← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عبد السلام بن سعيد بن عبد العال القيروانى المالكى، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، وكان قد برع فى الفقه والحديث. وتوفّى المسند شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر بن إبراهيم بن يعقوب بن إلياس الأنصارى الخزرجى البيّانى المقدسى، عرف بابن إمام الصخرة، ومولده سنة ستّ وثمانين وستمائة، وكانت وفاته فى تاسع عشرين ذى القعدة من تلك السنة، وكان قد برع فى الحديث والفقه. ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، ولى قاضى القضاة زين الدين عمر بن عبد الرحمن البسطامى الحنفى، خطابة جامع شيخو، عوضا عن شهاب الدين أحمد بن الشرف، بحكم وفاته. وفيه وردت الأخبار من حلب، بأنّ طائفة من الأرمن ملكوا قلعة خرتبرت، فرسم السلطان لنائب حلب بأن يخرج إليهم بعساكر حلب، فلما وصل إليهم نائب حلب، حاصرهم أشدّ المحاصرة، فطلبوا منه الأمان، فأرسل إليهم الأمان، فنزل إليه من كان بالقلعة من الأرمن، فأرسل نائب حلب يعلم السلطان بذلك، فأرسل السلطان لنائب قلعة خرتبرت خلعة، وأن يكون نائبا بها على عادته، كما كان أوّلا، وأنّه يقيم بالقلعة عسكرا وافرا، لدفع الأرمن، إذا حاصروا القلعة مرّة أخرى. وفى شهر صفر، سرح الأتابكى يلبغا العمرى [إلى] (١) وادى العبّاسة، وسرح السلطان أيضا إلى نحو العكرشا، على سبيل التنزّه. فبينما هما فى أرغد عيش، وإذا بأخبار رديّة (٢) قد طرقّهما، بأنّ الفرنج قد هجموا على ثغر الإسكندرية، فى سبعين مركبا من الأغربة الحربية، وهى مشحونة بالرجال والسلاح، وقد ملكوا الثغر فى يوم الأربعاء حادى عشرين صفر (٣)، وفيهم صاحب

стр. 632

قبرص (١)، وهو شخص يسمّى بطرس بن ربوك، وقد شقّ مدينة الإسكندرية وهو راكب، وقد لعب عساكر الفرنج فى أهل المدينة بالسيف، واستشهد خلق كثير من المسلمين، وهلك من الناس ما لا يحصى عددهم فى الازدحام عند عبور باب المدينة. فلما وصل هذا الخبر إلى الأتابكى يلبغا، ظنّ بأنّ هذه مكيدة من الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، وكان قد دبّت بينهما عقارب الفتن، وكان الأمير طيبغا طويلا، والأمير يلبغا قصيرا، فكانا إذا ركبا تلقّح عليهما العوام الكلام، ويقولون: يا طويل خذ حذرك من القصير. فلما كثرت الإشاعات بذلك، وتحقّق السلطان والأتابكى يلبغا صحّة هذا الخبر، رجعا إلى القلعة من يومهما، وصعد السلطان إلى القلعة يوم الأحد خامس عشرينه. ثم إنّ السلطان نادى فى القاهرة للعسكر بالنفير عام، وكل من تأخّر من الأتراك حلّ دمه وماله، فخرج الناس والعسكر أفواجا، أفواجا. ثم إنّ السلطان صلّى الظهر بالقلعة، ونزل وصحبته الأتابكى يلبغا وسائر الأمراء، فعدّى السلطان والعسكر إلى برّ الجيزة، وكان النيل فى قوّة الزيادة، فقاسى (٢) فى ذلك اليوم العسكر مشقّة عظيمة وقت التعدية. ثم إنّ السلطان نصب وطاقه على الطرانة، فلما استقرّ به عيّن الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، والأمير خليل بن قوصون، أمير مجلس، والأمير قطلوبغا المنصورى، والأمير كوكنداى أخو الأمير طيبغا الطويل، وعيّن صحبتهم ألف مملوك (٣) من شجعان العسكر، ورسم لهم بأن يتقدّموا جاليش العسكر إلى أن يحضر السلطان، فخرجوا من يومهم على جرائد الخيل، من غير أطلاب، ولا سنيح، ولا برك. فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية وجدوا الفرنج قد أحرقوا باب رشيد، ونهبوا جميع ما فى مدينة الإسكندرية، وقتلوا من المسلمين نحو خمسة آلاف إنسان، وأسروا النساء والأطفال، وكانت حادثة مهولة لم يسمع بمثلها.

стр. 633

ثم إنّ الفرنج خرجوا بالأسرى إلى مراكبهم، وما نهبوه من الأموال والغنائم من مدينة الإسكندرية ورشيد؛ فكان عدّة من أسر (١) من المسلمين فى هذه الحركة نحو خمسة آلاف أسير. وقد أقاموا يقتلون ويأسرون ويسبون وينهبون أموال الناس، ويحرقون عدّة أماكن ودكاكين، من ضحوة نهار الجمعة إلى بكرة نهار الأحد، فرفعوا السيف عن أهل المدينة؛ فكانت مدّة إقامتهم بثغر الإسكندرية ثمانية أيام. فكان عدّة طوائف الفرنج الذين (٢) دخلوا إلى ثغر الإسكندرية: من البنادقة أربعة وعشرين غرابا، ومن الجنويّة غرابين، ومن أهل رودس عشرة أغربة، ومن الفرنسيسية خمسة أغربة، وبقيّة الأغربة من أهل قبرص (٣). فلما قدم جاليش السلطان إلى الإسكندرية، وهم الأمراء المقدّم ذكرهم، فوجدوا الفرنج قد رحلوا عن ثغر الإسكندرية (٤)، وأخذوا صحبتهم من أسروه من المسلمين، وما غنموه من الأموال، ومن القماش والتحف وغير ذلك من الأمتعة، ونزلوا إلى مراكبهم، وتوجّهوا إلى بلادهم. فلما كاتبوا السلطان بما كان من أمر رجوع الفرنج إلى بلادهم، رحل من الطرانة وعاد إلى القلعة، وصحبته الأتابكى يلبغا العمرى؛ ثم رسم للأمير خليل بن عرام، نائب الإسكندرية، بأن يعود إلى محلّ نيابته بالإسكندرية، وأن يوارى رمم من استشهد هناك من المسلمين، فمضى ابن عرام من يومه إلى الإسكندرية ثم إنّ الأتابكى يلبغا قبض على جميع من فى مصر، ومن فى البلاد الشامية، من الفرنج، ومن البطارقة والنصارى، وألزمهم بأن يعطوا نصف أموالهم إلى السلطان، حتى يرسل ذلك إلى الفرنج، ويسمى فى خلاص أسراء (٥) المسلمين من أيدى الفرنج.

стр. 634

ومن غريب الاتّفاق، أنّ شخصا من الصالحين بشرّ الناس بأخذ مدينة الإسكندرية، من قبل وقوع ذلك بعام، فقال: تؤخذ مدينة الإسكندرية يوم الجمعة ثالث عشرين صفر (١) فى السنة الآتية؛ وكذا جرى كما قاله؛ وكانت هذه الحادثة من أشدّ الحوادث على المسلمين، لم يقع مثلها قط من مبتدأ الإسلام، وفى ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، فقال: ألا فى سبيل الله ما حلّ بالثّغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر أتاها من الإفرنج سبعون مركبا … وحاطت بها الفرسان فى البرّ والبحر وصيّر منها أزرق البحر أسودا … بنو الأصفر الباغون بالبيض والسّمر أتوا أهلها هجما على حين غفلة … وباعهم فى الحرب يقصر عن فتر فكم من فقير عاش فيها من الغنى … وكم من غنىّ مات فيها من الفقر نثرت دموعى يوم فرط نظامهم … فياليت شعرى من يبلّغهم نثرى فمن يومئذ اختلّت أحوال ثغر الإسكندرية، وتلاشى أمرها، وقلّت أموالها، واختلّ نظامها، ورحل عنها سكّانها. وفى شهر ربيع الأول، أرسل السلطان إلى الأمراء الذين (٢) توجّهوا إلى ثغر الإسكندرية بأن يقيموا هناك، ويصلحوا ما أفسده الفرنج بمدينة الإسكندرية من حرق الأبواب، وهدم الأسوار، ورجوع النّاس إلى أماكنهم بالمدينة، وكانوا قد هربوا إلى دمنهور، وغيرها من البلاد. ثم إنّ السلطان عزل خليل بن عرام عن نيابة الإسكندرية، وولّى عوضه الأمير بكتمر الشرفى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (٣)، على نيابة ثغر الإسكندرية، وهو أوّل من ولى من الأمراء المقدّمين على نيابة الإسكندرية، فخرج إليها من يومه، وتوجّه إلى الإسكندرية، وقد قال بعض الشعراء:

стр. 635

إسكندرية قالت … صن يا خليل دماكا لقد تغيّر ثغرى … واحتجت فيه سواكا وفيه رسم السلطان لبترك النصارى بأن يتوجّه إلى قبرص (١)، بسبب الأسراء (٢) الذين (٣) أسرهم ملك قبرص، فتوجّه البترك إلى قبرص (١) بسبب ذلك. - ورسم بالقبض على جميع الفرنج الذين (٣) كانوا بمصر وبالشام وبحلب، وسائر الأعمال قاطبة، فلما قبض عليهم أودعهم فى الحبوس، حتى يرى ما يكون من أمر من أسر من المسلمين، وضيّق عليهم، وقاسوا ما لا خير فيه، فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مرّ بالإسكندرية من الحوادث. وفيه وردت الأخبار بوفاة صاحب اليمن الملك المجاهد نور الدين على بن أحمد البركاتى؛ فلما توفّى تولّى بعده ابنه عبّاس، وتلقّب بالملك الأفضل، وكان أبوه (٤) نور الدين على من خيار ملوك اليمن على الإطلاق. وفى شهر ربيع الآخر، فيه وقعت حادثة مهولة، وهو أنّ الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، خرج يتصيّد نحو وادى العبّاسة، فأقام هناك أياما، فأرسل إليه الأتابكى يلبغا خلعة على يد شخص من الأمراء العشرات، ومرسوم السلطان بأن يستقرّ نائب الشام، ويتوجّه إليها من هناك. فلما وصل ذلك الأمير إلى الأمير طيبغا، وسلّمه الخلعة ومرسوم السلطان، وتحدّث معه بأن يستقرّ نائب الشام؛ فأبى الأمير طيبغا من ذلك، ولم يلبس الخلعة، وأظهر العصيان، وقصد المخامرة على الأتابكى يلبغا. فركب من هناك على حميّة وجدّ فى السّير، حتى وصل إلى المطريّة، فتسامع به الأمير أرغون الأسعردى، أمير دوادار كبير، والأمير طيبغا العلاى،

