← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفوّض له نظر المشهد النّفيسى، ليستعين بما يحمل إليه من النذور على حاله، وذلك فى يوم الخميس تاسع عشرة؛ وهو السادس من خلفاء بنى العبّاس بالديار المصرية. فلما أخلع عليه، نزل من القلعة إلى داره فى موكب حفل، وقدّامه قضاة القضاة الأربعة، وجماعة من الأعيان، فأوصلوه إلى داره؛ فاستمرّ فى الخلافة مدّة طويلة، لكن قاسى فى دولة الملك الظاهر برقوق شدائد ومحنا (١)، يأتى الكلام عليها فى موضعه. وفى جمادى الآخرة، فى يوم الاثنين خامسه، أخلع السلطان على الأمير قشتمر، نائب السلطنة، واستقرّ به فى نيابة الشام، عوضا عن الأمير على، بحكم استعفائه منها. وفيه، أخلع على الشيخ بهاء الدين أحمد بن تقىّ الدين السبكى، واستقرّ فى قضاء دمشق، عوضا عن أخيه تاج الدين عبد الوهاب؛ واستقرّ تاج الدين فى وظائف أخيه تقىّ الدين، وهى: تدريس المدرسة المنصورية، ومشيخة الخانقة الشيخونية، والمدرسة الناصرية، التى بجوار تربة الإمام الشافعى، ﵁، وإفتاء دار العدل. وفى شهر رجب، فى ثامنه، أنعم السلطان على الأمير أشقتمر الماردينى، أمير؟؟؟ جلس، واستقرّ به فى نيابة طرابلس. وفيه، أخلع على الأمير أسنبغا البوبكرى، واستقرّ حاجب الحجّاب بمصر، استقرّ الأمير عزّ الدين أيدمر الشيخى فى نيابة حماة. وأنعم على الأمير منكلى بغا الشمسى، بنيابة حلب، عوضا عن الأمير قطلوبغا الأحمدى. وأخلع على الأمير أسندمر الطازى، واستقرّ فى نيابة ملطية؛ فلما توجّه إليها، جار على بلاد الرّوم، وحاربهم، وقتل منهم جماعة، وأسر آخرين، فبعث إليه الأمير محمد بن أرتغا، صاحب قيصريّة الروم، عسكرا صحبة ابن ذلغادر، فكبسه

стр. 597

على حين غفلة، وقاتله قتالا شديدا، فانكسر، ورجع إلى نحو ملطية هاربا، وقتل من عسكره جماعة. وفى شهر شعبان، بلغ السلطان ما وقع للأمير أسندمر الطازى، نائب ملطية، فرسم بخروج عسكر دمشق، وعسكر طرابلس، وحماة، صحبة الأمير قطلوبغا، نائب حلب؛ فخرج من عساكر دمشق خمسة آلاف فارس، ومن بقيّة عساكر البلاد الشامية سبعة آلاف فارس، فتوجّه نائب حلب، فى اثنى عشر (١) ألف فارس، ومعه المناجنيق والنقابون، فشنّوا الغارات على بلاد الروم، ثم عادوا بغير طائل. وفيه، توفّى القاضى شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرح الدمشقى الحنبلى، قاضى دمشق، توفّى بها، ومولده بعد سنة سبعمائة، وكان قد برع فى الفقه، والحديث، وألّف كتاب «الفروع» وهو مفيد جدّا. وفى شهر رمضان، أنعم السلطان على الأمير قطلقتمر العلاى الجاشنكير، بتقدمة ألف. وفيه، استقرّ جمال الدين يوسف ابن قاضى القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين ابن سليمان بن فزارة الكفرى، فى قضاء الحنفيّة بدمشق، عوضا عن والده؛ واستقرّ صدر الدين أحمد بن عبد الظاهر بن محمد الدميرى، فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن الشهاب أحمد بن محمد بن ياسين الرياحى؛ واستقرّ كمال الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز النويرى فى قضاء مكّة، عوضا عن تقىّ الدين أبو اليمن محمد بن أبى العبّاس أحمد بن قاسم الحرازى. وفيه، توفّى الشيخ شمس الدين أبو أمامة محمد بن على بن عبد الواحد بن يحيى ابن عبد الرحيم، المعروف بابن النقاش الشافعى، الفقيه، المحدّث، المفسّر، الواعظ، وكان من أعيان علماء الشافعية. وفى شهر شوّال، أخلع على القاضى جمال الدين عبد الله بن محمد بن إسمعيل بن أحمد سعيد، المعروف بابن الأثير، واستقرّ فى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن

стр. 598

القاضى ناصر الدّين محمد بن الصاحب شرف الدين يعقوب بن عبد الكريم الحلبى الشافعى، بحكم وفاته. وفيه، توفّى السيد الشريف شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن محمد بن الحسين بن محمد المعروف بابن أبى الركب، نقيب الأشراف بالقاهرة؛ وإليه تنسب المدرسة الشريفية، التى بحارة بهاء الدين. وفى ذى القعدة، اشتدّ البرد بالبلاد الشامية، حتى جمدت المياه، وجمد نهر الفرات، حتّى مرّ من عليه المسافرون بأثقالهم، وهذا شئ لم يعهد بمثله فيما تقدّم من السنين الماضية. وفيه، توفّى الأمير طاز، أحد المقدّمين، وكانت وفاته بالشام، وكان لا بأس به. وفى ذى الحجّة، جاءت الأخبار من بلاب المغرب، بخلع صاحب فاس، وهو أبو عمر تاشفين بن السلطان أبى الحسن على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ، وكان ولى ملك المغرب بعد موت أبى ريّان (١) محمد بن أبى عبد الرحمن بن السلطان أبى الحسن. وأما من توفّى هذه السّنة، بقيّة الأعيان، وهم: الشيخ الصالح الزاهد، الناسك الورع (٢)، محمد بن حسن بن مسلم السلمى، وكانت وفاته فى شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكان مقيما بجامع الفيلة، الذى عند دير الطّين، بالقرب من البريم، وكانت الناس تقصد زيارته، وتسعى إليه إلى هناك؛ وقيل إنّه كان عنده سبع، ربّاه صغيرا، بيوت الجيران، ولا يأذى أحدا منهم، فلما مات الشيخ، توحّش ذلك السبع، وصار يكسر من يمرّ به، فأخذوه السبّاعون ووضعوه (٣) فى السلاسل مثل بقيَّة السباع ولما مات الشيخ، دفن فى القرافة، بالقرب من تربة سيدى ذى النّون المصرى، رحمة الله عليه.

стр. 599

وتوفّى فيها سلطان الغرب، وهو أبو سالم إبراهيم بن أبى الحسن، صاحب فاس، وكان يلثغ فى حرف الكاف، وقد مات مذبوحا؛ وكان عهد إلى ولده محمد قبل وفاته بقليل، وكانت له خبرة بمعرفة الحساب والنجوم. وتوفّى فيها الشيخ أمين الدين محمد بن جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله ابن المظفّر، المعروف بابن القلانسى؛ وكان من أعيان دمشق، وباشر بها وكالة بيت المال، وقضاء العسكر، ثم ولى بها كتابة السرّ مدّة، وعزل عنها، وكان من أهل الفضل والعلم. وتوفّى فيها قاضى القضاة المالكية تاج الدين محمد بن محمد بن أبى بكر بن عيسى، المعروف بالأخناى. وتوفّى القاضى صلاح الدين عبد الله بن محمد، المعروف بابن المغربى النحوى، أخذ النّحو عن الشيخ سراج الدين عمر بن الملقّن. وتوفّى الأمير أينبك أخو الأمير بكتمر السّاقى. - وتوفّى الطواشى صفىّ الدين جوهر الزمردى، بقوص. وتوفّى الشيخ فتح الدين يحيى بن عبد الله بن مروان بن عبد الله بن مثير بن حسن الفارقى الدمشقى الشّافعى، ومولده بالقاهرة سنة اثنتين وسبعين وستمائة، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، عدّى السلطان، والأتابكى يلبغا، وتوجّها إلى برّ الجيزة، ونصب الخيام قريبا من الأهرام، على سبيل التنزّه، وكان زمن الربيع، فأقاما (١) هناك عشرة أيّام. وفى شهر صفر، فيه، فى يوم الاثنين رابع عشره، قدم قاضى القضاة بهاء الدّين أحمد بن السبكى، وكان بدمشق، فقدم على خيل البريد، فلما حضر، اجتمع بالسلطان، وبالأمير يلبغا، فأخلع عليه، وأقام بالديار المصرية. وفى شهر ربيع الأول، فيه، فى يوم الاثنين ثانى عشرينه، أخلع على قاضى

стр. 600

القضاة بهاء الدين السبكى، وأعيد إلى الإفتاء بدار العدل، وبقيّة وظائفه؛ وأخلع على أخيه تاج الدين عبد الوهاب، وأعيد إلى قضاء دمشق، عوضا عن أخيه بهاء الدين. وفى شهر ربيع الآخر، أخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى، وقرّر فى حجوبيّة الحجّاب، عوضا عن أسنبغا الأبو بكرى. وفيه، ابتدأ أمر الطاعون، وفشى فى الناس بالقاهرة، ومصر، والوجه البحرى، وكان ابتداؤه (١) من بلاد الفرنج. وفى جمادى الأولى، كانت وفاة الأمجد حسين ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون، وهو آخر من توفّى من أولاد الناصر محمد بن قلاون؛ ومات [ولم يلِ] (٢) السلطنة من دون إخوته، بل تسلطن بعد موته ابنه شعبان، وتلقّب بالملك الأشرف، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. وقد حصل لسيدى حسين هذا رجفة من الأتابكى يلبغا العمرى، بسبب ما نقل عنه ليلبغا من أمر الطواشى جوهر الزمرّدى، كما تقدّم ذكر ذلك، فاستمرّ فى تلك الرجفة إلى أن مات. وفى جمادى الآخرة، تزايد أمر الطاعون بالقاهرة، ووردت الأخبار بوقوعه فى دمشق، وحلب، وغزّة، وهلك فيه من الناس ما لا يحصى عددهم، وأكثرهم من الأطفال. وفى شهر رجب، وقعت الوحشة بين الأتابكى يلبغا، وبين الملك المنصور، فإنّه انهمك على شرب الخمور، وسماع الآلات والزمور، واشتغل بذلك عن أمور المملكة، وصار يحتجب عن الناس فى المحاكمات، فضاعت حقوق المسلمين، ولم يجدوا لهم من ناصر ولا معين. وفى شهر شعبان، فيه، فى يوم الاثنين رابع عشره، اقتضى رأى الأتابكى يلبغا،

