وتوفّى الأمير آنص العثمانى، والد الأتابكى برقوق، فى ثامن عشر شوّال. - وتوفّى الأمير أيدمر الشمسى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (١). - وتوفّى الأمير آلان الشعبانى، أمير سلاح.
وتوفّى الحاج سيف بن على، مقدّم الدولة، مات تحت العقوبة. - وتوفّى الأمير طشتمر الشعبانى اليلبغاوى، نائب حماة، فى رجب. - وتوفّى الشيخ المسند جمال الدين عبد الله محمد بن على بن حديدة الأنصارى، فى خامس عشرين شعبان.
وتوفّى جمال الدين عبد الله بن الرقيق الأسلمى، أحد أعيان المباشرين الكتاب. - وتوفّى قاضى قضاة حلب، كمال الدين عمر بن عثمان بن هبة الله المعرى الشافعى، فى رجب.
وتوفّى الخواجا فخر الدين عثمان بن مسافر، وهو الذى جلب الأتابكى برقوق، ووالده آنص، من بلاد جركس، من ضيعة يقال لها كسا، من خلاصة جركس، وإليه ينسب، فيقال «برقوق العثمانى» فى سادس رجب، وصلّى عليه برقوق.
وتوفّى الفقير المعتقد المجذوب، المعروف بأبى لحاف الشامى، فى خامس صفر. - وتوفّى الشيخ نور الدين على بن المنصورى الشافعى، وكان من أعيان العلماء. - وتوفّى غلام الله مهتار الطست (٢) خاناة السلطانية.
وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن الكومى، المعروف بابن السيورى العمّارى، نسبة إلى عمّار بن ياسر الصحابى، ﵁، وكان أصله من الموصل، وكان علامة فى ضرب العود، وفى فنّ الموسيقا (٣) فى زمنه، توفّى فى العشرين من صفر.
وتوفّيت المسندة حوبرة بنت الشهاب أبى الحسن أحمد الهكارى، فى يوم السبت ثانى عشرين صفر؛ انتهى ذلك
стр. 912
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وسبعمائة
فيها فى المحرم، كان مستهلّه يوم الثلاثاء، فيه خلع على الأمير مبارك شاه السيفى، واستقرّ والى الفيوم وكاشفها، وكاشف البهنساوية، والأطفيحية، عوضا عن أرسبغا المنجكى.
وفيه خلع على الأمير سودون الشيخونى، وقرّر حاجب الحجّاب، وأنعم عليه بإقطاع الأمير تغرى برمش؛ وخلع على الأمير كمشبغا الحموى اليلبغاوى، نائب طرابلس، واستقرّ على عادته فى نيابة طرابلس؛ وخلع على فرج بن أيدمر السيفى، واستقرّ فى ولاية الغربية، عوضا عن أحمد بن سنقر؛ وخلع على ألطنبغا الصلاحى، واستقرّ فى ولاية الأشمونين، عوضا عن مبارك شاه؛ وأنعم على الأمير أيدكار العمرى بإقطاع الأمير سودون الشيخونى، واستقرّ حاجبا ثانيا.
وفيه توجّه الأمير بكلمش العلاى، لإحضار الأمير بيدمر الخوارزمى، الذى كان نائب الشام، وسجن بثغر دمياط؛ فلما حضر ركب الأتابكى برقوق، ونزل من القلعة إلى لقائه، فلما طلع أخلع عليه، واستقرّ به فى نيابة الشام على عادته، عوضا عن الأمير أشقتمر (١) الماردينى، وكتب بتوجّه الأمير أشقتمر إلى القدس بطّالا؛ وهذه سادس ولاية وقعت للأمير بيدمر الخوارزمى فى نيابة الشام، وكان خيار نوّاب دمشق.
وفى أوائل هذه السنة، تزايد سمر الغلال، وفقد وجود الخبز من الأسواق، وأبيع كل رطلين خبز بدرهم، وأبيعت البطة الدقيق بثلاثين درهما، وأبيع الأردب القمح بمائة وخمسة دراهم؛ فلما دخل الشعير الجديد، أبيع الأردب منه بخمسين درهما؛ وتزايد الغلاء فى سائر البضائع قاطبة.
وفيه رسم الأتابكى برقوق بإطلاق من فى السجون قاطبة، من المديونين وغيرهم، فأفرج عنهم أجمعين، وأغلق أبواب السجون، ومنع القضاة من سجن أحد على دين، قال: «ما كفى ما الناس فيه من أمر الغلا، ووقوف الحال»؟، ومنع الرسل والنقباء
стр. 913
من أبواب القضاة والحكّام. - وفى أواخر هذا الشهر انحطّ سعر الغلال قليلا، وكذلك الدقيق.
وفى شهر صفر، فيه خلع على ابن عرب، وأعيد إلى الحسبة، عوضا عن خليل بن عبد المعطى، وأضيف إلى ابن عرب وكالة بيت المال، عوضا عن نجم الدين الطنبدى. - وفيه خلع على محمد بن أشقتمر (١) وقرّر فى ولاية قطيا، عوضا عن أبو درقة قطلوبغا الأسن قجاوى.
وفيه أعيد القاضى نجم الدين أحمد بن القاضى عماد الدين إسمعيل بن أبى العزّ إلى قضاء الحنفية بدمشق، عوضا عن الهمام أمير غالب بن القوام أمير كاتب الأتفانى. - وفيه قدم الشيخ الصالح المعتقد سيدى على البربرى المجذوب، من الفيوم، وظهر له كرامات خارقة، فهرع الناس إلى زيارته، وبالغوا فى اعتقاده.
وفيه توجّه الأمير بهادر المنجكى، أستادار (٢) العالية، إلى دمشق، بسبب إحضار المال الذى وعد به الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام. - وفيه أعيد نجم الدين الطنبدى إلى وكالة بيت المال، وعزل عنها ابن عرب، وكان قد كبر سنّه، وعجز عن الحركة.
وفيه طلب الأتابكى برقوق قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، فلما حضر سأله عن مال تاجر قد مات عن ورثة غائبين، وترك المال بمودع الحكم، فقال له القاضى: «قد ثبت عندى أنّ له ورثة، ولا سبيل أن أدفع المال إلا لورثته»، فغضب منه الأتابكى، وهمّ بعزله، واستدعى بالشيخ برهان الدين إبراهيم الأبناسى ليولّيه القضاء، فغيّب منه واختفى.
وفيه خلع على عمر العجمى، وأعيد إلى الحسبة، عوضا عن ابن عرب، ورسم على ابن عرب ليقوم بما وعد به الأتابكى برقوق حتى قرّره فى الحسبة، فتسلّمه أيدكار حاجب ثانى.
وفى يوم الخميس سلخ الشهر، أخلع السلطان على الشيخ بدر الدين محمد بن أبى البقا
стр. 914
السبكى، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية، عوضا عن برهان الدين بن جماعة، وخرج ابن جماعة فى ذلك اليوم إلى القدس بطّالا.
وفيه قدم البريد وأخبر بوفاة نائب حلب، بعد رجوعه من محاربة ابن ذلغادر، فلم يظفر به، فثنى عزمه إلى نحو بلاد ابن أوزر، فداس بيوته، ففرّ منه إلى الجبل، فعاد إلى تلّ حمدون بريد مدينة مرعش، فمرض هناك مرضا مهولا، فعاد إلى حلب، فمات بها.
وفى شهر ربيع الأول، فيه فوّض قاضى القضاة بدر الدين محمد بن أبى البقا السبكى الشافعى، أمانة الحكم، إلى شهاب الدين أحمد الزركشى؛ وفوّض نظر أوقاف مصر العتيقة، إلى شمس الدين محمد بن الوحيد؛ وفوّض نظر أوقاف القاهرة، إلى جمال الدين محمود العجمى، المحتسب؛ واستناب فى الحكم تقىّ الدين عبد الرحمن الزبيرى، أحد موقّعى الحكم؛ وأقرّ صدر الدين محمد المناوى، وعمر بن رزين، على خلافة الحكم؛ وجاء بدر الدين فى القضاء على الأوضاع الشرعية، وفاق من تقدّمه فى القضاء.
وفيه شرع الأمير، مشير المملكة، جركس الخليلى، [فى] (١) عمل جسر بين الروضة وبين جزيرة أروى، طوله ثلثماية قصبة، وعرضه عشر (٢) قصبات؛ وحفر فى وسط مجرى النيل خليجا إلى الزربية، وقصد بذلك ليعود الماء أيام النيل، إلى البرّ الشرقى، ويستمرّ جاريا بطول السنة.
فكان الأمير جركس يحمل التراب فى قفّة بنفسه، هو ومماليكه، بسبب عمل هذا الجسر، فأنفق على عمله مالا له صورة، وأصرف ذلك من ماله دون مال الأمراء؛ فما (٣) تمّ أمر هذا الجسر، فظنّ أنّ ذلك يتمّ له، وكان البحر فى تلك السنة قد احترق احتراقا زائدا، فجعلوا فى ظاهر هذا الجسر خوازبق خشب سنط، كل خازوق طوله نحو ثمانية أذرع، وسمّر عليهم أفلاق خشب نخل، وردم عليهم بالتراب، وانتجز (٤) العمل من هذا الجسر فى مدّة شهرين، وكانت همّة عالية، مع المصروف الزائد.
стр. 915
وقد قالت شعراء العصر فيه عدّة مقاطيع، فمن ذلك قول الأديب عيسى بن حجّاج:
جسر الخليلى المقرّ لقد رسا … كالطود وسط النيل كيف يريد
فإذا سألتم عنها قلنا لكم … ذا ثابت دهرا وذاك يزيد
وقال الشهاب بن العطّار:
راعى الخليلى قلب الماء فحين طغى … بنى على قلبه جسرا وحيّره
رأى ترمّل أرضيه وحدّتها … والنيل قد خاف يغشاها فجسّره
وقال بدر الدين بن الصاحب:
أميرنا جركس الخليلى … بكل ما يشتهى مظفّر
قد غالب النيل منه سعد … حتى على قلبه تجسّر
فلما زاد النيل وبلغ ثمانية عشر (١) ذراعا، أقلب ذلك الجسر جميعه، وأكله الماء، ولم يفد مما عمله الخليلى شيئا، وراح تعبه فى الفارغ المشغول؛ وفى ذلك يقول ابن العطّار:
قد قطع الجسر ماء نيل … ولم يراع (٢) له خليل
تيّاره صار مثل سيف … يقطع والماء له نصول
وفيه خرجت تجريدة إلى عربان البحيرة، فخرج فيها من الأمراء خمسة أمراء مقدّمين ألوف (٣)، وهم: بهادر الجمالى، وقطلوبغا الكوكاى، وأحمد بن يلبغا الخاصكى، وقردم الحسنى، وألأبغا العثمانى؛ وأربعة أمراء طبلخانات، وعشرة أمراء عشرات، ومن المماليك السلطانية مائتى مملوك (٤)؛ فلما توجّهوا إلى البحيرة، هربت العرب من وجههم، فساقوا من مواشيهم نحو ثلاثة آلاف رأس من الغنم الضأن، وستة آلاف رأس من المعز، ورجع العسكر وهم فى غاية النصر.
