وفيه، فى خامس عشره، خرج على خيل البريد الأمير قطلوبغا الشعبانى، وعلى يده خلعة وتقليد للأمير أشقتمر (١) الماردينى، ليستقرّ فى نيابة حلب؛ وخلعة للأمير زامل أمير العرب، بأن يستقرّ عوضا عن حيار بن مهنا.
وفيه توجّه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سرتقطاى (٢) فى الرسالة عن لسان السلطان، إلى السلطان أويس متملّك بغداد. - وفيه استقرّ جمال الدين عبد الرحيم ابن على بن [عبد] (٣) الملك المسلاتى، فى قضاء المالكية بدمشق، عوضا عن سرىّ الدين إسمعيل بن محمد بن هانئ الأندلسى.
وفيه استقرّ الأمير بيبغا القوصونى، كاشف القليوبية؛ وفيه استقرّ الأمير محمد بك الشيخونى، فى نيابة غزّة؛ واستقرّ الشريف بكتمر، الذى كان والى القاهرة، فى ولاية قطيا، عوضا عن ابن الطشلاقى؛ واستقرّ الأمير بكتمر، الذى كان أستادار طيبغا الطويل، فى ولاية قوص؛ وقرّر الأمير أسندمر الخضرى، فى ولاية البحيرة، عوضا عن ابن معين؛ واستقرّ الأمير قطلوبك، فى ولاية مصر العتيقة.
وفيه أنعم على الأمير محمد بن طرغاى بإمرية طبلخاناة؛ وأنعم على الأمير بيبغا القوصونى، والأمير صراى الإدريسى بإمرية طبلخاناة، وكذلك (٤) الأمير أحمد ابن آقتمر عبد الغنى، والأمير أحمد بن قنغلى، والأمير خليل بن قمارى، والأمير طقتمر الحسنى، والأمير أرغون شاه الأشرفى، والأمير حسين بن الكورانى والى القاهرة.
وأنعم على جماعة من الأمراء بإمريات عشرة، منهم: جلبان العلاى، ومحمد بن لاجين، وأسنبغا النظامى، ومحمد بن قطلوبغا المحمدى، وعمر بن أسن الأبوبكرى، وآخرين من أولاد الناس.
стр. 702
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، منهم: الأمير إبراهيم بن الأمير صرغتمش الناصرى، وكان أحد الأمراء العشرات، ودفن بمدرسة أبيه صرغتمش، وكان من أعيان الرؤساء.
وتوفّى الأديب أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالفار، وكان عالية فى الشطرنج - وتوفّى الأمير على بك بن أرغون الأزقى، نائب غزّة.
وتوفّى القاضى تقىّ الدين حسن بن فتيان، كاتب سرّ طرابلس. - وتوفّى الأمير خليل بن الأمير على بن الأمير سلار، نائب السلطنة، وكان أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأمير الطواشى ناصر الدين شفيع، نائب مقدّم المماليك. - وتوفّى الأمير طغاى تمر الفخرى، أحد الأمراء الطبلخانات، مات غريقا فى بحر النيل.
وتوفّى قاضى الحنفية بدمشق، جمال الدين محمود بن أحمد بن مسعود. - وتوفّى شمس الدين محمد بن خلف بن كامل الغزّى، أحد نوّاب الحكم بدمشق، وكان من أعيان الشافعية.
وتوفّى ناصر الدين محمد بن تقىّ الدين عبد القاهر بن الوزير ضياء الدين النشاى، أحد موقّعى الدست. - وتوفّى عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان بن محمد بن أحمد ابن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن على بن أحمد بن السيرجى، محتسب دمشق، وناظر الخزانة بها.
وتوفّى بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد الشريشى الشافعى. - وتوفّى الأمير محمد بن الأمير طقبغا الماجارى، المعروف بصاووق، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأديب الشاعر شمس الدين محمد بن تقىّ الدين على الواسطى، وكان له شعر جيّد. - وتوفّى الأمير ألطنبغا المؤمنى، الجوكندار، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير آقتمر عبد الغنى الصغير، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير أزكا السيفى، أحد الأمراء الطبلخانات.
стр. 703
وقدمت الأخبار بوفاة متملّك تونس، وهو أبو إسحق إبراهيم بن أبى بكر بن يحيى ابن إبراهيم بن يحيى، فلما توفّى ولى بعده ابنه أبو البقا خالد. - وقدمت الأخبار بوفاة الشيخ بدر الدين محمد بن فرحون، عالم المدينة الشريفة، وكان من أعيان علماء الشافعية، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، قدم قاصد الأمير ناصر الدين محمد بن طاز، وصحبته أربعة وعشرون نفرا من الفرنج، وقد أسرهم من نواحى الطينة؛ فلما عرضوا على السلطان، رسم بسجنهم فى خزانة شمايل (١).
وفيه، فى ثانى عشره، خلع على القاضى كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن علم الدين إبراهيم بن قروينة (٢)، المعروف بالحليق، بحكم استعفائه منها؛ فلما استقرّ كريم الدين فى الوزارة، لم يتعرّض لابن قروينة (٢) بسوء، بل راعاه إلى الغاية.
وفيه، فى سادس عشره، رجعت خوند بركة، أمّ السلطان، من الحجاز، فخرج السلطان إلى تلقّيها، وطلعت إلى القلعة فى موكب حفل؛ وكان ذلك اليوم مشهودا، ولاقتها المغانى من بركة الحاج، ولاقاها السلطان من البويب، ومدّ لها هناك مدّة حفلة.
وفيه كانت وفاة الشيخ الصالح المعتقد سيدى يحيى بن على الصنافيرى الأعمى المجذوب، رحمة الله عليه، وكان له كرامات خارقة، وكانت جنازته حفلة، ونزل السلطان وصلّى عليه، وحضر الجمّ الغفير من الناس وصلّوا عليه، حتى قيل حرّر عدّة من صلّى عليه من الناس، فكانوا نحوا من عشرة آلاف إنسان؛ ودفن بتربة الشّيخ أبى العبّاس البصير، التى بالقرافة الصغرى.
стр. 704
وفى شهر صفر، كانت وفاة الأمير على الماردينى، نائب السلطنة بمصر، وولى نيابة الشام أيضا، ونيابة حلب؛ وكان أميرا ديّنا خيّرا، كثير البرّ والصدقات، قليل الأذى، فكثر عليه من الناس الأسف والحزن.
فلما توفّى أخلع السلطان على الأمير طشتمر العلاى، وقرّر فى نيابة السلطنة، عوضا عن الأمير على الماردينى، بحكم وفاته.
وفيه أخلع على الأمير علم دار، وقرّر فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير ملكتمر من بركة؛ وقرّر الأمير ملكتمر فى الأستادارية العالية، عوضا عن الأمير علم دار.
وفيه قدمت الأخبار من المدينة الشريفة بوفاة الشيخ نور الدين على بن يوسف الأنصارى الحنفى، قاضى قضاة المدينة؛ وهو أول حنفى قرّر بالمدينة، وكان شافعيّا تحوّل حنفيّا؛ وكان مولده سنة ثمان وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، وألّف مفاخرة لطيفة بين مكّة والمدينة، وهى بديعة فى معناها، كلّها غرر وفوائد، وكان سيفا قاطعا لأهل البدعة.
وفيه عزل الأمير خليل بن عرام عن نيابة ثغر الإسكندرية، وقرّر عوضه الأمير طيدمر البالسى. - وفيه قدمت الأخبار من أفريقية بوفاة متملّكها، وأنّ ولده أبو العبّاس أحمد ولى عوضه على أفريقية.
وفى شهر ربيع الأول، فيه قدم البريد بطلب الأمان للأمير حيار بن مهنا، وكان القاصد فى ذلك الأمير سيف الدين بهادر، أستادار الأمير منجك نائب الشام، وصحبته معيقل حاجب الأمير حيار؛ فلما حضرا بين يدى السلطان، أجابهما إلى ذلك.
وفيه استقرّ القاضى عماد الدين إسمعيل بن محمد بن أبى العزّ بن صالح، المعروف بابن الكشك، الدمشقى، فى قضاء الحنفية بدمشق، عوضا عن جمال الدين أبى الثناء محمود، المعروف بابن السراج.
وفيه أنعم على الأمير جلبان العلاى بإمرة طبلخاناة. - وفيه استقرّ الشيخ كمال الدين محمد التنسى المالكى، فى قضاء الإسكندرية، عوضا عن كمال الدين الربعى.
وفيه قدم الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن إلياس القونوى الحنفى، فلما قدم
стр. 705
خرج الأمير منكلى بغا الشمسى، الأتابكى، إلى لقائه، وأنزله فى المدرسة المنصورية التى بين القصرين، فأتاه الناس زمرا يسلّمون عليه.
وفى شهر ربيع الآخر (١)، فى ثالثه، استقرّ الأمير كبجلجى (٢) فى نيابة حماة، عوضا عن أيدمر الشيخى.
وفى رابعه أخلع على الصاحب شمس الدين أبى الفرج المقسى، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن كريم الدين بن الرّويهب، مضافا إلى نظر الخاص.
وفيه تغيّر خاطر السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن قمارى، أمير شكار، فرسم بنفيه إلى الشام؛ واستقرّ عوضه فى إمرية شكار الأمير جمال الدين عبد الله ابن بكتمر، الحاجب؛ واستقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن قيران الحسامى، أمير طبر، عوضا عن شرف الدين موسى بن ديدار بن قرمان؛ وخلع على الأمير نصرات، واستقرّ حاجبا، عوضا عن أسنبغا العلاى.
وفيه استقرّ الأمير كبوك، رأس نوبة ثانى مقدّم ألف. - وفيه استقرّ علاء الدين على بن محمد بن على بن عبد الله بن أبى الفتح بن هاشم المقدسى، فى قضاء الحنابلة بدمشق، عوضا عن شرف الدين أحمد بن شيخ الجبل، بحكم وفاته.
وفى (٣) شهر جمادى الأولى، فيه استقرّ الأمير أرغون شاه اليوسفى، رأس نوبة النّوب، عوضا عن الأمير بشتاك العمرى، بحكم وفاته. - وفيه رسم السلطان للأمير أسندمر حرفوش، بالجلوس مع الأمراء وقت الخدمة بالإيوان.
وفيه استقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن سرتقطاى (٤)، فى نقابة الجيش، عوضا عن أرغون بن قيران، بحكم وفاته. - وفيه استقرّ الأمير آقبغا من مصطفى، جاشنكير، عوضا عن الأمير ألطنبغا العلاى فرفور.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه استقرّ الأمير جركس الرسولى، أستادارا ثانيا،
стр. 706
عوضا عن محمد بن طرغاى. - وفيه استقرّ الأمير طغيتمر العثمانى، أمير جندار، عوضا عن الأمير أسندمر حرفوش. - وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن وقع بها الوباء والغلاء، حتى تجاوزت الغرارة القمح مائتى درهم.
وفى شهر رجب، فيه استقرّ علاء الدين على بن الرصاص، فى قضاء الحنفية بصفد، فخلع عليه وتوجّه إلى محلّ ولايته. - وفيه خلع على الوزير الصاحب فخر الدين ماجد بن تاج الدين موسى بن أبى شاكر، وأعيد إلى الوزارة، عوضا عن شمس الدين المقسى.