стр. 601

بأن يخلع الملك المنصور من السلطنة، فوافقه سائر الأمراء على ذلك. فأحضر الخليفة، والقضاة الأربعة، وخلعه من السلطنة فى ذلك اليوم، وأدخله فى مكان بدور الحرم بالقلعة، فسجنه به، ووكّل به جماعة من الخدّام، يحفظونه. فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية سنتين وثلاثة أشهر وستة أيام، ولم يكن له فى السلطنة سوى مجرّد الاسم فقط، والأمر والنّهى للأتابكى يلبغا. واستمرّ مقيما بدور الحرم إلى أن مات فى ليلة السبت تاسع شهر المحرّم سنة إحدى وثمانمائة، فى دولة الظاهر برقوق، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. فكان الملك المنصور فى مدّة سجنه بالقلعة يسلّى نفسه عن الملك بشرب الراح، وسماع المغانى، ومشاهدة الملاح، فكان لا يصحو (١) من السكّر ليلا ولا نهارا. وكان عنده جوقة مغانى نحو عشرة جوار، يزفّون (٢) بالطارات عند الصباح، وعند المساء؛ وكانت هذه عادة رؤساء أهل مصر، يقنوا عندهم الجوار المغانى، وآخر من كان يفعل ذلك الأمير جمال الدين محمود، الأستادار. ثم بطل ذلك من مصر مع جملة ما بطل من محاسن عيشة الأكابر، ولأجل ذلك اتّخذوا الأغانيات التى تشرف على الدور، وجعلوها برسم الجوار المغانى، التى يزفّون عند الصباح، وعند المساء. ولما مات الملك المنصور، استمرّت جواريه المغانى [يعملون الأفراح للناس، وكانوا يعرفون] (٣) بجوقة المنصور. ومات الملك المنصور وله من العمر نحو خمسة وخمسين سنة، ودفن فى تربة جدّته، أمّ أبيه، خوند طغلى، التى بباب المحروق؛ وخلّف من الأولاد خمسة ذكور، ومنهم بنتان؛ وكان قانعا بالعيشة الطيّبة، واستغنى بها عن الملك، فكان كما يقال فى المعنى:

стр. 602

كل الملوك تسطوا … بالملك والسّلاح ونا قنعت منه … بالراح والملاح وفى المعنى: قالوا رأيناك كل وقت … تهيم بالشّرب والغناء فقلت إنّى امرؤ قنوع … أعيش بالماء والهواء انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك المنصور محمد ابن الملك المظفّر حاجى، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت.

стр. 603

استدراك الصفحة … السطر … فى المطبوع … ويقرأ كما فى المخطوط ١٤٨ … ١٠ … دواد … داود ٥٤٢ … ١٨ … تل الغار … تل الفار وقد ورد اسم «تل الفار» فى الجزء الخامس من «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» - تحقيق محمد مصطفى - ص ٦٨ س ١٩ وص ٨٧ س ٤، حيث ذكره ابن إياس بمناسبة توجّه السلطان قانصوه الغورى إليه، يوم أنّ دهمته عساكر ابن عثمان فى «مرج دابق»؛ ويقول ابن إياس إنه يوجد فى «تل الفار» مشهد نبىّ الله داود، ﵇.

стр. 604

القسم الثانى (٧٦٤ - ٨١٥ هـ)

стр. 605

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة يسرنى أن أقدّم هنا الطبعة الأولى، للقسم الثانى، من الجزء الأول، من كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، تأليف أبى البركات الناصرى محمد بن أحمد ابن إياس الحنفى. ويتضمّن هذا القسم أخبار الفترة التى تبدأ من مبايعة السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون، وتولّيه مقاليد الحكم، فى يوم الثلاثاء ١٥ من شعبان سنة ٧٦٤ (٣٠ من مايو ١٣٦٣)، وتنهى بتنازل الخليفة المستعين بالله العبّاس عن السلطنة، فى يوم الاثنين مستهلّ شهر شعبان سنة ٨١٥ (٦ من نوفمبر ١٤١٢). وأخبار هذه الفترة، التى وردت مفصّلة هنا، فى هذا المجلد الضخم، نشرت فى اختصار ملحوظ فى طبعة بولاق، فى ١٤٨ صفحة فقط (ج ١ ص ٢١٢ - ٣٥٩). *** وجاء القسم الثانى، من الجزء الأول، فى هذا الحجم الضخم، لأنّ المواد التى بقيت بعد نشر الجزء الثانى فى سنة ١٩٧٢، كانت وفيرة جدّا، مما جعلنى أرى ضرورة تقسيم الجزء الأول إلى قسمين، مع مراعاة الناحية التاريخية فى هذا التقسيم، وأن يشمل هذا القسم الثانى فترة الانتقال، من دولة المماليك البحرية، إلى دولة المماليك الجراكة؛ وكان لزاما علينا أن نتتبّع أخبار الأدوار التى مرّت على حياة السلطان الظاهر برقوق، منذ أن حضر إلى مصر فى أيام السلطان الأشرف شعبان، كواحد من المماليك العادييّن، إلى أن تولّى مقاليد الحكم، فأسّس دولة المماليك الجراكسة،

стр. 606

فى يوم الأربعاء ١٩ من رمضان سنة ٧٨٤ - ٢٨ من نوفمبر سنة ١٣٨٢ (انظر هنا فيما يلى ص ٣١٣). والواقع أنّنا - أستاذى المرحوم الدكتور باول كاله، وأنا - فى خريف سنة ١٩٢٨، فى معهد الدراسات الشرقية بجامعة بون، كنا قد عكفنا على دراسة المخطوطات، التى توافرت لدينا، لنشر كتاب بدائع الزهور لابن إياس، فاستقرّ الرأى على تقسيم الكتاب إلى خمسة أجزاء، وأن نبدأ بنشر الأجزاء الثالث والرابع والخامس، وهى التى تحوى الأخبار من سنة ٨٧٢ (١٤٦٨)، إلى آخر الكتاب، فى سنة ٩٢٨ (١٥٢٢)، على اعتبار أنّ ابن إياس كان المؤرّخ الوحيد تقريبا، الذى أرّخ لهذه الفترة الحاسمة فى تاريخ مصر فى أواخر عصر المماليك الجراكسة، وكان معاصرا لها، وعلى ذلك تركنا أمر نشر الجزءين الأول والثانى للمستقبل، وللظروف. وجاءت هذه الظروف بعد الحرب العالمية الثانية، لما قرّرت جمعية المستشرقين الألمانية، أن تكلّفنى بإعادة تحقيق الأجزاء الثالث والرابع والخامس، ونشرها، وكذلك تحقيق الجزءين الأول والثانى، ونشرهما، وعمل فهارس وافية للكتاب بأكمله، تنشر فى جزء خاص بها، فكان جميلا من الجمعية أن تعنى بنشر هذا الكتاب الهام فى تاريخ مصر، مع حرصها على أن يصدر ضمن ما تنشره من مراجع التراث الإسلامى، فى سلسلة «النشرات الإسلامية». *** ولتحقيق المتن فى هذا القسم الثانى، من الجزء الأول، رجعت إلى المخطوطات الأربعة التى ذكرتها فى كلمة التصدير (ص ٦) للجزء الثانى من هذا الكتاب، وهى: مخطوط ليدن رقم ٣٦٧، ومخطوط لندن رقم ٧٣٢٣، ومخطوط باريس رقم ١٨٢٢، ومخطوط طهران رقم ١٠٥٨؛ كما رجعت أيضا إلى المتن فى طبعة بولاق ج ١ ص ٢١٢ - ٣٥٩. ***

стр. 607

وبالإضافة إلى ذلك رجعت إلى مخطوط «فيينا» المحفوظ بالمكتبة الأهلية فى فيينا: ا. ف رقم ٢٧٤ (٤٥٤)، وهو المذكور تحت رقم ١٤ فى ص ١٢ - ١٣ من المقدّمة التى كتبها الأستاذ باول كاله فى سنة ١٩٣١، فى الطبعة الأولى للجزء الرابع من كتاب بدائع الزهور لابن إياس، وهو أيضا تحت رقم ٧ فى ص ٢٧ - ٢٨ من المقدّمة التى كتبتها فى سنة ١٩٥١، لكتاب «صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور». ومخطوط فيينا هذا يتألّف من ٢٠٧ ورقة، والورقتان الأولى والأخيرة تنقصان، ونقص معهما عنوان الكتاب، واسم مؤلّفه، وكذلك تاريخ كتابته. غير أنّنا نجد، فى الركن الأعلى الأيسر من ص ١١٢ آ، ملاحظة تقرأ «الثانى عشر من بدايع الزهور لابن إياس الحنفى عفى عنه آمين»، وملاحظة أخرى فى الركن الأعلى الأيسر من ص ١٣٢ آ، تقرأ «رابع عشر من بدايع الزهور لابن إياس»؛ ولعل الكاتب يعنى بذلك رقم الكرّاس من الكراريس التى ينقسم إليها المخطوط، فإنّه قام بترقيم الكراريس فى الركن الأعلى الأيسر من الصفحة الأولى من كل كرّاس، ويتألّف كل كرّاس من عشر ورقات (٢٠ صفحة)، فكتب فى ص ٣٢ آكلمة «الرابع»، وفى ص ٤٢ آ «الخامس»، وفى ص ٥٢ آ «السادس»، وهكذا إلى آخر كراريس الكتاب، فيما عدا الكرّاسين الثانى عشر والرابع عشر، فإنّه كتب إلى جانب رقم الكرّاس، اسم الكتاب واسم المؤلّف، كما ذكرنا سابقا. ويشمل مخطوط فبينا هذا، أخبار الفترة من بداية تأسيس دولة المماليك الجراكسة، وتولّى السلطان الظاهر برقوق مقاليد الحكم فى سنة ٧٨٤ (١٣٨٢)، إلى نهاية سنة ٨١٠ (١٤٠٨). ونلاحظ أنّ المتن من أول المخطوط إلى آخر سنة ٧٩٧ (١٣٩٥) يتّفق تقريبا، مع المتن فى مخطوط ليدن، والمخطوطات الثلاثة الأخرى، ولكن المتن فى مخطوط فيينا

