وكان رأس الفتنة فى هذه الحركة، الأمير بيبغا أروس، فجاء من وراء السلطان، وضرب عليه يزك (١) بمن معه من المماليك السلطانية، فصار من كان مع السلطان من المماليك يتسحّبون قليلا، قليلا، فلم يبق معه إلا القليل من المماليك.
فتقدّم إليه الأمير بيبغا أروس، وضربه بطبر، فوقع إلى الأرض، فلما وقع، تكاثر عليه العسكر وأسروه، وأخذوه وهو ماشى، مكشوف الرأس؛ فأتوا به إلى بين يدى الأمير أرقطاى، نائب السلطنة، فلما رآه نزل عن فرسه، وأرمى عليه قباءه، وقال: «أعوذ بالله أن أقتل ابن أستاذى»؛ وكان الأمير أرقطاى رجلا حليما، قليل الأذى.
ثم إنّ الأمير بيبغا أروس قبض على السلطان، وتوجّه به، وهو ماشى، إلى تربة عند الباب المحروق، فخنقه فى تلك التربة، ودفنه بها، ولم يشعر به أحد من الناس، ومضى أمره؛ وكانت قتلته يوم الأحد ثانى عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
وكان المظفّر حاجى مليح الشكل، صبيح الوجه، وكان شجاعا بطلا؛ وكان له من العمر نحو عشرين سنة وأشهر؛ وكان سفّاكا للدماء، قتل فى مدّة سلطنته جماعة كثيرة من الأمراء، والمماليك السلطانية.
وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما؛ وفيه يقول الصلاح الصفدى:
حان الردى للمظفّر … وفى الثرى قد تعفّر
كم قد أباد أميرا … على المعالى توقّر
وقاتل النفس ظلما … ذنوبه ما تكفّر
وكان من مساوئه، اللعب بالحمام، حتى خرج فى ذلك عن الحدّ، حتى قال فيه الصلاح الصفدى أيضا:
أيها العاقل اللبيب تفكّر … فى المليك المظفّر الضرغام
стр. 527
قد تمادى فى البغى والغىّ حتى … كان لعب الحمام جدّ الحمام
قيل لما قتل المظفّر حاجى، طلع جماعة من الأمراء المقدّمين إلى القلعة، وضربوا مشورة فيمن يلى السلطنة من بنى قلاون، فلم يقع فى ذلك اليوم اتّفاق على تولية أحد من أولاد محمد بن قلاون، واختلفوا فى ذلك اليوم، فطائفة من الأمراء مالت إلى سيدى حسين، وطائفة مالت إلى سيدى حسن؛ وكان سيدى حسين أكبر من سيدى حسن، لكنه كان صعب الخلق، شديد البأس، فلم يوافق العسكر قاطبة على ولايته للسلطنة.
ووقع القال والقيل بين الناس، وأقامت مصر يومين بلا سلطان، والناس يدعون إلى الله تعالى بإصلاح الحال، وتخميد هذه الفتنة.
ثم فى اليوم الثالث، وقع الاختيار من الأمراء على سلطنة سيدى حسن، فطلبوه من دور الحرم، وسلطنوه، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك المظفّر حاجى بن الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار منها، تمّت.
ذكر سلطنة الملك الناصر أبى المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون
وهو التاسع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو السابع ممن ولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون.
بويع بالسلطنة بعد قتل أخيه المظفّر حاجى؛ قيل إنّه لما ولى الملك، كان له من العمر نحو ثلاثة عشر سنة، وكان مولده سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
فلما كان يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، حضر أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفى بالله سليمان، وحضر القضاة الأربعة، وهم: قاضى القضاة الشافعى عزّ الدين بن جماعة المقدسى، وقاضى القضاة الحنفى علاء الدين التركمانى، وقاضى القضاة المالكى تاج الدين محمد الأخناى، وقاضى القضاة الحنبلى
стр. 528
تقىّ الدين ابن قاضى القضاة عزّ الدين عمر؛ وحضر القاضى شهاب الدين بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ الشريف.
فلما تكامل المجلس، طلبوا سيدى حسن، فخرج من دور الحرم، وجلس على باب الستارة؛ فلما أرادوا أن يبايعوه بالسلطنة، قيل كان اسمه سيدى قمارى، فقال للخليفة والقضاة: «أنا ما اسمى قمارى، إنما اسمى سيدى حسن»، فقال الخليفة والقضاة:
«على بركة الله».
ثم بايعوه بالسلطنة، ولبس شعار الملك من باب الستارة، ثم ركب من هناك، ومشت الأمراء بين يديه، بالشاش والقماش، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك الناصر، على لقب والده، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بولايته على مصر.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب يوم الاثنين فى العشرين من شهر رمضان، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير بيبغا أروس، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن الأمير أرقطاى، وأخلع على الأمير أرقطاى، وقرّره فى نيابة حلب، وكانت يومئذ (١) نيابة حلب أكبر من نيابة الشام؛ وأخلع على الأمير أرغون شاه، وقرّره فى نيابة الشام؛ وأخلع على الأمير منجك اليوسفى، وقرّره فى الأستادارية العالية، مضافا لما بيده من الوزارة.
وأخلع فى ذلك اليوم على جماعة كثيرة من الأمراء، والمباشرين، وقرّرهم فى الوظائف السنيّة؛ ثم إنّه فرّق الإقطاعات على المماليك السلطانية، وأرضى الجند بكل ما يمكن.
ثم إنّه عيّن الأمير أسنبغا المحمودى السلحدار، بأن يتوجّه إلى البلاد الشامية ببشارة ولايته على السلطنة؛ وعيّن جماعة آخرين ببشارة ولايته إلى ثغر الإسكندرية، ودمياط، وغير ذلك من الثغور الإسلامية؛ وأخذ فى أسباب تدبير ملكه، وعزل
стр. 529
من عزل، وولّى من ولّى (١)؛ وفيه يقول الشهاب بن أبى حجلة من أبيات:
غدا سلطاننا ملك البرايا … رعاه الله يعدل فى الرعايا
حواصل عدل والده حواها … وأخرج من زواياها الخبايا
فمهلا فى التمادى والأيادى … فقد حزت النهاية فى العطايا
ووجهك حاز كل الحسن طرّا … فهل خلّفت خلفك من بقايا
وفى هذه السنة، أعنى عن سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فيها كانت وفاة الحافظ العلامة الشيخ شمس الدين محمد الذهبى، المؤرّخ، وكانت وفاته بدمشق، واختلف فى وفاته (٢)، فمن الناس من يقول إنّه توفّى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومن الناس من يقول إنّه توفّى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة؛ وكان من ثقاة المؤرّخين، وكان صحيح النقل فيما رواه فى تاريخه؛ وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة، فكانت مدة حياته نحو خمسة وسبعين سنة وأشهر، وكان عالما فاضلا؛ وفيه يقول القائل:
ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت … أوصافكم قط إلا ملت من طربى
وليس من عجب إن ملت نحوكم … فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهبى
وفى هذه السنة احترق بحر النيل احتراقا زائدا، مما يلى برّ مصر، حتى عزّ وجود الماء الذى كانت تنقله السقاءون من البحر، وفيه يقول بدر الدين بن الصاحب:
لم تزل للوفاء يا نيل أهلا … ولك الفضل فى الدفاتر تملا
إنّ مصرا ترمّلت منك دهرا … وهى ترجو (٣) مراجعا منك بعلا
فلما جرى ذلك، اتّفق رأى الأمراء على أن يسدّوا البحر مما يلى برّ الجيزة، فندبوا الأمير منجك اليوسفى، وزير الديار المصرية، بأن يتولّى أمر ذلك؛ فأظهر فى هذه الحركة أنواعا كثيرة من أبواب المظالم، فأرمى على كل دكّان بمصر والقاهرة
стр. 530
درهمين فضّة؛ وبرزت المراسيم الشريفة إلى كاشف الشرقية، بأن يرمى على كل نخلة فى البلاد درهما من الفضّة؛ حتى قيل اجتمع فى هذه الحركة جملة من المال.
فأخذ منجك ذلك المال تحت يده، واشترى به مراكب، وأوسقها حجارة كبار، وغرّق تلك المراكب فى البحر، مما يلى برّ الجيزة؛ وفى ذلك يقول الشيخ بدر الدين بن الصاحب فى المعنى:
يا أيها السلطان إنّ النيل عن … مصر تنقّل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره … فالله قد أوصى بحفظ الجار (١)
فعمل الأمير منجك جسرا، من الجيزة إلى المقياس، وعمل جسرا (٢) آخر، من الروضة إلى جزيرة أروى؛ فأما الجسر الذى من الجيزة إلى المقياس، فكان طوله مائتان قصبة (٣)، فى عرض ثمان قصبات، وارتفاعه أربع قصبات؛ وأما الجسر الذى من الروضة إلى جزيرة أروى، فكان طوله مائة قصبة وثلاثين قصبة؛ وأرمى فى البحر فى أساس هذين الجسرين، ألف مركب، موسوقة بالحجارة؛ فقيل إنّه أصرف على عمارة هذه الجسور أربعمائة ألف دينار.
فلما زاد النيل، وبلغ اثنتى عشرة ذراعا، انقلب ذلك الجسر الذى صنعه منجك، من الجيزة إلى المقياس، ولم يفد (٤) من ذلك شيئا.
قال إبراهيم بن دقماق فى تاريخه: لما زاد النيل، هجم الماء على بولاق فسقط من دورها عدّة أماكن، من قوّة عزم الماء، لما انحبس خلف الجسر؛ فلما جرى ذلك، تغيّر خاطر السلطان، والأمراء، على الأمير منجك بسبب ذلك المال الذى أصرفه على تلك الجسور (٥)، ولم يفد (٤) من ذلك شيئا.
стр. 531
ثم إنّ السلطان صادر منجك، وقرّر عليه مالا (١)، وعزله من الوزارة، واستمرّ فى الترسيم حتى يردّ ما قرّر عليه من الأموال، فأقام مدّة، ثم أعيد إلى الوزارة كما كان، وراحت على الناس أموالهم (٢) التى أوردوها فى هذه الحركة بغير طائل، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبعمائة
فيها، فى شهر صفر، توفّى الريّس الطبيب شمس الدين محمد بن الأكفانى، وكان علامة فى الطبّ؛ وهو الذى هجاه المعمار، بقوله:
لابن الأكفانى طبّ … أسأل الله السلامة
ما له قط مريض … قام إلا للقيامة
وقال آخر:
لنا طبيب لم يزل طبّه … يستجلب الداء إلى طالبه
ما فيه من عيب سوى أنّه … مسهّله صعب على شاربه
قيل إنّ هذين البيتين قيلا (٣) فى الريّس تاج الدين التبريزى. - وفيها توفّى الريّس الطبيب شمس الدين محمد بن صغير، وكان علامة فى الطبّ. - وفيها توفّيت خوند طغاى، زوجة الملك الناصر محمد بن قلاون.
