الأجلاب اليلبغاوية، فقبضوا عليهم المماليك السلطانية فى ذلك اليوم، وعلى جماعة من الأمراء المقدّمين ممن (١) كان سببا لإثارة هذه الفتنة، وهم: الأمير قرابعا الصرغتمشى، والأمير [تغرى] (٢) برمش العلاى، والأمير أينبك البدرى، والأمير إسحق (٣) الرجبى، والأمير قرابغا العزّى، والأمير مقبل الرومى؛ فلما قبضوا عليهم طلعوا بهم إلى القلعة، فرسم السلطان بتقييدهم، فقيّدوا، وأرسلوا إلى السّجن بثغر الإسكندرية.
فلما جرى ذلك، شقّ على بقيّة الأمراء هذه الفعلة، واتّفقوا قاطبة على الوثوب على السلطان، فلبسوا لامّة الحرب وطلعوا إلى الرملة؛ فلما تحقّق السلطان أنّ هذه الوثبة عليه، نزل إلى باب السلسلة، وجلس فى المقعد المطلّ على الرملة، ورسم بدقّ الكوسات حربى.
ثم إنّ السلطان أرسل إلى الأمراء، الذين (٤) وثبوا عليه، بعض الخاصكية وهو يقول لهم: «إيش سبب هذه الفتنة، حتى أنّكم اتّفقتوا كلّكم على الوثوب علىّ»؟.
فأرسلوا يقولون له: «أنت أستاذنا وابن أستاذنا، وما نموت إلا تحت أقدامك، ولكن لنا غريم تسلّمه (٥) لنا، وهو الأمير أسندمر، أمير كبير».
وكان الأمير أسندمر لما قتل يلبغا، واستقرّ فى الأتابكية بعده، مشى على نظامه، وسكن فى داره، والتفّت عليه مماليك يلبغا.
فلما بلغ الأتابكى أسندمر ما قالته الأمراء، ركب من داره ليلا، وأتى إلى دار الأمير قجماس الطازى، واستماله بأن يكون من عصبته، وبذل له جملة من المال حتى استماله، ثم فارقه، وفى ظنّة أنّه قد صار من عصبته، ولم يكن الأمر كذلك.
فلما عاد إلى داره استدعى (٦) خواصّه وخشداشينه من اليلبغاوية، وقرّر معهم أنّه
стр. 667
إذا ركب للحرب، فكل من قتل أميرا أو قبض عليه فيبذل له من المال ما هو كذا وكذا.
ثم [إنّ] (١) الأمير أسندمر بات بالاصطبل (٢) السلطانى حتى طلعت الشمس، فركب (٣) بمن معه من اليلبغاوية وغيرهم، ومضى نحو القرافة من وراء القلعة؛ ثم أتى من تحت دار الضيافة إلى رأس الصوّة، ووقف تحت الطبلخاناة، فلم تشعر الأمراء الذين (٤) فى سوق الخيل إلا وقد حطم عليهم الأتابكى أسندمر بمن معه من العسكر، واجتمع معه الجمّ الغفير من الزعر والعوام، وبأيديهم المقاليع بالحجارة.
فلما رأوا الأمراء الذين (٤) كانوا بسوق الخيل أنّ الأتابكى أسندمر قد حطم عليهم، ومعه السواد الأعظم، دخل فى قلوبهم الرعب منه، فهربوا من سوق الخيل أجمعين، الأمراء، والعسكر الذين كان معهم، ولم يثبت منهم للقتال سوى الأمير ألجاى اليوسفى، والأمير أرغون شاه ططر، فاتّقما هما والأتابكى أسندمر، من باكر النهار إلى بعد الظهر، فتسحّب من كان معهما من العسكر، ولم يطلع إليهما أحد من الأمراء، فانكسرا وهربا، وكانت النّصرة عليهما للأتابكى أسندمر.
فلما انتصر، كبس على الأمراء الذين (٤) قد أثاروا هذه الفتنة، فقبض على الأمير قطلوبغا جركس، والأمير أيدمر الشامى، والأمير ألجاى اليوسفى، والأمير قبجماس الطازى، والأمير آقطاى اليلبغاوى، والأمير آقبغا الأحمدى، والأمير آقبغا الجلب، والأمير طغاى تمر، والأمير أرغون شاه ططر.
فكان عدّة من قبض عليه فى ذلك اليوم نحو خمسة وعشرين أميرا، منهم أمراء مقدّمين ألوف (٥) تسعة، والبقيّة أمراء طبلخانات وعشرات، وقتل الأمير ضروط حاجب ثانى، وجرح جماعة كثيرة من الأمراء، واختفى آخرون (٦) منهم، فكادت
стр. 668
مصر أن تخرب عن آخرها فى هذه الحركة؛ فلما قبض على هؤلاء (١) الأمراء، قيّدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم إنّ بعض الأمراء أشار على الأتابكى أسندمر، بأن يقبض على السلطان الأشرف شعبان، ويتسلطن عوضه، فأبى من ذلك، ولو فعل ذلك لكان عين الصواب، كما سيأتى الكلام على ذلك فيما بعد. - ثم إنّ العوام نهبوا بيوت الأمراء الذين (٢) قد كسروا ونفيوا إلى الإسكندرية.
فلما خمدت هذه الفتنة قليلا، عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير عزّ الدين أزدمر العمرى أبو دقن، وقرّره فى إمرة السّلاح، وقد ولى أزدمر هذا إمرة السلاح مرّتين، مرّة فى دولة الملك الناصر حسن، ومرّة فى دولة الأشرف شعبان، وكان أزدمر هذا جدّ والد مؤلّفه (٣).
وأخلع السلطان على الأمير جركتمر المنجكى، واستقرّ به أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا اليلبغاوى، واستقرّ به رأس نوبة النوب، وكان أمير عشرة؛ وأنعم على الأمير بيرم العزّى بتقدمة ألف، وكان خاصكيا، ثم أخلع عليه وقرّره فى الدوادارية الكبرى، حتى عدّ ذلك من النوادر، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير طغاى تمر النظامى.
وأخلع على الأمير أرغون شاه، واستقرّ به حاجب الحجّاب؛ وأخلع على الأمير خليل بن عرام، وأعيد إلى نيابة ثغر الإسكندرية؛ وأخلع على الأمير قطلقتمر، واستقرّ به أمير جاندار.
فأخلع على هؤلاء (١) الأمراء كلّهم فى يوم واحد، ونزلوا من القلعة وعليهم التشاريف، وكان لهم موكب حفل، ويوم مشهود، فشقّوا من القاهرة فى ذلك الموكب، وتوجّهوا إلى المدرسة المنصورية، وحضر القضاة الأربعة، وحلّفوهم بها على العادة، أن لا يخامروا
стр. 669
على السلطان، ولا يعصوا عليه، ولا يحاربوه بوجه من الوجوه.
وكانت هذه عادة قديمة، إذا استقرّ أحد من الأمراء فى وظيفة أو نيابة، يتوجّه إلى المدرسة المنصورية، وتحضر القضاة الأربعة، ويحلّفوه (١) بما تقدّم؛ ثم عادوا الأمراء إلى دورهم.
ثم إنّ السلطان عمل موكبا ثانيا (٢)، وأخلع على جماعة من الأمراء، فاستقرّ بالأمير أسندمر الزينى فى نيابة طرابلس؛ واستقرّ بالأمير أرغون الأزقى فى نيابة صفد؛ وأعيد الأمير عمر شاه إلى نيابة حماة؛ ونقل الأمير علاء الدين بن كلفت، والى القاهرة، إلى ولاية مصر العتيقة؛ واستقرّ عوضه فى ولاية القاهرة الشريف بكتمر، فسرّ الناس بعزل علاء الدين بن كلفت، فإنّه كان ظالما عسوفا، سفّاكا للدماء.
وأنعم السلطان على الأمير سودون الشيخونى، والأمير أينال اليوسفى، بإمريات طبلخانات؛ وأخلع على محمد بن طيطق العلاى، واستقرّ به جوكندار؛ وأخلع على الأمير بهادر الجمالى، واستقرّ به شاد الدواوين، عوضا عن خليل بن عرام.
وفى جمادى الآخرة، فى ثامن عشره، قدمت رسل متملّك جنوة، من بلاد الفرنج، يسأل فضل السلطان فى أن يمكّن تجّارهم من القدوم إلى ثغر الإسكندرية على عادتهم، فأجابهم السلطان إلى ذلك؛ وأرسلوا له تقدمة حفلة.
وفى شهر رجب، فى يوم الثلاثاء حادى عشرينه (٣)، ركب للحرب الأمير تغرى برمش، وركب معه جماعة كثيرة من المماليك الأجلاب؛ فلما طلع إلى الرملة نزل إليه جماعة من المماليك السلطانية، فاتّفقوا معه، فانكسر وهرب، فقبضوا عليه وعلى جماعة من الأمراء ممّن ركب معه، وطاوعه على الركوب، وهم: الأمير أينبك البدرى، والأمير قرابغا العزّى، والأمير مقبل الرومى، وإسحق الرجبى؛ فلما قبضوا عليهم، قيّدوهم، وبعثوا بهم إلى السجن بالإسكندرية؛ وقبضوا أيضا على عدّة مماليك أجلاب، ونفوهم إلى قوص.
стр. 670
وفى شهر شعبان، أرسل السلطان بالقبض على الأمير طيبغا الطويل، نائب حماة، وآخرين من النوّاب.
وقد ارتجت الأمور فى هذه الأيام على الأشرف شعبان جدّا، وصار الأتابكى أسندمر صاحب الحلّ والعقد فى أمور المملكة، كما كان يلبغا العمرى، وصار له التصرّف فى المملكة بما يختاره، والأشرف شعبان فى يده مثل اللولب، يدوّره كيف شاء
وفى شهر رمضان، توفّى الشيخ شرف الدين عيسى الزنكلونى الشافعى، أحد نوّاب الحكم بالقاهرة، وكان من أهل العلم والفضل، عارفا بصنعة أمور القضاء، والتوقيع، وكان من أعيان نوّاب الشافعية.
وفيه أخرج السلطان عن أولاد الأتابكى يلبغا تقادمهم، وأنعم عليهم بأمريات طبلخانات.
وفى شهر شوال، أنعم السلطان على جماعة من الخاصكية بإمريّات عشرة، منهم: ألطنبغا المحمودى، وقرابغا (١) الأحمدى، وكزل الأرغونى، وحاجى بك بن شادى، ورجب بن خضر، وطيطق الرمّاح، وعلى بن مكس (٢).
وفيه قدم الخبر بعصيان الأمير طيبغا الطويل نائب حماة، وبعصيان الأمير أشقتمر (٣) نائب طرابلس؛ فلما تحقّق السلطان ذلك عيّن الأتابكى أسندمر، وجماعة من الأمراء والعسكر، للسفر إلى من خامر من النوّاب.
ثم بعث بالكشف، على خيل البريد، ليعلم صحّة ذلك؛ فلما عاد الجواب بصحّة عصيانهم، أخلع على الأمير أسندمر الزينى، وقرّره فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير أشقتمر (٣)، بحكم عصيانه؛ وأخلع على الأمير عمر شاه، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، وأعاده إلى نيابة حماة، عوضا عن الأمير طيبغا الطويل، بحكم عصيانه.
