← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقدمت الأخبار أيضا بأنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، قد أوقع فتنة عظيمة بين التركمان الأجقية والقنقية، فرمى طائفة القنقية على الأجقية، فكتب لهم نائب حلب بالنزول على باب الملك، ففتحت البلاد السيسية، حيث وقعت هذه الفتنة بين الفريقين. وفيه خلع على القاضى تقىّ الدين محمد بن قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن قاضى القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفرى، واستقرّ قاضى قضاة الحنفية بدمشق، عوضا عن نجم الدين أحمد بن أبى العزّ. وفى شهر رمضان، فيه وقف الأتابكى أيتمش البجاسى، وسائر الأمراء، إلى السلطان، وشفعوا فى الخليفة محمد المتوكّل على الله، بأن يفكّ من قيده، فامتنع السلطان من ذلك، فتقدّم إليه الأمير سودون، النائب، وباس رجل السلطان على اللحم، فأجابه إلى فكّ قيده، ففكّ عنه فى ذلك اليوم. وفيه قبض السلطان على سعد الدين نصر الله بن البقرى، ناظر الخاص، وهو واقف فى الخدمة، وكان قد اجتمع نساؤه فى داره لفرح عندهم، وعليهن من اللؤلؤ، والجواهر، والذهب، والثياب الحرير، ما يجلّ قيمته. فنزل الأمير قرقماش، الخازندار، والأمير بهادر، الأستادار، وأحاطا بداره، وقبضا على نسائه وغلمانه وحاشيته، وجميع من فى داره؛ فبلغت قيمة (١) ما على نسائه من الحلىّ بنحو من مائتى ألف دينار؛ ثم إنّ السلطان وضع سعد الدين بن البقرى فى الحديد، وسجنه بقاعة الصاحب، التى بالإيوان من القلعة، حتى يكون من أمره ما يكون. وفيه أخلع السلطان على الصاحب شمس الدين، كاتب أزلان (٢)، وقرّره فى نظر الخاص، عوضا عن ابن البقرى، فاستعفى من ذلك؛ فطلب السلطان موفّق الدين أبو الفرج، الذى أسلم عن قريب، فأخلع عليه، واستقرّ به فى نظر الخاص.

стр. 947

وفيه قبض على عبيد البازدار، مقدّم الدولة، وصودر وأخذ منه مائة ألف دينار؛ وأقام عوضه محمد بن عبد الرحمن فى تقدمة الدولة؛ ثم جعل معه شريكا له عبد الله ابن محمد بن يوسف. وفيه تزايد غضب السلطان على ابن البقرى، فضربه (١) بالمقارع بين يديه، وأخذ منه ما يقارب الثلاثمائة ألف دينار. - وفيه عرض السلطان من كان فى السجون على الديون، وصالح عنهم غرماءهم (٢) من الدين، بمال أخرجه من الذخيرة، على يدى الأمير جركس الخليلى. وفى شهر شوّال، رسم السلطان بنفى جماعة (٣) من المماليك الأشرفية، والمماليك البطّالين، فأخرجوا إلى نحو قوص. - وفيه أفرج السلطان عن إبراهيم بن قطلو آقتمر، أمير جندار، الذى كان فى خزانة شمايل (٤)، بسبب واقعة الخليفة المتوكّل على الله، وقد تقدّم سبب ذلك. وفيه توجّه السلطان إلى السرحة نحو البحيرة على العادة، فغاب أياما، ثم عاد إلى القلعة. - وفيه خلع على بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، واستقرّ قاضى العسكر. ومن الوقائع الغريبة أنّ أولاد الأمير جرجى، نائب حلب، وقفوا للسلطان، وادّعوا أنّ الأتابكى أيتمش البجاسى فى رقّ والدهم، لم يعتق إلى الآن، وأنّ بجاس أخذه بعد جرجى باليد، وهو فى رقّ جرجى، فأعتقه بجاس من غير أن يملكه بطريق شرعى، فلم يصادف عتقه محلاّ، وأثبتوا ذلك على قضاة القضاة؛ فلما جرى ذلك، اشتراه السلطان من أولاد الأمير جرجى بأربعمائة ألف درهم، وقيل بمائة ألف درهم. ثم إنّ السلطان جمع القضاة والأمراء بالقصر الكبير، وأعتق أيتمش بحضرتهم،

стр. 948

وصار من معاتيق الظاهر برقوق؛ ثم إنّ السلطان أخلع على القضاة والموقّعين، الذين سجّلوا بيع أيتمش وعتقه، وكل ذلك جرى وأيتمش أتابك العساكر، فحصل له غاية البهدلة بسبب ذلك، فعدّ هذا من النوادر الغريبة، والوقائع العجيبة. وفيه نزل السلطان إلى الرعاية ببركة الحجّاج، وعاد فدخل من باب الفتوح، وشقّ القاهرة، وكان يوما مشهودا. وفيه خلع على نقيب الأشراف، السيد الشريف جمال الدين عبد الرحيم الطباطبى، واستقرّ فى نظر وقف الأشراف، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن أبى البقا السبكى؛ فمن يومئذ خرج نظر الأشراف عن قاضى القضاة الشافعى، ولم يعد إليه إلى الآن. وفيه خلع على محمود العجمى، المحتسب، خلعة الاستمرار، وكان أشيع بعزله. وفيه أرسل السلطان إلى قاضى القضاة الشافعى برهان الدين إبراهيم بن جماعة، تشريفا وتقليدا بأن يكون قاضى القضاة بدمشق، عوضا عن ولىّ الدين عبد الله بن ابى البقا، بحكم وفاته؛ فشقّ ذلك على برهان الدين بن جماعة، وكان بالقدس بطّالا، فتوقّف فى ذلك أياما، ثم أجاب، وتوجّه إلى دمشق. وفى شهر ذى القعدة، فيه قدم البريد وأخبر بواقعة التركمان، وكان من ملخّص ذلك، أنّه لما بلغ النوّاب حركة التركمان، أخرج لهم نائب الشام تجريدة، وكذلك نائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب حماة، وتركمان الطاعة، وأكرادها، فتوجّهوا إلى سيس لمحاربة إبراهيم بن رمضان، نائب أدنة، وبنى أوزر، وابن مرناص (١) من طائفة الأجقية، فإنّهم قد تزايد منهم الفساد، وصاروا يقطعون الطرقات، ونهبوا حجّاج الروم، وقد اتّفقوا مع الأمير علاء الدين على بك بن قرمان، صاحب لارندة، على أنّهم يقلعوا (٢) بلاد سيس من يدى سلطان مصر. فلما بلغ ذلك إلى الأمير يلبغا الناصرى نائب حلب، خرج إليهم من حلب فى

стр. 949

ثانى ذى القعدة، وتوجّه إلى العمق، ثم سار حتى نزل تحت عقبة بغراس، فعرض العسكر هناك، وترك البرك والخيام بها، وسار مختفيا حتى جاوز عقبة بغراس، وجدّ السير إلى أن نزل بباب إسكندرونة، بجانب البحر الملح، ليحفظ جسر المصيصة، قبل أن يقطن به التركمان، فيقطعونه قبل وصول العسكر إليه. ثم إنّ الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، ركب من هناك [فى] (١) الثلث الأول من ليلة الأحد خامس عشر هذا الشهر، فوصل إلى المصيصة بعد العصر، فوجد التركمان قد ملكوا جسر بغراس، وقطعوا منه جانبا يسيرا لا يمنع الاجتياز منه، فعدّى العساكر نهر جاهان، إلى أن وصل إلى بلاد سيس، واتّقعوا مع التركمان على المصيصة، فانكسر التركمان كسرة قويّة، وذهبوا إلى شعب الجبال، فاختفوا بها. ثم حضرت قصّاد التركمان يسألون لهم الأمان، فأجاب الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، إلى سؤالهم فى أمر الأمان، وكتب لهم أمانا؛ ثم بلغه أنّ الأمير إبراهيم ابن رمضان، قد فرّ من أدنة، وتوجّه إلى شعب الجبال التى لا تسلك. ثم قدم قاصد نائب سيس، الأمير طشبغا العزّى، وأخبر بوصول ابن رمضان إلى أطراف بلاد سيس، فأدركوه طائفة من التركمان من القرمانيّين، فتحاربوا معه، فكسروه، فهرب منهم، فمسكوا أولاده وحريمه، ونجا هو بنفسه، واختفى (٢) عند التركمان البياضية (٣)، وقد استجار بهم. فلما بلغ ذلك إلى الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فاجتمع رأى النوّاب والعسكر (٤)، على أن يتوجّهوا إليه حيث كان ويحاربوه، فخرجوا على حمية إلى أن أدركه عند البياضية، فمسكوه، ومسكوا معه أخاه قرا محمد، وأولاده وأمّه وجماعته؛ ثم إنّ العسكر رجع إلى سيس، وقد غنموا من التركمان خيولا (٥)، وسلاحا، وأثاثا، وغير ذلك،

стр. 950

فأحضروا إبراهيم بن رمضان بين يدى نائب حلب، ورسم بتوسيطه، وأخاه (١) قرا محمد. ثم إنّ نائب حلب ركب بعساكر حلب، وسلك بهم جبلا يسمّى صاروجا شام، وهو مكان ضيّق، وخلفه جبال شوامخ، وأودية كلها أو حال، لا يكاد الراكب يسلكه بفرسه، وفى هذه الأودية أشجار ومياه (٢)، وبها تركمان قاطنين، فهجموا عليهم جماعة من العسكر وقاتلوهم، فقتل هناك من الفريقين ما لا يحصى عددهم، وتاه الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فى بعض الأودية التى (٣) هناك، حتى أشيع فقده، ثم ظهر بعد ذلك وأتى إلى العسكر؛ ثم آل الأمر من بعد ذلك أنّ التركمان انكسروا وهربوا، بعد أن قاسى منهم العسكر بلاء عظيما، وشدّة زائدة. ثم إنّ العسكر رحل من هناك، وتوجّه إلى نحو قلعة إيّاس، وكان الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، قد جرح فى وجهه جرحا خفيفا، وحصل للعسكر هناك غلوة، وعزّت الأقوات، ومات عدّة خيول من الجوع، وقد أشرف العسكر على الهلاك. ثم قدم الخبر بوصول الأمير سودون المظفرى، حاجب الحجّاب بحلب، وقد حضر فى عسكر من أهل حلب، من شبّان بانقوسا، وقد بلغهم ما نزل بالعسكر من التركمان، فنودى بالنفير العام فى حلب، فخرج غالب أهل حلب وجماعة من الأكراد؛ فهجموا على التركمان الذين (٤) فى باب الملك وملكوه منهم، وقتلوا طائفة ممن كان به من التركمان، وهزموهم (٥) إلى نحو أدربندة، ففرح العسكر الذى هناك بهذه النصرة؛ ثم إنّ العسكر توجّه إلى أنطاكية، ثم قدموا إلى حلب، فكانت هذه السفرة شديدة المشقّة، كثيرة الخوف، وكانت سلامتهم على غير القياس، وقتل منهم جماعة كثيرة. وفى شهر ذى الحجّة، فيه سكن غضب السلطان على الخليفة محمد المتوكّل على الله، فأخرجه من البرج الذى بالقلعة، وأسكنه فى دار عند باب القلّة، وأذن له أنّ