وفيه خلع على ناصر الدين محمد بن إياز (١) الدوادارى، واستقرّ كاشف الكشّاف بالوجه البحرى؛ واستقرّ علاء الدين على السنانى، فى ولاية الغربية، عوضا عن قطلوبك صهر المزوق؛ واستقرّ بهادر والى الغربية، فى ولاية البهنساوية؛ واستقرّ الركنى عمر بن معين، فى ولاية البحيرة، عوضا عن أسندمر الخضرى (٢).
وفى يوم الاثنين ثامن عشرينه (٣)، رسم السلطان بتسمير شخص من النصارى، زعموا أنّه سحر خوند ابنة الأمير طاز، زوجة السلطان، فماتت بسحره؛ فلما سمّر وسّط وأحرق بالنّار بعد ذلك.
وفيه استقرّ برهان الدين أبو سالم إبراهيم بن محمد بن على، عرف بالصنهاجى، فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن تقىّ الدين الأنفى.
وفى شهر شعبان، فى يوم الخميس تاسعه، استقرّ زين الدين أبو بكر ابن على بن عبد الملك المازونى، فى قضاء المالكية بدمشق، بعد وفاة جمال الدين المسلاتى.
وفيه، فى يوم الأربعاء خامس عشرينه (٤)، قدم البريد بوفاة التاج عبد الوهاب بن السبكى، قاضى القضاة بدمشق؛ فاستقرّ عوضه كمال الدين أبو القاسم عمر بن الفخر
стр. 707
عثمان بن هبة الله المعرّى، قاضى حلب؛ واستقرّ عوضه فى قضاء طرابلس، فخر الدين عثمان بن أحمد بن عثمان بن أحمد الزرعى.
وفى شهر رمضان، أعيد الأمير ألطنبغا الشمسى إلى نيابة القلعة. - وفيه أخرج الأمير نصرات إلى ثغر الإسكندرية، وقرّر بها حاجبا.
وفيه أنعم السلطان على (١) جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، منهم: الأمير منكوتمر عبد الغنى، والأمير يلبغا المجنون، وآخرين من الأمراء.
وفى شهر شوّال، أنعم السلطان على جماعة من الأمراء أيضا بتقادم ألوف، منهم:
الأمير يلبغا الناصرى، والأمير ألطنبغا الشمسى، والأمير قطلو آقتمر العثمانى، والأمير آل ملك الصرغتمشى، والأمير عبد الرحيم بن منكلى بغا الشمسى، والأمير ماورجى (٢) القوصونى، والأمير تغرى برمش بن ألجاى؛ وأنعم على الأمير تلكتمر الجمالى بإمرة طبلخانات.
وفى شهر ذى القعدة، أنعم السلطان على جماعة من أولاد النّاس بإمرة عشرة، منهم: محمد بن قرا بن كليتة، ورجب بن طيبغا المحمدى، وبكتمر العلمى، ومحمد شاه ابن الأمير ناصر الدين محمد بن آقبغا آص، وطيدمر الذهبى، أمير شكار، وبكتاش ابن قطليجا.
وفى شهر ذى الحجّة، فيه ولد للسلطان ولد ذكر سمّاه رمضان، فنادى له بالزينة، فزيّنت له القاهرة زينة حفلة، ودقّت البشائر له بالقلعة، وصنع له مدّات حفلة، سبعة أيام متوالية بالقلعة.
وفيه توجّه الأمير علاء الدين على بن كلفت إلى مكّة، لأجل عمارة مئذنة (٣) باب الحزورة، فأقام بمكّة بعد مجئ الحاج مدّة طويلة، حتى عاد، انتهى ذلك.
стр. 708
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الصاحب الوزير علم الدين بن قروينة (١)، المعروف بالحليق، توفّى سابع شهر رجب. - وتوفّى قاضى الحنابلة بدمشق، شرف الدين أحمد بن شرف الدين حسن الخطيب أبى بكر بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى ثم الصالحى الدمشقى، المعروف بابن قاضى الجبل، وكان علامة فى مذهبه، توفّى فى عشرين رجب.
وتوفّى قاضى المالكية بحماة ودمشق، أبو الوليد (٢) سرى الدين إسمعيل بن البدرى محمد بن محمد بن هانى الأندلسى، وكان علامة فى مذهبه، وحدّث بالموطّأ.
وتوفّى الأمير أروس بغا الخليلى، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير أسندمر الكاملى، زوج خوند القردميّة، وكان أحد أمراء الألوف. - وتوفّى الأمير أسن الصرغتمشى، أحد أمراء الطبلخانات، توفّى بدمشق.
وتوفّى الأمير آقبغا اليوسفى، الحاجب، توفّى بمدينة منفلوط. - وتوفّى الأمير ألطنبغا العلاى، الجاشنكير، المعروف بفرفور، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير بكتمر المؤمنى، أمير آخور. - وتوفّى بكتمر الأحمدى، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأمير تنبك الأزقى، أحد الأمراء الطبلخانات ورأس نوبة ثان (٣)، وكان من الشجعان فى عزمه فى القتال. - وتوفّى الأمير طيبغا المحمدى، أحد الأمراء الألوف.
وتوفّى قاضى قضاة دمشق تاج الدين عبد الوهاب بن قاضى القضاة بدمشق تقىّ الدين على بن عبد الكافى بن على بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصارى السبكى، توفّى يوم الثلاثاء سابع ذى الحجّة بدمشق، قيل كانت مدّة حياته أربعة وأربعين سنة.
وتوفّى قاضى القضاة الحنفية، وعالمهم، زين الدين عمر بن الكمال أبى عمر عبد الرحمن ابن أبى بكر البسطامى، ليلة الجمعة خامس عشرين جمادى الآخر، توفّى بالقاهرة،
стр. 709
ومولده سنة أربع وتسعين وستمائة، ودفن بالقرافة عند جدّه لأمّه قاضى القضاة شمس الدين محمد السروجى.
وتوفّى زين الدين عبد الله بن القوصى، أحد نوّاب القضاة الشافعية. - وتوفّى قاضى قضاة المالكية بدمشق، جمال الدين محمد بن الزين عبد الرحيم بن على بن عبد الملك المسلاّتى، وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم السبت ثالث عشر ذى القعدة، ودفن بتربة الصوفية، خارج باب النصر.
وتوفّى قاضى العسكر بدر الدين محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن على بن تمام ابن موسى بن يوسف بن تمام السبكى، توفّى بطريق بيت المقدس، وقد توجّه لزيارته.
وتوفّى الفقيه (١) النحوى شمس الدين محمد بن الحسن بن محمد المالقى المغربى (٢) المالكى، توفّى بدمشق، وله شرح التسهيل فى النحو. - وتوفّى الأمير محمد بن الأمير تنكز، نائب الشام، وكان أمير طبلخاناة. - وتوفّى الأمير محمد بن الأمير طرغاى، وكان أمير طبلخاناة. - وتوفّى الأمير محمد الترجمان، أحد الطبلخانات.
وتوفّى القاضى شمس الدين موسى بن التاج أبى إسحق عبد الوهاب بن عبد الكريم، وكان ولى من الوظائف نظارة الجيش، ونظارة الخاص، وولى وزارة دمشق غير ما مرّة؛ ومات وله من العمر فوق سبعين سنة، ومات بدمشق، ودفن بها.
وتوفّى ألآكز الكشلاوى، وكان ولى الوزارة والأستادارية، ونفى إلى حلب ومات بها، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة اثنتين (٣) وسبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، أخلع السلطان على القاضى سعد الدين ماجد بن التاج أبى إسحق، واستقرّ به فى وزارة الشام.
وفيه فى حادى عشرينه، أخرج الأمير يعقوب شاه، الخازندار، منفيّا إلى ملطية؛ واستقرّ عوضه فى الخازندارية الأمير يلبغا الناصرى. - وفيه سافر القاضى
стр. 710
زين الدين أبو بكر بن على بن عبد الملك المازونى، قاضى المالكية بدمشق، إلى محلّ ولايته بها.
وفى شهر صفر، فى أوّله، قدمت رسل ملك الفرنج، لطلب الصلح بينهم وبين السلطان، وأحضروا على أيديهم صورة حلف من ملك الفرنج، أنّه لا يغدر ولا يخون فيما حلف عنه؛ فأخلع السلطان على رسله الخلع السنيّة، وأكرمهم، وأذن لهم بالعود إلى بلادهم، لكن أخذ من أعيانهم رهائن سجنهم بالقلعة، حتى يظهر صدق ما قالوه فى حلفهم.
وفى شهر ربيع الأول، فيه عزل الأمير شهاب الدين أحمد بن قنغلى، من ولاية الجيزة، بسؤاله، وارتجعت عنه إمرة طبلخاناته. - وفيه أنعم السلطان على الأمير طيبغا العمرى الفقيه، بإمرة عشرة.
وفيه استقرّ محمد بن قرطاى الموصلى، فى نقابة الجيوش المنصورة، عوضا عن أرغون بن قيران؛ فأقام بها مدّة يسيرة، وأعيد إليها أرغون بن قيران. - وفيه استدعى محمد بن قمارى من غزّة، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة، واستقرّ أمير شكار، على عادته.
وفى شهر ربيع الآخر، فيه فى يوم السبت ثامن عشره، ركب السلطان وخرج إلى الصيد، ورجع فشقّ من القاهرة، ودخل من باب النصر؛ فلما وصل إلى بين القصرين، نزل إلى القبّة المنصورية، فزار قبر جدّه وجدّ أبيه، ثم ركب من هناك وطلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا.
وفى شهر جمادى الأولى، فيه فى ليلة الخامس منه، ظهر بالسماء حمرة شديدة جدّا، كأنها النار الموقدة، وصارت فى خلال (١) النجوم كالعمد النار، حتى سدّ ذلك الأفق، واستمرّ بطول الليل، حتى طلع الفجر، فارتاع الناس من ذلك واشتدّ خوفهم، وصار يودّع (٢) بعضهم بعضا، وباتوا يستغفرون الله من ذنوبهم؛ فاستمرّ الأمر
стр. 711
على ذلك، حتى طلع الفجر ولاح النهار؛ نقل ذلك المقريزى فى السلوك (١).
وفيه أخلع السلطان على الأمير طشتمر العلاى، واستقرّ به دوادار كبير (٢)، وكان جنديّا، فانتقل منها إلى الدوادارية الكبرى، بعد وفاة الأمير منكوتمر عبد الغنى الدوادار، فعدّ ذلك من النوادر.
وفيه عادت رسل ملك الفرنج الذين (٣) تقدّم ذكرهم، وصحبتهم جماعة كثيرة ممن كان عندهم من أسراء (٤) المسلمين، فكانوا نحو مائة إنسان.
