← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إلى غزّة، جاءت الأخبار إليهم بوصول القان غازان بنفسه، وقد وصل إلى الرحبة، فنزل إليه نائب الرحبة، وأرسل إليه الإقامات، فمنع المحاصرة عن المدينة. فلما تحقّق السلطان ذلك، أحضر الأمير سلار، النائب، والأتابكى بيبرس الجاشنكير، وضربوا مشورة فى أمر غازان، فأشاروا على السلطان بالخروج قبل أن يتمكّن العدو من البلاد؛ فعلّق الجاليش، ثم نادى بالنفير عاما. ثم إنّ السلطان جمع طائفة من عربان الشرقية والغربية، فاجتمع معه ما لا يحصى من العساكر، وخرج على جرائد الخيل، ومعه القضاة الأربعة، والخليفة المستكفى بالله سليمان. فلما خرج من القاهرة، تقدّمه الأتابكى بيبرس مع جماعة من العسكر؛ فلما وصلوا إلى الشام، وجدوا جاليش غازان، وقد وصل قرب حماة، فأرسل الأتابكى بيبرس يستحثّ السلطان فى سرعة الحضور، فجدّ السلطان السير حتى وصل إلى الشام فى مستهلّ شهر رمضان؛ فأحضر عربان جبل نابلس، وعسكر الشام، وطرابلس، وصفد، وغير ذلك، فاجتمع معه من العساكر نحو مائتى ألف مقاتل. فلم يقم (١) بالشام غير ثلاثة أيام، وبرز إلى لقاء غازان، فتلاقى الفريقان (٢) على مرج راهط، تحت جبل غباغب، فكان بينهما [وقعة لم يسمع بمثلها فيما تقدّم من الوقعات (٣) المشهورة، فكانت النصرة يومئذ للملك الناصر محمد بن قلاون، وانهزم عسكر غازان بعد أن قتل منهم نحو النصف، وأسر البعض منهم، كما قيل فى المعنى: جيوشه كالأسود أضحت … تقتحم الحرب بالعزائم وسيفة فى الوغى طويل … له نفوس العدى غنائم والنصر مذ جاءه سريعا … صيّر قلب الحسود وارم وأما من قتل فى هذه الوقعة] (٤) من الأمراء وهم: الأمير لاجين،

стр. 422

الأستادار، والأمير سنقر الكافرى، والأمير أيدمر الشمسى المعروف بالقشاش، والأمير آقوش، حاجب الحجّاب، والأمير أيدمر المعروف بالرفا، والأمير أيدمر، نقيب الجيوش، والأمير علاء الدين بن التركمانى، والأمير على بن ساخل، والأمير بهادر (١) الدكاجكى، وغير هؤلاء من أمراء دمشق، وطرابلس، وصفد، وحماة، وغزّة، وقتل من المماليك السلطانية نحو ألف وخمسمائة مملوك (٢)، هذا خارجا عما (٣) قتل من العربان والعشير والغلمان وغير ذلك. فلما حال بينهما الليل، التجأ عسكر غازان إلى جبل هناك، وبات يوقد النيران، وبات عسكر السلطان ضاربا عليهم يزكا. فلما لاح الصباح من يوم الأحد خامس رمضان تقلّق عسكر غازان من المحاصرة، وهلك من العطش والجوع، فصار يستحّب من الجبل إلى الأودية، فتتّبعوهم مماليك السلطان، وحملوا عليهم بالسيوف، فصيّروهم كالرمم فى الأرض، وأسر منهم ماشاء، والذى سلم منهم هلك فى الطرقات من الجوع والعطش والمشى (٤)، وقال القائل: مشوا متسابقى الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار فلما حصلت هذه النصرة للملك الناصر، أرسل ببشارة هذه النصرة إلى القاهرة الأمير بكتوت الفتاح، ففرح الناس بذلك. ثم إنّ السلطان توجّه إلى الديار المصرية، فدخلها فى ثالث عشرين شوّال، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزيّنت له زينة حفلة، وحملت على رأسه القبّة والطير، وفرشت له الشقق الحرير تحت حافر فرسه، ودخل من باب النصر، وشقّ القاهرة فى موكب عظيم، وقدّامه القضاة الأربعة والخليفة، وضجّ له الناس بالدعاء.

стр. 423

فلما وصل بين القصرين، نزل عن فرسه، وزار قبر والده قلاون، ثم طلع إلى القلعة، وقدّامه الأمراء مشاة، وبين يديه الأسارى الذين (١) أسروا من عسكر غازان، وهم فى زناجير حديد، وصناجق غازان منكسة، وكانت هذه النصرة على غير القياس، «وما النصر إلا من عند الله». قيل، لما حصلت هذه النصرة، عمل الأمير بيبرس الفارقانى، وهو صاحب الحمّام التى تجاه مدرسة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى هذه القصيدة فى الملك الناصر لما انتصر؛ وكان الأمير بيبرس الفارقانى أميّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان يزن الشعر بالطباع، وينظم منه ما لا تمجّه الأسماع، ومن القصيدة الموعود بذكرها هذه الأبيات: إذا ما شئت أن تحيا هنيئا … فبادر للصناجق والبنود ترى من تحتها ملكا هماما … وفيّا بالمواثق والعهود هو الضرغام خوّاض المنايا … إذا ما الحرب تسعر بالوقود أتى مثل الغمام بجيش مصر … وكوسات كأصوات الرعود لها وقع ترنّ الأرض منه … وترعد منه آفاق الوجود وأسياف لها لمع كبرق … تقد بها العظام مع الجلود فلا برحت يداه فى عداه … مصرفة بإسعاف السعود ولا زالت ملوك الأرض طرا … له ما عاش أمثال العبيد انتهى ذلك، وإنما أوردنا هذه القصيدة هنا، ليعلم السامع أنّ فى الأتراك من لا يخلو عن فضيلة. قيل لما انكسر عسكر غازان، غنم منه عسكر السلطان غنائم (٢) كثيرة، من خيول وسلاح وبرك، كما غنم عسكر غازان من عسكر مصر، لما انكسر الملك الناصر تلك المرّة، والمجازاة من جنس العمل، كما قد قيل فى المعنى:

стр. 424

فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسرّ [وفى هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وسبعمائة، فيها، فى شعبان، توفّى الشيخ يحيى ابن على بن يحيى الصنافيرى المجذوب، رحمة الله عليه، ولما مات دفن عند الشيخ أبى العبّاس البصير] (١). ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ فى ثالث عشرين ذى الحجّة، وقعت زلزلة عظيمة بالديار المصرية وأعمالها، وكان قوّة عملها بثغر الإسكندرية، فهدمت سورها والأبراج التى (٢) به، وهدمت من المنار جانبا (٣)، وفاض ماء البحر الملح، حتى غرّق البساتين التى هناك. وأما الديار المصرية، فهدمت من جامع الحاكم جانبا (٣)، وهدمت مئذنة (٤) المدرسة المنصورية ومئذنة جامع الظافر، ومئذنة جامع الصالح الذى عند باب زويلة، وهدمت جانبا (٣) من حيطان جامع عمرو الذى بمصر العتيقة، وتشقّق من هذه الزلزلة مواضع بالجبل المقطم. فلما تزايد الأمر، خرج الناس إلى الصحارى، وهرب الناس من دكاكينهم وتركوها مفتّحة، وخرجن النساء من بيوتهن مسبيّات، وظنّ الناس أنّها القيامة، وسقطت أماكن كثيرة على الناس، وهلكوا تحت الردم؛ وأقامت هذه الزلزلة تعاود الناس مدّة عشرين يوما. قيل إنّ شخصا كان يبيع اللبن، فسقطت عليه الدار، فظنّ الناس أنّه مات، فأقام تحت الردم ثلاثة أيام بلياليها، فلما شالوا عنه الردم، وجدوا فيه الروح، وقد تصلّب عليه أخشاب الدار فسلم، وسلمت معه الجرّة اللبن التى كانت فى يده، وهذا من العجائب.

стр. 425

وكانت هذه الزلزلة فى قوّة الصيف، فجاء عقيبها ريح أسود، فيه سموم تلفح (١)، حتى أغمى على الناس منها؛ وقيل، كانت هذه الزلزلة متّصلة إلى دمشق، والكرك، والشويك، وصفد، وغالب البلاد الشامية، وقد قيل فى المعنى: زلزلت الأرض فخاف الورى … وابتهلوا إلى العزيز الحكيم فليذكروا مع خوفهم قوله … زلزلة الساعة شئ عظيم وفيها توجّه الشيخ تقىّ الدين بن تيمية، ومعه جماعة، إلى مسجد النارنج بدمشق، وأحضروا معه جماعة من الحجّارين، وقطعوا صخرة كانت هناك يزورها (٢) الناس، فادّعى أنّها من البدع فأزالها. وفى هذه السنة، فى جمادى الأولى، توفّى الشيخ نهار المغربى المجذوب، رحمة الله عليه. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة فيها توجّه الأمير بيبرس، الدوادار، لعمارة ما تهدّم من الأبراج والسور بثغر الإسكندرية، بسبب الزلزلة؛ فكان عدّة ما سقط من الأبراج سبعة عشر برجا، ونحو ستة وأربعين بدنة. ثم إنّ السلطان رسم للأمراء أنّ كل من كان ناظرا على جامع، يصلح ما تهدّم منه فى الزلزلة، فامتثلوا ذلك، وشرعوا فى إصلاح ما فسد من ذلك. وفى هذه السنة جاءت الأخبار من بغداد، بوفاة (٣) غازان، الذى جرى منه ما جرى، وكان غازان من أولاد هولاكو الذى أخرب بغداد؛ وقيل إنّ غازان مات مسموما، سمّته زوجته فى منديل الفرش، وكان موته بالقرب من همذان، وحمل إلى تبريز، ودفن بها؛ وكان قد عوّل على أن يزحف على البلاد الشامية مرّة