стр. 916
وفيه قدم البريد وأخبر أنّ حسين بن أويس، متملّك بغداد، قتله أخوه أحمد بن أويس، واستقرّ عوضه فى مملكة بغداد، وكان ذلك بإشارة خواجا شيخ الكججانى؛ وكان حسين بن أويس حسن السيرة، عادلا فى الرعيّة. - وفيه توفّى الخطيب جمال الدين الإسنوى، وكان من أعيان الشافعية.
وفى شهر ربيع الآخر، قدمت الأخبار بوفاة العلامة الشيخ شرف الدين محمد الأرزنجانى الحنفى، شارح كتاب المشارق، وشارح الكشاف، وكان إماما فاضلا من أعيان علماء الحنفية، ومن وقف على تآليفه عرف مقداره فى علومه. - وفيه خلع على الأمير قطلوبغا أبو درقة، واستقرّ فى ولاية دمياط، عوضا عن محمد بن قرابغا.
وفى شهر جمادى الأولى، فيه كان وفاء النيل المبارك، أو فى تاسع عشر مسرى، وكان توقّف عدّة أيام، وأرجف الناس أن يقع الغلاء، فبعث الله تعالى بالزيادة، حتى أوفى (١) وخاب أمل الخزّان؛ وفيه يقول بعضهم:
مذ نقص النيل ليالى الوفا … وامتنع البرّ من البرّ
رأى لقلبى البرّ فى كسره … فخصّه بالجبر فى الكسر
وفيه خلع على قراجا، واستقرّ فى ولاية قليوب؛ وأخلع على جمال الدين محمود، المحتسب، خلعة الاستمرار فى الحسبة، وكان قد أرجف بعزله.
وفيه قدمت رسل الفنش، متملّك إشبيلية، بسبب الإفراج عن تكفور حاكم سيس، فأجيب إلى ذلك. - وفيه ركب السلطان ونزل من القلعة، وتوجّه إلى الميدان الكبير الناصرى، وحكم به ثلاثة (٢) سبوت متوالية، ثم أبطل (٣) ذلك لغرق الميدان بماء النيل.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه خلع على مقبل الطيبى، وقرّر فى ولاية قوص، عوضا عن ابن المزوق؛ وخلع على علاء الدين الطشلاقى، وأعيد إلى ولاية قطيا.
وفيه قدم الأمير آقبغا الماردينى، كاشف الوجه القبلى، فلما مثل (٤) بين يدى السلطان،
стр. 917
قبض عليه، ووضع فى الحديد، وسجن بخزانة شمايل، وقد كثرت فيه المرافعات من الفلاحين، لقبح سيرته وإسفاكه للدماء، وأخذه إلى الأموال بغير حقّ.
وفيه قبض الأتابكى برقوق على خان بن قرمان، كاشف الوجه البحرى، وضرب ضربا مبرحا بين يدى الأتابكى برقوق، وسلّمه إلى حاجب الحجّاب.
وفيه قدم جماعة من الأرمن من مدينة سيس، فى طلب من يقوم بأمرهم، وقد مات نائبهم، فسعى بعض النصارى الأسرى الذين (١) بالكوم، فيما بين جامع ابن طولون ومصر العتيقة، لشخص خمّار يبيع الخمر، فأخلع عليه، واستقرّ فى نيابة سيس، عوضا عن النائب الذى كان بها، فعدّ ذلك من نواقص الأتابكى برقوق.
وفى شهر رجب، فيه توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن قاضى القضاة بدر الدين العقيلى الشافعى، وكان عالما فاضلا، مولده سنة عشرين وسبعمائة. - وتوفّى أيضا قاضى القضاة المالكية، بدر الدين عبد الوهاب الأخناى، وقد ولى قضاء المالكية بمصر غير ما مرة، ومات معزولا عن القضاء.
وفيه استقرّ الأمير أسنبغا المنجكى، كاشف الوجه القبلى، عوضا عن الأمير آقبغا الماردينى. - وفيه استقرّ بهادر، أستادار الأمير طبج، كاشف الوجه البحرى، عوضا عن ابن قرمان.
وفيه انتهت زيادة ماء النيل إلى ثلاث أصابع من عشرين ذراعا، فعدّ ذلك طوفانا. - وفيه صنع الأمير المشير جركس الخليلى، أمير آخور كبير، طاحونا فى مركب عند بسطة المقياس، يدوّرها (٢) الماء مثل الرحى (٣)، برسم طحن القمح فتجعله دقيقا، فأتى (٤) إليها الناس أفواجا، أفواجا، لرؤيتها؛ وفى ذلك يقول الشهاب بن العطار:
سر لطاحون الخليلى التى … تدور بالماء بمصر حقيق
قد شنّفت من وصفها مسمعى … لأنه من كل وجه دقيق
وفى شهر شعبان، وفيه نقل الأمير مأمور القلمطاوى إلى نيابة طرابلس، وكان
стр. 918
نائب حماة؛ ونقل الأمير كمشبغا الحموى، من نيابة طرابلس إلى نيابة دمشق. - وفيه قبض على الأمير جنتمر أخى طاز، وسجن بقلعة دمشق، ثم نقل إلى قلعة المرقب.
وفيه خلع على الأمير يلو، الحاجب بدمشق، واستقرّ فى نيابة حماة، عوضا عن الأمير مأمور؛ ونقل الأمير طرنطاى الكاملى، من نيابة سيس، إلى حجوبية دمشق؛ وخلع على تمراز العلاى، واستقرّ فى ولاية البهنسا، عوضا عن طاجار.
وفيه أشيع عن جماعة من مماليك الأسياد، الذين (١) فى خدمة الأتابكى برقوق، أنّهم قد اتّفقوا مع طائفة من المماليك السلطانية، أنّهم ي [دخلوا على الأتابكى برقوق وقت القايلة، ويقتلوه] (٢) وهو نائم على فراشه، وكان الذى أثار هذه الحركة شخص يقال له أيتمش الخاصكى؛ فلما كان وقت القايلة من يوم الثلاثاء سادس عشرينه، دخل برقوق إلى المبيت الذى بالمقعد بباب السلسلة، وكان عنده شخص (٣) من الخاصكية يقال له شيخ الصفوى، يكبّسه.
فلما أراد برقوق أن يستغرق فى النوم، اتّكأ (٤) شيخ الصفوى على جنبه بقوّة بالغة، فقام برقوق من النوم وجلس، وقال لشيخ الصفوى: «إيش الخبر»؟، فقال له شيخ: «إنّ أيتمش الخاصكى اتّفق مع مماليك الأسياد، وجماعة من مماليك السلطان، أن يدخلوا عليك فى هذه الساعة ويقتلوك»، فسكت (٥) برقوق ساعة، وإذا بأيتمش الخاصكى قد دخل عليه، فلما رآه برقوق قام إليه وضربه بقوس كباد كان إلى جانبه، فأرماه إلى الأرض، وداس عليه برجله، وقال له: «يا مرا (٦)، [يا] علق، الذى يريد يقتل الملوك يقع إلى الأرض من ضربة واحدة بقوس كباد»؟.
ثم خرج برقوق من المبيت، وقبض على أيتمش، وسجنه بالبرج الذى بباب
стр. 919
السلسلة، ثم طلب نقيب الجيش، فلما حضر، قال له: «در على مماليك الأسياد، واقبض عليهم أجمعين»؛ فنزل من عنده، وطاف عليهم وهم فى اصطبلاتهم، فقبض منهم فى ذلك اليوم على خمسة وستين مملوكا، فسجنهم بخزانة شمايل، وقيّدهم.
ثم فى أواخر النهار قبض على سبعة عشر مملوكا من أغواتهم، وسجنهم بالبرج الذى بباب السلسلة؛ ثم نادى فى القاهرة: «من أخفى (١) مملوكا من مماليك الأسياد، شنق على باب داره من غير معاودة».
ثم إنّ الأتابكى برقوق لما أصبح، نفى منهم جماعة إلى قوص، وغرّق منهم جماعة فى البحر، وأرسل منهم جماعة إلى خزانة شمايل (٢)، ونفى أيتمش الخاصكى، وبطا الأشرفى، إلى الشام، وقبض على الأمير ألأبغا العثمانى الدوادار، وأخرج إلى الشام بطّالا؛ ثم إنّ برقوق أخذ فى أسباب إظهار سلطنته، وقد لاح له لوائح النصر؛ واستمرّ الحال فى اضطراب، وكثر القال والقيل (٣) فى هذه الأيام إلى الغاية.
وفى شهر رمضان، فيه أخلع على الأمير بيرم، واستقرّ فى ولاية أشموم الرمان. - وفى هذا الشهر قوى حلف الأتابكى برقوق، وصار له عدّة مماليك من الجراكسة، جلبوا إليه من بلاد جركس، وأنعم على جماعة كثيرة من الخاصكية بإمريات طبلخانات وإمريات عشرات، وقرّب الأمير أيتمش البجاسى، حتى صار من أعزّ أصحابه، وكذلك جماعة من الأمراء المقدّمين الألوف (٤)، وصاروا فى قبضته، قاتلين معه مقتولين، فعند ذلك صار ما على يده يد، وكان قد ضعف أمر دولة بنى قلاون، وصار غالب العسكر مماليك جراكسة، وانحطّ قدر الأتراك لما ظهر أمر الجراكسة، فعند ذلك أخذ الأتابكى برقوق فى أسباب أمر سلطنته.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان، رسم الأتابكى (٥) برقوق لنقيب
стр. 920
الجيش أن يدور على الأمراء المقدّمين، بأن يطلعوا بالشاش والقماش، ثم جلس بالحرّاقة التى بباب السلسلة، وأرسل خلف أمير المؤمنين محمد المتوكّل على الله، فحضر، وحضرت القضاة الأربعة، وهم: قاضى القضاة الشافعى بدر الدين محمد أبى البقا السبكى، وقاضى القضاة الحنفى صدر الدين محمد بن منصور، وقاضى القضاة المالكى جمال الدين محمد بن خير السكندرى، وقاضى القضاة الحنبلى نصر الله بن محمد العسقلانى، وحضر القاضى كاتب السرّ بدر الدين محمد بن فضل الله العمرى.
