛ وكان يلعب مع السلطان الملك الناصر محمد بالأكرة، وسافر معه إلى تجريده غازان؛ واستمرّ فى الخلافة إلى أن مات، ودفن بجوار تربة السيدة نفيسة، ﵂، وبنيت عليه قبّة، وهو أول خليفة من بنى العبّاس دفن بمصر.
ولما مات الإمام أحمد، تولّى بعده ابنه أبو الربيع سليمان المستكفى بالله، وهو ثانى خلافة من بنى العبّاس بمصر، وإليه تنتسب الخلفاء إلى الآن، انتهى ذلك.
[وفى سنة إحدى وسبعمائة، توفّى الشيخ رشيد الدين أبو طالب الحنفى، وكان من أعيان الحنفية، وله شعر جيّد فى النظم] (١).
ومن الأعاجيب ما ذكره الشيخ تاج الدين بن عبد الوهاب بن المتوج، أنّ فى يوم الخميس سابع جمادى الآخرة من هذه السنة، ظهرت (٢) دابة من بحر النيل من نواحى
стр. 419
المنوفية، وهى عجيبة الخلقة، لونها لون الجاموس، وهى بلا شعر، وآذان كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، ولها ذنب يغطى فرجها، طوله شبر ونصف، وهو كذنب السمك، ورقبتها غلظ الشليف المحشو تبنا، وفمها وشفتاها مثل الكربال.
ولها أربعة أنياب من فوق، واثنان من أسفل، وطول كل ناب دون الشبر، وعرضها عرض أصبعين، وفى فمها ثمانية وأربعون ضرسا، وهم مثل بيادق الشطرنج؛ وطول بدنها من باطها إلى الأرض شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعّد؛ ودور حافرها مثل الرحا، وفيه أربعة أظافير، مثل أظافير الجمل.
وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر ذراعا، وفى بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر يميل إلى الزرقة، وطعمه مثل لحم الجمل؛ وغلظ جلدها أربعة أصابع، ما يعمل فيه السيوف.
فحملت من هناك على عجلة تسحبها خمسة أجمال، حتى أحضرت (١) إلى القلعة، وشاهدها السلطان، وكان يوم دخولها إلى القاهرة يوما مشهودا، انتهى ذلك.
وفى هذه السنة، توفّى الصاحب تاج الدين بن الصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنّا، مات وهو منفصل عن الوزارة، وقيل بل مات سنة سبعمائة، والله أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمائة
فيها، فى يوم الجمعة حادى عشر صفر، توفّى شيخ الإسلام قاضى القضاة الشافعية، تقىّ الدين أبو الفتح محمد بن مجد الدين على بن وهب بن مطيع القشيرى القوصى، المعروف بابن دقيق العيد، ﵁؛ وكان مولده بساحل الينبع، فى يوم السبت خامس عشر شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، وكان تلميذ الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، ﵁، ولما مات دفن إلى جانبه بالقرافة الصغرى، وقد فاق شيخه ابن عبد السّلام.
стр. 420
قال الشيخ تاج الدين السبكى: ابن دقيق العيد، هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة، كما جاء فى الحديث؛ وله عدّة مصنّفات، منها: الإلمام فى الحديث وشرحه، وشرح العمدة، والاقتراح فى مصطلح الحديث، وشرح العنوان فى أصول الفقه، وكتاب أصول الحديث، وله ديوان خطب وديوان أشعار أدبيات، ومن نظمه الرقيق وهو قوله فى نوع الجناس التام:
تهيم نفسى طربا عند ما … أستلمح البرق الحجازيّا
ويستخفّ الوجد عقلى وقد … لبست أثواب الحجا زيّا
ياهل أقضى من منى ليلتى … وأنحر البزل المهاريّا
وأرتوى من زمزم فهى لى … ألذّ من ريق المهاريّا
نقل بعض المؤرّخين، أن القاضى تقىّ الدين بن دقيق العيد، كان يحجر على نوّابه فيما يحكمون (١) به بحسب الوقائع.
قال الإسنوى: ومع هذا رآه بعض أصحابه فى المنام، وهو فى سجن، فسأله عن حاله، فقال له: أنا معوّق ههنا بسبب ما كان يعملونه نوّابى من الأحكام، وتنطى علىّ.
فلما توفّى ابن دقيق العيد، أخلع السلطان على القاضى بدر الدين بن جماعة، واستقرّ به قاضى القضاة الشافعية، عوضا عن ابن دقيق العيد، انتهى ذلك.
ومن الحوادث، جاءت الأخبار من حلب، بأنّ طائفة من عسكر غازان دخلوا إلى حلب على حين غفلة، ومعهم أمير يقال له قطلوشاه، فذكروا أنّ بلادهم أمحلت، وقصدهم الإقامة بحلب، حتى يشتروا لهم مغلا، وكل هذا حيل وخداع، ثم بعد ذلك جاءت طائفة أخرى نزلوا بالمرعش، فأرسل نائب حلب يكاتب السلطان بذلك.