стр. 636

حاجب الحجّاب، والأمير أرغون الأزقى، رأس نوبة النوب، والأمير أروس المحمودى، أستادار العالية. فلما حضروا إلى عند الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، وافقوه على العصيان على الأتابكى يلبغا، وكانوا هؤلاء الأمراء من عصبة الأمير طيبغا الطويل، فخرجوا إليه على حميّة، واجتمعوا به فى الريدانية. فلما بلغ الأتابكى يلبغا ذلك، طلع إلى القلعة، ثم ركّب السلطان، ونزل به من القلعة، فوقف على رأس الصوّة، ودقّت الطبول حربى، ونادى فى الرملة: من أطاع الله والسلطان يركب ويجئ تحت السنجق (١)؛ فركب العسكر قاطبة وطلع إلى الرملة. فلما تكامل طلوع العسكر، وقف السلطان فى الصوّة ساعة، ثم إنّه مشى وتوجّه إلى نحو قبّة النصر، فوقف هناك ساعة. فلما طلعت الشمس من يوم السبت سابعه (٢)، أقبل الأمير طيبغا الطويل، ومن معه من الأمراء والعسكر، فتلاقى (٣) مع السلطان هناك، فبرز إليه الأتابكى يلبغا وتحارب معه، فكان بينهما وقعة (٤) مهولة فى ذلك اليوم. وكان الأتابكى يلبغا أكمن كمينا من العسكر عند فمّ وادى السدرة. فلما انكسر يلبغا فى الريدانية، طمع فيه الأمير طيبغا الطويل وزحف عليه، فخرج ذلك الكمين عليه من ورائه من فمّ وادى السدرة، فانكسر الأمير طيبغا الطويل كسرة مهولة، وقتل غالب من كان معه من العسكر. ثم صار عسكر السلطان يقبض على من كان مع الأمير طيبغا الطويل من الأمراء، واحد بعد واحد (٥)؛ فأوّل من مسك من الأمراء، الأمير أرغون الأسعردى الدوادار، ثم مسك الأمير أروس المحمودى الأستادار، ثم مسك الأمير كوكنداى، أخو الأمير

стр. 637

طيبغا الطويل، ثم مسك الأمير أرغون الأزقى، رأس نوبة النّوب، ثم مسك الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، بعد المغرب من تربة بباب القرافة. فلما تكامل مسك الأمراء، أحضروهم إلى بين يدى الأتابكى يلبغا، فرسم بتقييدهم أجمعين، وأرسلهم تحت الليل إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكانت النّصرة عليهم للأتابكى يلبغا. فلما توجّهوا إلى الإسكندرية ومضى أمرهم، عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طيدمر النابلسى، واستقرّ أمير سلاح، عوضا عن الأمير طيبغا الطويل؛ وخلع على الأمير طيبغا الأبوبكرى، واستقرّ دوادار كبير، عوضا عن الأمير أرغون الأسعردى؛ وخلع على آخرين من الأمراء، عوضا عمّن (١) توجّه إلى السجن بثغر الإسكندرية. وفيه رسم السلطان بقطع لسان الشهابى أحمد بن أرغون النائب، وقطع لسان الأمير قطلوبنا الفخرى، لأمر أوجب ذلك، فطلع جماعة من الأمراء إلى عند السلطان وشفع فيهما، فرسم بنفيهما إلى الشام. وفيه شرع الأتابكى يلبغا فى عمارة مراكب أغربة، وقد شرعوا فى عملهم فى الجزيرة الوسطى، وكان سبب ذلك أنّ الفرنج لما هجموا على ثغر الإسكندرية، وجرى منهم ما جرى، شرع الأتابكى يلبغا فى إرسال تجريدة إلى قبرص (٢)، وغيرها من بلاد الفرنج، فقدّم نحو مائة غراب (٣) حربيّة؛ فلما بلغ الفرنج خبر التّجريدة، وقع فى قلوبهم الرعب من عسكر مصر. وكان المتولّى عمل هذه الشوانى الوزير فخر الدين ماجد بن قروينة (٤)، فقام فى ذلك أتمّ القيام، وبذل همّته وتصدّى لذلك ليلا ونهارا، وكان هو والأمير علاء الدين طيبغا العلاى، أستادار الأتابكى يلبغا، والمباشر على القبض والصرف القاضى

стр. 638

بهاء الدين بن المفسّر، فقدّموا مائة شينى، ما بين أغربة وطريدة، برسم حمل الخيول إلى بلاد الفرنج. ثم إنّ السلطان نادى فى القاهرة بحضور البحّارة والنفّاطة، فلما حضروا إلى بيت الأمير يلبغا، نفق عليهم نفقة السفر، فاجتمع عدّة من المغاربة والبحّارة، فكتب أسماءهم فى الدفاتر. ثم إنّ السلطان طلب نقباء أجناد الحلقة، وألزمهم بحضور أجناد الحلقة، وهدّدهم أنّ من أخفى واحدا من أجناد الحلقة لا يسأل ما يجرى عليه؛ فكتب كل نقيب مضافيه من أجناد الحلقة، وأحضروهم للمرض، فقطع منهم جماعة، وجماعة عيّنهم إلى السفر. ثم [إنّ] (١) السلطان نادى فى القاهرة: «من أطاع الله ورسوله والسلطان، يخرج إلى الجهاد فى سبيل الله، ويسافر إلى بلاد الفرنج». وفى شهر جمادى الأولى (٢)، قدم رسل خواجا مرجان من بغداد، ومعهم كتابة، بأنّه قد وقع بينه وبين أويس صاحب بغداد، وأنّه قطع اسم أويس من الخطبة ببغداد، وخطب باسم السلطان الملك الأشرف شعبان، وكذلك ضرب السكّة باسمه، وأخذ له البيعة على الناس ببغداد، وأنّه عزم على محاربة أويس، وأنّه إن انتصر على أويس، يكون نائبا عن السلطان. فأكرم السلطان رسله، وجهّز له تشريفا جليلا (٣)، وأعلاما خليفتية، وأعلاما سلطانية، وكتب له تقليدا بنيابة بغداد، وجهّز عدّة خلع لأمرائه، وأكابر دولته، وخلع على رسله، ورسم لهم بالعود إلى بلادهم. وفيه توفّى الأمير ملكتمر الماردينى، أحد الأمراء المقدّمين وكان لا بأس به. وفيه أفرج السلطان عن الأمراء الذين سجنوا بثغر الإسكندرية، وأرسلهم إلى

стр. 639

الشام بطّالين، ورتّب لهم ما يكفيهم فى كلّ يوم؛ وأما الأمير طيبغا الطويل، أمير سلاح، فإنّه أرسله إلى بيت المقدس بطّالا، ورتّب له ما يكفيه. وفيه توفّى شمس الأئمة الكردى، وكان من أعيان علماء الحنفية، وكان شيخ مدرسة السلطان حسن. وفى شهر جمادى الآخرة، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير حيار بن مهنا، أمير آل فضل من عربان حماة، وكان له مدّة وهو عاص على السلطان، فلما حضر خلع عليه السلطان، وأقرّه على عادته فى إمرة آل فضل. وفيه قدم الخبر بكثرة فساد أولاد الكنز، وطائفة العكارمة، بأسوان، وسواكن، وأنّهم منعوا التجّار وغيرهم من السفر، لقطعهم الطريق، وأخذهم أموال الناس بغير حقّ؛ وأنّ أولاد الكنز قد غلبوا على ثغر أسوان، وصحراء عيذاب، وبريّة الواحات الداخلة، وصاهروا ملوك النوبة، وأمراء العكارمة، واشتدّت شوكتهم. ثم قدم ركن الدين كرنبس، من أمراء النوبة، والحاج ياقوت، ترجمان النوبة، وأرغون، مملوك فارس الدين، برسالة متملّك دنقلة (١)، بأنّ ابن أخيه خرج عن طاعته، واستنجد ببنى جعد من العرب، وقصد دنقلة (١)، فاقتتلا قتالا شديدا، وقتل فى تلك المعركة الملك، وانهزم أصحابه؛ فلما قتل الملك، أقاموا عوضه فى المملكة أخاه، وامتنعوا بقلعة الدور فيما بين دنقلة (١) وأسوان. فأخذ ابن أخت المقتول دنقلة (١)، وجلس على سرير المملكة، وعمل وليمة حفلة، جمع فيها أمراء بنى جعد وكبارهم، وقد أعدّ لهم جماعة من ثقاته ليفتكوا بهم، فأخليت الدور التى هى حول مضيفهم، وملأها حطبا، فلمّا أكلوا وشربوا، ثم ناموا، خرجت عليهم جماعته بأسلحتهم، وأقاموا على باب الدار، وأضرموا آخرون النّار فى الحطب، فلما اشتعلت النار، بادر العربان للخروج من الدار، فوقع فيهم القوم بالقتل، فقتل منهم تسعة عشر أميرا من أكابرهم؛ ثم ركب إلى عسكرهم،

стр. 640

فقتل منهم مقتلة كبيرة، وانهزم باقيهم، فأخذ جميع ما كان معهم، واستخرج ذخائر دنقلة (١) وأموالها من أهلها، ومضى إلى قلعة الدور؛ فوقع الاتّفاق بينه وبين متملّكها على أن يكون نائبا عنه بها، وليستقرّ الملك لصاحب قلعة الدور. ثم إنّه أرسل يستنجد بالسلطان كى يمدّه بالعساكر، حتى ينتصر على العرب، ويستردّ ملكه، والتزم بأن يحمل فى كل سنة للسلطان مالا (٢) له صورة. فلما سمع السلطان ذلك رسم بإخراج تجريدة، وعيّن بها من الأمراء المقدّمين الأمير آقتمر عبد الغنى، حاجب الحجّاب، ومعه الأمير ألجاى اليوسفى، أحد أمراء الألوف؛ وعيّن جماعة من الأمراء الطبلخانات، ومن الأمراء العشرات، فكان عدّة الأمراء الطبلخانات ثمانية، والأمراء العشرات عشرة؛ وعيّن جماعة كثيرة من المماليك السلطانية، وهم نحو الثلاثة آلاف مملوك، فخرجوا بعد أيام، وقد جهّزوا يرقهم بسرعة. فلما خرجوا، توجّهوا إلى نحو مدينة قوص، فأقاموا بها ستّة أيام، ثم استدعوا أمراء أولاد الكنز من ثغر أسوان. ثم إنّ العسكر سار من قوص، فأتتهم أمراء الكنوز طائعين عند عقبة إدفو، فخلع عليهم الأمير آقتمر عبد الغنى، وبالغ فى إكرامهم، ومضى بهم إلى أسوان، فنزلوا وضربوا الخيام على شاطئ البرّ الغربى، فأقاموا هناك أربعة عشر يوما، ونقل ما كان مع العسكر فى المراكب من الأسلحة وغيرها على البرّ. فلما تكامل نقل الأسلحة والأمتعة والغلال وغير ذلك، فلما خفّت (٣) المراكب مما كان فيها، رسم الأمير آقتمر بأن تتوجّه فيها جماعة من الحجّارين إلى نحو الجنادل، ليصلحوا مواضع فى طريقها عند صعود المراكب إليها؛ فلما صارت المراكب خلف الجنادل وقطعتها، أعيدت إليها ما كان فيها من الأسلحة وغير ذلك، فمرّت