стр. 608

يبدأ، من أول سنة ٧٩٨ (١٣٩٥)، فى التوسّع فى ذكر التفاصيل، فيختلف تماما عنه فى جميع المخطوطات الأربعة الأخرى، التى ذكرناها أعلاه، ولكنه يتّفق فى أسلوبه وتقسيمه، مع تقسيم وأسلوب المتن فى مخطوطات الأصل، التى كتبها المؤلّف بنفسه، فنراه يسرد الأخبار بطريقة الحوليّات، مقسّمة حسب الشهور والأيام، ويذكر بينها من توفّى من الشخصيّات الهامة، ثم يفرد بابا خاصا للوفيات بصفة عامة فى آخر كل سنة. *** وعلى ذكر المخطوطات، يسرّنى أن أذكر أنّ السيد الأستاذ الدكتور هانس روبرت رومر، قد نبّهنى مشكورا، إلى مخطوط لكتاب ابن إياس وجده أخيرا، وهو محفوظ فى مكتبة جامعة برنستون، ومقيّد بها تحت رقم ٢٢٢٣ عربى ورقم ٤٤١١ فى السجل. وهذا المخطوط نسخ فى سنة ٩٩٣ (١٥٨٥) عن مخطوط كتبه ابن إياس بخطّه، مؤرّخ ٢ محرّم سنة ٩٠٩ (٢٧ من يونيو سنة ١٥٠٣). ويشمل هذا المخطوط أخبار الفترة الأولى حتى سنة ٦٥٥ (١٢٥٧)، ويتألّف من ٢٤٧ ورقة. *** والمتن فى هذا القسم الثانى، من الجزء الأول، نقلته عن المخطوطات الآتية: ١ - مخطوط فاتح ٤٢٠٠ من ص ٤٩ آ إلى نهاية المخطوط ص ٢٢١ ب، (هنا فيما بلى فى المطبوع من ص ٣ إلى ص ٣٨٣). ٢ - مخطوط ليدن من ص ١٢ آ إلى ص ٤٩ ب، (هنا فى المطبوع من ص ٣٨٣ إلى ص ٤٧٦). ٣ - مخطوط فيينا من ص ٥٦ آ إلى نهاية المخطوط ص ٢٠٧ ب، (هنا فى المطبوع من ص ٤٧٦ إلى ص ٧٨٩). ٤ - مخطوط ليدن من ص ١٠٥ آإلى ص ١٢٠ ب، (هنا فى المطبوع من ص ٧٩٠ إلى ص ٨٢٨). ***

стр. 609

وأثناء تحقيق المتن فى هذا القسم الثانى، من الجزء الأول، من كتاب بدائع الزهور لابن إياس، رجعت إلى عدد من مؤلّفات المؤرّخين، الذين كتبوا عن هذه الفترة، المطبوع منها، والمخطوط، وأذكر من ذلك على سبيل المثال: كتاب الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، للحافظ أحمد بن حجر العسقلانى، طبعة الهند؛ ولابن حجر أيضا كتاب إنباء الغمر بأنباء العمر ج ١ - ٣، تحقيق الأستاذ الدكتور حسن حبشى، القاهرة ١٩٦٩ - ١٩٧٢؛ وكتاب نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الزمان، للخطيب الجوهرى على بن داود الصيرفى ج ١ - ٢، تحقيق أستاذ الدكتور حسن حبشى، القاهرة ١٩٧٠ - ١٩٧١؛ وكتاب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوى، القاهرة ١٣٥٣ هـ؛ وكتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، لأبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى، طبعة دار الكتب بالقاهرة؛ وكتاب الوافى بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى، طبعة جمعية المستشرقين الألمانية؛ وكتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزى، ج ٣ - ٤، تحقيق الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، طبعة دار الكتب بالقاهرة؛ وكتاب عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، لبدر الدين محمود العينى، وهو مخطوط محفوظ بدار الكتب المصرية بالقاهرة. والحق أننى أفدت كثيرا من مراجعة المتن فى كتاب ابن إياس، على المتن فى مصنّفات هؤلاء المؤرّخين وغيرهم، واقتصرت فى ذلك على متابعة سير الحوادث والأخبار التى أوردها ابن إياس فى كتابه، والتأكد من صحّة الأسماء المذكورة فيه، ولم أحاول أن أعمل أى تعديل أو تغيير فى المتن، أو أى تعليق عليه، فقصدت أن أترك المتن كما هو فى مخطوطات كتاب ابن إياس، كما حافظت على الأسلوب اللغوى، وما فيه من هنات فى علم النحو؛ وحرصت على أن أحافظ على صيغة الأسماء التى

стр. 610

وردت فى المتن، وأشرت إلى بعضها فى الحواشى لتأكيد صحّتها، مثال ذلك: ابن قروينة، وتمرقبا، وأزلان، وبزلار، وغير ذلك. *** وابن إياس يتسم بالذكاء، وبالدّقة فى سرد الأخبار والحوادث، كما أنّه يتميّز بصفة خاصة، بالأمانة العلمية فيما ينقله عن مصنّفات زملائه، فيذكر اسم المؤلّف، واسم الكتاب الذى ينقل عنه. فهو يذكر فى هذا القسم من كتابه، أسماء عدد من المؤرّخين، من بينهم من ذكرناهم هنا فيما سبق، إلى جانب عدد آخر، ذكرهم بمناسبة ما نقله عن مؤلّفاتهم، أو بمناسبة وفاتهم. ومن المؤرّخين الذين وردت أسماؤهم فى هذا القسم الثانى، يذكر ابن إياس وفاة الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى فى سنة ٧٦٤ (١٣٦٢)، وأنّه ألّف كتبا كثيرة مفيدة، منها: كتاب الوافى بالوفيات، ويقول: «إنّ له تاريخا كبيرا جدّا»، (انظر هنا فيما يلى ص ٧)؛ كما يذكر أنّ خليل بن عرام قتل سنة ٧٨٢ (١٣٨٠)، ويقول عنه إنّه (ألّف تاريخا مفيدا فى وقائع الأحوال، والتوفّيات، وغير ذلك)، (انظر فيما يلى ص ٢٧٥ - ٢٧٦)؛ ويذكر وفاة الصارمى إبراهيم ابن دقماق، فى سنة ٨٠٩ (١٤٠٧) وينقل عنه ابن إياس الكثير من الأخبار، ويقول عنه إنّه «من ثقات المؤرّخين»، ويذكر عددا من مؤلّفاته، ومنها كتابه فى التاريخ «التحفة المسكية فى الدولة التركية»، (انظر فيما يلى ص ٤٧٥ س ١٤ - ١٥)؛ وأيضا وفاة شهاب الدين الأوحدى فى شهر رجب سنة ٨١١ (١٤٠٨) ويقول إنّه «ألّف تاريخا كبيرا فى خطط مصر». ولم أجد أسماء هذه الكتب، من مؤلّفات هؤلاء المؤرّخين، فى أىّ من المراجع، مع ما يبدو من أهميتها. *** وفى مواضع كثيرة من هذا القسم الثانى، يذكر ابن إياس كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» لتقى الدين أحمد المقريزى، فيقول فى نهاية بعض الحوادث

стр. 611

والأخبار: «نقل ذلك المقريزى فى السلوك»، وقد أشرت فى الحواشى إلى الصفحات المقابلة لهذه المواضع، من كتاب السلوك. غير أنّنا نلاحظ أنّ الفقرات الواردة فى هذه المواضع فى كتاب ابن إياس، تختلف عن تلك المذكورة فى الصفحات المقابلة من كتاب السلوك، وأنّ الكثير من التفاصيل التى يذكرها ابن إياس، تنقص فى كتاب السلوك. فهل يعنى هذا أنّ ناسخ كتاب السلوك، قد اختصر فى المتن فيما نسخه من المتن الأصلى لهذا الكتاب؟ وأنّ ابن إياس قد نقل فى المواضع التى ذكرها فى كتابه «بدائع الزهور»، عن نسخة من كتاب السلوك، كانت أكمل وأوفى؟ ويبدو أنّها كانت نسخة الأصل التى كتبها المقريزى بنفسه!! *** ومن الأخبار التى يذكرها ابن إياس، فى هذا القسم من كتابه، عن عائلته، أنّ السلطان الأشرف شعبان، فى شهر جمادى الأولى سنة ٧٦٨ (١٣٦٧)، قد أخلع على الأمير عزّ الدين أزدمر العمرى أبو دقن، وقرّره فى إمرة السلاح؛ وقد ولى أزدمر هذا إمرة السلاح مرّتين، كانت المرّة الأولى فى دولة السلطان الناصر حسن؛ وأزدمر هذا كان جدّ والد المؤلّف ابن إياس (انظر هنا فيما يلى ص ٥٨)؛ ثم يقول فى ص ٧٣ إنّ أزدمر جدّ والده كان منفيّا بالصبيبة، وعاد إلى القاهرة بطلب من السلطان شعبان فى شهر ربيع الآخر سنة ٧٦٩ (١٣٦٧)، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، غير أنّه توفّى بعد مدّة يسيرة، فى نفس الشهر، ودفن بالقرافة الصغرى، بالقرب من زاوية الشيخ أبى العبّاس البصير، وأزدمر هذا هو الذى أنشأ خان سراقب بالقرب من حلب. وفى ص ٧٨ فى وفيات سنة ٧٦٩ يذكر ابن إياس جدّ والده مرة أخرى ويقول إنّه ولى إمرة السلاح مرّتين، وولى نيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة صفد، وغير ذلك من النيابات. ***