فلما تكامل المجلس من الأمراء والقضاة، وحضر شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وولده الشيخ بدر الدين محمد، فقام القاضى كاتب السرّ فى وسط المجلس، وقال مخاطبا للخليفة: «يا مولانا أمير المؤمنين، ويا سادات القضاة، إنّ أحوال المملكة قد فسدت، وتزايد فساد العربان فى البلاد، من الشرقية والغربية والصعيد، وقد خامرت النوّاب وخرجوا عن الطاعة، والأحوال غير صالحة، وإنّ الوقت محتاج لإقامة سلطان كبير (١) من الأتراك، تجتمع فيه الكلمة، ويردع العربان، ويمهّد البلاد، ويسكّن الاضطراب، ويقمع أهل الفساد، فإنّ السلطان الملك الصالح صغير السنّ، وقد قلّت (٢) حرمته فى البلاد وبين الناس».
فالتفتت القضاة إلى أمير المؤمنين، وقالوا له: «إنّ من الرأى (٣) أن يتسلطن الأتابكى برقوق»، فقال شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى: «هذا هو الرأى».
فخلع الخليفة الملك الصالح أمير حاج حاجى من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم عند إخوته، وسيعود إلى السلطنة مرة أخرى، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
فكانت مدّة سلطنة الملك الصالح أمير حاج بالديار المصرية، سنة وسبعة أشهر وأيام، وبه زال الملك عن بنى قلاون، كأنّه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه،
стр. 921
ولا يتحوّل؛ وقد أقامت (١) المملكة فى قلاون وأولاده وذريته، مائة سنة وثلاث سنين، ويتصرّفون فى أحوال المملكة بما يختارونه من الأمور، وقد مات غالب ذرية قلاون بالسيف، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فكان الملك الصالح آخر من تسلطن من ذرية قلاون بمصر، وقد صحّ ما أخبر به أرباب الملاحم، بقولهم من أبيات:
تمّت ولايتهم بالحاء لا أحد … من البنين يدانى الملك فى الزمن
وقد أعنى بالحاء عن القرن الثامن، تنقرض فيه دولة بنى قلاون، لأن الحاء بثمانية، فأعنى بها عن ثمانية أنفس، تلى الملك من أولاد محمد بن قلاون، وأولاد أولاده.
انتهى ما أوردناه من أخبار دول بنى قلاون، وذلك على سبيل الاختصار منها، تمّت.
стр. 922
ذكر ابتداء دولة الجراكسة عند ما زالت دولة بنى قلاون الألفى
وكان ابتداؤها [١] يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، فكان أول ملوك الجراكسة بمصر الظاهر برقوق بن آنص العثمانى المسلم.
وكان برقوق من خلاصة الجراكسة، من قبيلة يقال لها «كسا»؛ نقل بعض الثقاة من المؤرّخين، أنّ قبيلة كسا كانت من نسل جبلة بن الأيهم بن الحرث الأعرج ابن أبى شمر الغسّانى، من قبيلة [بنى] [٢] غسّان؛ وكان جبلة من فرسان العرب، قيل كان طوله اثنى عشر شبرا، وكان إذا ركب الفرس يمسح الأرض برجليه وهو راكب.
قال صاحب كتاب «روضة المناظر فى أخبار الأوائل والأواخر»، إنّ أول من ملك الشام من بنى غسّان بن جفنة بن عمرو بن ثعلبة من ولد مريقيا، فدانت له قبيلة قضاعة، ثم نقل الملك فى أبنائه إلى أن انتهى إلى جبلة بن الأيهم، الذى تنصّر فى زمن عمر بن الخطاب، ﵁.
وكان أصل غسّان من قبيلة بنى الأزد، من ولد كهلان بن سبأ، وقد خرجوا من اليمن وتوجّهوا إلى الشام، فنزلوا بها فى ضيعة من أعمال الشام، يقال لها غسّان، فسمّوا بها، فقيل لهم بنو غسّان.
وكان ابتداء ملك بنى [٣] غسّان قبل الإسلام بأربعمائة سنة، وقال الشيخ شرف الدين محمود بن أبى الغنائم الحسينى، فى شرح المقدمة المعروفة «بتذكرة أولى الألباب فى أصول الأنساب»، إنّ ملوك بنى غسّان أولهم الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة
стр. 923
ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان، ويكنى الحرث بأبى شيمر؛ ثم تداول ملك الشام منهم سبعة وثلاثون ملكا، وكان مدّة ما ملكوا من السنين ستمائة سنة وست عشرة سنة، إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم.
قال أحمد بن عمر الكوفى: إنّ جبلة بن الأيهم الغسّانى، كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وهو بالشام، يطلب إذنه فى القدوم عليه ليسلم على يديه، فسرّ عمر بذلك، وكتب إليه أن يقدم عليه ويسلم، ويصير له ما لنا (١) وعليه ما علينا.
فخرج جبلة من الشام فى جمع كثير من العربان من قومه، فلما قرب من المدينة ألبس القوم الذين (٢) حضروا صحبته حللا من الحرير المذهّب، وجلّل الخيول بأجلال من الأطلس الأحمر، ولبس هو تاجا نفيسا مكلّلا بأنواع من الجواهر الفاخرة، فلم يبق بالمدينة أحد، حتى خرج ينظر إلى جبلة فى موكبه، وكان يوما مشهودا.
فلما دخل المدينة، أسلم على يدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وحسن إسلامه، ثم أقام بالمدينة مدّة وهو على الإسلام؛ فلما كان موسم الحاج، خرج عمر بن الخطاب، ﵁، يحجّ بالناس، فخرج جبلة صحبته إلى مكّة يريد الحجّ، فلما دخل إلى مكّة وضع على رأسه سحابة من خزّ، تظنّه من حرّ الشمس، وكان عادة ملوك الشام على ذلك.
فبينما جبلة يطوف بالبيت، فجاء خلفه رجل من فزارة ووطئ إزاره، فالتفت جبلة.
إلى ذلك الرجل، ولطمه لطمة، هشّم أنفه، وقلع عينه؛ فتوجّه ذلك الرجل إلى عمر ابن الخطاب، ﵁، وشكا (٣) إليه ما صنعه به جبلة.
فأرسل خلفه، فحضر، فقال له: «ما دعاك إلى ما صنعت بهذا الرجل الفزارى»؟ فقال له جبلة: «قد وطئ كسائى (٤)، حتى أرمى (٥) التاج من على رأسى،
стр. 924
وحلّ كسائى، ولولا حرمة بيت الله لأرميت رأسه فى الحرم». فقال له عمر، ﵁: «قد أقررت بفعلك، فإما أن ترضى خصمك، وإما أن أقاصصك»، قال:
«أو تقتصّ له منى، وهو رجل فزارى سوقى، فتفقع عينى كما فقعت عينه، وأنا جبلة ابن الأيهم ملك غسّان»؟ فقال له عمر، ﵁: «قد جمعك أنت وإياه الإسلام، فلا فضل لك عليه فى القصاص»، قال جبلة: «هيهات، لقد رجوت أن أكون فى الإسلام أعزّ ما كنت فى الجاهلية، والآن أنا أتنصّر»، فقال له عمر، ﵁:
«إن تنصّرت ثانيا ضربت عنقك»، فقال جبلة: «أمهلنى إلى غد يا أمير المؤمنين»، فقال: «لقد أمهلتك إلى غد».
فلما كان الليل خرج جبلة وأصحابه من مكّة، وسار قاصدا إلى نحو القسطنطينية، ونزل بها، وقابل ملكها هرقل، وأهدى إليه الأموال الجزيلة، وأشياء كثيرة من الجواهر والتحف التى معه، وأقام عنده باقسطنطينية (١) إلى أن مات بها، وقد سبق عليه الشقاء فى أمّ الكتاب، حتى مات نصرانيّا، بعد ما أسلم على يدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وحسن إسلامه.
ولما أقام باقسطنطينية استنسل هناك نسلا كثيرا، فكثر نسله فى البلاد، وهم العرب المتنصّرة، وسكنوا ببلد تسمى كسا، بالقرب من أرض الروم، فاكتسبوا هذه العجمة فى ألسنتهم، وقد استدلّوا على أنّ الجراكسة من العرب لسمرة (٢) ألوانهم، وإلى نحافة (٣) أبدانهم.
قال قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى، فى تاريخه المستقلّ بأصلهم: «ليس من نسل جبلة بن الأيهم إلا الذى تنصّر بأرض الروم، غير القبيلة المعروفة بكسا، وهى ضيعة منعوجة عن أرض الروم، وهى أرض ذات أنهار وأشجار وفواكه كثيرة، ولها بيوت فى الجبال من الخشب كبيوت الشعر، وهى رحّالة نزّالة، ليس لهم ملك
стр. 925
يحكم عليهم، فصارت هذه القبيلة تسمى قبيلة الجراكسة، بسبب جرّ كساء جبلة بن الأيهم، كما تقدّم ذكر ذلك»، والله تعالى أعلم بصحّة ذلك.
قال الأديب البارع ناصر الدين محمد بن قانصوه من صادق، هذه القصيدة اللطيفة فى معنى ما تقدّم ذكره، وهو قوله [١]:
حبذا من زانه أدب … وله من جركس نسب
جركسى قانصوه … أبى نسل سلطان كسا لقّب
جركس نسل الملوك وما … عزّهم فى مصر مكتسب
أيهم المذكور جدّهم … من إلى غسّان ينتسب
وأبوهم مثله ملك … وكذا آباؤه النجب
هذه بالحق نسبتهم … وبصدقى تشهد الكتب
أدبى فى الكتب شاهدها … وهو فى ضبطى لها السبب
حقّ لى أن حزت نسبتهم … أنا منهم لى بهم حسب
ملكوا مصرا وأوّلهم … ملك برقوق وانجلبوا
واستمرّ الملك إرثهم … وهمو من قبل فيه ربوا
وخيول العزّ تحتهم … بسروج كلّها ذهب
وملوك الجنّ ترهبهم … من سطاهم والسطا عجب
لو أرادوا الراسيات من ال … أرض جذبا بالقنا جذبوا
وهمو فى نظم عزّهم … جوهر أو لؤلؤ رطب
واستمرّوا فى النظام إلى … زمن الغورى فانتكبوا
ذهبوا مذ أظلموا وسروا … فيه عن طريق الهدى ذهبوا
وانمحى ذاك النظام ومن … نظم ذاك العزّ قد سلبوا
أصل سلب العزّ خلفهم … وهو منهم بل هم السبب
стр. 926
سار من مصر إلى حلب … فى رداء والردا العجب
معه ساروا إلى حلب … لقتال الروم وانتدبوا
والتقوا فى دابق وهمو … مائتا ألف وما غلبوا
ذكروا الأروام ثارهم … مع قايتباى فالتهبوا
رام بغيا أرضهم ونسى … ثارهم هذا هو العجب
وسيوف الثار فى يدهم … وبها أعناقهم ضربوا
قد أراد الله نصرتهم … فيهم من بعد ما غلبوا
طلب النصر العزيز بهم … وسوى ما رامه طلبوا
هربوا فى وقت نصرتهم … عند ما للحرب قد ندبوا
واتوا مصرا ودورهم … خربوا من بعد ما نهبوا
وابن عثمان المظفر من … خلفهم والنار تلتهب
كم فنى منهم أسود وغى … كان منها الموت يرتقب
تترك الآساد من وجل … فى الثرى بالموت تضطرب
كان طومان باى آخرهم … ملكا، أعنى الذى صلبوا
ثم صار الملك منه له … بعد أمر وانتهى الطلب
وعفا عن بعضهم كرما … مذ له أرواحهم وهبوا
وغدوا من بعض عسكره … حيث فى ديوانه كتبوا
رفعوا من بعد خفضهم … بحروف الجرّ وانتصبوا
هكذا فعل الزمان وإن … يصف يكدر وكلّه كرب
من يعش بالسيف مات به … من تعالى سوف ينقلب (١)
عجبوا والعجب ذوقهم … منه ما ذقوه مذ عجبوا
ورأوا فيهم عوامله … حيث منها قد خبوا وحبوا
وفجا بالصفو نحوهم … بعد صرف درسه القضب
стр. 927
لا عجيب أن أكن لسنا … جركس من أصلها عرب
لفظى السحر الحلال طلى … وعليه نسبتى حبب
حبذا من زانه حسب … حبذا من زانه أدب
انتهى ذلك.