فلما جاء هذا الخبر، عيّن السلطان جماعة من الأمراء المقدّمين عدّتهم ستة أمراء، وعيّن معهم ألف مملوك (٢)، ورسم أن يخرجوا على الفور مسرعين؛ فلما خرجوا ووصلوا
стр. 421
إلى غزّة، جاءت الأخبار إليهم بوصول القان غازان بنفسه، وقد وصل إلى الرحبة، فنزل إليه نائب الرحبة، وأرسل إليه الإقامات، فمنع المحاصرة عن المدينة.
فلما تحقّق السلطان ذلك، أحضر الأمير سلار، النائب، والأتابكى بيبرس الجاشنكير، وضربوا مشورة فى أمر غازان، فأشاروا على السلطان بالخروج قبل أن يتمكّن العدو من البلاد؛ فعلّق الجاليش، ثم نادى بالنفير عاما.
ثم إنّ السلطان جمع طائفة من عربان الشرقية والغربية، فاجتمع معه ما لا يحصى من العساكر، وخرج على جرائد الخيل، ومعه القضاة الأربعة، والخليفة المستكفى بالله سليمان.
فلما خرج من القاهرة، تقدّمه الأتابكى بيبرس مع جماعة من العسكر؛ فلما وصلوا إلى الشام، وجدوا جاليش غازان، وقد وصل قرب حماة، فأرسل الأتابكى بيبرس يستحثّ السلطان فى سرعة الحضور، فجدّ السلطان السير حتى وصل إلى الشام فى مستهلّ شهر رمضان؛ فأحضر عربان جبل نابلس، وعسكر الشام، وطرابلس، وصفد، وغير ذلك، فاجتمع معه من العساكر نحو مائتى ألف مقاتل.
فلم يقم (١) بالشام غير ثلاثة أيام، وبرز إلى لقاء غازان، فتلاقى الفريقان (٢) على مرج راهط، تحت جبل غباغب، فكان بينهما [وقعة لم يسمع بمثلها فيما تقدّم من الوقعات (٣) المشهورة، فكانت النصرة يومئذ للملك الناصر محمد بن قلاون، وانهزم عسكر غازان بعد أن قتل منهم نحو النصف، وأسر البعض منهم، كما قيل فى المعنى:
جيوشه كالأسود أضحت … تقتحم الحرب بالعزائم
وسيفة فى الوغى طويل … له نفوس العدى غنائم
والنصر مذ جاءه سريعا … صيّر قلب الحسود وارم
وأما من قتل فى هذه الوقعة] (٤) من الأمراء وهم: الأمير لاجين،
стр. 422
الأستادار، والأمير سنقر الكافرى، والأمير أيدمر الشمسى المعروف بالقشاش، والأمير آقوش، حاجب الحجّاب، والأمير أيدمر المعروف بالرفا، والأمير أيدمر، نقيب الجيوش، والأمير علاء الدين بن التركمانى، والأمير على بن ساخل، والأمير بهادر (١) الدكاجكى، وغير هؤلاء من أمراء دمشق، وطرابلس، وصفد، وحماة، وغزّة، وقتل من المماليك السلطانية نحو ألف وخمسمائة مملوك (٢)، هذا خارجا عما (٣) قتل من العربان والعشير والغلمان وغير ذلك.
فلما حال بينهما الليل، التجأ عسكر غازان إلى جبل هناك، وبات يوقد النيران، وبات عسكر السلطان ضاربا عليهم يزكا.
فلما لاح الصباح من يوم الأحد خامس رمضان تقلّق عسكر غازان من المحاصرة، وهلك من العطش والجوع، فصار يستحّب من الجبل إلى الأودية، فتتّبعوهم مماليك السلطان، وحملوا عليهم بالسيوف، فصيّروهم كالرمم فى الأرض، وأسر منهم ماشاء، والذى سلم منهم هلك فى الطرقات من الجوع والعطش والمشى (٤)، وقال القائل:
مشوا متسابقى الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار
فلما حصلت هذه النصرة للملك الناصر، أرسل ببشارة هذه النصرة إلى القاهرة الأمير بكتوت الفتاح، ففرح الناس بذلك.
ثم إنّ السلطان توجّه إلى الديار المصرية، فدخلها فى ثالث عشرين شوّال، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزيّنت له زينة حفلة، وحملت على رأسه القبّة والطير، وفرشت له الشقق الحرير تحت حافر فرسه، ودخل من باب النصر، وشقّ القاهرة فى موكب عظيم، وقدّامه القضاة الأربعة والخليفة، وضجّ له الناس بالدعاء.
стр. 423
فلما وصل بين القصرين، نزل عن فرسه، وزار قبر والده قلاون، ثم طلع إلى القلعة، وقدّامه الأمراء مشاة، وبين يديه الأسارى الذين (١) أسروا من عسكر غازان، وهم فى زناجير حديد، وصناجق غازان منكسة، وكانت هذه النصرة على غير القياس، «وما النصر إلا من عند الله».