стр. 612

وليس من شكّ فى أنّنا سوف نفيد كثيرا من دراسة مقارنة حديثة، تعمل بين مؤلّفات المؤرّخين، الذين كتبوا عن هذه الفترة الهامّة من تاريخ مصر؛ على أن تشمل هذه الدراسة ما ذكروه من تطوّرات وتغييرات فى نظام الحكم، واختصاصات الوظائف، وفى المراسم والتقاليد، فى الاحتفالات والاستقبالات، والخدمة فى المواكب. محمد مصطفى القاهرة فى ٧ من شعبان ١٣٩٤ ٢٥ من أغسطس ١٩٧٤

стр. 613

(١) ذكر سلطنة السلطان الملك الأشرف زين الدين أبى المعالى (٢) شعبان ابن الأمجد حسين بن الناصر محمد بن المنصور قلاون (٣) وهو الثانى والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، بويع بالسلطنة بعد خلع ابن عمّه محمد المنصور بن المظفر حاجى؛ وكان القائم فى سلطنة الأتابكى يلبغا العمرى، وكان ذلك يوم [الثلاثاء خامس عشر شهر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة] (٤)؛ فحضر الخليفة المتوكّل على الله، والقضاة الأربعة، وقامت (٥) البيّنة، وشهدوا عند الخليفة بأنّ الملك المنصور محمد: فى عقله بعض خلل، وليس عنده أهليّة للقيام بأمور المملكة؛ فخلعه الخليفة من السلطنة، وبايع شعبان، ولقّبه بالملك الأشرف. ثم أحضروا له شعار السلطنة، وأفاضوه عليه؛ ثم ركب من باب الستارة، ومشت قدّامه الأمراء، بالشاش والقماش، إلى أن نزل على باب القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وقبّلوا له الأمراء الأرض، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر بالقلعة. وكان له من العمر، لما ولى السلطنة، نحو اثنتى عشرة سنة، ولم يل (٦) أحد من

стр. 614

بنى قلاون، وأبوه لم يل السلطنة، سواه؛ وكان مولده بالقلعة سنة أربع وخمسين وسبعمائة؛ وكان حسن الشكل، بهىّ المنظر، بديع الجمال، وفيه يقول بعض الشعراء: بالملك الأشرف المفدى … شعبان فزنا بكل فضل من وطّن الكون والرعايا … بطىّ ظلم ونشر عدل وفيه يقول القيم خلف النبارى من زجل: حبّ قلبى شعبان موفّق رشيد … وجمالو أشرف ومالو حدود وأبوه الحسين وعمّو الحسن … وارث الملك من جدود الجدود سلّ لحظك صارم لقتل العدا … وانت منصور طول المدا والسّنين زعق السعد بين يديك: شاويش … فرّح القلب بعد ما كان حزين ونصب لك كرسى على المملكة … وظهر لك نصره بفتحو المبين والمصايب من حولك اشتقالت … خفقت فى الركوب عليك البنود فاحكم احكم فى مصر يا سلطان … فجميع الملاح لحسنك جنود فلمّا تمّ أمره فى السلطنة، كتب المراسيم إلى الأعمال ببشارة ولايته بالسلطنة. ثم فى يوم الخميس ثالث شهر رمضان، عمل الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكى يلبغا العمرى، واستقرّ به أمير كبير، على عادته؛ وأخلع على الأمير قشتمر (١) المنصورى، وأقرّه فى نيابة السلطنة، على عادته؛ وأخلع على الأمير طيبنا الطويل، واستقرّ به أمير السلاح؛ عوضا عن الأمير أزدمر العمرى الناصرى، المعروف بأبى ذقن، بحكم انتقاله إلى نيابة طرابلس، وولى أيضا نيابة صفد قبل نيابة طرابلس؛ وأخلع على الأمير عشقتمر الماردينى، وهو صاحب الخانقاة التى تجاه حوش العرب، الذى تحت القلعة، واستقرّ به أمير مجلس، على عادته؛ وأخلع على الأمير أرغون المعروف بالأسمردى، واستقرّ به دوادار كبير؛ وأخلع على الأمير

стр. 615

أرغون الأزقى، واستقرّ به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على الأمير طيبنا العلاى، واستقرّ به حاجب الحجّاب. ثم عمل الموكب الثانى، وأخلع على آخرين من الأمراء، وهم: الأمير منكلى بنا الشمسى، واستقرّ به نائب الشّام، عوضا عن الأمير قشتمر المنصورى؛ وأرسل تقليدا إلى الأمير قطلو بنا الأحمدى، وقرّره فى نيابة حلب. - ثم فى عقيب ذلك جاءت الأخبار بموت الأمير قطلوبنا الأحمدى، فلما تحقّق السلطان موته، أخلع على الأمير قشتمر المنصورى، نائب السلطنة، واستقرّ به نائب الشام، عوضا عن الأمير منكلى بنا الشمسى؛ وأرسل نقل الأمير منكلى بنا الشمسى إلى نيابة حلب. وأخلع على عمر شاه، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، واستقرّ به نائب حماة؛ وأخلع على الأمير أحمد بن قشتمر، واستقرّ به فى نيابة الكرك؛ وأخلع على أرنبنا، واستقرّ به فى نيابة غزّة؛ وأخلع على أرغون الأحمدى، الخازندار، لالة السلطان، واستقرّ به خازندار كبير؛ وأخلع [على] (١) الأمير يعقوب شاه، واستقرّ به مهمندار كبير. وأخلع [على] (١) بكتمر بن على الحسنى، الذى كان والى قطيا، واستقرّ به فى ولاية القاهرة، عوضا عن الأمير علاء الدين بن الكورانى، بحكم استعفائه منها؛ وأخلع على الأمير علاء الدين على بن الطشلاقى، واستقرّ به نائب ثغر دمياط، وأضاف إليه ولاية قطيا مع نيابة دمياط أيضا. وأخلع على خليل بن الزينى، واستقرّ به فى ولاية الغربيّة، عوضا عن عمر ابن الكركند، وهذه ثالث ولاية؛ ثم قرّر قشتمر، أستادار الأمير طقزدمر، فى ولاية الجيزة، ثم عزل عن قريب؛ وقرّر عوضه موسى بن الدينارى؛ وقرّر أحمد ابن جميل فى ولاية الأشمونين؛ وقرّر مقبل السيفى فى ولاية منوف، عوضا عن محمد بن عقيل. وقرّر محمد بن السميساطى، والى دمياط؛ وقرّر حسام، المعروف بالدّم الأسود، أستادار أيتمش، فى ولاية الفيوم، عوضا عن محمد بن طناى؛ وقرّر فتح الدين

стр. 616

أبو بكر، المعروف بابن أبى الكرم، فى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن الجمال عبد الله بن محمد بن إسمعيل بن أحمد بن الأثير؛ وأخلع على الأمير بكتمر مملوك طاز، واستقرّ به فى نيابة الرحبة. وفى شهر شوال، وردت الأخبار بأنّ الأمير قشتمر المنصورى، لما توجّه إلى محلّ نيابته بدمشق، أقام بها أياما، وأرسل إليه الأتابكى يلبغا خلعة وتقليدا بنيابة صفد، وكان بينه وبين يلبغا حظّ نفس قديم، فولاّه نيابة صفد، بعد أن كان نائب الشام، فعدّ ذلك من النوادر، وقصد قهر الأمير قشتمر بذلك. وفيه فرّق الأتابكى يلبغا الإقطاعات على المماليك السلطانية، وأنعم على جماعة من الخاصكية بإمريّات عشرة، وأرضى الجند بكل ما (١) يمكن؛ فاستقامت أمور الأشرف شعبان فى السلطنة، وانصلحت الأحوال، وخمدت الفتن التى كانت ثائرة بين الأتراك، ورضى كل واحد منهم بما هو فيه. وفى هذه السنة وقع الطاعون بالقاهرة، ومات به ما لا يحصى من الناس، من صغار وكبار، ونساء ورجال؛ ثم وقع عقيب ذلك الغلاء بالقاهرة، وكان سبب ذلك، أنّ النيل توقّف عن الزيادة، حتى مضى من مسرى ستة وعشرين يوما، ثم زاد بعد ذلك، ثم نقص ثلاثة أذرع، ثم زاد فى آخر أيام النسئ، واستمرّ فى الزيادة حتى كان الوفاء فى يوم الثلاثاء ثامن عشر ذى القعدة، ففتح فيه السدّ، وتمادت زيادته حتى انتهت إلى أربعة أصابع من ثمانية عشر ذراعا، ثم انهبط جملة واحدة فوقع الغلاء بمصر، وتحرّك سعر الغلال. وكان يومئذ بمصر الشيخ الصالح سيدى محمد وفا، رحمة الله عليه، فلما توقّف النيل عن الزيادة، توجّهوا إليه الناس، وسألوه أن يدعو (٢) إلى الله تعالى بأن يفى النيل، وأن يمنّ عليهم بالزيادة عن قريب؛ فدخل إلى خلوته، وخرج إلى النّاس فى اليوم الثانى وهو يقول: وفا وفا، فلذلك يسمّى: سيدى محمد وفا؛ ثم إنّ ولده سيدى على،