стр. 951

عياله تصعد إليه. وكان قد منع من اجتماعه بعياله مدّة طويلة، حتى أذن له فى ذلك. وفيه قدمت الأخبار من دمشق بوفاة قاضيها عبد الله بن أبى البقا السبكى، وكان من أعيان علماء الشافعية. - وفيه قدم رسل صاحب سنجار، وكذلك رسل صاحب تكريت، وصحبتهما هدايا فاخرة للسلطان، فأكرمهما، وأخلع عليهما الخلع السنية. وفيه قدم مبشّر الحاج وأخبر أنّ الشريف سعد بن أبى الغيث الحسنى، الذى كان أمير الينبع، قد نزل على الحاج المغاربة بوادى العقيق، وسألهم أن يعطوه شيئا من الدراهم، فأمسكه شيخ ركب المغاربة، وربطه من أكتافه بحبل، وأخذ فرسه من تحته، وأخذه ماشيا إلى خيامه، فأتاه جماعة كثيرة من عربه، وقاتلوا المغاربة أشدّ القتال، وقتل من المغاربة جماعة كثيرة، ثم خلّصوا سعد أمير الينبع، من أيديهم. وأخبر المبشّر أيضا بأنّ حجّاج التكرور وقع بينهم وبين حجّاج المغاربة، وقعة (١) عظيمة، وأخذت أموال التكرور، ومن كان معهم من الصعايدة وغيرهم؛ وأخبر أيضا أنّ الحاج العراقى، قد حصل لهم غاية التشوّش من حاج شيراز والبصرة، وخرج عليهم قريش بن أخى زامل، فى ثمانية آلاف فارس، فأخذوا ما كان معهم من اللؤلؤ والمعادن وغير ذلك، فكان شيئا ما يقوّم عنه من المال الجزيل، وقتلوا منهم خلائق (٢) كثيرة، وردّ من بقى منهم ماشيا عاريا إلى مكّة، صحبة حاج بغداد؛ وأنّ ركب الحاج العراقى جبى منهم عشرون ألف دينار عراقية، حسابا عن كل جمل فى الركب خمسة دنانير، حتى أذنوا لهم فى التوجّه إلى مكّة. وأخبر المبشّر أيضا بأنّ الحاج اليمنى (٣) لم يطلع منهم فى هذه السنة أحد من حجّاجهم، لفتنة وقعت باليمن، فشغل بها سلطان اليمن عن تجهيز خروج محملهم. وكانت هذه السنة صعبة شديدة على الحجّاج، وجرى فيها فتن وشرور عظيمة لسائر الحجّاج، ومات منهم ما لا يحصى عدده، والأمر فى ذلك لله تعالى.

стр. 952

وفيه خلع على شرف الدين مسعود بن شعبان بن إسمعيل، وقرّر فى قضاء الشافعية بحلب، عوضا عن الشهاب أحمد بن عمر بن أبى الرضا، فأقام بها مدّة يسيرة، وأعيد ابن أبى الرضا. وفيه أرسل السلطان تشريفا إلى الأمير عثمان بن قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا ابن مانع بن حديثة بن غضيّة بن حازم بن فضل بن ربيعة، واستقرّ به فى إمرة آل فضل، عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد بن نعير بن حيار بن مهنا. وفيه قدم الخبر بقتل محمد بن مكّى، كبير جماعة الرافضة، قتل بدمشق لتظاهره بزاى (١) النصيرية، فضرب عنقه تحت قلعة دمشق. - وفى هذه السنة أنشأ السلطان حوضا عند باب المعلى بمكّة، بسبب الحجّاج؛ وفيها أجرى قناة العروب إلى بيت المقدس، وأجرى بها الماء من أماكن بعيدة. وفى أواخر هذه السنة وقع الرخاء العظيم بالديار المصرية، حتى قد أبيع اللحم الضأن السليخ كل عشرة أرطال بثمانية دراهم، وأبيع اللحم البقرى كل رطل بنصف درهم، وأبيع القمح كل أردب من ثمانية دراهم إلى خمسة عشر درهما، وأبيع الشعير بستة دراهم كل أردب، إلى ثمانية دراهم، وعلى هذا فى أصناف سائر البضائع فقس. - أورد ذلك المقريزى فى كتاب السلوك (٢). وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى بن مخلوف بن فضل الله بن سعد بن ساعد، المعروف بالأعرج السعدى. وتوفّى المحدّث الفاضل إسمعيل بن محمد بن بردش الحنبلى، وكان من أعيان المحدّثين. - وتوفّى الشيخ المبارك المعتقد سيدى على الروبى، رحمة الله عليه، وكان قد بشّر برقوق بالسلطنة قبل أن يليها بمدّة طويلة، ودفن بالفيوم. وتوفّى الشيخ شمس الدين المرداوى الحنبلى الدمشقى، وكان من أعيان علماء الحنابلة، وكان إماما فى علم الفرائض والفقه. - وتوفّى الأمير أرغون، دوادار الأمير طشتمر، وكان من الأمراء الطبلخانات.

стр. 953

وتوفّى الأمير أيدمر الخطابى من صديق توفّى بالإسكندرية. - وتوفّى الأمير بلاط السيفى، أمير سلاح، توفّى بطرابلس. وتوفّى علم الدين سليمان بن أحمد بن عبد الرحمن بن أبى الفتح بن هاشم العسقلانى، من أعيان الفقهاء الحنابلة. - وتوفّى قاضى قضاة دمشق، ولىّ الدين عبد الله بن قاضى القضاة بهاء الدين أبى البقا محمد بن عبد البرّ بن يحيى بن على بن تمام السبكى، توفّى بدمشق. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن أيبك الفاقا، وكان من الأمراء العشرات. - وتوفّى شرف الدين موسى بن محمد بن محمد بن الشهاب محمود الحلبى، أحد موقّعى الدست، وتوفّى بمدينة الرملة. وتوفّى الأمير شرف الدين موسى بن دينار بن قرمان، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير قطلوبغا الكوكاى، أحد الأمراء المقدّمين الألوف (١). وتوفّى مستوفى المرتجع، القاضى أمين الدين عبد الله بن جعيص الأسلمى. - وتوفّى الشيخ نهار المجذوب المغربى، وكان يتحدّث بالمغيبات، وله كرامات خارقة، توفّى بثغر الإسكندرية؛ انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وثمانين وسبعمائة فيها [فى] (٢) المحرم، قدمت الأخبار، صحبة الحجّاج، بوفاة الإمام العالم العلاّمة الشيخ شمس الدين محمد الكرمانى، شارح صحيح البخارى، وهو محمد بن يوسف ابن على بن عبد الكريم الشافعى، وكان مولده سنة سبع عشرة (٣) وسبعمائة، وكان فريد عصره، ووحيد دهره، توفّى بطريق مكّة، وحمل وهو ميّت فى سحلية (٤) من الخشب، وتوجّهوا به إلى بغداد، فدفن بها. وفيه خلع على طشتمر السيفى، واستقرّ فى ولاية دمياط، عوضا عن الأمير

стр. 954

قطلوبغا أبو درقة، واستقرّ أبو درقة فى ولاية الفيوم، وكشفها، وكشف البهنساوية، والأطفيحية، عوضا عن محمد بن قرابغا. وفيه رسم السلطان بعمارة برجى ثغر دمياط، وعمارة جسر السبيل البنهاوى. - وفيه قدم البريد وأخبر بأنّ السيل قد هجم على مدينة دمشق، وأخرب بها عدّة دور، فلم يعهد بها سيل مثله فيما تقدّم. وفى شهر صفر، فيه، فى يوم السبت ثالثه، قبض السلطان على الأمير يلبغا الصغير، الخازندار، وقبض معه على سبعة من المماليك السلطانية، وسبب ذلك أن قد بلغ السلطان أنّ هؤلاء المماليك يقصدون الفتك بالسلطان، فبادر إليهم، وقبض عليهم، وضربهم بالمقارع، ثم رسم بنفيهم إلى الشام. وفيه حضر الشيخ عبد الرحمن بن خلدون المغربى المالكى إلى المدرسة القمحية، التى بمصر العتيقة، ودرّس بها، عوضا عن علم الدين سليمان البساطى، بعد وفاته؛ فلما توجّه إلى الدرس، توجّه صحبته قضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، وتوجّه صحبته الأمير ألطنبغا الجوبانى، أحد الأمراء المقدّمين، وتوجّه معه أيضا الأمير يونس، الدوادار الكبير، وكان يوما حافلا. وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، ليزور السلطان، وأحضر صحبته تقادم جليلة للسلطان وللأمراء؛ فلما مثل بين يدى السلطان، رسم له بأن يجلس فوق الأمير سودون الفخرى، النائب، ثم أخلع عليه خلعة سنيّة، ثم رسم له بثمانية جنائب من الخيول، شدّت (١) له من الاصطبل السلطانى، بكنابيش ذهب، وسروج ذهب، جرّها الأوجاقية خلفه، لما نزل من القلعة. فأقام أياما ثم طلع بتقدمة حافلة للسلطان، تشتمل على عشرين مملوكا، منتخبة صغار، وثلاثة وثلاثين حمّالا، عليها أنواع الثياب من الحرير والصوف، والفرو السمّور (٢) والوشق والسنجاب والقاقم، وثلاثة عشر كلبا سالوقيا (٣)، وثمانية عشر فرسا