وقد عنّ لى قبل دخولى إلى أخبار دولة الملك الظاهر برقوق، أن أورد هاهنا خطبة لطيفة فى ابتداء دولة الجراكسة، وهى هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذى أعزّ الإسلام بعد الخلفاء الراشدين، بالجراكسة المسلمين، من ملوكها وأمرائها وجنودها، وهم أهل العزّ والشرف والتمكين، وجعل سطوتهم باسطة على كل الملوك، من ارتحل منهم، ومن أقام من نسل يافث وسام وحام، وأيّده من بعدهم بملوك الأروام، وجعلهم فى أفق ملكه نجوما، يهدى بها من ضلّ من الأنام، أحمده إذ اختار أن يكون سلطاننا برقوق جركسيّا، ومن قبيلة يقال لها كسا، وأشكره إذ جعل كل جركسى مثله، من نسل جبلة بن الأيهم، فى شرف عزّه عند الصباح والمساء، وصلّى الله على سيدنا محمد، الذى شرفت به قبائل العرب على سائر العجم، من كل ذى علم وفخر ونسب، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، ما ازداد شرف من انتسب بالعلم والحكمة والأدب.
شعر:
حسن ابتداء به أرجو التخلّص من … نار الجحيم وهذا حسن مختتمى
стр. 928
ذكر سلطنة الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق ابن آنص العثمانى الجركسى الجنس الكسائى
وهو أول ملوك الجراكسة بالديار المصرية، وهو الخامس والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة بعد خلع الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان بن حسين، ولى الملك فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان المعظّم قدره، سنة أربع وثمانين وسبعمائة، ووافق ذلك اليوم آخر يوم من هاتور.
فلما جلس على سرير الملك أمطرت السماء مطرا غزيرا، حتى أوحلت الأرض فى ذلك اليوم، فاستبشرت الناس بذلك. - قال الشيخ تقى الدين المقريزى فى كتاب السلوك (١): إنّ الظاهر برقوق ولى ملك مصر؛ وله من العمر سبعة وخمسون سنة، فإنّه ذكر من لفظه أنّ مولده ببلاد جركس، كان فى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
وكان صفة ولايته أنّه لما صلّى صلاة الظهر، وحضر أمير المؤمنين محمد المتوكّل على الله، والقضاة الأربعة، وهم المقدّم ذكرهم، وحضر شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، فبايعه الخليفة بالسلطنة، ولقّبه شيخ الإسلام سراج الدين، بالملك الظاهر، لأنّه ولى الملك وقت الظهر، وهو مأخوذ من الظهيرة، وقد ظهر أمر سلطنته فى ذلك الوقت؛ فأشار بهذا اللقب له.
ثم أحضروا له خلعة السلطنة، وهى جبّة سوداء، بطرز ذهب، وعمامة سوداء، بعذبة سابلة، وسيف بداوى (٢)، مقلّد به حمائلى، وركب من الحرّاقة التى بالاصطبل، وطلع من باب السرّ إلى القصر، والأمراء مشاة بين يديه بالشاش والقماش، والمقرّ السيفى أيتمش البجاسى، حامل القبّة والطير على رأسه، ومشى (٣) قدّامه الأوزان
стр. 929
والشعراء، والشبابة السلطانية، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، من كبير وصغير.
وفى حال جلوسه على سرير الملك أمطرت السماء مطرا غزيرا، كما تقدّم، ثم دقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة ومصر العتيقة، فارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة، وزيّنت له القاهرة سبعة أيام، وفرح غالب الناس بسلطنته.
وكتب إلى أعمال المملكة بذلك، وسارت البرد (١) إلى البلاد الشامية والحلبية بذلك، وكتب إلى سائر أعمال الديار المصرية بذلك، كثغر الإسكندرية، وثغر دمياط، وسائر الثغور.
وكانت سلطنة برقوق بالقوّة، فإنّه كان من غير بيت المملكة، ولم يكن يستحقّ لذلك، ولكن ساعدته الأقدار على بلوغ الأوطار، فقويت شوكته، واستضعف أمر بنى قلاون، ونزع أيديهم من الملك واستقلّ به، وكل مفعول جائز.
أقول: وكان أصل الظاهر برقوق جركسى الجنس، ولد بضيعة يقال لها كسا، وكان مولده سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فلما كبر وصار صبيّا، سرق من بلاده، وأبيع ببلاد القرم، فاشتراه الخواجا فخر الدين عثمان بن مسافر، وجلبه إلى مصر، فاشتراه منه الأتابكى يلبغا العمرى الخاصكى، وكما اسمه «ألطنبغا» فسمّاه يلبغا «برقوق»، لفتور كان بعينه.
ثم إنّ يلبغا أعتقه، وجعله من جملة مماليكه الأجلاب، فلما قتل يلبغا، وقبض على مماليكه، فسجن برقوق بسجن الكرك، فأقام به مدّة، ثم أفرج عنه، فتوجّه إلى دمشق، وخدم عند الأمير منجك، نائب الشام؛ فلما طلب الأشرف شعبان مماليك يلبغا، وقرّبهم، فحضر برقوق إلى مصر مع من حضر، وصار فى خدمة الأسياد، أولاد الأشرف شعبان، واستمرّ على ذلك إلى أن قتل الأشرف شعبان.
وقيل لما توفّى الأمير منجك، واحتاط الأشرف شعبان على موجوده، أخذ برقوق مع جملة مماليك منجك، فجعله خاصكيّا، ثم نقله من الخاصكية إلى إمرة طبلخانات،
стр. 930
ثم أنعم عليه بتقدمة ألف، ثم بقى أمير آخور كبير، ثم بقى أتابك العساكر، ومدبّر المملكة، فى دولة الملك المنصور على بن الأشرف شعبان، ثم بقى سلطان الديار المصرية بعد خلع الملك الصالح أمير حاج حاجى.
فلما تسلطن برقوق هنّته (١) الشعراء بقصائد سنيّة، منها قول الشهاب أحمد ابن العطّار:
ظهر يوم الأربعاء ابتدى … بالظاهر المعتزّ بالقاهر
والبشر قد عمّ وكل امرئ … منشرح الباطن بالظاهر
وقال القيم خلف الغبارى، من زجل:
أشرقت شمس دولة المسلمين … وزها نجم سعدها الزاهر
وصبح يوم العدل نورو ظهر … واختفا ليل الظلم بالظاهر
مصر صارت روضة بهذا الملك … زاهيا طيب عبيرها منشوق
وبالأحمر تفاحها فى البياض … قد تخضّب لسلطنة (٢) برقوق
ورأينا المشمش بلا زعفران … صار مخلّق بجملة المخلوق
حمل البان صناجقو الزاهرة … قابلتها شطفات من التامر
زعق الطير: شاويش، وغنّا الحمام … رقص الغصن والنسيم زامر
ورخّوا ما جرى سنة أربعة … وثمانين وسبعمائة عام
أنعم الله بعد الغلا بالرخا … إنّ لله على العباد أنعام
وفى تاسع عشر الصيام انتصب … ملك العصر الظاهر الأحكام
وفى عشرو الأخير سمعنا الخبر … بيه يا قلبى فى العاشر اتباشر
فما أبرك صباح هذا التاسع … وما أسعد مسا هذا العاشر
ذى المليك الظاهر بسيفو ورث … ملك يوسف وأصبح عزيز مصر
وإن يقولوا فى مصر كان الوليد … ابن مصعب لو اسم فى عصرو
стр. 931
قد حوا ميت ألف أدهم وكان … جمع جيشو الجمع فى قصرو
قلت فرعون لما ملك ما ملك … اسم غافل عن طاعة الغافر
وما بين ذا وبين ها ذاك قياس … لنّ (١) هذا مسلم وذاك كافر
وهذا القدر كاف (٢) هنا من هذا الزجل.
وفيه فى يوم الاثنين رابع عشرينه، قرئ عهد السلطان بالقصر الكبير، وحضر الخليفة محمد المتوكّل على الله، وحضر شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، وقضاة القضاة الأربعة، وأعيان الدولة، وأعيان المباشرين، وحضر سائر الأمراء المقدّمين، وجلس القاضى كاتب السرّ بدر الدين محمد بن فضل الله على كرسى، وقرأ عهد السلطان.
ثم فى ذلك اليوم حلّف السلطان الأمراء لنفسه، من كبير وصغير، فحلفوا أجمعين أن يكونوا تحت طاعته، ولا يخونوه، ولا يغدروه.
ثم إنّ السلطان فى صبيحة ذلك اليوم عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقرّ السيفى أيتمش البجاسى، واستقرّ به أتابك العساكر بالديار المصرية، عوضا عن نفسه؛ وأخلع على الأمير سودون الشيخونى، واستقرّ به نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا المعلّم، واستقرّ به أمير سلاح، عوضا عن قطلوبغا الكوكاى؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا الجوبانى، واستقرّ به أمير مجلس؛ وأقرّ الأمير جركس الخليلى، أمير آخور كبير، على عادته، ومشير المملكة؛ وأخلع على الأمير قردم الحسنى، وأقرّه رأس نوبة النوب، على عادته؛ وأخلع [على] (٣) قطلوبغا الكوكاى، واستقرّ به حاجب الحجّاب، عوضا عن الأمير سودون الشيخونى الفخرى، بحكم انتقاله إلى نيابة السلطنة؛ وأخلع على مملوكه الشرفى يونس، وقرّره فى الدوادارية الكبرى، عوضا عن ألأبغا.
стр. 932
وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، وعلى جماعة بإمريات طبلخانات، وعلى جماعة بإمريات عشرة؛ ثم إنّه فرّق الإقطاعات على الخاصكية، وأرضى (١) سائر الجند بكل ما يمكن.