وفى هذه السنة وقع الطاعون بالديار المصرية، وعمّ سائر البلاد، وكان فناء عظيما جدّا - وقد وقع فى هذه السنة الفناء والغلاء، بسبب الشراقى، الذى وقع بمصر، من خسّة النيل فى هذه السنة؛ وقاست الناس فيها شدائد عظيمة؛ وتوفّى بها جماعة كثيرة من الأعيان، يأتى الكلام على ذلك فى مواضعه.
وفيها أخلع السلطان على الأمير جبغا، وقرّره فى نيابة طرابلس؛ وأخلع على الأمير أحمد، شاد الشربخاناة، وقرّره فى نيابة صفد؛ ونقل جماعة كثيرة من الأمراء إلى نيابات بالبلاد الشامية.
стр. 532
وفى أوائل هذه السنة، كانت وفاة الإمام العالم العلامة، الشيخ زين الدين عمر ابن مظفر بن الوردى المعرّى الكندى الشافعى، رحمة الله عليه، وكان من أعيان علماء الشافية؛ وكان عالما فاضلا، نحويّا، فقيها، ناظما، ناثرا، شاعرا ماهرا؛ وهو مؤلّف كتاب البهجة فى النحو، وله عدّة تآليف فى علوم جليلة؛ وكان ولى قضاء الشافعية بدمشق فى أواخر عمره؛ وفيه يقول الصلاح الصفدى:
يا سائلا عمن غدا فضله … مشتهرا فى القرب والبعد
الناس زهر نابت فى الثرى … وما نرى أذكى من الوردى
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: كان الشيخ زين الدين بن الوردى فى مبتدأ عمره ضيّق المعيشة، رثّ الهيئة، فكان يزدريه من يراه، فدخل الشام وهو على تلك الهيئة، وأتى إلى مجلس القاضى نجم الدين بن صصرى (١)، فجلس مع الشهود، فاستخفّت به الشهود وأجلسوه فى طرف المجلس، فحضر فى ذلك اليوم مبايعة بمشترى كرم فى أرض بغوطة دمشق، فقال بعض الشهود: اعطوا المعرّى يكتب هذه المبايعة، وذلك على سبيل الاستهزاء به، فأخذ الشيخ زين الدين الورقة، ومسك القلم بيده، وقال:
أكتب لكم هذه المبايعة نظما أو نثرا؟ فتزايد استهزاؤهم به، فقالوا له: بل اكتبها لنا نظما، فأقام ساعة يسيرة وهو يكتب، ثم عرض عليهم ما كتبه، فإذا هو قوله:
باسم إله الخلق هذا ما اشترى … محمد بن يونس بن سنقرا
من مالك بن أحمد بن الأزرق … كلاهما قد عرفا من جلق
فباعه قطعة أرض واقعة … بكورة الغوطة وهى جامعة
أشجارها مختلف الأجناس … والأرض فى البيع مع الغراس
وذرع هذه الأرض بالذراع … عشرون فى الطول بلا نزاع
وذرعها فى العرض أيضا عشرة … وهو ذراع باليد المعتبرة
وحدّها من قبلة ملك التقى … وحايز الرومى حدّ المشرق
ومن شمال ملك أولاد على … والغرب ملك عامر بن جهيل
стр. 533
وهذه تعرف من قديم … بأنّها قطعة بنت الرومى
بيعا صحيحا لازما شرعيا … تمّ شراء قاطعا مرعيّا
بثمن مبلغه من فضّة … وازنة جيّدة مبيضة
جارية للناس فى المعاملة … ألفان منها النصف ألف كاملة
وسلم الأرض إلى من اشترى … فقبض القطعة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرّق … طوعا فما لأحد تعلّق
تمّ ضعان الدّرك المشهور … فيه على بائعه المذكور
وأشهدا عليهما بذاك فى … رابع عشر رمضان الأشرفى
من عام سبعمائة وعشرة … من بعد خمسة تليها الهجرة
والحمد لله وصلّى ربّى … على النبىّ وآله والصحب
يشهد بالمضمون من هذا عمر … ابن المظفر المعرى إذ حضر
فلما انتهى الشيخ من كتابة هذه المبايعة، وقرأها على الشهود الذين (١) فى المجلس، فلما سمعوا منه ذلك، قاموا على أقدامهم، وقبّلوا رأسه، واعتذروا له بالتقصير فى حقّه، واعترفوا له بالفضيلة عليهم.
ثم إنّ الشيخ قال لبعض الشهود الذين (١) فى المجلس: «سدّ فى هذه الورقة بخطّك»، فقال له: «والله يا سيدى أنا ما أحسن النظم، فمن فضل الشيخ يسدّ عنّى بخطّه»، فقال له: «ما اسمك»؟ قال: «أحمد بن رسول»، فكتب الشيخ عن لسانه، وهو يقول: «قد حضر العقد الصحيح أحمد بن رسول، وبذاك يشهد»؛ انتهى ذلك.
ثم إنّ الشيخ زين الدين بن الوردى اشتهر فصله بين الناس، وساعدته الأقدار حتى ولى قضاء دمشق، فأقام مدّة فى ولايته قضاء دمشق، حتى ملّ من ذلك وأنشأ يقول:
ولولا أننى أرجو (٢) خلاصى … من الأحكام كنت قتلت نفسى
تقضى العمر فى شكوى ودعوى … وإنكار وإقرار وحبس
стр. 534
فلما انفصل عن القضاء، أنشأ وهو يقول:
خلعت ثوب القضاء طوعا … ولم أكن فيه بالظلوم
إن زال جاء القضاء عنى … كان لى الجاه بالعلوم
ولما توفّيت زوجته بالشام، أنشأ يقول:
إذا ما زوجة الإنسان ماتت … فما بقيت لمسكنه سكينة
وكيف يطيعه نظم ونثر … ولا بيت لديه ولا قرينة
ومن شعره اللطيف ما قاله من فنّ دو بيت، موريا باسمه فى ماء سائبة، وهو قوله (١):
يا روضة حسن ليتها لى وحدى … الشركة فيك قد أذابت كبدى
ما ضرّك أن تسقى بماء فرد … والواجب أن يكون ماء الورد
وفى هذه السنة، أعنى عن سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فيها توفّى الشيخ صفّى الدين أبو الخطاب عبد العزيز الحلّى، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيّد، غير أنّه كان غير ماهر فى فنّ التورية، وكانت من غير مذهبه، وكان يرضى فى نظمه بالشعر الساذج، ولم يتعرّض إلى التورية فى شعره، والدليل على ذلك ما قاله الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا، مداعبة فى حقّ الصفىّ الحلّى، وهو قوله:
تصفّحت ديوان الصفىّ فلم أجد … لديه من السحر الحلال مرامى
فقلت لقلبى دونك ابن نباتة … ولا تصحب الحلّى فهو حرامى
فالشيخ جلال الدين أراد بالسحر الحلال، الذى ما وجده فى ديوان الصفىّ الحلّى، عن التورية فى شعره، بخلاف ابن نباتة (٢)؛ ومن لطائف شعر الصفىّ الحلّى قوله:
غارت وقد قلت لمسواكها … أراك تجنى ريقها يا أراك
قالت تمنّيت جنى ريقتى … وفاز بالترشاف منها سواك
ومن مخترعاته قوله:
قيل شأن العقيق أن يبطل ال … سحر بتختيمه لسرّ حقيقى
стр. 535
فأرى مقلتيك تنفث سحرا … وعلى فيك خاتم من عقيق
وقوله من باب الحكمة:
من شاء يملك حفظ صحّة جسمه … ويفوز طول حياته بدوامها
فليجعلن غذاءه من أربع … لا يقبل التغيير فى أقسامها
من لحم ساعته وخبز نهاره … وطعام ليلته وقهوة عامها
وقد داعبه ابن نباتة بقوله:
أوقعنى ودّى مع هاجر … يبخل بالدرج وبالوصل
والله لا غدرت من بعدها … ولا جعلت الودّ فى حلّ
وفى هذه السنة، وهى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فيها توفّى الشيخ إبراهيم المعمار، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيّد؛ وكان قاضى القضاة شهاب الدين ابن حجر، رحمة الله عليه، يقول: «المعمار أبياته كلها عامرة بمحاسن التورية، وكان من فرسانها»؛ فمن شعره الرقيق، ما جمع بين الاقتباس والتورية، وهو قوله:
كم عاشق أحرقته … نار الغرام فنادى
لعنت إن عدت أهوى … لعنة ثمود أو عاد
ولما توفّى المعمار، رثاه الشيخ برهان الدين القيراطى، وهو قوله:
مذ عمّر المعمار دار البلا … رمى بيوت النظم بالنقض
فياله (١) من شاعر ميّت … بكت عليه طوبة الأرض
وفى هذه السنة توفّى أيضا الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقى ثم المصرى، الشهير بابن اللبان، وكان من أعيان علماء الشافعية، ولد بدمشق، ثم قدم إلى مصر، ومات بها، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
أهديت ماء وقلت هذا … ماء خلاف للارتشاف
فعندما أبصرته عينى … رأيت ماء بلا خلاف
وفى شهر رمضان تزايد أمر الطاعون بالديار المصرية، وهجم جملة واحدة، وعظم
стр. 536
أمره جدّا، حتى صار يخرج من القاهرة فى كل يوم نحو عشرين ألف جنازة؛ وقد ضبط فى مدّة شهر شعبان ورمضان من مات فى هذا الطاعون، فكان نحوا من تسعمائة ألف إنسان، من رجال ونساء، وكبار وصغار، وجوار وعبيد، ولم يسمع بمثل هذا الطاعون فيما تقدّم من الطواعين المشهورة فى صدر الإسلام.
وتوفّى فى هذا الطاعون الشيخ الصالح، العابد الزاهد، الشيخ عبد الله محمد بن سليمان المنوفى المغربى، المالكى المذهب، وكان من كبار الأولياء، وله كرامات خارقة، ودفن بالصحراء، بالقرب من تربة الأشرف قايتباى، وصار قبره يزار فى كل يوم سبت إلى الآن.
قال الشيخ شمس الدين محمد الذهبى فى تاريخه: نقل المدائنى، أنّ الطواعين المشهورة فى صدر الإسلام خمسة، وهى (١): طاعون شيرويه، كان بالمدائن ببلاد الفرس، فى حياة رسول الله، ﷺ .
وطاعون عمواس، كان فى زمن عمر بن الخطاب، ﵁، كان بالشام سنة سبع عشرة من الهجرة؛ وإنما سمّى طاعون عمواس، لأن كان مبدأه من قرية بين الرملة والقدس، تسمّى عمواس، وهى بلدة صغيرة، ظهر منها الطاعون، ثم انتشر إلى الشام، فنسب إليها، وسمّى طاعون عمواس.