وفى شهر ذى القعدة، استقرّ الناصرى محمد بن أقوش الشجاعى فى ولاية
стр. 671
الغربية؛ وأخلع على على العمرى، وقرّره فى ولاية الأشمونين؛ وأخلع على الأمير بيبغا القوصونى، واستقر به أمير آخور كبير، عوضا عن الأمير آقبغا الصفوى، بحكم موته.
وفيه وردت الأخبار من حلب بوفاة القاضى بهاء الدين حسن بن سليمان بن أبى الحسن بن سليمان بن ريّان، ناظر الجيش بحلب، وكان من أعيان الرؤساء، وعاش من العمر ثمانية وستين سنة؛ وابن ريّان هذا هو ممدوح الشيخ جمال الدين (١) بن نباتة المصرى، حيث قال فيه وأجاد:
شكرا لإحسانك الحلو الجنى فلقد … زكا ودام فما يحكيه إنسان
لا غرو إن كنت يا فرع العلا أبدا … دانى الثمار فإنّ الأصل ريّان
وفى شهر ذى الحجّة، توفّى الأمير آقبغا الصفوى، أمير آخور كبير، المقدّم ذكره؛ وكان من جملة من تعصّب على قتلة الأتابكى يلبغا، فلم يعش من بعده إلا مدّة يسيرة ومات، وكانت وفاته فى يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجّة (٢).
وفيه بلغت زيادة ماء النيل أصبعين من عشرين ذراعا، فحصل بذلك غاية الضرر، لتبحّر الأراضى، وتأخّر الزرع.
وفيه قدم مبشّر الحاج، وأخبر بأنّ الحجّاج حصل لهم عطشة شديدة بوادى النار، وقيل بالشرفة، فمات منهم نحو الثلث. - وكانت سنة صعبة، كثيرة الحوادث، وقع فيها أمور شنيعة، وحوادث شتى مهولة.
وأما من توفّى فى هذه السنة من بقيّة الأعيان، ممّن له شهرة، فمنهم: الشيخ الصالح المعتقد نور الدين على الدميرى، توفّى فى ليلة الاثنين ثالث صفر (٣)، وقد أفنى عمره فى تعليم القرآن وبرّ الفقراء.
وفى ثامن صفر من هذه السنة، كانت وفاة الأديب البارع، العلامة جمال الدين
стр. 672
ابن نباتة المصرى، وهو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن أبى الحسن بن صالح بن على بن يحيى بن طاهر بن محمد الخطيب بن عبد الرحيم بن نباتة المصرى، وكان مولده فى ربيع الأول سنة ست وثمانين وستمائة، فكانت مدّة حياته نحو اثنتين (١) وثمانين سنة؛ وكان يعرف بالمصرى، ثم الفارقى، ثم الخمداقى؛ وكان منشأه بمنشيّة (٢) المهرانى، بزقاق القناديل الذى بها.
وكان من أعيان الشعراء قاطبة، وهو الذى رفع قدر التورية فى الشعر؛ وكان من أهل العلم والفضل، أخذ عن الشيخ شهاب الدين أبو الهيجاء غازى المعروف بالردّاف، والشيخ عزّ الدين أبو نصر عبد العزيز، والشيخ أبو الفرج الحصرى البغدادى، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أبى إسحق الأبرهوقى، والشيخ محيى الدين بن رشيد الدين بن نشوان الكاتب المصرى، والشيخ بهاء الدين بن المتنبى، وغير ذلك من المشايخ.
وأمّا ما ألّفه من الكتب فى الأدبيات: كتاب مجمع الفرائد، وكتاب القطر النبات، وكتاب سرح العيون فى رسالة ابن زيدون، وكتاب منتخب الهديّة من المدائح النبويّة، وكتاب الفاضل من إنشاء الفاضل، وكتاب زهر المنثور، وكتاب إبراز الأخبار، وكتاب شعائر البيت التقوى، وكتاب سجع المطوّق، وكتاب خبز الشعير، والأرجوزة المسمّاة بفرائد السلوك فى مصايد الملوك.
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة، ﵀: «كنت أخترع المعنى الغريب، الذى لم يسبق إليه، فيما رضنى فيه الشيخ صلاح الدين الصفدى، ويأخذه وزنا وقافية، فلما طال الأمر بينى وبينه، جمعت كتابا فيما قلته، وسرقه منى الشيخ صلاح الدين، ونسبه إلى نفسه، وسمّيت هذا الكتاب «خبز الشعير» لأنه مأكول مذموم، فمن جملة ما قلته وسرقه منى الشيخ صلاح الدين، فمن ذلك، قلت أنا من أبيات:
بروحى عاطر الأنفاس ألمى … ملىّ الحسن خالى الوجنتين
стр. 673
له خالان فى دينار خدّ … تباع له القلوب بحبّتين
«فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدى، وقال:
بروحى خدّه المحمرّ أضحت … عليه شامة شرط المحبّة
كأن الحسن يعشقه قديما … فنقطه بدينار وحبّة»
فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين، قال: «لا إله إلا الله سرق الشيخ صلاح الدين، كما يقال: من الحبّتين، حبّة». وكان [ممّا] (١) ينسبه للشيخ صلاح الدين الصفدى، أنّه يسرق المعانى الغريبة من شعر الناس وينسبها إلى نفسه، حتى قيل فيه هذا البيت [من] (٢) الشعر:
وفتى يقول الشعر إلاّ أنّه … فيما علمنا يسرق المسروقا
وتوفّى فيها أيضا الأمير آقبغا الأحمدى اليلبغاوى، ويعرف بالجلب، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (٣)، مات وهو بسجن الإسكندرية. - وتوفّى الأمير ألطنبغا العزّى، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير آقبغا الصفوى، أمير آخور كبير.
وتوفّى الشيخ المعتقد عبد الله بن أسعد بن سليمان بن فلاح اليافعى اليمنى، ودفن عند الشيخ تاج الدين بن عطا الله. - وتوفّى الشيخ نجم الدين عبد الجليل بن سالم ابن عبد الرحمن الحنبلى الأعمى، أحد شيوخ الحنابلة، وهو عمّ الشيخ صلاح الدين ابن محمد بن الأعمى الحنبلى.
وتوفّى قاضى حماة أمين الدين عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقى الحنفى، شيخ القراءات. - وتوفّى الشيخ نور الدين على الدميرى. - وتوفّى الشيخ شرف الدين عيسى الزنكلونى الشافعى، أحد نوّاب الحكم بالقاهرة.
وتوفّى الشيخ تقىّ الدين محمد بن محمد بن عيسى بن محمود بن عبد الضيف البعلبكى، الشهير بابن المجد الشافعى، ولى قضاء طرابلس وحمص وبعلبك، وكان من أعيان الرؤساء.
стр. 674
وتوفّى الوزير الصاحب ناظر الخاص فخر الدين ماجد بن قروينة (١)، مات وهم تحت العقوبة، وكان من أبناء النصارى، وباشر الوزارة (٢) والخاص، وكان امّيّا، لا يقرأ ولا يكتب، وكان مصروف الرواتب فى أيامه فى كل شهر ستين الف دينار؛ ثم تغيّر خاطر السلطان عليه، فقبض عليه وعذّبه عذابا شنيعا، وضرب غير ما مرّة بالمقارع، ولفّت أصابع يده اليمنى بالمشاق، وغمست فى الزيت، ثم بعد ذلك أشعلت بالنار، حتى احترقت يده كلّها، وكان عنده رقاعة وشمم وكبرياء؛ وهو صاحب الغيط الذى بجزيرة الفيل.
وتوفّى أيضا الأمير تمرباش العلاى، خازندار الأتابكى يلبغا العمرى، وكان احد الأمراء الطبلخانات.
ووردت الأخبار من بلاد المغرب بوفاة صاحب فاس (٣) أبو ريّان بن الأمير أبى عبد الرحمن بن أبى الحسن، وأقيم بعده عمّه عبد العزيز ابى الحسن، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة تسع وستين وسبعمائة
فيها [فى] (٤) المحرّم، استقرّ الأمير بيدمر الخوارزمى فى نيابة الشام؛ والأمير منجك اليوسفى فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير أسندمر الزينى.
وفيه أخلع على الشيخ سراج الدين عمر بن إسحق الهندى، شارح البديعية، واستقرّ به فى [قضاء] (٥) الحنفية، وقضاء العسكر، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين عبد الله المعروف بابن التركمانى، بحكم وفاته.
وفى شهر صفر، فى أوّله، ورد الخبر بوصول الفرنج إلى طرابلس، فى مائة
стр. 675
وثلاثين مركبا، ما بين شينى وأغربة وغير ذلك، واجتمع بها متملّك قبرص (١)، ومتملّك رودس، والإستبار، وكان نائب طرابلس غائبا، فقاتلهم المسلمون الذين (٢) كانوا بها قتالا شديدا، فانكسر أهل طرابلس كسرة مهولة، واقتحم العدوّ المدينة، ونهبوا ما فى أسواقها من القماش وغير ذلك، فتحامل المسلمون عليهم واشتدّوا فى قتالهم، حتى أخرجوهم من المدينة، بعد ما قتلوا منهم نحو الألف من عساكر الفرنج، واستشهد من المسلمين نحو الأربعين رجلا؛ ثم إنّ الفرنج ركبوا سفنهم وانقلبوا خائبين.
ثم إنّ الفرنج لما رحلوا عن طرابلس، مرّوا بمدينة إياس، فحاربوا من بها من المسلمين، وملكوا قلعة إياس؛ فلما بلغ الأمير منكلى بغا الشمسى، نائب حلب، ما جرى من الفرنج، وما فعلوه بمدينة إياس، ركب من حلب وخرج على جرائد الخيل، هو وعساكر حلب، فلما وصل إلى مدينة إياس وسمع الفرنج بوصوله، هربوا تحت الليل، وأخلوا قلعة إياس، فملكها نائب حلب، وجعل فيها نائبا من قبله.
ثم رحل من مدينة إياس، وتوجّه إلى طرابلس، لما بلغه ما فعل بها الفرنج، فتوجّه إليها، هو ونائب الشام، وردّوا من كان (٣) رحل من أهلها، وعمروا أسواقها وبيوتها، وما كان فسد من أحوالها، ثم رجعا إلى محلّ ولايتهما.
وفيه أخلع السلطان على الشيخ ناصر الدين نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبى الفتح العسقلانى الكنانى الحنبلى، واستقرّ به قاضى قضاة الحنابلة بمصر، عوضا عن قاضى القضاة موفّق الدين عبد الله، بحكم وفاته.
وفى شهر ربيع الأول، هجم الطاعون بالديار المصرية، ومات بالقاهرة ما لا يحصى من أطفال ومماليك وعبيد وجوار، وكان أكثر عمله فى الغرباء، وفى الأطفال،
стр. 676
فكان يخرج من أبواب القاهرة فى كل يوم فوق اثنتى عشرة (١) ألف جنازة، حتى قيل فى المعنى:
نحن بنو الموت فما بالنا … نعاف ما لا بدّ من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا … على زمان هى من كسبه
وفيه توفّى قاضى القضاة الشافعى بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل، وكان من ولد عقيل بن أبى طالب، وكان مولده فى المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكان ولى قضاء الشافعية بمصر، فأقام فيها نحو ثمانين يوما وانفصل عنها، وكان عالما فاضلا نحويّا محدثا، وكان رجلا صالحا من أولياء الله، رحمة الله عليه.