стр. 426

أخرى، فكفى الله الناس شرّه، قال الوداعى: قد مات غازان بلا علّة … ولم يمت فى السنة الماضية بل شنّعوا عن موته فانثنى … حيّا ولكن هذه القاضية وفى هذه السنة، شرع السلطان فى بناء مدرسته التى بجوار البيمارستان، ونقل الباب الرخام الأبيض، الذى (١) على بوّابة المدرسة الآن، من مدينة عكّا، قيل كان على باب كنيسة بها. ثم دخلت سنة أربع وسبعمائة فيها حضر إلى الأبواب الشريفة صاحب دنقلة، من أعمال الصعيد، وكان صحبته هديّة للسلطان، من رقيق وجمال وأبقار وأغنام وغير ذلك؛ فأخلع عليه السلطان خلعة، وأنزله بدار الضيافة. وفى هذه السنة، توفّى الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وكان من فحول الشعراء، وله نظم جيّد، ومعان رقيقة، فمن ذلك قوله: قال لى من أحبّ والبدر يبدو … من خلال السحاب ثم يغيب ما حكى البدر قلت وجهك لما … يختفى عند ما يلوح الرقيب وقوله أيضا: قلت وقد أسبل من لحاظه … درّ دموع وفؤادى ذاهل واعجبا من نرجس فى روضة … يقطر منه الماء وهو ذابل ثم دخلت سنة خمس وسبعمائة فيها ابتدأ الأتابكى بيبرس الجاشنكير بعمارة خانقته، التى برحبة باب العيد، قبالة الدرب الأصفر؛ قيل لما كملت عمارة هذه الخانقاة، كتب الشيخ شرف الدين ابن الوحيد (٢)، للأتابكى بيبرس، ختمة فى سبعة أجزاء، فى ورق قطع البغدادى

стр. 427

، بقلم الشعر؛ قيل إنّ الأتابكى بيبرس، أصرف على ليقة (١) هذه الأجزاء ألف وسبعمائة دينار، حتى كتبت بالذهب، ووضعها فى الخانقاة، فهى من محاسن الزمان؛ وأوقف على هذه الخانقاة الأوقاف الجليلة، وجعل بها حضورا وصوفة، ورتّب لها أشياء كثيرة من أنواع البرّ والمعروف، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وسبعمائة فيها وقع الغلاء بالديار المصرية، وتشحّطت الغلال، وشطح سعرها، وعزّ الخبز من الأسواق، وبلغ ثمن الرغيف الخبز نصفين فضّة، واشتدّ الأمر على الناس، ولكن أقام ذلك مدّة يسيرة، وانحلّ السعر قليلا، قليلا، وظهرت الغلال فى السواحل. وفيها جاءت الأخبار، بأنّ صاحب اليمن، الملك المؤيد هزير الدين داود، أظهر المخالفة للسلطان، ومنع ما كان يرسله فى كل سنة من التقادم للسلطان؛ فعزّ ذلك على الملك الناصر، وعيّن له تجريدة، وشرع فى عمارة جلبات ومراكب كبار بسبب العسكر، وعيّن جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، فلما دخل الشتاء، اتثنى (٢) عزم السلطان عن ذلك، وبطل أمرها. وفيها ادّعى الشيخ نجم الدين أبو بكر بن خلكان، أنّه قد أوحى إليه، وأنّه يخاطب بكلام يشبه الوحى، أى: افعل ما هو كذا وكذا، فقصدوا يثبتوا عليه كفرا، فاستتوبوه، فتاب من ذلك. وفيها توفّى الشيخ ضياء الدين الطوسى، شارح «الحاوى». - وتوفّى الشيخ زين الدين الفارقى، وغير ذلك من العلماء. ثم دخلت سنة سبع وسبعمائة فيها دبّت عقارب الفتن بين السلطان، وبين الأمير سلار، نائب السلطنة، وثارت بينهما فتنة عظيمة، وكثر القيل والقال؛ ثم إنّ السلطان قبض على جماعة من الخاصكية الذين (٣) هم من عصبة سلار، وكان من أعيان الخاصكية الذين

стр. 428

قبض عليهم: بيبغا التركمانى، وخاص ترك العلاى، وينتمر الفارسى؛ فلما قبض عليهم أرسلهم إلى القدس، فعزّ ذلك على الأمير سلار. وفيها جاءت الأخبار من حلب بأنّ التتار قد تحرّكوا على البلاد؛ فلما تحقّق السلطان ذلك، عرض العسكر وعيّن تجريدة، وعيّن بها من الأمراء المقدّمين: الأمير جمال الدين آقوش الموصلى المسمّى قتّال السبع، وهو صاحب الغيط المعروف به، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار. وعيّن معهما أمراء طبلخانات، وأمراء عشراوات، وخمسمائة مملوك سلطانى، ورسم لهم بأن يتوجّهوا إلى حلب، ويقيموا (١) بها إلى أن يصير من أمر التتار ما يكون. فلما شرعوا فى أمر السفر، وهمّوا بالخروج، جاءت الأخبار من حلب بأنّ التتار وقع بينهم خلف، ورجعوا إلى بلادهم، فبطل أمر التجريدة. ثم دخلت سنة ثمان وسبعمائة فيها، فى شهر رمضان، أظهر السلطان أنّه يحج، وشرع فى عمل اليرق، وعيّن صحبته جماعة من الأمراء، وهم: الأمير أيدمر الخطيرى الأستادار، وهو صاحب الجامع الذى فى بولاق، ورسم بأن يتقدّم إلى العقبة بالإقامات إلى أن يحضر السلطان. وعيّن الذى (٢) يخرج صحبته، وهم: الأمير لاجين قرا، أمير مجلس، والأمير آل ملك الجوكندار، والأمير بلبان المحمدى أمير جاندار، والأمير أيبك الرومى، والأمير بيبرس الأحمدى، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشراوات والمماليك السلطانية. فلما كان يوم السبت خامس عشرينه، خرج السلطان من القاهرة، وصحبته الأمراء، وأخذ عياله وأولاده ونساءه، فعيّد عيد الفطر فى بركة الحاج، ثم رحل. فلما وصل إلى العقبة، جمع الأمراء وصرّح لهم بما عنده كمين فى خاطره من سلار،

стр. 429

النائب، والأتابكى بيبرس الجاشنكير. ثم رسم للأمراء الذين (١) [فى] (٢) صحبته أن يرجعوا إلى القاهرة، وأنّه قد اختار الإقامة بالكرك، وخلع نفسه من الملك، وأشهد عليه بذلك. ثم إنّه أرسل خزائن المال، والجنائب والعصائب السلطانية، والهجن، والكنابيش الزركش الذى كانوا (٣) معه، صحبة الأمراء. وقرّر معهم أنّ إذا وصل المحمل إلى العقبة، يرسلوا حريم السلطان من هناك إلى الكرك، وكان أمير المحمل فى تلك السنة الأمير جمال الدين خضر بك بن نوكبيه، فلما وصل حريم السلطان إلى العقبة، أرسلوهم من هناك مع أمير إلى الكرك، وصحبتهم السنيح. وكان السلطان، لما خلع نفسه من الملك، كتب مع الأمراء مطالعة تتضمّن أنّه رغب عن الملك واختار الإقامة بالكرك، وأنّ الأمراء يولّوا من يختاروه (٤) سلطانا عليهم، فإنّه ما بقى له رغبة فى الملك. قال الصلاح الصفدى: وكان سبب توجّه الملك الناصر إلى الكرك، فإنّه كان مع سلار، والأتابكى بيبرس، كالمحجور عليه، لا يتصرّف فى شئ من أمور المملكة إلا باختيارهما. حتى قيل إنّه طلب يوما رميسا بدرى، يرسله إلى الطبّاخ، يصنعه شوى، فمنع منه، وقيل له حتى يجئ كريم الدين، كاتب الأتابكى بيبرس. فعزّ ذلك على السلطان، وأخذ فى نفسه، فأظهر أنّه يريد الحجّ فى تلك السنة، فلما وصل إلى العقبة صرّح بما عنده إلى الأمراء، وتوجّه من هناك إلى الكرك، فدخلها يوم الأحد عاشر شوّال؛ فلما دخل الكرك، زيّنت له، ولاقاه نائب الكرك.

стр. 430

فلما وصل إلى خندق القلعة، مدّله جسر من الخشب ليعبر عليه إلى القلعة، فلما مشى (١) عليه، تكاثرت حوله المماليك، فانكسر الجسر من تحت أرجلهم، بعد أن تقدّم فرس السلطان بخطوتين، فتساقطت المماليك إلى الخندق، فانصدع منهم جماعة كثيرة، ومات منهم واحد فى الخندق، فتنكّد السلطان لذلك؛ فلما طلع إلى قلعة الكرك أقام بها، ونزل نائب الكرك سكن بالمدينة هو وعياله. قيل، لما رحل السلطان من العقبة، وتوجّه إلى الكرك، رجع الأمراء الذين (٢) كانوا معه إلى القاهرة، فدخلوا يوم السبت ثالث عشرين شوّال. فلما بلغ بقيّة الأمراء مجيئهم، ركبوا جميعا وطلعوا إلى القلعة، فلما وقفوا على مطالعة السلطان بأنّه رغب عن الملك، وأشهد عليه بالخلع، واختار الإقامة بالكرك. فلما تحقّقوا ذلك اشتوروا الأمراء فى بعضهم، وقالوا: «إن عاودنا السلطان فى العود إلى الملك، نخشى أنّه لا يجيب إلى ذلك، وتطمع العربان فى البلاد إلى أن يعود الجواب إلينا بما يكون»، ثم انفضّوا ولم ينتظم لهم أمر. فلما كان وقت الظهر، اجتمع الأمراء بدار النيابة، وضربوا مشورة فيمن يولّوه (٣) السلطنة؛ وكانت الكلمة يومئذ مجتمعة فى سلار، نائب السلطنة، فتكلّم الأمراء معه بأن يتسلطن، فامتنع من ذلك، وحلف بالطلاق من نسائه أنّه ما يتسلطن. فترشّح أمر الأتابكى بيبرس الجاشنكير إلى السلطنة، وأنّ سلار يكون نائب السلطنة على حاله، فانتظم الأمر على ذلك، وتحالفوا الأمراء على السمع والطاعة لبعضهم، وتولى بيبرس الجاشنكير. فكانت مدّة الملك الناصر فى هذه السلطنة الثانية، عشر سنين وأياما، وسيعود إلى السلطنة ثالث مرّة، كما يأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء (٤) الله تعالى.