وفى هذا الشهر، كان وقت الخريف، فكثرت الأمراض فى الناس بالقاهرة، وبالوجه البحرى، حتى صارت الأموات بالقاهرة، يخرج منها فى كل يوم نحو أربعمائة جنازة، فى كل يوم، من غير طعن، بل بأمراض حادّة (٥)، وتحدّرات يابسة.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه أخلع السلطان على الشيخ شرف الدين عبد المنعم ابن سليمان بن داود البغدادى الحنبلى، وقرّره فى إفتاء دار العدل، وتدريس مدرسة أمّ السلطان، التى بخطّ التبّانة، عوضا عن الشّيخ بدر الدين حسن النابلسى، بحكم وفاته إلى رحمة الله تعالى.
وفيه تمّ الصلح بين السلطان وملك الفرنج، ورسم بفتح كنيسة القيامة (٦) بالقدس كما كانت. - وفى عقيب ذلك، أرسل ملك الفرنج من كان عنده من بقيّة أسراء (٤) المسلمين.
وفى شهر رجب، فى ثالثه، خرج ركب الحجّاج الرجبيّة، وسار إلى مكّة، صحبة بعض الأمراء. - وفيه أخلع السلطان على الأمير علم دار، وقرّره فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير ملكتمر من بركة؛ وأخلع على الأمير ملكتمر، وقرّره فى الأستادارية بمصر، عوضا عن علم دار.
стр. 712
وفى شهر شعبان، فيه فى سابعه، استقرّ بدر الدين عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الأخناى فى إفتاء دار العدل، عوضا عن تاج الدين محمد بن بهاء الدين، بحكم وفاته، وقد جاءت الأخبار بأنّه قد توفّى فى عقبة أيلة، صحبة الحاج الرجبى.
وفيه استقرّ علم الدين صالح الإسنوى، موقّع الحكم، واستقرّ أيضا فى وكالة الخاص، عوضا عن ابن بهاء الدين. - وفيه استقرّ القاضى بدر الدين محمد الأقفهسى، شاهد ديوان الأمير ألجاى اليوسفى. - وفيه استقرّ القاضى محبّ الدين السمطاى (١)، فى نظر البيمارستان المنصورى، عوضا عن ابن بهاء الدين.
وفيه، فى يوم الاثنين رابع عشره، أخلع السلطان على الصاحب شمس الدين أبى الفرج المقسى، وقرّره وكيل الخاص، عوضا عن علم الدين صالح، مضافا لما بيده من الوظائف.
وفى شهر رمضان، فى أوّله، أخلع السلطان على الأمير أرغون شاه، وقرّره رأس نوبة النوب، عوضا عن الأمير بشتاك العمرى.
وفى شهر شوّال، فى سابعه، أخلع السلطان على الأمير طيدمر البالسى، واستقرّ فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن خليل بن عرام، وأنعم عليه (٢) بإمرة طبلخاناة بمصر.
وفى شهر ذى القعدة، أخلع فيه السلطان على القاضى بدر الدين بن السكّرى، واستقرّ به فى قضاء الحنفية بثغر الإسكندرية، بعد وفاة ابن الزبيبة. - وفيه أخلع على محمد بن سرتقطاى (٣)، وقرّر فى نقابة الجيش، عوضا عن أرغون بن قيران.
وفى شهر ذى الحجّة، قدمت الأخبار من تونس بخلع متملّكها أبو البقاء خالد ابن إبراهيم بن أبى بكر، بعد إقامته فى ملك تونس سنة وتسعة أشهر؛ وأقام بعده ابن عمّه أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أبى بكر بن يحيى بن إبراهيم التونسى، انتهى ذلك.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: قاضى الحنفيّة بثغر الإسكندرية،
стр. 713
شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عمر الصالحى، عرف بابن زبيبة، وهو أول من ولى قضاء الحنفية بثغر الإسكندرية.
وتوفّى الأمير أرغون بن قيران السلارى، نقيب الجيش. - وتوفّى الأمير أسندمر حرفوش العلاى، الحاجب بدمشق، توفّى بها.
وتوفّى أمير على الماردينى، نائب الشام، ونائب السلطنة بمصر، وكان من خيار الأمراء، وكان مشكور السيرة، توفّى سابع المحرم. - وتوفّى الأمير بشتاك العمرى، رأس نوبة النوب.
وتوفّى الأمير جرجى، نائب حلب، ثم بقى أمير كبير بدمشق، ومات بها. - وتوفّى الأمير جرقطلو المظفرى، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الشيخ بدر الدين حسن بن محمد بن صالح النابلسى الحنبلى، مفتى دار العدل، ومدرّس الحنابلة بمدرسة أمّ السلطان. - وتوفّى الشيخ شرف الدين سالم ابن قاضى القضاة بهاء الدين أبى البقا السبكى.
وتوفّى الشيخ عبد الرحيم جمال الدين أبو محمد بن الحسن بن على بن عمر الأموى الإسنوى الشافعى، مات فجأة، وكان من أهل العلم والفضل، وله شهرة.
وتوفّى القاضى علاء الدين على بن إسمعيل بن إبراهيم بن موسى، المعروف بابن الظريف، موقّع الحكم، وكان مالكى المذهب، وأحد نوّاب المالكية، وكان من أهل العلم، وله شهرة.
وتوفّى قاضى الحنفية بالمدينة الشريفة، نور الدين على بن الشيخ عزّ الدين يوسف ابن الحسن بن محمد بن محمود الزرندى، وهو أوّل حنفى من قضاة المدينة، وكان شافعيّا، فتحوّل حنفيّا، وكان مولده سنة ثمان وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، وله مفاخرة لطيفة بين مكّة والمدينة، وهى مفيدة، كلها غرر وفوائد فى معناها.
وتوفّى الشيخ سراج الدين عمر بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات، موقّع الحكم. - وتوفّى الأمير قطلو آقتمر الناصرى، رأس نوبة النوب.
وتوفّى الشيخ تاج الدين محمد بن بهاء الدين المالكى، المعروف بابن شاهد الجمال،
стр. 714
مفتى دار العدل، وقد ولى عدّة وظائف سنية، [منها] (١) وكالة الخاص، وناظر المارستان، وشاهد الجيش، وغير ذلك من الوظائف، توفّى بالعقبة.
وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد الزركشى، أحد نوّاب الحنابلة. - وتوفّى الأمير منكوتمر عبد الغنى الأشرفى، الدوادار الكبير. - وتوفّى الشيخ أبو الطاهر (٢) تقىّ الدين محمد بن محمد، إمام أهل الميقات.
وتوفّى الشيخ المجذوب المعتقد، ذو الكرامات العجيبة، أبو زكريا يحيى بن على ابن يحيى الصنافيرى الأعمى، فى يوم الأحد سابع عشرين شعبان، ودفن بالقرافة، فى تربة الشيخ أبو العبّاس البصير، وصلّوا عليه بمصلاّة (٣) خولان، وكان له جنازة حفلة، حتى قيل حرّر الجمع الذى صلّوا عليه بمصلاّة (٣) خولان، فكانت تنيف على خمسين ألف إنسان، هكذا نقل المقريزى فى السلوك (٤).
وتوفّى الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم، أحد قرّاء السّبع، وشيخ خانقاة بكتمر، التى بالقرافة. - وتوفّى الأمير أروس النظامى، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأمير أزدمر الصفوى، الجوكندار. - وتوفّى الطبيب الفاضل جمال الدين يوسف الشوبكى، وكان علامة فى صنعة الطبّ.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، أخلع السلطان على الأمير أيدمر الدوادار، واستقرّ به فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير أشقتمر الماردينى؛ وقرّر أشقتمر (٥) الماردينى فى نيابة طرابلس.
وفيه طلب الشيخ شمس الدين محمد الركراكى المغربى، من فقهاء المالكية، إلى مجلس
стр. 715
الأمير الكبير ألجاى، وادّعى عليه بقوادح توجب إراقة دمة، فتعصّب له جماعة من الفقهاء، وتعصّب عليه آخرون.
وفيه قدمت الأخبار من بلاد الشرق بابتداء أمر تيمور لنك، وأنّه قد زحف على غالب بلاد الشرق. - وفيه عزل علم دار عن نيابة صفد؛ وقرّر عوضه الأمير موسى بن أرقطاى.
وفى شهر صفر، كثرت زيادة النيل، فنودى عليه فى خامس عشرين توت (١)، أربع أصابع من عشرين ذراعا، ثم زاد بعد ذلك عدّة أيام، حتى بلغت زيادته إلى اثنين وعشرين ذراعا، فرسم السلطان أن لا ينادى عليه، فثبت إلى أن مضى من هاتور (٢) عدّة أيام، فانقطعت الطرقات بسببه، وتأخّرت الزروع عن أوانها، وحصل للفلاّحين الضرر الشامل، وتقطّعت الجسور، وانهدم غالب البيوت المطلّة على البحر.
فلما تزايد الأمر فى الزيادة، اجتمع جماعة من العلماء، وتوجّهوا إلى جامع عمرو ابن العاص، الذى بمصر العتيقة، وتوجّه جماعة منهم إلى جامع الأزهر، ودعوا إلى الله تعالى فى هبوطه، وتكرّر خروجهم إلى الجوامع عدّة مرار، حتى انهبط النيل قليلا، قليلا، وزرعت الفلاّحين (٣)؛ وفى هذه الوقعة يقول بدر الدين بن الصايغ:
طغى النيل عن حدّ عاداته … وعلّم الجهد فى العالمين
فصرنا نكشف عوراتنا … وكنّا نخوض مع الخائضين
وفى شهر ربيع الأول، وقع فيه من الحوادث، أنّ قاضى القضاة الحنفى سراج الدين عمر الهندى، سأل السلطان أن يكون قاضى القضاة الحنفيّة متساويا بالقاضى الشافعى فى لبس الطرحة، ويستنيب عنه قضاة [فى] (٤) أعمال مصر، قبليها
стр. 716
وبحريها، ومودع مال الأيتام، وغير ذلك من أفعال القاضى الشافعى، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأنجز له بمرسوم شريف بذلك.
فاتّفق أنّ قاضى القضاة سراج الدين الهندى حصل له عقيب ذلك توعّك (١) فى جسده، ولزم الفراش مدّة طويلة، ثم مات ولم يتمّ له ما أراد من مساواته بالقاضى الشافعى، وكل ذلك ببركة الإمام الشافعى، ﵁.
فلما توفّى القاضى سراج الدين الهندى، أخلع السلطان على القاضى صدر الدين محمد بن جمال الدين بن علاء الدين التركمانى، واستقرّ به قاضى قضاة الحنفية، عوضا عن السراج الهندى، بحكم وفاته كما تقدّم.
وفيه ركب السلطان للعب بالكرة فى الميدان الكبير، الذى بشاطئ بركة الناصرية، وجعل يتوجّه إلى هناك خمس سبوت (٢) متوالية.
وفيه، فى يوم الاثنين، رسم السلطان بضرب عنق بعياده (٣)، مشارف ديوان المواريث الحشرية، لقوادح فيه أوجبت إراقة دمه شرعا.
وفى شهر ربيع الآخر، فيه عزل قاضى القضاة بهاء الدين محمد أبو البقاء السبكى الشافعى، وكان فى مجلس درسه بدار العدل، فجاءه شخص من عند السلطان فأسرّ إليه كلاما، فتغيّر وجهه، ثم التفت إلى من حوله من الفقهاء، فقال لهم: «إنّ السلطان قد عزلنى عن القضاء، فامضوا إلى حال سبيلكم»، فانفضّ المجلس، وقام القاضى وتوجّه إلى داره.