стр. 955

عليها أجلال الحرير، وخمسين إكديشا، واثنتين وثلاثين حجرة، ومائتى مهمّ، لنتمّة مائتى فرس، وثمانى قطر هجن بقماش ذهب، وخمسة وعشرين قطارا من الهجن بأكوار سادجة (١)، وأربعة قطر جمال بخاتى، لكل جمل منها سنمان، وثمانين جملا عرايا. وأهدى لولد السلطان عشرين فرسا، وخمسة عشر حمّالا، عليها ثياب من صوف وحرير وفرو وبعلبكى؛ وأرسل للأمراء المقدّمين، لكل واحد منهم تقدمة تختصّ به على قدر مقامه؛ فشكره السلطان على ذلك، وقبل هديته؛ ثم إنّ الأمير بيدمر أقام بمصر دون الشهر، وأخلع عليه السلطان خلعة السفر، والاستمرار، وأذن له بالسفر، فتوجّه إلى محلّ ولايته بالشام. وفى شهر ربيع الأول، فيه كان عقد السلطان على الستّ فاطمة ابنة الأمير منجك اليوسفى؛ وكان وكيل السلطان فى عقد النكاح، القاضى كاتب السرّ أوحد الدين عبد الواحد، فأخلع عليه السلطان، وعلى ناظر الخاص، وقضاة القضاة الأربعة، وشهود العقد. - وفيه عمل السلطان المولد النبوى بالقلعة وكان حافلا. وفيه نزل السلطان من القلعة، وتوجّه إلى بيت الأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس، ليعوده (٢)، وكان مريضا منقطعا فى داره أياما، فعاده. - وفيه أذن السلطان لنوّاب القاضى الحنفى، بأن يستمرّوا على حكمهم، بعد موت قاضيهم صدر الدين ابن منصور الحنفى. وفيه نزل السلطان لعيادة الأمير ألطنبغا الجوبانى ثانى مرّة، فلما دخل بيت الجوبانى، فرش له الشقق الحرير من بابه إلى سلّم مقعده، ونثر على رأسه الدنانير الذهب، والدراهم الفضة، ثم قدّم له جميع ما عنده من الخيول والمماليك، فقبل منه ذلك. وفى يوم الأحد سلخ الشهر، حمل جهاز ابنة الأمير منجك، زوجة السلطان، إلى القلعة، فقوّم ذلك الجهاز بنحو ثمانين ألف دينار؛ فكان بهذا الجهاز ثلاثمائة

стр. 956

حمّال، وعشرة أطباق بها عصائب، وكوافى، مرصّع، وذهب، ولؤلؤ، وريش، وكان به سبعون بغلا، عليها قماش وأثاث؛ وكان ماشيا فدّام الجهاز الأمير أيدكار، حاجب الحجّاب، والأمير قردم الحسنى، رأس نوبة النوب، والأمير يونس، الدوادار الكبير، والأمير بهادر، الأستادار، والأمير قرقماس، الخازندار الكبير، وهم بالشاش والقماش، وجماعة كثيرة من الأمراء العشرات والخاصكية والخدّام، وكان أمامهم جوق المغانى من رجال ونساء؛ فلما شقّ من الشارع، كان ذلك اليوم مشهودا فى الفرجة. وفيه قدمت الأخبار من بلاد الغرب، بأنّ أبا العبّاس أحمد بن أبى سالم، صاحب فاس، قد خلع من ملكه، وولى عوضه قرابته موسى بن أبى عنان، فكانت بينهما فتنة عظيمة بمدينة فاس. وفى شهر ربيع الآخر، فيه أخلع السلطان على القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن ابن محبّ الدين محمد بن يوسف بن أحمد الشافعى، واستقرّ به ناظر الجيش بالديار المصرية. وفى ليلة الخميس رابعه، كان دخول السلطان على ابنة الأمير منجك، وكان المهمّ بالقلعة سبعة أيام متوالية. - وفيه قدم إبراهيم الدمياطى من بلاد الحبشة، وكان توجّه إليها قاصدا. وفيه قدم الخبر بنزول مركبين من مراكب الفرنج على رشيد، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بالخروج للأمير يونس، الدوادار، والأمير ألطنبغا المعلّم، أحد المقدّمين، فخرجا إليهم من يومهما، وتوجّها إلى رشيد. وفيه ركب الأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس، وطلع إلى القلعة، وحضر الخدمة، وكان له مدّة وهو منقطع فى داره لم يركب، فركب فى ذلك اليوم، وزيّنت له حارته. وفى يوم الخميس ثانى عشرينه، أخلع السلطان على الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد ابن أبى بكر بن محمد الطرابلسى، أحد نوّاب الحنفية، واستقرّ به قاضى قضاة الحنفية،

стр. 957

عوضا عن القاضى صدر الدين محمد بن منصور، بحكم وفاته، وقد شغر منصب القضاء الحنفية بعد موته نحو أحد وأربعين يوما، حتى ولى الطرابلسى، وكان الساعى له فى ذلك القاضى أوحد الدين كاتب السرّ. وفيه توفّى للسلطان ولد ذكر صغير، فتأسّف عليه، ونزل من القلعة فى اليوم الثانى من موته، وزار قبره، ثم رجع وشقّ من القاهرة. وفى شهر جمادى الأولى، فيه قدم الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر، الحاجب، من الشام، وهو مريض فى محفّة، فلما دخل إلى القاهرة مات من يومه؛ فأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير بورى، صهر أمير كبير أيتمش البجاسى. ومن الحوادث الشنيعة، أنّ فى يوم الاثنين ثالث عشره، غضب السلطان على القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن، ناظر الجيش، بسبب إقطاع زامل، أمير آل فضل، لكون أنّه زاد فيه، فأمر بضربه بين يديه، فضرب نحو ثلاثمائة ضربة بالعصى، وكان ترفا رقيق البشرة، فأشرف على الموت، فأحمل إلى داره فى محفّة، فلزم الفراش أياما، ثم توفّى ليلة الخميس سادس عشره، فكثر عليه الأسف والحزن من الناس، وكان محبّبا لأهل مصر قاطبة؛ وفيه يقول الشهاب أحمد بن العطار: يكفى التقى كرامة أبدت له … نيل الشهادة واغتدى بأمان بشرى الذى قد عاش طول حياته … عيش الملوك ومات بالسلطان فلما كان الموكب الثانى، فيه أخلع السلطان على موفّق الدين أبى الفرج الأسلمى، واستقرّ به ناظر الجيش، عوضا عن تقىّ الدين عبد الرحمن المقدّم ذكره، فصار ناظر الجيش مضافا لما بيده من نظارة الخاص، ونظر الذخيرة، واستيفاء الصحبة، فعظم أمره جدّا. وفيه أخرج الشريف بكتمر الوالى منفيّا إلى الشام، وأنعم بإمرته على الأمير ناصر. - وفيه عزل قاضى القضاة المالكى جمال الدين عبد الرحمن بن خير، بسبب حكم خطّأه فيه بعض مشايخ المالكية. وفى شهر جمادى الآخرة، فيه كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى (١) رابع مسرى،

стр. 958

فركب السلطان وتوجّه إلى المقياس، وخلّق العمود، ثم نزل فى الحرّاقة، وفتح سدّ الخليج، ثم ركب وطلع إلى القلعة. وفيه عزل الشيخ أكمل الدين الحنفى، الشيخ شمس الدين محمد الركراكى المغربى، من تدريس المالكية بالخانقة الشيخونية، فبعث السلطان إليه عدّة رسائل من عنده ليعيده، فلم يقبل شفاعة السلطان فى الركراكى، وصمّم على المنع، فلم يتأثّر السلطان منه، وأرسل يترضّاه، حتى زال ما عنده بسبب الركراكى. وفى يوم الاثنين تاسع عشره، استدعى السلطان بالشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون المغربى المالكى، وأخلع عليه، واستقرّ به قاضى قضاة المالكية، عوضا عن جمال الدين بن خير، بحكم صرفه عن القضاء، وهذا أول ولاية ابن خلدون إلى القضاء، وكان الساعى له فى ذلك الأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس. وفيه قرّر الشيخ تاج الدين بهرام، فى تدريس المالكية بالخانقة الشيخونية، عوضا عن شمس الدين الركراكى. وفى سلخ هذا الشهر، ركب الأمير سودون، النائب، وصحبته قضاة القضاة الأربعة، وتوجّه إلى مصر العتيقة، وكشف عن الكنيسة المعلّقة التى بقصر الشمع، وأمر بهدم ما استجدّه النصارى من البغاء بها. وفى شهر رجب، فى يوم السبت تاسعه، ركب السلطان ونزل إلى الميدان الذى تحت القلعة، ولعب بالكرة مع الأمراء على العادة فى كل سنة، ثم طلع إلى القلعة. وفيه قدم الخبر بأنّ خليل بن ذلغادر قد اتّفق مع القاضى إبراهيم، حاكم سيواس وأرزنجان، والتفّ عليه جماعة من التتار والأكراد، وسار بهم إلى أطراف بلاد درندة، وإلى دوركى، فنهبوا ما فيها؛ فلما أتى الخبر إلى يلبغا الناصرى، نائب حلب، ركب من يومه وتوجّه إلى الأبلستين، وبعث كشّافة فى طلب القوم، فإذا بهم قد تفرّقوا فى أطراف البلاد، ونزل غالبهم على نهر جاهان، وأنّ خليل بن ذلغادر قد نزل بالقرب من سيواس؛ فرجع نائب حلب إلى رأس العين من أعمال ماردين، ثم عاد إلى حران فى طلب التركمان، فلم يظفر بأحد منهم، فأقام هناك أياما، ثم إنّه عاد إلى حلب من غير طائل.