ومن الحوادث أنّ فى يوم الجمعة سادسه (٢)، بعد صلاة الجمعة، ركب المماليك الأجلاب اليلبغاوية، ولبسوا لامة الحرب، وطلعوا إلى الرملة؛ وتوجّه منهم طائفة إلى بيت الأتابكى أسندمر الناصرى، وقالوا له: «قم واركب معنا»، فقال لهم: «إيش قصدكم»؟، فقالوا: «قصدنا تسلّمنا خمسة من الأمراء المقدّمين، وهم: الأمير بيرم العزّى، الدوادار الكبير، والأمير جركتمر المنجكى، أمير مجلس، والأمير بيبغا القوصونى، أمير آخور كبير، والأمير كبك المعروف بالجوكندار، أحد الأمراء المقدّمين، والأمير أزدمر العزّى».
فلما أغلظوا على الأتابكى أسندمر فى القول، بعث بالقبض على هؤلاء (٣) الأمراء، وقيّدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ فلما فعل ذلك لم يقنعوا مماليك يلبغا بذلك، وباتوا بسلاحهم.
فلما كان يوم السبت، أصبحوا على حربهم، وطلبوا من الأتابكى أسندمر، الأمير خليل بن قوصون، فسلّمه إليهم، فافتدى نفسه منهم بمائة ألف درهم، فلما دفعها لهم، لم يقنعوا بذلك.
стр. 677
ثم تجمّع أكابرهم فى ليلة الأحد واتّفقوا على قتل السلطان والأتابكى أسندمر، وتحالفوا على ذلك، وأنهم يقيموا لهم سلطان جديد (١)، ودولة غير هؤلاء (٢) الأمراء، فركبوا تحت الليل وقصدوا القلعة.
فلما بلغ السلطان هذا الخبر، أمر بدقّ الكوسات بالقلعة، ليجتمع الأمراء والعسكر فى الرملة؛ ثم نادى فى القاهرة بركوب أجناد الحلقة، وأنّ العامّة تطلع إلى الرملة، وتقاتل مماليك يلبغا بالحجارة.
وكانت الناس حاملة منهم لقبح سيرتهم، وكثرة فسادهم، وكانوا مماليك يلبغا قد جاروا على الناس، وصاروا يهجمون على النّساء فى الحمّامات، ويخطفون الصبيان المرد من الأسواق، ويخطفون القماش والبضائع من على الدّكاكين؛ فتعصّبوا عليهم الناس قاطبة.
ثم إنّ الأمير خليل بن قوصون ركب معه المماليك السلطانية، ثم ركب الأمير أسنبغا الأبوبكرى، والأمير قشتمر المنصورى، وآخرين (٣) من الأمراء، فلما طلعوا إلى الرملة، اتّقعوا (٤) مع المماليك اليلبغاوية، فكان بينهم وقعة (٥) مهولة، وتناولتهم العامّة بالرجم بالحجارة، وتقدّم إليهم المماليك السلطانية، وأجناد الحلقة، وقاتلوهم، فكسروهم كسرة قويّة، حتى هزموهم إلى الصليبة.
فتوجّهوا إلى بيت الأتابكى أسندمر الذى بالكبش، وقالوا له: «قم واركب معنا»، وما زالوا به حتى ركب معهم فى عسكر كثير من المماليك اليلبغاوية، فطلع من على القرافة، وأتى من وراء القلعة، كما فعل تلك المرّة الأولى، «وما كل مرّة، تسلم الجرّة».
فلما أتى أسندمر من وراء القلعة، أقبل بمن معه من المماليك اليلبغاوية، زمرا، زمرا، ونزل من رأس الصوّة، فلاقاه الجمّ الغفير، والسواد الأعظم من الزعر والعامّة،
стр. 678
وبأيديهم المقاليع بالحجارة، فألقى الله تعالى الرعب فى قلوب المماليك اليلبغاوية، ومن كان معهم من الأمراء والعسكر؛ فلم يطبّوا طبّة، وغلّت أيديهم، فولّوا مدبرين، بعد أن وقع بين الفريقين وقعة (١) شنيعة، وقتل فيها جماعة من المماليك.
وطالت المعركة بينهما إلى وقت الظهر، فولّى الأمير أسندمر إلى بيته الذى بالكبش؛ وقبض على جماعة من أصحابه، وهم: الأمير قرمش الصرغتمشى، والأمير آقبغا آص الشيخونى، والأمير أرسلان خجا؛ فلما قبضوا عليهم، سجنوا بخزانة شمايل.
ثم ركب الوالى ونادى فى القاهرة: «من قدر على مملوك من مماليك يلبغا الأجلاب، فله سلبه، ويعطى من المال ما هو كيت وكيت»، فتتبّعت العامّة مماليك يلبغا فى الاصطبلات والأزقّة والحارات، وصاروا كل من لاح لهم منهم [يقبضوا عليه ويحضروه] (٢) إلى عند الوالى.
ثم إنّ الأمير خليل توجّه إلى بيت الأتابكى أسندمر، وطلع به إلى القلعة ليقيّد ويسجن، فشفع فيه جماعة من الأمراء، وأعلموا السلطان أنّه تحت القهر من مماليك يلبغا، ولا يقدر على مخالفتهم، فقبل السلطان شفاعتهم؛ وأخلع على الأتابكى أسندمر باستمراره على عادته فى الأتابكية، ونزل فى موكب حفل إلى داره، ولم يعلم ما وراء ذلك، فكان كما قيل فى المعنى:
أنطمع أن يبقى السرور لأهله … وهذا محال أن يدوم سرور
وتقضى الليالى باجتماع وفرقة … ويحدث من بعد الأمور أمور
فلما نزل الأتابكى أسندمر (٣) إلى داره التى بالكبش، وصحبته الأمير خليل بن قوصون، وتحالفا: الأتابكى أسندمر، والأمير خليل، على أنّ الأمير أسندمر يقبض على السلطان، ويسلطن الأمير خليل عوضه، فإنّه كان ابن بنت السلطان الملك
стр. 679
الناصر محمد بن قلاون، فانخدع له الأمير خليل، ومال إلى قوله، وتحالفا على ذلك.
ثم إنّ الأتابكى أسندمر بعث خلف المماليك اليلبغاوية، وجمعهم عنده فى البيت الذى بالكبش، ونفق عليهم لكل مملوك عشرة دنانير، ووعدهم بكل جميل إذا انتصر وقبض على السلطان.
فلما طلع نهار يوم الاثنين، ركب أسندمر، وخليل بن قوصون، فى جمع كبير من المماليك، ومن الأمراء والعسكر، وطلعا إلى الرملة، ووقفا بسوق الخيل، تحت القلعة، ووقف الأمير خليل بن قوصون إلى جانب الأتابكى أسندمر.
فلما تحقّق السلطان أنّ هذه الرّكبة عليه، أمر بدقّ الكوسات بالقلعة، ونزل إلى الاصطبل السلطانى، وجلس بالمقعد المطلّ على الرملة، وطلع إليه الأمراء الذين (١) هم من حلفه، وطلع المماليك السلطانية، وأجناد الحلقة، ونادى للعامّة بأن يطلعوا إليهم ويرجموهم بالحجارة، فطلع السواد الأعظم من العامّة، ورجموهم بالحجارة، ورمتهم المماليك السلطانية بالنشاب.
فلم تكن إلا ساعة يسيرة حتى انكسر الأتابكى أسندمر، والأمير خليل بن قوصون، ومن معهم من الأمراء والمماليك اليلبغاوية، وقتل منهم عدّة كثيرة، فسلبوا أثوابهم العامّة؛ وأسر منهم جماعة كثيرة، فأتوا بهم إلى بين يدى السلطان ورءوسهم مكشوفة، ونالوا منهم ما أرادوا من ضرب وسبّ وبهدلة.
ثم بعد ساعة قبضوا على الأمير خليل بن قوصون من ناحية المطرية، وأتوا به إلى بين يدى السلطان؛ ثم فى أواخر النهار، بعد العصر، قبضوا على الأتابكى أسندمر من عند فمّ وادى السدرة.
وقبضوا على الأمير ألطنبغا اليلبغاوى، والأمير سلطان شاه بن قرا، وهو من الأمراء المقدّمين الألوف (٢)؛ فقبضوا فى ذلك اليوم على أحد عشر أميرا، ما بين أمراء مقدّمين ألوف (٣) وعشرات؛ فلما قبضوا عليهم، قيّدوهم وأرسلوهم إلى السّجن بثغر
стр. 680
الإسكندرية؛ وقتل فى هذه المعركة الأمير قنق، أحد الأمراء المقدّمين
فلما انكسر الأتابكى أسندمر، ومن معه من الأمراء، نهبت العوام بيوتهم، واصطبلات المماليك اليلبغاوية.
ثم إنّ السلطان قيّد الأتابكى أسندمر، والأمير خليل بن قوصون، وبعث بهما إلى السجن بالإسكندرية؛ وهرب جماعة كثيرة من مماليك يلبغا إلى نحو بلاد الشرق.
ثم إنّ السلطان نادى فى حدّ القاهرة بالأمان والاطمان، والبيع والشرى، وأنّ أحدا لا ينهب شيئا (١)، فارتفعت الأصوات بالدعاء إلى السلطان، ونادى الوالى فى القاهرة بالزينة سبعة أيام.
وكانت هذه النصرة للسلطان على غير القياس، وكان يظنّ كل أحد من الناس أنّ السلطان مأخوذ لا محالة، وأنّ الكسرة عليه، فلما حصلت له هذه النصرة قال فيه شهاب الدين بن العطّار:
هلال شعبان جهرا لاح فى صفر … بالنّصر حتى أرى عيدا بشعبان
وأهل كبش كأهل الفيل قد أخذوا … رجما وما انتطحت فى الكبش عنزان
وقال آخر:
سلطاننا دامت له عزّة … ونصرة من أجل هاتين
دمّر كبشين ومن سعده … ما انتطحت فى ذاك شاتين (٢)
وقد فرح غالب الناس بزوال مماليك يلبغا، وخروجهم من مصر. - فلما خمدت هذه الفتنة قليلا، رسم السلطان بالإفراج عن الأمير طغاى تمر النظامى، والأمير ألجاى اليوسفى، والأمير أيدمر من صديق، والأمير ملكتمر الشيخونى، وآخرين من الأمراء.
وفيه نفق السلطان على مماليكه بسبب هذه النصرة، فأعطى لكل واحد منهم مائة دينار.
стр. 681
وفيه اشتدّ الطلب على المماليك اليلبغاوية، فقبض منهم فى يوم واحد على نحو الألف مملوك، فسمّر السلطان من أعيانهم مائة، وأخذهم ووسّطهم فى بركة الكلاب؛ وأغرق منهم جماعة فى البحر؛ ونفى منهم جماعة إلى الشام، وإلى أسوان.