стр. 641

فى النيل، وسارت أمام العسكر تربد النوبة. فبينما هم على ذلك، وإذا برسل متملّك النوبة قد لاقتهم، وأخبروهم بأنّ العرب قد نازلوا الملك، وأتوا به إلى قلعة الدور. فلما تحقّق الأمير آقتمر عبد الغنى، أخذ طائفة كبيرة من المماليك السلطانية، وترك البقيّة مع البرك والأسلحة، وبادر هو، وجدّ فى السير حتى نزل بقلعة أبريم، فبات بها تلك الليلة، وقد اجتمع بملك النوبة وعرب العكارمة وبقيّة من أولاد الكنز، فدبّر حيلة مع ملك النوبة على طائفة أولاد الكنز والعكارمة، فقبضوا عليهم أجمعين. وركب ملك النوبة فى الحال، ومعه طائفة من المماليك السلطانية، وسار فى البرّ الشرقى إلى جزيرة ميكائيل، وكانت محلّ منزلة طائفة العكارمة؛ ثم أتى الأمير خليل بن قوصون من جانب البرّ الغربى، فأحاطوا بالعربان العصاة أجمعين بجزيرة ميكائيل، عند طلوع الشمس، فأسروا من كان بها من طائفة العكارمة، وقتلوا عدّة منهم كبيرة، وقد أرموا عليهم بالنشاب ففرّ (١) جماعة منهم، وتعلّق بالجبال، وجماعة منهم غرقوا فى البحر. ثم [إنّ] (٢) الأمير خليل بن قوصون ساق النساء والأولاد قدّامه أسراء (٣)، وحمل على الجمال ما غنمه من كسب العرب من النهب، وأتى إلى الأمير آقتمر؛ ثم إنّ الأمير آقتمر عبد الغنى فرّق عدّة من السبى على الأمراء والمماليك والخاصكية. ثم وقع الاتّفاق على أن يكون كرسى ملك النوبة بقلعة الدور، لخراب دنقلة (٤)، [وقد] (٥) تقدّم ذكر ذلك، ثم نزل الملك بدنقلة، فكتب الأمير آقتمر محضرا برضى ملك النوبة بإقامته بقلعة الدور، وابن أخته بقلعة أبريم. فلما تراضوا على ذلك جهّز ملك النوبة هديّة حفلة للسلطان وللأتابكى يلبغا، ما بين خيل وهجن ورقيق وغير ذلك.

стр. 642

ثم عاد العسكر وهو منصور على العرب، فدخلوا فى موكب حفل وقدّامهم أمراء الكنز، وأمراء العكارمة، وهم فى الحديد، وبقيّة الأسراء (١) فى حبال؛ فلما عرضوا على السلطان، أمر بسجنهم أجمعين، وخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى خلعة سنيّة وزيّنت لهم مصر العتيقة، وقناطر السباع، والصليبة، وغير ذلك من الشوارع. وفى شهر رجب، قدم القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن السبكى، قاضى قضاة دمشق، وقد قدم إلى مصر باستدعاء من السلطان؛ فأقام بمصر مدّة، ثم خلع عليه السلطان، وأعيد إلى قضاء دمشق على عادته، فسافر فى ذلك الشهر إلى دمشق. وفيه وردت الأخبار من مكّة المشرّفة بوفاة قاضى القضاة الشافعى عزّ الدين عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى الحموى الشافعى؛ ولد فى المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة بدمشق، وكانت وفاته بمكّة يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان عالما فاضلا، سمع على جماعة كثيرة من العلماء، وقرأ الحديث والفقه، وأفتى ودرّس وخطب، وولى القضاء بديار مصر تسعا وعشرين سنة، وسار فى القضاء أحسن سيرة، وأجمل طريقة، وكان خيّرا ديّنا، صلبا فى الأمور الشرعيّة، لا يقبل فى الحقّ رسالة من سلطان ولا أمير، وكان عفيفا عن الرشوة، فى درجة الأقطاب، مباركا صالحا، ترك القضاء باختياره، وتوجّه إلى مكّة، فأقام بها إلى أن قضى (٢) نحبه، رحمة الله عليه؛ وفيه يقول بعض الشعراء هذه المداعبة اللطيفة، وهو قوله: قاضى القضاة المفدى … له الأمور مطاعة سألت من هو أبوه … فقيل لى ابن جماعة [وفيه قدم الأمير حيار بن مهنا، أمير آل فضل، من عربان حماة، وكان له مدّة وهو عاص على السلطان، فلما حضر أخلع عليه وأقرّه على عادته فى إمرة آل فضل] (٣).

стр. 643

وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة رسل ملك الروم أردخان بن عثمان، فعمل السلطان الموكب بسببه، وقرأ كاتب السرّ مطالعته بين الأمراء، فكان من مضمونها أنّه قد جهّز إلى السلطان مائتى مركب من الأغربة، وهى مشحونة بالسلاح والرجال، يقوّى بها السلطان على قتال ملك قبرص (١)، فشكر له السلطان ذلك، وأثنى (٢) عليه، وأكرم رسله، وأخلع عليهم. وفيه توفّى الشيخ شرف الدين عيسى بن مخلوف، وكان من أعيان علماء المالكية. وفى شهر شعبان، قدم قاضى تبريز، فى جماعة من عند السلطان أويس متملّك بغداد، وعلى يده مطالعة تتضمّن أنّ الخواجا مرجان قد عصى عليه، وأنّه قصد المسير إلى قتاله، فلا يمكّن، إذا فرّ، من الدخول إلى الشام، ولا إلى مصر، فلم يجب (٣) إلى ذلك، وتعصّب السلطان للخواجا مرجان، ولم يلتفت إلى قاضى تبريز، ورجع خائبا. وفيه أنعم السلطان على الأمير طيبغا العلاى، أستادار الأتابكى يلبغا العمرى، بتقدمة ألف، وهى تقدمة الأمير ملكتمر الماردينى، بحكم وفاته؛ وأنعم على الأمير أينبك البدرى، أمير آخور الأتابكى يلبغا، بإمرة طبلخاناة، وأينبك هذا هو صاحب الدرب المعروف به فى السبع سقايات. وفيه أخلع السلطان على الأمير أرغون ططر، واستقرّ به رأس نوبة كبير، عوضا عن الأمير ملكتمر الماردينى. وأنعم على الأمير بكتمر الشريف، والى القاهرة، بتقدمة ألف، ثم قرّره فى ولاية نيابة ثغر الإسكندرية، عوضا عن صلاح الدين خليل بن عرام؛ وهو أول من تولّى نيابة ثغر الإسكندرية من الأمراء المقدّمين الألوف (٤)، وأمره بأن يستكثر عنده من

стр. 644

المماليك، بسبب حفظ ثغر الإسكندرية من هجمة الفرنج على حين غفلة، فاستخدم عنده (١) خمسمائة فارس من شجعان المماليك، لأجل طرد العدوّ عن الثّغر. وفيه استقرّ الأمير علاء الدين طيبغا، أستادار كشلى، فى ولاية القاهرة؛ واستقرّ عوضه فى ولاية مصر العتيقة، الأمير حسام الدين حسين بن علاء الدين على ابن الكورانى؛ واستقرّ ابن عرام فى ولاية الفيوم، عوضا عن حسين بن الكورانى. وفيه تغيّر خاطر السلطان على الأمير حسين بن طوغان الساقى، فنفاه إلى الشام بطّالا. وفى شهر رمضان، أخلع السلطان على الأمير قطلوبنا الشعبانى، وقرّره فى شادية الشراب خاناة، عوضا عن الأمير أرغون عبد الملك؛ واستقرّ الأمير تمرقبا (٢) العمرى، جوكندارا، عوضا عن جركتمر السيفى. وفيه أنعم السلطان على الأمير آقبغا الأحمدى، المعروف بالجلب، بتقدمة ألف؛ وكذلك (٣) الأمير أسندمر الناصرى. وفى يوم الاثنين سادس عشرينه، أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بإمريات طبلخانات وإمريات عشرات، وقرّر منهم جماعة أرباب وظائف، فكان عدّة هؤلاء (٤) الأمراء الذين تأمّروا فى يوم واحد، ثمانية وثلاثين أميرا. منهم أمراء طبلخانات: آقبغا الجوهرى، وأرغون القشتمرى، وأينبك البدرى، وعلى باى السيفى كشلى، وطغاى تمر العثمانى، وتجماس السيفى طاز، وألطنبغا العزّى، وأرغون العزّى كتك، وقراتمر المحمّدى، وأروس بغا الخليلى، وطاجار من عوض، وقطلوبنا العزّى، وآقبغا اليوسفى، وألطنبغا الماردينى، وأرسلان السيفى، وقرّره حاجب الإسكندرية، وعلى بن قشتمر، وسودون القطلقتمرى، وقطلوبنا الشعبانى، وطغاى تمر العزّى، ومحمد الترجمان.

стр. 645

وأما الأمراء العشرات، منهم: ككبغا السّيفى، وتنبك الأزقى، وأرغون الأحمدى، وأرغون الأرغونى، وسودون الشيخونى، ويونس العمرى، وأزدمر العزّى، وأروس النظامى، ودرت بغا البالسى، وطر حسن، وقرا بغا الصرغتمشى (١)، وطاز الحسنى، وقمارى الجمالى، ويوسف شاه، وطقبغا العلاى، وفير على، وقرقماس الصرغتمشى (١)، وطاجار المحمّدى. فأخلع على الجميع، وألبسوا الشرابيش، ونزلوا جميعا من دار العدل بالقلعة إلى المدرسة المنصورية، التى بين القصرين، وحضر جماعة من نوّاب القضاة، فحلّفوهم أن لا يخامروا على السلطان، ولا يركبوا ولا يثيروا فتنة. وكانت هذه عادة قديمة إذا تأمرّ أحد (٢) من الأمراء يتوجّه إلى المدرسة المنصورية، وتحضر إليه القضاة يحلّفونه أن لا يعصى على السلطان؛ فلما توجّهوا هؤلاء (٣) الأمراء إلى المدرسة المنصورية، زيّنت لهم القاهرة، ولاقتهم المغانى والطبول والزمور، من القلعة إلى بين القصرين، وكان يوما مشهودا. وفى شهر شوّال، فيه قدم الخبر بوصول رسل الفرنج إلى ميناء ثغر الإسكندرية، وأنهم طلبوا رهائن عندهم من أعيان تجّار الإسكندرية، حتى ينزلوا من مراكبهم، ويدخلوا المدينة، ويبيعوا ما معهم من البضائع، فخشى نائب الإسكندرية، أنّ هذه تكون مكيدة وحيلة منهم، فأرسل يعرّف السلطان بذلك. ثم اقتضى الحال إجابتهم إلى ذلك، فرسم السلطان بإخراج جماعة من السجن المعروف بخزانة شمايل، فأخرج منها جماعة وجب عليهم القتل، وألبسوهم أثوابا فاخرة، وتوجّهوا بهم إلى ثغر الإسكندرية، وأشاع أنّهم من رؤساء تجّار الإسكندرية، فبعث بهم النائب إلى الفرنج رهائن كما طلبوا، وجعل من خلفهم نساء وأولادا يصيحون ويبكون كأنّهم عيالهم، وهم يخافون عليهم من الفرنج، فظنّ الفرنج أنّ ذلك حقّا،