فلما قرئ عهد السلطان فى ذلك اليوم المقدّم ذكره، وانفضّ المجلس، أخلع السلطان على الخليفة، ونزل إلى داره، وأخلع على القضاة الأربعة، وعلى كاتب السرّ، وعلى شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وأخلع على الوزير، وعلى ناظر الخاص، وناظر الجيش، وأخلع على الأستادار، وأخلع على وكيل بيت المال، وعلى سائر أرباب الدولة من الأعيان، فنزلوا من القلعة وعليهم التشاريف، وكان يوما مشهودا، وكثر فيه التهانى والأفراح.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، وثبتت قواعد دولته، أخذ فى أسباب أمر النفقة على العسكر قاطبة، فأعطى (٢) لكل مملوك مائة دينار ذهب.
ثم إنّ السلطان أخذ فى أسباب القبض على جماعة من الأمراء، فقبض عليهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ ثم إنّه رسم بالإفراج عن جماعة من الأمراء ممن كان بالسجن، فأفرج عنهم، وحضروا إلى القاهرة.
ثم إنّه أخذ فى أسباب القبض على مماليك الأسياد، الذين (٣) كانوا يثيرون الفتن بين مماليك السلطان، فعند ذلك استقام أمره فى السلطنة، وخضعت له الرقاب قاطبة، وقد خدمه السعد فى سائر حركاته.
وفى شهر شوّال، خرج السلطان إلى صلاة العيد؛ وأبطل ما كان يحمل على رءوس السلاطين فى يوم العيد من أمر القبّة والطير، وكان هذا عادة قديمة، فأبطلها السلطان برقوق لما تسلطن.
وفى سابع عشره، توفّى الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب،
стр. 933
وكان ريّسا حشما، ولى وزارة مصر ست مرّات، ورأى من العزّ والعظمة أمرا عظيما (١)؛ وفى أواخر عمره تضعضع حاله، وافتقر إلى الغاية.
وفيه قدم الشيخ ولىّ [الدين] (٢) عبد الرحمن بن خلدون المالكى، من الغرب، فأكرمه السلطان، وأحسن إليه.
وفيه أخلع السلطان على القاضى أوحد الدين عبد الواحد بن إسمعيل بن ياسين، واستقرّ به فى نظر خزانة الخاص، ووكالة بيت المال؛ وأخلع على الأمير بهادر المنجكى، وقرّر فى أستادارية ولده الأمير محمد، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة، فصار أستادار السلطان، وولده أمير محمد.
وفيه عزل السلطان القاضى بدر الدين محمد بن على بن يحيى بن فضل الله العمرى، من كتابة السرّ؛ واستقرّ بمباشر ديوانه القاضى أوحد الدين عبد الواحد بن إسمعيل ابن ياسين التركمانى الحنفى، فأخلع عليه، واستقرّ به كاتب السرّ بالديار المصرية، عوضا عن بدر الدين بن فضل الله.
وفيه خلع على جمال الدين محمود بن على، المعروف بأصفر عينه، وهو صاحب المدرسة المحمودية التى فى القربيّين، واستقرّ شاد الدواوين.
وفى شهر ذى القعدة، فيه تغيّر خاطر السلطان على الصاحب علم الدين عبد الوهاب الطنساوى، المعروف بسنّ إبرة، وضربه ضربا مبرحا، ورسم عليه؛ ثم استدعى بالأسعد أبى الفرج النصرانى، كاتب الحوائج خاناة، وأمره بأن يسلم غصبا، فلما أسلم أخلع عليه، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش، واستقرّ به ناظر الدولة، ومتحدّثا على الوزارة؛ ثم فى عاشره أخلع على الصاحب علم الدين سنّ إبرة، وأعاده إلى الوزارة.
وفيه خلع على الأمير منكلى بغا الطرخانى، وقرّره حاجبا رابعا؛ ثم أخلع على الأمير جلبان العلاى، واستقرّ به حاجبا خامسا، ولم يعهد قبل ذلك بخمسة حجّاب
стр. 934
فى الدولة التركية، فعدّ ذلك من النوادر.
وفيه خلع على خير الدين العجمى، من صوفية خانقة شيخوا، وقرّره فى قضاء الحنفية بالقدس، ولم يعهد قبل ذلك بالقدس قاضى حنفى قبله؛ وخلع على موفّق الدين العجمى، من صوفية الخانقة الشيخونية أيضا، وقرّر فى قضاء الحنفية بغزّة، ولم يعهد قبل ذلك بغزّة قاضى حنفى قبله.
ومن الوقائع فيه، أن وقع بحث فى مسألة (١) فقهيّة، بين شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وبين الشيخ بدر الدين محمد بن الصاحب، فآل الأمر بينهما فى الجدال إلى أن كفّر الشيخ سراج الدين البلقينى بدر الدين بن الصاحب، فطلبه إلى مجلس قاضى القضاة جمال الدين عبد الرحمن بن خير المالكى، وأقام رجلا يدّعى عليه بأمور ثبتت عليه.
فآل الأمر إلى عقد مجلس بينهما، فحضر فيه قضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، وأعيان الفقهاء، وذكر ما يدّعى به عليه، فلم يثبت عليه شئ بوجه شرعى، فحكم بعض القضاة بعدم كفر بدر الدين بن الصاحب، وبقائه على دين الإسلام.
وفيه ركب السلطان، ونزل من القلعة، وتوجّه إلى بولاق، ثم عدّى من هناك إلى برّ الجيزة، فأقام هناك إلى آخر النهار، ثم رجع إلى القلعة؛ وكان صحبته الأتابكى أيتمش البجاسى، والشيخ أكمل الدين الحنفى، شيخ الخانقاة الشيخونية.
وفيه خلع على القاضى بدر الدين محمد بن مزهر، واستقرّ فى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن فتح الدين محمد بن الشهيد.
وفيه قدم البريد وأخبر بأنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، خرج منها، وصحبته عساكر حلب، وقد بلغه أنّ الأمير ألطنبغا السلطانى، نائب الأبلستين، قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، واستولى على قلعة درندة، وقبض على جماعة من أمراء الأبلستين، فركب عليه العسكر الذى بالمدينة، وحاربوه، وقتلوا جماعة [من] (٢) رجاله.
стр. 935
فلما رأى عين الغلب، طلب الأمان لنفسه، ثم خرج هاربا من الأبلستين؛ فلما وصل إليه نائب حلب، أرسل إليه مطالعة يهدّده فيها ويخيفه، فلم يرجع، وفرّ هاربا على وجهه إلى نحو بلاد التتر؛ فلما أيس منه نائب حلب، رجع إلى حلب وتركه.
وفيه ركب السلطان وتوجّه إلى نحو المطرية، فلما عاد، دخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة فى موكب حفل، فزيّنت له المدينة، ووقدت له الشموع على الدكاكين، ولاقته طائفة من اليهود والنصارى، وبأيديهم الشموع موقدة؛ فلما شقّ من القاهرة، ارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة، وكان ذلك اليوم مشهودا فى الفرجة، وهذا أول مواكب السلطان، ومروره من القاهرة.
وفى شهر ذى الحجّة، فيه خلع على الأمير قرا بلاط الأحمدى، واستقرّ كاشف الوجه البحرى، عوضا عن الأمير قرط، وعزل قرط بسبب قمح سيرته. - وفيه خلع على ولىّ الدين عبد الرحمن بن رشد، واستقرّ فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن علم الدين القفصى.
وفيه ورد البريد وأخبر بأنّ آقبغا، نائب غزّة، قد فرّ منها، وتوجه إلى الأمير نعير، أمير آل فضل. - وفيه أخلع السلطان على الأمير فرقموس الطشتمرى، واستقرّ به خازندارا كبيرا.
وفيه ركب السلطان وتوجّه إلى مصر العتيقة، ثم عدّى من هناك إلى برّ الجيزة، فأقام هناك إلى آخر النهار؛ ثم عدّى وأتى إلى بولاق، وطلع منها إلى القلعة.
وفيه قدم مبشّر الحاج، وأخبر بأنّ الحاج كان فى هذه السنة كثيرا جدّا، حتى قيل مات فى باب السلام، من كثرة ازدحام الناس، وقت دخول الحرم، نحو خمسين إنسانا.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: قاضى القضاة الحنفى بدمشق، همام الدين أمير غالب بن قوام الدين أمير كاتب الأتقانى.
وتوفّى قاضى القضاة بدر الدين عبد الوهاب بن الكمال أحمد بن قاضى القضاة علم الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران الأخناى المالكى، توفّى يوم الخميس سادس عشر رجب، ومات وهو معزول عن القضاء.
стр. 936
وتوفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن قاضى القضاة بدر الدين العقيلى الشافعى، وكان عالما فاضلا، من مشاهير العلماء، وكان مولده سنة عشرين وسبعمائة.
وتوفّى الصاحب الوزير كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب، فى سابع عشر شهر رمضان، وكان فى أواخر عمره افتقر حاله، حتى صار يسأل الناس بالقصص فى شئ يقتات به، هو وعياله.
وتوفّى علاء الدين على بن عمر بن محمد بن قاضى القضاة تقىّ الدين محمد بن دقيق العيد، موقّع الحكم، فى خامس عشرين صفر. - وتوفّى جمال الدين محمد ابن على بن يوسف الخطيب الإسنوى، أحد نوّاب الحكم الشافعية بالديار المصرية.
وتوفّى الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد الخالق الأسيوطى الشافعى، وكان من أعيان العلماء. - وتوفّى الأمير فخر الدين إيّاس الصرغتمشى، أحد الحجّاب، وكان أمير طبلخاناة. - وتوفّى الأمير زين الدين زبالة الفارقانى، نائب قلعة دمشق، وكان قد أناف عن السبعين؛ انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وسبعمائة
فيها فى المحرم، وقد أهلّ يوم السبت، فيه أخلع السلطان على ابن كاتب أزلان (١) إبراهيم القبطى، واستقرّ به فى الوزارة، عوضا عن سنّ إبرة الطنساوى، وقبض على سنّ إبرة (٢) وتسلّمه شاد الدواوين ليعاقبه على ما فى جهته من الأموال.
وفيه قدم الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فلما وصل إلى بلبيس خرج الأمير سودون، نائب السلطنة، إلى لقائه، وصعد به إلى بين يدى السلطان، فقبّل له الأرض، وجلس تحت الأمير سودون، النائب، ثم أنزلوه فى دار أعدّت له.
فكان فى ذلك عبرة، فإنّه بالأمس كان يلبغا الناصرى من جملة الأمراء الأشرفية، وبرقوق من جملة مماليك الأسياد، وكان إذا جمعه مجلس مع الأمير يلبغا الناصرى،
стр. 937
فيستمرّ برقوق واقفا (١) على أقدامه بين يدى يلبغا الناصرى، ما يقول له اجلس، فأصبح برقوق ملكا يقبّل له يلبغا الناصرى الأرض، ويمتثل أمره ونهيه، فسبحان مقلّب الأمور كما يشاء.