فكان ممّن بقى من أعيان مماليك يلبغا: برقوق، الذى تسلطن فيما بعد، وبركة الجوبانى، وألطنبغا الجوبانى، وجركس الخليلى، وآقبغا الماردينى، فتسلّمهم بكتمر الشريفى، والى القاهرة، وجعل فى أيديهم الخشب، ورسّم عليهم من توجّه بهم إلى قطيا، ثم توجّهوا بهم من هناك إلى الكرك، فسجنوا بها فى جبّ مظلم بقلعتها، وأقاموا به مدّة سنين حتى أفرج عنهم، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى.
وفى يوم الاثنين سادس عشره، أخلع على الأمير يلبغا آص، واستقرّ به أمير كبير، عوضا [عن] (١) أسندمر الناصرى، وأشرك معه فى الأتابكية الأمير تلكتمر المحمدى، وأجلسا بالإيوان الذى بالقلعة؛ وأخلع على الأمير ألجاى اليوسفى، واستقرّ به أمير السلاح، عوضا عن الأمير أزدمر العزّى، وكان الأمير ألجاى زوج أمّ السلطان، وأخلع على الأمير بكتمر المؤمنى، واستقرّ به أمير آخور كبير، عوضا عن الأمير بيبغا القوصونى، وبكتمر المؤمنى هذا هو الذى أنشأ المصلاّة التى بالرملة.
وأخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى، وقرّر حاجب الحجّاب؛ وأخلع على الأمير آقتمر الحنبلى، واستقرّ به دوادار كبير؛ وأنعم على الأمير طغاى تمر النظامى بتقدمة ألف؛ وعلى الأمير أيدمر الخطاى بتقدمة ألف؛ وقرّر الأمير أرغون ططر، أمير شكار مقدّم ألف.
وأنعم على الأمير ملكتمر الشيخونى، خازندار الأتابكى شيخو، بتقدمة ألف، وهى تقدمة الأمير خليل بن قوصون، والأمير ملكتمر هذا هو الذى قد أنشأ الجامع الأخضر، الذى بالقرب من فمّ الخور، وكان من محاسن الزمان.
ومن الحوادث، أنّ الأمير يلبغا آص المنصورى، لما استقرّ فى الأتابكية،
стр. 682
سكن فى بيت يلبغا العمرى الذى بالكبش، والتّفت عليه جماعة يلبغا، وصار يمشى على نظام يلبغا، فحدّثته نفسه بأن يقبض على السلطان ويخلعه من السلطنة.
فلما بلغ السلطان ذلك، وتحقّقه، بادر بالقبض عليه، وعلى الأمير تلكتمر المحمدى، وقيّدهما، وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية، فكانت مدّة يلبغا آص فى الأتابكية نحو ثمانية أيام، وعزل، وكان ظنّه أن يتسلطن، وكان السلطان اختاره للأتابكية من دون الأمراء، ولم يعلم ما فى ضميره، فكان كما يقال فى المعنى:
ولا ترج إلا الله فى كل حالة … ولا تعتمد يوما على غير لطفه
فكم حالة تأتى ويكرهها الفتى … وخيرته فيها على رغم أنفه
ولما قيّدوا يلبغا آص ونزلوا به من القلعة، قال فيه أبو عبد الله الرقى:
ولقد قلت حين أقبل يمشى … زاده الله فى القيود جمالا
لم يكن بين ما تولّى وبين ال … عزل إلا كما يحلّ عقالا
وفيه يقول شهاب الدين بن العطّار:
يلبغا آص تولّى جمعة … فبغى واختار حربا وادّعى
ويح من جاء لحكم زائرا … ثم ما سلّم حتى ودّعا
وفيه رسم السلطان بهدم بيت الأتابكى يلبغا العمرى، الذى بالكبش، فهدم حتى لم يبق له أثر، ولا الرسوم، وقد بشّره الإمام الشافعى، ﵁، بذلك فى المنام، كما تقدّم القول على ذلك.
وفى شهر ربيع الآخر، حضر الأمير منكلى بغا الشمسى، نائب حلب، باستدعاء من السلطان، فلما حضر على خيل البريد، أخلع عليه، واستقرّ أتابك العساكر بمصر، عوضا عن يلبغا آص؛ وعيّنت نيابة السلطنة للأمير [أمير] (١) على الماردينى، نائب الشام.
وأفرج عن الأمير طيبغا الطويل من السجن بالإسكندرية، فلما حضر أخلع عليه، واستقرّ فى نيابة حلب، عوضا عن منكلى بغا الشمسى.
стр. 683
وفيه حضر، بطلب من السلطان، الأمير أزدمر العمرى النّاصرى الخازندار، أمير سلاح، المعروف بأبى دقن، وكان منفيّا بالصبيبة، فلما حضر إلى القاهرة أنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، فأقام مدّة يسيرة، وتوفّى إلى رحمة الله تعالى، فى أثناء شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة الصغرى، بالقرب من زاوية الشيخ أبى العبّاس البصير، رحمة الله عليه؛ وكان أميرا جليلا، معظّما مبجّلا، وله برّ ومعروف، وأوقاف على الحرمين الشريفين، وهو الذى أنشأ خان سراقب بالقرب من حلب، وهو إلى الآن باق؛ وأزدمر هذا هو جدّ والد مؤلّف هذا التاريخ (١).
وفيه أخلع السلطان على الأمير خليل بن عرام، واستقرّ به وزيرا بالديار المصرية؛ وأخلع على الأمير أسنبغا الأبوبكرى، وقرّره فى نيابة ثغر الإسكندرية، عوضا عن خليل بن عرام، بحكم انتقاله إلى الوزارة؛ وقرّر فى نيابة غزّة الأمير أيدمر الأنوكى، عوضا عن طقتمر الشرفى.
وفيه أخلع على الأمير آقتمر الصاحبى، ويعرف أيضا بالحنبلى، واستقرّ به دوادار كبير، وناظر الأحباس.
وفيه وردت الأخبار بوفاة صاحب ماردين، الملك المنصور أحمد بن الملك الصالح غازى، وكانت مدّة ولايته على ماردين نحو ثلاث سنين، وقد جاوز من العمر خمسا (٢) وستين سنة، وكان لا بأس به.
وفى أواخر هذا الشهر، أخلع على القاضى محيى الدين محمد بن عمر، وقرّر ناظر الحسبة الشريفة، عوضا عن علاء الدين على بن عرب؛ وقرّر ابن عرب فى نظر الخزانة، فأخلع عليهما فى يوم واحد.
وفى شهر جمادى الأولى، فى رابع عشره، قدم الأمير أمير على الماردينى، نائب الشام، وقد حضر من الشام باستدعاء من السلطان، فلما قدم أخلع عليه، واستقرّ نائب السّلطنة.
стр. 684
وفيه قدم الخبر من الإسكندرية، بأن دخل إلى المينة (١) نحو مائة وخمسين مركبا، فيها جماعة من الفرنج، فعوّقهم أسنبغا النائب، حتى يتبيّن له ما يكون من أمرهم، ثم إنّ النائب أمر بتخشيب أيدى هؤلاء (٢) الفرنج، وأرسلهم إلى عند السلطان، ليرى فيهم بما قد يقتضيه رأيه، ولما أرسلهم ضرب الحوطة على بضائعهم، وخزنها فى الحواصل.
وفيه قدم الخبر بأنّ السلطان أرسل الأمير قطلوبغا المنصورى، بالقبض على الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام.
وفيه عزل الأمير منجك اليوسفى عن نيابة طرابلس، واستقرّ بها الأمير أيدمر الأنوكى، الدوادار؛ وقرّر الأمير طقتمر الشريفى فى نيابة غزّة؛ واستقر علاء الدين على بن الطشلاقى، فى ولاية قطيا، عوضا عن محمد بن الدوادار؛ واستقرّ آل ملك الصرغتمشى فى ولاية بلبيس؛ واستقرّ الأمير علاء الدين على بكتاش، فى ولاية القاهرة، عوضا عن بكتمر الشريف؛ واستقرّ بكتمر الشريف فى ولاية الجيزة؛ واستقرّ الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشى فى أستادارية البحيرة، عوضا عن بدر الدين بن معين.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه، فى يوم السبت ثامن عشرينه (٣)، أخلع على شيخ الإسلام سراج (٤) الدين عمر بن رسلان البلقينى، واستقرّ قاضى قضاة الشافعية بالشام، عوضا عن الشيخ تاج الدين عبد الوهّاب بن السبكى، فلما أخلع عليه، خرج إلى الشام من يومه.
وفيه تزوّج الأتابكى منكلى بغا الشمسى بأخت السلطان، وهى خوند سارة بنت سيدى حسين بن محمد بن قلاون.
وفى شهر رجب، أخلع على الأمير الآكز الكشلاوى، واستقرّ أستادار السلطان، عوضا عن الأمير ألطنبغا البشتكى، بحكم موته.
стр. 685
وفيه قرّر الأمير أرغون الأحمدى، لالا السلطان، عوضا عن سودون المعروف بالشيخونى؛ واستقرّ الأمير طغاى تمر النظامى فى شادية الشرابخاناة؛ واستقرّ الأمير بشتاك (١) العزّى، رأس نوبة ثان؛ وقرّر الأمير كتبغا السيفى خازندارا، فأقام فى الخازندارية مدّة يسيرة، ثم نفى؛ وقرّر عوضه الأمير ناصر الدين محمد بن الأتابكى آقبغا آص؛ واستقرّ الأمير درت بغا البالسى خاصكيّا بإمرة طبلخاناة.
وفيه أعيد علاء الدين على بن عرب إلى الحسبة، وعزل عنها ابن الصدر عمر، فحصل له قهر، فمات بعد تسعة أيام من عزله.
وفيه، فى ليلة ثالث عشرينه، وقع حريق عظيم بالقلعة، داخل دور الحرم، فأعيى (٢) الناس عن طفيه، فاحترق عدّة أماكن بالقلعة، وانزعج السلطان لذلك.
وفيه أخلع على الركنى عمر بن أرغون النائب، وقرّر فى نيابة الكرك، عوضا عن الناصرى محمد بن القشتمرى.
وفى شهر شعبان، فيه قبض السلطان على الأمير طغاى تمر النظامى، أمير مجلس، وقبض على الأمير أرغون ططر، وقد بلغ السلطان عنهما إثارة فتنة، فبادر بالقبض عليهما.
وفيه أخلع السلطان على الأمير أرغون الأزقى، واستقرّ به رأس نوبة كبير، عوضا عن الأمير تلكتمر؛ واستقرّ الأمير تلكتمر، أمير مجلس، عوضا عن طغاى تمر النظامى.
وفى شهر رمضان، فى خامسه، أخلع على القاضى بدر الدين محمد بن القاضى علاء الدين على بن فضل الله العمرى، واستقرّ [به فى] (٣) كتابة السرّ، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف، عوضا عن أبيه علاء الدين؛ وكان والده مريضا على خطّة، فمات بعد ولاية ولده بأربعة أيام.
وفيه قدم الحاج محمد التازى المغربى، ريّس (٤) البحّارة، وقد تسلّم من الشوانى التى
стр. 686
عمرها الأتابكى يلبغا غرابا، وشحنه بالعدد والآلات، وبالمقاتلين من الرجال المغاربة، ثم أخذ غرابا آخر من الإسكندوية، مكمّلا (١) بالسلاح والرجال، ومضى إلى بلاد الفرنج، وهجم عليهم، وملك منهم غرابا، وقتل منهم جماعة، وأسر آخرين؛ فلما قدم بالغنائم والأسرى، فتلقّاه جماعة من الأمراء، وخرج الناس إلى لقائه، وسرّوا به؛ فلما تمثّل بين يدى السلطان، أخلع عليه، وأنعم عليه بجميع ما أحضره من الغنائم.