стр. 617

رحمة الله عليه، نظم هذا الموشّح الذى مطلعه: اسق العطاش تكرّما … فالعقل طاش من الظّما وخرج إلى الناس وهو يترنّم بذلك الموشّح، فأوفى (١) النيل المبارك فى ثامن عشر توت، بعد أن قطع رجاء الناس من الزيادة فى تلك السنة؛ ولما وقع الغلاء بمصر، فرّق الأتابكى يلبغا الغلال من الشون على الفقراء، وأهل العلم، وغير ذلك من الناس. وفى أثناء ذى الحجّة، جاءت الأخبار بوفاة المولى الفاضل الشيخ صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك الصفدى الشافعى، وكانت وفاته فى ليلة الأحد عاشر شوّال بدمشق من تلك السنة، وكان مولده سنة ست وتسعين وستمائة؛ وكان عالما فاضلا، شاعرا ناظما، وكتب الإنشاء بالقاهرة ودمشق، وباشر كتابة سرّ حلب، وله إنشاء جيّد فى المراسيم والرسائل. وألّف كتبا كثيرة مفيدة، منها كتاب يسمّى «الوافى بالوفيات»؛ وله تاريخ كبير جدّا؛ وله تذكرة مطوّلة جدّا؛ وألّف الكتاب المسمى بأعوان النصر فى أعيان العصر؛ وشرح لاميّة العجم، وطوّل فيها كثيرا؛ وألّف كتاب «فضّ الختام فى التورية والاستخدام»؛ وألّف المجاميع الكثيرة فى فنّ الأدبيات؛ وله مصنّفات كثيرة، فى علوم جليلة مفيدة، ما ينيف عن مائة تأليف؛ ولما مات رثاه الشيخ جمال الدين بن نباتة المصرى بهذين البيتين، وهو قوله: فقدت من الخلاّن قوما سألتهم … دوام الوفا إنّ الوفاء قليل وإنّ افتقادى واحدا بعد واحد … دليل على أن لا يدوم خليل ومن تغزّلات الصلاح الصفدى قوله: أقول له ما كان خدّك هكذا … ولا الصدغ حتى سال فى الشّفق الدجا فمن أين هذا الحسن والظرف قال لى … تفتّح وردى والعذار تخرّجا وقوله ملغزا فى بجع (٢): ما طائر فى قلبه … يلوح للناس عجب

стр. 618

منقاره كبطنه … والعين منه فى الذنب وله ملغزا فى ثعلب: عجبى من حيوان … لم يزل بالصيد يطلب فيه مكر وخداع … وهو بالتصحيف يغلب وقوله: أفديه ساجى الجفون حين رنا … أصاب منّى الحشا بسهمين أعدمنى الرشد فى هواه ولا … أفلح شئ يصاب بالعين وقوله: لقد شبّ جمر القلب من فيض عبرتى … كما أنّ رأسى شاب من موقف البين فإن كنت ترضى لى مشيبى والبكا … تلقّيت ما ترضاه بالرأس والعين قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة: كان الصلاح الصفدى يسرق من معانى الناس فى الأدبيات وينسبها إلى نفسه، وقد وقع له مع الشيخ جمال الدين بن نباتة ما ذكره فى كتاب «خبز الشّعير»، وأظهر سرقات الصلاح الصفدى فيه؛ فلما أن تزايد هذا الأمر من الصلاح الصفدى، فقلت فى معنى ذلك، وهو قولى: إنّ ابن أيبك لم تزل سرقاته … تأتى بكل قبيحة وقبيح نسب المعانى فى النسيم لنفسه … جهلا فراح كلامه فى الرّيح وفى هذه السنة عزل قاضى القضاة الحنبلى تقىّ الدين بن عمر؛ وولى الشيخ موفّق الدين عبد الله بن محمد، فأقام فى هذه الولاية نحو خمسة عشر يوما، ثم أعيد قاضى القضاة تقىّ الدين بن عمر؛ وكان سبب ذلك أنّ الأتابكى يلبغا أرسل خلف قاضى القضاة تقىّ الدين، وقت القايلة (١)، وكان يوما شديد الحرّ، فلما جاءت إليه رسل يلبغا، وجدوا القاضى نائما، فقالوا لهم الرسل: «نبّهوه من النوم يكلّم الأمير يلبغا»؛ فلما نبّهوه من النّوم، قال: «ما الخبر»؟ قالوا له: «رسل الأمير يلبغا يطلبوك (٢)»؛ فانزعج لذلك، وقال: «ولأجل هذا تنبّهونى (٣) من النّوم؟

стр. 619

قولوا لهم: قد عزل نفسه من القضاء». فلما جاءت الرسل وأخبروا الأمير يلبغا بذلك، شقّ عليه عزل القاضى من غير سبب، فلا زال يترضّاه حتى أجاب إلى العود إلى القضاء، وطلع إلى القلعة وأخلع عليه السلطان، وعاد إلى القضاء ثانيا، وعزل الشيخ موفّق الدين عبد الله؛ وأين هذه الأخبار من أخبار قضاة زماننا، وما يصنعون بأنفسهم من البهدلة، انتهى ذلك. وأما بقيّة من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الشريف غياث الدين أبو إسحق إبراهيم بن صدر الدين حمزة العراقى، والد الشريف مرتضى. - وتوفّى شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الرحيم البعلبكى، مفتى دار العدل، وكانت وفاته بدمشق، فى سابع عشرين شهر رمضان، وكان قد برع فى الفقه على مذهب الشّافعى. وتوفّى الشيخ مجد الدين أبو الفداء إسمعيل بن يوسف بن محمد الكفتى، شيخ القراءات، وكانت وفاته بمصر فى نصف شعبان. وتوفّى بكتمر، أمير علم. - والأمير جركس النوروزى، أحد الأمراء الطبلخانات. وتوفّى الشيخ أبو حاتم بن بهاء الدين أحمد بن السبكى. - وتوفّى تقىّ الدين أبو الربيع سليمان بن على بن عبد الرحيم بن أبى سالم بن مراجل الدمشقى، ناظر الدولة بديار مصر، وولى وزارة دمشق أيضا. وتوفّى شمس الدين عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن أبى السفّاح. - وتوفّى تقىّ الدين عبد الرحمن بن الضياء المناوى، وكان شابا جميل الهيئة. وتوفّى زين الدين عمر بن الشرف عيسى بن عمر البارينى الحلبى. - وتوفّى الشيخ عماد الدين محمد بن الحسين بن على بن عمر الإسنوى الشافعى، وكان قد برع فى الفقه والأصول. وتوفّى الشيخ ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن الربوة القونوى ثم الدّمشقى الحنفى، الخطيب بجامع يلبغا بدمشق. - وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبنا الأحمدى، نائب حلب، بها.

стр. 620

وتوفّى الشيخ تقىّ الدين محمد بن أحمد بن الحسن بن الفرات النحوى، وكان برع فى العربية. - وتوفّى ناصر الدين محمد بن صلاح الدين عبد الله بن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمرى، من أقارب القاضى كاتب السرّ شهاب الدين ابن فضل الله. وتوفّى الشيخ أمين الدين محمد بن أحمد بن على الجوخى، محدّث الشام. - وتوفّى الشيخ جمال الدين محمود بن محمد بن إبراهيم بن حملة، خطيب جامع بنى أميّة. وتوفّى يزدار، أمير شكار. - وتوفّى الطواشى جوهر المظفرى اللالا. - وتوفّى آخرون (١) من الأعيان فى هذه السنة. ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، أخلع السلطان على الأمير عشقتمر (٢) الماردينى، واستقرّ به نائب حلب، عوضا عن منكلى بغا الشمسى؛ ونقل منكلى بغا الشمسى إلى نيابة دمشق؛ فلما استقرّ بها، وردت الأخبار بأنّه فتح باب كيسان الذى بدمشق، وكان هذا الباب مقفولا من أيام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، المعروف بالشهيد، نحو مائتى سنة، فاقتضى (٣) الرأى فتحه بسبب المسافرين، فجمع قضاة القضاة واستشارهم فى فتحه، ليحصل به نفع (٤) للمسافرين، فأشاروا كلّهم بفتحه، ففتحه وعقد عليه قبوا بالحجارة، ونصب عنده جسرا، تمرّ من عليه المسافرون (٥)، وبنى هناك قنطرة عند الباب بالحجارة، وأنشأ له هناك جامعا يعرف به إلى الآن، وحصل به غاية النّفع للمسلمين، وسطّر أجر ذلك فى صحيفته إلى الآن. وفى شهر صفر، أخلع السلطان على الأمير خليل بن قوصون،

стр. 621

واستقرّ به أمير مجلس؛ عوضا عن الأمير عشقتمر (١) الماردينى، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب؛ وكان الأمير خليل ابن عمّة السلطان الأشرف شعبان. وفيه أنعم على الأمير طيدمر البالسى بتقدمة ألف، وهى تقدمة الأمير قندس الناصرى، وكان قد كفّ بصره واستعفى (٢)، فرتّب له السلطان ما يكفيه، وبقى طرخانا؛ وأنعم على الأمير على بن قندس بإمرة طبلخاناة. وفيه استقرّ بالأمير أرغون التاجى، أمير جندار، فى حجوبية طرابلس؛ واستقرّ بالأمير ألطنبغا فرفور، جاشنكير؛ عوضا عن منكوتمر عبد الغنى، بحكم استعفائه منها؛ واستقرّ بالأمير أسن قجا على بك الجوكندار، فى نيابة ملطية. وفى شهر ربيع الأول، استقرّ الأمير عمر بن أرغون النائب، فى نيابة صفد؛ عوضا عن قشتمر المنصورى؛ واستدعى قشتمر إلى القاهرة، وأنعم عليه بتقدمة عمر ابن أرغون النائب. - وفيه استقرّ الأمير طيغال الماردينى، فى نيابة قلعة الجبل؛ عوضا عن ألطنبغا الشمسى أنوك، وقد استعفى (٢) منها. وفيه أنعم السلطان على جماعة بإمريّات طبلخاناة، منهم: تمرقبا (٣) العمرى؛ ومحمد بن قمارى، أمير شكار؛ وألطنبغا الأحمدى؛ وآقبغا الصفوى. - وأنعم على جماعة بإمريّات عشرة، منهم: إبراهيم بن الأمير صرغتمش؛ وطشتمر العلاى؛ وطاجار بن عوض؛ وأروس بغا الخليلى؛ ورجب بن كلفت التركمانى. وفى ربيع الآخر، استقرّ الأمير قمارى الحموى، فى نيابة طرسوس؛ واستقرّ الأمير طشتمر القاسمى، فى نيابة سلمية، عوضا عن الأمير طنيرق؛ واستقرّ عمر ابن الكركند، فى ولاية الغربية، عوضا عن خليل بن الزينى؛ واستقرّ فخر الدين عثمان الشرفى، فى ولاية الأشمونين.