قيل، لما حصلت هذه النصرة، عمل الأمير بيبرس الفارقانى، وهو صاحب الحمّام التى تجاه مدرسة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى هذه القصيدة فى الملك الناصر لما انتصر؛ وكان الأمير بيبرس الفارقانى أميّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان يزن الشعر بالطباع، وينظم منه ما لا تمجّه الأسماع، ومن القصيدة الموعود بذكرها هذه الأبيات:
إذا ما شئت أن تحيا هنيئا … فبادر للصناجق والبنود
ترى من تحتها ملكا هماما … وفيّا بالمواثق والعهود
هو الضرغام خوّاض المنايا … إذا ما الحرب تسعر بالوقود
أتى مثل الغمام بجيش مصر … وكوسات كأصوات الرعود
لها وقع ترنّ الأرض منه … وترعد منه آفاق الوجود
وأسياف لها لمع كبرق … تقد بها العظام مع الجلود
فلا برحت يداه فى عداه … مصرفة بإسعاف السعود
ولا زالت ملوك الأرض طرا … له ما عاش أمثال العبيد
انتهى ذلك، وإنما أوردنا هذه القصيدة هنا، ليعلم السامع أنّ فى الأتراك من لا يخلو عن فضيلة.
قيل لما انكسر عسكر غازان، غنم منه عسكر السلطان غنائم (٢) كثيرة، من خيول وسلاح وبرك، كما غنم عسكر غازان من عسكر مصر، لما انكسر الملك الناصر تلك المرّة، والمجازاة من جنس العمل، كما قد قيل فى المعنى:
стр. 424
فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسرّ
[وفى هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وسبعمائة، فيها، فى شعبان، توفّى الشيخ يحيى ابن على بن يحيى الصنافيرى المجذوب، رحمة الله عليه، ولما مات دفن عند الشيخ أبى العبّاس البصير] (١).
ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ فى ثالث عشرين ذى الحجّة، وقعت زلزلة عظيمة بالديار المصرية وأعمالها، وكان قوّة عملها بثغر الإسكندرية، فهدمت سورها والأبراج التى (٢) به، وهدمت من المنار جانبا (٣)، وفاض ماء البحر الملح، حتى غرّق البساتين التى هناك.
وأما الديار المصرية، فهدمت من جامع الحاكم جانبا (٣)، وهدمت مئذنة (٤) المدرسة المنصورية ومئذنة جامع الظافر، ومئذنة جامع الصالح الذى عند باب زويلة، وهدمت جانبا (٣) من حيطان جامع عمرو الذى بمصر العتيقة، وتشقّق من هذه الزلزلة مواضع بالجبل المقطم.
فلما تزايد الأمر، خرج الناس إلى الصحارى، وهرب الناس من دكاكينهم وتركوها مفتّحة، وخرجن النساء من بيوتهن مسبيّات، وظنّ الناس أنّها القيامة، وسقطت أماكن كثيرة على الناس، وهلكوا تحت الردم؛ وأقامت هذه الزلزلة تعاود الناس مدّة عشرين يوما.
قيل إنّ شخصا كان يبيع اللبن، فسقطت عليه الدار، فظنّ الناس أنّه مات، فأقام تحت الردم ثلاثة أيام بلياليها، فلما شالوا عنه الردم، وجدوا فيه الروح، وقد تصلّب عليه أخشاب الدار فسلم، وسلمت معه الجرّة اللبن التى كانت فى يده، وهذا من العجائب.
стр. 425
وكانت هذه الزلزلة فى قوّة الصيف، فجاء عقيبها ريح أسود، فيه سموم تلفح (١)، حتى أغمى على الناس منها؛ وقيل، كانت هذه الزلزلة متّصلة إلى دمشق، والكرك، والشويك، وصفد، وغالب البلاد الشامية، وقد قيل فى المعنى:
زلزلت الأرض فخاف الورى … وابتهلوا إلى العزيز الحكيم
فليذكروا مع خوفهم قوله … زلزلة الساعة شئ عظيم
وفيها توجّه الشيخ تقىّ الدين بن تيمية، ومعه جماعة، إلى مسجد النارنج بدمشق، وأحضروا معه جماعة من الحجّارين، وقطعوا صخرة كانت هناك يزورها (٢) الناس، فادّعى أنّها من البدع فأزالها.
وفى هذه السنة، فى جمادى الأولى، توفّى الشيخ نهار المغربى المجذوب، رحمة الله عليه.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة
فيها توجّه الأمير بيبرس، الدوادار، لعمارة ما تهدّم من الأبراج والسور بثغر الإسكندرية، بسبب الزلزلة؛ فكان عدّة ما سقط من الأبراج سبعة عشر برجا، ونحو ستة وأربعين بدنة.
ثم إنّ السلطان رسم للأمراء أنّ كل من كان ناظرا على جامع، يصلح ما تهدّم منه فى الزلزلة، فامتثلوا ذلك، وشرعوا فى إصلاح ما فسد من ذلك.
وفى هذه السنة جاءت الأخبار من بغداد، بوفاة (٣) غازان، الذى جرى منه ما جرى، وكان غازان من أولاد هولاكو الذى أخرب بغداد؛ وقيل إنّ غازان مات مسموما، سمّته زوجته فى منديل الفرش، وكان موته بالقرب من همذان، وحمل إلى تبريز، ودفن بها؛ وكان قد عوّل على أن يزحف على البلاد الشامية مرّة