ثلاث مرار (١)، فكانت مدّة الخلع، دون الولاية، نحو أربع سنين وأيام.
ولما مات خلف من الأولاد أحد عشر ولدا ذكرا دون البنات، فأما الذى من أولاده تولّى السلطنة، وهم: سيدى أبو بكر الذى تولّى بعده، وسيدى أحمد الذى كان بالكرك، وسيدى كجك، وسيدى شعبان، وسيدى إسمعيل، وسيدى حاجى، وسيدى حسن، وسيدى صالح، فهؤلاء (٢) الثمانية تولّوا السلطنة بعده، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه.
وأما الذى لم يل (٣) السلطنة من أولاده، وهم: سيدى رمضان، وسيدى حسين، وسيدى يوسف؛ وأما الذى توفّى فى أيام حياته من أولاده، وهم: سيدى إبراهيم، وسيدى محمد، وسيدى أنوك، وسيدى على، فهذا مجموع ما جاءه من الأولاد الذكور دون الإناث.
وأما فتوحاته التى (٤) فتحت فى أيامه، وهى: مدينة آمد، وملطية، وقلعة إياس، ودارندة، وبهسنا، والمرعش، وتلّ حمدون، وقلعة النقير، وقلعة نجيمة، والهارونية، وكاورا، واسفندكار، وغير ذلك من الفتوحات.
وجرّد فى أيامه إلى البلاد الشامية والحلبية، عدّة تجاريد، وحجّ فى أيامه ثلاث حجّات، وزار القدس والخليل، ﵇، ثلاث مرار.
قلت: والناصر محمد بن قلاون هو أول من اتّخذ التذكير يوم الجمعة على المآذن (٥) لتستعدّ الناس للصلاة، وذلك فى سنة سبعمائة، واستمرّ ذلك إلى الآن.
وأما من تولّى نيابة السلطنة فى أيامه، وهم: الأمير كتبغا الذى تسلطن، والأمير سلار، والأمير بكتمر الجوكندار، والأمير بيبرس الدوادار المنصورى، والأمير أرغون الناصرى مملوكه.
стр. 492
وأما قضاته الشافعية: القاضى نقى الدين بن دقيق العيد، والقاضى بدر الدين بن جماعة المقدسى، والقاضى جمال الدين الزرعى، والقاضى جلال الدين القزوينى، والقاضى عزّ الدين ابن القاضى بدر الدين بن جماعة؛ وأما قضاته الحنفية والمالكية والحنابلة، فقد تقدّم ذكرهم من مبتدأ دولته.
وأما وزراؤه (١): الأمير سنجر الشجاعى، والصاحب تاج الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنا، والصاحب فخر الدين الخليلى، تولّى الوزارة فى أيامه مرتين، والأمير سنقر الأعسر، والأمير أيبك البغدادى، والصاحب شمس الدين محمد بن الشيخى، والأمير أيبك الأشقر، وهو أول من تلقّب بمدبّر المملكة، ثم تولّى الصاحب بن عطا، ثم تولّى الصاحب ضياء الدين النشاى، والصاحب بدر الدين محمد ابن التركمانى، والصاحب أمين الدين بن الغنام، تولّى الوزارة فى أيامه ثلاث مرار، وتولّى الناصرى محمد ابن الأمير بكتمر الحاجب، والأمير مغلطاى الجمالى.
وأما كتّاب سرّه: القاضى شرف الدين بن فضل الله، والقاضى علاء الدين بن الأثير، والقاضى محمود أبو الثناء، والقاضى محيى الدين بن فضل الله، وولده القاضى علاء الدين ابن فضل الله.
وأما نظّار جيوشه: القاضى بهاء الدين بن الحلى، وأظنّه صاحب الغيط المعروف به، والقاضى الفخر، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، تولّى فى أيامه مرتين، والقاضى قطب الدين ابن شيخ المدرسة السلامية، والقاضى شمس الدين بن التاج، والقاضى مكين الدين بن قروينة، وهو صاحب الغيط المعروف به، والقاضى جمال الدين جمال الكفاة.
وأما نظّار الخاص: القاضى كريم الدين بن السديد، وهو أول من تلقّب بناظر الخاص، وهى وظيفة محدثة ليس لها أصل فى أيام الخلفاء، وتولّى بعده القاضى تاج الدين ابن عبد الوهاب، وتولّى شخص يسمّى النشو، ثم تولّى من بعده صهره، وهو الذى هجاه المعمار، كما تقدّم.
стр. 493
وأما دوادارياته: الأمير عزّ الدين أيدمر الناصرى، والأمير أرغون الناصرى، والأمير رسلان، والأمير آلجاى الناصرى، والأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد، والأمير بغا، والأمير طاجار الناصرى.
وأما ما أنشأه فى أيامه من البناء، وهو: القصر الكبير الأبلق الذى بالقلعة، والقصران (١) اللذان يليانه، وعمر الإيوان الكبير، وعقد فوقه القبّة العظيمة، وعمر الدهيشة المطلّة على الحوش السلطانى، وقيل إنما أكمل عمارتها ابنه الملك الصالح، وعمر الجامع الذى بالقلعة، والجامع الجديد المطلّ على بحر النيل عند موردة الحلفا، وعمر خانقاة سرياقوس، وعمر الحوش الكبير الذى بالقلعة، وعمر دور الحرم كلها، وعمر المجراة المتّصلة بالقلعة، وأجرى (٢) إليها الماء من بحر النيل، وعمر سور الميدان الذى تحت القلعة، وعمر الميدان الكبير الذى عند البركة الناصرية، وأنشأ به القصر الكبير، وغرس حوله الأشجار.
وحفر الخليج الناصرى، وأجرى إليه الماء من عند موردة الجبس، وحفر البركة الناصرية، وأجرى إليها الماء، وعمر ميدان المهارة الذى عند قناطر السباع، وأنشأ على الخليج الناصرى عدّة قناطر، وعمر قناطر أمّ دينار، وقناطر شيبين، وقناطر أبو صير، وقناطر اللبينى (٣)، وعمر الجسر الذى بشبرامنت، وعمر جسرا بالفيوم.
وجدّد عمارة الجامع الذى يسمّى بالرصد، وجدّد عمارة جامع راشدة، وجدّد عمارة مشهد السيدة نفيسة، ﵂، ووضع به المحراب الذى حرّره على الصحّة، وجدّد عمارة قبّة الإمام الشافعى، ﵁، وعمر زاوية الشيخ رجب التى تحت القلعة، وعمر الاصطبل السلطانى، وجدّد عمارة الطبلخاناة السلطانية، وعمر زربية بثغر دمياط، وله غير ذلك من الإنشاء أشياء كثيرة بمصر والشام، وأجرى عين بازان التى بمكة، وصنع للبيت الشريف بابا مصفّحا بالفضّة، وهو الموجود على الكعبة الشريفة إلى الآن.
стр. 494
وأما ما أبطله فى أيامه من وجوه الظلم، وهو: ضمان الغانى، وكان عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات، وذلك لو خرجت أجلّ امرأة من نساء القاهرة تقصد البغاء، ونزّلت اسمها عند امرأة تسمّى الضامنة، وأقامت بما يلزمها من القدر الذى يتعيّن عليها، لما قدر أكبر من فى الحكام يمنعها عن البغاء، وعمل الفاحشة، وكان يحصل من ذلك لنساء أعيان مصر، وبناتهم، غاية الفساد من ذلك، فأبطل هذه الفاحشة العظيمة من مصر، وكان يتحصّل من هذه الجهة جملة مال.
وأبطل أيضا ما كان يؤخذ ممن يبيع ملكا له، عن كل ألف درهم عشرين درهما، فأبطل ذلك جميعه، وكان يتحصّل من هذه الجهة أيضا جملة مال؛ وأبطل من هذا النمط أشياء كثيرة كانت بمصر من وجوه المظالم، وصارت فى صحيفته إلى الآن.
قال بعض المؤرّخين: لم يل (١) من أبناء الملوك قاطبة ملك مصر أعظم من الملك الناصر محمد، وهذا متّفق عليه كل مؤرّخ.
ولما مات الملك الناصر محمد، تولّى بعده ابنه أبو بكر، انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت.
ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين وهو أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول من تولّى الملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بعهد منه، وكان فى أولاده من هو أكبر منه، ولكن الملك الناصر اختار سلطنته من بعده دون أولاده، وقدّمه عليهم، فتولّى الملك وله من العمر نحو عشرين سنة.
فلبس شعار الملك من دور الحرم، وركب من باب الستارة، والأمراء مشاة
стр. 495
بين يديه، حتى دخل القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك المنصور، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر، وذلك فى يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
فلما تم أمره فى السلطنة، عمل الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طقز دمر، صاحب القنطرة التى عند مدرسة قراقجا الحسنى، واستقرّ به نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على الأمير قوصون، صاحب الجامع، واستقرّ به أتابك العساكر بمصر؛ وأخلع على الأمير طشتمر المعروف بحمص أخضر، واستقرّ به نائب حلب؛ وأخلع على الأمير طاجار، وأقرّه دوادارا كبيرا على عادته.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة
فيها عمل السلطان الموكب، وأخلع على الخليفة الإمام أحمد بن المستكفى بالله سليمان، وهو صاحب العهد المقدّم ذكره، الذى توقّف الملك الناصر فى ولايته، فتعصّبت له الأمراء، فعزلوا إبراهيم الذى كانت العوام تسمّيه المستعطى بأمر الله، وولّوا الخليفة أحمد بن المستكفى بالله، وتلقّب بالحاكم بأمر الله، مثل لقب جدّه الإمام أحمد، فوافقه فى الاسم واللقب، فكان رابع خليفة من بنى العبّاس بمصر.