стр. 622

وفى جمادى الأولى، ارتفع سمر الغلال حتى بلغ الأردب القمح أربعين درهما كلّ أردب (١). - ووقع عقيب ذلك الموت فى الأبقار بجهات مصر وأفريقية. وفيه قدم بهاء الدين أبو البقا محمد بن عبد البرّ بن يحيى السبكى، وكان بدمشق، فقدم إلى القاهرة، وعزل عن القضاء بدمشق، وفيه يقول ابن نباتة: إنّى بفضلك واثق بمكارم … أورثتها عن سادة أنجاب لا غرو إن أعربت عن إحسانكم … فأبو البقا أحقّ بالإعراب وفيه خلع السلطان على القاضى علاء الدين على بن سديد أبى محمد عبد الوهاب ابن الفخر عثمان بن هبة الله المعروف بابن عرب، واستقرّ به محتسب القاهرة، عوضا عن صلاح الدين عبد الله البرلّسى، بحكم وفاته. وفى جمادى الآخرة، فى يوم الخميس ثانى عشره (٢)، خلع السلطان على القاضى بهاء الدين أبى البقا السبكى، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية، عوضا عن قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة، بحكم وفاته، وقرّره أيضا فى وكالة الخاص، عوضا عن تاج الدين محمد بن عبد الحقّ المناوى، بحكم وفاته أيضا. وخلع على الشيخ سراج الدين عمر الهندى الحنفى، واستقرّ به قاضى قضاة الحنفية؛ وخلع على الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ الحنفى، واستقر به فى إفتاء دار العدل، وهو أول حنفى ولى إفتاء دار العدل أيضا؛ وخلع على الشيخ سراج الدين عمر بن رسلان البلقينى الشافعى، واستقرّ به فى إفتاء دار العدل أيضا؛ وأمر هؤلاء (٣) الأربعة، مع الشيخ بهاء الدين السبكى، بأن يحضروا بدار العدل فى أيام الخدمة. وفى شهر رجب، وردت الأخبار من ماردين بوفاة متملّكها الملك الصالح غازى، وكان ملكا جليلا، تولّى على ماردين نحو أربعة وخمسين سنة؛ فلما مات تولّى على ماردين ابنه حسام الدين أحمد، وتلقّب بالملك المنصور.

стр. 623

وفى شهر شعبان، قدمت رسل متملّك سيس، فى طلب تخفيف الضريبة التى قرّرت عليهم، فهلك ملكهم، وقصّاده بمصر، فعادوا القصّاد إلى بلادهم من غير طائل. وفى شهر رمضان، خلع السلطان على القاضى أبى البقا السبكى، وقرّره فى نظر الأوقاف، مضافا لما بيده من الوظائف السنيّة. وفى شهر شوّال، وردت الأخبار من الشام بوقوع جراد عظيم، فأتلف الزروع والأشجار، فوقع الغلاء فى الشام بسبب ذلك، حتى بلغت الغرارة القمح بدمشق مائة وثمانين درهما، ثم انحطّ السعر بعد ذلك إلى مائة وعشرين درهما؛ ثم فشى بعد ذلك الطاعون بدمشق، وفشت بالناس الأمراض الحادرة من الدماغ. وفى ذى القعدة، برز مرسوم السلطان بمنع الوكلاء، الذين يجلسون بباب المدرسة الصالحية، والذين بمجالس القضاة قاطبة، حتى نفذت المراسيم الشريفة، بمعنى ذلك، إلى سائر الثغور، وإلى الشّام وحلب، وأعمالهما قاطبة؛ وكان سبب ذلك أنّ الوكلاء كانت قد كثرت فى تلك الأيام، وصاروا يتعصّبون على الناس فى أنواع الشرور، فتزايد الأمر منهم حتى جاوز الحدّ، وفى ذلك يقول ابن حبيب، وهو قوله: يقول ذو الحقّ الذى غاله … خصم ألدّ ولسان كليل إن صيّروا أمر وكيلى سدى … فحسبى الله ونعم الوكيل وفى ذى الحجّة، حفر الأتابكى يلبغا ترعة فى البدرشين، من أعمال الجيزة، فحصل بها غاية النفع للمسافرين وأهل تلك النواحى. - وفيه خلع السلطان على الأمير قطلبك، وقرّره فى ولاية منوف. وأمّا من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الشيخ شهاب الدين أحمد ابن محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبى جرادة العقيلى، المعروف بابن العديم، الحنفى الحلبى، نائب شيزر. وتوفّى قاضى حماة نجم الدين عبد الرحيم بن شمس الدين محمد بن هبة الله بن حسان

стр. 624

البارزى الجهيمى الحموى الشافعى، أقام فى قضاء حماة نحو عشرين سنة. - وتوفّى القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد بن بهاء الدين إسحق بن إبراهيم السلمى المناوى الشّافعى، خليفة الحكم، وقاضى العسكر، ووكيل الخاص. وتوفّى صلاح الدين عبد الله بن عبد الله بن إبراهيم البرلّسى المالكى، محتسب القاهرة، وكانت وفاته يوم الخميس خامس عشرين صفر (١)، ودفن بالقرافة. - وتوفّى الشّيخ فتح الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الحسن القلانسى الحنبلى، عاقد الأنكحة، وقد حدّث بعلوّ إسناد عن جماعة من العلماء. وتوفّى أبو إسحق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن إسحق ابن أحمد بن أسد بن قاسم، المعروف بابن الحاج، النميرى الغرناطى؛ قدم إلى القاهرة، وأقام بها، واشتغل (٢) فى العلم على مذهب الإمام مالك، ﵁. وتوفّى الشيخ الصالح الناسك، الورع (٣) الزاهد، سيدى محمد وفا، ﵁، وهو والد أهل بيت الوفائية، وكانت وفاته فى شهر ربيع الأول من هذه السنة؛ قال العلاّمة قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، رحمة الله عليه، فى كتابه المسمّى بالدّرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، هو محمد بن محمد بن محمد أبو الوفا الشاذلى المغربى التونسى، يعرف بالطراز، أخذ عن ياقوت العرشى، وغيره من المشايخ، وكان قد برع فى النظم، وإنشاء القصائد والموشّحات، على طريقة الشيخ عمر بن الفارض، رحمة الله عليه، وكانت له كرامات خارقة؛ ومن نظمه الرقيق قوله من قصيدة مطوّلة، وهى: خذها بيمناك فى أمن وفى دعة … مع كلّ مصطبح منها ومغتبق ختامها المسك بالتسنيم قد مزجت … طوبى لمرتشف منها ومنتشق وفيها توفّى قاضى مكّة، وهو تقىّ الدين محمد بن أحمد بن قاسم العمرى الحرّاوى

стр. 625

الشافعى، مات وهو معزول عن القضاء. - وتوفّى الأمير آقبغا، المعروف بالبوز، أحد رءوس النّوب. - وتوفّى الأمير أرغون التاجى، أحد الأمراء الطبلخانات بمصر. وتوفّيت خوند طولباى التركيّة، عتيقة السلطان حسن، وكان تزوّج بها الأتابكى يلبغا العمرى. - وتوفّى بالمدينة النبويّة الحافظ عفيف الدين أبو السيادة عبد الله بن محمد بن أحمد بن خلف المطرى. ووردت الأخبار بوفاة الملك الصالح صالح بن المنصور نجم الدين غازى بن المظفّر قرا أرسلان بن السعيد غازى بن أرتق بن أرسلان بن أيلغارى بن ألبى بن تمرداش ابن أيلغارى بن أرتق، متملّك ماردين؛ وقد أقام متملّك ماردين أربعا وخمسين سنة؛ فلما قدم الخبر بموته، جهّز السلطان خلعة لولده الملك المنصور حسام الدين أحمد، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، استعفى الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الإسنوى من وكالة بيت المال، حنقا من الوزير فخر الدين بن قروينة (١)، فأعفى من وكالة بيت المال؛ فلمّا أعفى (٢)، خلع السلطان على العلاى على بن عرب، وقرّر فى وكالة بيت المال، عوضا عن جمال الدين الإسنوى، بحكم استعفائه منها. وفيه خلع على شمس الدين محمد بن على، المعروف بابن أبى رقيبة، وقرّر فى حسبة القاهرة، عوضا عن بهاء الدين بن المفسّر، بحكم عزله عنها. - وفيه أسلم أبو الفرج عبد الله المقسى، وتلقّب بشمس الدين، وقرّر فى استيفاء المماليك السلطانية، ثم

стр. 626

نقل بعد ذلك إلى استيفاء الخاص، ثم بقى من بعد ذلك وزير الديار المصرية، وهو صاحب الجامع المعروف به. وفى شهر صفر، فيه، قرّر الأمير جرجى، أمير آخور كبير، فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير أشقتمر (١) الماردينى؛ وفيه نقل أشقتمر الماردينى إلى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير أزدمر العمرى أبو دقن؛ ونقل أزدمر العمرى إلى نيابة صفد، عوضا عن الأمير قطلقتمر (٢) المنصورى. وفيه قرّر جمال الدين محمود بن السراج القنوى الحنفى، فى قضاء الحنفية بدمشق، عوضا عن الجمالى يوسف الكفرى. - وفيه استقرّ الأمير يعقوب شاه، أمير آخور كبير، عوضا عن الأمير جرجى الإدريسى، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب. وفيه أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بإمريّات طبلخاناة، منهم: قطوبنا البلبانى؛ وكمشبغا الحموى؛ وجنتمر السيفى؛ وآقبغا الجوهرى؛ وآخرين من الأمراء. - وأنعم على آخرين من الأمراء بإمريّات عشرة، منهم: الأمير سلجرك الرومى؛ والأمير أروس السيفى؛ والأمير سنقر. وفيه استقرّ حسام الدين بن علاء الدين على بن ممدود بن الكورانى، فى ولاية المنوفية، عوضا عن قطلوبك السيفى؛ واستقرّ حسن بن الحرانى، فى ولاية قوص، عوضا عن بكتمر العلمى، بحكم انفصاله عنها. وفى هذا الشّهر وردت الأخبار من مكّة المشرّفة، بوقوع (٣) غلاء عظيم؛ فلما سمع بذلك الأتابكى يلبغا العمرى، بعث إلى مكّة باثنى عشر (٤) ألف أردب قمحا، ففرّقت على الفقراء والمساكين الذين (٥) بمكّة والمدينة الشريفة؛ ثم إنّ يلبغا رسم