стр. 959

وفيه شرع السلطان فى استبدال خان الزكاة من ورثة الملك الناصر محمد بن قلاون، وابتدأ (١) فى هدمه يوم الأحد رابع عشرين هذا الشهر، وأشيع أنّه يقصد ينشئ مكانه مدرسة، ثم أنّه أقام الأمير جركس الخليلى، أمير آخور كبير، شادا على عمارة هذه المدرسة، وشرع فى حفر الأساسات هناك وفيه تغيّر خاطر السلطان على قضاة حلب، فعزل الأربعة فى يوم واحد، وسبب ذلك أن وقع بين القضاة فتنة عظيمة، وقذفوا أعراض بعضهم بالفسوق، فلما بلغ السلطان ذلك، رسم بأنّ الأربعة قضاة معزولون، وأرسل أربعة تشاريف: فقرّر شرف الدين بن مسعود، فى قضاء الشافعية، عوضا عن شهاب الدين أحمد بن عمر الرجبى؛ وقرّر محبّ الدين محمد بن الشحنة، فى قضاء الحنفية، عوضا عن جمال الدين إبراهيم بن العديم؛ وقرّر جمال الدين عبد الله النحريرى، فى قضاء المالكية، عوضا عن ابن أبى عبد الرحمن بن رشد؛ وقرّر شهاب الدين أحمد بن محمد بن قاضى القضاة موسى بن فيّاض المقدسى، فى قضاء الحنابلة، عوضا عن عمّه شهاب الدين أحمد بن شرف الدين بن فيّاض. وفيه أرسل السلطان تشريفا إلى القاضى ناصر [الدين] (٢) محمد بن تقىّ الدين عمر بن أبى الطيب الدمشقى، واستقرّ به فى كتابة السرّ بحلب، عوضا عن شمس الدين محمد بن أحمد بن مهاجر. وفيه ولى شهاب الدين أحمد بن عبد الله النحريرى، قضاء المالكية بطرابلس، عوضا عن ناصر الدين محمد بن قاضى القضاة سرى الدين إسمعيل بن محمد بن هانئ اللخمى الأندلسى. - وفيه عاد علم الدين القفصى إلى قضاء المالكية بدمشق، عوضا عن البرهان الشاذلى. وفى شهر شعبان، فى ثانيه، مات تحت الهدم بخان الزكاة، جماعة، نحو مائة إنسان، من الفعلة، ممن كان يهدم الحيطان.

стр. 960

وفيه ركب السلطان من القلعة، ودخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة، وكشف على عمارة مدرسته، ثم توجّه إلى بيت الأتابكى أيتمش البجاسى، ودخل إليه، فقدّم له تقدمة حفلة، ثم عاد إلى القلعة. وفى يوم الخميس تاسعه، توجّه السلطان إلى سرحة سرياقوس، على العادة فى كل سنة. - وفيه ثبت النيل المبارك على عشرة أصابع من عشرين ذراعا. وفيه تغيّر خاطر السلطان على بهادر، كاشف الوجه البحرى، فضربه بالمقارع بين يديه ستين شيبا، وأقام أياما فى الترسيم، ثم أخلع عليه، واستمرّ على عادته فى الكشوفية. وفى يوم الاثنين سابع عشرينه، قبض السلطان على سعد الدين نصر الله بن البقرى، واحتاط على موجوده، وقبض على نسائه وغلمانه وحاشيته، وقرّر عليهم الأموال الجزيلة، واستمرّوا فى الترسيم حتى يردّوا ما قرّر عليهم. وفيه تزايدت همّة (١) السلطان فى عمارة مدرسته، التى أنشأها مكان خان الزكاة، وصار الأمير جركس الخليلى، أمير آخور كبير، والشهابى أحمد بن الطولونى، معلّم المعلّمين، يجلسان على دكك فى وسط السوق، فكانوا يرسلون الحجّارة يقطعون الحجارة من الجبل الأحمر إلى بين القصرين، ويجعلونها على عجل تسحبها الأبقار، من الجبل إلى مكان العمارة، وهى التى تسمّى الحجارة العجالية. ثم إنّ السلطان اقترح على المهندسين أن يصنعوا (٢) له القبّة بالحجر النحيت، فصنعوا له ذلك، فهى أول قبّة بنيت بالحجر النحيت فى القاهرة، وكانت القبب القديمة (٣) كلها خشب، ويجعلون (٤) فوقها الرصاص، حتى قبّة مدرسة السلطان حسن على ذلك، فكانت قبّة مدرسة برقوق أول قبّة عمرت بالحجر، فاستمرّت الناس من يومئذ على ذلك، وبطلت القبب الخشب؛ وقال الشهاب أحمد بن العطار المصرى:

стр. 961

قد أنشأ الظاهر السلطان مدرسة … فاقت على إرم مع سرعة العمل يكفى الخليلى أن جاءت لدعوته … صمّ الجبال لها تسعى على عجل وفيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد شمس الدين محمد بن صديق التبريزى، المعروف بصائم الدهر؛ قيل إنّه أقام نيفا وأربعين سنة يصوم الدهر، ولا يفطر إلا على الحمّص فقط، وكان فى زهده ماشيا على طريقة السلف من العبّاد. وفى شهر رمضان، فيه أخلع السلطان على تمرباى الحسنى، كاشف الأبلستين (١)؛ وأخلع على دمرداش القشتمرى، واستقرّ به نائب الكرك؛ وأخلع على أيدمر الشمسى أبو زلطة، واستقرّ به نائب الوجه القبلى؛ وأخلع على محمد بن رمضان التركمانى، واستقرّ به نائب البيرة. وفيه أرسل السلطان خلعة للأمير أركماس حاجب طرابلس، وقرّره فى نيابة صفد؛ وأرسل خلعة لطغاى تمر القبلاوى، وقرّره فى نيابة سيس؛ وأرسل خلعة إلى الشريف سعد بن أبى الغيث، وقرّره فى إمرة الينبع، وأشرك معه ابن عمّه محمد بن مسعود. وفيه خلع على بكتمر الطرخانى، واستقرّ فى ولاية الأشمونين، عوضا عن كرجى، بحكم صرفه عنها. - وفيه عدّى السلطان إلى برّ الجيزة للتنزّه، ثم عاد إلى القلعة من يومه. وفى ليلة الجمعة، تاسع عشر شهر رمضان، كانت وفاة عظيم فقهاء الحنفية بمصر، العالم العلاّمة، فريد دهره، ووحيد عصره، الشيخ أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود ابن أحمد الرومى البابرتى الحنفى، شيخ الشيوخ بالخانقة المباركة الشيخونية، وكان مولده سنة تسع عشرة وسبعمائة، وكان مدّة حياته نحو خمسة وسبعين سنة؛ وكان إماما عالما فاضلا، بارعا فى العلوم، ورعا زاهدا صالحا، ديّنا خيّرا، متنزّها عن الدخول فى المناصب الكبار، وقنع بمشيخة الخانقة الشيخونية، وهو الذى كان سببا فى إنشائها، ورتّب أوقافها على ما احتاره، وقرّره شيخو فى نصف النظر فى جميع أوقافه قاطبة.

стр. 962

وكان الشيخ أكمل الدين مقيما بحلب، ثم دخل إلى مصر، وأخذ العلم عن الشيخ شمس الدين الأصبهانى، وأبى حيان، وغيرهما من المشايخ وأعيان العلماء، وكان ماهرا فى الفقه والحديث والعربية والنحو والأصول، مشاركا عند المباحثة فى كل فنّ، وله عدّة تصانيف مشهورة، منها: شرح الهداية، وشرح التلخيص، وشرح المشارق، وشرح الألفية لابن معطى، وشرح البرماوى فى المعانى والبيان، وغير ذلك من العلوم الجليلة؛ وكان معظّما عند الملوك والسلاطين، ولا سيما الظاهر برقوق، فإنّه كان ينزل إليه فى الخانقاة الشيخونية كل قليل، ويزوره ويستشيره فى الأمور المهمّات، وكانت رسالته لا تردّ عند الأكابر والأعيان، وسئل بقضاء الحنفية غير ما مرّة، وهو يأبى من ذلك. ولما مات نزل السلطان من القلعة، وحضر جنازته، ولما مرض نزل إليه وعاده، فأخرجوه من الخانقاة الشيخونية، وصلّوا عليه فى سبيل المؤمنى، ومشى السلطان أمام نعشه، وأراد أن يحمل نعشه، فلم يمكّنوه الأمراء من ذلك، فصلّوا عليه، ثم عادوا به إلى الخانقة الشيخونية ثانيا، ومشى السلطان أمام نعشه ثانيا، إلى الخانقاة الشيخونية، وحضر دفنه، فدفن داخل القبّة بجوار قبر الأتابكى شيخو؛ وكثر عليه الأسف والحزن من الناس قاطبة، وكان محبّبا إليهم؛ وقال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، يرثيه من أبيات: شيخ إلى سبيل الرشاد مسلك … وسبيله فى العلم ما لا يجهل شيخ تبحّر فى العلوم فمن رأى … بحرا يسوغ لوارديه المنهل شيخ عليه من المهابة رونق … كالبدر لكن وجهه متهلّل شيخ تقدّم فى العلوم لأنّه … إن عدّ أرباب الفضائل أوّل شيخ بحسن بيانه وشروطه … ما بات بالمفتاح باب مقفل ما قيل هذا كامل فى ذاته … إلاّ قلت الشيخ عندى أكمل وفيه يقول الشهاب بن العطار: رم شيخ الإسلام الذى فضله … قد عمنا تشريفه المكمّل