стр. 431

وفى هذه السنة، أعنى سنة ثمان وسبعمائة، فى ذى القعدة، توفّى الإمام الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن أبى شامة الحنبلى، المؤرّخ، وكان عمدة المؤرّخين، صحيح النقل. انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، على سبيل الاختصار من ذلك. ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصورى وهو الثانى عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاون، فحضر الخليفة المستكفى بالله سليمان، والقضاة الأربعة، وبايعه بالسلطنة، وتلقّب بالملك المظفر. فركب بشعار السلطنة من الإيوان الأشرفى، وحملت على رأسه القبّة والطير، ومشت بين يديه الأمراء حتى جلس على سرير الملك، وباسوا له الأرض، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ الناس له بالدعاء، وكان ذلك يوم السبت بعد العصر، ثالث عشرين شوّال، من سنة ثمان وسبعمائة. قيل لما كتب الخليفة تقليدا للملك المظفر بيبرس الجاشنكير، ألبسه خلعة السلطنة، وهى عمامة سوداء مدوّرة، وجبّة سوداء، بعذبة زركش، وسيف حمائلى، فشقّ القاهرة وهو فى هذه الأبّهة، والصاحب ضياء الدين النشاى حامل التقليد على رأسه فى كيس حرير أسود. وكان هذا عادة (١) السلاطين، يوم يكتب لهم التقليد، يلبسوا (٢) خلعة السلطنة، ويشقّوا (٣) القاهرة، وتزيّن لهم، ويكون يوما مشهودا (٤)، انتهى ذلك.

стр. 432

فلما تمّ أمره فى السلطنة، أخلع على الأمير سلار، واستقرّ به نائب السلطنة، على عادته؛ وأخلع فى ذلك اليوم على جماعة كثيرة من الأمراء والمباشرين، حتى قيل أخلع فى ذلك اليوم نحو ألف وثلثماية خلعة، ما بين مثمرات، وخلعة، وكوامل مخمل بسمور (١)، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة تسع وسبعمائة فيها، فى ربيع الأول، توفّى قاضى القضاة الحنبلى شرف الدين الحرانى؛ فأخلع السلطان على الشيخ سعد الدين الحارثى الحنبلى، واستقرّ (٢) به قاضى قضاة الحنابلة، عوضا عن الحرانى. - وفيها توفّى الشيخ نجم الدين بن الرفعة، إمام الشافعية. وفى هذه السنة، كانت وفاة الشيخ تاج الدين بن عطاء الله أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجذامى ثم الإسكندرانى؛ وكان مالكى المذهب، صحب الشيخ أبا العبّاس المرسى، وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب التنوير فى إسقاط التدبير فى الحكمة، وكتاب لطائف المنن فى مناقب الشيخ أبى الحسن؛ ولما مات دفن بالقرافة الصغرى، رحمة الله عليه، والدعاء عند قبره مجاب. ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ النيل توقّف عن الوفاء إلى سابع عشرين توت من الشهور القبطية؛ ثم نقص فى تاسع عشر بابه، فضجّ الناس لذلك، وتشحّطت الغلال، وارتفع الخبز من الأسواق، واضطربت الأحوال جدّا، فرسم السلطان بفتح السدّ من غير وفاء، وقد نقص عن الوفاء ثلاثة أصابع، فلما فتح، لم يخلّق المقياس لذلك؛ وفيه يقول بدر الدين بن الصاحب: جاءوا بردع وكذب … وفرّحوا قلب الورى وقيل لى النيل وفى … فقلت هذا ما جرى واستمرّ إلى سابع عشرين بابه، فنقص جملة واحدة، فكان منتهى الزيادة خمسة عشر ذراعا وإحدى وعشرين أصبعا، فشرقت البلاد، وضجّت العباد؛

стр. 433

قال النصير الحمامى: إن عجّل النوروز قبل الوفا … عجّل للعالم صفع القفا فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى (١) قال الصارمى إبراهيم بن دقماق، فى تاريخه: إنّ فى هذه الواقعة صنّفوا أهل مصر كلاما ولحّنوه، وصاروا يغنّون به العوام، فى أماكن المفترجات وغيرها، وهو هذا: سلطاننا ركين … ونايبو دقين يجينا المآ … من أين هاتوا لنا الأعرج … يجى المآ ويدّحرج وكان الأمير سلار، النائب، أجرود، فى حنكه بعض شعرات، لأنّه كان من التتار الخطاى، فسمّته العوام «دقين»، وكان الملك الناصر محمد به بعض عرج، فسمته العوام «الأعرج»، وكان بيبرس الجاشنكير لقبه ركن الدين فسمّته العوام «ركين». فلما فشى هذا الكلام بين الناس، بلغ السلطان، فرسم للوالى أن يقبض على جماعة من العوام، فقبض على جماعة منهم، نحو ثلثماية إنسان، فرسم السلطان بضرب جماعة منهم بالقارع، وإشهارهم فى القاهرة على جمال، ورسم بقطع ألسنة جماعة منهم؛ وقد قال القائل فى المعنى: إن كان خلق نيلنا قبل الوفا … فالكسر منه لكل قلب فى الورى والآن نادوا مذ وفى (٢) فأجبتهم … صدق المخبر والحديث كما جرى وقد اضطربت الأحوال فى أوائل دولة المظفر بيبرس، وصار العسكر فريقين، فرقة مع الملك الناصر، وفرقة مع بيبرس الجاشنكير، والأكثر كان مع الملك الناصر. ثم بلغ الملك المظفر بيبرس، أنّ جماعة من الأمراء كاتبوا الملك الناصر، وهو

стр. 434

بالكرك، فقبض عليهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ وقبض على جماعة من المماليك الناصرية، وأرسلهم إلى قوص، وكان عدّتهم نحوا من ثلثماية مملوك (١). فلما وقع ذلك من الملك المظفر، نفر عنه قلوب الرعيّة قاطبة من الأتراك والعوام، واختار كل أحد منهم عود الملك الناصر. ثم صار جماعة من المماليك الناصرية يتسحّبون تحت الليل من القاهرة، ويتوجّهون إلى عند الملك الناصر بالكرك، ويتركون بيوتهم وأولادهم. فلما بلغ الملك المظفر ذلك، أرسل إلى الملك الناصر الأمير مغلطاى، والأمير قطلوبغا، وعلى أيديهما (٢) مطالعة من عند الملك المظفر، فكان مضمون مطالعة الملك المظفر إلى الملك الناصر: «إذا أنت لم ترجع عن مكاتبتك للأمراء، وإلا نقلتك من الكرك إلى القسطنطينية، كما فعل الملك الأشرف خليل مع أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى (٣)»، واستكثر فيها من التهديد عليه، واستوعده بكل سوء. فلما وصلت هذه المطالعة إلى الملك الناصر، اشتدّ غضبه على الأمير مغلطاى، وقطلوبغا، فأغلظ عليه الأمير مغلطاى فى القول، فعرّاه وضربه بالمقارع، ثم اعتقله هو وقطلوبغا فى الجبّ بقلعة الكرك. ثم إنّ الملك الناصر أرسل مكاتبات إلى نائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب صفد، ونائب حماة، وهو يقول لهم فيها: «لما اشتدّ علىّ الضنك من الأمراء، خرجت من مصر، وتركت لهم الملك، ورضيت من الدنيا بأحقر الأماكن، وأضيق المساكن، ليستريح خاطرى من النكد، فما بيرجعوا (٤) عنى، وأرسل المظفر يهدّدنى بالنفى إلى القسطنطينية، كما جرى على أولاد الملك الظاهر بيبرس، وأرسل يطلب منى

стр. 435

ما لا (١) أقدر عليه، وأنتم تعلموا (٢) ما لوالدى عليكم من العتق والتربية، وما أظنّكم ترضوا (٣) لى بهذا الحال، فإما إنكم تكفونى (٤) أمر هؤلاء الأمراء الذين (٥) تعصّبوا علىّ، وإما إنّى أتوجّه إلى بعض ملوك الشرق، وألتجئ إليه، قبل أن يرسلونى إلى القسطنطينية». ثم إنّ الملك الناصر أرسل مطالعة المظفر بيبرس، التى أرسلها له، إلى نائب حلب، وكان الذى توجّه إلى النوّاب بمطالعات الملك الناصر شخص (٦) يسمّى تاج الدين أوزان، من أبناء العجم. فلما وصلت هذه المطالعات إلى النوّاب، فأخذتهم الحميّة إلى ابن أستاذهم، وتعصّبوا له، وأرسلوا يقولون له: «نحن مماليكك ومماليك أبيك، فمهما شئت، نحن طوع يدك، وتحت أمرك». فلما عاد الجواب إلى الملك الناصر بالطاعة له، فرح بذلك، وأخذ فى أسباب التوجّه إلى القاهرة، فخرج من الكرك، ومعه جماعة من العربان. فلما وصل إلى البرج الأبيض، من أعمال البلقاء، أرسل آقوش الأفرم، نائب الشام، يعرف الملك المظفر بذلك، وكان نائب الشام من عصبة الملك المظفر. فلما وقف المظفر على مطالعة نائب الشام، أرسل خلف سلار، النائب، وضرب معه مشورة فى أمر الملك الناصر، فأشار سلار أن يرسل إليه تجريدة؛ فعرض العسكر، وعيّن منهم جماعة، وعيّن من الأمراء المقدّمين أربعة، وهم: الأمير بلغار صهره، والأمير أيبك البغدادى، والأمير الدكز السلحدار، والأمير آقوش الذى كان نائب الكرك، وعيّن معهم ألفى مملوك. ثم إنّ الملك المظفر نفق على العسكر، واستحثّهم فى سرعة التوجّه إلى الشام؛ فخرجوا يوم السبت تاسع رجب، ونزلوا بالريدانية، فأقاموا بها يوما وليلة، ثم عادوا إلى القاهرة، فتفاءل الناس بزوال الملك المظفر.