стр. 646

ومشى عليهم هذه الحيلة؛ وكانت من أحسن التراتيب فى الحيل فى هذا الأمر. فتسلّم الفرنج هؤلاء الجماعة، ونزلوا من المراكب، وقدموا إلى القاهرة، وطلعوا إلى القلعة، وقابلوا السلطان، فوجدوه قد سرح، وتوجّه إلى كوم برا بالجيزة، فتوجّهوا إليه الفرنج إلى هناك. فعمل السلطان الموكب، وجلس فى خيمة معظّمة، على سرير مذهّب، والأتابكى يلبغا بين يديه، والأمراء والحجّاب قياما بين يديه؛ فدخلوا عليه الفرنج وهو فى ذلك الموكب، فهالهم أمره، وظنّوا أنّ الأتابكى يلبغا هو السلطان، فإنّ السلطان كان شابا صغيرا كما بدا عذاره، والأتابكى يلبغا شيخ (١) بلحية بيضاء طويلة، فقيل للفرنج هذا من بعض أمراء السلطان. ثم إنّ الفرنج كشفوا عن رءوسهم وخرّوا على وجوههم، وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان، ثم قاموا ودنوا من السلطان، وناولوه كتاب ملكهم. ثم قدّموا ما كان معهم من الهديّة، ففرّق ذلك على الأمراء بحضرة السلطان؛ واختار السلطان من تلك الهديّة طستا وإبريقا من البلّور، مزيّكا بالذهب، واختار صندوقا لم يعلم ما فيه. ثم قرأوا كتاب ملكهم، فكان من مضمونه أنّ ملك الفرنج أرسل يقول (٢) إنّه تحت طاعة السلطان ومساعده على متملّك قبرص (٣)، حتى يردّ ما عنده من أسراء (٤) المسلمين الذين (٥) أخذوا من ثغر الإسكندرية، كما تقدّم ذكر ذلك. ثم إنّ ملك الفرنج أرسل يسأل فضل مولانا السلطان، بأن يفتح كنيسة القيامة (٦) بالقدس، فإنّها كانت قد غلقت من حين ملكت الفرنج ثغر الإسكندرية، فأجابه السلطان إلى ذلك.

стр. 647

ثم إنّ ملك الفرنج أرسل يسأل، بأنّ السلطان يمكّن تجّار الفرنج من دخولهم إلى ثغر الإسكندرية. فلما قرأ السلطان مكاتبة ملك الفرنج، أقام فى كوم برا بعد ذلك ثلاثة أيام، وعاد إلى القلعة، وكتب الجواب إلى ملك الفرنج، بما تقتضيه الآراء الشريفة فى ذلك؛ ثم أذن لرسله بالعود إلى بلادهم. وفيه أخرج الأمير جركس الرسولى شاد العمار منفيّا إلى حلب؛ واستقرّ عوضه فى شادية العمائر الأمير ناصر الدين محمد بن آقبغا آص. وفيه رسم السلطان بإحضار الأمير قشتمر المنصورى، نائب طرابلس؛ ثم استقرّ بالأمير أشقتمر الماردينى فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير قشتمر (١) المنصورى؛ وأخلع على الأمير أسندمر الزينى، وقرّره فى نيابة صفد. وفيه توجّه الأمير طقبغا إلى ملك الفرنج صاحب قبرص (٢)، قاصدا من عند السلطان، وعلى يده مطالعة (٣)، فأدّى رسالته، وأقام فى قبرص (٢) مدّة، ثم عاد إلى مصر. وفى شهر ذى القعدة، أرسل السلطان مراسيم إلى الأمير جرجى، نائب حلب، بأن يتوجّه إلى قلعة خرت برت، من أعمال ديار بكر، فامتثل المرسوم وخرج إلى ديار بكر، فحاصر قلعة خرت برت نحو أربعة أشهر، وكان متملّكها يومئذ الأمير خليل بن قراجا بن ذلغادر، مقدّم التركمان؛ فلما طال الحصار بينهما طلب خليل ابن قراجا الأمان من نائب حلب، فأمّنه، وقدم إلى القاهرة وقابل السلطان، فأخلع عليه وأقرّه على عادته. وفيه استقرّ القاضى سعد الدين بن الريشة، فى نظر الدولة؛ واستقرّ عوضه فى نظر الخزانة الكبرى، القاضى فخر الدين بن السعيد، ثم أضيف إليه نظر البيوت، عوضا عن تاج الدين موسى بن أبى شاكر.

стр. 648

[وفيه أفرج عن الأمير قطلوبغا الفخرى الحاجب، والأمير أحمد بن أبى بكر ابن أرغون النائب، بعد ما قطع لسان كل منهما، ونفيا إلى الشام] (١). وفيه عزل القاضى جمال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المزوادى، قاضى الحنابلة بدمشق. - وفيه استقرّ عوضه فى قضاء الحنابلة بدمشق، القاضى شرف الدين أحمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، المعروف بابن قاضى الجبل. وعزل أيضا القاضى جمال الدين محمد بن عبد الرحيم بن على بن عبد الملك المسلاتى، قاضى المالكية بدمشق؛ واستقرّ عوضه سرىّ الدين أبو الوليد إسمعيل بن محمد ابن محمد بن هانئ اللخمى الأندلسى. وفيه عزل القاضى شمس الدين محمد الحكرى عن قضاء المدينة الشريفة؛ وقرّر عوضه القاضى شمس الدين محمد بن خطيب أبرود. وفيه رسم السلطان بالإفراج عن الأمير أرغون الأسعردى، والأمير أروس المحمودى، وبقيّة الأمراء الذين كانوا بالسجن بثغر الإسكندرية، فأفرج عنهم من هناك، وتوجّهوا إلى الشام يقيمون بها بغير إمريّة، ورتّب لهم ما يكفيهم. [(٢) وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة قاصد من عند الملك أردخان ملك الروم ابن عثمان، فكان من مضمون مطالعته أنّه قد جهّز مائتى غراب حربية، مساعدة من عنده إلى السلطان، عونة على ملك الفرنج صاحب قبرص (٣)؛ فشكر له السلطان ذلك، وأثنى (٤) عليه، وأكرم قصّاده، وكتب الجواب بأن يصبر بتجهيز المراكب، إلى أن تخرج التجريدة من مصر صحبة الأمراء والمماليك السلطانية. وفيه وردت الأخبار بأنّ السلطان أويس خرج من توريز، وقصد التوجّه إلى

стр. 649

بغداد، وأنّه قد قبض على خواجا مرجان، فلما ظفر به سجنه، ثم أكحل عينيه (١). وأنّ شيخ العرب مهنا بن حيار (٢)، لما خرج عن الطاعة، فرّ من بغداد إلى العراق، وطرد عربانه من البلاد الشاميّة؛ فلما ضيّق عليه أويس، سار إلى حماة، وسأل الأمير عمر شاه، نائب حماة، بأن يشفع له عند السلطان، ويسأله فى ردّ إقطاعه إليه؛ فكتب عمر شاه بذلك إلى السلطان، فأجيب إلى قبول شفاعته؛ فلما قدم الجواب إلى الأمير عمر شاه، حضر إلى الأبواب الشّريفة، وصحبته الأمير مهنا بن حيار (٢). فلما قدم الأمير مهنا إلى مصر، بلغ أويس ذلك، فأرسل إلى السلطان يطلب منه الأمير مهنا بن حيار (٢)، وأرسل يقول له: «إنّه (٣) لا يمكن أنّ أحدا يفرّ من مملكتى ويدخل مصر ولا الشام أبدا»؛ فلم يجبه السلطان فى أمر مهنا بن حيار (٢) بشئ، وأخلع على الأمير مهنا، وعلى ولده نعير، وأقاربه، ورسم لهم بالعود إلى بلادهم؛ وأخلع على الأمير عمر شاه، وأقرّه فى نيابة حماة على عادته، وأعاده إليها. وفيه أخلع على الأمير حسام الدين حسين بن الكورانى، واستقرّ والى القاهرة، عوضا عن السيفى كشلى. وفى شهر ذى الحجّة، فيه قدم رسول متملّك ماردين، وأخبر بأنّ بيرم خجا، أمير التركمان، قد تغلّب على جهات الموصل، وقد بلغ عدّة عساكره نحو الثلاثين ألفا؛ فلما أخذ السلطان أويس نائبه الخواجا مرجان وسجنه وأكحله، بعث إلى الموصل جيشا عظيما، ففرّ منه بيرم خجا إلى بلاد العجم، فملك السلطان أويس غالب بلاد الموصل، وقد عزم على أخذ ماردين، ومتى ملك ماردين، تعدّى منها إلى أخذ حلب؛ وقد أرسل بيرم خجا يطلب من السلطان نجدة من العساكر السلطانية، فأرسل السلطان من يكشف عن صحّة هذه الأخبار.

стр. 650

وفيه قدمت أيضا رسل متملّك جنوة بستين أسيرا، مما كان أسر من أهل الإسكندرية، وأرسل صحبة القاصد هدّية حفلة إلى السلطان، وإلى الأتابكى يلبغا، وذكر فى مطالعته أنّ هذه الأسرى كانت نصيبه من صاحب قبرص (١)، واعتذر بأنّه لم يعلم بواقعة الإسكندرية إلا بعد وقوعها، وأنّه قد صار تحت طاعة السلطان، ومتى ظفر بمتملّك قبرص (١) قتله، فقبل منه السلطان هدّيته؛ وقد صارت الأسراء (٢) تثنى خيرا عن صاحب جنوة، فيما فعله معهم من الإحسان إليهم. وكان متملّك قبرص (١)، لما أسر أهل الإسكندرية، وعاد إلى قبرص، قسّم ما غنمه منها بين ملوك الفرنج، فبعث إلى متملّك جنوة هؤلاء (٣) الأسراء (٢)، فأحسن إليهم وكساهم، وأجرى عليهم الرواتب، ثم أرسلهم إلى السلطان. وفيه قدم وزير متملّك اليمن، وعلى يده هديّة حفلة للسلطان، من جملتها فيل عظيم الخلقة. - وفيه استقرّ ألاكز الكشلاوى فى نيابة ثغر الإسكندرية؛ ونقل الأمير بكتمر الشريف إلى ولاية البرّ بالشام. وفى هذه السنة، استجدّ السلطان واليا بأسوان، على إقطاع أولاد الكنز، ولم يعهد بمثل ذلك فيما تقدّم من الزمان. - وفيه أخلع على الحسام المعروف بالدم الأسود، وسلّمه أولاد الكنز، وكانوا فى السجن بالقاهرة؛ فلما توجّه الحسام إلى قوص سمّر أولاد الكنز جميعا، ومضى بهم إلى قوص، وهم على جمال، وقد سمّروا فى أيديهم بمسامير حديد، على لعب من خشب، وشقّ بهم من قوص. إلى أسوان، ثم وسّطهم بها. فعزّ ذلك على أولادهم وعبيدهم، فاجتمعوا بالعكارمة، وتحالفوا على العصيان، والخروج عن الطاعة؛ فجمعوا جمعا كبيرا من العربان، وأتوا إلى أسوان، فأتى إليهم الدم الأسود واتّقع معهم، فهزموه من أسوان، وجرحوا من كان معه من المماليك،