وفى شهر شوّال، أخلع السلطان على الأمير أسنبغا الأبوبكرى، واستقرّ به فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير طيبغا الطويل، بحكم موته؛ وأخلع على الأمير طيدمر البالسى، وقرّره فى نيابة ثغر الإسكندرية؛ وقرّر قطلوبغا المنصورى حاجبا ثانيا، عوضا عن طيدمر البالسى.
وفيه أخلع على القاضى علم الدين إبراهيم بن قروينة (٢)، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن فخر الدين ماجد بن أبى شاكر؛ وقرّر ابن أبى شاكر فى نظر الخزانة الكبرى، عوضا عن شمس الدين بن الموفّق؛ وأخلع على ابن الموفّق، وقرّر فى نظر الاصطبل، عوضا عن شمس الدين بن الصفى؛ وأخلع على شمس الدين المقسى، واستقرّ فى نظر الخاص، عوضا عن ابن أبى شاكر؛ وأخلع على كريم الدين شاكر بن الغنّام، واستقرّ فى نظر البيوت؛ وأخلع على الحاج محمد بن يوسف، وقرّر مقدّم الدولة، عوضا عن المقدّم عزّ.
وفى شهر ذى القعدة، أخلع على الأمير أشقتمر (٣) الماردينى، واستقرّ فى نيابة طرابلس، فأقام بها مدّة يسيرة، وعزل عنها؛ واستقرّ عوضه الأمير أيدمر الشيخى، ثم عزل عنها، واستقرّ فى نيابة حماة، عوضا عن الأمير عمر شاه، صاحب القنطرة المعروفة به.
стр. 687
وأخلع على الأمير نانق، وقرّر فى كشف الوجه القبلى؛ واستقرّ ابن الدينارى فى ولاية قوص، عوضا عن قرطاى الكركى؛ وأخلع على محمد بن عقيل، وقرّر فى ولاية الغربية؛ وقرّر عثمان الشرفى فى ولاية البهنساوية؛ وقرّر محمد الكركى بالأشمونين؛ وقرّر أحمد الطرخانى بمنوف، عوضا عن خاص ترك بن طغاى؛ واستقرّ قطلوبك الزينى بالفيوم.
وأخلع على القاضى أمين الدين محمد بن على بن الحسن الأنفى، وقرّر فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن صدر الدين أحمد الدّميرى، بحكم وفاته. - وفيه أعيد فتح الدين أبو بكر بن الشهيد، إلى كتابة السرّ بدمشق.
وفيه قدم جمال الدين بن الأثير إلى القاهرة، وكان بالشام. - وفيه قبض السلطان على الأمير أرغون القشتمرى، والأمير بشتاك العمرى، ورسم بنفيهما إلى القدس. - وفيه أخذ قاع النيل، فكان أربعة أذرع وأربعة عشر أصبعا.
وفى شهر ذى الحجّة، فيه قدمت رسل السلطان أويس، متملّك بغداد.
وفيه أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، منهم: كجك من أرطق، وأزدمر الخازندار، وألآكز الكشلاوى، وأرغون الأحمدى اللاّلا (١).
وأنعم على جماعة بإمريات طبلخانات، منهم: محمد بن طرغاى، وإبراهيم الناصرى، وصراى العلاى، وبكتمر الأحمدى شاد القصر، وبشتاك العمرى، وتنبك الأزقى، ودرت بغا البالسى، وككبغا السيفى، وآقبغا عبد الله، وطغاى تمر عبد الله، ويوسف شاه بن يلوا، وأروس السيفى، وأيدمر من صديق، ومحمد بن آقتمر عبد الغنى، ويونس الشيخونى، وموسى بن أيتمش، ومحمد بن الدوادارى، وسودون جركس، أمير آخور ثانى، وبرسبغا، وقرا بغا الأناقى، وعلى بن بكتاش، ومحمد بن أمير على الماردينى، وصصلان الجمالى، وصراى تمر المحمدى، وأسنبغا القوصونى، وخليل بن تنكز بغا.
وأنعم على آخرين بإمريات عشرة، منهم: قمارى الجمالى، وعمر بن طقزدمر،
стр. 688
وصر بغا السيفى، وجانى بك العلاى، وألطنبغا عبد المؤمن، وطقتمر الحسنى، ومبارك شاه الرسولى، وجرقطلو، وجرجى البالسى، ومحمد بن أزدمر الخازندار، وقدق الشيخونى، وكوجبا، وأبو بكر بن قندس، وأسنبغا البهادرى، وآقتمر الساقى، ويلبغا الناصرى، ومحمد بن قرابغا الأناقى، وألطنبغا النظامى، وقطلوبغا من أبى يزيد، انتهى ذلك.
وأما من توفّى فى هذه السنة من بقيّة الأعيان، منهم: الفقير المعتقد إبراهيم بن البرلسى، مات بالمدينة الشريفة، وقد أناف على مائة سنة.
وتوفّى آلملك المنصورى أحمد بن الصالح صالح بن المنصور غازى بن المظفّر قرا أرسلان ابن أرتق، صاحب ماردين، فكانت مدّته على ماردين نحو ثلاث سنين، وقد جاوز ستين سنة.
وتوفّى القاضى صدر الدين أحمد بن عبد الظاهر بن محمد الدميرى، قاضى المالكية بحلب، وكان له نظم جيّد، وخمّس البردة.
وتوفّى شهاب الدين أحمد بن لولو بن عبد الله، المعروف بابن النقيب الشافعى، وكان مولده سنة اثنتين (١) وسبعمائة، أخذ القراءات السبع عن جماعة من المشايخ، وقرأ النحو على أبى حيان، وبرع فى الفقه، واختصر الكفاية، وقال الشعر، وتصدّر للدروس بالمدرسة الحسامية والمدرسة الأشرفية، وكان حيّد القراءة، حسن الصوت، وكان يقصد لسماع قراءته فى المحراب، لبالى شهر رمضان.
وتوفّى شيخ الشيوخ بخانقة سرياقوس: شهاب الدين أحمد بن سلامة بن القدسى الشافعى، وكان قبل ذلك شيخ خانقة بشتاك العمرى، وخطيب جامعه أيضا.
وتوفّى الأمير أزدمر العمرى الناصرى، المعروف بأبى دقن، الخازندار، وكان أميرا معظّما مبجّلا، ولى إمرة السّلاح مرّتين، وولى نيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة صفد، وغير ذلك من النيابات، وكان له برّ ومعروف.
وتوفّى الأمير سيف الدين أسندمر الناصرى، أتابك العساكر، كان، ومات
стр. 689
بسجن الإسكندرية. - وتوفّى الأمير أسندمر العلاى، نائب الشام. - وتوفّى الأمير ألطنبغا البشتكى، نائب غزّة، وأستادار العالية، كان.
وتوفّى الأمير نانق، كاشف الوجه القبلى. - وتوفّى الأمير بكتمر الأحمدى، شاد الدواوين، ومقدّم المماليك. - وتوفّى الأمير بركان (١)، شاد الصندوق. - وتوفّى الأمير تلكتمر المحمدى الخازندار، أحد المقدّمين الألوف (٢)، مات بسجن الإسكندرية.
وتوفّى الأمير جرجى الإدريسى، أمير آخور كبير، ونائب حلب، مات بدمشق. - وتوفّى الأمير جرقطلو، أمير جاندار (٣). - وتوفّى الأمير جركتمر الماردينى، حاجب الحجّاب.
وتوفّى الشيخ عزّ الدين حمزة بن قطب الدين موسى بن الضياء أحمد بن الحسين، المعروف بابن شيخ السلامية الحنبلى، مات بدمشق. - وتوفّى القاضى بهاء الدين خليل، أحد نوّاب الحنفية، وكان فاضلا.
وتوفّى الأمير طيبغا الأبوبكرى، المهمندار. - وتوفّى الأمير طيبغا الطويل، نائب حلب، مات بها.
وتوفّى قاضى القضاة الحنبلى موفّق الدين عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقى المقدسى، ومولده سنة تسعين وستمائة. - وتوفّى الشيخ بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل الشافعى.
وتوفّى قاضى القضاة الحنفى جمال الدين عبد الله بن علاء الدين على بن فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان الماردينى التركمانى.
وتوفّى جمال الدين عبد الله بن على بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات، موقّع الأحكام الشرعية. - وتوفّى فقيه المالكية الشيخ بدر الدين محمد أبو عبد الله ابن محمد بن فرحون، توفّى بالمدينة الشريفة.
وتوفّى الشيخ صلاح الدين عبد الله بن المحدّث شمس الدين محمد بن إبراهيم بن
стр. 690
غنايم بن واجد بن سعيد، المعروف بابن المهندس الصالحى الحلبى الحنفى، وكان من مشاهير المحدّثين بمصر.
وتوفّى الشيخ علاء الدين على بن محيى الدين يحيى بن فضل الله بن مجلّى بن دعجان ابن خلف بن منصور بن نصير العمرى، كاتب السرّ بالديار المصرية، وقد باشر كتابة السرّ نيّفا وثلاثين سنة، وخدم أحد عشر سلطانا، وكتب الخطّ المنسوب، وقال الشعر الجيّد؛ وكانت وفاته فى يوم الجمعة تاسع شهر رمضان.
وتوفّى تقىّ الدين عمر بن نجم الدين محمد بن عمر بن أبى القاسم بن عبد المنعم بن أبى الطيب الدمشقى، ناظر الخزانة، بها (١). - وتوفّى الأمير قنق العزّى، حاجب ثانى.
وتوفّى قاضى قاضى الحنابلة بدمشق جمال الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المرداوى، المعروف بصاحب الحمارة. - وتوفّى قاضى الحنفية بطرابلس، بدر الدين محمد بن عبد الله الشبلى. - وتوفّى كمال الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن محمد بن الشرشى (٢) البكرى الوايلى الدمشقى الشافعى. - وتوفّى كمال الدين محمد بن إبراهيم بن الشهاب محمود بن عبّاس بن فهد الحلبى.
وتوفّى بدر الدين محمد، المعروف بابن الشجاع، أحد نواب الحنفية. - وتوفّى تقىّ الدين محمد بن يوسف، أحد نوّاب المالكية بالديار المصرية. - ومات الفقيه موسى المالكى الضرير. - وتوفّى محتسب القاهرة محيى الدين محمد بن عبد اللطيف ابن الكويك، توفّى فى ثالث شهر رمضان.
وتوفّى الأمير بيرم العزّى، الدوادار الكبير، مات بطّالا. - وتوفّى الأمير أروس البشتكى، رأس نوبة الجمدارية. - وتوفّى الأمير أرغون الأحمدى اللاّلا، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير أرغون القشتمرى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (٣)، مات بطّالا بالقدس.