стр. 436

وكان سبب عود الأمراء والعسكر، وهو أن ورد كتاب [١] من نائب الشام، أنّ الملك الناصر تسلّم الشام، ودخل إليها فى موكب عظيم، وزيّنت له، وكان يوم [٢] دخوله يوما مشهودا، وأنّ جميع النوّاب دخلوا تحت طاعته، وحمل الأمير الحاج بهادر القبّة والطير على رأسه، وضجّ أهل الشام له بالدعاء، ونزل بالقصر الأبلق الذى بالميدان الكبير، فمدّ له هناك الأمير يلبغا السنجرى، نائب قلعة دمشق، مدّة عظيمة. ثم إنّ الملك الناصر أخلع على الأمير آقوش الأفرم، وأقرّه نائب الشام، على عادته؛ وأخلع على الأمير أسندمر كرجى، وأقرّه نائب طرابلس، على عادته؛ وأخلع على الأمير بكتمر الجوكندار، وأقرّه نائب صفد، على عادته؛ وأخلع على الأمير تمر الساقى، وأقرّه نائب حمص، على عادته؛ وأخلع على الأمير على نائب حماة، وأقرّه على عادته؛ ثم حضر إليه الأمير قرا سنقر، نائب حلب، فأخلع عليه، وأقرّه على عادته فى نيابة حلب؛ وهؤلاء النوّاب كلهم منصورية، مماليك أبيه. فلما كان يوم الجمعة، خطب باسم الملك الناصر على منابر دمشق وأعمالها؛ فلما تحقّق الملك المظفر ذلك اضطربت أحواله، وضاقت الدنيا عليه، ونسى حلاوة اللحم بمرارة الأشنان [٣]، كما قيل: إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى … ظمئت وأى الناس تصفو [٤] مشاربه فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان، دخل الأمير سلار، النائب، ومعه جماعة من الأمراء، إلى عند الملك المظفر، وقالوا له: «يا مولانا السلطان، إنّ غالب الأمراء والمماليك، توجّهوا إلى عند الملك الناصر، ووقع الاختيار على عوده، ومن الرأى أن ترسل إلى الملك الناصر تسأله فى مكان تتوجّه إليه أنت وعيالك، فلعله

стр. 437

يجيبك إلى ذلك، وإن لم تبادر إلى هذا، وإلا دهمتك العساكر ويهجموا (١) عليك وأنت هنا». فقال المظفر: «ومن يتوجّه إلى عند الملك الناصر بهذه الرسالة»؟ فقال الأمير سلار: «يتوجّه إليه الأمير بيبرس الدوادار، فإنّه فقيه ومن ذوى العقول، ويأخذ صحبته الأمير بهادر آص». فلما وقع الاتّفاق على ذلك، كتب الملك المظفر كتابا إلى الملك الناصر وهو يترقّق له فيه، ويسأله أن ينعم عليه بمكان يتوجّه إليه هو وعياله، إما الكرك، وإما صهيون، وإما حماة. ثم إنّ الملك المظفر أحضر القضاة الأربعة (٢)، وخلع نفسه من الملك، وأشهد عليه بذلك، وجهّز الإشهاد على يد الأمير بيبرس الدوادار، وبهادر آص، فخرجا من يومهما وتوجّها إلى الشام. ومن غرائب الاتّفاق أنّ الساعة التى خلع فيها الملك المظفر، كانت هى الساعة التى ركب فيها الملك الناصر، وخرج من الشام قاصدا إلى الديار المصرية، فكانت ساعة سعد؛ واستمرّ فى هذه السلطنة حتى مات على فراشه بعد مدّة طويلة، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. فلما وصل الأمير بيبرس، والأمير بهادر آص، إلى غزّة، تلاقيا (٣) مع الملك الناصر هناك، وباسا له الأرض، وقدّما له مطالعة الملك المظفر، والخلع الذى أشهد به المظفر على نفسه. فلما رأى الملك الناصر ذلك فرح، وقال: «الحمد لله، الذى أصان الله دماء المسلمين عن القتال»، ثم أخلع على الأميرين خلعتين، وكتب معهما أمانا إلى الملك المظفر، وأرسل له منديل الأمان على أيديهما، ورسم لهما أن يتوجّها من يومهما إلى

стр. 438

القاهرة، حتى يطمئن المظفر على نفسه، وأخرجهما من غزّة فى يومهما، وجدّا فى السير. هذا ما كان من أمر الملك الناصر لما توجّه (١) إليه الأمير بيبرس، والأمير بهادر آص. وأما ما كان من أمر الملك المظفر بيبرس، بعد توجّه الأمير بيبرس، وبهادر، فإنّه دخل إلى الخزائن وأخذ منها ما قدر عليه من مال وتحف وسلاح، وعيّن معه من مماليكه المشتراوات سبعمائة مملوك، وأخرج لهم الخيول من الاصطبل السلطانى، وعيّن الأمير بكتوت الفتاح، والأمير أيدمر الخطيرى، والأمير قجماس، بأن يتوجّهوا معه. فلما كان يوم الأربعاء سادس عشر رمضان، نزل الملك المظفر من القلعة بعد العشاء، من باب الدرفيل، وأخذ معه من الاصطبل السلطانى ثلاث طوائل خيل من الخيول الخاص. فلما بلغ العوام نزوله، اجتمع له السواد الأعظم عند باب القرافة، ورجموه بالحجارة والمقاليع، وسبّوه سبّا قبيحا، فلولا أنّه أشغلهم بشئ من الفضّة نثرها لهم، وإلا كان قتل لا محالة، فإنّه أفحش فى حقّهم، وشوّش على جماعة منهم كما تقدّم؛ فلما خلص منهم، توجّه إلى بركة الحبش، فأقام بها ساعة حتى تكامل عسكره، ثم توجّه إلى نحو أطفيح. فلما أصبح الصباح، أشيع بين الناس هروب الملك المظفر من القلعة، فلما جرى ذلك دخل الأمير سلار، النائب، وختم على خزائن المال، والحواصل السلطانية، وأطلق من كان مسجونا من الأمراء فى الأبراج بالقلعة. ثم إنّه أرسل يكاتب الملك الناصر بما وقع من أمر المظفر بيبرس، وأرسل الكتاب على يد آلطنبغا الجمدار. فلما كان يوم الجمعة، خطب باسم الملك الناصر على منابر القاهرة، قبل دخول الملك الناصر إليها.

стр. 439

فلما عاد الأمير بيبرس الدوادار، والأمير بهادر آص، من عند الملك الناصر، وجدا الملك المظفر قد توجّه إلى نحو أطفيح، فأرسلا له الأمان وهو فى أطفيح؛ فكانت مدّة غيبة الأمير بيبرس الدوادار، والأمير بهادر آص، سبعة أيام، وعادا بالأمان إلى الملك المظفر. ثم إنّ الملك الناصر خرج من غزّة، وجدّ فى السير، فوصل إلى خانقة سرياقوس ليلة عيد الفطر، فبات هناك، وصلّى صلاة العيد، فخرج إليه القضاة الأربعة والأمير سلار، النائب، وسائر الأمراء، فلما مثلوا بين يديه باسوا له الأرض، ودخلوا فى خدمته. ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة وهى السلطنة الثالثة، دخل إلى القاهرة يوم الخميس ثانى شوّال سنة تسع وسبعمائة، فزيّنت له القاهرة، وحملت على رأسه القبّة والطير، لكن طلع من الترب، ففرشت له الشقق الحرير من رأس الصوّة إلى القلعة، فطلع من باب السلسلة، وجلس فى المقعد الذى بالاصطبل السلطانى، وقدّامه الأوزان والشبابة السلطانية، وكان يوما مشهودا، وفى ذلك يقول الصلاح الصفدى: تثّنى عطف مصر حين وافى … قدوم الناصر الملك الخبير وذلّ الجشنكير بلا قتال … وأمسى وهو ذو جأش نكير إذا لم تعضد الأقدار شخصا … فأول ما يراع من النصير فلما جلس بالمقعد، حضر الخليفة المستكفى بالله سليمان، والقضاة الأربعة، وهم: قاضى قضاة الشافعية بدر الدين بن جماعة، وقاضى قضاة الحنفية شمس الدين السروجى، وقاضى قضاة المالكية زين الدين بن مخلوف النويرى، وقاضى قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثى؛ وحضر كاتب السرّ شرف الدين بن فضل الله العمرى، وحضر الوزير ضياء الدين النشاى.

стр. 440

فلما تكامل المجلس، التفت الملك الناصر إلى القاضى بدر الدين بن جماعة، وقال له: «كيف تفتى بأنّى خارجى، ويجب قتالى»؟ فحلف القاضى بدر الدين بالطلاق ثلاثة، أنّه ما علم أنّ السؤال عن السلطان، وإنما الفتوى على مقتضى كلام المستفتى. ثم إنّ الخليفة بايعه بالسلطنة، وأحضرت له خلعة السلطنة، وهى جبّة سوداء بعذبة زركش، وعمامة سوداء مدوّرة، وسيف حمائلى. فركب من باب السلسلة والأمراء قدّامه مشاة، حتى طلع إلى القلعة، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر. ثم أخلع على الخليفة، ونزل [إلى] (١) بيته؛ وأخلع على النوّاب الذين (٢) حضروا معه خلع الاستمرار، وأخلع على القضاة الأربعة، وأرباب الدولة من المتعمّمين والأمراء. ثم بعد انفضاض الموكب، طلع إليه الشيخ شمس الدين بن عدلان، فاستأذن فى الدخول عليه، فأرسل يقول له: أنت أفتيت أنّه خارجى وقتاله جائز، مالك عليه دخول، فقد كفانى فيك وفى ابن المراحلى قول الأديب شهاب الدين السارساحى، حيث قال: ولّى المظفر لما فاته الظفر … وناصر الحقّ وافى وهو منتصر وقد طوى الله من بين الورى فتنا … كادت على عصبة الإسلام تنتشر فقل لبيبرس إنّ الدهر ألبسه … أثواب عارية فى طولها قصر لما تولّى، تولّى الخير من أمم … لم يحمدوا أمره فيها ولا شكروا وكيف تمشى به الأحوال فى زمن … لا النيل أوفى ولا وافاهم مطر ومن يقوم ابن عدلان بنصرته … وابن المرحل قل لى كيف ينتصر قال السبكى: وكلهم مظلومون مع الملك الناصر، فإنهم أفتوا بالحقّ، ولكن أين من يقضى على نفسه، ولو بالحقّ. وفى أثناء ذلك اليوم، دخل الأمير سلار، النائب، على السلطان وباس الأرض،

стр. 441

وسأل السلطان أن يعفيه من النيابة، وأن يخرج من مصر، ويتوجّه إلى الشوبك، فيقيم بها حتى ينقضى عمره، وكانت الشوبك جارية فى إقطاع سلار. فلما سأل السلطان فى ذلك، امتنع، فبكى (١) سلار، وتضرّع إليه، وقال: «قد كبر سنّى، ووهن حيلى»، فلا زال يتضرّع إلى السلطان حتى أجابه إلى ذلك، وأخلع عليه خلعة، وخرج من يومه إلى الشوبك. فكانت مدّة نيابته بالديار المصرية إحدى عشرة سنة وكسور، وقد فاتته السلطنة من قبل الجاشنكير، وكان أميرا ديّنا خيّرا، كثير البرّ والمعروف، وافر العقل، ثابت الجنان، ساس الناس فى أيام نيابته أحسن سياسة، وكانت الناس راضية عنه. فلما خرج من مصر، وتوجّه إلى الشوبك، عمل السلطان الموكب، وأخلع على الأمير بكتمر الجوكندار، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن سلار. ثم إنّ السلطان أرسل الأمير بيبرس الدوادار، والأمير بهادر آص، إلى عند الملك المظفر، وكان قد رحل من أطفيح، وأتى إلى أخميم؛ فلما توجّها إليه، تلطّفا معه فى القول، حتى استخلصا منه ما كان أخذه من الأموال من الخزائن، عند ما توجّه إلى أطفيح، واستخلصا منه الخيول التى كان أخذها من الاصطبل السلطانى؛ واستخلصا منه المماليك الذين (٢) كانوا معه. ثم قالوا له: «إنّ السلطان يقول لك امض (٣) إلى الكرك، وأقم بها، ويرتّب لك ما يكفيك»، فقال الملك المظفر: «السمع والطاعة»، ثم رحل من يومه، وتوجّه من هناك إلى السويس. ثم إنّ الأمير بيبرس، والأمير بهادر، رجعا إلى القاهرة، وصحبتهما الأموال والخيول والمماليك الذين (٢) كانوا مع الملك المظفر، فلما حضروا بين يدى الملك الناصر، ردّ الأموال إلى الخزائن، والخيول إلى الاصطبل، والمماليك إلى الطباق.