وتوفّى فى هذا الطاعون جماعة من الصحابة منهم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ ابن جبل، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبى سفيان، أخو معاوية، والحارث ابن هشام، أخو أبى جهل، وأبو جندل، وسهيل بن عمرو، وهو والد أبى جندل، فهؤلاء توفّوا فى طاعون عمواس، ومات فيه من الناس ما لا يحصى عددهم.
ثم وقع الطاعون بالكوفة، سنة تسع وأربعين من الهجرة، فلما وقع الطاعون بالكوفة، خرج المغيرة بن شعبة من الكوفة فارّا من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون من الكوفة، رجع إليها وأقام بها مدّة يسيرة، وطعن، ومات عقيب ذلك؛ ومات به من الناس نحو ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، وكان يسمّى هذا
стр. 537
الطاعون «طاعون الأشراف» لكثرة من مات فيه من أشراف الناس.
ووقع الطاعون بالبصرة، سنة سبع وستين من الهجرة، وهو المسمّى «بالجارف»، وقع فى زمن عبد الله بن الزبير، وإنما سمّى بالجارف، لأنّه صار يجرف الناس، كما يجرف السيل فى الأرض، حتى قيل، مات فى يوم واحد من أهل البصرة، سبعون ألفا، ومات فى اليوم الثانى، أحد وسبعون ألفا، ومات فى اليوم الثالث سبعون ألفا، وفى اليوم الرابع، لم يمت فيه من الناس إلا القليل، فسبحان القادر على كل شئ.
قال الواقدى: مات فى هذا الطاعون لأنس بن مالك، ﵁، ثلاثة وثمانون ولدا فى ثلاثة أيام، وكان قوّة عمل هذا الطاعون فى شهر رمضان؛ وفى رواية أن أنس بن مالك، ﵁، رزق من صلبه مائة وأربعة وعشرين ولدا.
قال ابن أبى الدنيا: لما تزايد أمر الطاعون الجارف، عجز الناس عن دفن موتاهم، فكانت الوحوش تدخل إلى البيوت، وتأكل من لحوم الموتى، فكانت الناس يسدّوا (١) على الأموات باب الدور، حتى لا تدخل إليهم الوحوش.
قال أحمد بن عصام: حدّثنى معدى عن رجل يكنى أبا الفضل، وكان قد أدرك هذا الطاعون، قال: كنا نطوف فى القبائل وندفن الموتى؛ فلما كثر الموت كنا ندخل الدار فنرى قد مات أهلها جميعا، فنسدّ عليهم باب الدار، فدخلنا دارا فلم نجد فيها أحدا (٢) من الأحياء، فسددنا عليهم باب الدار، فلما ارتفع الطاعون جئنا إلى دار ففتحنا سدّة الباب، فلم نجد فيه أحدا (٢) من الأحياء، وإذا نحن بغلام فى وسط الدار ملقى على قفاه، عمره نحو شهر، أو أكثر من ذلك، فوقفنا نتعجّب من أمره، وإذا نحن بكلبة قد دخلت من شقّ حائط فى الدار، فجعلت ترضع ذلك الغلام، والغلام يألف إليها ويمصّ من ثديها؛ قال معدى: فانتشى ذلك الغلام، وكبر، وطلعت لحيته، ورأيته يمشى فى جامع البصرة، والناس تتحدّث فى أمره.
стр. 538
ثم وقع الطاعون بالبصرة، سنة سبع وثمانين من الهجرة، وكان يسمّى «طاعون الفتيات» لكثرة من مات فيه من البنات العذارى الفتيات؛ قال ابن أبى الدنيا عن أم بكراوى، إنها قالت: «خرجنا هاربين من طاعون الفتيات، فنزلنا بالقرب من قرية تسمّى سنام، ونزل إلى جانبنا رجل من العرب، ومعه عشرة من الأولاد، فلم تمض عليه إلا أيام يسيرة، حتى ماتوا بنوه جميعا، فكان يجلس بين قبورهم ويقول:
بنفسى فتية هلكوا جميعا … برابية مجاورة سناما
أقول إذا ذكرت العهد منهم … بنفسى تلك أياما كراما
فلم أر مثلهم هلكوا جميعا … ولم أر مثل هذا العام عاما
فهذه الطواعين الخمسة المشهورة التى (١) وقعت فى صدر الإسلام؛ وأما هذا الطاعون الذى وقع فى دولة السلطان حسن، سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فلم يسمع بمثله فيما تقدّم من الطواعين المشهورة، فإنّه عمّ سائر البلاد قاطبة، حتى دخل مكّة المشرّفة، ومات به جماعة من أهل مكّة، وهذا لم يعهد قط، ولا سمع بأن دخل مكّة طاعون.
وكان قوّة عمل هذا الطاعون فى بلاد الفرنج؛ وأقام دائرا فى البلاد نحو سبع سنين، حتى عزّت جميع البضائع، لقلّة الجالب من البلاد؛ وبلغ ثمن الراوية الماء اثنى عشر درهما، بسبب موت الجمال؛ وبلغ طحين الأردب القمح خمسة عشر درهما؛ ولم يزرع من أراضى مصر فى تلك السنة إلا القليل، بسبب موت الفلاحين، وعدم من يزرع الأراضى؛ فوقع الغلاء بمصر، حتى أبيع كل ويبة قمح بمائتى درهم، وكادت مصر أن تخرب فى تلك السنة من الغلاء والفناء.
وقد وقع الطعن أيضا فى القطط والكلاب والوحوش، ولقد رئيت أشياء كثيرة من الوحوش، وهى مطروحة فى البرارى، وتحت إبطها الطواعين؛ وكذلك الخيول والجمال والحمير، وسائر الحيوان، حتى الطيور، كالنعام وما أشبه ذلك.
стр. 539
فلما تزايد أمر الطاعون بالديار المصرية، وخرج عن الحدّ، أشارت العلماء أنّ الناس تخرج قاطبة إلى الصحراء، تحت الجبل الأحمر، ويفعلوا كما يفعلون فى الاستسقاء؛ فخرجت الناس قاطبة، واجتمعوا تحت الجبل الأحمر، وضجّوا إلى الله تعالى بالدعاء، أن يرفع عنهم الطاعون.
ثم إنّ شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، خرج وهو ماشى على أقدامه، من بيته الذى فى حارة بهاء الدين، والناس حوله يذكرون، حتى أتى إلى الجامع الأزهر، وكان ذلك يوم الجمعة، فخطب بالناس خطبة بليغة، وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم، وابتهل الناس إلى الله تعالى بالدعاء؛ فلما رجعوا من الجامع، وأصبحوا، تزايد أمر الطاعون وفشى فى القاهرة، حتى جاوز الحدّ فى ذلك.
ومما روى فى بعض الأخبار عن النبى، ﷺ ، أنّه لم يثبت عنه أنّه دعا برفع الطاعون عن أمّته، بل ثبت أنّه دعا به وطلبه لأمّته، وكان إذا بعث جيشا إلى الشام، قال: «اللهم ارزقهم الشهادة طعنا وطاعونا».
وقد تمسّك بعض العلماء بقول الإمام الرافعى، والإمام النواوى: «إنّ القنوت يشرع فى سائر الصلوات عند نزول نازلة تقع»؛ وقد تمسّك جماعة من العلماء بالدعاء برفع الوباء: ولكن الطاعون أخصّ من الوباء، فلهذا شرع الدعاء برفع الوباء، دون الطاعون.
وقيل إنّ معاذ بن جبل، ﵁، امتنع من الدعاء فى طاعون عمواس، فلو كان الدعاء جائزا برفعه، لما امتنع من الدعاء برفعه معاذ بن جبل، ﵁، انتهى ذلك.
وقد أوردت عدّة مقاطيع، بما قالته الشعراء فى أمر الطاعون، فمن ذلك قول الصلاح الصفدى:
لما افترست صحابى يا عام تسع أربعينا … ما كنت والله تسعا، بل كنت سبعا يقينا
وقوله:
دارت من الطاعون كأس الفنا … فالنفس من سكرته طافحة
стр. 540
قد خالف الشرع وأحكامه … لأنه يثبت بالرائحة
وقوله أيضا:
لا تثق بالحياة طرفة عين … فى زمان طاعونه مستطير
فكأن القبور شعلة شمع … والبرايا لها فراش تطير
وقال الشيخ زين الدين بن الوردى:
يقولون شمّ الخل فى زمن الوبا … وفاقا لما قال الأطباء يا خلّى
فإن قلت للطاعون تسطو (١) على الورى … يقول نعم أسطو (٢) وأنفك فى الخلّ (٣)
وقال إبراهيم المعمار:
قبّح الطاعون داء … فقدت فيه الأحبّة
بيعت الأنفس فيه … كل إنسان بحبّه
ومن مجونه قوله:
قلت لمن بالحشيش مشتغل … ويك أما تخش هذه الكتبة
فالناس ماتوا بكبّة ظهرت … فقال إنّى أعيش بالكبّة
وقوله أيضا:
يا طالبا للموت قم واغتنم … هذا أوان الموت ما فاتا
قد رخص الموت على أهله … ومات من لا عمره ماتا
وقال آخر:
نراع بذكر الموت ساعة ذكره … ونعرض للدنيا فنلهو (٤) ونلعب
ونحن بنو (٥) الدّنيا [ما] (٦) خلقنا لغيرها … وما كنت منه فهو شئ محبب
وقال آخر:
تروّعنا الجنائز مقبلات … ونلهو (٧) حين تذهب مدبرات
стр. 541
كروعة جهمة لغار سبع … فلمّا غاب عادت راتعات
ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة
فيها توفّى القاضى شهاب الدين بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ الشّريف بالديار المصرية، وكان عالما فاضلا، بارعا فى صنعة الإنشاء، وله فى ذلك المصنّفات الجليلة، والعبارة اللطيفة فى الإنشاء، وصار العمل على ما وضعه فى صنعة الإنشاء إلى الآن عند الموقّعين؛ وقد رثى نفسه قبل أن يموت بهذين البيتين، وجدت مكتوبة فى ورقة فى دواته، بخطّ يده، وهو قوله:
قلت لأقلامى اكتبى وانطقى … فقالت الأقلام واسوءتاه
وشقّت الألسن من حزنها … وولولت واسودّ وجه الدواة
وكان ناظما ناثرا، وله خطّ جيّد، عالى (١) الطبقة؛ ولما توفّى القاضى شهاب الدين، أخلع السلطان على ولده القاضى بدر الدين محمد، وقرّره فى كتابة السرّ، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف، عوضا عن أبيه، بحكم وفاته.