стр. 963

وكيف لا يعطى والذى … بدا به سعد الورى الأكمل ولما توفّى الشيخ أكمل الدين، رحمة الله عليه، أخلع السلطان على الشيخ عزّ الدين يوسف بن محمود الرازى الحنفى العجمى الأصمّ، واستقرّ به فى مشيخة الخانقة الشيخونية، عوضا عن الشيخ أكمل الدين، بحكم وفاته. وفيه أخلع على الشيخ شرف الدين الأشقر العجمى الحنفى، إمام السلطان، واستقرّ فى مشيخة الخانقة البيبرسية، عوضا عن الرازى، واسمه عثمان بن سليمان بن رسول بن يوسف بن خليل بن نوح الكردى الرازى؛ وأخلع على جمال الدين محمود العجمى، المحتسب، واستقرّ فى تدريس الحديث بالقبّة المنصورية، عوضا عن الرازى. وفيه أعيد الركراكى إلى تدريس المالكية بالخانقة الشيخونية، عوضا عن بهرام. - وفيه خلع على كاتب السرّ أوحد الدين عبد الواحد، واستقرّ متحدّثا فى نظر الخانقة الشيخونية، عوضا عن الشيخ أكمل الدين، بحكم أنّ الواقف شرط فى وقفه أنّ نصف النظر للشيخ أكمل الدين، ونصف النظر لمن يكون رأس نوبة النوب. وفيه استقرّ شرف الدين مسعود بن شعبان بن إسمعيل، فى قضاء الشافعية بحلب، عوضا عن شهاب الدين بن أبى الرضى. وفيه قدم كبيش بن الشريف عجلان، أمير مكّة، بالقود عن أخيه، على جارى العادة فى كل سنة. - وفيه استقرّ شهاب الدين أحمد بن ظهيرة (١)، فى قضاء مكّة، عوضا عن كمال الدين أبى الفضل محمد النويرى، بعد وفاته، فحمل إليه تقليده وتشريفه إلى مكّة. - وفيه قدمت رسل متملّك قيصرية الروم، وعلى أيديهم تقدمة حفلة للسلطان. وفى شهر شوّال، فيه فى يوم السبت سادسه، نزل السلطان من القلعة، وعدّى إلى برّ الجيزة، يريد سرحة البحيرة، على جارى العادة فى كل سنة. وفيه خرج المحمل من القاهرة فى تجمّل (٢) زائد، وكان أمير ركب المحمل الأمير

стр. 964

بهادر الجمالى، أحد الأمراء المقدّمين. - وفيه رجع السلطان من سرحة البحيرة. وفى أواخر الشهر، قدمت الأخبار بأنّ الأمير بهادر الجمالى، أمير الحاج، لما وصل إلى عيون القصب، توفّى؛ فلما تحقّق السلطان ذلك أرسل سيدى أبو بكر بن سنقر الجمالى، وعيّنه أمير حاج، عوضا عن بهادر الجمالى، فخرج من يومه حتى أدرك الحجّاج قريب الينبع. وفيه قدمت الأخبار من دمشق، بوفاة القاضى أمين الدين محمد بن الأنفى، وكان من أعيان المالكية، أحد نوّاب المالكية بدمشق. - وقدمت الأخبار أيضا بوفاة الأمير طشتمر، الدوادار، مات بالقدس بطّالا. وفيه أخلع السلطان على الطواشى صواب السعدى، واستقرّ به فى الزمامية، عوضا عن الطواشى نصر، وكان نصر هذا من طواشية الأشرف شعبان. وفى شهر ذى القعدة، فيه أنعم السلطان على سيدى عمر بن بهادر الجمالى، بإمرة عشرة، وكان أعمى كفيفا، فعدّ ذلك من محاسن الظاهر برقوق. وفيه، فى رابع عشره، خلع على الناصرى محمد بن طاجار، واستقرّ فى ولاية الغربية، عوضا عن الأمير فرج بن أيدمر الشمسى. - وفيه خلع على على خان، واستقرّ فى ولاية البحيرة. وفيه ركب السلطان وتوجّه إلى بركة الحجّاج، ثم عاد من يومه، وشقّ من باب النّصر، ودخل القاهرة فى موكب حفل. - وفيه عدّى أيضا السلطان [إلى] (١) برّ الجيزة؛ فأقام هناك إلى آخر النهار، ثم عاد إلى القلعة من يومه. وفى شهر ذى الحجّة، فيه، فى يوم الاثنين رابعه، توفّى القاضى كاتب السرّ أوحد الدين عبد الواحد بن إسمعيل بن ياسين بن عمر الإفريقى الحلبى، سبط القاضى جمال الدين يوسف بن التركمانى، وكان من أهل العلم، حنفى المذهب، فاضلا فى صنعة الإنشاء.

стр. 965

فلما توفّى القاضى أوحد الدين، أرسل السلطان الأمير يونس، الدوادار الكبير، إلى بيت القاضى كاتب السرّ بدر الدين محمد بن فضل الله العمرى، فتوجّه به إلى القلعة، فلما قابل السلطان أخلع عليه، واستقرّ به كاتب السرّ على عادته، عوضا عن أوحد الدين، بحكم وفاته، فنزل من القلعة فى موكب حفل، ومعه جماعة من الأمراء، ومن المقدّمين الألوف (١)، نحو ستة أمراء. وفيه قدم رسل الخان طقطمش بن أزبك خان، متملّك بلاد الدشت؛ فلما بلغ السلطان قدومه، عيّن الأمير سودون، النائب، إلى ملتقاه، فخرج لاقاه من الخانكاة، وخرج صحبته الأمير يونس، الدوادار، فلما دخل المدينة، أنزلوه بالميدان الكبير الناصرى. فلما كان يوم الاثنين ثامن عشره، جلس السلطان بالإيوان الكبير الذى بالقلعة، وعمل الموكب، وحضر جميع الأمراء من المقدّمين وغيرها، وأعيان جماعة المباشرين، ثم أذن للقصّاد فطلعوا إلى القلعة، فلما مثلوا بين يدى السلطان، قرأ مطالعتهم، وكان مما أهدوه للسلطان سبعة سناقر من الطيور الجوارح، وسبع بقج قماش، ضمنها أثواب صوف، وشقق حرير، وغير ذلك، وعدّة مماليك صغار؛ فلما قرئ كتابهم ظهر أنهم رسل متملّك بلاد القرم، فانحطّ قدرهم عند السلطان، وقطع راتبهم، ثم أخرجوا من الميدان إلى مكان بالقلعة، فأقاموا فيه أياما، ثم أخلع عليهم وسافروا إلى بلادهم. وفيه أخرج محمد بن طاجار، والى الغربية، منفيّا إلى طرابلس؛ وأخرج محمد بن طيبغا الدمرداشى منفيّا إلى صفد. وفيه توجّه الأمير كمشبغا الخاصكى، بخلعة إلى الأمير قرابلاط الأحمدى، نائب البحيرة، بأن يستقرّ فى نيابة ثغر الإسكندرية، عوضا عن بلوط الصرغتمشى. - وفيه استقرّ جمق السيفى فى ولاية جهة البهنسا والأطفيحية، عوضا عن أبو درقة. وفيه استجدّ لقرافة مصر العتيقة والى، وهو شخص يسمّى سليمان الكردى؛

стр. 966

وكان يتحدّث على ولاية القرافة والى القاهرة، فأخرجت عنه، ولم يعهد بهذا فيما مضى من الزمان. وفيه عزل والى البهنسا جمق، واستقرّ عوضه على خان. - وفيه خلع على كمشبغا الحموى، واستقرّ فى نيابة طرابلس، عوضا عن مأمور القلمطاوى. وفيه قدمت الأخبار من بلاد الغرب بأنّ صاحب فاس قد خلع من المملكة، وولى عوضه موسى بن أبى عفان، ووقع بها فتنة عظيمة. وفيه أعيد الأمير نعير بن حيار إلى إمرة آل فضل، عوضا عن الأمير عثمان بن قارا بن مهنا. - وفيه نقل الأمير سودون المظفرى من نيابة حماة إلى نيابة حلب، عوضا عن الأمير يلبغا الناصرى. وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: شهاب الدين أحمد ابن محمد بن محمد الفيشى، ناظر المواريث، وناظر الإهراء. - وتوفّى الأمير بهادر الجمالى، أحد الأمراء المقدّمين، توفّى بطريق الحجاز فى عيون القصب، ودفن هناك. وتوفّى قاضى القضاة أبو الربيع سليمان بن خالد بن نعيم بن مقدّم بن محمد بن حسن ابن غانم الطائى ثم البساطى المالكى، مات وهو معزول عن القضاء فى يوم الجمعة سادس عشر صفر، وقد أناف عن الستين. وتوفّى الأمير طبج المحمدى أحد الأمراء المقدّمين، مات بدمشق. - وتوفّى القاضى أوحد الدين عبد الواحد بن تاج الدين بن إسمعيل بن ياسين، كاتب السرّ بالديار المصرية، توفّى يوم السبت ثانى ذى الحجّة. وتوفّى ناظر الجيش تقىّ الدين عبد الرحمن بن ناظر الجيش محبّ الدين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدايم التيمى الحلبى الشافعى، توفّى ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى. وتوفّى الأمير جمال الدين عبد الله بن الأمير بكتمر الحاجب، أحد الأمراء الطبلخانات، توفّى يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى. وتوفّى الأمير علاء الدين على بن أحمد بن السايس الطيبرسى، أستادار خوند بركة،

стр. 967

أمّ الأشرف شعبان. - وتوفّى قاضى القضاة صدر الدين محمد بن علاء الدين على بن منصور الحنفى، وكان علامة فى مذهبه، وقد أناف عن الثمانين سنة من العمر. وتوفّى الشيخ أكمل الدين الحنفى محمد بن محمد بن محمود الرومى البابرتى، وقد تقدّم نعته. - وتوفّى قاضى مكّة وخطيبها كمال الدين أبو الفضل محمد بن شهاب الدين أحمد بن على العقيلى النويرى، توفّى بمكّة. وتوفّى عالم بغداد الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن على الكرمانى ثم البغدادى الشافعى، شارح (١) صحيح البخارى، توفّى بطريق الحجاز، وحمل من هناك إلى بغداد، ودفن بها، ومولده فى جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبعمائة، وكان قدم إلى مصر، وتوجّه إلى دمشق، ثم توجّه إلى مكّة، فمات فى أثناء الطريق. وتوفّى الشيخ محمد بن صديق التبريزى، المعروف بصائم الدهر، قيل إنّه أقام نيفا وأربعين سنة يصوم الدهر، ويفطر على القليل من الحمّص فقط. وتوفّى تاج الدين موسى بن أبى شاكر بن سعد الدولة أحمد، ويعرف أيضا بمالك الرقّ، وهو والد الوزير فخر الدين ماجد بن أبى شاكر، توفّى فى ذى القعدة، وقيل هو الذى أنشأ الجامع الذى فى آخر بولاق. وتوفّى ناظر الخاص تاج الدين موسى بن سعد الدين أبى الفرج، عرف بابن كاتب السعدى، وقد اشتبه علىّ هل هو الذى أنشأ الجامع الذى فى آخر بولاق، أم تاج الدين موسى الأوّل؟ وتوفّى الشيخ على العريان، وكان معتقدا بالصلاح بين الناس. - وتوفّى سيدى يحيى بن السلطان حسن بن محمد بن قلاون. وتوفّى أمين الدين محمد بن على بن حسن الأنفى، قاضى المالكية بحلب، وقد أناف عن السبعين سنة من العمر، ومولده سنة ثلاث (٢) عشرة وسبعمائة. وتوفّى الأمير طشتمر العلاى، الدوادار، وكان ديّنا خيّرا، مشتغلا بالعلم، توفّى