стр. 442

ثم لما بلغ الملك الناصر توجّه المظفر من هناك إلى السويس، أرسل الأمير أسندمر كرجى خلفه، فقبض عليه من أثناء الطريق، وأحضره إلى القلعة تحت الليل، فسجن بالبرج الكبير. فلما كان يوم الخميس رابع عشر ذى القعدة، جلس السلطان وقت الظهر فى محلّ خلوة، ثم طلب الملك المظفر، فلما مثل بين يديه وبّخه بالكلام، وعدّد له ما وقع منه من القبائح فى حقّه. ثم إنّ السلطان أحضر المشاعلى، وأمر بخنق المظفر بيبرس بين يديه، فخنق حتى مات، وقضى نحبه، وكانت وفاته فى يوم الخميس المذكور أعلاه، من سنة تسع وسبعمائة. فلما مات، أرسل السلطان إلى زوجته، وأمرها أن تدفنه، فحمل من القلعة، ودفن فى تربة فى القرافة الصغرى؛ ثم بعد مدّة شفع فيه بعض الأمراء عند السلطان، فرسم بنقله، ودفنه فى خانقته التى أنشأها عند الدرب الأصفر، بالقرب من خانقة سعيد السعداء، فدفن بها فى أواخر سنة تسع وسبعمائة. وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، أحد عشر شهرا وأياما، وكانت دولته أشرّ أياما مع قصرها، وقع فيها الغلاء، وشرقت البلاد من عدم النيل، ووقع الفناء، والفتن بين الأمراء، وثقل أمره على الرعيّة، ولم ير (١) الناس فى أيامه ما يسرّهم من الخير، بل كانت كلها أنكادا وشرورا، ووقوف حال (٢) بين الناس. وكان الملك المظفر بيبرس جميل الصورة، أبيض اللون، أشقر اللحية، أشهل العينين؛ وكان وافر العقل، عارفا بأحوال المملكة، كفوا للسلطنة؛ وكان كثير البرّ والصدقات، ولا سيما ما فعله فى خانقته، التى أنشأها، من البرّ والمعروف، ولكن تلاعبت به الدنيا كما تلاعبت بغيره، كما قد قيل فى المعنى: يا طالب الدنيا الدنيّة إنّها … شرك الردى وقرارة الأكدار

стр. 443

دار متى ما أضحكت فى يومها … أبكت غدا تبّا لها من دار انتهى ما أوردناه من أخبار الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، وذلك على سبيل الاختصار من أخباره. وكانت تلك السنة شديدة جدّا، فيها توفّى جماعة من الأعيان، منهم: قتل الملك المظفر بيبرس الجاشنكير؛ وتوفّى الإمام نجم الدين بن الرفعة الشافعى؛ والشيخ شمس الدين السروجى (١) الحنفى؛ وعزّ الدين النمراوى؛ ونجم الدين بن العنبرى الواعظ؛ والشيخ كريم الدين الإربلى؛ وعبد الله الحلى، ناظر الجيش، واسمه بهاء الدين؛ والأسعردى، المحتسب، وغير ذلك من الأعيان. ثم دخلت سنة عشر وسبعمائة فيها عزل السلطان قاضى القضاة الشافعية بدر الدين بن جماعة القدسى؛ وولّى عوضه القاضى جمال الدين سليمان الزرعى الشافعى، وذلك فى ربيع الأول من تلك السنة. وعزل قاضى القضاة الحنفى شمس الدين السروجى؛ وولّى عوضه القاضى شمس الدين محمد بن عثمان الجزرى. وعزل قاضى القضاة الحنبلى سعد الدين الحارثى؛ وولّى عوضه القاضى تقىّ الدين ابن قاضى القضاة عزّ الدين. فعزل الثلاثة فى تلك السنة، وأبقى قاضى قضاة المالكية زين الدين بن مخلوف النويرى، لأنّه كان وصى الملك الناصر. ثم عزل الصاحب ضياء الدين النشاى؛ وولّى الناصرى محمد بن الأمير بكتمر الحاجب، عوضا عن ضياء الدين النشاى. وفيها قبض السلطان على أخى (٢) الأمير سلار، وقد بلغه عنه أنّه اتّفق معه جماعة من الأمراء على أنّهم يقتلوا (٣) السلطان، فبادر إليهم وقبض على أربعة عشر

стр. 444

أميرا فى يوم واحد، وأودعهم فى السجن بالقلعة. ثم إنّ السلطان أرسل يكاتب سلار بما وقع من أخيه، وعين الأمير سنجر الجاولى، بأن يتوجّه إلى سلار ويحضره من الشوبك، فتوجّه إليه وغاب عشرة أيام (١) وحضر، وصحبته سلار مقيّذا، فأودعه السلطان فى السجن بالقلعة، فأقام به أياما، وأشيع موته. وكان أصل سلار عن مماليك الملك الصالح نور الدين على بن قلاون، الذى تسلطن فى حياة والده قلاون، وقد تقدّم ذكر ذلك. قال الصلاح الصفدى: لما سجن سلار، بعث إليه السلطان بأكل من السماط، فردّه عليه ولم يأكل منه شيئا (٢)، وأظهر الحنق، فمنع عنه السلطان الأكل والشرب، فأقام على ذلك أياما؛ فلما تزايد به الجوع أكل أخفافه من رجليه، من شدّة الجوع؛ فلما بلغ السلطان ذلك رقّ له، وأرسل يقول له: «قد عفا عنك السلطان»، ففرح بذلك، وقام ومشى خطوات، ثم وقع ميّتا من شدّة الجوع. وكان سلار مربوع القامة، غليظ الجسد، أسمر اللون، خفيف اللحية، له بعض شعرات فى حنكه، وكان تترى الجنس؛ وكان شديد الغضب، صعب الخلق. لكن كان ترفا فى ملبسه، وهو الذى ينسب إليه السلارى إلى الآن، والمناديل السلارية، وقد اقترح أشياء كثيرة من الملبوس، ومن قماش الخيل، وآلة الحرب، وهى منسوبة إليه إلى اليوم. وكان كثير البرّ والصدقات، وكان فى سعة من المال؛ ولما مات بالقلعة، غسّل وكفّن، ودفن فى المدرسة الجاولية، التى عند الكبش. ثم إنّ السلطان احتاط على موجود الأمير سلار، فظهر له من الموجود ما لا يسمع بمثله. قال محمد بن شاكر الكتبى: وقفت على قوائم بخطّ القاضى جمال الدين بن الغويرة،

стр. 445

تتضمّن ما اشتمل عليه موجود الأمير سلار، وهو ما ضبط أول يوم، ذهب عين مائتى ألف دينار، ومن الفضّة أربعمائة ألف درهم وأحد وسبعون ألف درهم؛ وصناديق إفرنجى مصفّحة بنحاس، ضمنها فصوص ياقوت أحمر بهرمان رطلين، فصوص بلخش رطلين ونصف، فصوص زمرد ذبابى عشرين رطلا، فصوص ماس وعين الهرّ ثلثماية قطعة، لؤلؤ كبار مدوّر وزن مثقال كل حبّة العدّة مائة وخمسين حبّة. ثم فى يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى، ظهر له من الذهب العين خمسة وخمسين ألف دينار، ومن الفضّة ألف ألف درهم؛ ومن الفصوص المختلفة رطلان؛ وظهر له مصاغ من ذهب، ما بين خلاخيل وسوار، الوزن أربعة قناطير مصرى؛ ووجد عنده طاسات فضّة عمل الفرنج، وأطباق فضّة، وطشوت فضّة، وأهوان ذهب، الوزن ستة قناطير. ثم فى يوم الثلاثاء ثامن عشره، ظهر له من الذهب العين خمسة وأربعون ألف دينار، ومن الفضّة ثلثماية ألف وثلاثون ألف درهم؛ ووجد عنده طلعات فضّة للصناجق، وقطزيات فضّة، الوزن ثلاثة قناطير. ثم فى يوم الأربعاء تاسع عشره، ظهر له من الذهب العين ألف ألف دينار، ومن الفضّة ثلثماية ألف درهم؛ ووجد عنده أقبية حرير بفرو قاقم ثلثماية قباء، ووجد عنده أقبية حرير أيضا عمل الدار ملوّن بفرو سنجاب، العدّة أربعمائة قباء؛ ووجد عنده سروج ذهب، العدّة مائة سرج بمياتر زركش على محمل أحمر؛ ووجد عنده من الشقق الحرير الطرد وحش وغيره ألف شقّة، ووجد له عند صهره الأمير موسى ثمانية صناديق لم يعلم ما فيها. ووصل له مما كان أخذه صحبته لما توجّه إلى الشوبك، من الذهب العين، مائة ألف دينار، ومن الفضّة أربعمائة ألف درهم؛ ومن القماش الملوّن ثلثماية قطعة؛ ووجد عنده من الخام (١) ستة عشر نوبة، وفيهم خركاة خشب بغشاء أطلس أحمر مرقوم بزركش.