стр. 691
وتوفّى الشيخ قطب الدين أبو عبد الله محمد بن أبى البقا محمود بن ماضى، المعروف بالهرماس القدسى، وكان يدّعى الصلاح، وله أخبار يطول شرحها، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة سبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، أهلّ الشهر بيوم الأربعاء، وهو ثالث عشرين مسرى، من شهور قبط مصر؛ فيه نودى بوفاء النيل المبارك، وهو ستة عشر ذراعا، ففتح الخليج على العادة.
وفيه توفّى الشيخ عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان السيرجى الشافعى، وكان من أعيان العلماء، ومشاهير الرؤساء، ولى نظر الخزانة الشريفة، وولى حسبة القاهرة، وغير ذلك من الوظائف السنيّة.
وفى شهر صفر، قدم إلى مصر الأمير منجك اليوسفى، نائب الشام، وصحبته تقدمة للسلطان حفلة، فخلع عليه، وقبل منه تقدمته، وأقام بمصر أياما، ثم أعيد إلى محلّ نيابته بدمشق.
وفيه أعيد الشيخ تاج الدين عبد الوهاب السبكى إلى قضاء الشافعية بدمشق، عوضا عن الشيخ سراج الدين عمر البلقينى، بحكم انفصاله عنها.
وفيه، فى ليلة عشرينه، ولد للسلطان ولد ذكر سمّاه أحمد، فدقّت البشائر فى القلعة لأجله ثلاثة أيام.
وفى شهر ربيع الأول، خلع على الأمير قشتمر المنصورى، وقرّر فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير أسنبغا الأبوبكرى.
وفيه قدم رسول متملّك القسطنطينيّة، وصحبته بطريق الملكانية.
وفيه خلع على الأمير ألآكز الكشلاوى، واستقرّ وزيرا بالديار المصرية، عوضا عن علم الدين إبراهيم الحليق بن قروينة، مضافا إلى الأستادارية؛ واستقرّ ابن قروينة (١)
стр. 692
فى نظر الخاص، عوضا عن شمس الدين المقسى؛ واستقرّ المقسى فى نظر الاصطبل، عوضا عن شمس الدين بن الموفّق؛ فخلع عليهم فى يوم واحد، ونزلوا من القلعة فى موكب حفل.
وفيه قدم الأمير حيار بن مهنا، فأكرمه السلطان، وأخلع عليه، وأقرّه على حاله. - وفيه توجّه السلطان إلى نحو طنان، ليتصيّد ويتنزّه هناك، ثم عاد إلى القلعة بعد يومين.
وفى شهر ربيع الآخر، فيه فى رابعه، نزل السلطان من القلعة، وتوجّه إلى برّ الجيزة، ونصب خامه عند الأهرام، فأقام هناك أياما، ثم رحل من هناك، وصحبته الأمراء والعسكر، وتوجّه إلى نحو ثغر الإسكندرية.
وهذه [هى] السفرة الثانية إلى الإسكندرية، فتوجّه إلى تروجة، ثم رحل منها إلى الإسكندرية، ودخل من باب رشيد، والأمراء مشاة بين يديه، وزيّنت له المدينة، وفرش له الأمير خليل بن عرام، نائب الإسكندرية، الشقق الحرير، من باب البحر إلى دار السلطان، ونثر على رأسه خفائف الذهب والفضّة، وحملت القبّة والطير على رأسه، وكان يوم دخوله إلى الإسكندرية من الأيام المشهودة فى الفرجة.
وكان لما أن دخلها المرّة الأولى، كان منكّدا بسبب الفرنج، لما هجموا على ثغر الإسكندرية، وجرى منهم ما تقدّم ذكره، فتوجّه إليها على جرائد الخيل، فلم ينشرح بها؛ فلما دخلها هذه المرّة أوكب بها، وجلس فى دار السلطان، ومدّ السماط به، وأكل السماط هو والأمراء.
ثم عاد إلى المخيم بباب رشيد، فأقام يومه هناك، ورحل يوم الأحد، وقصد التوجّه إلى القاهرة، فدخلها يوم الخميس، فزيّنت له القاهرة، وطلع إلى القلعة فى موكب حفل.
وفى يوم الجمعة سابع عشرينه، جمع السلطان الأمراء، وقضاة القضاة، بالإيوان الذى بالقلعة، وعقد لخوند سارة، أخت السلطان، على الأمير بشتاك العمرى، رأس نوبة النوب، على صداق جملته خمسة عشر ألف دينار مصرية؛ وكان الذى تولّى عقد
стр. 693
النكاح بينهما قاضى القضاة سراج الدين عمر الهندى الحنفى، فأنكر عليه بعض الفقهاء عقد النكاح على أنّ الزوج قد مسّه الرقّ، فلما بلغه ذلك ألّف بجواز ذلك كتابا مفيدا.
وفيه، فى ثامن عشرينه، قبض السلطان على الأمير ألآكز، الوزير، وعوّقه بالقلعة، وطلب منه مالا (١). - وفيه خلع على شمس الدين أبى الفرج المقسى، واستقرّ فى الوزارة ونظر الخاص؛ ثم أخلع على الوزير علم الدين إبراهيم بن قروينة (٢)، واستقرّ فى نظر الاصطبل، عوضا عن شمس الدين المقسى.
وفى شهر جمادى الأولى، فيه أخرج الأمير آقبغا عبد الله الدوادار، منفيّا إلى القدس بطّالا. - وفيه خلع على الأمير آقتمر الحنبلى، واستقرّ فى نظر الخانقاة الناصرية بسرياقوس. - وفيه خلع على الأمير بهادر الجمالى، واستقرّ فى الأستادارية العالية، وأنعم عليه بتقدمة ألف.
وفى شهر جمادى الآخرة، قبض السلطان على مملوكه أرغون العجمى الساقى، وضربه، ونفاه إلى دمشق؛ وسبب ذلك أن فقد للسلطان من الخزانة جواهر، من أجلّ الجواهر فى القدر؛ وقد قبض على شخص من تجّار الفرنج، وجد معه من الفصوص فصّا من البلخش، يسمّى وجه الفرس، لا يعرف له ثمن فى القدر، فظهر ذلك الفصّ فى الشام، فقبض الأمير منجك، نائب الشام، على ذلك التاجر الفرنجى، وسأله عن سبب وصول هذا الفصّ إليه، فذكر أنّ أرغون العجمى أباعه إيّاه، فبعث به منجك إلى السلطان وطالعه بالخبر، فعند ذلك قبض السلطان على أرغون، فلم يوجد معه من ثمن ذلك الفصّ شئ (٣)، فعند ذلك ضربه ونفاه إلى دمشق (٤).
وفيه توفّى الأمير بكتمر المؤمنى، أمير آخور كبير؛ فلما مات أخلع السلطان على الأمير بهادر الجمالى الأستادار، واستقرّ به أمير آخور كبير، عوضا عن الأمير
стр. 694
بكتمر المؤمنى؛ وأخلع على الأمير أرغون شاه الأشرفى، واستقرّ به أمير مجلس.
وفيه أعيد الأمير خليل بن عرام إلى نيابة ثغر الإسكندرية، عوضا عن طيدمر البالسى، بحكم استعفائه منها. - وفيه خلع على الصاحب علم الدين إبراهيم الحليق ابن قروينة (١)، وأعيد إلى الوزارة، واستقرّ شمس الدين المقسى على نظر الخاص فقط.
وفيه خلع على الأمير ألآكز الكشلاوى، واستقرّ أستادار، عوضا عن الأمير بهادر الجمالى، بحكم انتقاله إلى إمرية آخور. - وفيه وصل إلى الأبواب الشريفة بهادر، أستادار منجك نائب الشام، وصحبته الأمير زامل أمير آل فضل، فأكرمه السلطان وأخلع عليه، وأقرّه أمير آل فضل، عوضا عن الأمير حيار بن مهنا.
وفى شهر رجب، رسم السلطان بنفى الأمير آقتمر الحنبلى، أمير دوادار، فنفى إلى الشام، وسبب ذلك أنّه وقع بينه وبين الأمير ألجاى اليوسفى، زوج أمّ السلطان، تشاجر، فطلع الأمير ألجاى وشكاه للسلطان، فرسم بنفيه إلى الشام؛ فلما نفى أخلع السلطان على الأمير منكوتمر عبد الغنى، واستقرّ به دوادار كبير، عوضا عن الأمير آقتمر الحنبلى، بحكم نفيه إلى الشام، وكان الأمير منكوتمر أمير طبلخاناة، فانتقل منها إلى الدوادارية الكبرى.
وفيه وردت الأخبار بوفاة الأمير طيبغا الطويل، نائب حلب؛ فلما مات، استقرّ السلطان بالأمير أسنبغا الأبوبكرى فى نيابة حلب، عوضا عن طيبغا الطويل، فأقام بها مدّة يسيرة، وعزل عنها؛ واستقرّ عوضه فى نيابة حلب الأمير قشتمر المنصورى.
وفيه وردت الأخبار من دمشق بأنّ الجراد أتى إليها، ووقع على أشجارها، وأكل الفواكه التى على الأشجار، حتى أكل الورق، وسدّ أعين المياه؛ وكان معظم أمر الجراد فى حوران وعجلون من قرى دمشق. - فلما كان يوم الجمعة دخل الجراد إلى جامع بنى أميّة، فامتلأ منه صحن الجامع، وصار يترامى على الخطيب وهو فوق المنبر، حتى أشغله عن الخطبة.
стр. 695
ثم تزايد أمر الجراد حتى جافت منه الطرقات والأزقّة، وحصل للناس منه وخم عظيم، حتى صاروا يشمّون البصل والقطران من شدّة رائحته الكرهة؛ فأقام على ذلك نحو أسبوعين، حتى ارتفع عن دمشق، بعد أن أفسد أشياء كثيرة من أشجارها وزروعها، فحصل بها الغلاء عقيب ذلك.
وفيه قبض السلطان على علاء الدين بن كلبك، شاد الدواوين، ووالى (١) القاهرة، فلما قبض عليه سجنه بالقلعة، فتعصّبت عليه العوام، ووقفوا تحت القلعة، ومنعوا الأمراء من الطلوع إلى القلعة، وصاروا يرجمون الناس، فأرسل السلطان إليهم بعض الأمراء، وهو يقول لهم: «إيش قصدكم»؟، فقالوا له: «قل السلطان يسلمنا علاء الدين بن كلبك، شاد الدواوين»، فلم يردّ عليهم السلطان الجواب عن ذلك.
واستمرّوا واقفين (٢) تحت القلعة إلى بعد المصر، فرسم السلطان للمماليك الذين (٣) فى الطباق أن ينزلوا إليهم، ويرموا عليهم بالنشاب فى الرملة، وقبضوا على جماعة منهم، وأودعوهم فى الحبوس، وقتل فى ذلك اليوم جماعة منهم بالنشاب، ممّن كان واقفا تحت القلعة، وهرب الباقون إلى حال سبيلهم، فغلقت الأسواق فى ذلك اليوم قاطبة.
ثم إنّ المماليك طلعوا إلى الطباق، وخمدت تلك الفتنة كأنّها لم تكن؛ ولو أنّ العوام رجعوا من حين أرسل إليهم السلطان يأخذ بخواطرهم، ما وصل الأمر إلى هذا الحدّ، ولكن لما نزلوا إليهم المماليك بالسيوف والنشاب، ورأوا عين الغلب، خافوا ورجعوا، فكان الأمر كما يقال:
سل السيف عن أصل الفخار وفرعه … فإنى رأيت السيف أصدق مقولا
ثم إنّ السلطان نادى فى القاهرة للناس بالأمان والاطمان، وخمدت هذه الفتنة من وقتها. - ثم إنّ السلطان أخلع على الأمير حسين بن الكورانى، واستقرّ به فى ولاية القاهرة، عوضا عن علاء الدين بن كلبك، بحكم انفصاله عنها.