وفيها عزل السلطان القاضى علاء الدين بن فضل الله عن كتابة السرّ؛ وولّى القاضى شهاب الدين بن فضل الله أخا القاضى علاء الدين، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وهو صاحب كتاب «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، وله كتاب فى صنعة الإنشاء، وهو قوله:
يا طالب الإنشاء خذ علمه … عنّى فعلمى غير منكور
ولا تقف فى باب غيرى فما … تدخله إلا بدستورى
وكان مولد القاضى شهاب الدين هذا فى شوّال سنة سبعمائة، وكان من أعيان شعراء مصر، وكان من أذكياء العالم، ومن نظمه الرقيق قوله:
стр. 496
أنا مع التمكين فى قدرتى … ليس يشكّ الناس فى عفّتى
يثنى على صدق لسانى الورى … فى حال أثقالى وفى خفّتى
كم من يد ممتدّة فى الغنى … صارت بما تحويه فى كفّتى
ومن تغزّلاته:
جاءوا بأنواع من الطيب لنا … تحملها معشوقة ممشوقة
قلت خذوا الطيب لكم جميعه … بشرط ألا تأخذوا المعشوقة
ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ العسكر صار فريقين، فرقة مع الأتابكى قوصون، وفرقة مع الأمير طاجار الدوادار؛ ثم إنّ الأمير طاجار حسّن للسلطان أن يقبض على الأتابكى قوصون وهو فى الخدمة بالقصر الكبير، فأسرّ السلطان ذلك إلى بعض الخاصكية، وكان من طبعه الرهج والخفّة، فتوجّه الخاصكى إلى عند الأتابكى قوصون، وذكر له ما قد عوّل عليه السلطان من القبض عليه، فأخذ حذره منه، فكان حال السلطان كما قيل فى المعنى:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء من سرّ نفسه … فصدر الذى يستودع السرّ أضيق
فلما تحقّق الأتابكى قوصون ذلك، اجتمع بالأمير أيدغمش، أمير آخور كبير، وجماعة من الأمراء، وذكر لهم ما عوّل السلطان عليه، فاتّفقوا الجميع على خلعه.
فلما كان يوم الموكب لم يطلع الأتابكى قوصون إلى القلعة، فاضطربت (١) الأحوال فى ذلك اليوم.
ثم إنّ الأتابكى قوصون طلع القلعة بعد الظهر، وقبض على الملك المنصور، وهو فى دور الحرم، وأرسله إلى قوص، فسجن بها، وأرسل معه أخواة سيدى يوسف وسيدى رمضان، وهما أشقّته؛ وكان خلع الملك المنصور فى أواخر صفر من تلك السنة، فكانت مدّة سلطنته نحو ثلاثة شهور لا غير.
стр. 497
فلما أرسله إلى قوص، شرع فى القبض على جماعة من الأمراء، فقبض على الأمير طاجار الدوادار، والأمير بشتاك الناصرى، وعلى جماعة من الأمراء العشراوات، ثم أرسل الأميرين إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ ثم قبض على جماعة من المماليك السلطانية، فقبض على نحو مائتى مملوك.
قيل، لما وصل الملك المنصور أبو بكر إلى قوص، فسجن بها، وأقام فى السجن أياما؛ ثم إنّ الأتابكى قوصون أرسل إلى متولّى ناحية قوص، بأن يقتل الملك المنصور، وهو فى السجن، فقتله خنقا، ثم قطع رأسه وأرسلها للأتابكى قوصون فى الدسّ، وكتم موته عن الناس، ثم فشا قتله بين الناس؛ وهو أول من قتل من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان ذلك سببا لزوال أمر الأتابكى قوصون، ودماره.
انتهى ما أوردناه من أخبار الملك المنصور أبى بكر، وذلك على سبيل الاختصار.
يتلوه «الجزؤ الخامس» فى أخبار الملك الأشرف علاء الدين كجك، ومن ولى من إخوته من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون.
قيل: كان بعض الحكماء يقول لولده: «يا بنى اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وحدّث بأحسن ما تحفظ»، وقد قال القائل:
إذا رمت جمعا فاجتهد أن تجيده … لعلك يوما أن تفوز بأغربه
فإن كان درّا ألبسوك جماله … وإن كان صخرا حقّ أن يرجموك به
وكان الفراغ من هذه النسخة المباركة، على يد كاتبها ومؤلّفها، فقير رحمة ربّه محمد بن أحمد بن إيّاس الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى؛ وذلك يوم الأحد ثانى عشر شهر الله المحرّم الحرام، افتتاح عام سنة إحدى وتسعمائة من الهجرة النبوية العربية.
وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم، ورضى الله عن كل الصحابة أجمعين، والتابعين لهم، بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم، انتهى ذلك.
стр. 498
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
وهو حسبى ونعم الوكيل
وقد قلت فى معناه:
أقول لمن طالعه: دع عن ملاله … وأفرغ له قلبا، وأوسع له صدرا
فتأليفنا كالضيف، والضيف حقّه … بأن يتلقىّ بالقبول، وأن يقرا (٢)
[وقد قلت:
فى التواريخ قد وضعت كتابا … مخبرا عن ملوكنا والحواشى
ثم رققت فى حواشيه معنى (٣) … ولهذا أضحى رقيق الحواشى] (٤)
ذكر سلطنة الملك الأشرف علاء الدين كجك ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بمصر؛ وهو الثانى من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، ممن ولى السلطنة من بعده بالديار المصرية.
بويع بالسلطنة بعد قتل أخيه الملك المنصور أبى بكر، تولّى الملك وله من العمر نحو سبع سنين، فتصرّف فى الأحكام صغيرا، وأوتى، على صغر سنّه، ملكا كبيرا.
стр. 499
وكان سبب تسميته بكجك، فهو لفظ أعجمىّ، معناه بالعربى «صغيّر» (١)؛ فكأن والده لحظ فيه، حال التسمية، أنّه سيلى بعده الملك وهو صغيّر، فسمّاه كحك؛ والملوك لهم فراسة فى الأمور قبل وقوعها.
وكان جلوسه على سرير الملك، يوم الاثنين حادى عشرين صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة؛ فلبس شعار الملك، وركب من باب الستارة، والأمراء بالشاش والقماش، وهم مشاة بين يديه، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له فى ذلك اليوم البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وأخلع على المقرّ السيفى قوصون، وقرّره نائب السلطنة بمصر، وأتابك العساكر، فتضاعفت حرمته، وتزايدت عظمته، فكان كما يقال فى المعنى:
إذا تمّ أمر بدا نقصه … توقّ زوالا إذا قيل تمّ
ثم إنّ قوصون سكن بدار النيابة، التى بالقلعة، وتصرّف فى أمور المملكة بما يختار، فبدا له أن يقبض على الأمير طقز دمر، نائب السلطنة، وهو صاحب القنطرة التى عند درب الشمسى، فلما قبض عليه، نفاه إلى ثغر دمياط؛ ثم قبض على جماعة من الأمراء من بعد ذلك، ونفاهم إلى ثغر الإسكندرية.
وأخلع على جماعة من الأمراء غير هؤلاء، ممن كانوا من عصبته، وقرّرهم فى وظائف سنيّة؛ وفرّق الإقطاعات على من كان من حلفه من الجند؛ وعزل من عزل، وولّى من ولّى، وظنّ أنّ الدهر قد صفا له، «وعند صفو الليالى يحدث الكدر».
فكان إذا حضرت العلامة، يأخذ الأمير قوصون القلم بيده مع يد الأشرف كجك، ويريه كيف يكتب على المراسيم، والمناشير، والمربعات؛ وكان الأشرف كجك مع قوصون، كالعصفور فى يدى النسور، فاضطربت أحوال الديار المصرية فى تلك الأيام، وتعطّلت أحوال البلاد الشامية، وضاعت مصالح الرعيّة.
стр. 500
وجاءت الأخبار بعصيان النوّاب، ووقع الخلف بين الأمراء بالديار المصرية، وصار الأمر فى تزايد، حتى قال فى ذلك بعض الشعراء:
سلطاننا اليوم طفل والأكابر فى … خلف وبينهم الشيطان قد نزغا
فكيف يطمع من مسّته مظلمة … أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا
ثم إنّ الأتابكى قوصون صار يمسك فى كلّ يوم جماعة من المماليك السلطانية؛ ثم إنّه أرسل بالقبض على ألطنبغا الماردينى، نائب الشام، وهو صاحب الجامع الذى فى البرادعيّين؛ وأرسل بالقبض على طشتمر حمّص أخضر، نائب حلب.
فلما بلغ النوّاب، أنّ قوصون قد أرسل بالقبض عليهم، توجّه طشتمر، نائب حلب، إلى الكرك، وأخذ الأمير أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، الذى كان بقلعة الكرك.
وقد تقدّم القول أنّ الملك الناصر، لما ولد له ابنه الأمير أحمد هذا، أرسله (١) إلى الكرك، فأقام بقلعتها، وذلك فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة؛ فلما أرسل قوصون بالقبض على طشتمر، نائب حلب، أخرج الأمير أحمد من قلعة الكرك، فتسامعت به النوّاب، فحضر إليه قطلوبغا الفخرى، نائب طرابلس، وحضر نائب حماة، ونائب صفد.
ثم إنّ جماعة من عربان جبل نابلس التفّوا عليهم، فقوى عزمهم على قتال نائب الشام، لأنّه كان من عصبة قوصون؛ فلما تحقّق نائب الشام ذلك، أرسل يطلب الأمان من النوّاب، الذين (٢) خامروا على قوصون، وأنّه يكون معهم، حيث توجّهوا، فأرسل إليه بالأمان طشتمر، نائب حلب، وبقيّة النوّاب، فلما أرسلوا إليه بالأمان، حضر إلى عندهم؛ فلما تكاملت النوّاب، قصدوا التوجّه إلى الديار المصرية.
فلما بلغ ذلك إلى الأتابكى قوصون، أراد أن يقبض على الأمير أيدغمش، أمير آخور كبير؛ فلما بلغ الأمير أيدغمش ذلك، ركب هو والأمير آقسنقر، الذى أنشأ الجامع
стр. 501
بالتبّانة؛ وركب الأمير يلبغا اليحياوى، وجماعة من الأمراء، وطلعوا إلى الرملة، واحتاطوا بالقلعة.