стр. 968

بالقدس بطّالا، بعد أن ولى عدّة وظائف سنيّة، منها: الدوادارية الكبرى، والأتابكية بمصر، ونيابة الشام، وكان متصرّفا فى أمور الدولة أيام الأشرف شعبان. وتوفّى الأمير معيقل بن فضل بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة، أمير آل فضل، وكان شريكا لابن عمّه زامل؛ انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وسبعمائة فيها فى المحرّم، فيه يوم الاثنين ثانيه، أخلع السلطان على الطواشى صواب الشهابى، واستقرّ به نائب مقدّم المماليك، عوضا عن نصر النابلسى، بحكم وفاته. وفيه خلع على القاضى ناصر الدين محمد بن أبى الطيب، واستقرّ كاتب السرّ بحلب؛ وأرسل خلعة إلى الأمير سودون المظفرى، حاجب حلب، وقرّره فى نيابة حماة، عوضا عن الأمير صنجق؛ ونقل الأمير صنجق إلى نيابة طرابلس. وفيه أخرج الأمير بلوط الصرغتمشى، نائب الإسكندرية، منفيّا إلى الكرك. - وفيه خلع على الأمير قطلوبغا الأسن قجاوى، المعروف بأبى درقة، واستقرّ نائب الوجه البحرى، عوضا عن قرا بلاط الأحمدى؛ وقرّر قرا بلاط الأحمدى فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير بلوط الصرغتمشى. وفى شهر صفر، فرش الإيوان، الذى يقال له دار العدل، من قلعة الجبل، ببسط جدد، كان الأشرف شعبان بن حسين قد رسم بعمل تلك (١) البسط بالكرك، عند توجّهه إلى الحجاز، فأهمل عملها بعد قتله، فلما بلغ السلطان خبرها، أرسل طلبها، فحملت إليه، ففرشها فى الإيوان؛ ثم إنّ السلطان فرش دهاليز القصر الكبير بالبسط، العمل الشريف (٢)، ومنع الأمراء أن لا يدخلوا القصر ومعهم بجمقدارية، غير مملوك واحد، فامتثلوا الأمراء ذلك. وفيه ضرب الأمير على خان، والى البهنسا، وقرّر عليه مال يردّه إلى الخزائن

стр. 969

الشريفة، ثم أخرج من القاهرة منفيّا إلى الكرك. - وفيه خلع على الأمير مبارك شاه، متولّى أسوان، واستقرّ والى البهنسا. وفيه قدمت رسل طقتمش خان بن أزبك، فخرج الأمراء وأجناد الحلقة إلى لقائهم، فلما مثلوا بين يدى السلطان، قرأ كتابهم، وقبل هديّتهم التى جاءت صحبتهم. - وفيه قدم البريد من حلب بورود سولى بن ذلغادر طائعا، فأخلع عليه السلطان، وأكرمه، وأنعم عليه بمال. وفى شهر ربيع الأوّل، فيه سافر سولى بن ذلغادر، فلما وصل إلى حلب، ورد مرسوم السلطان إلى الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، بالقبض على سولى بن ذلغادر وسجنه بقلعة (١) حلب، فتحيّل وهرب من السجن ليلا؛ فلما بلغ نائب حلب ذلك، ركب فى طلبه حتى عدّى الفرات، فلم يظفر به. وفيه خلع على بيليك السيفى، واستقرّ فى ولاية أشموم الرمّان، عوضا عن بيرم. - وفيه خلع على محمد بن العادلى، واستقر فى ولاية أطفيح، عوضا عن قطلو شاه. وفى شهر ربيع الآخر، فيه جاء خبر بموت عثمان بن حيار بن مهنا، أمير آل فضل، فأرسل السلطان خلعة إلى نعير بن حيار، وأقرّه فى إمرة آل فضل، عوضا عن عثمان ابن حيار بن مهنا، بحكم وفاته. وفيه قدمت الأخبار من ثغر الإسكندرية بوفاة نائبها قرابلاط الأحمدى؛ فلما توفّى أخلع السلطان على الأمير بجمان، واستقرّ به نائب الإسكندرية، عوضا عن قرابلاط الذى كان بها. وفيه عزل ابن خلدون المغربى من قضاء المالكية؛ وأخلع على ابن خير، وأعيد إلى قضاء المالكية، عوضا عن ابن خلدون. - وفيه أخرج الأمير جوبان العمرى منفيّا إلى الشام، وكان من الأمراء العشرات. وفيه، فى يوم السبت، نزل السلطان من القلعة، وسيّر إلى نحو المطرية، ثم دخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة، وكشف عن عمارة مدرسته،

стр. 970

وخرج من باب زويلة، وطلع إلى القلعة، بعد أن دخل إلى بيت الأمير ألطنبغا الجوبانى مسلّما عليه. وفيه خلع على جمال الدين يوسف بن بشارة، وزير دمشق، واستقرّ فى نظر الجيش بها، عوضا عن ناصر الدين محمد بن مشكور، فجمع بين وزارة دمشق، ونظر جيشها. وفيه اشترى السلطان مملوكه تمربغا الأفضلى، المعروف بمنطاش، أخو الأمير تمرباى، فأقام مدّة فى الطبقة، ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشا، وصار من جملة المماليك السلطانية. وفى شهر جمادى الأولى، فيه أخذ قاع النيل، فجاءت القاعدة ستة أذرع وأربع أصابع. - وفيه أنعم السلطان على أزدمر الشرفى، بتقدمة الأمير جوبان العمرى. وفيه أرسل الأمير ألطنبغا الجوبانى عشرين مركبا شوانى إلى نحو دمياط، وقد شحنها بالعدد والسلاح والمقاتلين، لتغزو فى بلاد الفرنج. - وفيه وقعت زلزلة مرّتين فى يوم واحد، فارتاع الناس من ذلك. وفى شهر جمادى الآخرة، فيه، فى يوم الأربعاء سابع عشره (١)، قدم الخبر بأنّ شوانى الأمير ألطنبغا الجوبانى، التى (٢) أرسلهم (٣) إلى بلاد الفرنج، بأنّ المقاتلين الذين (٤) بها غزوا فى الفرنج، وقد أسروا منهم خمسة وثلاثين رجلا، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وغنموا منهم غنائم (٥) عظيمة؛ وقد ساروا من دمياط فى البحر الملح، فوجدوا مركبا فيه الفرنج الجنويّة، فأسروهم، فلما حضروا بهم إلى بولاق، توجّهت الناس إلى الفرجة عليهم، وخرجوا أفواجا، أفواجا، إليهم، ثم من الغد عرضت الأسرى على السلطان فى الميدان، فقطع رقاب جماعة منهم، وأبقى منهم جماعة. وفيه توفّى القاضى شمس الدين محمد العبسى، متولّى ديوان الأحباس، وهو جدّ

стр. 971

هؤلاء الجماعة الموجودين [١] إلى الآن منهم. وفيه توفّى الطواشى الأمير كافور الهندى الزمردى الناصرى، المعروف بشبل الدولة، وكان من خدّام الملك الناصر محمد بن قلاون، تولى الزمامية فى دولة الملك الناصر حسن، وكان قد قارب من العمر نحو المائة سنة، وكان فى سعة من المال؛ وهو صاحب التربة، التى بالقرافة، تحت الجبل المقطم، ولما مات دفن بها؛ وكان حسن المحاضرة، وينظم الشعر الجيّد، ومن شعره ما كتبه على رفرف مقعد بيته، هذين البيتين [٢]، وهما غاية فى الحسن، قوله: خدمنا بأبواب السلاطين قبلكم … وكانت لنا أهل الممالك تخدم فما أبطرتنا يعلم الله نعمة … ولا نيل منّا بالأذية مسلم وفيه قدمت الأخبار من اليمن، بوفاة الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبى بكر الزبيدى، عالم اليمن ومفتيها، وكان من مشاهير العلماء الشافعية. - وفيه خرج البريد بإحضار الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب. وفى شهر رجب، فيه كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى ثامن مسرى، فلما أوفى [٣] توجّه الأمير حاجب الحجّاب لفتح السدّ. وفيه قدم الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، إلى بلبيس، فلما بلغ [السلطان] [٤] ذلك، أرسل إليه بعض الأمراء إلى هناك، فقيّده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية. - وفيه خرج الأمير كمشبغا الخاصكى على البريد، لنقل الأمير سودون المظفرى، من نيابة حماة، إلى نيابة حلب، عوضا عن يلبغا الناصرى. وكان سبب عزل يلبغا الناصرى عن نيابة حلب، أن قد بلغ السلطان أنّه متواطئ مع سولى بن ذلغادر، أمير التركمان، وقد اتّفقا على المخامرة والعصيان على السلطان، فلما تحقّق السلطان ذلك بادر بالقبض عليه، وقيّده وأرسله إلى السجن بالإسكندرية.