стр. 696
وفى شهر شعبان، فكان مستهلّ الشهر يوم الاثنين، فيه خلع على الأمير خليل ابن عرام، وأعيد إلى نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير طيدمر البالسى، بحكم استعفائه منها.
وفيه، فى يوم الجمعة خامسه، هبّت بالقاهرة وأعمالها رياح عاصفة، سقط منها عدّة نخيل، وسقط بالقاهرة عدّة دور، وغرق فى البحر عدّة سفن، وكان يوما مهولا، فأقام ذلك إلى نصف الليل من ليلة السبت، ثم سكن ذلك الريح.
وفيه وردت الأخبار من حلب، بأنّ نائب حلب، قشتمر المنصورى، قد قتل، هو وولده محمد؛ وكان سبب ذلك أنّ شخصا يسمّى الأمير حيار من آل فضل، وقع بينه وبين نائب حلب حظّ نفس، فخرج إليه نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فتحارب معه، فقويت العربان على نائب حلب، فكسروه وقتلوه، هو وولده، فى المعركة.
فلما تحقّق السلطان ذلك، أخلع على الأمير عشقتمر (١) الماردينى، وهو صاحب الخانقاة التى بالقرب من حوش العرب، الذى خلف القلعة، واستقرّ به نائب حلب، عوضا عن الأمير قشتمر المنصورى، بحكم قتله. - وفيه أخذ قاع النيل، فكان خمسة أذرع وعشرين أصبعا.
وفيه وردت الأخبار بأن قد وصل إلى صيدا عدّة مراكب، بها جماعة من الفرنج، فحاربوا من بها من المسلمين، فكانت النصرة عليهم للمسلمين، ورجعوا خائبين.
وفى شهر رمضان، فيه كانت وفاة الأمير بشتاك العمرى، رأس نوبة النوب، وهو صاحب الجامع المطلّ على بركة الفيل، بالقرب من قنطرة سنقر؛ وكان أميرا جليل القدر، معظّما مبجّلا، فى سعة من المال، وكان متزوّجا بخوند سارة أخت السلطان.
وفى يوم الاثنين ثامنه، عمل السلطان الموكب فى القصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير أرغون الأشرفى، واستقرّ به رأس نوبة النوب، عوضا عن الأمير بشتاك العمرى؛ واستقرّ بالأمير ملكتمر من بركة، وقرّر
стр. 697
فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير جنتمر أخو (١) طاز؛ وقرّر علم دار فى الأستادارية وقرّر موسى بن الأزكشى فى شادية الدواوين، عوضا عن علاء الدين بن كلبك، وقرّر الأمير آقبغا من مصطفى، جاشنكير؛ وأنعم على الأمير أرغون (٢) الأحمدى، بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير مبارك الطازى، بتقدمة ألف.
وأنعم على آخرين من الأمراء بإمريات طبلخانات، وآخرين بإمريات عشرات، وفرّق عدّة إقطاعات على المماليك السلطانية.
وفيه قدم البريد من حلب بأنّ الأمير قشتمر المنصورى، نائب حلب، أخذ مدينة سيس من الأرمن، فلما عاد إلى حلب تغلّب الأرمن عليها، ورجعوا إليها، وجاروا على أهلها وحاربوهم.
وفى شهر شوّال، فى يوم الاثنين تاسع عشره (٣)، قدم الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، صحبة الأمير ناصر الدّين محمد بن قمارى، أمير شكار، وقد ركب البريد لإحضاره؛ فلما حضر رسم السلطان بتسليمه إلى الأمير علاء الدين على بن محمد ابن كلفت، فسجنه بقاعة الصاحب التى (٤) بالقلعة، وألزمه بحمل ثمانمائة ألف دينار؛ ثم عصر فى يوم الأربعاء حادى عشرينه، فحمل من ذلك المال، الذى قرّر عليه، مائة ألف دينار؛ ثم أخرج إلى دمشق ليحضر بقيّة المال الذى التزم به؛ ثم رسم السلطان بنفيه من هناك إلى طرسوس؛ وكان قد استقرّ عوضه فى نيابة الشام الأمير منجك اليوسفى.
وفيه حجّت خوند بركة أمّ السلطان، وهي زوجة الأمير ألجاى اليوسفى، فخرجت من القاهرة فى تجمّل زائد، والأمراء مشاة قدّام محفّتها، ورسم السلطان أنّ العصائب السلطانيّة والكوسات يخرجوا (٥) صحبتها؛ وسافر صحبتها
стр. 698
من الأمراء المقدّمين أربعة، ومايتين (١) مملوك (٢) من المماليك السلطانية، وكان لها يوم مشهود.
وفيه بلغت زيادة النيل المبارك تسعة عشر (٣) ذراعا وستة أصابع من عشرين ذراعا، وكان نيلا عظيما، انتفع به الناس.
وفى شهر ذى القعدة، فى يوم الجمعة ثالثه (٤)، تجمّعت طائفة من الزعر بأراضى اللوق، خارج القاهرة، وصاروا يشالقون (٥) على الناس بالحجارة فى المقاليع، فقتل من بينهم جماعة؛ فلما تزايد الأمر فى ذلك، سمع الوالى، فركب وأركب الأمير علاء الدين ابن كلفت، أحد الحجّاب، وأركب الأمير آقبغا اليوسفى، حاجب الحجّاب، وتوجّهوا إلى أراضى اللوق. وقصدوا للشالقين، ففرّوا منهم، وبقى هناك جماعة من المتفرّجين، فقبضوا عليهم، وضربوهم بالمقارع.
فلما جرى ذلك، تعصّبت العامّة على الوالى والحجّاب، ووقفوا فى الرملة تحت القلعة، وصاروا يستغيثون ويضجّون بالشكوى من الوالى والحجّاب، مما فعلوه من قتل المتفرّجين، فصار من له أولاد أو أمّ أو زوجة، رءوسهم مكشوفة، وعليها السواد، وهم يستغيثون ويضجّون بالشكوى إلى السلطان؛ فنزل إليهم جماعة من الأوجاقية، فأجابوهم بأنّ السلطان رسم بعزل الوالى عنكم، فأبوا من ذلك وأن لابدّ من تسلّمه إليهم، هو وعلاء الدين بن كلفت.
فلما كان يوم الأربعاء ثامن عشرينه (٦)، ركب الوالى وقصد الطلوع إلى القلعة، فرجمته العامّة، حتى كاد يهلك، فالتجأ (٧) منهم بباب السلسلة، وظلّ نهاره كله فيه، والعامّة وقوف له تحت القلعة، إلى قريب العصر، وصاروا يرجمون كل من يمرّ بهم من الناس.
стр. 699
فلما تزايد الأمر منهم، ركب الأمير بهادر الجمالى، أمير آخور كبير، وأركب مماليكه، وجماعة من الأوجاقية، وخرجوا من باب السلسلة، وثاروا على العامّة، فوقع بينهم معركة مهولة، فرجمتهم العوام رجما متداركا، فكسروا أمير آخور كبير، ومن معه، كسرة قبيحة، فرجع ودخل إلى باب السلسلة.
فلما تزايد هذا الأمر، رسم السلطان للماليك، الذين (١) فى الطباق، بأن ينزلوا إليهم، فنزلوا إليهم، وحطموا على العامّة، حطمة شنيعة، بالنشاب والرّماح، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وقبضوا على آخرين منهم.
ثم ركب الأمير ألجاى اليوسفى، أمير سلاح، وقسّم الخطط والحارات على الأمراء، وأضاف إليهم جماعة من المماليك السلطانية، وأمر بوضع السيف فى الناس قاطبة؛ وجرت بسبب ذلك خطوب شنيعة، وأمور وضيعة، فقتل فى هذه الحركة من الناس ما لا يحصى عددهم، وذهبت دماؤهم هدرا، وسجنوا آخرين منهم فى الحبوس، وامتدّت أيدى الأتراك إلى العامّة، حتى أنّه كان الجندى يدخل إلى حانوت البيّاع من المتسبّبين، ويذبحه فى دكّانه، ويمضى.
وحكى بعض المماليك أنّه قال: «قتلت بيدى من العوام فى هذه الحركة سبعة عشر رجلا»، وصارت جثث العوام مرميّة فى الطرقات على بعضها؛ فلما بلغ السلطان ذلك شقّ عليه، وقال للأمير بهادر الجمالى، أمير آخور كبير: «عجّلت بالأضحية على الناس»، وأنكر عليه، وعلى الأمراء الذين (١) فعلوا ذلك، وتوعّدهم بكل سوء.
ثم إنّ السلطان أمر بالإفراج عن المسجونين من العوام، ونادى فى القاهرة بالأمان والاطمان، والبيع والشرى، وفتح الأسواق قاطبة، ففتحت على العادة، وسكن ذلك الاضطراب قليلا؛ وهذه الواقعة نقلها المقريزى فى تاريخه المسمّى بالسلوك (٢).
وفيه خلع على الأمير حسام الدين حسين بن الكورانى، والى مصر العتيقة، واستقرّ فى ولاية القاهرة، عوضا عن الشريف بكتمر، بحكم انفصاله عنها.
стр. 700
وفيه اتّفق أنّ الخواجا ناصر الدين محمد بن مسلم، كبير التجّار بمصر، سافر إلى قوص فى حاجة له بسبب متجره، فأشاع ولده بين الناس موته، وعمل عزاءه (١)، ثم اجتمع بالسلطان وسأله أن يقوم عوضا عن أبيه، فى المتجر، ووعده بخمسين ألف دينار، فخلع عليه، ونزل إلى داره، فأخذ فى حمل ما وعد به من المال؛ فبينما هو فى ذلك، إذ قدم كتاب أبيه من قوص، بأنّه فى قيد الحياة، فسرّ عياله بذلك.
ثم إنّ أصحابه كاتبوه بما كان من ولده، فلما بلغه ذلك بادر إلى الحضور إلى القاهرة، واجتمع بأرباب الدولة، وسعى إلى عوده كما كان فى المتجر؛ فأجيب إلى ذلك، وخلع عليه، واستمرّ على عادته، وحوسب بما أورده ولده مما عليه للديوان، وأخذ بذلك رجعه. فكانت هذه الواقعة من أشنع ما يقع من الأولاد فى حقّ الأبّهات (٢).
وفيه قدمت الأخبار من حلب بأنّ جماعة عربان بنى كلاب كثر فسادهم، وصاروا يقطعون الطريق فيما بين حماة وحلب، وأخذوا بعض جمال من الحجّاج، فخرج إليهم نائب حلب، وحاربهم، وأخذ مواشيهم وجمالهم، فكان بينهم أمور شنيعة، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم.