ثم إنّ الأمير أيدغمش نادى للعوام، بأن ينهبوا بيت الأتابكى قوصون، الذى فى حدرة (١) البقر، فنهبوه فى ذلك اليوم، وأخذوا كل ما فيه من قماش، وخيول، وبغال، وسلاح، حتى أخذوا رخام القصر الذى به، وأبوابه، حتى أخذوا ما فى حواصله من البرك، والخيام؛ وأخذوا ما كان بالحواصل من الصينى، والنحاس، وغير ذلك، حتى أخذوا ما كان بها من السكّر، والمخّللات، والأشياء الفاخرة الملوكية.
واستمرّ النهب عمّال (٢) فى بيت الأتابكى قوصون، ذلك اليوم، وأحرقوا بابه، وقوصون فى القصر الكبير، ينظر إليهم من شبّاك القصر؛ فقال قوصون لمن جوله من الأمراء: «يا مسلمين، ما تحفظوا هذا المال، الذى ينهبوه (٣) العوام، أما يكون لكم، أو للسلطان»؛ فقال له بعض الأمراء: «إنّ الذى معك من الأموال، والتحف، يكفى السلطان، وهذا شكر انه تكون من عندك للعوام».
ثم إنّ الأمير أيدغمش نادى للعسكر، أنّ كل من لا يكون عنده فرس (٤)، يطلع إلى الاصطبل السلطانى، ويأخذ له فرس (٤)؛ فطلع العسكر قاطبة إلى الاصطبل السلطانى، ففرّق فى ذلك اليوم على جماعة من أعيان الخاصكية، نحو ثلثماية فرس؛ فلما تحقّق قوصون أنّ الركبة عليه، قعد بالقلعة، وحصّنها.
ثم إنّ العسكر وقف بالرملة، وصار كل من لاح لهم من مماليك قوصون، أو من حاشيته، [يقبضوا عليه، ويقتلوه] (٥) أشرّ قتلة؛ وكذلك من يمرّ بهم فى الأزقّة والطرقات.
стр. 502
واستمرّ الحال على ذلك، من باكر النهار إلى بعد العصر، فأرسل الأتابكى قوصون يطلب من الأمراء الأمان على نفسه من القتل، فطلع إليه الأمير أيدغمش، وقبض عليه، وقيّده، وسجنه بالزردخاناة.
فلما أشيع بالقبض عليه، تسامعت العوام بذلك، فتوجّهوا إلى خانقته، التى هى خارج باب القرافة، ونهبوا كل ما بها من البسط، والقناديل، وغير ذلك؛ ثم توجّهوا إلى جامعه، الذى بالقرب من زقاق حلب، ونهبوا ما فيه أيضا.
ثم فى تلك الليلة، نزلوا بالأتابكى قوصون من القلعة، وهو مقيّد، وتوجّهوا به إلى ثغر الإسكندرية، فسجن بها؛ وكان قد ثقل أمره على أهل مصر، وجار عليهم بالظلم، ففرح كل أحد من الناس بزواله.
ومن النكت اللطيفة، أنّ أهل مصر صوّروا هيئة الأتابكى قوصون، فى العلاليق، وهو مسمّر على جمل، وعلّقوه على دكان فى باب زويلة؛ وفى هذه الواقعة يقول المعمار:
شخص قوصون رأينا … فى العلاليق مسمّر
فعجبنا منه لما … جاء فى التسمير سكّر
فلما نفى قوصون إلى ثغر الإسكندرية، خلع الأشرف كجك من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم؛ وصار العسكر فى كل يوم، ينتظرون قدوم الأمير أحمد من الكرك، فخطب باسمه على منابر مصر، قبل حضوره إلى مصر، ولقّبوه بالملك الناصر، على لقب والده محمد بن قلاون.
فكانت مدّة سلطنة الأشرف كجك بالديار المصرية، إلى أن خلع من السلطنة، خمسة أشهر وأيام؛ وأقام فى دور الحرم فى الاعتقال إلى أن مات فى دولة أخيه الملك الكامل شعبان، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.
انتهى ما أوردناه من الأخبار، من دولة الملك الأشرف كجك، وذلك على سبيل الاختصار؛ ولم يتسلطن من أولاد الناصر محمد بن قلاون، أصغر من كجك هذا.
стр. 503
ذكر سلطنة الملك الناصر أحمد ابن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون
وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثالث ممن ولى السلطنة بمصر، من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون؛ أتى من الكرك، ودخل الديار المصرية، يوم الاثنين عاشر شوّال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
فلما طلع إلى القلعة، حضر الخليفة الحاكم بأمر الله، وحضر القضاة الأربعة، وبايعوه بالسلطنة فى ذلك اليوم؛ وجلس على سرير الملك، وكان أكبر إخوته سنّا؛ فباس له سائر الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، وظنّوا أنّه الليث الغالب، والشهاب الثاقب، فخابت فيه الظنون، وقيل: معلّم مجنون.
فلما تمّ فى السلطنة أمره، وكتب عهده، قبض على سبعة من الأمراء، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ ثم بعد أيام أمر بقتلهم أجمعين، فهذا كان أول أفعاله الشنيعة.
ثم أخلع على الأمير طشتمر حمّص أخضر، وقرّره فى نيابة السلطنة بمصر، عوضا [عن] (١) قوصون؛ وأخلع على الأمير قطلوبغا الفخرى، وقرّره نائب الشام، عوضا عن الأمير ألطنبغا الماردينى؛ وأخلع على الأمير أيدغمش، أمير آخور كبير، وقرّره فى نيابة حلب، عوضا عن طشتمر حمّص أخضر؛ وعزل من عزل، وولّى من ولّى، واستمرّ على ذلك ثلاثة وثلاثين يوما.
ثم بدا له أن يقبض على الأمير طشتمر حمّص أخضر، الذى قرّره نائب السلطنة بمصر، فقبض عليه، وقيّده، وسجنه بالبرج فى القلعة.
ولما خرج الأمير قطلوبغا الفخرى، إلى محل ولايته بالشام، أرسل قبض عليه فى أثناء الطريق، وقيّده.
стр. 504
وهذا الذى فعله، لم يقع فيه من [فى] (١) عقله خلل، وهذان الأميران كانا سببا لسلطنته، كما تقدّم القول على ذلك، فلما أن وقع منه هذه الأفعال الشنيعة، والأمور الوضيعة، نفرت عنه قلوب الرعيّة، وأضمروا له كل الأذيّة.
واستمرّ على ذلك إلى سلخ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فأظهر أنّه يريد السفر إلى نحو البلاد الشامية، فخرج من القاهرة، وصحبته جماعة من الأمراء، والعسكر، ولا يعلم أحد إلى أين يتوجّه؛ وأخذ من خزائن بيت المال الأموال الجزيلة، والتحف الفاخرة، فعيّد عيد النحر فى خانقة سرياقوس؛ وأخذ صحبته الأمير طشتمر حمّص أخضر، وهو مقيّد فى شقدف.
فلما رحل من خانقة سرياقوس، عرج إلى نحو الكرك، التى (٢) هى محطّ رحاله، وبغية آماله؛ واسترجع الأمير قطلوبغا الفخرى، الذى كان ولاّه نيابة الشام، فأخذه صحبته إلى الكرك؛ فلما وصل إلى قلعة الكرك، اعتقل بها الأمير طشتمر حمّص أخضر، والأمير قطلوبغا الفخرى.
ثم أذن لجماعة من الأمراء، والعسكر، بالرجوع إلى مصر؛ واختار الإقامة بالكرك، وكان عوّل على ذلك وهو بمصر، ولم يعلم أحد من الناس ما فى ضميره.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة
فيها فى خامس المحرّم، رجع جماعة من الأمراء، والعسكر، ممن كان صحبة السلطان، وأخبروا أنّ السلطان اختار الإقامة بالكرك، كما كان أولا؛ فلما بلغ الأمراء ذلك، ركبوا، واجتمعوا بسوق الخيل، وضربوا مشورة فى أمر من يلى السلطنة.
ثم إنّ الأمراء اقتضى (٣) رأيهم، بأن يكاتبوا السلطان فى أمر عوده إلى الملك؛ فإنّ الأحوال قد فسدت؛ واضطربت أحوال الديار المصرية، لغيبة السلطان، وضاعت حقوق المسلمين.
стр. 505
ثم إنّهم أرسلوا هذه المكاتبة على يد خاصكى، يقال له طقتمر الصلاحى؛ فلما وصل إلى السلطان بالكرك، وقرأ ما فى المطالعة، كتب للأمراء الجواب عن ذلك، وهو يقول: «إنّ الشتاء قد دخل، وإنّى قد اخترت الإقامة بالكرك، إلى أن يمضى الشتاء، وبعد ذلك إن أراد الله تعالى، عدت إلى مصر»؛ فلما عاد طقتمر الصلاحى بهذا الجواب، شقّ ذلك على الأمراء.
ثم [إنّ] (١) طقتمر، لما حضر، أخبر بأنّ السلطان لما أقام بالكرك، وسّط الأمير طشتمر حمّص أخضر، والأمير قطلوبغا الفخرى، بين يديه فى ميدان قلعة الكرك، بحضرة طقتمر الصلاحى؛ وهذا الأمر لا يقع إلا من المجانين، الذين (٢) ليس فى رءوسهم عقول.
فلما سمع الأمراء ذلك، انقلبوا عليه قاطبة، وتغيّرت خواطرهم عليه بسبب ذلك، واتّفقوا على خلعه من السلطنة، فكان كما قيل فى المعنى:
ما تفعل الأعداء فى جاهل … ما يفعل الجاهل فى نفسه
ولما أشيع قتل الأمير طشتمر حمّص أخضر، فرح به كل أحد من الناس، فإنّه كان ظلوما عسوفا، سيئ الخلق، صلبا فى الأمور، جائرا على أهل مصر فى أفعاله، حتى قال فيه إبراهيم المعمار:
أوردت نفسك ذلاّ … ورد النفوس المهانة
وبالرشا حزت مالا … ملأت منه الخزانة
وكم عليك قلوب … يا حمّص أخضر ملائة
وقوله فيه أيضا:
جننت بالملك لما … أتاك بالبسط ما جن
وقد أمنت الليالى … يا حمّص أخضر وداجن
стр. 506
وفيه يقول بعض الشعراء:
لما رجعت إلينا … من بعد ذا البعد والبين
خلناك تحنو (١) علينا … يا حمّص اخضر بقلبين
وقال آخر من الشعراء:
طوى الرّدى (٢) طشتمرا بعد ما … بالغ فى دفع الأذى واحترس
عهدى به كان شديد القوى … أشجع من يركب ظهر الفرس
ألم تقولوا حمّصا أخضرا … تعجبوا بالله كيف اندرس
ثم إنّ الأمراء طنعوا إلى القلعة، واجتمعوا فى الإيوان الكبير، وضربوا مشورة فيمن يولّوه (٣) السلطنة؛ فوقع الاتّفاق منهم على سلطنة سيدى إسمعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاون.