стр. 651

ودخلوا إلى أسوان ونهبوا كل ما فيها من المواشى، وغير ذلك من القماش، ثم قتلوا من كان بها من أهلها، ثم أحرقوا الدور التى (١) بها أجمعين، وأسروا النساء والأطفال، وفعلوا كما فعلت الفرنج بالإسكندرية من الفساد. وفيه (٢) وردت الأخبار من اليمن بولاية الملك الأفضل عبّاس بن المجاهد على بن المؤيّد هزبر الدين داود بن المظفر بن يوسف بن عمر بن على بن رسول، وقد ولى ملك اليمن بعد موت أبيه على. وفيه استقرّ الشيخ ضياء الدين عبيد الله بن سعيد العفيفى، المعروف بقاضى قرم، قرّر فى مشيخة الخانقاه الركنية بيبرس، ولى مشيختها عوضا عن الرضى بحكم وفاته، وكان من أعيان العلماء. وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الظاهر، المعروف بابن الشرف الحنفى، خطيب جامع شيخو الذى بالصليبة. - وتوفّى الأمير بطا، أحد الأمراء الطبلخانات، فلما مات أوصى أن يقرأ (٣) على قبره ألف ختمة. وتوفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن أيوب (٤) العينتابى (٥) الحلبى، قاضى العسكر بدمشق، وكان برع فى الفقه، وشرح «مجمع البحرين»، و «المغنى فى الأصول». وتوفّى الشيخ خليل بن إسحق المعروف بابن الجندى الفقيه المالكى، مؤلّف كتاب «المختصر فى الفقه على طريقة الحاوى»، وشرح كتاب ابن الحاجب فى الفقه على مذهب الإمام مالك، ﵁؛ أخذ الفقه عن الشيخ عبد الله المنوفى، وكان عبدا صالحا، وكانت وفاته فى يوم الخميس ثانى عشر ربيع الأوّل.

стр. 652

وتوفّى قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة بمكّة، يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الآخرة. وتوفّى الملك المجاهد متملّك اليمن، وهو سيف الدين على بن المؤيّد هزبر الدين داود بن المظفر يوسف بن عمر. وتوفّى شمس الأئمة محمود الكردى، وكان من أعيان علماء الحنفية، باشر مشيخة المدرسة الناصرية حسن. - وتوفّى الرضى شيخ الخانقاه البيبرسية (١). وتوفّى الأمير ملكتمر الماردينى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (٢)، وكان يعرف برأس نوبة الجمدارية. - وتوفّى الأمير أرغون العزّى بدمشق. - وتوفّى الأمير أرغون الأبوبكرى، أحد رءوس النوب. - وتوفّى الأمير أروس العزّى، أحد الأمراء الطبلخانات، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وستين وسبعمائة فيها فى المحرّم، فرّق السلطان الإقطاعات على جماعة من الأمراء، وجعل منهم أمراء طبلخانات، وأمراء عشرات، وذلك عوضا عمن خامر وركب مع الأمير طيبغا الطويل. وفيه قدمت رسل الملك الأفضل عبّاس بن المجاهد صاحب اليمن، وعلى يديه هدية سنيّة للسلطان؛ فمن جملتها فرس ليس له ذكر ولا أنثيين، وإنما كان يبول من ثقب فى بطنه؛ وكان صحبة تلك الهديّة وزير صاحب اليمن شرف الدين حسين بن الفارقى، فأنزلوه بالميدان الكبير على شاطئ النيل. وفيه قدم نائب الشام منكلى بنا الشمسى، وكان السلطان أرسل خلفه، فدخل القاهرة وهو عليل فى محفّة، فأكرمه السلطان وخلع عليه. ثم فى يوم الخميس ثالث عشرينه (٣) خلع السلطان على الأمير منكلى بنا

стр. 653

الشمسى، واستقرّ به فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير جرجى الإدريسى، فصارت نيابة حلب أكبر رتبة من نيابة الشام، وأضيف إليه الأربعة آلاف فارس من فوارس دمشق، فعظم أمر الأمير منكلى بغا الشمسى إلى الغاية. ثم عمل السلطان الموكب الثانى، وخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى، واستقرّ به فى نيابة الشّام، عوضا عن الأمير منكلى بغا الشمسى، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب. - وفيه أخلع على الأمير طيبغا العلاى، أستادار الأتابكى يلبغا، واستقرّ حاجب الحجّاب، عوضا عن آقتمر عبد الغنى. وفى شهر صفر، أخلع على الأمير طيبغا الطويل، وقرّر فى نيابة حماة. - وفيه استقرّ جمال الدين عبد الله بن نجم الدين عمر بن محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد ابن هبة بن أحمد بن يحيى بن العديم الحنفى، فى قضاء الحنفية بحماة، بعد وفاة أمين الدين عبد الوهّاب بن أحمد بن وهبان. وفيه قرّر جمال الدين عبد الله بن محمد بن إسمعيل بن أحمد بن سعيد بن الأثير، فى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن فتح الدين أبى بكر محمد بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن الشهيد. وفيه رسم السلطان للأمراء جميعا بأن يسكنوا بقلعة الجبل، على ما جرت به العادة القديمة فى أيام (١) الناصر محمد بن قلاون، فسكن بعضهم. وفيه استقرّ شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عمر، المعروف بابن زبيبة الحنفى، قاضيا بالإسكندرية، زيادة على قاضيها جمال الدين بن الربعى المالكى، ولم يعهد قبل ذلك بالإسكندرية قاضيان. وفى شهر ربيع الأول، فيه فى يوم الاثنين تاسع عشره، قبض الأتابكى يلبغا على الأمير الطواشى سابق الدين مثقال الأنوكى، مقدّم المماليك السلطانية، وضربه نحو ستمائة عصاة (٢)، وأخرجه إلى أسوان منفيّا، لكلام نقل له عنه؛ ثم أخلع على

стр. 654

الطواشى ظهير الدين مختار، المعروف بشادروان (١)، وقرّره مقدّم المماليك، عوضا عن سابق الدين مثقال الأنوكى. وفيه استقرّ الأمير أرغون الأزقى فى نيابة غزّة، عوضا عن ألطنبغا البشتكى. - وفيه أخرج الأمير أرغون الأحمدى اللاّلا منفيّا إلى القدس؛ وأخرج أيضا الأمير تمرقبا (٢) العمرى منفيّا إلى الشام. - وفيه أخلع على الأمير آقبغا الجلب، واستقرّ لالا السلطان، عوضا عن الأمير أرغون الأحمدى. وفيه رسم للأمير طيبغا حاجب الحجّاب، بعرض أجناد الحلقة، فجلس لعرضهم بجزيرة أروى، حيث عملت الشوانى الحربيّة؛ فلما عرضهم شدّد عليهم، وأخرج عن جماعة منهم إقطاعاتهم، فحصل لهم منه الضرر الشامل فى ذلك اليوم. وفيه استقرّ الأمير قطلوبك السيفى فى ولاية قوص، عوضا عن الأمير شهاب الدين قرطاى. وفيه كملت عمارة الشوانى البحريّة، وكان عدّتها مائة قطعة، ما بين أغربة وطرايد؛ ثم إنّ الأتابكى يلبغا استخدم لها من الرجال ما يكفيها، ما بين مغاربة وتراكمة وصعايدة، ورتّب لهم رؤساء ونقباء، وأنفق عليهم من الجوامك المعلومة والمقرّرة ما يكفيهم؛ ثم إنّ الأتابكى يلبغا أشحن الأغربة بالعدد الحربيّة وآلات السلاح. فلما تهيّأت جميعها، فرّقها على الأمراء المعيّنين للغزاة فى سبيل الله؛ فلما تسلّم كلّ أمير ما خصّه من الشوانى، زيّنها بالسناجق (٣) والأعلام، وأقام فيها الطبول والأبواق والنفوط، وأنزل بها عدّة من المماليك، وألبسهم آلة الحرب، وأمرهم بالتسيير فى البحر. ثم [إنّ] (٤) الأتابكى يلبغا ركب، هو والسلطان، والأمراء، وأرباب الدولة،

стр. 655

وأعيانها من المباشرين، وتوجّهوا إلى جزيرة أروى لرؤية الشوانى، وخرج الناس من أقطار المدينة بسبب الفرجة على الأغربة. فلما انقضى ذلك اليوم توجّه السلطان فى الحرّاقة، وأتى إلى بولاق التكرور، وخيّم بمنزلته من برّ الجيزة؛ ومضى الأتابكى يلبغا إلى جزيرة القطّ لأمر عنّ له. وكان لما توجّه السلطان إلى برّ الجيزة، أمر الأمير عمر بن أرغون النائب، بأن يقيم بقلعة الجبل نائب الغيبة، إلى أن يحضر السلطان من الجيزة؛ وأقام الأمير طيبغا، حاجب الحجّاب، بجزيرة أروى عند الشوانى. وكان الأتابكى يلبغا فى هذه الأيام ساءت أخلاقه، وشحّت نفسه، وتزايد ظلمه، لأمر يريده الله تعالى؛ فاجتمع مماليكه الأجلاب إلى أغواتهم وشكوا إليهم ما يلقوه (١) من أمر الأمير يلبغا، وأنّه جائر عليهم، ويهينهم، ويبالغ فى معاقبتهم كل يوم على الذنب اليسير، حتى أنّه ضرب عدّة مماليك من مماليكه بالمقارع، وقطع ألسنة جماعة منهم. فلما اجتمعوا بأغواتهم، وحدّثوهم عن أفعاله، فأشار عليهم الأكابر منهم بأن يتمهّلوا قليلا، حتى يأخذوا ما عند الأمير يلبغا، ويحدّثوه فى شأنهم. فانتدب إلى ذلك الأمير أسندمر الناصرى، والأمير آقنغلى (٢) الجلب الأحمدى، والأمير قجماس الطازى، والأمير تغرى برمش العلاى، والأمير آقبغا جركس، أمير سلاح، والأمير قرابغا الصرغتمشى، فمضوا إلى الأتابكى يلبغا وحدّثوه عن أمر مماليكه، وسألوه الرفق بهم، فردّ عليهم جوابا جافيا، وهدّدهم بالضرب بالمقارع، وحلف بالأيمان والعتق أنّه يشهر جماعة منهم فى الوطاق. فشقّ ذلك على الأمراء، وخرجوا من بين يديه وقد توغّرت صدورهم بالغدر له، واتّفقوا (٣) جميعا على قتله، وتحالفوا على ذلك كلهم، كما قد قيل فى المعنى عن ذلك:

стр. 656

إن حمّلت الأنفس ما لا تطيق … أطلقت الألسن ما لا يليق وفى هذه الأيام تزايدت (١) عظمة الأتابكى يلبغا إلى الغاية، ففتح السدّ فى هذه السنة، وكان له يوم مشهود، ووقع له موكب حفل فى ذلك اليوم، حتى قال فيه الشهاب ابن أبى حجلة، وهو قوله: أرى النيل سلطان المياه ويلبغا … عليه بمصر حاكم وأمير تلقّته بالمقياس عند قدومه … أصابع تومى بالدّعا وتشير وعاد إلى فتح الخليج فبادرت … لرؤياه ولدان هناك وحور وكان تقدّم القول بأنّ الأتابكى يلبغا أنشأ عدّة شوانى وأغربة، بسبب التجريدة إلى صاحب قبرص (٢)، لما تقدّم منه بسبب هجمه لثغر الإسكندرية؛ فلما كملت عمارة تلك الشوانى، وأشحنوها فى ذلك اليوم بالمقاتلين والسلاح والآلات الحربيّة، وزيّنوها بالسناجق (٣) والشطفات السلطانية. فعند ذلك نزل السلطان من القلعة فى موكب حفل وتوجّه إلى جزيرة أروى، فنزل من هناك فى المركب المسمّاة بالذهبيّة، ولعبت قدّامه الرجال فى الشوانى بالآلات الحربيّة، كما يفعلون عند لقاء العدوّ، وضربت الطبول، وزعقت الزمور، وفرقعت النفوط، وصاروا يلعبون (٤) بالأغربة قدّام السلطان فى البحر ذهابا وإيابا، والسلطان ينظر إليهم، وانشرح فى ذلك اليوم إلى الغاية؛ فلما انقضى ذلك اليوم، توجّه إلى نحو الطرّانة، وتوجّه الأتابكى يلبغا إلى جزيرة القطّ، ونصب له وطاق هناك، وأقام فى أرغد عيش. وفى شهر ربيع الآخر، ففى ليلة الأربعاء خامسه، كبسوا مماليك الأتابكى يلبغا عليه وهو فى المخيّم بجزيرة القطّ، وأحاطوا به، فلما أحسّ يلبغا بالشرّ منهم، هرب تحت الليل، وهو فى زىّ فلاّح، وعلى رأسه زمط، وعلى جسده جبّة، فعدّى من بولاق التكرور تحت الليل، وطلع من جزيرة أروى، وتوجّه إلى داره التى بالكبش.

стр. 657

وطلب جماعة من الأمراء مما كان (١) من حلفه، فحضر إليه الأمير طيبغا العلاى، حاجب الحجّاب، وكان أستاداره، والأمير أينبك البدرى أحد الأمراء المقدّمين، وكان أمير آخوره، والأمير آقبغا جركس، وكان دواداره، والأمير طغاى تمر النظامى، والأمير قرابغا البدرى، والأمير طيبغا المجدى، وآخرون (٢) من الأمراء الطبلخانات والعشرات، واجتمع عنده من العسكر الجمّ الغفير. فبعث الأمير طغاى تمر النظامى، والأمير قرابغا البدرى، وصحبتهما من العسكر ثلاثة آلاف مملوك (٣)، فملكوا البرّ الشرقى، ونادوا فى برّ مصر العتيقة، بأنّ لا أحدا من النواتية يعدّى بأحد من عسكر السلطان إلى برّ بولاق، ولا إلى برّ مصر العتيقة. ثم إنّ الأتابكى يلبغا طلع إلى القلعة، وأخرج سيدى أنوك بن الأمجد حسين بن الناصر محمد بن قلاون، وهو أخو الأشرف شعبان، وكان بدور الحرم؛ وأحضر الخليفة المتوكّل على الله، وقصد خلع الأشرف شعبان من السلطنة، فامتنع الخليفة من ذلك؛ واحتجّ بأنّ الشوكة للأشرف شعبان. فلا زال به يلبغا حتى خلع الملك الأشرف شعبان من السلطنة، وبايع سيدى أنوك بالسلطنة، ولقّبه بالملك المنصور، وأفاض عليه شعار السلطنة، وأركبه فرس النوبة، ونودى باسمه فى القاهرة، فعند ذلك اضطربت أحوال الناس، وغلّقت أسواق القاهرة قاطبة. وكانت سلطنته بجزيرة أروى فى صبيحة يوم الخميس سابع ربيع الآخر من تلك السنة، فصارت العوام يرقصون ويقولون: «سلطان الجزيرة، ما يسوى شعيرة»، يعنى يهزأون بسيدى أنوك أنّه لا يتمّ له هذا الأمر؛ فهذا ما كان من أمر الأتابكى يلبغا العمرى. وأما ما كان من أمر الملك الأشرف شعبان، بعد أن تسحّب الأتابكى يلبغا من جزيرة القطّ، وكان السلطان بالطرّانة، فلما وثبوا مماليك يلبغا عليه بجزيرة القطّ،

стр. 658

وتسحّب تحت الليل، جاءوا إلى السلطان مماليك يلبغا، وقالوا له: «قم واركب معنا، وإن لم تركب معنا قتلناك». فقام صبيحة يوم الأربعاء، وركب من الطرّانة، وجاء إلى نحو إنبابة، فصار السلطان فى برّ إنبابة، والأتابكى يلبغا فى جزيرة أروى، والعسكران يترامون بالنشّاب فى المراكب، والمكاحل بالمدافع عمّالة، وصار العسكر بين الفريقين، فرقة منهم مع الأشرف شعبان، وفرقة مع الأتابكى يلبغا، واستمرّ الحرب ثائرا بينهما حتى دخل الليل على الفريقين. وتوجّه الناس إلى جزيرة أروى، بسبب الفرجة على المقاتلين، وما يصير بين الأشرف شعبان، وبين الأتابكى يلبغا، وقد صارت العوام يتعصّبون للسلطان الأشرف شعبان، ويقولون: «سلطان الجزيرة، ما يساوى شعيرة»، يعنى عن أنوك الذى سلطنة الأمير يلبغا بالجزيرة. ثم إنّ الأشرف شعبان طلب ريّس النواتية، وكان شخصا يسمّى محمد بن لبطة، وكان ريّس المراكب فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، فقال له السلطان: «قصدى أن تعدّى بى إلى برّ بولاق»، فقال: «نعم أنا أعدّى بك»، ثم إنّه عمد إلى ثلاثين غرابا، من الأغربة التى (١) عمرها يلبغا بسبب التجريدة، فكسر بروقها وعمرها بالمقاذيف، وعدّى بالسلطان ومن معه من العسكر، فعدّى من الورّاق، وطلع به من جزيرة الفيل. كل ذلك تحت الليل، فتوجّه من على خليج الزعفران، وطلع من بين الترب؛ فما طلع عليه النهار إلا وهو فى القلعة، فعلّق السنجق (٢) السلطانى، ورسم بدقّ الكوسات، فتسامع به العسكر، فتسحّب منهم من كان مع الأتابكى يلبغا؛ فعند ذلك تلاشى أمره، ولم يبق معه من العسكر إلا القليل. فركب من جزيرة أروى، ولم يبق معه من الأمراء سوى الأمير طيبغا، حاجب الحجّاب، وبعض مماليك من مماليكه؛ فطلع إلى الرملة، ووقف بها ساعة، وانتظر على أنّ أحدا من الأمراء يطلع إليه، فلم يطلع إليه أحد منهم.

стр. 659

فعند ذلك أرسل سيدى أنوك، أخو (١) السلطان، الذى كان أخرجه من دور الحرم، وسلطنه، ولقّبه بالملك المنصور، فأعاده (٢) إلى القلعة؛ ثم نزل عن فرسه فى وسط الرملة، وصلّى ركعتين، وحلّ سيفه من وسطه، ودفعه إلى الأمير طيبغا العلاى، حاجب الحجّاب، ثم ركب فرسه وتوجّه إلى داره التى بالكبش، وقد ظهر له عين الغلب، وبانت عليه الكسرة. فلما نزل من الصليبة رجمته العوام بالحجارة، وسبّوه سبّا قبيحا، لأنّهم كانوا يبغضونه بغضا شديدا، بسبب مماليكه، لأنّهم كانوا يشوّشون (٣) على الناس، فما خلص الأمير يلبغا، ووصل إلى داره التى بالكبش، إلا بعد جهد كبير؛ وقد قال القائل فى المعنى: ألا إنما الدنيا غرور وباطل … فيا فوز من كفاه منها تفرّغا وما عجبى إلا لمن بات واثقا … بأيام دهر ما رعى عهد يلبغا فلما توجّه إلى داره، أرسل السلطان خلفه مع بعض الأمراء، قريب المغرب، فقام وطلع معه إلى القلعة، هو والأمير طيبغا العلاى، حاجب الحجّاب؛ فلما بلغ السلطان طلوعه إلى القلعة، رسم بسجنه فى قاعة النحاس، المطلّة على الإيوان، فسجن بها هو والأمير طيبغا، حاجب الحجّاب. فلما تسامعوا مماليك يلبغا بذلك، تخوّفوا من السلطان أن يطلقه، ومتى أطلقه لا يبقى منهم أحد، فأرسلوا يقولون (٤) للسلطان: «ارسل لنا الأمير يلبغا، وإلا نحن نهجم عليه ونأخذه غصبا». فخشى السلطان منهم، فرسم بإخراج يلبغا من قاعة النحاس، وقال له: «امضى (٥)

стр. 660

إلى دارك»، فخرج من قاعة النحاس بعد المغرب، فلما أن وصل إلى سلّم المدرّج، قدّموا له الفرس ليركب، فمنعوه مماليكه من الركوب، وأخذوه وهو ماشى مشحطط بينهم. فلما وصلوا به إلى رأس الصوّة عند الحوض الكبير، تقدّم إليه شخص من مماليكه، يقال له قراتمر، فضربه بالسيف، فأرمى رأسه عن جثّته، فأخذها بعض مماليكه، ووضعها فى مشعل، وقد أضرم ناره، ونزلوا بها من الصليبة، وتوجّهوا بها إلى داره التى فى الكبش. فلما طلع النهار، أحضروا رأسه بين يدى السلطان، وكان الأمير يلبغا له خلف أذنه سلعة، فلما رأوا تلك السلعة، لم يشكّوا فى قتله؛ ثم بقى جسده مرمى (١) فى رأس الصوّة، والناس ينظرون إليه؛ ثم إنّ الأمير طشتمر الدوادار أخذ رأسه وجثّته، وغسّله وكفّنه، وصلّوا عليه، ثم توجّهوا به إلى تربته التى بالصحراء، فدفن بها؛ وكانت قتلته فى ليلة الأحد تاسع شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وسبعمائة، وفيه يقول الشهاب بن العطّار: أتاك على يديك (٢) الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه فلا تعتب سواك على الذى قد … بليت به فدود الخلّ منه وقوله: بدا شقاء يلبغا وعدّت … عداه فى سفنه إليه والكبش لم يفده وأضحت … تنوح غربانه عليه وقوله: حواشى يلبغا كانوا زناة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا ولا عجب إذا سكروا بحرب … فأهل الكبش ما برحوا سكارى وكان الأتابكى يلبغا أميرا جليلا، معظّما مبجّلا، وافر الحرمة، نافذ الكلمة،