стр. 972

وفيه قدم الخبر بأنّ أولاد كثير (١) هجموا على مدينة أسوان، ونهبوا الدور التى بها، وقتلوا معظم أهلها، وأخربوا غالب دورها وفرّ منهم والى أسوان؛ فلما بلغ السلطان ذلك، أخلع على حسين بن قرط بن عمر التركمانى، واستقرّ به فى ولاية أسوان؛ ورسم بأن يتوجّه معه الكاشف محمد بن مازن. - وفيه خلع على مقبل مملوك الأزقى، واستقرّ فى ولاية أشموم الرمّان، عوضا عن بيليك بحكم وفاته. وفيه وقعت حادثة غريبة، وهى أنّ امرأة صالحة رأت النبى، ﷺ ، فى المنام، وهو يقول لها: «قولى للنساء ينتهوا (٢) عن لباس الشاش»، وهو شئ قد اقترحته النساء، يلبسونه على رءوسهن، مثل سنم الجمل، طوله نحو ذراع، وارتفاعه نحو ربع ذراع، ويرخونه على ظهورهن، ويزخرفونه بالذهب واللؤلؤ، ويبالغوا فى ذلك غاية المبالغة، وكانت هذه بدعة سيئة من النساء. ثم إنّ تلك (٣) المرأة رأت النبى، ﷺ ، فى المنام مرّة ثانية، فقال لها: «قد نهيتكم عن لبس الشاش فلم تنتهوا». وكانت ابنة تلك المرأة الصالحة تلبس الشاش، فقال لها النبى، ﷺ : «إنّ ابنتك ما تموت إلا نصرانية» فلما أصبحت تلك المرأة توجّهت إلى بيت شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، وقصّت رؤياها عليه، فأمرها أن تأخذ ابنتها وتمضى بها إلى كنيسة النصارى، وتصلّى هناك وقت الصبح ركعتين، وتسأل الله تعالى لعله يرحمها؛ فمضت بها أمتها إلى كنيسة النصارى، فصلّت هناك ركعتين، فلما سجدت خرّت ميّتة لوقتها، فتركتها أمّها هناك وانصرفت عنها، فدفنها النصارى عندهم، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة. وفيه خرج الأمير جمال الدين محمود، شاد الدواوين، على خيل البريد، وتوجّه إلى حلب، بسبب ضبط موجود الأمير يلبغا الناصرى، نائب حلب، فخرج مسرعا بسبب ذلك. وفى شهر شعبان، فيه قدم رسل متملّك اسطنبول، وصحبتهم تقدمة حفلة للسلطان،

стр. 973

وأرسل يسأل فضل السلطان بأن تمكّن تجّارهم من الدخول إلى مصر والشام، وأن يقام لهم قنصل بثغر الإسكندرية، أسوة بغيرهم (١) من طوائف الفرنج، فأجيب إلى ذلك. وفيه ولدت امرأة ابنة لها رأسان، فى حقوة واحدة، على صدر واحد، ويدين، ومن تحت السرّة، تنقسم إلى شكل نصفين، وفى كل نصف منهما رجلان كاملتان، فلم تعش تلك المولودة (٢) غير يوم وليلة، وماتت. وفيه خلع على المقدّم عبيد، البازدار، ورسم له السلطان بأن يتزايا بزىّ الأجناد، ويلبس الكلفتاة والقباء والخفّ والمهاميز. - وفيه خلع على همام الدين عبد الواحد السيواسى العجمى، نائب الحسبة بالقاهرة، واستقرّ فى قضاء الحنفية بثغر الإسكندرية، ونظر أوقافها قاطبة. وفيه قبض السلطان على الأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس، ورسم بنفيه إلى الإسكندرية، فشفع فيه أمير كبير أيتمش البجاسى، فرسم له بأن يتوجّه نائب الكرك، فأخلع عليه، وخرج إليها من يومه. ومما وقع فى هذا الشهر، فى أواخره، من الحوادث، أنّ السلطان رسم بإبطال ما كان يعمل فى يوم النوروز، وهو أول يوم من السنة القبطية، فكان يعمل فى ذلك اليوم بالديار المصرية، من قديم الزمان، فى أيام الأقباط، أن كان يجتمع فى ذلك اليوم السواد الأعظم من أسافل العوام، وكان يركب منهم شخص خليع (٣)، عابر العين، قوىّ الطباع، فيركب على حمار، وهو عريان، وعلى رأسه طرطور خوص، فيسمّونه أمير النوروز. فيتوجّه إلى بيوت أكابر الدولة من أعيان المباشرين، وغيرها (٤) من مشاهير الناس، فيقف أمير النوروز على بابه، ومعه السواد الأعظم من أوباش الأعوام، فيكتب

стр. 974

على صاحب تلك الدار الوصولات بالجمل الثقال من المال، فإن امتنع من الإعطاء بهدلوه وسبّوه، ولو كان أكبر من فى القاهرة، ولا يزالون (١) مترسّمين على بابه حتى يأخذوا منه ما قرّروه عليه، فيأخذون (٢) منه ذلك القدر طوعا أو كرها. وكان طائفة منهم يقفون فى الطرقات، ويتراششون بالماء المتنجّس أو بالخمر، ويتراجمون بالبيض فى وجوههم، ويتصافعون بالأخفاف والأنطاع على رقابهم، ويتراجمون بعمائمهم فى الأسواق والأزقة، حتى قال فى ذلك بعض شعراء العصر، وأجاد: بدارى رجال للمجون (٣) ترجّلت … عمائمهم عن هامهم والطيالس فللراح ما زرّت عليه جيوبها … وللماء ما دارت عليه القلانس مساحب من جرّ الزقاق على القفا … وصفع بأنطاع جنىّ ويابس وكانوا يقطعون الطريق على من يمرّ من الناس، ويمنعونهم من الخروج فى ذلك اليوم إلى الأسواق، وتغلق فى ذلك اليوم الدكاكين، وتتعطّل الناس عن البيع والشرى، وكل من ظفروا به ماشيا فى الطرقات، يبهدلونه (٤)، ولو كان رئيسا من أعيان الناس، أو من الأمراء، فيرشّونه بالماء المتنجّس، ويرجمونه بالبيض، حتى يفدى نفسه منهم بشئ يعطيه لهم، حتى يخلص من أيديهم، فيحصل للناس فى ذلك اليوم غاية الضرر، وتتعطّل عن أسبابها. وكانوا يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور، وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات، حتى يخرجون فى ذلك عن الحدّ، وربما كان يقتل فى ذلك اليوم جماعة ممن يعربدون (٥) على بعضهم فى السّكر؛ وكان هذا الأمر ماشيا بمصر على القاعدة القديمة من الدول الماضية، فى كل سنة فى يوم النوروز، ولا ينكر ذلك بين الناس. وكان فى ذلك اليوم يحمل إلى أكابر مصر من الأقباط من أعيان المباشرين،

стр. 975

أصناف الفواكه من الرمّان والبلح والخوخ المشعر، ومشنّات السفرجل والتفاح الشامى والكمثرى، وأقفاص العنب، وعراجين الموز، والثمر القوصى، وقفاف الرطب، وأحمال البطيخ الصيفى، ومشنّات التين، وغير ذلك من أنواع الفواكه؛ وكان يحمل لأكابر الأقباط من المباشرين، قدور الهريسة المعمولة من لحوم الدجاج والأوز والضأن، ومعها بطط الجلاّب، وصحون الحلوى من القاهرية، وغير ذلك من الأنواع اللطيفة، وكان يوم النوروز من أجلّ المواسم بالديار المصرية. فلما كانت دولة الجراكسة، وتسلطن الملك الظاهر برقوق، أمر فى ذلك اليوم بإبطال ما كان يعمل فى ذلك اليوم، النوروز؛ ورسم للحجّاب ووالى القاهرة، بأن يتوجّهوا إلى أماكن المفترجات، ويقبضوا على من وجدوه من الأعوام، ممن يفعلون ذلك، فقبضوا على جماعة كثيرة منهم، وضربوهم بالمقارع، وربما قطعوا أيدى جماعة منهم، ثم أشهروا النداء بالتهديد لمن يفعل ذلك، ثم نصبوا عدّة أخشاب، وفيها حبال فى أماكن كثيرة، برسم من يشنق عليها، فرجعوا الناس من يومئذ عن ذلك، وانكفّوا عما كانوا يفعلونه فى ذلك اليوم، وصاروا يفعلون بعض شئ من ذلك فى أماكن من المفترجات، فى الخلجان والبرك أو نحو ذلك؛ نقل ذلك الشيخ تقىّ الدين أحمد المقريزى (١)، فى حوادث سنة سبع وثمانين وسبعمائة، انتهى ذلك. وفى شهر رمضان، فيه قرّر الشيخ همام الدين عبد الواحد السيواسى العجمى، فى قضاء الحنفية بثغر الإسكندرية، ونظر أوقافها؛ والشيخ همام الدين هذا، هو والد الشيخ كمال الدين محمد بن الهمام، شيخ الخانقاة الشيخونية، رحمة الله عليه. وفيه استقرّ القاضى جمال الدين عبد الله النحريرى، فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن زين الدين عبد الرحمن بن رشد، بحكم وفاته. - وفيه استقرّ القاضى شهاب الدين أحمد بن السلاوى، فى قضاء المالكية بطرابلس، عوضا عن ابن وهيبة. وفيه قدم الخبر بوقوع الوباء بحلب وبلغ عدّة من مات فى كل يوم ألف انسان وزيادة، وأكثر من كان يموت البنات والنساء.