ثم إنّ السلطان أرسل خلف الشيخ برهان الدين بن جماعة، خطيب بيت المقدس؛ والشيخ برهان الدين هذا ابن أخى (٤) قاضى القضاة عزّ الدين بن جماعة؛ فاستمرّت وظيفة القضاء شاغرة نحو شهر، حتى حضر الشيخ برهان الدين، فأخلع عليه السلطان، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية بمصر.
стр. 717
فلما لبس التشريف أشرط على السلطان شروطا كثيرة فى أمر القضاء، فأجابه السلطان إلى ذلك، ونزل من القلعة فى موكب حفل، وقدّامه القضاة والنوّاب، حتى أتى إلى المدرسة الصالحية، وكان يوما مشهودا.
وفيه حضر قاضى القضاة الشافعى بهاء الدين أبى البقا السبكى، وقاضى القضاة برهان الدين إبراهيم الأخناى المالكى، فى مجلس، فجرى بينهما مجادلة فى مسألة، وكان أبو البقا السبكى بحر علم لا يدركه الأخناى، فأنجز الكلام بينهما إلى أن قال أبو البقا: «لو كان الإمام مالك حيّا لناظرته فى هذه المسألة».
فعدّ ذلك الأخناى خروجا من الدين، وقال: «إيش أنت حتى تناظر الإمام مالك فى هذه المسألة، والله لو كان غيرك لفعلت به كذا»، يعنى ضرب عنقه؛ فاتّفق أنّ القاضى أبو البقا السبكى عزل بعد مضىّ هذا المجلس بعشرة أيام، فعدّ ذلك من كرامات الإمام مالك، رحمة الله تعالى.
وفى شهر جمادى الأولى، وقعت حادثة غريبة، وهو أنّ السلطان رسم للسادة الأشراف قاطبة، الرجال والنساء، أن يجعلوا فى عمائمهم شطفات خضر، ليمتازوا بها عن غيرهم، وتعظيما لقدرهم، ولم يكن قبل ذلك للسادة الأشراف علامة يتميزّون بها عن غيرهم، وقد وقع ما أوجب ذلك فى تميّز الأشراف عن غيرهم، فنادى لهم فى القاهرة بذلك، فامتثلوا أمره المتدارك.
وقد قالت الشعراء فى هذه الواقعة قولا لم يسلك فيه سالك، وقد قالوا فى ذلك عدّة مقاطيع، تغنى عن المواصيل، فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين بن جابر المغربى الأندلسى، وهو قوله:
جعلوا لأبناء الرسول علامة … إنّ العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوّة فى كريم وجوههم … يغنى (١) الشريف عن الطراز الأخضر
وقال الشيخ بدر الدين محمد بن حبيب:
عمائم الأشراف قد تميّزت … بخضرة رقّت وراقت منظرا
стр. 718
وهذه إشارة أنّ لهم … فى جنّة الخلد لباسا أخضرا
وقال الشيخ شمس الدين بن المزين الدمشقى:
أطراف تيجان أتت من سندس … خضر كأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان شرّفهم بها … شرفا لتعرفهم من الأطراف
وقال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة:
لآل رسول الله جاه ورفعة … بها رفعت عنّا جميع النوائب
وقد أصبحوا مثل الملوك برتكهم … إذا ما بدوا للناس تحت العصائب
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد عبد الله درويش، وكان من أولياء الله تعالى. - وتوفّى الشيخ شرف الدين يحيى الرهونى المالكى، وكان من أعيان علماء المالكية.
وتوفّى الأديب الفاضل نور الدين على بن محمد الحموى الشهير بابن الخباز، وكان من أعيان الشعراء فى عصره، ومن شعره الرقيق قوله من أبيات:
تنبّه فقد نمّ النسيم على الزهر … ودلّت تغاريد الحمام على الفجر
رعى الله أياما جنينا ثمارها … بأيدى الهنا ما بين أوراقها الخضر
خلعنا على اللذات أردية الهوى … جهارا وسلمنا العقول إلى الخمر
وفى شهر رجب، فيه كانت وفاة الإمام العالم العلاّمة سراج الدين عمر بن إسحق ابن أحمد الغزنوى الحنفى، ولد سنة أربع وسبعمائة، وكان من أعيان علماء الحنفيّة؛ وكان أصله من بلاد الهند، وكان واسع العلم، كثير الاطلاع، وله عدّة مصنّفات على مذهب أبى حنيفة، ﵁، وشرح الهداية، وشرح التائيّة للشيخ عمر ابن الفارض، وله مقدّمة على مذهب الحنفية، وغير ذلك أشياء كثيرة فى علوم شتى.
وفيه خرج الحاج الرجبى من القاهرة على العادة، ودار المحمل قبل خروج الحاج، وزيّنت له القاهرة.
وفى شهر شعبان، فى يوم الاثنين ثامن عشره (١)، أخلع السلطان على شيخ الإسلام
стр. 719
سراج الدين عمر البلقينى، واستقرّ به فى قضاء العسكر، عوضا عن بهاء الدين السبكى؛ وقرّر أيضا فى تدريس المدرسة الناصرية، التى بجوار قبّة الإمام الشافعى، رحمة الله عليه؛ وقرّر أيضا فى تدريس الشافعية بالمدرسة المنصورية، التى بين القصرين؛ وقرّر أيضا فى الإفتاء بدار العدل.
وفيه استقرّ الشيخ ضياء الدين عبيد الله القرمى فى تدريس الشافعية بخانكاة شيخو، فنزل من القلعة فى موكب حفل، وصحبته القضاة الأربعة، وجماعة من أعيان الأمراء، فمدّ لهم سماط عظيم بالخانكاة الشيخونية.
وفى شهر رمضان، أخلع السلطان على القاضى شهاب الدين أحمد بن العماد محمد ابن محمد بن مسلم بن علان القيسى، واستقرّ به فى كتابة السرّ بحلب، بعد وفاة القاضى علاء الدين على بن إبراهيم بن حسن بن تميم.
وفى شهر شوال، خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل الأمير طشتمر، الدوادار الكبير.
وفيه استقرّ الأمير قرطاى الكركى، شاد العمائر للجسور بالوجه القبلى، عوضا عن أسنبغا البهادرى؛ واستقرّ محمد بن قيران الحسامى، فى كشف الوجه البحرى، عوضا عن عثمان الشرفى؛ واستقرّ الأمير قطلوبغا، أمير علم؛ واستقرّ الأمير قرابغا الأحمدى، أمير جندار؛ واستقرّ الأمير تمراز الطازى، حاجبا صغيرا.
وفى شهر ذى القعدة، استقرّ شهاب الدين أحمد بن شرف الدين موسى بن فيّاض بن عبد العزيز بن فيّاض المقدسى، قاضى الحنابلة بحلب، عوضا عن أبيه، بحكم وفاته.
وفى شهر ذى الحجّة، فرّق السلطان الأضحية على العسكر، بحكم النصف من العادة، فتضرّروا من ذلك، وقصدوا الوثوب عليه. - وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن قد فشا الطاعون فى ضواحيها.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن تقىّ الدين أبى الحسين على بن عبد الكافى بن على بن تمام بن يوسف بن موسى
стр. 720
ابن تمام الأنصارى السبكى الشافعى، وكانت وفاته بمكّة ليلة الخميس سابع رجب.
وتوفّى الأمير أيدمر الشيخى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (١)، ونائب حماة، توفّى بحلب بطّالا.
وتوفّى قاضى القضاة سراج الدين عمر بن إسحق بن أحمد الغزنوى الهندى الحنفى، فى ليلة الخميس سابع رجب؛ وهى الليلة التى مات بها الشيخ بهاء الدين بن السبكى بمكّة.
وتوفّى الشيخ كمال الدين أبو الغيث محمد بن تقىّ الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر، المعروف بابن الصايغ الأنصارى الدمشقى الشّافعى، قاضى حمص.
وتوفّى الأديب يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن محمد بن يحيى بن الخباز العامرى الحموى، وكان من فحول الشعراء.
وتوفّى تقىّ الدين أبو بكر بن محمد العراقى، أحد فقهاء الحنابلة. - وتوفّى الشيخ عبد الله درويش، فى رجب. - وتوفّى الأمير أسنبغا التلكى، أحد الأمراء العشرات.
وتوفّى الأديب الشاعر شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن شيخان، المعروف بابن المجد، البكرى القرشى البغدادى. - وتوفّى الشيخ شرف الدين يحيى الرهونى المالكى، وكان من أعيان الفقهاء المالكية، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، قدم مبشّر الحاج، وأخبر أنّ الحجّاج لحقهم عطشة شديدة، حتى مات منهم ما لا يحصى، وقتل منهم جماعة كثيرة على ازدحام الماء فى المناهل، وقت التروية، وقاسوا مشقّة زائدة فى هذه السنة.
وفيه كانت وفاة الأتابكى منكلى بغا الشمسى، وكان من مماليك الناصر محمد بن قلاون، وكان من خيار الأمراء، وولى من الوظائف: نيابة الشام، ونيابة حلب، ونيابة السلطنة بمصر، والأتابكية.
стр. 721
فلما توفّى أخلع السلطان على الأمير ألجاى اليوسفى، زوج أمّ السلطان، واستقرّ به أتابك العساكر، عوضا عن الأمير منكلى بغا الشمسى، بحكم وفاته. - وفيه أنعم السلطان على ولده الكبير سيدى على، بتقدمة ألف.
وفى شهر صفر، استقرّ الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشى، فى نيابة غزّة، عوضا عن طيدمر البالسى. - وفيه ضرب قاضى القضاة برهان الدين الأخناى المالكى، عنق رجل، لوقوعه فيما أوجب ذلك لتكفيره.
وفيه رسم الأمير ألجاى اليوسفى، أمير كبير، بأن لا يجلس فى كل حانوت، من حوانيت الشهود، سوى أربعة أنفس لا غير، وأمر قضاة القضاة أن [لا] (١) يجلس كل نائب من نوّابهم فى حانوت إلا وعنده شهود على مذهبه، وضيّق عليهم إلى الغاية؛ فاستمرّ ذلك مدّة يسيرة، ثم بطل وأعيد كل شئ إلى ما كان عليه.
وفيه أخلع السلطان على الأمير كجك، واستقرّ به أمير سلاح، عوضا عن الأمير ألجاى اليوسفى، بحكم انتقاله إلى الأتابكية.
وفى شهر ربيع الأوّل، فيه قدم قود الأمير منجك اليوسفى، نائب الشام، فكان ما اشتمل عليه ذلك القود: أسدان كبار، وضبع، وأربعون كلبا سلوقيّا، بأجلال حرير، وأربعون فرسا، وخمسون بقجة ضمنها قماش، وقطاران بخاتى، لكل واحد منها سنمان، وستة قطر جمال، وشقق حرير ملوّن، وأربعة وأربعون هجينا، وثلاثة قباقيب نساوية ملبّسة بذهب، وهى مرصعة بفصوص مثمّنة، وعدّة قنادير من حرير ملوّن بتراكيب ذهب، وعدّة كنابيش زركش، وعرقيّات زركش برسم الخيل، وعدّة عبى حرير وصوف سمك، وعدّة أحمال ضمنها فواكه، وحلاوات شامية، وأشربة، ومخلّلات، وسواقة، وغير ذلك أشياء كثيرة تصلح لهدايا الملوك.