ثم إنّ السلطان برقوق أخلع على الأمير يلبغا الناصرى، خلعة الاستمرار على نيابة حلب، ونزل من القلعة فى موكب حفل، وقدّامه لأمراء المقدّمين، ومشى بين يديه سبعة حنائب من الخيول السلطانية، بسروج ذهب، وكنابيش زركش؛ فلما نزل فى المكان الذى أعدّ (٢) له، دخل عليه من السلطان والأمراء من أنواع التقادم ما لا ينحصر؛ فأقام بمصر أياما، ثم أخلع عليه خلعة السفر، وتوجّه إلى محلّ نيابته بحلب.
وفيه أنعم على الأمير بهادر المنحكى الأستادار، بتقدمة الأمير قطلوبغا الكوكاى، بحكم وفاته. - وفيه خلع على علم الدين بن الحزين، واستقرّ فى استيفاء جهات الدولة، عوضا عن أمين الدين المعروف بجعبص، بحكم وفاته.
وفى شهر صفر، قدمت رسل السلطان أحمد بن أويس، متملّك بغداد، وأتى صحبته بهدّبة فيها أربع (٣) بقج ضمنها قماش فاخر، ومن جملتها، فهد عجيب الخلقة، وصقورة، وبازات، وغير ذلك. فتضمّن كتابه أنّه ملك بغداد بعد موت أخيه.
وفيه قدم البريد، وأخبر بأنّ لأمير طغاى تمر القبلاوى، نائب الكرك. تنازع مع الأمير خاطر، شيخ العرب، بسبب أنّه كبس على عربان، كانوا نزلاءه (٤)، وقبض على جماعة منهم، فاتّسعت الفتنة بينهما، وآل الأمر إلى افتتانهما، فانكسر نائب الكرك، وقتل ممن كان معه جماعة، ثم إنّ لأمير خاطر خلّص أولئك (٥) العربان، الذين (٦) كان قبض عليهم نائب الكرك.
стр. 938
وفى شهر ربيع الأول، فيه قدمت الأخبار بأنّ طائفة من الفرنج وصلوا إلى ثغر الإسكندرية، فى عدّة مراكب، تحت الليل، فلما طلع النهار خرج إليهم نائب الإسكندرية، الأمير بلوط، مع جماعة من المجاهدين، فتقاتلوا معهم، فخرج جماعة من الفرنج من المراكب إلى البرّ، وتقاتلوا مع المسلمين، فانكسر الفرنج وعادوا إلى مراكبهم، وخرجوا من الثغر بغير طائل؛ ثم إنّ النائب قبض على من بالثغر من تجّار الفرنج، وصادرهم، وأخذ أموالهم؛ فلما بلغ السلطان ذلك تنكّر على النائب، وكتب المراسيم بإحضاره إلى مصر.
وفيه ضرب قاضى القضاة المالكى عبد الرحمن بن خير، عنقى رجلين قد ارتدّا عن الإسلام، ولم يوافقا على العود إلى الإسلام، وصمّما على ذلك، فضرب أعناقهما تحت شباك المدرسة الصالحية.
وفيه حضر الأمير بلوط، نائب الإسكندرية، وصحبته تقدمة سنيّة للسلطان، واعتذر فى سبب قبضه على تجّار الفرنج، وأخذ أموالهم، فقبل السلطان عذره فى ذلك، وأخلع عليه خلعة الاستمرار، ورسم له بالعود إلى محلّ نيابته بالثغر، على عادته، فتوجّه إليها.
وفيه أنعم السلطان على الأمير سودون العلاى، والأمير أينال الجركسى، كل منهما بإمرة طبلخاناة؛ وأنعم على حسن قجا بإمرة عشرة.
وفيه قدم البريد وأخبر بأنّ الأمير قرا محمد بن الأمير بيرم خجا، صاحب الموصل، قد اتّفق مع ضياء الملك بن بوزدغان، على محاربة سالم الدوكارى، لما كان منه من قطع الطريق على حجّاج الموصل.
وأنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، لما بلغه ذلك، خرج من حلب بالعسكر إلى البيرة، وعدّى من الفرات فى مراكب، وتوجّه إلى الرّها بالعساكر الذين (١) معه، فوجد قرا محمد بن بيرم خجا، وضياء الملك، قدر كما فى اثنى عشر ألف مقاتل؛ وكبسا (٢)
стр. 939
على سالم الدوكارى، وأخذا بركه، وأخذا (١) منه نحو ثلاثين ألف جمل، ومثلها خيول، فكان بينهما وقعة (٢) عظيمة، وقتل فيها من الفريقين خلائق كثيرة.
وآخر الأمر فرّ سالم الدوكارى إلى جهة قلعة المسلمين، وصار قرا محمد تابعه بالعساكر فى أثره، فلم يجد له سالم الدوكارى من ناصر ولا معين، فتوجّه إلى الأمير يلبغا الناصرى، واستجار به، فأتى به إلى حلب، وأعلم السلطان بما وقع، فبرزت المراسيم الشريفة بإحضاره إلى مصر.
وفيه أخرج الأمير مقبل الرومى منفيّا إلى الشام، ثم شفع فيه بعد أن وصل إلى قطيا، فلما حضر، أنعم عليه بإمرة طبلخاناة، فلم يقبلها، وكان مقدّم ألف.
وفى شهر ربيع الآخر، فيه قدمت طائفة من الفرنج فى مراكب إلى الطينة، فأسروا منها سبعة من المسلمين، ثم أتوا إلى دمياط، فباعوا بها الأسرى السبعة، ثم رجعوا إلى بلادهم.
وفيه أخلع على الأمير تمرباى الدمرداشى، واستقرّ فى نيابة صفد. - وفيه أنعم على الأمير أينال اليوسفى بتقدمة ألف بدمشق. - وفيه أرسل الأمير بلوط يستعفى من نيابة حماة، فأعفى منها.
وفيه أخذ قاع النيل، فكان ثمانية أذرع سواء. - وفيه قدم سالم الدوكارى من حلب، فأكرمه السلطان، وأخلع عليه، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة بحلب.
وفى شهر جمادى الأولى، خلع على جمال الدين محمود العجمى، المحتسب، واستقرّ فى نظر الأوقاف مع الحسبة؛ واستقرّ الأمير قديد القلمطاوى، شاد الأوقاف، فحصل منه للناس الضرر الشامل، فشقّ ذلك على قضاة القضاة.
وفيه قدم الخبر بأنّ سلام بن التركيّة، كان مسجونا بالبرج بثغر الإسكندرية، فتسحّب منه وهرب، وسبب ذلك أن عملت له مبارد فى قوس رباب، وأحضرت له، ثم إنّه طلب سواسى خام ليفصّلها قمصان، فلما أتت إليه المبارد، برد بها حديد
стр. 940
الشباك الذى بالبرج، وتدلّى منها فى تلك السواسى الخام، وهرب، وفاز بنفسه؛ فلما بلغ السلطان ذلك غضب على نائب الإسكندرية، وأمر بإحضاره.
وفيه أنعم السلطان على دمر خان بن موسى بن قرمان، بإمرة طبلخاناة بحلب.
وفيه كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى (١) أول يوم من مسرى، فنزل السلطان، وتوجّه إلى المقياس، وخلّق العمود، ونزل فى الذهبيّة، وفتح السدّ على العادة، ولم يعهد من بعد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، أنّ سلطانا نزل وفتح السدّ إلا الظاهر برقوق، ولم يقع لبنى قلاون أنّهم نزلوا من القلعة، وتوجّهوا إلى السدّ، وفتحوه يوم الوفاء.
وفيه توفّى الشيخ علم الدين سليمان بن هاشم الحنبلى؛ وكان من أعيان علماء الحنابلة، بارعا فى مذهبه.
ومن الحوادث فى هذا الشهر، مما اتّفق بناحية نرما من الغربية، أنّ طائفة من النصارى صنعوا عرسا، وجمعوا فيه من أرباب الملاهى، كمغانى العرب، وغير ذلك؛ فلما صعد المؤذّن ليسبّح على المئذنة (٢) فى الليل على العادة، فسبّوه النصارى، ورجموه، ثم صعدوا إليه وأنزلوه من على المئذنة (٢) وضربوه؛ فجاء خطيب الجامع ليخلّصه من أيديهم، فأوسعوه سبّا ولعنا، وقد همّوا بقتله.
فحضر المؤذّن والخطيب إلى القاهرة، وشكوا أمرهم إلى الأمير سودون، النائب، فبعث بهم إلى الأمير جركس الخليلى، من أجل أنّ ناحية برما كانت من جملة إقطاعه، فلم يأخذ بأيديهم الأمير جركس، فتوجّهوا إلى عند شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وشكوا له من الأمير جركس الخليلى؛ ثم إنّ الشيخ ناصر الدين محمد بن الميلق، الواعظ، توجّه إلى بيت الأمير جركس الخليلى، وأغلظ عليه فى القول بسبب ذلك.
ثم إنّ أهل ناحية برما حضروا أجمعين، وطلعوا إلى السلطان، واستغاثوا به،
стр. 941
فتغيّر خاطر السلطان على الأمير جركس الخليلى، كونه سجن المؤذّن والخطيب بغير حقّ؛ ثم إنّ السلطان بعث الأمير أيدكار، الحاجب، إلى برما للكشف عن حقيقة ذلك، وما جرى فى برما، فتبيّن له أنّ النصارى هم الظالمون، فقبض على النصارى وحملهم إلى عند السلطان.
فأمر السلطان بأن يتوجّهوا أجمعين (١) إلى بيت قاضى القضاة المالكى، فادّعى على النصارى بقوادح فعلوها، وأقيمت عليهم البيّنات بذلك، وأمر قاضى القضاة بسجنهم، حتى يرى ما يرى السلطان فى أمرهم.
فاتّفق فى عقيب ذلك أنّ الأمير جركس الخليلى، وقع له فى شونته، التى فيها القصب، نار (٢)، فاحترق ما فيها من الأقصاب، وكان قوّم بألف دينار؛ ثم حدث له ورم فى رجله عقيب ذلك، واشتدّ به الألم حتى أرجف بموته، فلم يزل على ذلك حتى مات بعد أيام، وكان ذلك عقوبة من الله تعالى له، لمساعدته أهل الزندقة من النصارى.
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه استقرّ الأمير صنجق السيفى فى نيابة حماة، عوضا عن الأمير يلو، بحكم وفاته. - وفيه قدم البريد من الكرك، وأخبر أنّ نائبها الأمير طغاى تمر، احتال على الأمير خاطر، أمير العربان، فلما ظفر به وبابنيه (٣) الاثنين، فذبح الثلاثة بيده، ولم تنتطح فى ذاك شانان (٤). - وفيه خلع على الأمير كمشبغا الحموى، واستقرّ فى نيابة صفد، عوضا عن الأمير تمرباى.