فحضر الخليفة، والقضاة الأربعة، وخلعوا الملك الناصر أحمد من السلطنة، بموجب إقامته فى الكرك؛ فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، شهرين واثنى عشر يوما؛ فلم تكن إلا كسنة من النوم، أو يوم أو بعض يوم؛ واستمرّ مقيما فى الكرك إلى أن قتل، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الناصر أحمد بن محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك الصالح أبو الفدا عماد الدين إسمعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهو السادس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الرابع ممن ولى السلطنة من أولاد الناصر محمد بن قلاون.
стр. 507
بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد، لما أن عاد إلى الكرك، وذلك يوم الخميس ثانى عشر شهر الله المحرّم الحرام سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
فلبس شعار الملك من باب الستارة، وركب فرس النوبة، ومشت الأمراء بين يديه، بالشماش؟؟؟ والقماش، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء:
فقرّر الأمير آقسنقر السلارى، فى نيابة السلطنة، عوضا عن الأمير طشتمر حمّص أخضر، بحكم قتله بالكرك؛ وأخلع على الأمير أيدغمش واستقرّ به نائب الشام
ثم أمر بالقبض على الأمير ألطنبغا الماردينى، وهو صاحب الجامع، الذى فى البرادعييّن، فلما قبض عليه قيّده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وعزل من عزل، وولّى من ولّى، وأظهر العدل فى الرعيّة، ونظر إلى القوىّ والضعيف بالسويّة، وبسط فيهم العدل، وأثنى كل أحد من الناس عليه بالفضل؛ واستمرّ على ذلك، وسلك طريقة أبيه على أحسن المسالك، فأحبّته الرعيّة، وسار فيهم سيرة مرضيّة.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، تغيّر خاطر السلطان على الأمير آقسنقر، فقبض عليه، وقيّده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، لأمر أوجب ذلك.
ثم أخلع على الأمير الحاج آل ملك، وهو صاحب الجامع، الذى بالحسينية (١)، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن آقسنقر السلارى؛ فلما ولى آل ملك نيابة السلطنة، أظهر العدل فى الرعيّة، وكانت له بمصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وعظمة زائدة، حتى قال فيه بعض الشعراء:
آل ملك الحاج غدا سعده … يملأ ظهر الأرض مما سلك
فالأمراء من دونه سوقة … والملك الصالح هو آل ملك
стр. 508
فلما ولى نيابة السلطنة، أمر بهدم خزانة البنود، التى كانت سجنا يحبس فيها أصحاب الجرائم، قبل خزانة شمايل، فلما ظهر أمر خزانة شمايل، بطل أمر خزانة البنود.
وقيل: كانت خزانة البنود بالقرب من رحبة الأيدمرى، وكانت مكان المدرسة السابقية؛ فلما بطل أمرها من السجن، صارت حانة، يجتمع بها أنواع الفسوق، ومن المناحيس، والمقامرين، وكان يحصل منهم غاية الفساد.
فلما ولى الحاج آل ملك نيابة السلطنة، أمر بهدمها، فهدمت؛ ثم أنشأ مكانها مسجدا للعبادة، فلما كمل بناؤه (١)، لم يصلّ (٢) به أحد من الناس، لما تقدّم فى أرضه من سفك الدماء، وكثرة (٣) الرمم التى دفنت بأرضه، فامتنعت الناس من الصلاة فيه، فصار باب هذا المسجد لا يزال مقفولا دائما لا يصلّى فيه أحد من الناس.
فكتب بعض الشعراء هذه الأبيات، عن لسان هذا المسجد، وأرسلها إلى نائب السلطنة الأمير آل ملك، وهو يقول:
أنا مسجد سمّيت بيت عبادة … عارى الملابس ليس فىّ حصير
هجر المؤذّن والمصلّى جانبى … وجفانى التهليل والتكبير
الشمع فى خلل المساجد مشعل … وفناء ربعى مظلم مهجور
ما جاء فى القرآن فى عبارة … واليوم للشيطان فى عبور
هل من يبلغ للأمير رسالتى … فأنا الذى بين المساجد بور
وفى أثناء هذه السنة، أعنى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، فيها كانت وفاة الإمام العالم العلامة، الشيخ شمس الدين محمد الذهبى، المؤرّخ، صاحب التاريخ المسمّى بدول الإسلام؛ وكان من ثقاة المؤرّخين، صحيح النقل عن الأخبار والواردة عنه فى تاريخه، رحمة الله عليه.
وفيها توفّى الشيخ شمس (٤) الدين محمد بن قدامة الحنبلى، وكان من أعيان علماء الحنابلة، انتهى ذلك.
стр. 509
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمائة
فيها فى ثانى عشر صفر، كانت وفاة الإمام العالم العلامة، الشيخ أثير الدين محمد ابن يوسف بن على بن يوسف بن أبى حيان الأندلسى الغرناطى، مولده سنة أربع وخمسين وستمائة، وذلك فى شوّال؛ وكان مالكيّا فى مذهبه، فلما دخل مصر، تقلّد بمذهب الإمام الشافعى، ﵁، فسئل عن ذلك، فقال: «بحسب البلدة».
وأخذ العلم بمصر عن أبى الحسن الآبدى، والشيخ شمس الدين بن الصايغ الحمفى وابن النحاس، وغير ذلك من أعيان العلماء بمصر، وكان بارعا فى العلم، والنحو، والشعر، واشتهر ذكره بمصر، فى حياة شيوخه، وألّف الكتب بالعلوم الجليلة، وفاق على علماء مصر فى عصره؛ وكان ناظما ناثرا، لطيف الذات، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
سال فى الخدّ للحبيب عذار … وهو لا شكّ سائل محروم
وسألت التثامه فتجنّى … فأنا اليوم سائل محروم
ولما توفّى الشيخ أثير الدين أبو حيان، رثاه الصلاح الصفدى بهذه القصيدة، وأجاد:
مات أثير الدين شيخ الورى … فاستعر البارق واستعبرا
ورقّ من حزن نسيم الصبا … واعتلّ فى الأسحار لمّا سرى
وصادحات الأيك فى نوحها … ترثيه فى السجع على منبرا
يا عين جودى بالدموع التى … تروى بها ما ضمّه من ثرى
مات إمام كان فى علمه … يرى إماما والورى من ورا
أمسى ينادى للبلا مفردا … فضمّه القبر على ما ترى
وكان جمع الفضل فى عصره … صحّ فلما أن قضى كسّرا
وعرّف الفضل به برهة … والآن لما أن مضى نكّرا
وكان ممنوعا من الصرف لا … يطرق من وافاه خطب عرا
لا بذل عن نعيه بالتقى … ففعله كان له مصدرا
стр. 510
لا أفعل التفضيل ما بينه … وبين من أعرافه فى الورا
بكى له زيد وعمرو فمن … أمثلة النحو وممن قرا
ما عقد التسهيل من بعده … فكم له من عسرة يسّرا
وجسّر الناس على خوضه … إذ كان فى النحو قد استبحرا
شاركه من ساد فى فنّه … وكم له فنّ به استأثرا
فالنحو قد سار الردى نحوه … والصرف للتصريف قد عيّرا
تفسيره البحر المحيط الذى … يهدى إلى وارده الجوهرا
فوائد من فضله جمّة … عليه فيها يعقد الخنصرا
وكان يثبت نقله حجّة … مثل ضياء الصبح إن أسفرا
له الأسانيد التى قد غلت … فاستسفلت عنها سوامى الدرّا
أفديه من ماض لأمر الردى … مستقبلا من ربه بالقرى
ما مات فى أبيض أكفانه … إلاّ وأضحى سندسا أخضرا
إن مات فالذكر له خالد … يحيى به من قبل أن ينشرا
قد زاده من ربّه رحمة … تورده فى حشره الكوثرا
انتهى ذلك.
وفى هذه السنة، كانت وفاة القاضى ناظر الجيش، وناظر (١) الخاص، وهو إبراهيم ابن عبد الله الشهير بجمال الكفاة، وكان من الأقباط، وكان رئيسا حشما، جمع بين نظارة الجيش، ونظارة الخاص، وهو أول من جمع بين هاتين الوظيفتين من المباشرين.
وفى هذه السنة، أرسل السلطان الملك الصالح تجريدة إلى أخيه الناصر أحمد، وهو بالكرك؛ فلما وصل إليه الأمراء، والعسكر، إلى الكرك، حاصروه بالقلعة أشدّ المحاصرة، فلم يقدروا عليه، وقد تحصّن بقلعة الكرك، فصار الملك الصالح يرسل إليه تجريدة، بعد تجريدة، وهم لا يقدرون عليه، فلم يبق (٢) بمصر أمير (٣) من الأمراء، إلا وقد خرج إليه، وحاصره، وهو لا يقدر عليه.
стр. 511
ثم إنّ الناصر أحمد استمرّ فى المحاصرة، حتى نفد جميع ما كان عنده من المال، والغلال؛ فصار يسبك ما عنده من السروج الذهب، والكنابيش الزركش، ويخلط عليه شيئا من النحاس، ويضربها مثل الدنانير، وينفقها على عسكره، فكان الدينار من ذلك، يساوى خمسة دراهم من الفضّة.