وفيه أنعم السلطان على الأمير منكلى بغا الأحمدى، بتقدمة ألف؛ وأنعم على سلطان شاه بإمرة طبلخاناة؛ واستقرّ بالأمير يلبغا الناصرى، شاد الشراب
стр. 722
خاناة، عوضا عن الأمير منكلى بغا الأحمدى؛ واستقرّ بالأمير ملكتمر، خازندارا، عوضا عن الأمير يلبغا الناصرى.
وفى شهر ربيع الآخر، فى يوم ثامنه، عرضت مماليك الأتابكى منكلى بغا الشمسى على السلطان، بعد موته، فكان عدّتهم مائتى مملوك (١)، فجعلهم فى خدمة ولده أمير على، كما بقى مقدّم ألف.
وفيه توفّى الأمير أرغون ططر الناصرى، رأس نوبة النوب. - وتوفّى أرغون ابن قيران (٢) السلارى، نقيب الجيوش المنصورة؛ فلما مات قرّر عوضه فى نقابة الجيش محمد بن سرتقطاى (٣).
وفى شهر جمادى الأولى، وقع فيه من الحوادث أنّ فى ليلة الأربعاء سابع الشهر، وقعت صاعقة عظيمة على القلعة، فاحترق منها عدّة أماكن، واستمرّ الحريق عمّالا بها أياما فى دور الحرم، فأعيى (٤) المماليك والفعلة إطفاءه، والنار تشعل ليلا ونهارا، فتنكّد السلطان لذلك غاية النكد، حتى طفيت النار بعد أيام.
وفيه قدم قود الأمير أشقتمر (٥) الماردينى، نائب طرابلس، فكان ما اشتمل عليه:
خمسة وعشرون فرسا، وخمسة وعشرون بقجة قماش، ولكل من ولدى السلطان، وهما: سيدى على، وسيدى أمير حاجى، أربعة أفراس، وأربعة بقج قماش؛ فلما قابل السلطان قاصده، أنعم على الأمير أشقتمر (٥) بنيابة حلب، عوضا عن الأمير عزّ الدين أيدمر الدوادار؛ ونقل الأمير أيدمر إلى نيابة طرابلس، عوضا عن أشقتمر (٥) الماردينى.
وفيه أخلع السلطان على الأتابكى ألجاى اليوسفى، وقرّره ناظر المارستان، فنزل من القلعة فى موكب حفل.
стр. 723
وفى شهر جمادى الآخرة، قدم السلطان من سرحة البحيرة، فكان له موكب حفل، لما شقّ من القاهرة.
وفيه عرض الشريف فخر الدين محمد بن على بن حسين، نقيب الأشراف، عامّة السادة الأشراف، وقد رافعه الشريف بدر الدين حسن بن النسّابة، بأنّه قد أدخل فى الأشراف من ليس بشريف ثابت النسب، وقدح فيه بسبب ذلك؛ فلما عرضت السادة الأشراف على السلطان، لم يظهر فيهم من ليس بشريف، ولا له نسب ثابت؛ فتغيّر خاطر السلطان على الشريف بدر الدين بن النسّابة، ورسم عليه حتى يثبت ما قاله فى حقّ الشريف فخر الدين، نقيب الأشراف، من القدح فى حقّه.
وفى شهر رجب، وقع فيه من الحوادث أنّ الأتابكى ألجاى اليوسفى، لما استقرّ فى الإمرة الكبرى، قصد أن يجدّد بالمدرسة المنصورية، التى بجوار البيمارستان، منبرا، ويقرّر بها خطيبا، لتقام بها صلاة الجمعة؛ فأفتاه الشيخ سراج الدين عمر البلقينى من الشافعية، والشيخ شمس الدين محمد بن الصايغ من الحنفية، بجواز ذلك، وخالفهما الباقون من العلماء فى المنع من ذلك؛ وكان الذى أفتى بالمنع أكثر من الذى أفتى بالجواز، فعقد مجلس بسبب ذلك.
فلما كان يوم السبت سادس عشرينه، اجتمع قضاة القضاة الأربعة، وأعيان العلماء، بالمدرسة المنصورية، فجرى بينهم جدال ونزاع طويل، فآل الأمر (١) إلى المنع من تجديد الخطبة بها، وانفضّ المجلس على ذلك، لأنّ هذه المدرسة بالقرب من المدرسة الصالحية، وبها خطبة، بحيث يرى من بالمدرسة المنصورية منبر المدرسة الصالحية.
فكثر الكلام فى ذلك، فألّف الشيخ سراج الدين البلقينى كتابا فى الجواز بذلك؛ وألّف الشيخ زين الدين العراقى كتابا فى المنع من ذلك، ووافقه على ذلك القاضى برهان الدين بن جماعة، وكان الذى أمتى بالمنع، أكثر من الذى أفتى بالجواز.
وفى شهر شعبان، أخلع السلطان على القاضى كريم الدين عبد الكريم بن شاكر
стр. 724
ابن إبراهيم بن الغنّام، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن الصاحب فخر الدين بن موسى أبى شاكر؛ وقرّر ولده علم الدين فى نظر البيوتات، عوضا عن أبيه؛ واستقرّ الصاحب كريم الدين بن الرّويهب فى نظر الدولة، فعظم أمر الصاحب كريم الدين بن الغنّام إلى الغاية، وجلس بالشبّاك الذى بقاعة الذهب، وتسمى قاعة الوزراء أيضا، وكانت هذه القاعة (١) بالقلعة برسم الوزراء، يجلسون بها.
وفى شهر رمضان، فى تاسع عشره، أخلع السلطان على السيد الشريف عاصم، واستقرّ به نقيب الأشراف، عوضا عن الشريف فخر الدين، وقد قيل عنه إنّه يأخذ الرشوة على إدخال من ليس له ثبوت نسب من الأشراف، وقد سمى الشريف عاصم من عند الأتابكى ألجاى.
وفيه أخلع السلطان على جمال الدين عبد الرحيم بن الورّاق الحنفى، مؤدّب ولدى السلطان، وقرّره ناظر الخزانة الشريفة؛ وأخلع على تاج الدين النشو الملكى، وقرّره فى استيفاء الصحبة.
وفى شهر شوّال، فيه كانت وفاة الشيخ العارف بالله تعالى، بهاء الدين محمد بن عبد الله بن محمد الكازرونى، وكان منقطعا بزاويته التى بالروضة، وهو المسجد المعروف بالمشتهى، وكان الشيخ أكمل الدين الحنفى كثير التعظيم له والاعتقاد به، حتى مات، وكان من أولياء الله تعالى.
وفيه استقرّ الأمير أرغون الغزّى، شاد الدواوين، عوضا عن شرف الدين موسى ابن الدينارى؛ واستقرّ أبو بكر القرمانى، فى ولاية الغربية، عوضا عن أحمد بن جميل؛ واستقرّ فخر الدين عثمان الشرفى، فى ولاية الجيزة.
وفى شهر ذى القعدة، حصل لخوند بركة، أمّ السلطان، مرض حدّ، فتوعّك من ذلك جسدها، فطلعوا بها إلى الروضة، فتزايد بها المرض؛ فلما بلغ السلطان ذلك، نزل من القلعة، وتوجّه إلى نحو الآثار النبوى، فزاره، ثم نزل من هناك فى مركب وعدّى إلى الروضة، فطلع إلى والدته وعادها، وأقام عندها إلى بعد العصر،
стр. 725
ثم عدّى وطلع إلى القلعة؛ فاستمرّت مريضة وهى بالروضة أياما.
فلما كان يوم الثلاثاء سلخ ذى القعدة، أشيع موتها، فعدّوا بها وهى ميّتة من الروضة، وطلعت جنازتها من الصليبة، ومشى قدّامها سائر الأمراء، وحمل نعشها الأمراء المقدّمين (١)، وكان قدّامها كفّارة على عدّة حمّالين، فلما وصلت إلى سبيل المؤمنى، نزل السلطان من القلعة، وصلّى عليها، وتوجّهوا بها إلى مدرستها التى أنشأتها فى التبّانة، فدفنت بها.
وكانت ديّنة خيّرة، فى سعة من المال، ولها برّ ومعروف، ولا سيّما ما فعلته فى مدرستها من وجوه الخير، وقرّرت بها حضورا وصوفة، ومكتبا للأيتام، وحوضا وسبيلا؛ وبنت الربع المعروف بربع أمّ السلطان، وبنت قيسارية الجلود التى بخطّ الركن المخلق، فأخذها جمال الدين الأستادار فيما أخذه من الأوقاف والأملاك.
فلما ماتت كثر عليها الأسف والحزن من الناس، فإنها كانت واسطة خير، تشفع عند ابنها السلطان فى أصحاب الجرائم، فلا يردّ لها شفاعة؛ ومن غرائب الاتّفاق أن لما ماتت أمّ السلطان، رثاها الأديب شهاب الدين أحمد، المعروف بالأعرج، السعدى بهذين البيتين، وهما:
فى مستهلّ الشهر من ذى حجّة … كانت صبيحة موت أمّ الأشرف
فالله يرحمها ويعظم أجره … ويكون فى عاشورا موت اليوسفى
يعنى الأتابك ألجاى اليوسفى، فإنّه كان (٢) بينه وبين السلطان حظّ نفس فى الباطن، فكان الفأل بالمنطق، ومات ألجاى اليوسفى فى عاشوراء، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، فكان كما يقال:
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما … نطق اللسان بحادث سيكون
وفى شهر ذى الحجّة، قدمت الأخبار من فاس ببلاد الغرب، بأنّ ملكها قد مات، وهو عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ المرينى؛
стр. 726
وكانت وفاته فى الثانى والعشرين من ربيع الآخر؛ وأقيم بعده ابنه السعيد محمد بن عبد العزيز بن أبى الحسن، انتهى ذلك.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان: الصارمى إبراهيم بن خليل ابن شعبان، الرمحدار. - وتوفّى كاتب السرّ بحلب، شهاب الدين أحمد بن محمد ابن محمد بن السلمى بن علان القيسى.
وتوفّى من فقهاء الحنابلة الشهاب أحمد العبّاسى، سبط فتح الدّين القلانسى، المحدّث. - وتوفّى من فقهاء الشافعية الشهاب أحمد بن عبد الوارث البكرى، فى سابع عشرين شهر رمضان.
وتوفّى الأمير أرغون ططر الناصرى، رأس نوبة النوب، بعد ما نفى إلى حماة. - وتوفّى خطيب حلب شهاب الدين أحمد بن محمد بن جمعة بن أبى بكر الأنصارى الحلبى الشافعى، وله رحلة إلى القاهرة.