وفيها توفّى قاضى القضاة الحنفى علاء الدين التركمانى؛ فلما توفّى أخلع السلطان على ولده جمال الدين عبد الله، وقرّره قاضى قضاة الحنفية، عوضا عن أبيه.
وفيها توفّى قاضى القضاة المالكى تقىّ الدين محمد بن أبى بكر بن الأخناى، وكانت وفاته فى جمادى الآخرة من هذه السّنة؛ فلما مات أخلع السلطان على القاضى بدر الدين ابن عبد النصير السنجارى، وقرّره قاضى قضاة المالكية، عوضا عن الأخناى. - وفيها توفّى الرهونى، وكان من أعيان علماء المالكية.
وفيها عزل السلطان الأمير منجك، من الوزارة؛ وأخلع على الصاحب علم الدين عبد الله بن أحمد بن زنبور الدميرى القبطى، وقرّره فى الوزارة، عوضا عن منجك اليوسفى؛ فعظم أمر الصاحب علم الدين فى هذه الأيام، واجتمع فيه من الوظائف السنيّة: وزارة الديار المصرية، ونظارة الجيوش المنصورة، ونظارة الخواص الشريفة، وغير ذلك من الوظائف؛ فصار له بمصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، حتى قال فيه
стр. 542
الأديب أحمد سمكيّة الشاعر:
هذا ابن زنبور الصاحب … فى الناس ما أكثر سمّه
[يا من درى زنبور إيش كان … زنبور أبوه ولاّ أمّه] (١)
وفيها وردت الأخبار من دمشق بأنّ أرغون شاه، نائب الشّام، قد قتل تحت الليل؛ وكان سبب ذلك أنّ الأمير جبغا، نائب طرابلس، دخل دمشق، وصحبته جماعة من عسكر طرابلس، وكان أرغون شاه، نائب الشّام، مقيما بالقصر الأبلق، الذى فى ميدان دمشق، فدخل عليه الأمير جبغا، نائب طرابلس، فوجده نائما (٢)، فهجم عليه وقيّده، وسجنه بقلعة دمشق.
فلما طلع النهار، طلب الأمير جبغا قضاة دمشق، والأمراء، فلما حضروا أخرج لهم مرسوم السلطان بالقبض على أرغون شاه، نائب الشّام، فعند ذلك سكن ما كان من الاضطراب بين الناس بدمشق، وظنّوا أنّ ذلك صحيح؛ ثم إنّ الأمير جبغا احتاط على موجود أرغون شاه جميعه.
فلما كانت ليلة الجمعة رابع عشرين رجب، شاعت الأخبار بمصر، أنّ أرغون شاه، نائب الشام، وجد مذبوحا، وهو فى السجن، ولا يعلم من ذبحه؛ فأحضر الأمير جبغا القضاة، والأمراء، وكتب الأمير جبغا صفة محضر (٣)، بأنّ أرغون شاه، نائب الشام، وجد مذبوحا فى السجن، ولا يعلم من ذبحه.
ثم فشا (٤) الكلام بين أهل دمشق، بأنّ هذا كله من فعل الأمير جبغا، فكثر الكلام فى حقّ الأمير جبغا بذلك؛ فتعصّب لثأر أرغون شاه جماعة من عسكر دمشق، وحاربوا الأمير جبغا فانكسر، وهرب، وتوجّه إلى نحو المزّة، وهى من ضياع دمشق، فأقام بها أياما، ثم توجّه إلى طرابلس.
стр. 543
فلما جرى ذلك، أرسلوا أهل دمشق، وكاتبوا السلطان بما وقع من أمر أرغون شاه، نائب الشّام؛ فلمّا وصل الخبر إلى السلطان، أنكر ذلك، وحلف على مصحف شريف بحضرة الأمراء، أنّه لم يكن له علم بذلك، ولا كاتب جبغا بقتل أرغون شاه، نائب الشام؛ ثم برزت المراسيم الشريفة إلى أمراء دمشق، بأن يتوجّهوا إلى طرابلس، ويحاربوا جبغا نائبها.
فلما وصلت مراسيم السلطان إلى أمراء دمشق، بأن تخرج إلى جبغا، وتحاربه، فخرج إليه عسكر دمشق قاطبة، وتوجّهوا إلى نحو طرابلس، وحاربوا جبغا، فانكسر، وهرب، فقبضوا عليه، وأتوا به إلى الشام، وهو أسير؛ فكان يوم دخوله إلى الشام من الأيام المشهودة.
وكان فى مراسيم السلطان، التى (١) وردت من مصر، بأن: «إذا ظفرتم بجبغا، اشنقوه على باب قلعة دمشق»؛ فلما ظفروا به، شنقوه على باب قلعة دمشق، وأقام معلّقا ثلاثة أيام، لم يدفن، ثم بعد ذلك أنزلوه ودفنوه، وخمدت هذه الفتنة من دمشق، بعد ما كانت أهل الشام نسبوا قتلة الأمير أرغون شاه إلى السلطان، ولاموه (٢) على ذلك، فظهرت براءة السلطان فى ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة
فيها وردت الأخبار من البيرة، بأنّ التتار هجموا على مدينة سنجار، وملكوها، فلما تحقّق السلطان ذلك، عيّن لهم تجريدة؛ فلما وصل العسكر إلى سنجار، حاصروا من بها من التتار، فلما رأوا التتار عين الغلب، طلبوا الأمان من العسكر، فأرسل لهم الباش بالأمان، فسلّموا له المدينة، وملكها عسكر السلطان، ورجع إلى القاهرة مع السلامة.
وفيها وقع حريق بخطّ البندقانيّين، وكان حريقا عظيما، حتى ركب الأمير شيخوا، ومماليكه، والأمير بيبغا أروس، نائب السلطنة، وتوجّهوا إلى البندقانيّين بسبب
стр. 544
ذلك الحريق؛ فعملت النار فى البيوت، فاحترق فى تلك الليلة نحو ألف دار، وأعيى (١) الناس خمود تلك النار، فإنّها كانت ليلة شديدة الرياح العواصف، فعملت النار فى البيوت، واشتدّ الأمر جدّا.
وفيها توجّه الأمير طاز، الدوادار، إلى الحجاز، وكان أمير ركب المحمل؛ فلما وصل إلى مكّة، وصعد الجبل، وقع بينه وبين الملك المجاهد، صاحب اليمن، وكان حجّ فى تلك السنة، فتحاربا وهما بجبل عرفات، فانكسر الملك المجاهد، صاحب اليمن، وأسر، ووضع فى الحديد، وخرج به من مكّة، وأتى به إلى القاهرة، لما تقضيه به الآراء الشريفة.
وفى هذه السنّة، جمع السّلطان الأمراء، وأحضر القضاة الأربعة، ورشّد نفسه، وثبت رشده فى ذلك اليوم، واستعذر الأوصية (٢) من الأمراء، فأعذروا له فى ذلك، وسلّموا إليه أمور المملكة.
فلما ثبت رشده، أقام بعد ذلك مدّة يسيرة، وقبض على جماعة من الأمراء، منهم:
الأمير بيبغا أروس، والأمير منجك اليوسفى، وجماعة آخرين من الأمراء؛ فقيّدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وهذا أول تصرّفه فى أمور المملكة.
ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ السلطان أبطل ما أحدثه النساء من لبس القمصان الواسعة، والأكمام الكبار، وأمر بإبطال ما أحدثوه أيضا من الأزر الحرير الملوّن، والأخفاف الزركش، وأمر بإشهار المناداة فى مصر، والقاهرة، بإبطال ذلك جميعه، فرجعن النّساء عن ذلك من يومئذ.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة
فيها وردت الأخبار بوفاة أبى الحسن على بن أبى سعيد، صاحب فاس (٣)، من بلاد الغرب، وكان من أعيان ملوك الغرب، وله شهرة طائلة.
стр. 545
وفيها عاد الأمير طاز، أمير ركب المحمل، وقد عاد من الحجاز؛ فلما طلع إلى القلعة، عرض على السلطان الملك المجاهد، صاحب اليمن، فلما مثل بين يدى السلطان، أمر بنزع قيوده، وأطلقه، ورسم له بالعود إلى بلاده؛ ثم إنّ السلطان أرسل معه الأمير قشتمر المنصورى، أحد الأمراء العشرات، ليوصله إلى مكّة.
وكان الملك المجاهد لما أفرج عنه السلطان، أهدى إلى السلطان هدية حفلة، من جوار، ومن عبيد، ومن أزر، ومن شاشات، ومن صينى، ومن عود، ومن حصى لبان، وغير ذلك من التحف، وقيل، وأهدى إليه جملة مال.
فلما خرج من مصر، ووصل إلى الينبع، وثب هناك، ومن معه من جماعته على الأمير قشتمر، الذى خرج صحبته، وأراد قتله؛ فلما جرى ذلك، قبض أمير الينبع على الملك المجاهد، ووضعه فى الحديد، وسلّمه إلى الأمير قشتمر، فرجع به إلى القاهرة؛ فلما علم السلطان بذلك تغيّر خاطره على الملك المجاهد، وأرسله وهو مقيّد إلى ثغر الإسكندرية، واحتاط على موجوده.
وفى هذه السنة تزايدت المظالم بالديار المصرية، وسبب ذلك: أنّ شخصا من الأراذل، يقال له الفار، وكان أصله مكّاسا، ثم بقى من رسل الديوان المفرد، ثم صار يتقرّب إلى السلطان يأذى الناس قاطبة، فحظى عنده بسبب ذلك، وصار من خواصّه، فأحدث من المظالم ما لا أحدثه هناد فى زمانه، فكثر الدعاء على السلطان بسبب ذلك، وتغيّرت خواطر الأمراء عليه.
فلما كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة، وثب جماعة من الأمراء على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا بسوق الخيل؛ وكان رأس الفتنة الأمير طاز المنصورى، والأمير بيبغا الشمسى، والأمير بيغرا الناصرى.
فحطم الأمير طاز، ومعه جماعة من الأمراء، والعسكر، فملسكوا باب السلسلة، ثم طلعوا إلى القلعة، وهم راكبون، إلى الحوش، ثم إنّهم دخلوا إلى الدهيشة، وقبضوا على الملك الناصر حسن، فلما قبضوا عليه، أدخلوه إلى دور الحرم، ووكّلوا به جماعة من الخدّام.
стр. 546
فكانت مدّة سلطنته هذه الأولى، ثلاث سنين وتسعة أشهر وأيام؛ ثم يعود إلى السلطنة ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه؛ فلما خلع الناصر حسن من السلطنة، تولّى من بعده أخوه (١) سيدى صالح، انتهى ذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون
وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثامن ممن ولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون.
بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الملك الناصر حسن، يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين (٢) وخمسين وسبعمائة؛ وكان مولده بقلعة الجبل فى أوائل ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وكانت أمّه تسمّى خوند قطلو ملك، بنت ملك الأمراء تنكز الحسامى، نائب الشام.