стр. 661

فى سعة من المال، وكان فى دولة الأشرف شعبان هو صاحب الحلّ والعقد بالديار المصرية. وكان أصله من مماليك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، وعظم أمره فى هذه الأيّام جدّا، حتى قيل بلغ عدّة مماليكه ثلاثة آلاف مملوك (١)؛ فكانوا إذا ركب وطلع إلى القلعة فى أيام المواكب، يصطفّون (٢) صفّين، من بيته الذى بالكبش، إلى سلّم المدرّج، ويشقّ بينهم وهو راكب؛ وكان من مماليكه أربع أمراء مقدّمين ألوف (٣)، غير العشرات. وكان الوزير فخر الدين بن قروينة (٤) يحمل إليه فى [كل] (٥) يوم من اللحم الف رطل، برسم سماطه؛ وكان مصروف سماطه فى كل يوم ألف دينار، هو وعياله ونساؤه وسراريه وأولاده ومماليكه، بما فيه من طوارى وغير ذلك؛ وكان ضريبته فى كل صحن على سماطه عشرة أرطال من اللحوم الضأن، وإلى الآن يقال عن الصحن الكبير «صحن يلبغاوى». وإليه ينسب الطراز العريض اليلبغاوى، وهو إلى الآن يسمّى به؛ وإليه ينسب أشياء كثيرة من آلة الحرب إلى الآن. وكان شديد البأس، صعب الخلق، إذا غضب على أحد لا يرضى عليه أبدا؛ وكان عظمىّ اللسان، قليل الكلام بالعربى؛ وكان سفّاكا للدماء، ولا سيما قتله لأستاذه السلطان حسن، وما فعله به؛ وكان كثير التشويش على مماليكه، ضرب منهم جماعة بالمقارع، وقطع أنوف وآذان جماعة كثيرة منهم، ولهذا تعصّبوا كلّهم على قتله. ورأى فى أوائل عمره من العزّ والعظمة ما لا رآه غيره من الأمراء؛ وكان الأشرف شعبان فى يده مثل اللّولب، يديره كيف شاء؛ ورأى فى أواخر عمره هذه الموتة الشنيعة، فكان كما يقال فى المعنى:

стр. 662

خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما … وأنت ناه لهذا الدّهر آمره فالعمر كالكأس تستحلى أوائله … لكنّه ربّما مجّت أواخره وكان الأتابكى يلبغا، فى أواخر دولته، تعصّب للسادة الحنفية، بأن يكونوا بمصر أعظم من السادة الشّافعية، فى جميع الأحوال، حتى أنّ جماعة كثيرة من الشافعية تقلّدوا فى أيامه بمذهب الإمام أبى حنيفة، ﵁؛ فلما جرى ذلك قال شخص من العلماء: «رأيت الإمام الشافعى، ﵁، فى المنام، على كتفه مسحاة، فقال له: إلى أين تمضى يا إمام؟ قال: إلى بيت يلبغا العمرى، أهدمه فلا يعمر بعد ذلك أبدا، كونه بهدل مذهبى». وكذا جرى، فإنّ بيت يلبغا كان فى أعلا الكبش، فلما قتل يلبغا، خرب بيته، ولم يعمر إلى الآن، ولم يسكنه أحد من الأمراء من بعده، ولم بقى [١] يعرف له أثر، وذلك ببركة الإمام الشافعى، ﵁، انتهى ذلك. ويلبغا هذا، هو صاحب الجامع الذى بدمشق، وهو يعرف به إلى الآن. ولما قتل الأمير يلبغا، امتدّت أيدى العامة، وأسافل الناس الأجناد، إلى بيوت الأعيان، فنهبوها بحجّة أنّهم من حواشى يلبغا، ونهبوا بيت الوزير فخر الدين ماجد ابن قروينة [٢]، كون أنّه كان من أصحاب الأمير يلبغا؛ ونهبوا بيت الأمير علاء الدين بن الطبلاوى والى القاهرة. وصار من يريد أن يبلغ من عدوّه ما يريد، يقول عنه إنّه من جماعة يلبغا، فلما [تسمع العامّة بذلك يحتاطوا به ويسلبوه من أثوابه ويقتلوه] [٣]، أو يهرب من أيديهم وينجو [٤] من القتل؛ فنهب فى هذه الحركة من الدور ما لا يحصى عددها، وقتل من الناس جماعة كثيرة، فغلقت الأسواق، وتعطّلت من البيع والشّرى، واختفت

стр. 663

الأتراك فى بيوتها خوفا من الرجم من العوام. فلما تزايد منهم هذا الأمر، ركب الأمير ضروط الحاجب، ومعه والى القاهرة، وصارا ينادوا (١) الناس بالأمان والاطمان والبيع والشّرى، ومن يتعرّض لأحد من الناس فى نهب دار، أو قتل أحد من المماليك، شنق من غير معاودة، ويكون حلّ ماله ودمه للسلطان، فانكفّوا العوام عن إفسادهم قليلا. وفيه رسم السلطان للأمير خليل بن قوصون، أحد الأمراء المقدّمين، بأن يقيم فى داره بطّالا. وفيه، فى يوم الاثنين حادى عشره، عمل السلطان الموكب، وجلس بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير قجماس الطازى، واستقرّ به أمير سلاح، عوضا عن الأمير قرابغا البدرى؛ وأخلع على الأمير قشتمر المنصورى، واستقرّ به حاجب الحجّاب، عوضا عن الأمير طيبغا العلاى؛ وأخلع على الأمير ضروط، واستقرّ به حاجبا ثانى (٢)، عوضا [عن] (٣) الأمير يعقوب شاه؛ وأخلع على الأمير ناصر الدين محمد بن قمارى، واستقرّ به أمير شكار، عوضا عن جمال الدين عبد الله بن بكتمر الحاجب؛ وأخلع على الصاحب فخر الدين ماجد بن قروينة (٤)، واستمرّ فى الوزارة على عادته. ثم قبض على آخرين من الأمراء، وهم: الأمير قرابغا البدرى، أمير سلاح؛ والأمير طيبغا العلاى، حاجب الحجّاب؛ والأمير يعقوب شاه؛ وغير ذلك جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشرات، ممن كان من عصبة الأتابكى يلبغا العمرى، فلما قبضوا عليهم قيّدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. ثم بعد ذلك قبض السلطان على جماعة من الأمراء غير هؤلاء (٥)، وهم: الأمير أرغون العزّى، والأمير أرغون الأرغونى، والأمير يونس العمرى الرماح، والأمير

стр. 664

آقبغا الجوهرى، والأمير كمشبغا الحموى، رأس نوبة الأمير يلبغا؛ فلما قبض عليهم السلطان سجنهم فى البرج بالقلعة ما عدا الأمير كمشبغا الحموى، والأمير آقبغا الجوهرى، فإنهما سجنا بخزانة شمايل. ثم توجّه الأمير تغرى برمش بالأمراء، الذين (١) قبض السلطان عليهم، إلى ثغر الإسكندرية فسجنوا بها، وهم: الأمير كمشبغا الحموى، والأمير آقبغا الجوهرى، وآخرين من الأمراء العشرات. ثم عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على جماعة من الأمراء، وهم (٢): الأمير أسندمر الناصرى، واستقرّ به أتابك العساكر، عوضا عن الأمير يلبغا العمرى؛ وأخلع على الأمير أيدمر الشامى، واستقرّ به دوادار كبير، عوضا عن الأمير بيبغا العلاى، وأضيف إليه نظر الأحباس مع الدوادارية الكبرى، وهو أول من وقع له ذلك من الدواداريّة؛ وأخلع على الأمير طيدمر البالسى، واستقرّ به أستادار العالية. وأنعم على الأمير أسنبغا القوصونى بتقدمة ألف، واستقرّ به لالا، عوضا عن آقبغا الأحمدى؛ وأخلع على الأمير قراتمر المحمدى، واستقرّ به خازندار كبير، عوضا عن ملكتمر المحمدى؛ وأنعم على الأمير أرغون ططر بتقدمة ألف. وأخلع على الطواشى سابق الدين مثقال الأنوكى، وأعاده إلى تقدمة المماليك على عادته، وكان الأتابكى يلبغا ضربه نحو ستمائة عصاة (٣)، ونفاه إلى قوص، فلما قتل يلبغا، حضر إلى مصر، وأعيد إلى تقدمة المماليك، كما كان أولا. وأخلع على الصاحب فخر الدين ماجد عبد الله بن التّاج موسى، ويدعى مالك الرقّ بن أبى شاكر، كاتب الأمير يلبغا، واستقرّ فى الوزارة، ونظر الخاص، عوضا عن الفخر بن قروينة (٤)؛ وأخلع على الأمير خليل بن عرام، واستقرّ به شاد الدواوين، عوضا عن على بن كلفت.

стр. 665

ثم إنّ السلطان رسم بتسليم الصاحب فخر الدين بن قروينة (١) إلى الأمير قرابغا الصرغتمشى (٢)، ليستخلص منه الأموال التى قرّرت عليه؛ فلما تسلّمه، استمرّ يعاقبه إلى أن مات تحت العقوبة، قيل إنّه أحرق أصابعه بالنار، وأحمى له خوذة فولاذ بالنار وألبسها له، واقترح له أشياء شنيعة من أنواع العذاب، حتى مات تحت العقوبة؛ والصاحب قروينة (١) هذا هو صاحب الغيط الذى بجزيرة الفيل. وفيه قدم الأمير طيبغا الشتكى، نائب غزّة، فأخلع عليه السلطان. وفيه نادى السلطان فى القاهرة لأجفاد الحلقة: «كل من كان له إقطاع (٣) وأخرجه عنه طيبغا، حاجب الحجّاب، وقت المرض، يحضر ويأخذ إقطاعه على عادته». فدعوا له أولاد الناس من أجناد الحلقة الذين (٤) ردّ لهم أقاطيعهم، وأجراهم على عادتهم وفى جمادى الأولى، توفّى الشيخ المسلك العارف بالله، الولى الصالح، سيدى يوسف بن عبد الله بن عمر بن على بن خضر العجمى الكورانى الكردى الشافعى، رحمة الله عليه، وكان من أعيان الأولياء، ودفن بالقرافة. وفيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد عبد الله بن أسعد بن على بن سليمان بن فلاح اليمنى الشافعى، رحمة الله عليه، ودفن عند الشيخ تاج الدين بن عطا الله الشاذلى. - وتوفّى الشيخ عبد الجليل بن سالم الأعمى الحنبلى، وكان من أعيان علماء الحنابلة، وكان له حال مع الله تعالى. وفى يوم الخميس سادس عشره (٥)، ثارت فتنة مهولة بين الأمراء، ولبسوا لامة الحرب، وطلعوا إلى الرّملة، فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية، فوقع بينهم فى ذلك اليوم وقعة (٦) شديدة، فانكسر [هؤلاء الأمراء الذين] (٧) وثبوا على السلطان مع المماليك