وتوفّى الشيخ عماد الدين أبو الفداء إسمعيل بن شهاب الدين الخطيب بن كثير [ابن] (١) ضو بن كثير القرشى الشافعى، الإمام المفسّر الواعظ. - وتوفّى بدر الدين حسن بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبى طالب بن على، مستوفى ديوان الجيش، وكان له شهرة زائدة.
وتوفّى الشيخ ولىّ الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم الملوى الديباجى الشافعى. - وتوفّى الشيخ العارف بالله تعالى بهاء الدين محمد الكازرونى، وكان من أصحاب ياقوت العرشى الحبشى.
وتوفّى تقىّ الدين محمد بن الجمال بن رافع بن هجرس بن محمد بن شافع السلامى المصرى، الفقيه الشافعى المحدّث، توفّى بدمشق. - وتوفّى الأديب البارع شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان، توفّى بطرابلس. - وتوفّى ناظر الجيش بحلب، بدر الدين محمد بن محمد بن الشهاب محمود بن سلمان الحلبى.
وتوفّى الأمير منكلى بغا الشمسى، الأتابكى، وولى نيابة الشام، وحلب، ونيابة
стр. 727
السلطنة بمصر، والأتابكية. - وتوفّى الأمير موسى بن الأمير أرقطاى، نائب صفد.
وتوفّى الشيخ شرف الدين يحيى بن الرهونى المالكى. - وتوفّى الأمير ألطنبغا الماردينى، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح عبد الله بن عمر بن سليمان المغربى، المعروف بالسبطير، توفّى بالجامع الأزهر، فى ثانى عشرين صفر.
وتوفّى ناصر الدين محمد بن الزفتاوى، المعروف بسباسب، رئيس المؤذّنين، وكان من أخصاء السلطان. - وتوفّيت خوند بركة أمّ السلطان، فى سلخ ذى القعدة. - وتوفّى الأمير أرغون ططر الناصرى، رأس نوبة النوب. - وقدمت الأخبار بوفاة صاحب فاس المغربى، عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وسبعمائة
فيها فى أول المحرّم، ابتدأت وقوع الوحشة بين السلطان وبين الأتابك ألجاى اليوسفى، وكان يسكن بالغور من القلعة، ويدخل الأشرفية فى كل يوم اثنين وخميس، ويتصرّف فى أمور المملكة بما يختار؛ فلما ماتت خوند بركة أمّ السلطان، زوجته، انحطّت منزلته عند السلطان؛ وكان الأتابك ألجاى وضع يده على موجود زوجته خوند بركة، وشاحح السلطان فى ذلك.
فلما كان ليلة الثلاثاء [سادسه] (١)، امتنع الأتابك ألجاى من البيت بالقلعة على عادته، واعتذر للسلطان أنّه مريض، وأخذ فى الاستعداد للحرب، وفرّق على مماليكه آلة السلاح.
فلما بلغ السلطان ذلك، استعدّ لقتاله أيضا، وألبس مماليكه، وأمر بدقّ الكوسات حربى، فدقّت بعد العشاء بالقلعة، وذلك فى ليلة الأربعاء، فركب الأمراء بالسلاح، وأتوا إلى تحت القلعة، ثم نزلوا عن خيولهم وباتوا عند السلطان تلك الليلة، وهم على حذر من الأمير ألجاى.
فلما طلع نهار يوم الأربعاء، برز الأمير ألجاى من اصطبله فى جمع كبير من مماليكه
стр. 728
وأتباعه، حتى وقفوا تحت القلعة، فنزلت إليه المماليك السلطانية من باب السلسلة، وقد لقيتهم أطلاب الأمراء، فاقتتلوا مع الأتابك ألجاى بالرملة قتالا شديدا، فقتل من الفريقين عدّة مماليك كثيرة، وجرح منهم جماعة كثيرة، ما لا يحصى عددهم.
وآخر الأمر انهزم ألجاى، ونزل من الصليبة، فلاقاه الأمير طشتمر الدوادار، فرجع ألجاى وتوجّه إلى نحو بركة الحبش، ثم أتى إلى باب القرافة، ثم مرّ من على الجبل المقطّم، وخرج من جانب الجبل الأحمر، ونزل عند قبّة النصر، وضرب خيامه هناك، واجتمع عليه عدّة من أصحابه من الأمراء والمماليك، فبات هناك ليلة الخميس.
فبعث إليه السلطان يرغّبه فى الطاعة، فأجاب بأنّه مملوك السلطان وعبده، ولم يخرج عن طاعته، وإنما له غرماء (١) من الأمراء والخاصكية، وأنه يريد غرماءه أن يسلّمهم إليه، أو يبرز لمحاربتهم حتى ينتصر عليهم، وإلا فلا يموت إلا على ظهر فرسه.
فبعث إليه السلطان ثانيا يخوّفه عاقبة البغى، ويعرض عليه أن يتخيّر من البلاد الشامية ما شاء، يقيم بها؛ فلم يوافق ألجاى على شئ من ذلك؛ فتردّدت الرسل بينهما مرارا، ثم بعث السلطان إليه بتشريف بأن يستقرّ فى نيابة حماة، فقال ألجاى:
«لا أتوجّه إلى حماة إلا ومعى جميع مماليكى، وبركى، وقماشى، وكل ما أملكه»؛ فلم يرض السلطان بذلك، واستدعى بالأمير عزّ الدين أينبك، فإنّه كان من أخصاء الأتابك ألجاى، فأتاه طائعا، فلما أتاه ألزمه أن يستميل المماليك اليلبغاوية عن ألجاى، وكانوا نحو مائة مملوك، وأوعد السلطان الأمير أينبك بإمرة طبلخاناة، فانصرف من عنده على أنّه يفعل ذلك، وتوجّه (٢) إلى تربة أستاذه يلبغا وبات بها.
فلما أقبل الليل بعث إلى المماليك اليلبغاوية إشارة من عنده، بأن يستحبّوا من عند ألجاى ويأتوا (٣) إليه تحت الليل، فأتوه، زمرا، زمرا، إلى تربة يلبغا، فصعد بهم
стр. 729
جميعا إلى القلعة تحت الليل، وقابلوا السلطان، فرسم لهم بجوامك ولحوم، ورسم لهم بأن يكونوا فى خدمة ولده أمير على.
فلم يطلع الفجر وعند الأتابكى ألجاى من المماليك إلا دون الخمسمائة مملوك، فتلاشى أمره إلى الغاية.
فلما جرى ذلك، توجّه إليه الأمير أرغون شاه، فى عدّة وافرة من المماليك، والجمّ الغفير من العامّة، فأتوا إليه من بين الترب؛ وتوجّه إليه من الحسينية الأمير ناصر الدين محمد بن شرف الدين موسى؛ وتوجّه إليه الأمير منكلى بغا البلدى من طريق أخرى، ومعه الجمّ الغفير من المماليك والعامّة.
فعند ما رأى ألجاى ذلك، وقرب منه القوم، ركب من هناك وتأخّر قليلا، قليلا، فملك منه الأمير أرغون شاه، مكان قبّة النصر الذى كان به ألجاى.
فأخذ فى الفرار، فركب قفاه الأمراء والعسكر، وقد تسحّب من كان معه من المماليك، حتى لم يبق معه من المماليك سوى ثلاثة أنفار من مماليكه؛ فساق ألجاى فرسه، وقصد نحو قليوب، وصار الأمير ناصر الدين محمد بن موسى سائقا خلفه.
فلما أتى ألجاى إلى شاطئ النيل، أدركه الأمير ناصر الدين هناك، فأرمى بنفسه فى البحر وهو راكب على فرسه، فغرق هو والفرس فى البحر، فطلع الفرس من عند صقيل، بالقرب من الورّاق، ولم يطلع هو.
ثم إنّ الأمير ناصر الدين بن موسى، والأمير أرغون شاه، صارا يقبضان (١) على مماليك ألجاى، واحدا بعد واحد، ويحضروهم (٢) بين يدى السلطان، ثم إنّ السلطان سجن منهم جماعة فى خزانة شمايل.
وأقام الأتابكى ألجاى غريقا فى البحر يوما وليلة، ثم إنّ السلطان أرسل جماعة من الغطّاسين إلى مكان غرق فيه ألجاى، فطلعوا به ميتا، وقد أكل السمك وجهه، فأحضروا تابوتا ووضعوه فيه، وأتوا به إلى القاهرة، وطلعوا به إلى القلعة، فلما رآه
стр. 730
السلطان حزن عليه، فإنّه كان زوج أمّة، وله عليه تربية قديمة، ولو طلع وقابل السلطان بعد أن انكسر، ما كان يحصل له منه (١) إلا كل غير، وما كان يقسو (٢) فى حقّه، ولكن غلب القضاء والقدر عليه.
ثم إنّهم غسّلوه، وكفّنوه، وصلّوا عليه، ودفنوه فى مدرسته التى أنشأها بسويقة العزّى، قريبا من خطّ التبّانة، وكان ذلك يوم الجمعة عاشر المحرم، فكان كما قال الأديب شهاب الدين الأعرج: «ويكون فى عاشر موت اليوسفى»؛ فكان كما فوّل عليه بما قاله، وقد قيل:
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما … نطق اللسان بحادث سيكون
وكان الأتابكى ألجاى أميرا جليل القدر، معظّما مبجّلا، ديّنا خيّرا، كثير البرّ والصدقات، فى سعة من المال، وكان أصله من مماليك الملك الناصر حسن بن محمد ابن قلاون.
فلما دفن ألجاى وخمدت هذه الفتنة، نزع الأمراء سلاحهم وطلعوا إلى القلعة، وهنّوا السلطان بسلامته؛ ثم نودى فى القاهرة للناس بالأمان والاطمان، والبيع والشرى، والدعاء بالنصر للسلطان، فارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة.
ثم إنّ السلطان أخذ فى أسباب القبض على الأمراء الذين (٣) كانوا من عصبة الأتابك ألجاى، فقبض على جماعة، منهم: الأمير طقتمر الحسنى، والأمير صراى العلاى، والأمير سلطان شاه بن قرا الحاجب، وآخرين من الأمراء، ونفاهم إلى البلاد الشّامية.
ثم قبض على الأمير بيبغا القوصونى، والأمير خليل بن قمارى، ثم أفرج عنهما بشفاعة الأمير طشتمر الدوادار؛ وقبض على الأمير علاء الدين على بن كلفت، أحد الحجّاب، وألزمه بمال له صورة، فأقام فى الترسيم مدّة طويلة حتى يردّ ما قرّر عليه من المال.
стр. 731
وفيه خرج على البريد الأمير بورى الأحمدى الخازندار، وتوجّه إلى طرابلس لإحضار الأمير أيدمر الشمسى الدوادار، نائب طرابلس، ليلى الأتابكية، وقد ترشّح أمره إلى ذلك؛ فلما حضر، أخلع عليه واستقرّ أتابك العساكر بمصر، عوضا عن ألجاى اليوسفى. - وأخلع على الأمير يعقوب شاه، واستقرّ فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير أيدمر الشمسى.