وفيه خلع على ابن وزير بيته، واستقرّ فى نظر الإسكندرية؛ وخلع على جمال الدين عبد الله بن عزيز، واستقرّ تاجر السلطان، بثغر الإسكندرية.
وفيه حضر الأمير سودون، النائب، وقضاة القضاة الأربعة، فى المدرسة الصالحية التى بين القصرين، وقدّمت بين أيديهم ستة أنفار، ضربت أعناقهم تحت شبّاك المدرسة، وسبب ذلك أنّهم أسلموا، ثم ارتدّوا إلى دين النصرانية.
стр. 942
وفى شهر رجب، وقع فيه من الحوادث المهولة، أنّ السلطان قد تغيّر خاطره على أمير المؤمنين محمد المتوكّل على الله، وكان سبب ذلك أنّ الأمير محمد ابن محمد بن تنكز، نائب الشام، طلع إلى السلطان بعد الظهر، وخلا به، ونقل له عن الخليفة المتوكّل على الله، أنّه اتّفق مع الأمير قرط بن عمر التركمانى، والأمير إبراهيم بن قطلو آقتمر العلاى، أمير جاندار، على قتل السلطان، ودبّروا من الحيلة أنّ السلطان إذا نزل إلى الميدان الذى تحت القلعة، ولعب هناك بالكرة، يهجموا (١) عليه نحو مائة فارس من جماعة الأمير قرط، من الأكراد، ويقتلوه (٢) بالميدان، فإذا قتلوه، تركب الأمراء، ويصعدوا (٣) إلى القلعة، ويسلطنوا الخليفة عوضه؛ ثم إنّ محمد بن تنكز حلف للسلطان على المصحف بصحّة ما نقله عن الخليفة المتوكّل على الله.
ثم إنّ السلطان رسم بإحضار الخليفة، وإحضار الأمير قرط، وإبراهيم بن قطلو آقتمر، وأحضر الأمير سودون، النائب، وأخبره بما بلغه عن الخليفة، فلما حضروا الكل بين يدى السلطان، أخذ يذكر للخليفة ما نقل عنه، فأنكر ذلك، وحلف أيمانا عظيمة، فإنّه لم يقع منه ذلك.
ثم أحضر الأمير قرط، وقال له: «ما تقول أنت، فيما نقل عنك»؟ قال: «إنّ الخليفة طلبنى وقال إنّ السلطان قد تزايد ظلمه، وأخذ أموال الناس بغير حقّ، وكان قد قرّر معى أنّه يبطل المكوس كلها، فما فعل ذلك، ولو علمت أنّه يحدث منه هذه المظالم ما بايعته بالسلطنة، ولكن اجمع له مائة فارس من الأكراد، من جماعتك، فى يوم السبت بالميدان، إذا لعب بالأكرة، فيهجمون عليه ويقتلونه».
ثم أحضر إبراهيم بن قطلو آقتمر، أمير جندار، وقال له: «ما تقول أنت فيما نقل عنك»؟ فقال: «استدعانى الخليفة، وأخبرنى بهذا الكلام، وقال لى إنّ هذا الأمر فيه عين المصلحة للمسلمين»؛ وأخذ إبراهيم يحاقق الخليفة، ويذكر له أمارات
стр. 943
عن ذلك، والخليفة يحلف أيمانا عظيمة، أنّ هذا الكلام ليس له صحّة؛ فحنق منه السلطان، واستلّ النمجاة ليضرب بها عنق الخليفة، فقام الأمير سودون، النائب، فى وجهه، وحال بينه وبينه، وما زال به حتى سكن بعض غضبه على الخليفة.
ثم إنّ السلطان أمر بتسمير الأمير قرط بن عمر التركمانى، وإبراهيم بن قطلو آقتمر، أمير جندار، فسمّرا (١) وطيف بهما فى القاهرة، وأتوا بهما إلى باب المحروق، فوسّطوا هناك الأمير قرط بن عمر التركمانى، وأرادوا توسيط إبراهيم بن قطلو آقتمر، أمير جندار، فشفع فيه بعض الأمراء عند السلطان، ففكّت مساميره، وتوجّهوا به إلى خزانة شمايل، فسجن بها.
ثم إنّ السلطان طلب القضاة الأربعة ليفتوه فى قتل الخليفة محمد المتوكّل على الله، فلم يفتوه بقتله، ولا ثبت عليه ما يوجب القتل، فرسم السلطان بتقييده، وسجنه فى البرج الذين بالقلعة.
ثم إنّ السلطان طلب زكريا وعمر، ابنى إبراهيم عمّ الخليفة المتوكّل على الله، فوقع اختياره على عمر بن الخليفة المستعصم بالله أبى إسحق إبراهيم بن المستمسك بالله أبى عبد الله محمد بن الإمام أبى العبّاس أحمد بن الحسن بن أبى بكر بن أبى إسحق على الحاكم بأمر الله، فولاّه الخلافة، عوضا عن محمد المتوكّل على الله، وخلع المتوكّل من الخلافة.
فلما لبس شعار الخلافة، تلقّب بالواثق بالله، فنزل من القلعة فى موكب حفل، وكان ذلك اليوم مشهودا، فكان هو الثامن من خلفاء بنى العبّاس بالديار المصرية؛ واستمرّ فى الخلافة نحو ثلاث سنين، ثم أعيد المتوكّل إلى الخلافة ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
فكانت مدّة خلافة محمد المتوكّل على الله فى هذه المرّة نحو اثنتين وعشرين سنة ونصف، واستمرّ بالسجن مدّة طويلة، وهو مقيّد بالحديد، إلى أن أفرج عنه برقوق، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه؛ وفى هذه الواقعة للشهاب بن العطار،
стр. 944
وهو قوله:
أبشر أمير المؤمنين فما جرى … أقوى دليل أنّ عزّك سرمد
لا تختشى فيه العدى مغلولة … ويد الخلافة لا تطاولها يد
وهذا ما أورده الشيخ تقىّ الدين المقريزى فى كتاب السلوك (١).
وفيه أرسل السلطان خلعة إلى عثمان بن قارة، أمير العرب، بأن يستقرّ عوضا عن نعير بن حيار بن مهنا، فتوجّه إليه بالتشريف الأمير بجمان المحمدى؛ ثم قدمت الأخبار بعد ذلك أنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، توجّه إلى نعير بعد أن عزل من إمرته، وكبس عليه، فهرب، فنهب من أمواله ما لا ينحصر، حتى قيل أخذ له ثلاثون ألف بعير، وأخذ (٢) له بسط، يحمل الفردة الواحدة منها على بعير؛ ثم أشيع أنّه سبى حريمه، وأسر أولاده، فكان هذا من أكبر أسباب الفساد فى خراب البلاد الشامية إلى الآن.
وفيه خلع على الطواشى بهادر الشهابى، واستقرّ مقدّم المماليك، عوضا عن جوهر الصلاحى. - وفيه خلع على الأمير كمشبغا الخاصكى، واستقرّ رأس نوبة ثالثا، عوضا عن أيدمر من صدّيق، بحكم وفاته.
وفيه خلع على الأمير بكلمش الطازى العلاى، واستقرّ رأس نوبة خامسا، عوضا عز بجمان المحمدى؛ وخلع على الأمير حسن الأسن قجاوى، واستقرّ شاد الشراب خاناه، عوضا عن كمشبغا الخاصكى؛ وخلع على كرجى، واستقرّ فى ولاية الأشمونين، عوضا عن قطلو بغا حاجى.
وفيه ساقت الرماحة على العادة، ودار المحمل بالقاهرة، وزيّنت له مصر والقاهرة سبعة أيام.
وفيه نزل السلطان إلى المطرية، وسيّر إلى بركة الحاجّ، ثم رجع ودخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة، وكانت مزيّنة، بسبب دوران المحمل؛ فلما وصل إلى
стр. 945
البيمارستان المنصورى، نزل عن فرسه، ودخل كشف عن أحوال المرضى بنفسه، ثم ركب منه، وطلع إلى القلعة.
وفيه ثبت النيل المبارك على أربع أصابع من عشرين ذراعا، ثم بعد ذلك زاد خمس أصابع من أحد وعشرين ذراعا، فغرقت مواضع كثيرة، وتهدّمت عدّة دور من الروضة ومصر وبولاق، وتقطّعت الجسور كلها، حتى أعيى (١) الفلاحين سدّها من قوّة عزم الماء، فتبحّرت الأراضى فى هذه السنة، بسبب مكث الماء عليها.
وفيه قدم رسل نائب سنجار، ونائب تكريت، ونائب قيصرية الروم، يسألوا السلطان أن يكونوا مضافة إلى مملكة مصر، فكتب لهم تقاليد، وحملت لهم التشاريف. - وفيه توجّه السلطان إلى الرماية بسرياقوس، على العادة فى كل سنة.
وفى شهر شعبان، فيه قدم الخبر بحركة الفرنج، فعيّن لهم السلطان تجريدة، فخرج فى يوم الخميس سابع عشره الأمير أحمد بن يلبغا الخاصكى، وتوجّه إلى ثغر الإسكندرية، وتوجّه الأمير أيدكار، الحاجب، إلى ثغر دميأط.
وفيه قدم الخبر بأنّ سلام بن التركية جمع من العربان ما لا يحصى، ونهب نواحى الفيوم، فخرج إليه تجريدة، وبها أربعة من الأمراء المقدّمين.
وفيه خلع على قطليجا الصفوى، واستقرّ فى ولاية قليوب؛ وأخلع على أوناط اليوسفى، واستقرّ فى ولاية الشرقية، عوضا عن القرمى.
وفيه قدمت الأخبار بأنّ الفرنج قد وصلوا إلى بيروت، ونزلوا إلى البرّ، وملكوا بعض الأبراج التى (٢) بها، فلما أشيع هذا الخبر، أدركوهم العسكر الشامى، فى طائفة من الأكراد، وقاتلوهم، فأيّد الله تعالى المسلمين على الفرنج، فقتلوا منهم نحو خمسمائة إنسان (٣)، وانهزم باقيهم إلى نحو مراكبهم وساروا، وعاد العسكر إلى الشام، وهم فى غاية النصر.
стр. 946
وقدمت الأخبار أيضا بأنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، قد أوقع فتنة عظيمة بين التركمان الأجقية والقنقية، فرمى طائفة القنقية على الأجقية، فكتب لهم نائب حلب بالنزول على باب الملك، ففتحت البلاد السيسية، حيث وقعت هذه الفتنة بين الفريقين.
وفيه خلع على القاضى تقىّ الدين محمد بن قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن قاضى القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفرى، واستقرّ قاضى قضاة الحنفية بدمشق، عوضا عن نجم الدين أحمد بن أبى العزّ.