стр. 627

بإبطال ما كان يؤخذ من المكوس على الحجّاج، ومن التجّار الواردة من العراق، وغيرها من البلاد؛ ثم إنّه عوّض الشريف أمير مكّة عن ذلك بإقطاع بمصر، يرسل يستغلّه فى كل سنة من مصر. وفى شهر ربيع الأول، توجّه قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة المقدسى إلى عند الأتابكى يلبغا، وعزل نفسه من القضاء بحضرته، وأخرج مصحفا حمائلى، كان فى كمّه، وتوسّل إلى يلبغا فى أن لا يشقّ عليه فى عوده إلى القضاء، وأن يعفيه من ذلك، فتلطّف به الأتابكى يلبغا بأن يعود إلى القضاء، فأبى من ذلك، وامتنع غاية الامتناع. فلما أيس منه يلبغا، أرسل خلف الشيخ بهاء الدين محمد أبو البقا السبكى، وخلع عليه، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية بمصر، عوضا عن عزّ الدين بن جماعة، بحكم استعفائه منها. وفى ربيع الآخر، قرّر الأمير ألجاى اليوسفى، فى وظيفة الخازندارية الكبرى، وكان الأمير ألجاى متزوّجا بوالدة السلطان الملك الأشرف شعبان، وهى خوند بركة. وفيه قرّر الناصرى محمد بن بكتمر الحاجب، فى نظر المشهد النفيسى، عوضا عن أمير المؤمنين محمد المتوكّل على الله، بحكم إخراج النظر عنه، فشقّ ذلك على الخليفة المتوكّل؛ نقل ذلك المقريزى (١). وفى شهر جمادى الأولى، أنعم السلطان على سيدى شعبان بن الأتابكى يلبغا، بتقدمة ألف. وفيه توفّى الأمير قمارى الحموى، نائب طرسوس. - وتوفّى الشيخ زين الدين

стр. 628

سبط قاضى القضاة السروجى الحنفى، مؤلّف «شرح الهداية»، وكان عالما فاضلا، مدرّسا بجامع الحاكم. وفى جمادى الآخرة، فيه أرسل السلطان نقل الأمير منجك اليوسفى من نيابة حلب، وقرّره فى نيابة طرسوس، عوضا عن الأمير قمارى الحموى، فعدّ ذلك من النوادر، وكانت هذه مقتة من السلطان فى حقّ الأمير منجك اليوسفى. وفى شهر رجب، فيه توجّه كاتب السرّ علاء الدّين على بن فضل الله، إلى بيت قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة، يدخل عليه فى عوده إلى وظيفة القضاء، فامتنع من ذلك غاية الامتناع؛ ثم توجّه إليه الأمير جرجى، أمير آخور كبير، يدخل عليه فى عوده إلى القضاء، فأبى من ذلك؛ ثم ركب الأتابكى يلبغا بنفسه، وتوجّه إلى بيت قاضى القضاة المذكور، وتلطّف به، وألحّ عليه فى عوده إلى القضاء، فامتنع وقال: «أنا أهاجر من مصر وأقيم بمكّة». فلما أيس (١) منه الأمير يلبغا سأله أن يعيّن من يصلح إلى قضاء الشافعية، فأشار بإبقاء بهاء الدين أبى البقاء السبكى فى منصب القضاء؛ ثم إنّ الأتابكى يلبغا صلّى صلاة المغرب خلف القاضى، وانصرف إلى منزله، ولم يوافقه ابن جماعة إلى عوده إلى منصب القضاء. - وفيه خلع على تاج الدين محمد بن بهاء الدين السبكى، وقرّر فى نظر البيمارستان المنصورى، ووكالة الخاصّ أيضا. وفى شهر شعبان، طلب السلطان قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة، فلما حضر أخلع عليه وقرّره فى نظر جامع أحمد بن طولون، وفى تدريس الفقه به، والحديث الشريف، ورتّب له على بيت المال فى كلّ شهر ألف درهم لنفقة عياله. وفيه عزل فخر الدين محمد بن الكويك، عن نظر الأحباس؛ واستقرّ عوضه ناصر الدين محمد القرشى، موقّع الدّست. وفى شهر رمضان، أخلع السلطان على الأمير قطلوآقتمر (٢) العلاى، أمير جاندار،

стр. 629

وقرّره فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير عمر بن أرغون، النائب؛ وأنعم على الأمير عمر بإمرية قطلوآقتمر (١)، وأقام بمصر. وفيه أخلع على الأمير ألجاى اليوسفى، واستقرّ أمير جاندار؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا البشتكى، وقرّر فى نيابة غزّة، عوضا عن أربنا الكاملى؛ واستقرّ الأمير عبد الله بن بكتمر الحاجب، أمير شكار، عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد بن ألجبغا. وفى شهر شوّال، استقرّ أسندمر حرفوش، حاجبا من جملة الحجّاب، وهى حجوبيّة عبد الله بن بكتمر، بحكم انتقاله إلى إمريّة شكار. وفيه وردت الأخبار من حلب، بأنّ نائبها خرج بعسكر من حلب، وتوجّه إلى الأمير ناصر الدين محمد بك بن باكير بن أرتغا، لينجده على من حاربه من التركمان. وفى ذى القعدة، قدم السلطان عبد الحليم من المغرب، فارّا من بعض أعدائه، فلما حضر بين يدى السلطان، عظّمه وأكرمه، وأنزله فى مكان فاخر على البحر، وأجرى عليه ما يكفيه من الرواتب السنيّة؛ واستمرّ مقيما بمصر، وتزوّج بزوجة الصاحب موفّق الدين هبة الله؛ ثم إنّه حجّ إلى بيت الله الحرام. وفى ذى الحجّة، قدم البريد من جهات المشرق إلى دمشق، وصحبته قماقم نحاس، فيها من ماء هناك، ينبع من عين، ومن خاصيّته أن يتبع ذلك الماء طائر يسمّى السمرمر، فى قدر الزرزور ولونه، وفيه ريش أصفر، ومن شأنه أنّه يأكل الجراد من الجوّ. فلما قدم على خيل البريد، فعلّق منهم قمقم (٢) بطارمة قلعة دمشق، وعلّق منهم واحد على مئذنة (٣) العروس، وعلى قبّة النصر يجامع بنى أميّة؛ وكان الجراد قد كثر بدمشق وأعمالها فى تلك الأيام جدّا، وأفسدت عندهم الأشجار والزروع، فبعث منكلى بغا

стр. 630

الشمسى، نائب الشام، بإحضار ذلك الماء، فلما علّق على تلك الأماكن خفّ عنها الجراد، ولم يبق منه شئ؛ وأقامت القماقم بالماء معلّقة بتلك الأماكن، حتى جفّ ما فيها من الماء، والطير السمرمر موجود بدمشق. وفى أواخر هذا الشهر، حضر مبشّر الحاج، وأخبر عنهم بالأمن والسلامة؛ وكان أمير ركب المحمل فى تلك السنة الناصرى محمد بن الأمير قندس. وحجّ فى هذه السنة من الأعيان: السلطان عبد الحليم، سلطان المغرب؛ وحجّ الأمير خليل بن عرام، نائب ثغر الإسكندرية، واستناب عنه بالثغر، إلى أن يحضر من الحجاز، الأمير جنغر؛ وحجّ فيها آخرون (١) من الأعيان، انتهى ذلك. وأما [من] (٢) توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: السيّد الشريف شمس الدين محمد بن حسن بن على بن حسن بن زهرة الحسنى، نقيب الأشراف بحلب. - وتوفّى شمس الدين محمد بن عبد الهادى الفوّى الشافعى. وتوفّى قطب الدين محمد بن محمد الرازى، المعروف بالقطب النحنانى (٣)، وكانت وفاته بدمشق. - وتوفّى زين الدين محمد بن سراج الدين عمر بن محمود الحنفى، أحد نوّاب الحكم بالقاهرة، وكان يحفظ الهداية فى الفقه. وتوفّى بدر الدين محمد بن قطب الدين محمد بن محمد بن منصور، المعروف بابن الشامية، موقّع الأحكام الشرعية. - وتوفّى شرف الدين محمد بن أحمد بن أبى بكر المزّى الدمشقى، وكان من أهل العلم والفضل، وكان يعرف بالشيرازى. وتوفّى قاضى القضاة الحنفية بدمشق، وهو جمال الدين يوسف بن شرف الدين أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة، المعروف بالكفرى الحنفى، وكان قد برع فى العلم على مذهب الإمام أبى حنيفة، ﵁. وتوفّى الأمير قمارى الحموى الحاجب، نائب طرسوس، توفّى بها. - وتوفّى الشيخ