стр. 666

الأجلاب اليلبغاوية، فقبضوا عليهم المماليك السلطانية فى ذلك اليوم، وعلى جماعة من الأمراء المقدّمين ممن (١) كان سببا لإثارة هذه الفتنة، وهم: الأمير قرابعا الصرغتمشى، والأمير [تغرى] (٢) برمش العلاى، والأمير أينبك البدرى، والأمير إسحق (٣) الرجبى، والأمير قرابغا العزّى، والأمير مقبل الرومى؛ فلما قبضوا عليهم طلعوا بهم إلى القلعة، فرسم السلطان بتقييدهم، فقيّدوا، وأرسلوا إلى السّجن بثغر الإسكندرية. فلما جرى ذلك، شقّ على بقيّة الأمراء هذه الفعلة، واتّفقوا قاطبة على الوثوب على السلطان، فلبسوا لامّة الحرب وطلعوا إلى الرملة؛ فلما تحقّق السلطان أنّ هذه الوثبة عليه، نزل إلى باب السلسلة، وجلس فى المقعد المطلّ على الرملة، ورسم بدقّ الكوسات حربى. ثم إنّ السلطان أرسل إلى الأمراء، الذين (٤) وثبوا عليه، بعض الخاصكية وهو يقول لهم: «إيش سبب هذه الفتنة، حتى أنّكم اتّفقتوا كلّكم على الوثوب علىّ»؟. فأرسلوا يقولون له: «أنت أستاذنا وابن أستاذنا، وما نموت إلا تحت أقدامك، ولكن لنا غريم تسلّمه (٥) لنا، وهو الأمير أسندمر، أمير كبير». وكان الأمير أسندمر لما قتل يلبغا، واستقرّ فى الأتابكية بعده، مشى على نظامه، وسكن فى داره، والتفّت عليه مماليك يلبغا. فلما بلغ الأتابكى أسندمر ما قالته الأمراء، ركب من داره ليلا، وأتى إلى دار الأمير قجماس الطازى، واستماله بأن يكون من عصبته، وبذل له جملة من المال حتى استماله، ثم فارقه، وفى ظنّة أنّه قد صار من عصبته، ولم يكن الأمر كذلك. فلما عاد إلى داره استدعى (٦) خواصّه وخشداشينه من اليلبغاوية، وقرّر معهم أنّه

стр. 667

إذا ركب للحرب، فكل من قتل أميرا أو قبض عليه فيبذل له من المال ما هو كذا وكذا. ثم [إنّ] (١) الأمير أسندمر بات بالاصطبل (٢) السلطانى حتى طلعت الشمس، فركب (٣) بمن معه من اليلبغاوية وغيرهم، ومضى نحو القرافة من وراء القلعة؛ ثم أتى من تحت دار الضيافة إلى رأس الصوّة، ووقف تحت الطبلخاناة، فلم تشعر الأمراء الذين (٤) فى سوق الخيل إلا وقد حطم عليهم الأتابكى أسندمر بمن معه من العسكر، واجتمع معه الجمّ الغفير من الزعر والعوام، وبأيديهم المقاليع بالحجارة. فلما رأوا الأمراء الذين (٤) كانوا بسوق الخيل أنّ الأتابكى أسندمر قد حطم عليهم، ومعه السواد الأعظم، دخل فى قلوبهم الرعب منه، فهربوا من سوق الخيل أجمعين، الأمراء، والعسكر الذين كان معهم، ولم يثبت منهم للقتال سوى الأمير ألجاى اليوسفى، والأمير أرغون شاه ططر، فاتّقما هما والأتابكى أسندمر، من باكر النهار إلى بعد الظهر، فتسحّب من كان معهما من العسكر، ولم يطلع إليهما أحد من الأمراء، فانكسرا وهربا، وكانت النّصرة عليهما للأتابكى أسندمر. فلما انتصر، كبس على الأمراء الذين (٤) قد أثاروا هذه الفتنة، فقبض على الأمير قطلوبغا جركس، والأمير أيدمر الشامى، والأمير ألجاى اليوسفى، والأمير قبجماس الطازى، والأمير آقطاى اليلبغاوى، والأمير آقبغا الأحمدى، والأمير آقبغا الجلب، والأمير طغاى تمر، والأمير أرغون شاه ططر. فكان عدّة من قبض عليه فى ذلك اليوم نحو خمسة وعشرين أميرا، منهم أمراء مقدّمين ألوف (٥) تسعة، والبقيّة أمراء طبلخانات وعشرات، وقتل الأمير ضروط حاجب ثانى، وجرح جماعة كثيرة من الأمراء، واختفى آخرون (٦) منهم، فكادت

стр. 668

مصر أن تخرب عن آخرها فى هذه الحركة؛ فلما قبض على هؤلاء (١) الأمراء، قيّدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. ثم إنّ بعض الأمراء أشار على الأتابكى أسندمر، بأن يقبض على السلطان الأشرف شعبان، ويتسلطن عوضه، فأبى من ذلك، ولو فعل ذلك لكان عين الصواب، كما سيأتى الكلام على ذلك فيما بعد. - ثم إنّ العوام نهبوا بيوت الأمراء الذين (٢) قد كسروا ونفيوا إلى الإسكندرية. فلما خمدت هذه الفتنة قليلا، عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير عزّ الدين أزدمر العمرى أبو دقن، وقرّره فى إمرة السّلاح، وقد ولى أزدمر هذا إمرة السلاح مرّتين، مرّة فى دولة الملك الناصر حسن، ومرّة فى دولة الأشرف شعبان، وكان أزدمر هذا جدّ والد مؤلّفه (٣). وأخلع السلطان على الأمير جركتمر المنجكى، واستقرّ به أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا اليلبغاوى، واستقرّ به رأس نوبة النوب، وكان أمير عشرة؛ وأنعم على الأمير بيرم العزّى بتقدمة ألف، وكان خاصكيا، ثم أخلع عليه وقرّره فى الدوادارية الكبرى، حتى عدّ ذلك من النوادر، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير طغاى تمر النظامى. وأخلع على الأمير أرغون شاه، واستقرّ به حاجب الحجّاب؛ وأخلع على الأمير خليل بن عرام، وأعيد إلى نيابة ثغر الإسكندرية؛ وأخلع على الأمير قطلقتمر، واستقرّ به أمير جاندار. فأخلع على هؤلاء (١) الأمراء كلّهم فى يوم واحد، ونزلوا من القلعة وعليهم التشاريف، وكان لهم موكب حفل، ويوم مشهود، فشقّوا من القاهرة فى ذلك الموكب، وتوجّهوا إلى المدرسة المنصورية، وحضر القضاة الأربعة، وحلّفوهم بها على العادة، أن لا يخامروا

стр. 669

على السلطان، ولا يعصوا عليه، ولا يحاربوه بوجه من الوجوه. وكانت هذه عادة قديمة، إذا استقرّ أحد من الأمراء فى وظيفة أو نيابة، يتوجّه إلى المدرسة المنصورية، وتحضر القضاة الأربعة، ويحلّفوه (١) بما تقدّم؛ ثم عادوا الأمراء إلى دورهم. ثم إنّ السلطان عمل موكبا ثانيا (٢)، وأخلع على جماعة من الأمراء، فاستقرّ بالأمير أسندمر الزينى فى نيابة طرابلس؛ واستقرّ بالأمير أرغون الأزقى فى نيابة صفد؛ وأعيد الأمير عمر شاه إلى نيابة حماة؛ ونقل الأمير علاء الدين بن كلفت، والى القاهرة، إلى ولاية مصر العتيقة؛ واستقرّ عوضه فى ولاية القاهرة الشريف بكتمر، فسرّ الناس بعزل علاء الدين بن كلفت، فإنّه كان ظالما عسوفا، سفّاكا للدماء. وأنعم السلطان على الأمير سودون الشيخونى، والأمير أينال اليوسفى، بإمريات طبلخانات؛ وأخلع على محمد بن طيطق العلاى، واستقرّ به جوكندار؛ وأخلع على الأمير بهادر الجمالى، واستقرّ به شاد الدواوين، عوضا عن خليل بن عرام. وفى جمادى الآخرة، فى ثامن عشره، قدمت رسل متملّك جنوة، من بلاد الفرنج، يسأل فضل السلطان فى أن يمكّن تجّارهم من القدوم إلى ثغر الإسكندرية على عادتهم، فأجابهم السلطان إلى ذلك؛ وأرسلوا له تقدمة حفلة. وفى شهر رجب، فى يوم الثلاثاء حادى عشرينه (٣)، ركب للحرب الأمير تغرى برمش، وركب معه جماعة كثيرة من المماليك الأجلاب؛ فلما طلع إلى الرملة نزل إليه جماعة من المماليك السلطانية، فاتّفقوا معه، فانكسر وهرب، فقبضوا عليه وعلى جماعة من الأمراء ممّن ركب معه، وطاوعه على الركوب، وهم: الأمير أينبك البدرى، والأمير قرابغا العزّى، والأمير مقبل الرومى، وإسحق الرجبى؛ فلما قبضوا عليهم، قيّدوهم، وبعثوا بهم إلى السجن بالإسكندرية؛ وقبضوا أيضا على عدّة مماليك أجلاب، ونفوهم إلى قوص.

стр. 670

وفى شهر شعبان، أرسل السلطان بالقبض على الأمير طيبغا الطويل، نائب حماة، وآخرين من النوّاب. وقد ارتجت الأمور فى هذه الأيام على الأشرف شعبان جدّا، وصار الأتابكى أسندمر صاحب الحلّ والعقد فى أمور المملكة، كما كان يلبغا العمرى، وصار له التصرّف فى المملكة بما يختاره، والأشرف شعبان فى يده مثل اللولب، يدوّره كيف شاء وفى شهر رمضان، توفّى الشيخ شرف الدين عيسى الزنكلونى الشافعى، أحد نوّاب الحكم بالقاهرة، وكان من أهل العلم والفضل، عارفا بصنعة أمور القضاء، والتوقيع، وكان من أعيان نوّاب الشافعية. وفيه أخرج السلطان عن أولاد الأتابكى يلبغا تقادمهم، وأنعم عليهم بأمريات طبلخانات. وفى شهر شوال، أنعم السلطان على جماعة من الخاصكية بإمريّات عشرة، منهم: ألطنبغا المحمودى، وقرابغا (١) الأحمدى، وكزل الأرغونى، وحاجى بك بن شادى، ورجب بن خضر، وطيطق الرمّاح، وعلى بن مكس (٢). وفيه قدم الخبر بعصيان الأمير طيبغا الطويل نائب حماة، وبعصيان الأمير أشقتمر (٣) نائب طرابلس؛ فلما تحقّق السلطان ذلك عيّن الأتابكى أسندمر، وجماعة من الأمراء والعسكر، للسفر إلى من خامر من النوّاب. ثم بعث بالكشف، على خيل البريد، ليعلم صحّة ذلك؛ فلما عاد الجواب بصحّة عصيانهم، أخلع على الأمير أسندمر الزينى، وقرّره فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير أشقتمر (٣)، بحكم عصيانه؛ وأخلع على الأمير عمر شاه، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، وأعاده إلى نيابة حماة، عوضا عن الأمير طيبغا الطويل، بحكم عصيانه. وفى شهر ذى القعدة، استقرّ الناصرى محمد بن أقوش الشجاعى فى ولاية
следующие страницы →