وفى شهر رمضان، فيه وقف الأتابكى أيتمش البجاسى، وسائر الأمراء، إلى السلطان، وشفعوا فى الخليفة محمد المتوكّل على الله، بأن يفكّ من قيده، فامتنع السلطان من ذلك، فتقدّم إليه الأمير سودون، النائب، وباس رجل السلطان على اللحم، فأجابه إلى فكّ قيده، ففكّ عنه فى ذلك اليوم.
وفيه قبض السلطان على سعد الدين نصر الله بن البقرى، ناظر الخاص، وهو واقف فى الخدمة، وكان قد اجتمع نساؤه فى داره لفرح عندهم، وعليهن من اللؤلؤ، والجواهر، والذهب، والثياب الحرير، ما يجلّ قيمته.
فنزل الأمير قرقماش، الخازندار، والأمير بهادر، الأستادار، وأحاطا بداره، وقبضا على نسائه وغلمانه وحاشيته، وجميع من فى داره؛ فبلغت قيمة (١) ما على نسائه من الحلىّ بنحو من مائتى ألف دينار؛ ثم إنّ السلطان وضع سعد الدين بن البقرى فى الحديد، وسجنه بقاعة الصاحب، التى بالإيوان من القلعة، حتى يكون من أمره ما يكون.
وفيه أخلع السلطان على الصاحب شمس الدين، كاتب أزلان (٢)، وقرّره فى نظر الخاص، عوضا عن ابن البقرى، فاستعفى من ذلك؛ فطلب السلطان موفّق الدين أبو الفرج، الذى أسلم عن قريب، فأخلع عليه، واستقرّ به فى نظر الخاص.
стр. 947
وفيه قبض على عبيد البازدار، مقدّم الدولة، وصودر وأخذ منه مائة ألف دينار؛ وأقام عوضه محمد بن عبد الرحمن فى تقدمة الدولة؛ ثم جعل معه شريكا له عبد الله ابن محمد بن يوسف.
وفيه تزايد غضب السلطان على ابن البقرى، فضربه (١) بالمقارع بين يديه، وأخذ منه ما يقارب الثلاثمائة ألف دينار. - وفيه عرض السلطان من كان فى السجون على الديون، وصالح عنهم غرماءهم (٢) من الدين، بمال أخرجه من الذخيرة، على يدى الأمير جركس الخليلى.
وفى شهر شوّال، رسم السلطان بنفى جماعة (٣) من المماليك الأشرفية، والمماليك البطّالين، فأخرجوا إلى نحو قوص. - وفيه أفرج السلطان عن إبراهيم بن قطلو آقتمر، أمير جندار، الذى كان فى خزانة شمايل (٤)، بسبب واقعة الخليفة المتوكّل على الله، وقد تقدّم سبب ذلك.
وفيه توجّه السلطان إلى السرحة نحو البحيرة على العادة، فغاب أياما، ثم عاد إلى القلعة. - وفيه خلع على بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، واستقرّ قاضى العسكر.
ومن الوقائع الغريبة أنّ أولاد الأمير جرجى، نائب حلب، وقفوا للسلطان، وادّعوا أنّ الأتابكى أيتمش البجاسى فى رقّ والدهم، لم يعتق إلى الآن، وأنّ بجاس أخذه بعد جرجى باليد، وهو فى رقّ جرجى، فأعتقه بجاس من غير أن يملكه بطريق شرعى، فلم يصادف عتقه محلاّ، وأثبتوا ذلك على قضاة القضاة؛ فلما جرى ذلك، اشتراه السلطان من أولاد الأمير جرجى بأربعمائة ألف درهم، وقيل بمائة ألف درهم.
ثم إنّ السلطان جمع القضاة والأمراء بالقصر الكبير، وأعتق أيتمش بحضرتهم،
стр. 948
وصار من معاتيق الظاهر برقوق؛ ثم إنّ السلطان أخلع على القضاة والموقّعين، الذين سجّلوا بيع أيتمش وعتقه، وكل ذلك جرى وأيتمش أتابك العساكر، فحصل له غاية البهدلة بسبب ذلك، فعدّ هذا من النوادر الغريبة، والوقائع العجيبة.
وفيه نزل السلطان إلى الرعاية ببركة الحجّاج، وعاد فدخل من باب الفتوح، وشقّ القاهرة، وكان يوما مشهودا.
وفيه خلع على نقيب الأشراف، السيد الشريف جمال الدين عبد الرحيم الطباطبى، واستقرّ فى نظر وقف الأشراف، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن أبى البقا السبكى؛ فمن يومئذ خرج نظر الأشراف عن قاضى القضاة الشافعى، ولم يعد إليه إلى الآن.
وفيه خلع على محمود العجمى، المحتسب، خلعة الاستمرار، وكان أشيع بعزله.
وفيه أرسل السلطان إلى قاضى القضاة الشافعى برهان الدين إبراهيم بن جماعة، تشريفا وتقليدا بأن يكون قاضى القضاة بدمشق، عوضا عن ولىّ الدين عبد الله بن ابى البقا، بحكم وفاته؛ فشقّ ذلك على برهان الدين بن جماعة، وكان بالقدس بطّالا، فتوقّف فى ذلك أياما، ثم أجاب، وتوجّه إلى دمشق.
وفى شهر ذى القعدة، فيه قدم البريد وأخبر بواقعة التركمان، وكان من ملخّص ذلك، أنّه لما بلغ النوّاب حركة التركمان، أخرج لهم نائب الشام تجريدة، وكذلك نائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب حماة، وتركمان الطاعة، وأكرادها، فتوجّهوا إلى سيس لمحاربة إبراهيم بن رمضان، نائب أدنة، وبنى أوزر، وابن مرناص (١) من طائفة الأجقية، فإنّهم قد تزايد منهم الفساد، وصاروا يقطعون الطرقات، ونهبوا حجّاج الروم، وقد اتّفقوا مع الأمير علاء الدين على بك بن قرمان، صاحب لارندة، على أنّهم يقلعوا (٢) بلاد سيس من يدى سلطان مصر.
فلما بلغ ذلك إلى الأمير يلبغا الناصرى نائب حلب، خرج إليهم من حلب فى
стр. 949
ثانى ذى القعدة، وتوجّه إلى العمق، ثم سار حتى نزل تحت عقبة بغراس، فعرض العسكر هناك، وترك البرك والخيام بها، وسار مختفيا حتى جاوز عقبة بغراس، وجدّ السير إلى أن نزل بباب إسكندرونة، بجانب البحر الملح، ليحفظ جسر المصيصة، قبل أن يقطن به التركمان، فيقطعونه قبل وصول العسكر إليه.
ثم إنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، ركب من هناك [فى] (١) الثلث الأول من ليلة الأحد خامس عشر هذا الشهر، فوصل إلى المصيصة بعد العصر، فوجد التركمان قد ملكوا جسر بغراس، وقطعوا منه جانبا يسيرا لا يمنع الاجتياز منه، فعدّى العساكر نهر جاهان، إلى أن وصل إلى بلاد سيس، واتّقعوا مع التركمان على المصيصة، فانكسر التركمان كسرة قويّة، وذهبوا إلى شعب الجبال، فاختفوا بها.
ثم حضرت قصّاد التركمان يسألون لهم الأمان، فأجاب الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، إلى سؤالهم فى أمر الأمان، وكتب لهم أمانا؛ ثم بلغه أنّ الأمير إبراهيم ابن رمضان، قد فرّ من أدنة، وتوجّه إلى شعب الجبال التى لا تسلك.
ثم قدم قاصد نائب سيس، الأمير طشبغا العزّى، وأخبر بوصول ابن رمضان إلى أطراف بلاد سيس، فأدركوه طائفة من التركمان من القرمانيّين، فتحاربوا معه، فكسروه، فهرب منهم، فمسكوا أولاده وحريمه، ونجا هو بنفسه، واختفى (٢) عند التركمان البياضية (٣)، وقد استجار بهم.
فلما بلغ ذلك إلى الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فاجتمع رأى النوّاب والعسكر (٤)، على أن يتوجّهوا إليه حيث كان ويحاربوه، فخرجوا على حمية إلى أن أدركه عند البياضية، فمسكوه، ومسكوا معه أخاه قرا محمد، وأولاده وأمّه وجماعته؛ ثم إنّ العسكر رجع إلى سيس، وقد غنموا من التركمان خيولا (٥)، وسلاحا، وأثاثا، وغير ذلك،
стр. 950
فأحضروا إبراهيم بن رمضان بين يدى نائب حلب، ورسم بتوسيطه، وأخاه (١) قرا محمد.
ثم إنّ نائب حلب ركب بعساكر حلب، وسلك بهم جبلا يسمّى صاروجا شام، وهو مكان ضيّق، وخلفه جبال شوامخ، وأودية كلها أو حال، لا يكاد الراكب يسلكه بفرسه، وفى هذه الأودية أشجار ومياه (٢)، وبها تركمان قاطنين، فهجموا عليهم جماعة من العسكر وقاتلوهم، فقتل هناك من الفريقين ما لا يحصى عددهم، وتاه الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فى بعض الأودية التى (٣) هناك، حتى أشيع فقده، ثم ظهر بعد ذلك وأتى إلى العسكر؛ ثم آل الأمر من بعد ذلك أنّ التركمان انكسروا وهربوا، بعد أن قاسى منهم العسكر بلاء عظيما، وشدّة زائدة.
ثم إنّ العسكر رحل من هناك، وتوجّه إلى نحو قلعة إيّاس، وكان الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، قد جرح فى وجهه جرحا خفيفا، وحصل للعسكر هناك غلوة، وعزّت الأقوات، ومات عدّة خيول من الجوع، وقد أشرف العسكر على الهلاك.
ثم قدم الخبر بوصول الأمير سودون المظفرى، حاجب الحجّاب بحلب، وقد حضر فى عسكر من أهل حلب، من شبّان بانقوسا، وقد بلغهم ما نزل بالعسكر من التركمان، فنودى بالنفير العام فى حلب، فخرج غالب أهل حلب وجماعة من الأكراد؛ فهجموا على التركمان الذين (٤) فى باب الملك وملكوه منهم، وقتلوا طائفة ممن كان به من التركمان، وهزموهم (٥) إلى نحو أدربندة، ففرح العسكر الذى هناك بهذه النصرة؛ ثم إنّ العسكر توجّه إلى أنطاكية، ثم قدموا إلى حلب، فكانت هذه السفرة شديدة المشقّة، كثيرة الخوف، وكانت سلامتهم على غير القياس، وقتل منهم جماعة كثيرة.
وفى شهر ذى الحجّة، فيه سكن غضب السلطان على الخليفة محمد المتوكّل على الله، فأخرجه من البرج الذى بالقلعة، وأسكنه فى دار عند باب القلّة، وأذن له أنّ