فتغلّب عليه عسكره، الذى كان عنده بقلعة الكرك، وصاروا يتسحّبون من عنده شيئا، فشيئا، وقد كدّهم الجوع، والعطش، والتعب من القتال، وقد (١) أقاموا معه فى المحاصرة بقلعة الكرك، نحو ثلاث سنين، حتى ضجروا من المحاصرة، ليلا ونهارا.
فلما كان يوم الاثنين ثانى عشرين ذى الحجّة من سنة خمس وأربعين وسبعمائة، أرسل الملك الناصر أحمد يطلب الأمان لنفسه، من الأمراء الذين (٢) توجّهوا إليه فى التجريدة، فأرسلوا له بالأمان، فنزل إليهم وفى رقبته منديل؛ فلما نزل إليهم، قيّدوه، وأرسلوا يعلموا (٣) أخاه الملك الصالح بمسكه؛ فلما ورد ذلك الخبر إلى القاهرة، دقّت البشائر بالقلعة، وزيّنت القاهرة.
ثم إنّ السلطان عيّن الأمير منجك اليوسفى، وزير الديار المصرية، بأن يتوجّه إلى الكرك، ويقطع رأس أخيه الناصر أحمد؛ فتوجّه من يومه إلى الكرك، وقطع رأس الناصر أحمد، ووضعها فى علبة، وأحضرها إلى بين يدى الملك الصالح؛ وآخر الطبّ الكىّ، فكان كما يقال فى المعنى مضمّنا للمثل السائر:
حاصرته فنقبت صور لباسه … نقبا له تحت اللباس نفوذ
فأجابنى لما رآنى ظافرا … خذها فكل محاصر مأخوذ
ومما نقله الصلاح الصفدى، فى تاريخه، أنّ الملك الصالح إسمعيل، لما وضعت بين يديه رأس أخيه الناصر أحمد، سجد لله شكرا، وصار يتأمّلها طويلا، ثم أمر بدفنها، فدفنت.
стр. 512
وكان الناصر أحمد أشجع إخوته، وأكبرهم سنّا، وأحسنهم شكلا؛ ولكنه كان سيئ التدبير، الغالب عليه الجهل فى أفعاله، وكان عنده قوّة رأس زائدة؛ ومن سيئاته، أنّه قتل الأمير طشتمر حمّص أخضر، والأمير قطلوبغا الفخرى، ظلما من غير ذنب؛ وله غير ذلك مساوئ كثيرة.
قال الصلاح الصفدى: لما رأى الملك الصالح رأس أخيه أحمد بين يديه، زمع منها، واستمرّ مرجوفا من ذلك إلى أن مات، بعد ذلك بمدّة يسيرة؛ وكان قد عزم على أنّه يحجّ تلك السنة، فمرض، وسلسل فى المرض إلى أن مات، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
وفى هذه السنة، توفّى الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وهو صاحب المدرسة المعروفة به، وكان له سند فى الحديث، وشرح مسند الإمام الشافعى، ﵁، وكان شافعى المذهب؛ وكانت وفاته فى شهر رمضان من تلك السنة.
وفيها توفّى الأمير آقبغا عبد الواحد، وهو صاحب المدرسة الآقبغاوية، التى بجوار الجامع الأزهر؛ ومات وهو فى السجن، وكان أستادار العالية بالديار المصرية.
وفيها أكمل الملك الصالح عمارة الدهيشة، التى بالقلعة، المطلّة على الحوش السلطانى، وكان والده محمد بن قلاون ابتدأ فى عمارتها، ومات ولم يتمّها، فأكملها من بعده ابنه الملك الصالح، وتناهى (١) فى زخرفها، وجلس بها مدّة يسيرة، ومات.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة
فيها مرض الملك الصالح، وثقل فى المرض، واستمرّ ملازم الفراش إلى أن مات؛ فكانت وفاته يوم الخميس (٢) حادى عشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة،
стр. 513
وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، ثلاث سنين وشهر ونصف.
وكان خيار أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، رحمة الله عليه؛ وله برّ ومعروف، وإيثار، فمن ذلك أنّه أوقف ضيعة كاملة بالشرقية، تسمّى يبسوس وجعلها مرصدة على كسوة الكعبة الشريفة، وهى باقية إلى الآن برسم كسوة الكعبة؛ وكان يحبّ العدل فى الرعية، وينصف المظلوم من الظالم؛ وكان محبّبا للناس فى أيامه، فلما مات، تأسّفت عليه الناس غاية الأسف؛ وقد رثاه الصلاح الصفدى بهذين البيتين:
مضى الصالح المرجو للباس والندى … ومن لم يزل يلقى المنا بالمنايح
فيا ملك مصر كيف حالك بعده … إذا نحن أثنينا عليك بصالح
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى، فى تاريخه، إنّ الملك الصالح إسمعيل كان يميل إلى حبّ الجوار الحبش، والمولّدات، والسود، وكان يحبّ من يمدح له فى السّمر، والسود، فكانت الشعراء يكثرون له من مدحهم، فمن ذلك قول الشيخ زين الدين بن الوردى:
لو كان يرضى بحكمى … فى الناس بيض وسود … وا
لقلت للبيض بيضوا … وقلت للسود سودوا
وقال ابن نباتة (١):
يكون الخال فى خدّ قبيح … فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف على من … يراه كله فى العين خالا
وقال آخر فى حبشية:
سمراء تسبى الورى بشرط … كخنجر همّ بالرقيب
أقامه عشقها طريقا … يسير فيه إلى القلوب
وقال آخر:
سمراء كالغصن الرطيب قوامها … تسبى الأنام بفاتر الأحداق
ترمى بقسى حواجب من لحظها … نبلا تصيب مقاتل العشاق
стр. 514
وقال آخر دو بيت:
فى السمر معان لا ترى فى البيض … تا لله لقد نصحت فى تقريضى
ما الشهد إذا طعمته كاللبن … يكفى فطنا محاسن التعريض
وقال الشيخ إبراهيم الجعيرى:
لما أعان الله جلّ بلطفه … لم تسبنى بجمالها البيضاء
ووقعت فى شرك الردى متخبّلا … وتحكمت فى مهجتى السوداء
وقال آخر فى أسماء الجوار:
إذا زار الحبيب باشتياق … فقد زال العما وقت الصباح
وإن وافتك خمرا مع نسيم … فقد دام السرور بانشراحى
وقال آخر فى المعنى:
بدا السعد لى حين زار الحبيب … وجاء الهنا ودام السرور
وجاءت نسيم بتفاحة … مباركة من غزال نفور
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الصالح إسمعيل ابن الملك الناصر محمد ابن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت.
ذكر سلطنة الملك الكامل زين الدين شعبان ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهو السابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الخامس ممن ولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون.
بويع بالسلطنة بعد موت أخيه الملك الصالح إسمعيل، بعهد من أبيه له؛ وكان شقيق الملك الصالح، من أبيه وأمه.
لبس شعار الملك، وركب من باب الستارة، ومشت بين يديه الأمراء، بالشاش والقماش، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس
стр. 515
له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له سائر الناس بالدعاء؛ وكان جلوسه على سرير الملك يوم [الخميس حادى عشرين ربيع الأول] (١) سنة ست وأربعين وسبعمائة.
وفيه يقول جمال الدين بن نباتة:
طلعة سلطاننا نبدّت … بكامل السعد فى الطلوع
واعجب لنا منه كيف أبدت … هلال شعبان فى ربيع
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب؛ فلما طلعت الأمراء، وتكامل المجلس، قبض السلطان على الأمير الحاج آل ملك (٢)، نائب السلطنة، وسجنه بالبرج الذى بالقلعة؛ فأقام به أياما، ثمّ أفرج عنه، وولاّه نيابة صفد، وألزمه بأن يخرج من يومه، ويسافر؛ فلما خرج، ووصل إلى العريش، أرسل قبض عليه، وقيّده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم عمل الموكب، وأخلع على الأمير أرقطاى، وقرّره فى نيابة السلطنة، عوضا عن الأمير الحاج آل ملك (٢).
ثم قبض على الأمير المعروف بقمارى، أستادار العالية، وقيّده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ ثم أرسل بالقبض على الأمير طقز دمر، نائب الشام، وسجنه بقلعة الكرك.
ثم أخلع على الأمير يلبغا اليحياوى، وقرّره فى نيابة الشام، عوضا عن الأمير طقز دمر.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك الأشرف كجك، أخو الملك الكامل شعبان، وكان من حين خلع من السلطنة، وهو مقيم بدور الحرم، إلى أن مات.
وفيها فى شهر رمضان، توفّى الريس ضياء الدين بن البيطار، صاحب «كتاب المفردات»، وكان علامة فى علم الطبّ، توفّى بالشام، ودفن بها.
стр. 516
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وسبعمائة
فيها وردت الأخبار من الشام، بأنّ الأمير يلبغا، الذى استقرّ نائب الشام، قد خامر على السلطان، وخرج عن الطاعة؛ فلما وردت هذه الأخبار، جمع السلطان الأمراء فى القصر الكبير، بسبب ضرب مشورة فى أمر يلبغا اليحياوى، نائب الشام؛ فلما اجتمعت الأمراء وقع الاتّفاق على أنّ السلطان يرسل إليه الأمير منجك اليوسفى، وزير الديار المصرية، ليكشف الأخبار، فتوجّه الأمير منجك إلى الشام من يومه.
ثم إنّ السلطان عرض فى ذلك اليوم العسكر، وأشيع أنّه يخرج إلى الشام بنفسه، لأجل عصيان نائب الشام، واضطربت الأحوال بالديار المصرية.
وفى هذه الأيام، طاش الملك الكامل، وصار يخرج من ديوان الجيش الإقطاعات، بقدر معلوم من المال، ويدخله إلى الذخيرة.
ولما أشيع أمر سفره إلى الشام، قبض على جماعة من المباشرين، وصادرهم، وأخذ أموالهم، وابتدأ فى الجور على الرعيّة، وتزايد منه الضرر الشامل.
ثم إنّه تخيّل من أخيه سيدى حاجى، وسيدى حسين، فبدا له أن يقبض عليهما، فأرسل إليهما الزينى سرور، الساقى، فقال لهما: «إنّ السلطان يطلبكما لتحضرا فى الدهيشة»، فقالا له: «نحن اليوم قد شربنا دوى (١)، ونحن ضعاف».