وكان ممن تعصّب لسلطنة سيدى صالح، الأمير طاز، دون إخوته، فطلبه من دور الحرم؛ فلما حضر، أرسلوا خلف أمير المؤمنين، والقضاة الأربعة، وحضر سائر أعيان الأمراء، وبايعوا سيدى صالح بالسلطنة، وتلقّب بالملك الصالح، ولبس شعار الملك من باب الستارة.
وركب من هناك، والأمراء مشاة بين يديه، بالشاش والقماش، حتى دخل القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، من الخاص والعام.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، فوّض أمور المملكة كلها إلى الأمير طاز، وصار صاحب الحلّ والعقد فى أيام دولته، واجتمعت فيه الكلمة؛ فشقّ ذلك على بقيّة الأمراء قاطبة، وديّت بينهم عقارب الفتن، فتزايد الأمر منهم.
стр. 547
فلما كان يوم الاثنين، وثب الأمير منكلى بغا الفخرى، والأمير مغلطاى، وجماعة من الأمراء العشرات، والتفّ عليهما جماعة كثيرة من المماليك السلطانية، فلبسوا آلة الحرب، وتوجّهوا إلى نحو قبّة النصر.
فلما بلغ الأمير طاز هذه الحركة، طلع إلى القلعة، وركّب السلطان، ونزل به من القلعة، وجمع العسكر فى الرملة، وفرّق عليهم اللبوس والسّيوف والأتراس؛ ثم دقّت الطبول حربى، وزعق (١) النفير، ومشى السلطان تحت الصنجق.
ثم إنّ السلطان نادى للعوام، أنّ من وجد مملوكا من مماليك الأمير منكلى بغا، والأمير مغلطاى، يقتله، ويأخذ عريه؛ فقتل فى ذلك اليوم جماعة كثيرة من المماليك، وراح الصالح بالطالح.
ثم إنّ السلطان توجّه إلى قبّة النصر، بمن معه من العسكر، فوقع بين الفريقين هناك وقعة (٢) مهولة، وقتل فيها من المماليك ما لا يحصى؛ وكان معظم هذه الوقعة (٣) بالقرب من خليج الزعفران، وقتل من الغلمان، والعوام، جماعة كثيرة.
وآخر الأمر انكسر الأمير منكلى بغا، والأمير مغلطاى، الذى (٤) كانا سببا لإثارة هذه الفتنة، فقبض عليهما، وكانا قد توجّها إلى بعض البساتين بالمطرية.
فلما أحضروهما إلى بين يدى السلطان، رسم بسجنهما فى خزانة شمايل، فأقاما بها أياما، ثم بعث بهما إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ فلما سجنهما، رسم بالإفراج عن الأمير منجك اليوسفى، والأمير شيخوا العمرى، وكانا فى السجن بثغر الإسكندرية من أيام الملك الناصر حسن، فلما حضرا، أنعم على الأمير شيخوا بتقدمة ألف، وكذلك الأمير منجك اليوسفى.
ثم إنّ السلطان أرسل بالإفراج عن الأمير بيبغا أروس، وكان فى السجن بقلعة الكرك، فلما حضر أخلع عليه، وقرّره نائب حلب؛ وأخلع على الأمير أرغون
стр. 548
الكاملى، وقرّره نائب الشام؛ وأخلع على الأمير قبلاى، وقرّره نائب السلطنة بالديار المصرية؛ وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف؛ وجعل له عصبة من الأمراء تخصّ به، فاستقامت أموره فى السلطنة، بما فعله من انتقالات الوظائف بين الأمراء، وعزل من عزل، وولّى من ولّى.
وفى هذه السنة، وردت الأخبار بوفاة العلامة الحافظ شمس الدين محمد بن قيم الجوزية، وكان من أعيان العلماء، وله عدّة مصنّفات فى علوم شتّى، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة
فيها فى شهر المحرّم، وردت الأخبار من حلب، بأنّ الأمير بيبغا أروس (١)، لما خرج من مصر، وتوجّه إلى حلب، خامر على السلطان، وأظهر العصيان، وخرج عن الطاعة؛ وكذلك بكلمش، نائب طرابلس؛ وكذلك الأمير أحمد، نائب حماة؛ وكذلك الأمير ألطنبغا برناق، نائب صفد، وهو صاحب الدرب المعروف به، الذى هو بالقرب من قنطرة سنقر؛ فلما تحقّق السلطان عصيان هؤلاء (٢) النوّاب، أرسل بالكشف عن أخبارهم.
ثم بعد أيام وردت الأخبار، بأنّ الأمير بيبغا أروس، قد جمع الجمّ الغفير من العساكر والعربان، وقد وصل إلى الشام، وهو يحاصر المدينة؛ وأنّ نائب الشام، لما رأى عين الغلب، هرب من الشام تحت الليل، هو وعياله وأولاده، وأتى إلى غزّة، وأرسل يكاتب السلطان بما وقع من أمر بيبغا أروس، نائب حلب، وأنّه دخل إلى الشام، وصحبته من العساكر ما لا يحصى، ومن الأمراء نحو ستين أميرا؛ والتفّ عليه من العربان والعشير جماعة كثيرة؛ وأنّه لما دخل الشام وملكها، عدّ عساكر الشام، وعساكر حلب، فكان عدّتهم نحو عشرة آلاف إنسان.
ثم إنّ بيبغا أروس لما دخل إلى الشام، أرسل يطلب من الأمير أياجى، نائب
стр. 549
قلعة دمشق، أميرا كان مسجونا بقلعة دمشق، فأرسل الأمير أياجى يعتذر إليه عن ذلك، وأنّه لا يقدر على إطلاقه من السجن إلا بمرسوم السلطان؛ ثم إنّ الأمير أياجى حصّن قلعة دمشق، وركّب عليها المكاحل بالمدافع؛ وأرسل يقول لأهل دمشق: «لا تفتحوا دكاكينكم، ولا تبيعوا على عسكر بيبغا أروس شيئا».
فلما بلغ بيبغا أروس ذلك، اشتدّ غضبه على أهل دمشق، وأمر عسكره بأن ينهب ضياع دمشق، وبساتينها، ويقطعوا الأشجار التى بها؛ فلما سمع بذلك من كان مع بيبغا أروس من العربان، ومن العشير، فنهبوا ما كان فى الضياع من القماش والنساء والبنات والخيول والمواشى، وما أبقوا فى ذلك ممكنا، وجرى على أهل دمشق من بيبغا أروس، ما لا خير فيه من النهب والسبى والقتل.
فلما تحقّق السلطان صحّة هذه الأخبار، بما جرى فى دمشق، علّق الجاليش على الطبلخاناة (١)، وعرض فى ذلك اليوم العسكر؛ ثم عيّن الأمير عمر شاه، وهو صاحب القنطرة، وعيّن الأمير محمد بن الأمير بكتمر الساقى، والأمير قمارى الحموى، بأن يخرجوا إلى جهة بلاد الصعيد، حتى يحفظوا الضياع من فساد العربان، بسبب أن لا ينهبوا المغل، فإنّ القمح كان فى الجرون، فخرجوا هؤلاء (٢) الأمراء من يومهم.
ثم إنّ السلطان شرع فى عمل يرقه، وخرج من القاهرة على جرائد الخيل، وطلّب طلبا حربيّا (٣)؛ وخرج صحبته أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفى بالله سليمان، والقضاة الأربعة.
ومن الأمراء المقدّمين: الأمير طاز، والأمير شيخوا العمرى، والأمير صرغتمش، والأمير أسندمر العمرى، والأمير جردمر، والأمير قرابغا، والأمير بتخاص الناصرى، والأمير طشتمر القاسمى، والأمير قجا السلحدار، والأمير سنقر المحمدى، والأمير قطلوبغا الذهبى، وآخرين من الأمراء المقدّمين؛ وخرج صحبته من الأمراء الطبلخانات والعشرات نحو ثمانين أميرا.
стр. 550
ثم إنّ السلطان رسم للأمير قبلاى، نائب السلطنة، بأن يقيم بمصر، ويسكن بالقلعة، إلى أن يحضر السلطان من الشام؛ وترك بمصر ثلاثة من الأمراء المقدّمين، بسبب حفظ المدينة.
ثم إنّ السلطان نزل من القلعة يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، فنزل بالريدانية، فأقام بها يوما وليلة، ثم رحل من هناك وجدّ فى السير، حتى دخل إلى دمشق؛ فلما بلغ بيبغا أروس، نائب حلب، مجئ السلطان، هرب من وجهه، وتوجّه إلى حلب.
فلما دخل السلطان إلى دمشق، كان له يوم مشهود، وأوكب موكبا حفلا، وركب قدّامه الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، والقضاة الأربعة، وهم: قاضى القضاة الشافعى عزّ الدين بن جماعة المقدسى، وقاضى القضاة الحنفى جمال الدين عبد الله ابن التركمانى، وقاضى القضاة المالكى عبد النصير السنجارى، وقاضى القضاة الحنبلى تقىّ الدين ابن قاضى القضاة عزّ الدين عمر؛ ودخل صحبته الأمراء قاطبة، من كبير وصغير، وسائر العسكر، وكان يوما مشهودا.
فدخل إلى دمشق ثانى شهر رمضان، ونزل بالقصر الأبلق، الذى بميدان دمشق، وصلّى صلاة الجمعة فى جامع بنى أميّة؛ ثم إنّ السلطان طلع إلى قلعة دمشق، وأقام بها.
ثم إنّ السلطان عيّن جماعة من الأمراء والعسكر، بأن يتوجّهوا خلف بيبغا أروس، فخرجوا من دمشق على حمية، وتوجّهوا فى طلب بيبغا أروس، فتلاقوا معه فى مكان يسمى تلّ الغار، فتحاربوا معه هناك، فانكسر بيبغا أروس، وهرب إلى ملطية، وتشتّت من كان معه من العساكر.
ثم إنّ عسكر السلطان صار يقبض على من كان مع بيبغا أروس من النوّاب والأمراء، الذين (١) خامروا، وخرجوا عن الطاعة، فأسروهم، ووضعوهم فى القيود، وفى الزناجير، ثم توجّهوا بهم إلى دمشق، فكان يوم دخولهم إلى دمشق يوما مشهودا، لم يسمع بمثله.
стр. 551
فلما عرضوا على السلطان، أمر بتوسيطهم أجمعين، فكان الذى توسّط من الأمراء والنوّاب ستة أنفس، وهم: ألطنبغا برناق، نائب صفد، والأمير طيبغا الأوجاقى المعروف بحلاوة، والأمير مهدى العلاى، شاد الدواوين بحلب، والأمير أسنبغا التركمانى، والأمير الطنبغا، شاد الشر بخاناة، والأمير شادى أخو الأمير أحمد، نائب حماة؛ ثم إنّ السلطان أراد أن يوسّط الأمير ملكتمر السعدى، فشفع فيه بعض الأمراء، فحبس بقلعة دمشق.