стр. 446

ووجد عنده من الخيول الخاص ثلثماية رأس دون الدشار، ومن البنال مائة وعشرون قطارا، ومن الجمال مائة وعشرون قطارا. وظهر له مخبأة فى داره، فيها أكياس ذهب ما يعلم لهم عدّة؛ ووجد له مخبأة أيضا، فى مكان عند بيت الخلاء، فيها ذهب سكب بغير أكياس ما يعلم قدره. ووجد له من الأملاك، والضياع، والمعاصر، والشون، والمراكب، ما لا ينحصر، حتى قيل كان متحصّله فى كل سنة من أجرة أملاكه وضياعه ومستأجراته وحماياته، ما ينيف عن مائة ألف دينار فى كل سنة. ووجد عنده من المماليك، والخدّام، والعبيد، والجوار، نحو ثلاثة آلاف رأس؛ ووجد عنده من الفرش، والمقاعد والبسط الرومى ما لا ينحصر؛ ووجد عنده من الأغنام والأبقار ما لا يحصى؛ ووجد عنده من الغلال ثلثماية ألف أردب (١) فى الشون على بعضها، ومع هذا مات بالجوع وهو فى السجن، فسبحان المانع. قال بعض المؤرّخين: عجبت من أمر سلار فى جمع هذه الأموال العظيمة، وكانت مدّته فى نيابة السلطنة إخذى عشرة سنة، فكيف حوى هذه الأموال العظيمة فى هذه المدّة اليسيرة؟ والذى يظهر بعين الفراسة، إما أنّه ظفر بكنز من كنوز القدماء، وإما أنّه أخذ هذه الأموال والتحف من بيت المال، عند ما توجّه الملك الناصر إلى الكرك، فإنّ مفاتيح بيت المال كانوا (٢) بيد سلار، فأخذ من بيت المال ما قدر عليه، وهذا الوجه أقرب من أن يكون ظفر بكنز، انتهى ذلك، وقد قيل فى المعنى: اجمع وأنت من الدنيا على حذر … واعلم بأنك بعد الموت مبعوث واعلم بأنّك ما قدّمت من عمل … محصى عليك وما خلفت موروث وفى هذه السنة، أعنى سنة عشر وسبعمائة، فيها كانت وفاة الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم، وهو صاحب كتاب «طيف الخيال»، قدم من الموصل إلى الديار

стр. 447

المصرية فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى؛ وكان ابن دانيال هذا شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك ما قاله عن نفسه، وهو قوله: يا سائلى عن حرفتى فى الورى … وضيعتى فيهم وإفلاسى ما حال من درهم إنفاقه … يأخذه من أعين الناس وقوله: ما عاينت عيناى فى عطلتى … أقلّ من حظّى ولا بختى قد بعت عبدى وحمارى معا … وأصبحت لا فوقى ولا تحتى وتوفّى فى هذه السنة قاضى القضاة الحنفى شمس الدين السروجى (١)، مات وهو منفصل عن القضاء. - وتوفّى العلامة الحافظ التبريزى، محدّث مكّة؛ وغير ذلك من العلماء والصلحاء وفى ذى القعدة من سنة عشر وسبعمائة، توفّى الشيخ بهاء الدين على بن عيسى ابن سليمان الثعلبى المصرى، وكان ناظر الأوقاف؛ وليس هو الشيخ أبو الحسن الثعلبى المحدّث. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة فيها عزل القاضى شرف الدين بن فضل الله العمرى، عن كتابة السرّ بمصر، واستقرّ كاتب السرّ بدمشق؛ وتولّى عوضه بمصر القاضى علاء الدين بن تاج الدين ابن الأثير، وكان عالما فاضلا، شاعرا ناظما ناثرا، ومن شعره، وهو قوله: لا تعجب الناس للورقاء إذ سقطت … على مليح بديع القدّ فتّان رأته مثل قضيب البان معتدلا … والورق ما برحت تصبو (٢) إلى البان وفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، عزل جمال الدين الزرعى، عن قضاء الشافعية؛ وأعيد بدر الدين بن جماعة، واستمرّ بها مدّة طويلة إلى أن كفّ بصره، ومات. وفيها جاءت الأخبار من أفريقية ببلاد الغرب، بأن قد خطب فيها على المنابر باسم

стр. 448

الملك الناصر، وكان سبب ذلك أنّ صاحب أفريقية، وهو أبو يحيى اللحيانى، قدم على الملك الناصر، وقال له: «أرسل معى عسكرا إلى أفريقية، فإذا فتحت المدينة وملكتها، التزمت للسلطان أن أقيم نفسى بها نائبا عنه»، فعيّن السلطان معه تجريدة، بها نحو مائة مملوك، ومعهم أمير عشرة باشهم. فلما توجّهوا إلى أفريقية تسامعت بهم أهل تلك النواحى، فالتفّ عليهم جماعة من المغاربة والعربان، فعظم أمر أبو يحيى (١)، ومشى على غالب بلاد تونس، وحاصر مدينة أفريقية، حتى فتحها، ودخل إليها وعلى رأسه الصناجق السلطانية، وحوله العساكر المصرية، فطرد من كان بها من ملوك الغرب، وملكها أبو يحيى؛ فلما استقرّ بها، خطب باسم الملك الناصر على منابرها، كما قرّر معه، واستمرّ بها، ورجع العسكر إلى القاهرة. ومن الحوادث فى تلك السنة، أنّ السلطان عزل نائب الشام، الأمير آقوش الأفرم؛ واستقرّ بالأمير كراى المنصورى، وهو صاحب الحمّام التى فى سوق الغنم، نائب الشام، عوضا عن آقوش الأفرم؛ فأقام كراى فى نيابة الشام مدّة يسيرة، وأرسل السلطان قبض عليه، وأعاد الأمير آقوش الأفرم إلى نيابته، كما كان بها. وفى هذه السنة، قبض السلطان على الأمير بكتمر الجوكندار، نائب السلطنة، وسجنه بالقلعة؛ ثم أخلع على الأمير بيبرس الدوادار، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن بكتمر الجوكندار. وفيها جاءت الأخبار من الشام، بأنّ نائب الشام قد تسحّب من هناك، هو والأمير قراسنقر، وتوجّها إلى بلاد التتار، وقد بلغهما أنّ السلطان يروم القبض عليهما، فهربا بسبب ذلك. وفى هذه السنة، أعنى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فيها، فى ثانى عشر رجب، توفّى الإمام العلامة نجم الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن على بن الرفعة الأنصارى،

стр. 449

كان ثالث الشيخين: الرافعى، والنواوى؛ ولد سنة خمس وأربعين وستمائة؛ قال الإسنوى: «كان ابن الرفعة إمام عصره فى الشافعية». ثم دخلت سنة اثنتى عشرة وسبعمائة فيها جاء قاصد صاحب اليمن، وصحبته تقادم حفلة، فأكرمه السلطان غاية الإكرام، وأخلع عليه. وفيها حضر ملك النوبة إلى الأبواب الشريفة، وصحبته تقادم حفلة للسلطان، منها: ألف رأس رقيق، من عبيد وجوار، وخمسمائة جمل، وخمسمائة بقرة خيسية، وألف رأس غنم، وعشرين جملا عليها تمر فى أجربة، وغير ذلك، فأكرمه السلطان، وأخلع عليه. وفيها قبض السلطان على الأمير بيبرس الدوادار، الذى استقرّ به نائب السلطنة، وسجنه؛ ثم أخلع على الأمير أرغون الدوادار، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن بيبرس المذكور. وفيها أخلع السلطان على الأمير تفكر الحسامى، واستقرّ به نائب الشام، عوضا عن آقوش الأفرم؛ فلما تولّى تنكز نيابة الشام، جعل السلطان نيابة دمشق أكبر من نيابة حلب، وكان من قديم الزمان، نيابة حلب أكبر من نيابة الشام. ثم أخلع على الأمير سودون الناصرى، واستقرّ به نائب حلب، عوضا عن الأمير قفجق المنصورى. وفيها ابتدأ السلطان بعمارة جامعه الذى فى موردة الحلفاء، تجاه الروضة، وهو الذى يسمّى بالجامع الجديد، وكان بحر النيل يجرى من تحته صيفا وشتاء؛ قيل إنّ السلطان نقل هذه الأعمدة التى به من قلعة الروضة، التى كانت هناك من أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، فنقل منها الملك الناصر أشياء كثيرة من أعمدة وأعتاب وغير ذلك. وفيها ابتدأ السلطان بعمارة الميدان، الذى تحت القلعة، وهو أول من أنشأ هذا

стр. 450

الميدان، وبنى (١) عليه السور. - وفى هذه السنة ابتدأ السلطان بعمارة الميدان الكبير، الذى عند البركة الناصرية. وفيها حضر مملوك نائب حلب، وأخبر أنّ التتار تحرّكوا على البلاد؛ فلما تحقّق السلطان ذلك، عرض العسكر، ونفق، وخرج بنفسه فى أوائل شهر رمضان، قاصدا إلى حلب. فلما وصل إلى غزّة، جاءت الأخبار بأنّ التتار تسامعوا بمجئ السلطان، فخافوا ورحلوا عن البلاد، فتبعهم نائب حلب وتحارب معهم، فكسرهم كسرة قوية، ونهب بركهم وخيولهم. فلما تحقّق السلطان ذلك، رسم للعسكر بالعود إلى الديار المصرية، وتوجّه هو من هناك إلى الحجاز الشريف، ومعه بعض أمراء، فسمّيت هذه التجريدة «الكذّابة» لرجوع العسكر من غزّة. وفى هذه السنة، فى ربيع الآخر، توفّى الشيخ أبو الحسن على بن محمد بن هرون الثعلبى، المحدّث الثقة، عاش من العمر ست وثمانين سنة، ومات بمصر، ودفن بها، وهو صاحب كتاب «العرائس» فى قصص الأنبياء ﵈. وفى هذه السنة عزل السلطان، الناصرى محمد بن بكتمر الحاجب، عن الوزارة؛ واستقرّ بالأمير منجك اليوسفى وزيرا، عوضا عن الناصرى محمد بن بكتمر الحاجب، وذلك فى ربيع الآخر من تلك السنة؛ وفى أيام منجك هذا ظهر اللحم السميط بالديار المصرية، ولم يكن يعرف قبل ذلك بمصر، إلا فى أيام منجك لما كان وزيرا. وفى هذه السنة، توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن مكرم بن على الأنصارى الأفريقى، وكان من أعيان العلماء، وكان له نظم رقيق، فمن ذلك قوله: الناس قد أثموا فينا بظهم … وصدّقوا بالذى أدرى وتدرينا ماذا يضرّك فى تصديق قولهم … بأن نحقّق ما فينا يظنّونا