فلما ردّ عليه سرور، الساقى، هذا الجواب، اشتدّ غضبه عليهما، فطلب الأمير الزمام، صواب الطولونى، وقال له: «امضى إلى إخوتى، واحضرهما لى فى هذه الساعة»؛ فلما دخل الزمام إليهما، قال لهما: «قوما كلّما السلطان»، فقالا له كما قالا لسرور، الساقى.
فلما ردّ الزمام عليه هذا الخبر، تزايد غضبه على أخويه، فأرسل خلف الأمير أسندمر الكاملى، والأمير قطلوبغا الكركى، فلما حضرا، قال لهما: «إنى قد طلبت أخى حاجى، وأخى حسين، فامتنعا من الحضور إلى عندى».
стр. 517
فقال الأمير أسندمر الكاملى، للأمير أرغون العلاى، زوج أمّ السلطان:
«ادخل أنت إليهما، وأخرجهما من دور الحرم»؛ فدخل الأمير أرغون إلى دور الحرم، وأخرج سيدى حاجى، وسيدى حسين، سحبا على وجوههما، وهما فى غاية البهدلة، يتباكيان.
فلما وقفا بين يدى السلطان، باسا له الأرض، وقالا له: «يا مولانا السلطان، لا تؤاخذنا، فإنّا كنا قد شربنا دوى (١)»؛ فقال لهما (٢) السلطان: «هذا كله كذب، وحيل منكما»؛ فأخرج سيدى حاجى ختمة لطيفة، كانت فى كمّه، وحلف عليها أنّه ما امتنع عن الحضور، إلا كان قد شرب دوى (١)، فلم يصدّقه السلطان على ذلك.
ثم جاءت أمّهاتهما، وكشفن رءوسهن، وحلفن له أنّهما ما امتنعا عن الحضور، إلا كانا قد شربا دوى (١)؛ فلم يقبل السلطان منهن عذرا عن ذلك، وقال لهن: «أنتم نساء، قليلين العقول (٣)».
ثم أمر بإدخال أخويه إلى موضع فى الدهيشة، ووكّل بهما جماعة من الخدّام؛ فلما بات تلك الليلة، وأصبح، قصد أن يدخلهما فى مكان، عقد تحت الدهيشة، ويبنى عليهما حائط؛ ثم شرع فى رمى حجارة مسقّطات (٤)، فأرمى عشرين مسقّطا، وحملين جبس وجير، وقصد يسدّ عليهما باب ذلك العقد، ويجعله لهما قبرا.
فلما كان يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى، دخل على السلطان، وقت صلاة الصبح، بعض الخاصكية، وأخبره أنّ الأمير ملكتمر الحجازى، قد لبس آلة الحرب، هو ومماليكه، وتوجّه إلى نحو قبّة الهواء، التى تحت القلعة؛ وكان الملك الكامل قد عوّل على القبض عليه، فلما تحقّق ذلك، ركب.
стр. 518
ثم إنّ السلطان لما سمع هذا القول، أرسل خلف الأمير أرغون العلاى، زوج أمّه، وقال له: «ما الخبر»؟ وكان الأمير أرغون ساكنا فى القلعة، فقال له أرغون:
«بلغنى أنّ الأمير ملكتمر الحجازى، والأمير أرغون شاه، وجماعة من الأمراء العشرات، قد توجّهوا إلى قبّة الهواء، وهم لا بسون (١) آلة الحرب».
فعند ذلك فتح السلطان باب الزردخاناة، وأخرج منها اللبوس، والسلاح، وفرّقها على المماليك، وأمر بشدّ الخيول.
ثم ركب، ونزل من باب السلسلة، ولم يكن معه غير مماليك صغار، جمدارية، ومن الأمراء: الأمير أرغون العلاى، زوج أمّه، والأمير قطلوبغا الكركى، والأمير أسندمر الكاملى، ومقدّم المماليك جوهر السحرتى (٢)، حامل الصنجق السلطانى.
فلما نزل السلطان من القلعة، مشى إلى تحت الطبلخاناة، ووقف هناك ساعة، ينتظر من يطلع له من الأمراء، والعسكر، فلم يطلع إليه أحد من العسكر، ولا من الأمراء؛ فلما طلعت الشمس، وتضحّى النهار، لم يطلع إليه أحد.
فلما طال الأمر عليه، دقّ الطبل حربى، ومشى إلى رأس الصوّة، فلاقاه الأمير أرغون شاه، والأمير قرابغا القاسمى، والأمير آقسنقر، واحتاطوا عليه، وضربوا به يزك (٣)؛ ووقع بين الفريقين القتال فى رأس الصوّة، فبرز إلى السلطان الأمير بيبغا أروس، فلاقاه الأمير أرغون العلاى، زوج أمّ السلطان، فضربه بيبغا أروس بطبر على وجهه، فسقط عن فرسه، فقبضوا عليه، وأسروه.
فلما رأى من كان حول السلطان، أنّ الأمير أرغون العلاى قد أسر، تسحّب أكثر من كان حول السلطان من المماليك، ولم يبق معه غير المماليك الجمدارية؛ فلما رأى السلطان عين الغلب، هرب فى أربعة من المماليك الصغار، فتوجّه إلى باب السلسلة.
فلما ولّى السلطان مهزوما، قبضوا على من كان معه من الأوجاقية، والخدّام،
стр. 519
الذين (١) كانوا تحت الصنجق السلطانى؛ وقبضوا على مقدّم المماليك جوهر السحرتى، فإنه كان واقفا تحت الصنجق، فقطعوا رأسه.
وأما السلطان، لما أن ولّى وهو مهزوم، ساق حتى أتى باب السلسلة، فوجده قد قفل، فصار يدقّ الباب، ويسأل الأوجاقية الذين (١) وراء الباب أن يفتحوا له، حتى يطلع إلى القلعة، فما فتحوا له إلا بعد جهد كبير.
فلما فتحوا له، طلع إلى القلعة وهو سائق، حتى دخل إلى الحوش؛ فأراد فى تلك الساعة أن يقتل أخويه: سيدى حاجى، وحسين، فلم يمكّنوه الخدّام من ذلك، وأغلقوا فى وجهه باب الدهيشة؛ فرجع السلطان وصار لا يدرى إلى أين يتوجّه، فمضى إلى بيت أمّه الذى بالقلعة، فدخل إليه، واختفى به.
فلما بلغ الأمراء أنّ السلطان قد هرب، ساقوا خلفه إلى الرملة، فلم يحصلوه، فطلعوا إلى القلعة وهم سائقون، فوقفوا على باب الستارة، وقالوا للخدّام: «أين ابن أستاذنا، سيدى حاجى»؟ فقالوا لهم: «فى الدهيشة، هو وأخوه سيدى حسين».
فتوجّهوا إلى نحو باب الحوش، وطلعوا الدهيشة، وأخرجوا سيدى حاجى، وسيدى حسين؛ ثم أجلسوا سيدى حاجى على المرتبة، وباسوا له الأرض.
ثم سألوا بعض الخدّام عن الملك الكامل شعبان، فقالوا لهم: «قد اختفى فى بيت أمّه»؛ فتوجّهوا إليه، وهجموا بيت أمّه، فلم يجدوه فى البيت؛ فمسكوا الجوار، وأرادوا توسيطهم، فأقرّوا على أنّه فى بيت الأزيار؛ فهجموا عليه، فوجدوه قد دخل فى الزير، وابتلّت أثوابه بالماء، فقبضوا عليه من الزير، ومضوا به إلى الدهيشة، فسجنوه فى المكان الذى كان فيه أخويه؛ والمجازاة من جنس العمل.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى، فى تاريخه: «حكى لى الأمير أسنبغا، أستادار الصحابة، قال: هيأنا السماط على جارى العادة، على أنّ الملك الكامل يأكل منه، ثم أفردنا من الأكل شيئا لسيدى حاجى، وسيدى حسين، اللذين (٢) كانا فى السجن
стр. 520
بالدهيشة، فخرج سيدى حاجى، وجلس على السماط، وأكل منه؛ ثم دخلنا بالطعام الذى كنا أفردناه لسيدى حاجى، وسيدى حسين، فأكل منه الملك الكامل شعبان، وهو فى السجن بالدهيشة، فى المكان الذى كان فيه أخويه»؛ وهذا من الغرائب والعجائب، كما يقال:
ما بين طرفة عين وانتباهتها (١) … يقلب الدهر من حال إلى حال
وقد قيل فى المعنى:
لا تأمننّ الدهر وهو مسالم … سلس القياد فقد يعود محاربا
واحذر تقلّبه ولا تعجب له … إن أركب الماشى وأمشى الراكبا
ولكم ذليل ساعدته عناية … من ذى الجلال فعزّ فيها جانبا
وقال آخر فى المعنى:
كم حاربتنى شدّة بجيوشها … وضاق صدرى عن لقاها وانزعج
حتى إذا أيست من خلاصها … جاءتنى الألطاف تسعى بالفرج
فلما قبضوا على الملك الكامل، أقام محبوسا، فى مكان بالدهيشة، ثلاثة أيام؛ فلما تسلطن حاجى، أمر بخنق أخيه الملك الكامل شعبان، فخنق تحت الليل، فى ليلة الخميس ثالث جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
وكانت مدّة سلطنة الملك الكامل شعبان بالديار المصرية، سنة وشهرين ونصف؛ ولما مات دفن على والده الناصر محمد بن قلاون، داخل القبة التى بين القصرين.
وكان صفة الملك الكامل شعبان، أشقر اللون، أزرق العينين، وافر الأنف، مجدّر الوجه، يمهل إلى الصفرة، وكان شديد الخلق، سيئ التدبير؛ وكانت أمّه جارية رومية الجنس، فجمع بين قبح الفعل والشكل؛ وقال الصلاح الصفدى:
بيت قلاون سعاداته … فى عاجل كانت بلا آجل
حلّ على أملاكه للردى … دين قد استوفاه بالكامل
ومن الحوادث فى دولة الملك الكامل، أنّ بحر النيل قد احترق، فيما بين مصر
стр. 521
والمقياس، حتى عزّ الماء الذى ينقل إلى القاهرة على ظهور الجمال فى الراوية (١)، وامتنع منه السقايون، حتى وقعت النقطة، وتزايد النيل فى تلك الأيام.