وفى شهر ذى الحجّة، فى يوم الجمعة ثامنه، قدم الخبر من ثغر الإسكندرية، بنزول أربع قطائع، فيها جماعة كثيرة من الفرنج، ورموا على المدينة بالمدافع، فلما بلغ السلطان هذا الخبر، عيّن من الأمراء عشرين أميرا، منهم ثلاثة أمراء مقدّمين ألوف (٣)، والبقية أمراء طبلخانات وعشرات.
ثم فى عشيّة يوم السبت قدم الخبر بأنّ جماعة من المغاربة والتركمان، الذين (٤) بالإسكندرية، نزلوا فى المراكب وقاتلوا الفرنج، فقتلوا منهم نحو مائة إنسان، وغنموا منهم مركبا فيها أشياء بجملة مال.
стр. 701
وفيه، فى خامس عشره، خرج على خيل البريد الأمير قطلوبغا الشعبانى، وعلى يده خلعة وتقليد للأمير أشقتمر (١) الماردينى، ليستقرّ فى نيابة حلب؛ وخلعة للأمير زامل أمير العرب، بأن يستقرّ عوضا عن حيار بن مهنا.
وفيه توجّه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سرتقطاى (٢) فى الرسالة عن لسان السلطان، إلى السلطان أويس متملّك بغداد. - وفيه استقرّ جمال الدين عبد الرحيم ابن على بن [عبد] (٣) الملك المسلاتى، فى قضاء المالكية بدمشق، عوضا عن سرىّ الدين إسمعيل بن محمد بن هانئ الأندلسى.
وفيه استقرّ الأمير بيبغا القوصونى، كاشف القليوبية؛ وفيه استقرّ الأمير محمد بك الشيخونى، فى نيابة غزّة؛ واستقرّ الشريف بكتمر، الذى كان والى القاهرة، فى ولاية قطيا، عوضا عن ابن الطشلاقى؛ واستقرّ الأمير بكتمر، الذى كان أستادار طيبغا الطويل، فى ولاية قوص؛ وقرّر الأمير أسندمر الخضرى، فى ولاية البحيرة، عوضا عن ابن معين؛ واستقرّ الأمير قطلوبك، فى ولاية مصر العتيقة.
وفيه أنعم على الأمير محمد بن طرغاى بإمرية طبلخاناة؛ وأنعم على الأمير بيبغا القوصونى، والأمير صراى الإدريسى بإمرية طبلخاناة، وكذلك (٤) الأمير أحمد ابن آقتمر عبد الغنى، والأمير أحمد بن قنغلى، والأمير خليل بن قمارى، والأمير طقتمر الحسنى، والأمير أرغون شاه الأشرفى، والأمير حسين بن الكورانى والى القاهرة.
وأنعم على جماعة من الأمراء بإمريات عشرة، منهم: جلبان العلاى، ومحمد بن لاجين، وأسنبغا النظامى، ومحمد بن قطلوبغا المحمدى، وعمر بن أسن الأبوبكرى، وآخرين من أولاد الناس.
стр. 702
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، منهم: الأمير إبراهيم بن الأمير صرغتمش الناصرى، وكان أحد الأمراء العشرات، ودفن بمدرسة أبيه صرغتمش، وكان من أعيان الرؤساء.
وتوفّى الأديب أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالفار، وكان عالية فى الشطرنج - وتوفّى الأمير على بك بن أرغون الأزقى، نائب غزّة.
وتوفّى القاضى تقىّ الدين حسن بن فتيان، كاتب سرّ طرابلس. - وتوفّى الأمير خليل بن الأمير على بن الأمير سلار، نائب السلطنة، وكان أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأمير الطواشى ناصر الدين شفيع، نائب مقدّم المماليك. - وتوفّى الأمير طغاى تمر الفخرى، أحد الأمراء الطبلخانات، مات غريقا فى بحر النيل.
وتوفّى قاضى الحنفية بدمشق، جمال الدين محمود بن أحمد بن مسعود. - وتوفّى شمس الدين محمد بن خلف بن كامل الغزّى، أحد نوّاب الحكم بدمشق، وكان من أعيان الشافعية.
وتوفّى ناصر الدين محمد بن تقىّ الدين عبد القاهر بن الوزير ضياء الدين النشاى، أحد موقّعى الدست. - وتوفّى عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان بن محمد بن أحمد ابن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن على بن أحمد بن السيرجى، محتسب دمشق، وناظر الخزانة بها.
وتوفّى بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد الشريشى الشافعى. - وتوفّى الأمير محمد بن الأمير طقبغا الماجارى، المعروف بصاووق، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأديب الشاعر شمس الدين محمد بن تقىّ الدين على الواسطى، وكان له شعر جيّد. - وتوفّى الأمير ألطنبغا المؤمنى، الجوكندار، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير آقتمر عبد الغنى الصغير، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير أزكا السيفى، أحد الأمراء الطبلخانات.
стр. 703
وقدمت الأخبار بوفاة متملّك تونس، وهو أبو إسحق إبراهيم بن أبى بكر بن يحيى ابن إبراهيم بن يحيى، فلما توفّى ولى بعده ابنه أبو البقا خالد. - وقدمت الأخبار بوفاة الشيخ بدر الدين محمد بن فرحون، عالم المدينة الشريفة، وكان من أعيان علماء الشافعية، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وسبعمائة
فيها فى المحرّم، قدم قاصد الأمير ناصر الدين محمد بن طاز، وصحبته أربعة وعشرون نفرا من الفرنج، وقد أسرهم من نواحى الطينة؛ فلما عرضوا على السلطان، رسم بسجنهم فى خزانة شمايل (١).
وفيه، فى ثانى عشره، خلع على القاضى كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن علم الدين إبراهيم بن قروينة (٢)، المعروف بالحليق، بحكم استعفائه منها؛ فلما استقرّ كريم الدين فى الوزارة، لم يتعرّض لابن قروينة (٢) بسوء، بل راعاه إلى الغاية.
وفيه، فى سادس عشره، رجعت خوند بركة، أمّ السلطان، من الحجاز، فخرج السلطان إلى تلقّيها، وطلعت إلى القلعة فى موكب حفل؛ وكان ذلك اليوم مشهودا، ولاقتها المغانى من بركة الحاج، ولاقاها السلطان من البويب، ومدّ لها هناك مدّة حفلة.
وفيه كانت وفاة الشيخ الصالح المعتقد سيدى يحيى بن على الصنافيرى الأعمى المجذوب، رحمة الله عليه، وكان له كرامات خارقة، وكانت جنازته حفلة، ونزل السلطان وصلّى عليه، وحضر الجمّ الغفير من الناس وصلّوا عليه، حتى قيل حرّر عدّة من صلّى عليه من الناس، فكانوا نحوا من عشرة آلاف إنسان؛ ودفن بتربة الشّيخ أبى العبّاس البصير، التى بالقرافة الصغرى.
стр. 704
وفى شهر صفر، كانت وفاة الأمير على الماردينى، نائب السلطنة بمصر، وولى نيابة الشام أيضا، ونيابة حلب؛ وكان أميرا ديّنا خيّرا، كثير البرّ والصدقات، قليل الأذى، فكثر عليه من الناس الأسف والحزن.
فلما توفّى أخلع السلطان على الأمير طشتمر العلاى، وقرّر فى نيابة السلطنة، عوضا عن الأمير على الماردينى، بحكم وفاته.
وفيه أخلع على الأمير علم دار، وقرّر فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير ملكتمر من بركة؛ وقرّر الأمير ملكتمر فى الأستادارية العالية، عوضا عن الأمير علم دار.
وفيه قدمت الأخبار من المدينة الشريفة بوفاة الشيخ نور الدين على بن يوسف الأنصارى الحنفى، قاضى قضاة المدينة؛ وهو أول حنفى قرّر بالمدينة، وكان شافعيّا تحوّل حنفيّا؛ وكان مولده سنة ثمان وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، وألّف مفاخرة لطيفة بين مكّة والمدينة، وهى بديعة فى معناها، كلّها غرر وفوائد، وكان سيفا قاطعا لأهل البدعة.
وفيه عزل الأمير خليل بن عرام عن نيابة ثغر الإسكندرية، وقرّر عوضه الأمير طيدمر البالسى. - وفيه قدمت الأخبار من أفريقية بوفاة متملّكها، وأنّ ولده أبو العبّاس أحمد ولى عوضه على أفريقية.
وفى شهر ربيع الأول، فيه قدم البريد بطلب الأمان للأمير حيار بن مهنا، وكان القاصد فى ذلك الأمير سيف الدين بهادر، أستادار الأمير منجك نائب الشام، وصحبته معيقل حاجب الأمير حيار؛ فلما حضرا بين يدى السلطان، أجابهما إلى ذلك.
وفيه استقرّ القاضى عماد الدين إسمعيل بن محمد بن أبى العزّ بن صالح، المعروف بابن الكشك، الدمشقى، فى قضاء الحنفية بدمشق، عوضا عن جمال الدين أبى الثناء محمود، المعروف بابن السراج.
وفيه أنعم على الأمير جلبان العلاى بإمرة طبلخاناة. - وفيه استقرّ الشيخ كمال الدين محمد التنسى المالكى، فى قضاء الإسكندرية، عوضا عن كمال الدين الربعى.
وفيه قدم الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن إلياس القونوى الحنفى، فلما قدم
стр. 705
خرج الأمير منكلى بغا الشمسى، الأتابكى، إلى لقائه، وأنزله فى المدرسة المنصورية التى بين القصرين، فأتاه الناس زمرا يسلّمون عليه.
وفى شهر ربيع الآخر (١)، فى ثالثه، استقرّ الأمير كبجلجى (٢) فى نيابة حماة، عوضا عن أيدمر الشيخى.
وفى رابعه أخلع على الصاحب شمس الدين أبى الفرج المقسى، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن كريم الدين بن الرّويهب، مضافا إلى نظر الخاص.
وفيه تغيّر خاطر السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن قمارى، أمير شكار، فرسم بنفيه إلى الشام؛ واستقرّ عوضه فى إمرية شكار الأمير جمال الدين عبد الله ابن بكتمر، الحاجب؛ واستقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن قيران الحسامى، أمير طبر، عوضا عن شرف الدين موسى بن ديدار بن قرمان؛ وخلع على الأمير نصرات، واستقرّ حاجبا، عوضا عن أسنبغا العلاى.
وفيه استقرّ الأمير كبوك، رأس نوبة ثانى مقدّم ألف. - وفيه استقرّ علاء الدين على بن محمد بن على بن عبد الله بن أبى الفتح بن هاشم المقدسى، فى قضاء الحنابلة بدمشق، عوضا عن شرف الدين أحمد بن شيخ الجبل، بحكم وفاته.
وفى (٣) شهر جمادى الأولى، فيه استقرّ الأمير أرغون شاه اليوسفى، رأس نوبة النّوب، عوضا عن الأمير بشتاك العمرى، بحكم وفاته. - وفيه رسم السلطان للأمير أسندمر حرفوش، بالجلوس مع الأمراء وقت الخدمة بالإيوان.
وفيه استقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن سرتقطاى (٤)، فى نقابة الجيش، عوضا عن أرغون بن قيران، بحكم وفاته. - وفيه استقرّ الأمير آقبغا من مصطفى، جاشنكير، عوضا عن الأمير ألطنبغا العلاى فرفور.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه استقرّ الأمير جركس الرسولى، أستادارا ثانيا،