стр. 631

عبد السلام بن سعيد بن عبد العال القيروانى المالكى، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، وكان قد برع فى الفقه والحديث. وتوفّى المسند شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر بن إبراهيم بن يعقوب بن إلياس الأنصارى الخزرجى البيّانى المقدسى، عرف بابن إمام الصخرة، ومولده سنة ستّ وثمانين وستمائة، وكانت وفاته فى تاسع عشرين ذى القعدة من تلك السنة، وكان قد برع فى الحديث والفقه. ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، ولى قاضى القضاة زين الدين عمر بن عبد الرحمن البسطامى الحنفى، خطابة جامع شيخو، عوضا عن شهاب الدين أحمد بن الشرف، بحكم وفاته. وفيه وردت الأخبار من حلب، بأنّ طائفة من الأرمن ملكوا قلعة خرتبرت، فرسم السلطان لنائب حلب بأن يخرج إليهم بعساكر حلب، فلما وصل إليهم نائب حلب، حاصرهم أشدّ المحاصرة، فطلبوا منه الأمان، فأرسل إليهم الأمان، فنزل إليه من كان بالقلعة من الأرمن، فأرسل نائب حلب يعلم السلطان بذلك، فأرسل السلطان لنائب قلعة خرتبرت خلعة، وأن يكون نائبا بها على عادته، كما كان أوّلا، وأنّه يقيم بالقلعة عسكرا وافرا، لدفع الأرمن، إذا حاصروا القلعة مرّة أخرى. وفى شهر صفر، سرح الأتابكى يلبغا العمرى [إلى] (١) وادى العبّاسة، وسرح السلطان أيضا إلى نحو العكرشا، على سبيل التنزّه. فبينما هما فى أرغد عيش، وإذا بأخبار رديّة (٢) قد طرقّهما، بأنّ الفرنج قد هجموا على ثغر الإسكندرية، فى سبعين مركبا من الأغربة الحربية، وهى مشحونة بالرجال والسلاح، وقد ملكوا الثغر فى يوم الأربعاء حادى عشرين صفر (٣)، وفيهم صاحب

стр. 632

قبرص (١)، وهو شخص يسمّى بطرس بن ربوك، وقد شقّ مدينة الإسكندرية وهو راكب، وقد لعب عساكر الفرنج فى أهل المدينة بالسيف، واستشهد خلق كثير من المسلمين، وهلك من الناس ما لا يحصى عددهم فى الازدحام عند عبور باب المدينة. فلما وصل هذا الخبر إلى الأتابكى يلبغا، ظنّ بأنّ هذه مكيدة من الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، وكان قد دبّت بينهما عقارب الفتن، وكان الأمير طيبغا طويلا، والأمير يلبغا قصيرا، فكانا إذا ركبا تلقّح عليهما العوام الكلام، ويقولون: يا طويل خذ حذرك من القصير. فلما كثرت الإشاعات بذلك، وتحقّق السلطان والأتابكى يلبغا صحّة هذا الخبر، رجعا إلى القلعة من يومهما، وصعد السلطان إلى القلعة يوم الأحد خامس عشرينه. ثم إنّ السلطان نادى فى القاهرة للعسكر بالنفير عام، وكل من تأخّر من الأتراك حلّ دمه وماله، فخرج الناس والعسكر أفواجا، أفواجا. ثم إنّ السلطان صلّى الظهر بالقلعة، ونزل وصحبته الأتابكى يلبغا وسائر الأمراء، فعدّى السلطان والعسكر إلى برّ الجيزة، وكان النيل فى قوّة الزيادة، فقاسى (٢) فى ذلك اليوم العسكر مشقّة عظيمة وقت التعدية. ثم إنّ السلطان نصب وطاقه على الطرانة، فلما استقرّ به عيّن الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، والأمير خليل بن قوصون، أمير مجلس، والأمير قطلوبغا المنصورى، والأمير كوكنداى أخو الأمير طيبغا الطويل، وعيّن صحبتهم ألف مملوك (٣) من شجعان العسكر، ورسم لهم بأن يتقدّموا جاليش العسكر إلى أن يحضر السلطان، فخرجوا من يومهم على جرائد الخيل، من غير أطلاب، ولا سنيح، ولا برك. فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية وجدوا الفرنج قد أحرقوا باب رشيد، ونهبوا جميع ما فى مدينة الإسكندرية، وقتلوا من المسلمين نحو خمسة آلاف إنسان، وأسروا النساء والأطفال، وكانت حادثة مهولة لم يسمع بمثلها.

стр. 633

ثم إنّ الفرنج خرجوا بالأسرى إلى مراكبهم، وما نهبوه من الأموال والغنائم من مدينة الإسكندرية ورشيد؛ فكان عدّة من أسر (١) من المسلمين فى هذه الحركة نحو خمسة آلاف أسير. وقد أقاموا يقتلون ويأسرون ويسبون وينهبون أموال الناس، ويحرقون عدّة أماكن ودكاكين، من ضحوة نهار الجمعة إلى بكرة نهار الأحد، فرفعوا السيف عن أهل المدينة؛ فكانت مدّة إقامتهم بثغر الإسكندرية ثمانية أيام. فكان عدّة طوائف الفرنج الذين (٢) دخلوا إلى ثغر الإسكندرية: من البنادقة أربعة وعشرين غرابا، ومن الجنويّة غرابين، ومن أهل رودس عشرة أغربة، ومن الفرنسيسية خمسة أغربة، وبقيّة الأغربة من أهل قبرص (٣). فلما قدم جاليش السلطان إلى الإسكندرية، وهم الأمراء المقدّم ذكرهم، فوجدوا الفرنج قد رحلوا عن ثغر الإسكندرية (٤)، وأخذوا صحبتهم من أسروه من المسلمين، وما غنموه من الأموال، ومن القماش والتحف وغير ذلك من الأمتعة، ونزلوا إلى مراكبهم، وتوجّهوا إلى بلادهم. فلما كاتبوا السلطان بما كان من أمر رجوع الفرنج إلى بلادهم، رحل من الطرانة وعاد إلى القلعة، وصحبته الأتابكى يلبغا العمرى؛ ثم رسم للأمير خليل بن عرام، نائب الإسكندرية، بأن يعود إلى محلّ نيابته بالإسكندرية، وأن يوارى رمم من استشهد هناك من المسلمين، فمضى ابن عرام من يومه إلى الإسكندرية ثم إنّ الأتابكى يلبغا قبض على جميع من فى مصر، ومن فى البلاد الشامية، من الفرنج، ومن البطارقة والنصارى، وألزمهم بأن يعطوا نصف أموالهم إلى السلطان، حتى يرسل ذلك إلى الفرنج، ويسمى فى خلاص أسراء (٥) المسلمين من أيدى الفرنج.

стр. 634

ومن غريب الاتّفاق، أنّ شخصا من الصالحين بشرّ الناس بأخذ مدينة الإسكندرية، من قبل وقوع ذلك بعام، فقال: تؤخذ مدينة الإسكندرية يوم الجمعة ثالث عشرين صفر (١) فى السنة الآتية؛ وكذا جرى كما قاله؛ وكانت هذه الحادثة من أشدّ الحوادث على المسلمين، لم يقع مثلها قط من مبتدأ الإسلام، وفى ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، فقال: ألا فى سبيل الله ما حلّ بالثّغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر أتاها من الإفرنج سبعون مركبا … وحاطت بها الفرسان فى البرّ والبحر وصيّر منها أزرق البحر أسودا … بنو الأصفر الباغون بالبيض والسّمر أتوا أهلها هجما على حين غفلة … وباعهم فى الحرب يقصر عن فتر فكم من فقير عاش فيها من الغنى … وكم من غنىّ مات فيها من الفقر نثرت دموعى يوم فرط نظامهم … فياليت شعرى من يبلّغهم نثرى فمن يومئذ اختلّت أحوال ثغر الإسكندرية، وتلاشى أمرها، وقلّت أموالها، واختلّ نظامها، ورحل عنها سكّانها. وفى شهر ربيع الأول، أرسل السلطان إلى الأمراء الذين (٢) توجّهوا إلى ثغر الإسكندرية بأن يقيموا هناك، ويصلحوا ما أفسده الفرنج بمدينة الإسكندرية من حرق الأبواب، وهدم الأسوار، ورجوع النّاس إلى أماكنهم بالمدينة، وكانوا قد هربوا إلى دمنهور، وغيرها من البلاد. ثم إنّ السلطان عزل خليل بن عرام عن نيابة الإسكندرية، وولّى عوضه الأمير بكتمر الشرفى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (٣)، على نيابة ثغر الإسكندرية، وهو أوّل من ولى من الأمراء المقدّمين على نيابة الإسكندرية، فخرج إليها من يومه، وتوجّه إلى الإسكندرية، وقد قال بعض الشعراء:

стр. 635

إسكندرية قالت … صن يا خليل دماكا لقد تغيّر ثغرى … واحتجت فيه سواكا وفيه رسم السلطان لبترك النصارى بأن يتوجّه إلى قبرص (١)، بسبب الأسراء (٢) الذين (٣) أسرهم ملك قبرص، فتوجّه البترك إلى قبرص (١) بسبب ذلك. - ورسم بالقبض على جميع الفرنج الذين (٣) كانوا بمصر وبالشام وبحلب، وسائر الأعمال قاطبة، فلما قبض عليهم أودعهم فى الحبوس، حتى يرى ما يكون من أمر من أسر من المسلمين، وضيّق عليهم، وقاسوا ما لا خير فيه، فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مرّ بالإسكندرية من الحوادث. وفيه وردت الأخبار بوفاة صاحب اليمن الملك المجاهد نور الدين على بن أحمد البركاتى؛ فلما توفّى تولّى بعده ابنه عبّاس، وتلقّب بالملك الأفضل، وكان أبوه (٤) نور الدين على من خيار ملوك اليمن على الإطلاق. وفى شهر ربيع الآخر، فيه وقعت حادثة مهولة، وهو أنّ الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، خرج يتصيّد نحو وادى العبّاسة، فأقام هناك أياما، فأرسل إليه الأتابكى يلبغا خلعة على يد شخص من الأمراء العشرات، ومرسوم السلطان بأن يستقرّ نائب الشام، ويتوجّه إليها من هناك. فلما وصل ذلك الأمير إلى الأمير طيبغا، وسلّمه الخلعة ومرسوم السلطان، وتحدّث معه بأن يستقرّ نائب الشام؛ فأبى الأمير طيبغا من ذلك، ولم يلبس الخلعة، وأظهر العصيان، وقصد المخامرة على الأتابكى يلبغا. فركب من هناك على حميّة وجدّ فى السّير، حتى وصل إلى المطريّة، فتسامع به الأمير أرغون الأسعردى، أمير دوادار كبير، والأمير طيبغا العلاى،
следующие страницы →