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الكامل شعبان بن الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار منها، تمّت.
ذكر سلطنة الملك المظفّر حاجى ابن الملك الناصر محمد بن قلاون
وهو الثامن عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو السادس ممن ولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون.
بويع بالسلطنة بعد قتل أخيه الملك الكامل شعبان، وذلك يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة؛ وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
يا إمام الورى مضى نصف عام … لم أنل فيه من وصولى ربع
سنة إن غفلت عنى فيها … كسرتنى وكيف لا وهى سبع
وكان مولد الملك المظفّر حاجى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة؛ ولد بطريق الحجاز، عند عود أبيه الملك الناصر من الحجاز، فى الحجّة الثالثة؛ فلما بشّر به، قال: «سمّوه سيدى حاجى».
فلما أرادوا سلطنته، لبس شعار الملك، [وركب] (٢) من باب الستارة، ومشت الأمراء قدّامه بالشاش والقماش، حتى دخل القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك المظفّر، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، ورسم لنقيب الجيوش المنصورة بأن
стр. 522
يدور على الأمراء المقدّمين، ويعلمهم أنّ الموكب غدا (١) بالشاش والقماش فى القصر الكبير.
فلما كان يوم الاثنين، طلع سائر الأمراء من المقدّمين، والطبلخانات، والعشرات، فلما أن باتوا بالقصر، دخل عليهم، بعد المغرب، جماعة من المماليك السلطانية، وبأيديهم سيوف مسلولة، وأطبار، وكانوا نحو خمسمائة مملوك (٢)؛ فلما دخلوا، قبضوا على جماعة من الأمراء، منهم: الأمير آقسنقر، والأمير ملكتمر الحجازى، والأمير قرابغا القاسمى، والأمير أيتمش من عبد الغنى، والأمير نزلار العمرى، والأمير صمغار.
قيل إنّ الأمير آقسنقر، لما أرادوا أن يقبضوا عليه بالقصر، جرّد سيفه، وقصد نحو السلطان ليقتله، فمسكه الأمير شجاع الدين غرلوا، وأخذ سيفه من يده، وقبض عليه.
فلما قبضوا على هؤلاء الأمراء، قيّدوهم (٣)، وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ وأما الأمير آقسنقر، والأمير ملكتمر الحجازى، فحبسهم السلطان فى البرج بالقلعة؛ فلما دخل الليل، أمر بخنقهما، فخنقا تحت الليل ودفنا، ولم يشعر بهما أحد من الناس.
ومن العجائب، أنّ هؤلاء الأمراء كانوا سببا لسلطنة الملك المظفّر حاجى، فأخذوا من الجانب الذى كانوا يأمنوا (٤) إليه، فكان كما يقال فى المعنى:
ربما يرجو (٥) الفتى نفع فتى … خوفه أولى (٦) به من أمله
ربّ من ترجو (٧) به دفع الأذى … سوف يأتيك الأذى من قبله
стр. 523
وفى هذه السنة كانت وفاة الصاحب شرف الدين بن الصاحب زين الدين بن الصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنّا، بانى الآثار الشريف النبوى، وكان من أعيان علماء الشافعية، تفقّه على جماعة من العلماء بمصر، حتى صار إماما ثقة.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وسبعمائة
فيها، فى جمادى الآخرة، عزل السلطان قاضى القضاة الحنفى حسام الدين عمر البسطامى؛ وولّى القاضى علاء الدين على التركمانى، قاضى قضاة الحنفية، عوضا عن حسام الدين البسطامى.
وفيها فرّق السلطان الإمريات على الأمراء، فأمّر فى يوم واحد خمسة عشر أميرا، ما بين مقدّمين ألوف (١)، وطبلخانات، وعشرات، وأقام له عصبة تختصّ به، وعزل من عزل، وولّى من ولّى.
وفى هذه السنة وردت الأخبار من الشام، بأنّ يلبغا اليحياوى، نائب الشام، قد هرب، فتبعه جماعة من عسكر دمشق، وتقاتلوا معه، فانتصروا عليه فى مكان خارج دمشق؛ فقتلوه، وقطعوا رأسه، وأرسلوها إلى السلطان، فرسم بأن تعلّق على باب زويلة، فعلّقت عليه ثلاثة أيام.
وفيها قبض السلطان على الأمير شجاع الدين غرلوا؛ وكان سبب ذلك أنّه صار يرمى الفتن بين الأمراء، فلما بلغ السلطان ذلك قبض عليه، وسجنه بالقلعة، فوقع منه كلمات فاحشة فى حقّ السلطان؛ فلما بلغ السلطان ذلك، أمر بخنقه، فخنق تحت الليل، ودفن فى تربة فى القرافة؛ فلما بلغ العوام ذلك، توجّهوا إلى قبره، ونبشوا عليه، وأخذوا كفنه، وأحرقوا عظامه؛ فلما بلغ السلطان ذلك، رسم لوالى القاهرة أن يقبض على من فعل هذه الفعلة من العوام، فقبض على جماعة كثيرة، وضربهم بالمقارع، وقطع أيدى جماعة من العوام، وطاف بهم فى القاهرة.
وفى هذه السنة تزايد الطيشان من الملك المظفّر حاجى، وكان مولعا بلعب الحمام، فخرج فى ذلك عن الحدّ، حتى قيل: لما وصل إليه موجود يلبغا اليحياوى، نائب
стр. 524
الشام، فكان من جملته ذهب عين خمسين ألف دينار، فأصرف السلطان ذلك المال جميعه على الحمام، فصنع لهم خلاخل ذهب فى أرجلهم، وألواح ذهب فى أعناقهم، وصنع لهم مقاصير خشب، مطعّمة بالعاج والأبنوس، وأقام لهم غلمان يكلفونهم، ورتّب لهم فى كل شهر جوامك، بسبب خدمة الحمام، فأفنى ذلك المال الذى وصل من الشام، جميعه، على ما ذكرناه من أمر الحمام.
قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، فى ترجمته للملك المظفّر حاجى، هذا: «وقد اشتغل بلعب الطيور، عن تدبير الأمور، والنهى (١) عن أمر الأحكام، بالنظر إلى الحمام، فجعل السطح داره، والشمس سراجه، والبرج مناره، وأطاع سلطان هواه، وخالف من نهاه، وخرج فى ذلك عن الحدّ، ولا صار يعرف الهزل من الجدّ».
واستمر على ذلك، حتى صار لا يبات فى القصر ليالى المواكب، واستخفّ بالأمراء، فعند ذلك تغيّرت خواطر الأمراء عليه؛ فلما تزايد هذا الأمر منه، دخل فى أثناء الشهر الأمير جبغا، رأس نوبة النوب، وكان مسافرا فى البلاد الشامية؛ فلما بلغه هذه الأخبار عن السلطان، طلع إلى القلعة بعد الظهر، وخلا بالسلطان، وعنّفه عن هذه الأمور الشنيعة، الذى بتقع (٢) منه.
فلما سمع كلامه، غضب، وقام من وقته، وطلع إلى السطح، وذبح الحمام التى عنده جميعها عن آخرها (٣)، وخرّب تلك المقاصير التى كانوا (٤) فى السطح، وأرسل إلى الأمير جبغا، وهو يقول له: «إنّى قد ذبحت ما عندى من الحمام جميعها، وأنا، إن شاء الله تعالى، أذبح فى هذا القرب خياركم من الأمراء، كما ذبحت الحمام».
فلما بلغ الأمير جبغا هذا الكلام، دخل إلى نائب السلطنة، وذكر له ما قاله
стр. 525
الملك المظفّر؛ فأرسل نائب السلطنة خلف الأمراء قاطبة، وذكر لهم ما سمعه عن السلطان، فاتّفق رأى الأمراء كلها (١) على خلعه.
فلما كان يوم الأحد ثانى عشر شهر رمضان، وثبوا الأمراء على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وتوجّهوا إلى قبّة النصر، التى تحت القلعة.
فلما بلغ السلطان ذلك، أمر بشدّ الخيول، ودقّ الطبول حربى، وزعق النفير، ثم نزل من القلعة، ومشى تحت الصنجق السلطانى، ولم يكن معه من الأمراء العشرات، والمماليك السلطانية، إلا بعض شئ، وكان صحبته تحت الصنجق مقدّم المماليك عنبر، وبعض مماليك جمدارية صغار؛ فلما مشى، توجّه إلى رأس الصوّة، ووقف ينتظر من يطلع إليه من الأمراء، فلم يطلع إليه أحد من الأمراء، فوقف هناك ساعة يسيرة، ثم مشى إلى بين الترب، ووقف هناك.
وأرسل خلف الأمير شيخوا العمرى، فإنّه كان من ذوى العقول؛ فلما حضر بين يديه، قال له: «ما قصدكم منّى حتى ركبتم علىّ من غير موجب لذلك»؟ فقال له الأمير شيخوا: «إيش كنت أنا، هذا الأمر من الأمراء الذى هم أكبر منّى»؛ فقال له السلطان: «امضى إلى الأمراء، وقل لهم: إيش قصدكم؟ ومهما قالوه ردّ علىّ الجواب».
فمضى الأمير شيخوا إلى الأمراء، وهم بقبّة النصر، وذكر لهم ما قاله السلطان، فقالوا له الأمراء: «امضى إليه، وقل له: القصد أن تخلع نفسك من السلطنة، وادخل إلى دور الحرم، وصن دماء المسلمين، وكفّ القتال عنهم».
فلما عاد الأمير شيخوا إلى السلطان بهذا الجواب، حنق منه، وكان الأمير شيخوا يومئذ مقدّم ألف؛ ثم إنّ السلطان قال لشيخوا: «كيف أخلع نفسى من السلطنة، ما عندى لهم إلا حدّ السيف».