стр. 451

حملى وحملك ذنبا واحدا ثقة … بالعفو أجمل من إثم الورى فينا وفيها توفّى ابن جبّارة، شارح الشاطبية، وكان من أعيان العلماء. وفيها كانت وفاة الشيخ نصير الدين بن الحمامى، وكان من فحول الشعراء؛ عاصر السراج الورّاق، وأباه الحسين الجزار، وابن دانيال، وناصر الدين بن النقيب، وكانت تساعدهم صنائعهم وألقابهم فى نظم التورية، فمن ذلك قول النصير الحمامى من نوع التورية فى صناعته، وهو قوله: وكدرت حمّامى بغيبتك التى … تكدر فيها العيش من كل مشرب فما كان صدر الحوض منشرحا بها … وما كان قلب الماء فيها بطيّب وقوله ولم يخرج عن التورية: لى منزل معروفه … ينهلّ غيثا كالسحب أقبل ذا العذر به … وأكرم الجار الجنب وكتب إلى السراج الورّاق، وكان السراج مقيما بالروضة يتنزّه: وكم تردّدت للباب الكريم لكى … أبل شوقى وأحيى ميت أشعارى وأنثنى خائبا فيما أؤمّله … فأنت فى روضة والقلب فى نار انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وسبعمائة فيها، فى ثالث عشر صفر، حضر الملك الناصر من الحجاز، وسبب ذلك أنّه لما قضى حجّه، توجّه إلى المدينة الشريفة، زار النبى، ﷺ ، ثم توجّه من هناك إلى الشام، وأقام بها أياما، وأتى إلى القاهرة. فلما دخل إلى القاهرة، زيّنت له، ولاقته القضاة الأربعة، وحملت على رأسه القبّة والطير، وفرشت تحت حافر فرسه الشقق الحرير، ولاقته المغانى من أثناء الطريق، وكان يوما مشهودا، وهذه الحجّة الأولى. ثم إنّ السلطان أقام بالقلعة نحو شهر، وخرج بنفسه إلى نحو بلاد الصعيد بسبب فساد العربان، وكان قد حصل منهم غاية الفساد.

стр. 452

فلما تسامعوا بالسلطان، هربوا إلى الجبال، فقتل أكثرهم من العطش والجوع، وأسر منهم نحو النصف، فصفّدوا بالحبال، وحملوا فى المراكب إلى القاهرة، فلما دخلوا، رسم السلطان بسجنهم، فسجنوا؛ ثم صار السلطان يستعملهم فى حفر الجسور، وهم فى زناجير. ولما عاد السلطان من الصعيد، أقام عند الأهرام مدّة، على سبيل التنزّه، وكان قد دخل شهر رمضان، فصام هناك؛ فلما قرب الفطر، طلع إلى القلعة، وعيّد بها. وفى هذه السنة، شرع السلطان فى روك البلاد الشامية، وأحضر جيوش الشام، وأجناد غزّة، وأعرضهم وفرّق عليهم المثالات، حسبما وقع الاتفاق عليه؛ وتوجّه الأمير قجليس (١)، أمير سلاح، إلى الشام، وعلى يده المناشير والمثالات، فتولّى نائب الشام أمر ذلك. وفى هذه السنة، تحوّلت سنة اثنتى عشرة وسبعمائة الخراجية، إلى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة الهلالية، وحصل فى هذه السنة وقائع كثيرة، وحوادث، وغير ذلك، انتهى. ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمائة فيها أخلع السلطان على كاتبه، القاضى كريم الدين عبد الكريم بن عبد الله بن السديد، واستقرّ به ناظر الخاص؛ وهو أول من تلقّب بناظر الخاص، وأول من ولى هذه الوظيفة، وهى محدثة، فرع من الوزارة؛ وموضوع هذه الوظيفة، أن يكون مباشرها متحدّثا فيما هو خاصّ من أمور المملكة وعامّ، وأفردت إليه النفقات، والكساوى، وخلع الأمراء والجند، والأضحية، وخلع عيد الفطر، وكساوى حرم السلطان، وما يجرى مجرى ذلك. فلما تولّى هذه الوظيفة القاضى كريم الدين، عظم أمره وصار يتصرّف فى امور المملكة كما يختار، وكانت الأمراء، وأعيان الناس، يركبون فى خدمته لما ينزل من القلعة إلى بيته؛ وكان الملك الناصر أباح له التصرّف فى خزائن بيت المال من غير مانع،

стр. 453

وعظم أمره على سائر المباشرين، وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصرى: يا كريما قد وافق الاسم بالفعل … وأنسى فى الفضل كل قديم لا تخف نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم وفى سنة أربع عشرة وسبعمائة، توفّى الشيخ شرف الدين عمر بن أبى الفتوح الدمامينى، وكان من أعيان الصلحاء، توفّى بمصر، ودفن بها، رحمة الله عليه. وفى هذه السنة شرع السلطان فى عمارة القصر الأبلق، وهو عبارة عن ثلاثة قصور متداخلة فى بعضها، وفيهم خمس قاعات، وثلاثة مراقد. قال بعض المؤرّخين: إنّ الملك الناصر أكمل عمارة هذه الثلاثة قصور فى مدة عشرة أشهر، وهذا من العجائب، وقيل فيه: قصر عليه تحيّة وسلام … خلعت عليه شبابها الأيام قرّت به عين المليك وغرّدت … بالبشر فيه بلابل وحمام قيل، لما انتهى العمل من القصر الكبير، أولم السلطان فى ذلك اليوم، وجمع القضاة الأربعة، وسائر الأمراء، وقرأ ختمة، ومدّ سماطا حفلا، وملأ الفسقية التى بالقصر سكّرا وماء ليمون، ووقف رءوس النوب على الفسقية يفرّقوا (١) الكّر على الناس بالطاسات. وأخلع السلطان فى ذلك اليوم على المهندسين، والبنّايين، والمرخّمين، والنجّارين والدهّانين، فمجموع ذلك ألفين وخمسمائة خلعة؛ فالمشدّين مثمرات وكوامل، والبقيّة خلع حرير؛ وفرّق على الفعلة لكل واحد عشرة دنانير؛ وفرّق على الفقراء فى ذلك اليوم نحو خمسين ألف دينار. ثم أحضر آخر الليل المغانى وأرباب الآلات، ووقد به وقدة عظيمة، وبات بالقصر تلك الليلة، وأحرق حراقة نفط بالرملة، وكانت ليلة ملوكية لم يسمع بمثلها، انتهى ذلك، وفيه يقول القائل: الناصر الملك الذى فى عصره … شكر الظبا لصنيعه السرحان

стр. 454

ساوى البلاد كما تساوى فى الندا … بين العباد مواهب السلطان قد عزّ دين محمد بسميّه … وسما بنصرته على الأديان ثم دخلت سنة خمس عشرة وسبعمائة فيها شرع السلطان فى روك البلاد المصرية، وأبطل الروك الحسامى، وراك الروك الناصرى، وهو المعمول به الآن، فزاد عن الروك الحسامى أشياء، وأنقص عنه أشياء، واستمرّ ذلك إلى اليوم. وفيها جاءت الأخبار من دمشق، بأنّ تنكز، نائب الشام، جمع النوّاب وتوجّه إلى نحو ملطية، وحاصر من بها من الأرمن، فلما رأوا (١) عين الغلب، طلبوا منه الأمان، ففتحت ملطية بالأمان، وذلك يوم الاثنين ثانى عشرين ربيع الآخر من تلك السنة. وفيها، أعنى سنة خمس عشرة وسبعمائة، كانت وفاة الشيخ شمس الدين محمد بن العفيف التلمسانى، المعروف بالشاب الظريف، وكان مولده سنة اثنتين وستين وستمائة، فكانت مدّة حياته ثلاث وخمسين سنة، وكان من فحول الشعراء بمصر، وله شعر جيّد، ومعان رقيقة، فمن ذلك قوله: يا ساكنا قلبى المعنّى … وليس فيه سواه ثان لأى معنى كسرت قلبى … وما التقى فيه ساكنان وقوله فى واقعة حال: ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا … باللثم للعتبات بعض الواجب وأتيت أقصد نظرة أحيا بها … فرددت يا عينى هناك بحاجب وفى هذه السنة فتحت ملطية على يد تنكز (٢)، نائب الشام، وغنم منها غنائم كثيرة.

стр. 455

ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة فيها عيّن السلطان تجريدة إلى صحراء عيذاب، بسبب فساد العربان، فعيّن ستة مقدّمين ألوف (١)، وألف مملوك؛ فلما وصلوا إلى هناك توجّهوا إلى بلاد البجاة، وجاوزوا الأقاليم الثلاثة، ولم يظفروا بأحد من العربان العصاة، فتقلّق العسكر، وكان غالب قوتهم الذرة، والشرب من الحفائر، فرجعوا إلى القاهرة من غير طائل. وفى هذه السنة، كانت وفاة الشيخ علاء الدين على بن مظفر الكندى، المعروف بالوداعى، وكان مولده سنة أربعين وستمائة، فكانت مدّة حياته ستّا وسبعين سنة، وكان من فحول الشعراء؛ وقد تطفّل الشيخ جمال الدين بن نباتة على موائد نكته ومعانيه الغريبة فى نوع التورية؛ وقد عاصر جماعة من الشعراء ممن (٢) تقدّم ذكرهم، وقد أدركه الشيخ جمال الدين بن نباتة فى أوائل عمره، واجتمع عليه، وطارحه بالأشعار. ومما وقع للشيخ علاء الدين الوداعى، أنّه توجّه من دمشق إلى مكان من ضياع الشام، يعرف بالبلقاء، لزيارة شخص من أصحابه، يلقّب بالشمس، فلما وصل إلى البلقاء، وجد ذلك الشخص قد توجّة إلى مكان يعرف بحسبان، فكتب إليه بهذين البيتين، وهما: أتيت إلى البلقاء أبغى لقاكم … فلم أركم فازداد شوقى وأشجانى فقالت لى الأقوام من أنت قاصد … لرؤياه، قلت الشمس، قالوا بحسبان وله فى واقعة حال، وهى نكتة غريبة: لقد سمح الزمان لنا بيوم … غدا فيه السمّى مع المسمىّ تجمعنا كأنّا ضرب خيط … علىّ فى علىّ فى علىّ ومن تغزّلاته البديعة: قال لى العاذل الفند فيها … يوم جازت وسلّمت مختالة