فلما وردت الأخبار إلى القاهرة بهذه النصرة، فى ثالث شوّال، دقّت البشائر بالقلعة، وزيّنت القاهرة زينة حفلة، وأقامت الزينة سبعة أيام متوالية.
ثم إنّ السلطان، لما بلغه أنّ بيبغا أروس هرب إلى نحو البيرة، عيّن له جماعة من العسكر، يتبعوه (١) حيث توجّه؛ ثم إنّ السلطان أقام بدمشق أياما، فعزل من عزل، وولّى من ولّى.
فلما انتهى أربه من دمشق، قصد التوجّه إلى نحو الدّيار المصرية، فدخل القاهرة فى أواخر شوّال؛ وفيه يقول ابن أبى حجلة:
الصالح الملك المعظم قدره … تطوى له أرض الفلاة النازح
لا تعجبوا من طيّها لمسيره … فالأرض تطوى دائما للصالح
فلما دخل الملك الصالح إلى القاهرة، زيّنت له، وكان له موكب حفل، وحملت على رأسه القبّة والطير، ولعبوا قدّامه بالغواشى الذهب، وفرشت تحت حوافر فرسه الشقق الحرير، من باب النصر إلى القلعة، ونثرت على رأسه خفائف الذهب والفضّة، ومشت قدامه الرءوس النوب (٢)، بالشاش والقماش، ولاقاه الأوزان، والشبابة السلطانية، والشاويشية، واصطفّت له المغانى، من الرجال والنساء، على الدكاكين، وكذلك الطبول والزمور.
فشقّ من القاهرة، وارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء، وعظم أمره بهذه
стр. 552
النصرة، التى وقعت له على النوّاب؛ فلما أن طلع إلى القلعة، أخلع على الأمراء المقدّمين، ونزلوا من القلعة إلى منازلهم.
ومن الحوادث، أنّ الأمير صرغتمش، رأس نوبة النّوب، وقع بينه وبين الصاحب علم الدين بن زنبور الدميرى، فقبض عليه وقيّده، ثم أعلم السلطان بذلك، وقال له: «إنّ ابن زنبور قد ثقل أمره على الناس»، وعدّ له مساوئ كثيرة وقعت منه، وقد حاز من الأموال ما لا يحصى، ولا وقع لأحد من المباشرين ما وقع له.
فشكره السلطان على ذلك، وأرسل أحضر ابن زنبور، فسجنه بالقلعة، واحتاط على جميع موجوده، من صامت وناطق؛ فكان كما يقال فى المعنى:
ومباشر السلطان شبه سفينة … فى البحر ترجف دائما من خوفه
إن أدخلت من مائه فى جوفها … أدخلها وماءها فى جوفه
ثم إنّ السلطان، لما قبض على ابن زنبور، أخلع على القاضى موفّق الدين هبة الله بن سعد الدولة القبطى، وقرّره فى الوزارة، عوضا عن الصاحب علم الدين ابن زنبور، بحكم القبض عليه.
قال الشيخ برهان الدين بن جماعة ابن عمّ قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة:
وقفت على قوائم بخطّ ابن الفويرة، المباشر، فيها ما ضبط من موجود ابن زنبور، فكان من مضمون تلك القوائم: صناديق خشب ضمنها ذهب عين، جملته ستمائة ألف دينار، ووجد عنده فضّة نقرة، فحرّر ذلك بالكيل المصرى فكان ثلاثون أردبّا مصريّا (١)؛ ووجد عنده صناديق ضمنها فصوص ملوّنة (٢)، ما بين ياقوت أحمر وأصفر وأزرق، وبلخش وفيروز وماس وعين الهرّ، وحبّات لؤلؤ كبار، فحرّر ما فى تلك الصناديق من الفصوص، فكان نحو قنطارين؛ ووجد عنده زكائب فيها لؤلؤ حبّ صغير، فاعتبره بالكيل، فكان أردبين بالمصرى.
ووجد عنده أوان ذهب وفضّة، فحرّر ذلك، فكان زنته نحو ستين قنطارا؛ ووجد عنده من القماش الملوّن، ما بين صوف وجوخ وحرير وبياضات، ألفين وستمائة قطعة،
стр. 553
منها مفرى (١) بسمور (٢) ووشق وسنجاب وقاقوم، ألفين (٣) قطعة؛ وجندات (٤) ملوّن بوجهين، نحو ستمائة قطعة؛ ووجد عنده خنينيّات (٥) جلوس ملوّنة، خمسة آلاف قطعة؛ ووجد عنده حوايص ذهب، ستة آلاف حياصة؛ وكلفتات زركش، ستة آلاف كلفتة.
ووجد له عند الناس ودائع كثيرة فى أماكن شتى، فلم ينحصر ذلك لكثرته؛ ووجد له فى حواصل أزر، وشاشات، العدّة ثلثماية ألف شاش وإزار؛ ووجد له فى حواصل بسط رومى، ومقاعد جوخ ومخمل، من سائر الألوان والأنواع، خمسة وثلاثون مقعدا؛ ومن الأنطاع ما بين كبار وصغار، ثلاثون ألف نطع.
ووجد له عنده فى حواصل: صحون وزبادى صينى، ما بين لازورد وشفّاف أبيض، وصينى أخضر، نحو ثلاثين ألف قطعة؛ ووجد عنده فى حواصل: أوانى نحاس أصفر مكفّت، ما بين أطباق، وطسوت، وأباريق، وثريّات، وغير ذلك أربعين ألف قطعة.
وكان ساكنا فى بيت بعض الأمراء المقدّمين الألوف (٦)، فوجد فى دوّاره من الغزلان، والكراكى والغرانيق والنّعام، وحمير (٧) الوحش، والبطّ الصينى، والخرفان البشموريات، أشياء كثيرة لا تنحصر لكثرتها.
ووجد عنده من الخيول والبغال والجمال، نحو عشرين ألف رأس (٨)؛ ووجد له فى مخبأة تحت سلّم، سبعمائة ألف دينار؛ ووجد عنده من الجوارى والعبيد، سبعمائة رأس، ومن المماليك الرّوم، خمسون مملوكا، ومن الخدّام الخصى مائة رأس.
ووجد له من فاخر الأملاك والضياع والرّبوع والحوانيت والمسقّفات،
стр. 554
سبعة آلاف مكان، فقوّموا بثلثماية ألف دينار؛ ووجد له من المعاصر خمسة وعشرين معصرة، وبها (١) من القنود السكر ما لا ينحصر؛ ووجد لأولاده من الإقطاعات الثقيلة، سبعمائة إقطاع (٢).
ووجد له فى حاصل بمصر العتيقة، من السروج الذهب والفضّة، والكنابيش الزركش، والبدلات الذهب، وعدد الخيل، فقوّم ذلك بثلاثين ألف دينار؛ ووجد له فى حواصل، بضائع وأصناف من البهار، فقوّم ذلك بأربعمائة ألف دينار؛ ووجد له من المراكب ستمائة مركب (٣).
ووجد له من السواقى فى البلاد الشرقية والغربية، وجهات الصعيد، ألف وأربعمائة ساقية؛ ووجد له من البساتين والغيطان، مائتا بستان (٤)، فى أماكن شتى؛ ووجد له من الأبقار الحلاّبة، والأغنام السياق، والجاموس، ثلثماية ألف رأس (٥)؛ ووجد له من الغلال، ما بين قمح وشعير وفول، ما لا ينحصر كيله.
ووجد له مائتا (٦) سريّة، ما بين بيض وحبش؛ وكان متزوّجا بأربع (٧) نسوة؛ وقد ضاع له عند أصحابه وغلمانه من الودائع، ما بين مال وقماش، ما لا ينحصر، هذا كلّه خارجا عمّا (٨) وجد عند نسائه وجواريه من الحلىّ والفصوص واللؤلؤ، ومن القماش الفاخر ما لا ينحصر، وكذلك شوار بناته فما انحصر ذلك لكثرته؛ وهذا الموجود الذى ظهر للصاحب علم الدين بن زنبور ما لا سمع بمثل ذلك عن موجود الخلفاء العبّاسية، ولا الخلفاء الأمويّة ولا الوزراء البرامكة.
وقد نقلت هذه الواقعة من تاريخ الصارمى إبراهيم بن دقماق المسمى: «بالنفحة
стр. 555
المسكية فى الدولة التركية»، على ما شرح هنا بالتمام والكمال.
فلما انتهى موجود ابن زنبور، احتاط عليه السلطان جميعه، وعجب من ذلك؛ ثم إنّ السلطان أحضر الصاحب علم الدين بن زنبور بين يديه، وقال له: «كيف كنت تشكو (١) لى كل وقت، وتقول: أنا باخصر (٢) فى الوزارة كل سنة جملة مال؟ فكيف كنت تخصر (٣) وعندك هذه الأموال كلها»؟
فبطحه على الأرض، وضربه ضربا مبرحا، ورسم بنفيه إلى قوص، فنفى إلى قوص، وأقام بها مدّة يسيرة ومات هناك، ودفن بقوص؛ [وقيل رسم السلطان بنفيه إلى بلده دميرة فأقام بها إلى أن مات، ودفن بها] (٤).
وكان قد جمع بين الوزارة، ونظارة الخاص، والأستادارية؛ وكان له بمصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، فى تلك الأيام؛ وقد عجبوا الناس لابن زنبور، كيف حوى هذا المال الجزيل فى هذه المدّة اليسيرة؛ ولكن قد زال عنه ماله وجاهه بسرعة، كأنّه لم يكن، وقد قيل: «المال كالماء، من استكثر منه، غرق فيه».
وقد قال القائل فى المعنى:
خذ القناعة من دنياك وارض بها (٥) … واختر لنفسك منها راحة البدن
وانظر لمن قد حوى مما سمعت به … هل ناله غير بعض القطن والكفن
وقال الزمخشرى فى المعنى:
وقائله أرى الأيام تعطى … لئام الناس من رزق حثيث
وتمنع من له شرف وفضل … فقلت لها خذى أصل الحديث
رأت حلّ المكاسب من حرام … فجادت بالخبيث على الخبيث
стр. 556
ومن غرائب الوقائع، ما وقع للصاحب علم الدين بن زنبور هذا، أن كان له بيت (١) فى الروضة، بالقرب من المقياس، وهو بيت السادة الوفائيّة الآن، وهو البيت الذى أوقفه ابن زنبور من بعده على أولاد سيدى محمد وفا، رحمة الله عليه، فجلس يوما فى الشبّاك المطلّ على بحر النيل، وكان النيل فى قوّة الزيادة، فوضع على الشبّاك قدحا من البلّور المثمّن المزيّك بالذهب.