وفى يوم الاثنين ثانى عشره، أوكب السلطان بالقصر الكبير، وأخلع على جماعة من الأمراء، وهم: الأمير أرغون شاه، واستقرّ نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على الأمير صرغتمش الأشرفى، واستقرّ أمير سلاح، ورسم له بأن يجلس بالإيوان فى وقت الخدمة إلى جانب الأمير أيدمر الشمسى، أمير كبير.
وأخلع على الأمير أرغون الأحمدى، وقرّر لالا كبير، مقدّم ألف، ورسم له بأن يجلس بالإيوان فى وقت الخدمة؛ وأخلع على الأمير قطلوبغا الشعبانى، وقرّر رأس نوبة ثان (١)، وأنعم عليه بتقدمة ألف.
وأخلع (٢) على الطواشى مختار الحسامى، واستقرّ فى تقدمة المماليك، عوضا عن سابق الدين مثقال الآنوكى، ولزم سابق الدين مثقال بيته بطّالا؛ وأخلع على الأمير أيدمر من صديق، وقرّر رأس نوبة رابع (٣)؛ فأخلع على الجميع فى يوم واحد.
ثم إنّ السلطان استدعى (٤) بأولاد الأتابكى ألجاى، ورتّب لهم ما يكفيهم من النفقة فى كل يوم، ورسم لهم بأن يسكنوا بالقلعة.
ثم إنّه احتاط على موجود ألجاى، فكان شيئا كثيرا، من أموال، وقماش، وبرك، وسلاح، وخيول، وجمال، وأملاك، وضياع، وغير ذلك.
ثم إنّه قبض على محمد شاه، دوادار ألجاى، وقبض [على] (٥) آقبغا خازنداره،
стр. 732
وعلى مباشرين ديوانه (١)، وألزمهم بمال جزيل له صورة، فحملوا منه شيئا (٢) إلى أن يردّوا الباقى للخزائن الشريفة.
وفيه أخلع على الأمير كجك من أرطق شاه، وقرّر فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن خليل بن عرام؛ وأخلع على القاضى كمال الدين الربعى، وقرّر فى قضاء الإسكندرية، عوضا عن الكمال بن التنسى.
وفيه استقرّ فخر الدين عثمان الشرفى فى الأستادارية؛ وقرّر ابن صبح فى ولاية القاهرة، عوضا عن بكتمر السيفى، وقبض على بكتمر وصودر. - وفيه استقرّ الأمير شرف الدين موسى بن الدينارى فى ولاية الجيزة، عوضا عن عثمان الشرفى.
وفيه أنعم السلطان على كل من الأمير آقتمر الصاحبى الحنبلى، والأمير تمرباى الحسنى، والأمير أحمد بن يلبغا، وأينال اليوسفى، وبلوط الصرغتمشى، وأحمد بن بهادر الجمالى، وألجبغا المحمدى، وحاجى بك بن شادى، والطواشى مختار الحسامى، بإمريات طبلخانات. - وأنعم على الأمير طشتمر الصالحى، والأمير ألطنبغا عبد الملك، بإمريات عشرة.
وفيه أخلع على الأمير قطلوبغا المنصورى، واستقرّ فى نيابة صفد، عوضا عن علم دار المحمدى؛ واستقرّ الأمير ملكتمر من بركة، حاجبا ثانيا، عوضا عن قطلوبغا المنصورى.
وفى شهر صفر، فيه توعّك جسد السلطان، وأشرف على الموت، فطلع إليه شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وقاضى القضاة برهان الدين بن جماعة، فعادوه، وقالوا له: «يا مولانا السلطان إن أبطلت المظالم يحصل لك الشّفاء، فأبطل مكس المغانى، وضمان القراريط»، فأجاب بأنّه يبطل المكس من هاتين (٣) الجهتين عن قريب.
وفيه قدم الأمير أيدمر الشمسى، نائب طرابلس، فلما قدم أخلع عليه وقرّر فى
стр. 733
الأتابكية، عوضا عن ألجاى اليوسفى، كما تقدّم ذكر ذلك. - وفيه استقرّ الأمير تمراز الطازى فى نيابة حمص، عوضا عن آقبغا عبد الله.
وفيه أنعم السلطان على الأمير يلبغا الناصرى اليلبغاوى، بإمرة طبلخاناة. - وفيه استقرّ الأمير أسنبغا البهادرى، فى نقابة الجيوش المنصورة؛ واستقرّ قطلوبغا الكوكاى، فى شادية العمائر.
وفى يوم الخميس حادى عشرينه، عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى الحنبلى، حاجب الحجّاب، ونقله من الحجوبية إلى نيابة السلطنة بمصر، عوضا عن الأمير أرغون شاه الأشرفى.
وفى هذا الشهر اجتمع شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وقاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، فلما اجتمعا بالسلطان سألاه فى إبطال ضمان المغانى، وإبطال مكس القراريط، فإنّ السلطان لما كان مريضا أوعدهما بإبطال هاتين (١) المظلمتين من مصر، فلما شفى فكّراه بذلك، فرسم بإبطال ذلك؛ وأبطل أيضا ما كان يؤخذ من الدور إذا بيعت، فكان على البائع قدر معلوم يؤخذ منه.
فكتب بذلك مرسومين إلى الوجه القبلى والوجه البحرى، بعد ما قرئا على منابر مصر، ومنابر القاهرة؛ وكان يتحصّل من هاتين (١) الجهتين مال جزيل له صورة، فبطل ذلك ولله الحمد.
وفيه نفى الأمير خليل بن عرام إلى البلاد الشامية، ونفى الأمير علاء الدين بن كلفت، ونفى محمد شاه دوادار الأمير ألجاى، وآقبغا البجمقدار، وسافروا جميعا إلى البلاد الشامية؛ ونفى الأمير بكتمر السيفى إلى طرسوس. - وفيه قرّر الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشى فى ولاية قوص، وأضيف إليه الكشف أيضا.
وفيه قدم الأمير حيار بن مهنا، فخلع عليه واستقرّ فى إمرة العرب على عادته، ولم يؤاخذه السلطان بما كان منه من قتلة الأمير قشتمر نائب حلب. - وفيه نفى الصاحب الوزير كريم الدين بن الرويهب إلى نحو طرابلس، واستقرّ عوضه فى الوزارة
стр. 734
القاضى تاج الدين النشو الملكى (١).
وفى شهر ربيع الأول، فيه توقّف ماء النيل عن الزيادة، حتى دخل يوم النوروز ولم يف (٢)، وقد بقى على (٣) الوفاء ثمانية أصابع، فزاد من ذلك أصبعين، ثم فى اليوم الثانى منه زاد أصبعين، ثم اليوم الثالث زاد أصبعين، فتأخّر من ذراع الوفاء أصبعان، فلم يزد من بعد ذلك شيئا.
ثم نقص فى يوم الجمعة ثالث عشر النوروز (٤)، فاضطربت أحوال الناس، وتزايد قلقهم، وتكالبوا على مشترى القمح؛ فنودى فى القاهرة للناس بالخروج إلى الاستسقاء، فخرج الخليفة، وقضاة القضاة، والعلماء، والصلحاء، والنّاس قاطبة.
ثم إنّ جماعة من العلماء توجّهوا إلى الآثار النبوى، وأخذوا منه الآثار الشريف، وتوجّهوا به إلى فسقية المقياس، وغسلوه بها مرارا، وقرأوا هناك عدّة ختمات شريفة، وتضرّعوا إلى الله تعالى فى إجراء النيل (٥)، فانهبط فى تلك الليلة خمسة أصابع؛ ثم تكرّر خروج الناس إلى الاستسقاء مرارا، وتزايد الدعاء إلى الله تعالى.
ثم نودى فى القاهرة للناس بصوم ثلاثة أيام متوالية، والمحافظة على الصلوات الخمس، والإقلاع عن المعاصى، والمبادرة بالتوبة، فصام الناس يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء.
ثم فى يوم الخميس خرج الناس إلى الاستسقاء، وتوجّهوا إلى نحو قبّة النصر، وهم حفاة مشاة، ومعهم أطفال وبهائم؛ وخرج طائفة من اليهود، ومعهم التوراة، وطائفة من النصارى ومعهم الإنجيل؛ وخرج الأمير آقتمر عبد الغنى، نائب السلطنة، فى عدّة من الأمراء.
وحضر ابن القسطلانى، خطيب جامع عمرو، ونصب هناك منبر، وصعد عليه، وخطب خطبة الاستسقاء، وحوّل رداءه، وكشف رأسه عند الدعاء، فكشف
стр. 735
الناس جميعا رءوسهم، وضجّوا بالدّعاء إلى الله تعالى، وارتفعت أصواتهم بالاستغاثة، وهملت أعينهم البكاء، وكان يوما عظيما، تذهل منه العقول، وهذه ثالث مرّة خرج فيها الناس إلى الاستسقاء.
فلما أصبح يوم الجمعة سادس عشرين هذا الشهر، رسم السلطان بفتح السدّ من غير وفاء، وقد بقى من ذراع الوفاء خمسة أصابع، فلم يجر الماء فى الخلجان إلا قليلا، ووقف، ثم انهبط من يومه جملة واحدة.
فعند ذلك وقع القحط فى القاهرة فى جميع الغلال والبضائع، فبلغ كل أردب قمح مائة وعشرين درهما، وكل أردب شعير ثمانين درهما، وبلغ سعر الرغيف الخبز أربعة دراهم، وبلغ الرطل اللحم الضأن درهمين، والرطل اللحم البقرى درهم ونصف، وبلغ ثمن البيضة عشرة دراهم كل واحدة، وبلغ ثمن الراوية الماء خمسة دراهم؛ ومات فى تلك السنة من الدواب ما لا يحصى من الجوع وقلّة العلف؛ وبلغ ثمن الرمّانة ستة عشر درهما، وغلت سائر البضائع من الأصناف، وصار سمر القمح كلّ يوم يتزايد، وشرق غالب البلاد، واشتدّ البلاء على الناس قاطبة.
فكان فى هذه الأيام يقعد فى وسط الرملة إنسان مغربى، ويرفع صوته، ثم يقول: «اقتلوا سلطانكم، ترخص أسعاركم، ويجرى ماؤكم (١)»، فلما تزايد منه هذا الأمر قبض عليه والى القاهرة، وضربه بالمقارع، وطرده من المدينة.
ثم إنّ السلطان لما رأى الأمر قد اشتدّ، فتح عدّة شون، وفرّقها على الفقراء والمساكين بالويبة؛ ثم رسم بأن تفرّق الفقراء والحرافيش على الأمراء وأعيان التجّار، ففرّقت عليهم، وفيه يقول القائل:
إذا ما قيل نائلة كنيل … فقل هل يستوى مال وماء
فلولا جوده فى مصر غارت … عيون النيل وانقطع الوفاء
واستمرت هذه الشدّة على الناس نحو سنة ونصف، حتى أكلوا خبز الذرة، وخبز النخال. - ثم وقع عقيب ذلك فناء عظيم، حتى بلغ ثمن البطيخة الصيفى مائة
стр. 736
درهم، وبلغ ثمن السكّر النبات كل رطل أشرفين، وغير ذلك من بقيّة الأصناف فى البضائع.