стр. 456

قم بنا ندّعى النبوّة فى العش … ق فقد سلّمت علينا الغزالة وقوله أيضا: يا جنّة كوثرها رضابه المروّق … وفوق غصن قدّه عذاره مطوّق قلت: نكتة المطوّق من مخترعات الوداعى، لا يشاركه فيها أحد قبله، وقد تطفّل عليها الشيخ جمال الدين بن نباتة، حتى فى تسمية (١) كتابه الذى سمّاه: «سجع المطوّق»، ونظم من نكتة المطوّق عدّة مقاطيع، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمائة فيها أوفى (٢) النيل المبارك تاسع عشرين أبيب، وزاد عن الوفاء نصف ذراع، فرسم السلطان بفتح السدّ بعد العصر، خوفا من قوّة عزم الماء، أن يقلب السدّ، وفى ذلك يقول المعمار: سمعت يوما سدّ مصر يقل … النيل وافى (٣) زائدا عندى وكان هذا خبرا صادقا … فرحت أرويه عن العدّى وفيها شرع السلطان فى عمارة الجامع الذى بالقلعة، فوسّعه وزاد فى طوله وعرضه، وجعل فيه مقصورة حديد يصلّى فيها السلطان. قلت: وأول من اتّخذ المقصورة فى الجامع، وصلّى بها، معاوية (٤) بن أبى سفيان، ﵁. ثم إنّ الملك الناصر زخرف هذا الجامع بالرخام الملوّن، وبنى (٥) به القبّة الخضراء والمئذنة (٦) الخضراء، وعلّى (٧) سقوفه، وزخرفها بالذهب؛ قيل: وانتهى العمل منه فى مدّة ستة أشهر، وصلّى به فى أول يوم من رمضان، وكان يوما مشهودا، وخطب به القاضى بدر الدين بن جماعة.

стр. 457

وفى هذه السنة، توجّه السلطان إلى زيارة بيت المقدس، فزاره؛ ثم توجّه إلى الخليل، ﵇، فزاره؛ ثم رجع إلى الديار المصرية. وفيها أرسل السلطان تجريدة إلى آمد، فلما وصلوا إلى هناك، حاصروا المدينة، فطلب أهلها الأمان، فملكها عسكر السلطان من غير قتال ولا حرب، ونيّب بها السلطان نائبا من قبله. وفيها، فى ذى الحجّة، توفّى الشيخ زين الدين محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف الصنهاجى المراكشى، ثم الإسكندرانى، كان من أعيان العلماء، عالما صالحا، شافعى المذهب، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة فيها عيّن السلطان تجريدة إلى برقة، بسبب فساد العربان، لأنّهم منعوا غنم الزكاة التى كانوا يرسلونها، وأظهروا العصيان؛ فجرّد إليهم السلطان العساكر، فتحاربوا معهم، وقتلوا منهم جماعة، وهرب الباقون إلى بلاد الغرب. وفى هذه السنة شرع السلطان فى عمارة مجراة من بحر النيل إلى القلعة، فمشى الماء فى المجراة، وعقد تحتها قناطر بالحجر الفصّ النحيت؛ وجعل لها سواقى نقّالة فى عدّة أماكن؛ وكان قد ابتدأ بهذه المجراة من عند الرصد، ثم نقلها إلى المكان الموجودة (١) بها الآن عند درب الخولى. وفى هذه السنة، شرع السلطان فى عمارة الحوش الكبير الذى بالقلعة، وأنشأ به جنينة، ونقل إليها الأشجار والرياحين من سائر البلاد، حتى من بلاد الهند، مثل جوز الهند، والسنبل، والقرنفل، والكادى، وغير ذلك من الفواكه الشامية. وفيها، فى جمادى الآخرة، توفّى قاضى قضاة الحنفية شمس الدين الجزرى؛ فلما مات أخلع السلطان على القاضى برهان الدين بن عبد الحق، واستقرّ به قاضى حنفى (٢)،

стр. 458

عوضا عن شمس الدين الجزرى، وفيه يقول القائل: طوبى لمصر فقد حلّ السرور بها … من بعد ما رميت دهرا بأحزان كنانة الله قد قام الدليل على … تفضيلها مذ ولّى للحق برهان وفى هذه السنة، قوى عزم السلطان على أن يحجّ، فعيّن معه اثنى عشر أميرا مقدّم ألف، وخرج صحبته الخليفة المستكفى بالله سليمان، وثلاثين أميرا طبلخانات وعشراوات، ومن المباشرين القاضى علاء الدين بن الأثير، كاتب السرّ، والقاضى فخر الدين، ناظر الجيش، والقاضى كريم الدين بن السديد، ناظر الخاص. فلما خرج المحمل من القاهرة، تأخّر السلطان، بعد خروج المحمل إلى تاسع ذى القعدة، فخرج من القاهرة، وجدّ فى السير، فدخل مكّة قبل الصعود إلى الجبل بثلاثة أيام، فأحرم من رابغ، وكشف رأسه، ولما دخل الحرم كنس مكان الطواف ومسحه بيده، وتواضع هناك إلى الغاية، وكان لا يطوف إلا بالليل، ثم صعد الجبل، وقضى مناسك الحجّ. ثم رجع إلى مكّة، وأقام بها أياما، وفرّق على فقراء مكّة نحو عشرين ألف دينار؛ وأبطل أشياء كثيرة من المكوس التى كانت بمكّة؛ ثم بعد ذلك توجّه إلى المدينة الشريفة، فدخلها وهو ماشى [١] على أقدامه حافى [٢]، كما قد قيل فى المعنى: دنوت تواضعا وعلوت مجدا … فشأناك انخفاض وارتفاع كذاك الشمس تبعد إن تسامى … ويدنو [٣] الضوء منها والشعاع فلما دخل المدينة الشريفة، زار قبر النبى، ﷺ ، وهو مكشوف الرأس، ثم فرّق على فقراء المدينة عشرين ألف دينار، كما فعل فى مكّة. فلما انتهى أمر الزيارة، قصد التوجّه إلى الديار المصرية، فدخلها فى أوائل صفر، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، على حكم مواكبه المقدّم ذكرها، وهذه الحجّة الثانية، انتهى؛ وحجّ مع السلطان فى تلك السنة الملك المؤيد عماد الدين إسمعيل، صاحب حماة.

стр. 459

وفى هذه السنة، أعنى سنة ثمان عشرة وسبعمائة، فى جمادى الآخرة، توفّى قاضى قضاة المالكية ابن مخلوف النويرى، وتولّى بعده القاضى تقىّ الدين محمد بن أبى بكر ابن الأخناى. ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة فيها تزوّج السلطان ببنت أزبك خان، صاحب الموصل، فحضرت من بلاد الشرق إلى مصر فى محفّة مرقومة بالذهب؛ فلما طلعت إلى القلعة، أقام المهمّ عمّالا سبعة أيام بالقلعة، والسلطان فى أرغد عيش. وفيها جاءت الأخبار من دمشق بوفاة القاضى شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ بمصر، ثم نقله السلطان إلى كتابة السّر بالشام، فأقام بها حتى توفّى هناك، وقد جاوز من العمر أربع وتسعين سنة، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، عارفا بأحوال المملكة، ومن نظمه الرقيق ما كتبه على طاسة، وهو قوله: ريقتى تشفى نديمى … وتجلى الكرب عنه لم أصن عنه رضابى … وهو عنى لم يصنه فغدا يرشف منى … مثلما أرشف منه ثم دخلت سنة عشرين وسبعمائة فيها جرّد السلطان العساكر إلى سيس، فلما وصلوا إليها، حاصروا من كان بها من الأرمن، فطلبوا الأمان، فملكها العسكر، وأقام بها باش العسكر نائبا من قبل السلطان؛ ورجع عسكر السلطان وهم فى غاية النصرة، فأخلع السلطان على باش العسكر خلعة، ونزل إلى بيته. وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين محمود أبو الثناء، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: عريب سبوا نومى ولم تدر مقلتى … كما سلبوا قلبى ولم تشعر الأعضا وطلّقت نومى والجفون حوامل … فمن أجل ذا فى الخدّ أبقت لها فرضا

стр. 460

وكانت هذه السنة قليلة الحوادث، لم يحدث فيها شئ (١) من ولاية ولا عزل. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فيها وقع من الحوادث أنّ خوند طغاى، زوجة الملك الناصر، أمّ ولده أنوك، توجهت فى هذه السنة إلى الحجاز الشريف، وكان القاضى كريم الدين، ناظر الخاص، متسفّرا عليها، وكان أمير المحمل فى تلك السنة الأمير قجليس (٢)، أمير سلاح، وجماعة من الأمراء العشراوات. فخرجت من القاهرة فى ثامن شوّال، وكان يوما مشهودا، فخرجت فى محفّة زركش، وصحبتها الكوسات والعصائب السلطانية، فحجّت، ورجعت إلى القاهرة فى عاشر المحرّم؛ فلما وصلت إلى بركة الحاج، نزل إليها السلطان وتلقّاها، ودخلت فى موكب عظيم، والأمراء مشاة قدّام محفّتها، حتى طلعت إلى القلعة. الحافظ الإقفهسى، ولد فى هذه السنة (٣)، وتوفّى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. وفيها جاءت الأخبار بأنّ العسكر، لما رجع من سيس، وقلعة إياس، رجع إليها الأرمن وملكوها، وطردوا من كان بها من قبل السلطان؛ فلما بلغ السلطان ذلك، عيّن لهم تجريدة ثقيلة، فكان بها من الأمراء: الأمير طرجى، أمير مجلس، والأمير ألماس، حاجب الحجّاب، وهو صاحب الجامع الذى بجوار زاوية الشيخ خلف، والأمير أصلام، وهو صاحب الجامع الذى عند سوق الغنم، والأمير بهادر آص، والأمير سنجر الجمقدار، والأمير كجكر العلمى، والأمير آقوش الأشرفى، وغير ذلك من الأمراء العشراوات، وعيّن معهم نحو ألفين (٤) مملوك سلطانية. فخرجوا من القاهرة على حميّة، وقصدوا التوجّه إلى البلاد الحلبية، فلما وصلوا إلى سيس، حاصروا من بها من الأرمن أشدّ المحاصرة، حتى ضجر منهم أهل المدينة، وقتل منهم نحو النصف، وأخرب العسكر سور المدينة، وأخذوها
следующие страницы →