فلما وضعه على الشبّاك، تغافل عنه ساعة فسقط فى البحر، فلما سقط طلب جماعة من الغطّاسين، فلما حضروا، قالوا له: «فى أى مكان سقط هذا القدح»؟ فنزع ابن زنبور من أصبعه خاتما من الياقوت الأحمر، وألقاه فى البحر، وقال: «سقط ها هنا»؛ فغطس الغطّاس فى البحر ساعة؛ ثم طلع بالقدح، والخاتم الياقوت فى وسطه، فكبّروا الحاضرون من ذلك؛ فتطيّر الصاحب علم الدين من هذه الواقعة، وقال: «هذه الواقعة نهاية سعدى»؛ ثم تحوّل من يومه، ونزل من الروضة.
فما عن قريب حتى وقع بينه وبين الأمير صرغتمش، رأس نوبة النوب، وقبض عليه، وجرى له ما تقدّم ذكره، وكانت هذه الواقعة نهاية سعده، فكان كما يقال:
إذا تمّ أمر دنا نقصه … توقّ زوالا إذا قيل تم
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة
فيها، كانت وفاة أمير المؤمنين الإمام أحمد الحاكم بأمر الله بن الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع، سليمان فكانت مدّة خلافته بالديار المصرية أربعة عشر سنة وأشهر، ومات ولم يعهد لأحد من أقاربه بالخلافة من بعده.
فلما مات الإمام أحمد، أحضر الملك الصالح القضاة الأربعة، والأمراء، وضربوا مشورة، فيمن يلى الخلافة بعد الإمام أحمد؛ وكان المتكلّم يومئذ فى أمور المملكة الأمير قبلاى، نائب السلطنة.
فلما تكامل المجلس، أحضروا بنى العبّاس كلهم، فوقع الاتّفاق على ولاية الإمام
стр. 557
أبى بكر بن الخليفة المستكفى بالله سليمان، أخو الإمام أحمد؛ فأحضروا له التشريف وأفاضوه عليه، وقرّر فى الخلافة عوضا عن أخيه الإمام أحمد، فنزل إلى بيته فى موكب حفل، قدّامه القضاة الأربعة وأعيان الناس، فوصل إلى داره مع السلامة.
وهو خامس خليفة تولّى الخلافة بمصر من بنى العبّاس، وتلقّب بالمعتضد بالله، فأقام فى الخلافة مدّة طويلة، حتى مات، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
وفى هذه السنة، حضرت إلى بين يدى السلطان رأس بيبغا أروس، الذى كان نائب حلب، وأظهر العصيان، وخرج إليه السلطان، كما تقدّم؛ وحضرت أيضا رأس بكلمش، نائب طرابلس؛ ورأس الأمير أحمد، نائب حماة؛ وقد تقدّم أنّهم خامروا على السلطان، فلما خرج إليهم السلطان، هربوا من وجهه، فتوجّهوا إلى بلاد التراكمة.
فلما رجع من هناك السلطان، قطعوا رءوسهم التراكمة، وأخذوا ما كان معهم من مال وقماش وبرك وخيول، ثم قطعوا بعد ذلك رءوسهم، وأرسلوها إلى السلطان، وتحظّوا عنده بذلك؛ فلما مثلوا (١) بين يدى السلطان، رسم بأن يعلّقوا على باب زويلة، فعلّقوا عليه ثلاثة أيام.
وفيها، عمل الأمير طاز وليمة حفلة، بسبب داره التى أنشأها على بركة الفيل، فلما كملت، عمل هذه الوليمة، واستدعى السلطان، والأمراء قاطبة، فنزل إليه السلطان وحضر، وحضرت الأمراء؛ فمدّ الأمير طاز فى ذلك اليوم بين يدى السلطان، والأمراء، مدّة حفلة، قيل أصرف عليها فوق ألف دينار؛ وقدّم للسلطان تقدمة حفلة، ما بين مال وخيول ومماليك، وغير ذلك؛ فأقام السلطان عنده إلى بعد العصر، ثم ركب وطلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا.
وفيها، أحضر من الطور نصرانى، قيل عنه أنّه أعلن بالقدح فى دين الإسلام، والعياذ بالله، فلمّا قامت عليه البيّنة (٢) بما قاله، حكم فيه بعض القضاة المالكية بضرب عنقه، فضرب عنقه؛ ثم إنّ العوام أحرقوا جثّته بالنار فى وسط الشارع، ومضى أمره.
стр. 558
وفيها، وردت الأخبار من بلاد الصعيد، أنّ العربان قاطبة قد خرجوا عن الطاعة، وأظهروا العصيان، ونهبوا الغلال من الجرون؛ وكان شيخهم شخصا يسمّى عمر ابن الأحدب (١)، شيخ قبيلة عرك؛ فاجتمع عليه عدّة قبائل من العربان، الذين (٢) هناك، وتحالفوا على العصيان على السلطان قاطبة، والخروج عن الطاعة.
فلما تحقّق السلطان صحّة هذه الأخبار، خرج إليهم بنفسه، وتوجّه معه سائر الأمراء قاطبة؛ فكان جاليش العسكر، الأمير شيخوا العمرى، أحد المقدّمين، والأمير طاز الناصرى، والأمير صرغتمش الناصرى.
فتقدّموا هؤلاء الأمراء المقدّمين أمام العسكر، فاتّقعوا هم والعربان، فكان بين الفريقين واقعة، لم يسمع بمثلها فيما تقدّم من الزمان من الواقعات المشهورة؛ فقتل من العربان فيها فوق العشر آلاف إنسان؛ وهرب شيخهم ابن الأحدب (١).
فصار الأمير شيخوا يقطع رأس كل من رآه من الفلاّحين يقول: «دكيك» (٣)؛ فلا زال يقطع من رءوس العربان والفلاّحين، الذين (٢) بضياع الصعيد، حتى بنى من رءوسهم عدّة مصاطب ومآذن (٤) على شاطئ بحر النّيل، كما فعل هولاكو (٥) ببغداد.
فلما جرى ذلك، رسم السلطان للأمير شيخوا بأن يمشى وراء شيخهم ابن الأحدب (١) إلى آخر بلاد الزنج، فمشى هو، والأمراء، خلفه، مسيرة سبعة أيام، حتى دخلوا أطراف بلاد الزنج، فلم يحصّلوه، فرجعوا من هناك.
ثم إنّ السلطان قصد العود إلى نحو الديار المصرية، وقد غنم عسكر السلطان من العربان أشياء كثيرة، من خيول، وجمال، وأغنام، وأبقار، وسيوف، ورماح، ودرق، وغير ذلك.
ثم إنّ السلطان دخل إلى الديار المصرية، وهو فى غاية السرور بهذه النصرة
стр. 559
التى وقعت له؛ فشقّ من الصليبة فى موكب حفل، وطلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود.
ودخل وقدّامه الأسرى (١) من العربان، وكانوا نحو ألف إنسان؛ فلما طلع إلى القلعة، رسم بأن يوسّطوا هؤلاء (٢) العربان جميعها، وأبقى منهم أكابرهم، ومشايخهم؛ ثم إنّ السلطان نادى فى القاهرة، بأنّ فلاّحا لا يركب فرسا، ولا يشترى سلاحا، ولا سيفا، ولا رمحا.
ثم بعد أيام أرسل ابن الأحدب (٣)، شيخ عربان قبيلة عرك، الذى خرج السلطان بسببه، وهرب من وجهه، فأرسل يطلب الأمان من السلطان، وأنّه يدوس بساط السلطان ويحضر، ويقابل، فأرسل له السلطان منديل الأمان، على يدى خاصكى.
فلما وصل إليه، حضر إلى الأبواب الشريفة، وقابل السلطان، فلما قابله، أخلع عليه السلطان خلعة سنيّة، وأقرّه على عادته، شيخ قبيلة عرك.
ثم رسم له بالتوجّه إلى بلاده، فعاد إليها بعد أيام، وخمدت فتنة العرب، بعد ما قد ذهبت فيها أرواح وأموال، وتيتّمت فيها أطفال، وكانت حادثة صعبة مهولة، حتى إنّ السلطان خرج إليها بنفسه، واتّقع مع العربان، وجرى ما تقدّم ذكره؛ وفى ذلك يقول بعض الشعراء:
ما هادن (٤) السلطان أعداءه … إلا لأمر فيه إذلالهم
حتى له تكثر أموالهم … وللضبا تكبر أطفالهم
وفى هذه السنة، نادى السلطان فى القاهرة، أن لا يهودى، ولا نصرانى، يستعان بهم فى ديوان؛ وأن لا يركبوا مع مكارى مسلم؛ وأن تكون عمائمهم أقلّ من عشرة أذرع؛ وإذا ما مرّوا بالمسلمين، وهم راكبون، ينزلون عن البهائم؛
стр. 560
وأنهم لا يدخلون الحمّام، إلا وفى أعناقهم صلبان خشب، قدر قرمة كبيرة، وأشرطوا عليهم أشياء كثيرة من هذا النمط.
وفى هذه السنة، أخلع السلطان على الأمير أرغون الكاملى، وقرّره فى نيابة حلب، عوضا عن بيبغا أروس، الذى قتل؛ فلما خرج الأمير أرغون الكاملى إلى حلب، ودخل إليها، وردت عليه الأخبار أنّ قراجا بك بن ذو الغادر، أمير التركمان، قد عصى، وخرج عن الطاعة، وأظهر العصيان على نائب حلب.
فلما تحقّق نائب حلب ذلك، جمع عساكر حلب، وخرج إليه، واتّقع معه، فانكسر قراجا بك، وهرب منه إلى أطراف بلاد الروم؛ فلا زال نائب حلب يتبعه، حتى قبض عليه، وقيّده، وأرسله إلى السلطان، فلما مثل بين يديه، وبّخه بالكلام؛ ثم أمر بتسميره، فسمّر وطافوا به القاهرة، وهو مسمّر على جمل؛ ثم أتوا به إلى الرملة، فوسّطوه عند سوق الخيل، وكان ذنبه أنّه التفّ على بيبغا أروس، نائب حلب، لما خامر على السلطان، وأظهر العصيان، وصار ينهب ضياع حلب، وفتك فتكا ذريعا.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة
فيها وقع من الحوادث: أنّ فى ثانى شوّال، وثب جماعة من الأمراء المقدّمين على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة؛ وكان الأمير طاز قد توجّه إلى البحيرة، بسبب فساد العربان، فاغتنموا الأمراء هذه الفرصة، ووثبوا على السلطان؛ وكان رأس هذه الفتنة الأمير شيخوا العمرى، وجماعة من الأمراء.
فلما طلعوا إلى الرملة، هجموا على باب السلسلة، وملكوه، ثم طلعوا إلى الحوش، ثم إنّهم هجموا على الملك الصالح، وهو بالدهيشة، وقبضوا عليه، وسجنوه بدور الحرم، ووكّلوا به جماعة من الخدّام، وخلعوه من السلطنة فى يومه، وزال ملكه، كأنّه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغيّر.
فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما؛ وكان ملكا جليلا، كفوا للسلطنة، وكانت أيامه كلها عدل بين الرعيّة، وكان
стр. 561
قليل الأذى، كثير الخير، ديّنا خيّرا، وافر الحرمة، نافذ الكلمة، مسعود الحركات فى أفعاله، ساس النّاس فى أيامه أحسن سياسة؛ وكان خيار أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاون؛ وهو الذى أكمل عمارة الدهيشة، بعد والده الناصر محمد بن قلاون.
فلما خلع الملك الصالح من السلطنة، اجتمعت الأمراء بالقلعة، وضربوا مشورة فيمن يلى السلطنة؛ ثم وقع الاتّفاق بينهم على عود الملك الناصر حسن، أخو الملك الصالح، فأخرجوه من دور الحرم، وأعادوه إلى السلطنة.
انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الصالح صالح بن الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر عود الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهى السلطنة الثانية، بويع بها بعد خلع أخيه الملك الصالح، فلما أخرجوا بالسلطان حسن من دور الحرم، أحضروا أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو بكر، والقضاة الأربعة، وأعادوه إلى السلطنة.
وبايعه الخليفة، ولبس شعار الملك من باب الستارة، ومشت بين يديه الأمراء، وهم بالشاش والقماش، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأرض سائر الأمراء؛ ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس، واستمرّ على لقبه بالناصر، ودقّت له البشائر بالقلعة.
وكانت ولايته بالسلطنة، يوم الاثنين ثانى شوّال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وهذه السلطنة الثانية، وقد هنّاه الشيخ جمال الدين بن نباتة المصرى، بعوده إلى السلطنة، بهذين البيتين، وهو قوله:
عد على النصر والسعادة يا من … رفع الله فى السلاطين شانه
أنت سهم لله ما كان يخلى … منه أوطان مصر وهى كنانه
стр. 562
ومن غرائب الاتّفاق، أن لما عاد الناصر حسن إلى السلطنة، وردت الأخبار من مكّة، بأن كوكبا قدر القمر، ظهر بعد العشاء على جبل أبى قبيس، وسمع هاتف (١) يقول: «هذا يدلّ على أنّ رجلا يكون فى شدّة فيفرج الله تعالى عنه»، فكان ذلك الرجل هو السلطان حسن، والله أعلم.
قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة عن الملك الناصر حسن، لما عاد إلى السلطنة، فقال: «غاب كالبدر فى سحابة، وعاد إلى السلطنة كالسيف المسلول من قرابه».
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم:
الأمير شيخوا العمرى، فأخلع عليه وقرّره أمير كبير، وصارت وظيفة من يومئذ، فهو أول من سمّى بأمير كبير، وصارت أكبر من نيابة السلطنة، ولم يتّفق هذا سوى فى دولة الناصر حسن، فانحطّ قدر نيابة السلطنة من يومئذ عما (٢) كانت.
وأخلع على الأمير عزّ الدين أزدمر العمرى، وقرّره أمير سلاح، وكان أزدمر خشداش شيخوا من تاجر واحد، وكان أزدمر هذا يعرف بأبى دقن، أقول (٣): وأزدمر هذا، هو جدّ والد مؤلّف هذا التاريخ.
وأخلع على الأمير صرغتمش الناصرى، وقرّره رأس نوبة الأمراء، فصار شيخوا، وصرغتمش، فى دولة الناصر حسن، صاحبى الحلّ والعقد فى أمور المملكة، وعظم أمر شيخوا فى تلك الأيام جدّا.
وقد تقدّم القول على أنّ الأمير طاز، الدوادار الكبير، كان مسافرا فى البحيرة، وجرت هذه الأمور فى غيبته؛ فلما أن حضر من البحيرة، وطلع إلى القلعة، قيّده الأمير صرغتمش، وسجنه فى البرج بالقلعة؛ فأقام فى البرج أياما، هو وأخوه، ثم إنّ بعض الأمراء شفع فيهما، فأخرجهما السلطان من البرج؛ ثم أخلع على الأمير
стр. 563
طاز، وقرّره فى نيابة حلب، ورسم له بأن يخرج إليها من يومه، فخرج من غير طلب ولا برك، وسافر على جرائد الخيل، فخرج هو وأخوه، وتوجّها إلى حلب.
وفى شهر صفر، من سنة خمس وخمسين وسبعمائة، كانت وفاة الإمام العالم العلاّمة، شيخ الإسلام قطب الدين أبو بكر ابن شيخ الإسلام قاضى القضاة تقىّ الدين ابن دقيق العيد، رحمة الله عليهما، وكانا من أعيان علماء الشافعية.
وفيها، فى ربيع الآخر، توفّى الصاحب موفّق الدين هبة الله بن سعد الدولة؛ فلما توفّى أخلع السلطان على الصاحب تاج الدين بن ريشة وقرّره فى الوزارة، عوضا عن الصاحب موفّق الدين.
وفى هذه السنة، ابتدأ الأمير صرغتمش، رأس نوبة النوب، ببناء مدرسته، التى أنشأها بجوار جامع أحمد بن طولون، وانتهى العمل منها فى سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وقد تناهى فى زخرفها، ورخامها، وسقوفها؛ وفيها يقول الشيخ شمس الدين ابن الصايغ الحنفى، وأجاد بقوله:
ليهنيك يا صرغتمش ما بنيته … لقد فزت فى دنياك من حسن بنيان
بها يزدهى الترخيم كالزهر بهجة … فلله من زهر ولله من بان
وفى هذه السنة، أعنى عن سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فيها فاض النيل فى الزيادة، حتى بلغ عشرين أصبعا من إحدى وعشرين ذراعا، حتى غرق كوم الريش بجميع أراضيه، وغرق أطراف أماكن الحسينة، وغرقت شبرا، والمنية، وهى منية السيرج، وغرقت بساتين المطرية جميعها، وبساتين جزيرة الفيل، وانقطعت الطرقات من سائر جهات الشطوط، وغرقت أراضى الروضة جميعها، وغير ذلك من الأراضى.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة
فيها، فى جمادى الأولى، توفّى قاضى القضاة المالكى عبد النصير السنجارى؛ فلما توفّى أخلع السلطان على الشيخ تقىّ الدين محمد بن أحمد بن عبّاس، وقرّره فى قضاء المالكية، عوضا عن عبد النصير السنجارى، بحكم وفاته.
стр. 564
وفيها، فى رابع جمادى الآخرة، فيه توفّى الإمام العالم العلاّمة تقىّ الدين السبكى أبو الحسن على بن عبد الكافى بن على بن تمام الأنصارى، ولد بسبك الثلاث، فى صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة (١)، وتوفّى بجزيرة الفيل، على شاطئ بحر النيل، يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة من هذه السنة.
وقيل بلغت عدّة مصنّفاته نحو ستين تأليفا، فى علوم جليلة، يحقّ لها أن تكتب بماء الذهب، لا بالحبر المداد، لما فيها من النفائس البديعية، والدرر النفيسية؛ وكان شافعى المذهب، رحمة الله عليه.
وكان تولى قضاء الشافعية بدمشق فى مبتدأ أمره، وكان عنده شدّة بأس زائدة، حتى هجاه إبراهيم المعمار، وكان بينه وبينه وحشة، فقال فيه هذه المداعبة، وهو قوله:
مصر للسبكى قالت … سر فلا عدت إليّا
عذت (٢) بالرحمن منك … إن كنت تقيّا
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: لما كنت بدمشق، بلغنى وفاة الشيخ تقىّ الدين السبكى، فرثيته وأنا بدمشق بهذه المرثية، وأرسلتها إلى ولده من دمشق إلى الديار المصرية، وهذه هى القصيدة:
نعاه للفضل والعلياء والنّسب … ناعية الأرض والأفلاك والشهب
ندب شرعنا وجوب الندب حين مضى … فأى حزن وقلب فيه لم يجب
قد أقبلت نوب الأيام ثائرة … إذ كان عونا على الأيام والنوب
ففجعتنا يد التفريق مسفرة عن سفرة … طال فيها شجو مرتقب
وجاء من مصر عنه مبتدا خبر … لكن به السمع منصوب على النصب
وكلّمتنا سيوف الكتب قائلة … ما السيف أصدق أنباء من الكتب
وقال موت فتى الأنصار مغتبطا … الله أكبر كل الحسن فى العرب
لهفى وقد لبست حزنا لفرقته … حدادها أسطر الأشعار والخطب
стр. 565
كأن أيدى الورى تبّت أسى فغدت … من عىّ أقلامها حمّالة الحطب
آها لمرتحل عنّا وأنعمه … مثل الحقائب والطلاب والحقب
يا ثاويا والثنا والحمد ينشره … بقيت أنت وأفنتنا يد الكرب
ثم فى مقام نعيم غير منقطع … ونحن فى نار حزن غير ملتهب
ما أعجب الحال لى قلب بمصر وفى … دمشق جسم ودمع العين فى حلب
من لى بمصر التى ضمّتك تجمعنا … ولو بطون الثرى فيها فيا طربى
بالرغم منا رثاء بعد مدحك لا … تسلى ونحن مع الأيام فى لجب
ما بين أكبادنا والهمّ فاصلة … كلاّ ولا لصنيع الشّعر من سبب
أما القريض فلولا نسلكم كسدت … أسراقه وغدت مقطوعة الجلب
قاضى القضاة عزاء من إمام تقىّ … بالفضل أوصى وصاة المرء بالعقب
ما غاب عنّا سوى شخص لوالدكم … وعلمه والتّقى والجود لم يغب
فخفّف الحزن إنّا لا حقون بمن … مضى فأمضى سناه الحادث الدرب
إن لم يسر نحونا سرنا إليه على … أيامنا والليالى الدّهم والشهب
إنّا من الترب أشباح مخلّقة … فلا عجب مال الترب للترب
انتهى ذلك.
وفيها، فى جمادى الآخرة، توفّى الشيخ محيى الدين محمد بن جعفر الإسنوى، وكان إماما عالما فاضلا، من أعيان علماء الشافعية.
وتوفّى الشيخ شهاب الدين أحمد، النحوى، المعروف بالسمين. - وتوفّى الشيخ جمال الدين بن هشام، النحوى أيضا.
وتوفى الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن الفرات، الموقّع، وكان له خطّ، وعبارة جيّدة.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمائة
فيها، ابتدأ الأتابكى شيخوا العمرى، بعمارة جامعه، والخانقاة، التى بالصليبة؛ وأنشأ بالصليبة أيضا تلك (١) الحمّامين، والرّبوع والحوانيت، وأوقفهم على الجامع،