فرجع الأمير شيخوا إلى الأمراء بجواب السلطان؛ فلما سمعوا ذلك، زحفوا عليه، وأشاروا بالحرب إليه، فأثار بينهم غبار الحرب الوارد، وحملوا عليه حملة رجل واحد.
стр. 526
وكان رأس الفتنة فى هذه الحركة، الأمير بيبغا أروس، فجاء من وراء السلطان، وضرب عليه يزك (١) بمن معه من المماليك السلطانية، فصار من كان مع السلطان من المماليك يتسحّبون قليلا، قليلا، فلم يبق معه إلا القليل من المماليك.
فتقدّم إليه الأمير بيبغا أروس، وضربه بطبر، فوقع إلى الأرض، فلما وقع، تكاثر عليه العسكر وأسروه، وأخذوه وهو ماشى، مكشوف الرأس؛ فأتوا به إلى بين يدى الأمير أرقطاى، نائب السلطنة، فلما رآه نزل عن فرسه، وأرمى عليه قباءه، وقال: «أعوذ بالله أن أقتل ابن أستاذى»؛ وكان الأمير أرقطاى رجلا حليما، قليل الأذى.
ثم إنّ الأمير بيبغا أروس قبض على السلطان، وتوجّه به، وهو ماشى، إلى تربة عند الباب المحروق، فخنقه فى تلك التربة، ودفنه بها، ولم يشعر به أحد من الناس، ومضى أمره؛ وكانت قتلته يوم الأحد ثانى عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
وكان المظفّر حاجى مليح الشكل، صبيح الوجه، وكان شجاعا بطلا؛ وكان له من العمر نحو عشرين سنة وأشهر؛ وكان سفّاكا للدماء، قتل فى مدّة سلطنته جماعة كثيرة من الأمراء، والمماليك السلطانية.
وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما؛ وفيه يقول الصلاح الصفدى:
حان الردى للمظفّر … وفى الثرى قد تعفّر
كم قد أباد أميرا … على المعالى توقّر
وقاتل النفس ظلما … ذنوبه ما تكفّر
وكان من مساوئه، اللعب بالحمام، حتى خرج فى ذلك عن الحدّ، حتى قال فيه الصلاح الصفدى أيضا:
أيها العاقل اللبيب تفكّر … فى المليك المظفّر الضرغام
стр. 527
قد تمادى فى البغى والغىّ حتى … كان لعب الحمام جدّ الحمام
قيل لما قتل المظفّر حاجى، طلع جماعة من الأمراء المقدّمين إلى القلعة، وضربوا مشورة فيمن يلى السلطنة من بنى قلاون، فلم يقع فى ذلك اليوم اتّفاق على تولية أحد من أولاد محمد بن قلاون، واختلفوا فى ذلك اليوم، فطائفة من الأمراء مالت إلى سيدى حسين، وطائفة مالت إلى سيدى حسن؛ وكان سيدى حسين أكبر من سيدى حسن، لكنه كان صعب الخلق، شديد البأس، فلم يوافق العسكر قاطبة على ولايته للسلطنة.
ووقع القال والقيل بين الناس، وأقامت مصر يومين بلا سلطان، والناس يدعون إلى الله تعالى بإصلاح الحال، وتخميد هذه الفتنة.
ثم فى اليوم الثالث، وقع الاختيار من الأمراء على سلطنة سيدى حسن، فطلبوه من دور الحرم، وسلطنوه، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك المظفّر حاجى بن الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار منها، تمّت.
ذكر سلطنة الملك الناصر أبى المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون
وهو التاسع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو السابع ممن ولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون.
بويع بالسلطنة بعد قتل أخيه المظفّر حاجى؛ قيل إنّه لما ولى الملك، كان له من العمر نحو ثلاثة عشر سنة، وكان مولده سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
فلما كان يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، حضر أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفى بالله سليمان، وحضر القضاة الأربعة، وهم: قاضى القضاة الشافعى عزّ الدين بن جماعة المقدسى، وقاضى القضاة الحنفى علاء الدين التركمانى، وقاضى القضاة المالكى تاج الدين محمد الأخناى، وقاضى القضاة الحنبلى
стр. 528
تقىّ الدين ابن قاضى القضاة عزّ الدين عمر؛ وحضر القاضى شهاب الدين بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ الشريف.
فلما تكامل المجلس، طلبوا سيدى حسن، فخرج من دور الحرم، وجلس على باب الستارة؛ فلما أرادوا أن يبايعوه بالسلطنة، قيل كان اسمه سيدى قمارى، فقال للخليفة والقضاة: «أنا ما اسمى قمارى، إنما اسمى سيدى حسن»، فقال الخليفة والقضاة:
«على بركة الله».
ثم بايعوه بالسلطنة، ولبس شعار الملك من باب الستارة، ثم ركب من هناك، ومشت الأمراء بين يديه، بالشاش والقماش، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك الناصر، على لقب والده، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بولايته على مصر.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب يوم الاثنين فى العشرين من شهر رمضان، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير بيبغا أروس، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن الأمير أرقطاى، وأخلع على الأمير أرقطاى، وقرّره فى نيابة حلب، وكانت يومئذ (١) نيابة حلب أكبر من نيابة الشام؛ وأخلع على الأمير أرغون شاه، وقرّره فى نيابة الشام؛ وأخلع على الأمير منجك اليوسفى، وقرّره فى الأستادارية العالية، مضافا لما بيده من الوزارة.
وأخلع فى ذلك اليوم على جماعة كثيرة من الأمراء، والمباشرين، وقرّرهم فى الوظائف السنيّة؛ ثم إنّه فرّق الإقطاعات على المماليك السلطانية، وأرضى الجند بكل ما يمكن.
ثم إنّه عيّن الأمير أسنبغا المحمودى السلحدار، بأن يتوجّه إلى البلاد الشامية ببشارة ولايته على السلطنة؛ وعيّن جماعة آخرين ببشارة ولايته إلى ثغر الإسكندرية، ودمياط، وغير ذلك من الثغور الإسلامية؛ وأخذ فى أسباب تدبير ملكه، وعزل
стр. 529
من عزل، وولّى من ولّى (١)؛ وفيه يقول الشهاب بن أبى حجلة من أبيات:
غدا سلطاننا ملك البرايا … رعاه الله يعدل فى الرعايا
حواصل عدل والده حواها … وأخرج من زواياها الخبايا
فمهلا فى التمادى والأيادى … فقد حزت النهاية فى العطايا
ووجهك حاز كل الحسن طرّا … فهل خلّفت خلفك من بقايا
وفى هذه السنة، أعنى عن سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فيها كانت وفاة الحافظ العلامة الشيخ شمس الدين محمد الذهبى، المؤرّخ، وكانت وفاته بدمشق، واختلف فى وفاته (٢)، فمن الناس من يقول إنّه توفّى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومن الناس من يقول إنّه توفّى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة؛ وكان من ثقاة المؤرّخين، وكان صحيح النقل فيما رواه فى تاريخه؛ وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة، فكانت مدة حياته نحو خمسة وسبعين سنة وأشهر، وكان عالما فاضلا؛ وفيه يقول القائل:
ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت … أوصافكم قط إلا ملت من طربى
وليس من عجب إن ملت نحوكم … فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهبى
وفى هذه السنة احترق بحر النيل احتراقا زائدا، مما يلى برّ مصر، حتى عزّ وجود الماء الذى كانت تنقله السقاءون من البحر، وفيه يقول بدر الدين بن الصاحب:
لم تزل للوفاء يا نيل أهلا … ولك الفضل فى الدفاتر تملا
إنّ مصرا ترمّلت منك دهرا … وهى ترجو (٣) مراجعا منك بعلا
فلما جرى ذلك، اتّفق رأى الأمراء على أن يسدّوا البحر مما يلى برّ الجيزة، فندبوا الأمير منجك اليوسفى، وزير الديار المصرية، بأن يتولّى أمر ذلك؛ فأظهر فى هذه الحركة أنواعا كثيرة من أبواب المظالم، فأرمى على كل دكّان بمصر والقاهرة
стр. 530
درهمين فضّة؛ وبرزت المراسيم الشريفة إلى كاشف الشرقية، بأن يرمى على كل نخلة فى البلاد درهما من الفضّة؛ حتى قيل اجتمع فى هذه الحركة جملة من المال.
فأخذ منجك ذلك المال تحت يده، واشترى به مراكب، وأوسقها حجارة كبار، وغرّق تلك المراكب فى البحر، مما يلى برّ الجيزة؛ وفى ذلك يقول الشيخ بدر الدين بن الصاحب فى المعنى:
يا أيها السلطان إنّ النيل عن … مصر تنقّل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره … فالله قد أوصى بحفظ الجار (١)
فعمل الأمير منجك جسرا، من الجيزة إلى المقياس، وعمل جسرا (٢) آخر، من الروضة إلى جزيرة أروى؛ فأما الجسر الذى من الجيزة إلى المقياس، فكان طوله مائتان قصبة (٣)، فى عرض ثمان قصبات، وارتفاعه أربع قصبات؛ وأما الجسر الذى من الروضة إلى جزيرة أروى، فكان طوله مائة قصبة وثلاثين قصبة؛ وأرمى فى البحر فى أساس هذين الجسرين، ألف مركب، موسوقة بالحجارة؛ فقيل إنّه أصرف على عمارة هذه الجسور أربعمائة ألف دينار.
فلما زاد النيل، وبلغ اثنتى عشرة ذراعا، انقلب ذلك الجسر الذى صنعه منجك، من الجيزة إلى المقياس، ولم يفد (٤) من ذلك شيئا.
قال إبراهيم بن دقماق فى تاريخه: لما زاد النيل، هجم الماء على بولاق فسقط من دورها عدّة أماكن، من قوّة عزم الماء، لما انحبس خلف الجسر؛ فلما جرى ذلك، تغيّر خاطر السلطان، والأمراء، على الأمير منجك بسبب ذلك المال الذى أصرفه على تلك الجسور (٥)، ولم يفد (٤) من ذلك شيئا.