وفيه تعصّب جماعة من العامّة، وحملوا على رءوسهم مصاحف وأعلام، ووقفوا فى الرملة تحت القلعة، واستغاثوا: «الله ينصر السلطان»، فأرسل لهم السلطان بعض الأوجاقية، وهو يقول لهم: «ما حاجتكم»؟، فقالوا له: «قل للسلطان يعزل عنا علاء الدين بن عرب المحتسب»، فرسم بعزله عنهم.
ثم بعد أيّام أخلع على محمد بن طقتمر، وولاّه الحسبة، عوضا عن علاء الدين بن عرب، فإنّ ابن عرب كان يأخذ برطيل (١) السوقة، ولا يسعّر البضائع، فحصل منه للناس غاية الضرر.
ومن الغرائب ما أورده الصارمى إبراهيم بن دقماق، فى تاريخه الكبير، أنّ النيل لما كان خسيسا فى هذه السنة، بعث الله تعالى بأمطار غزيرة، حتى غرقت بها الأراضى، وزرع عليها بعض الحبوب، ونتج فى زرعه؛ وأغرب من ذلك ما أورده، أنّ فى سابع هاتور من الشهور القبطية؛ زاد الله تعالى فى النيل فى غير أوانه، اثنى عشر أصبعا فى يوم واحد، ثم بعد يومين زاد ثمانية أصابع، ففرح الناس بذلك، ثم نقص من بعد ذلك، فعدّ من النوادر وقوع ذلك.
وفى شهر ربيع الآخر، فيه أخلع على الطواشى سابق الدين مثقال الأنوكى، وقرّر فى تقدمة المماليك على عادته؛ واعيد الطواشى مختار كما كان، مقدّم طبقة الرفرف.
وفيه استقرّ الأمير شهاب الدين أحمد بن الأمير آل ملك، فى نيابة غزّة، عوضا عن طشبغا المظفرى. - وفيه أنعم السلطان على الأمير مبارك الطازى، والأمير جركس المنجكى، بتقدمتى ألف؛ وأنعم على الأمير جركتمر الخاصكى، بإمرة طبلخاناة، ورسم للأمير طنيال، بأن يكون طرخانا، وأخرج عنه التقدمة، وعوّضه إمرة طبلخاناة (٢).
стр. 737
وفيه عزل محمد بن طقتمر عن الحسبة، واستقرّ بها بهاء الدين محمد بن المفسّر، فأقام بها أياما، وعزل عنها، وقرّر فى وكالة بيت المال، ونظر الكسوة الشريفة؛ وأعيد إلى الحسبة علاء الدين على بن عرب.
وفى يوم السبت خامس عشرينه، ركب الأمير منكلى بغا البلدى، ودخل إلى بيت الأمير آقتمر عبد الغنى، نائب السلطنة، ليبلغه رسالة عن السلطان، فلما دخل إليه قبض عليه، وأخرجه من باب سرّ داره، وتوجّه به منفيّا إلى الشام، ولم (١) يشعر به من الناس أحد (٢)، ولم يتحرّك أحد من مماليكه بسببه، ثم أشيع أنّه توجّه إلى مدينة الكرك، ويكون بها نائبا، فتوجّه إليها من يومه.
وفيه اشتطّ سعر الغلال، حتى بلغ ثمن الأردب القمح إلى خمسين درهما، والأردب الفول والشعير إلى خمسة وعشرين درهما، والحمل الدقيق إلى أربعة وثمانين درهما.
وفيه قدم الأمير بيدمر الخوارزمى، ومعه تقادم جليلة للسلطان، فأكرمه، وأخلع عليه، واستقرّ به فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير أشقتمر (٣)؛ ثم إنّ السلطان عدّى فى ذلك اليوم إلى برّ الجيزة، وصحبته الأمير بيدمر، وعليه التشريف الذى لبسه فى ذلك اليوم، بسبب نيابة حلب.
ثم إنّ السلطان أرسل تقليدا إلى الأمير أشقتمر (٣)، بأن يكون نائب صفد، عوضا عن الأمير قطلوبغا المنصورى؛ ونقل قطلوبغا المنصورى إلى نيابة غزّة، عوضا عن الأمير شهاب الدين أحمد بن آل ملك، النائب؛ ونقل الأمير أحمد بن آل ملك إلى نيابة القدس والخليل ﵇.
وفى شهر جمادى الأولى (٤)، فيه أخلع السلطان على الطواشى جوهر الصلاحى، مقدّم القصر، واستقرّ به نائب مقدّم المماليك، عوضا عن مختار الدمنهورى؛ وقرّر مختار الدمنهورى، ويعرف بشادروان (٥)، فى تقدمة مماليك ابن السلطان أمير على،
стр. 738
وأنعم عليه بإمرة عشرة.
وفيه خلع على تاج الدين النشو الملكى، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن كريم الدين شاكر بن غنّام، واستقرّ ابن غنّام فى نظر البيوت، ونظر المارستان، ونظر دار الطراز.
وفيه أنعم على الأمير ناصر الدين محمد بن آقبغا آص؛ بتقدمة ألف، واستقرّ أستادارا. - وفيه أنعم على الأمير ألطنبغا ططق، المعروف بالعثمانى، بتقدمة ألف، واستقرّ أمير سلاح، عوضا عن طيدمر البالسى.
وفيه قدم شرف الدين حسين الفارقى، وزير صاحب اليمن، وأمير آخوره محمد، ومعهما هدّية حافلة للسلطان، فأكرمهما، وأخلع عليهما.
وفيه أخلع السلطان على الأمير طغاى تمر، دوادار الأمير يلبغا، واستقرّ دوادارا ثانيا، بإمرة طبلخاناة. - وفيه خلع على الأمير قرطاى الكركى، واستقرّ فى كشف الوجه البحرى، عوضا عن الأمير آل ملك الصرغتمشى.
وفيه وقع من الحوادث، أنّ السلطان رسم بشنق امرأة (١) يقال لها الخنّاقة، فشنقت هى وزوجها، وكانت تسكن فى تربة فى الصحراء، وتأخذ هى وزوجها أولاد الناس الصغار، وتخفقهم وتأخذ ما عليهم من الأثواب الفاخرة، ففقد للناس عدّة أولاد بالصحراء، وغيرها من الأماكن القليلة السالك؛ فضجّ الناس من ذلك، واشتدّ حزنهم على فقد أولادهم، فلا زالت هذه الامرأة على ذلك حتى فضحها الله تعالى، وقبض عليها، وعوقبت هى وزوجها، وأخذ ما وجد عندها من أثواب الصغار، الذين (٢) كانت تخنقهم، وتأخذ ما يكون عليهم من الحلىّ الفاخر والمصاغ؛ فرسم السلطان للوالى بأن يشنقهما على باب النصر، فشنقا هناك، وكان ذلك اليوم مشهودا فى اجتماع الناس فيه، بسبب الفرجة عليهما لما شنقا.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه رسم السلطان بنفى جماعة من الأمراء إلى ثغر
стр. 739
الإسكندرية، فخرجوا من يومهم، وهم: الأمير جاورجى القوصونى، والأمير آقبغا مصطفى، والأمير أسنبغا القوصونى، والأمير قرابغا الأحمدى، والأمير نصرات أخى بكتمر الساقى.
وفيه توفّى الشيخ المعتقد الصالح سيدى خضر بن أبى بكر المهرانى، وكان من أولياء الله تعالى.
وفيه أخلع السلطان على الأمير قطلوبغا الكوكاى، واستقرّ به فى الأستادارية، عوضا عن الأمير نصرات؛ واستقرّ الأمير أسنبغا البهادرى شاد العمائر على عادته؛ واستقرّ الأمير آل ملك المعروف بالصرغتمشى، فى نقابة الجيش.
وفى شهر رجب، أخلع السلطان على الأمير أرغون الأحمدى اللاّلا (١)، واستقرّ به فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير كجك؛ واستقرّ الأمير كجك فى نيابة غزّة. - وفيه خلع على برهان الدين إبراهيم بن بهاء الدين بن الحلّى، واستقرّ ناظر بيت المال، وناظر المارستان، مضافا لما بيده من الوظائف.
وفيه توفّى شمس الدين شاكر بن عبد الله القبطى، المعروف بابن البقرى، ناظر الذخيرة الشريفة، وولى غير ذلك عدّة وظائف سنيّة؛ وهو الذى أنشأ المدرسة البقرية التى بالقرب من العطوف، عند الجوانية، وكان أصله من تجّار البقر الذين (٢) بالغربية؛ وكان نصرانيا وأسلم على يد الأمير شرف الدين موسى الأزكشى، وحسن إسلامه؛ وهو جدّ أولاد البقرى قاطبة.
وفيه قدمت الأخبار بوفاة ملك التكرور، المسمّى مآد بن موسى بن أبى بكر، وولى بعده ابنه موسى، وقيل إنّ مآد هذا مات بعلّة النوم، فإنّه لا زال نائما حتى مات، وهذا يسمّى موت السكتة.
وفيه كانت وفاة الأديب الفاضل البارع شمس الدين محمد الأربلى الحنفى، وكان من
стр. 740
فحول الشعراء، ومولده سنة ست وسبعين وستمائة، ومن شعراء المائة السادسة، ومن شعره الرقيق، قوله:
لحبّى جفون لا يملّ جريحها … وكأنما فى كل جفن مرهف
يا منكرا قتلى وأعدل شاهد … لى فى هواه دموع عين تقذف
وفى شهر شعبان، فى يوم الخميس سابعه [١]، خلع على بهاء الدين أبى البقاء، واستقرّ فى قضاء دمشق، عوضا عن كمال الدين عمر بن عثمان بن هبة الله المعرّى؛ ونقل المعرّى إلى قضاء حلب، عوضا عن فخر الدين عثمان بن أحمد بن عثمان الزرعى. - وفيه استقرّ قاضى القضاة الشافعى برهان الدين إبراهيم بن جماعة، فى تدريس الشافعى، عوضا عن أبى البقاء، فلما حضر الدرس ابن جماعة، كان يوما جليلا فى جمعه.
وفيه أخلع السلطان على القاضى شهاب الدين أحمد بن علاء [الدين] [٢] على بن محيى الدين يحيى بن فضل الله العمرى، واستقرّ به فى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن فتح الدين أبى بكر بن الشهيد.
وفيه أخلع على الأمير ككبغا البيبغاوى [٣]، وقرّر فى نيابة قلعة جعبر. - وفيه عزل ابن الغنّام عن الوزارة، واستقرّ بها تاج الدين بن الملكى.
وفى شهر رمضان، فيه استجدّ السلطان قراءة صحيح البخارى فى كل يوم من أيام شهر رمضان، وأمر قضاة القضاة، ومشايخ العلم، أن يحضروا لسماع الحديث بالقصر الكبير من قلعة الجبل، وإنما فعل السلطان ذلك تبرّكا لما وقع الغلاء بمصر، فاستمرّ ذلك من يومئذ إلى الآن؛ وتناوب قراءته شهاب الدين أحمد بن العريانى، وزين الدين عبد الرحيم العراقى، لمعرفّهما بعلم الحديث، فكان كل واحد منهما يقرأ يوما؛ نقل ذلك المقريزى فى السلوك [٤].