стр. 976

وفى شهر شوّال، فيه عدّى السلطان إلى برّ الجيزة، وسار إلى السرحة بالبحيرة على العادة، فأقام غائبا أياما، ثم عاد إلى القلعة. - وفيه قدم إلى مصر خجا أخو بيرم خجا، عمّ قرا محمد أمير الموصل، فأتى يسأل فضل السلطان بأنّ إذا دهمه العدوّ بأن يمكّن من الدخول إلى حلب. وفيه رسم السلطان بعمارة شوانى حربية، فابتدأ فى عمارتها فى أوائل هذا الشهر، وكان عملها عند البهطلة، تجاه المقياس. - وفيه كسفت الشمس كسوفا فاحشا، من بعد الظهر إلى قريب زوال النهار، ودخول الغروب. وفى شهر ذى القعدة، فيه أرسل الأمير جركس الخليلى قمحا كثيرا، من البحر الملح إلى مكّة والمدينة، ليعمل منه فى كل يوم بمكّة خمسمائة رغيف، وبالمدينة خمسمائة رغيف، تفرّق على الفقراء والمساكين من المجاورين؛ وكان قد وقع الغلاء هناك، فحصل للفقراء بذلك غاية النفع. وفيه خلع على أمير حاج، وقرّر فى ولاية الأشمونين، عوضا عن بكتمر الشهابى. - وفيه قدمت رسل تيمور لنك على السلطان بكتاب من عنده، فأعيد إليه بالجواب. وفيه توقّف النيل عن الزيادة، فتزايد سعر الغلال، واشتدّ الأمر على الناس جدّا، وكثرت رماية القمح العتيق على الطحّانين بالثمن الغالى المشطّط، وهذا مما أحدث من المفاسد بالديار المصرية. وفى شهر ذى الحجّة، فيه خسف جرم القمر، من أواخر الليل حتى طلع النهار؛ فكان بين كسوف الشمس وخسوف القمر دون الشهر. - وفيه خلع على القاضى شهاب [الدين] (١) أحمد النحريرى، واستقرّ فى قضاء المالكية بطرابلس، عوضا عن ناصر الدين محمد بن السرى إسمعيل بن محمد بن هانئ الأندلسى. وفيه قدمت الأخبار بوفاة شاه شجاع، صاحب شيراز وكرمان، وكان أجلّ ملوك الشرق، ولما مات ولى بعده ابنه زين العابدين، وقيل إنّ شاه شجاع مات بالعلّة الكلبية، فإنّه كان يأكل ولا يشبع قط من الأكل، فاستمرّ على ذلك حتى مات.

стр. 977

وفيه توفّى الشيخ شرف الدين اليونينى، وكان من أعيان علماء الشافعية. - وقدمت الأخبار بوفاة القاضى المالكى بحلب، وهو عبد الرحمن بن زيد المغربى، وكان من الأفاضل فى مذهبه، انتهى ذلك. وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: قاضى الحنفية بحلب، تاج الدين أحمد بن محمد بن محبوب، المحدّث المسند الفاضل. - وتوفّى جمال الدين إبراهيم بن قاضى حلب جمال الدين هبة الله بن قاضى حلب نجم الدين أحمد بن يحيى، المعروف بابن العديم الحلبى الحنفى. وتوفّى كبير التجّار زكى الدين أبو بكر بن على الخرّوبى، وكانت وفاته فى يوم الخميس تاسع عشر المحرّم (١). - وتوفّى الأمير بيليك، والى الأشمونين. وتوفّى قاضى المالكية بحلب، زين الدين عبد الرحمن بن رشد. - وتوفّى عالم اليمن، ومفتيها، الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبى بكر الزبيدى. وتوفّى عثمان ابن قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير آل فضل، فى ربيع الأول. - وتوفّى الأمير قرابلاط الأحمدى اليلبغاوى، نائب ثغر الإسكندرية. وتوفّى شمس الدين محمد بن سبع العبسى، مستوفى ديوان الأحباس، وهو جدّ أولاد العبسى، توفّى فى ثامن عشر شعبان. - وتوفّى الأمير آقبغا، الدوادار، فى شهر ربيع الآخر. - وتوفّى الشيخ نجم الدين أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين بن عبد المحسن، المعروف بابن الجابى الياسوفى الدمشقى الشافعى. وتوفّى الشيخ محيى الدين عبد القادر بن الإمام شمس الدين محمد بن يحيى بن أحمد ابن محمد بن عبد الرزاق بن القطب الفرد، الجامع، الشيخ عبد القادر الكيلانى الجبلى، رحمة الله عليه. وتوفّى السيد الشريف، نقيب الأشراف، شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الحسينى الحرانى الحلبى. - وتوفّى شيخ الشيوخ بحلب، الشيخ نجم الدين عبد اللطيف بن محمد بن موسى بن أبى الفتوح بن أبى سعد فضل الله بن الخير الخراسانى ثم الحلبى.

стр. 978

وتوفّى شرف الدين أبو بكر بن الشيخ زين الدين عمر بن مظفر بن عمر بن الوردى المعرى الحلبى، الفقيه الأديب، عن بضع وسبعين سنة، توفّى بحلب. - وتوفّى شاه شجاع، صاحب شيراز وكرمان، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فأهلّ الشهر بالجمعة، ففى سادس المحرّم، قدم مبشّر الحاج، وقد تأخّر عن عادته أياما، فأخبر عن الحجّاج بالأمن والسلامة. - وفيه أخرج الأمير جوبان العمرى منفيّا إلى صفد، وأنعم بإمرته على الأمير أرسبغا السيفى. وفيه عقد السلطان عقده على خوند هاجر، ابنة الأمير منكلى بغا الشمسى، وأمّها أخت الملك الأشرف شعبان. وفيه قدمت الحجّاج من مكّة، وكان أمير المحمل فى هذه السنة، الأمير أحمد بن يلبغا العمرى، وكان الركب الأول، وركب المحمل، ركبا واحدا. وفيه قبض السلطان على عدّة من المماليك الأشرفية، وضربهم بالمقارع، وكان سبب ذلك، قد بلغ السلطان أنّهم قصدوا أن يهجموا عليه وهو بالميدان ويقتلوه، فلما تحقّق ذلك قبض عليهم وضربهم. ثم قبض على الأمير تمربغا الحاجب، ورسم بتسميره فسمّر بالمسامير الحديد، هو ومن قبض عليهم من المماليك الأشرفية، وأركبوهم على جمال وأشهروهم فى القاهرة، ثم وسّطوهم فى بركة الكلاب، وكان يوما شنيعا. - ثم بعد أيام قبض على ستة عشر مملوكا (١) من مماليك الأتابكى أيتمش البجاسى، ورسم بنفيهم إلى الشام، هم ومن بقى من المماليك الأشرفية. وفيه قدم الأمير إبراهيم بن قراجا بن ذلغادر، وقد أتى طائعا، فأخلع عليه السلطان، ورسم له بإمرة طبلخاناة بمصر. - وفيه توفّى الأديب البارع شهاب الدين أحمد الدمنهورى، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: على قدر عقل المرء فى حال صحوه … يؤثر فيه الخمر فى حال سكره

стр. 979

فيأخذ من العقل الكثير أقلّه … ويأتى على العقل اليسير بأسره وفى شهر صفر، فيه نقل الشريف هيازع بن هبة الحسنى، أخو جماز، أمير المدينة النبوية، من البرج الذى بقلعة الجبل، إلى السجن بالإسكندرية، فسجن بها، وكان له نحو سنة ونصف وهو فى البرج بالقلعة، ثم نقل إلى الإسكندرية، واستمرّ بها فى السجن مدّة طويلة. وفيه قدم الخبر من ماردين، باستيلاء تمرلنك على مدينة تبريز، وقتل أهلها، وأخرب غالب بيوتها، وقد استولى على عدّة بلاد من بلاد الشرق؛ فلما تحقّق السلطان ذلك تنكّد لهذا الخبر. وفيه أشيع أنّ دخل إلى القاهرة منسر (١)، نحو ستين رجلا، يقال إنّهم تدلّوا من بعض جهات السور من نحو البرقيّة (٢)، فنهبوا سوق الجملون العتيق، الذى بالقرب من جامع الحاكم، واستمرّ من يومئذ خرابا؛ فلما بلغ الوالى ذلك، ركب تحت الليل، وكان الوالى يومئذ الأمير حسام الدين حسين الكورانى، فتتبّع ذلك المنسر، فقبض على ثلاثة أنفار منهم، ووجد معهم ما نهبوه من الجملون، فعاقبهم حتى دلّوا على بقيّتهم. وفيه وقع حريق فى بركة الرطلى، بالجسر، بالقرب من قنطرة الحاجب، فاحترق فى تلك الليلة عدّة بيوت؛ فتوجّه حاجب الحجّاب والوالى، مع عدّة من المماليك السلطانية (٣)، لطفيه حتى طفى. وفيه رسم السلطان بنقل الأمير يلبغا الناصرى، من ثغر الإسكندرية إلى ثغر دمياط، ورسم له أن يركب ويتنزّه بدمياط حيث شاء. وفى شهر ربيع الأوّل، فيه قدم البريد من حلب برأس الأمير خليل بن قراجا بن ذلغادر، أمير التركمان؛ وقد قبض على (٤) أخيه عثمان بن قراجا، وعلى ابن أخيه إبراهيم، وحزّ رأسه أيضا، وقد أخذوا غدرا.

стр. 980

وفيه خلع على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن مكانس، وقرّر فى نظر الدولة، بعد ما كان وزيرا؛ وخلع على الصاحب علم الدين سنّ إبرة (١) الطنساوى، وقرّر فى نظر جهات الأسواق، بعد ما كان وزيرا، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. وفيه قدم الخبر بوقوع الطاعون فى ثغر الإسكندرية، وقد بلغ عدّة من يموت بها فى كل يوم مائة إنسان، من صغار وكبار، ورجال ونساء، وغير ذلك. وفيه وقع الرخاء بالديار المصرية، حتى أبيع اللحم البقرى، كل رطلين ونصف بدرهم، وأبيع اللحم الضأن السميط، كل رطلين بدرهم، ووقع الرخاء فى سائر البضائع، والحبوبات قاطبة. وفيه قبض الوالى على ثمانية أنفار من المنسر، فسمّرهم على جمال، وسمّر أيديهم بالمسامير الحديد فى الخشب، وجعل فى أرجلهم قباقيب خشب، وسمّرت فى أرجلهم بالمسامير، وأشهرهم فى القاهرة، ثم وسّطهم فى بركة الكلاب. وفيه تغيّر خاطر السلطان على الصاحب موفّق الدين أبى الفرج، ناظر الجيش، فضربه نحو مائة عصاة (٢)، وقرّر عليه مالا يردّه. - وفيه خلع على محمد بن عيسى، شيخ عرب العايد بالشرقية، وقرّر فى مشيخة العايد، شريكا لأخيه مهنا. وفى شهر ربيع الآخر، فيه ماتت للسلطان ابنة صغيرة، فدفنت فى القبّة بالمدرسة قبل أن تكمل. - وفيه أخذ قاع النيل على العادة، فكان ستة أذرع سواء. - وفيه خلع على عبيد بن البازدار، وأعيد إلى تقدمة الدولة، كما كان أولا فيها. - وفيه خلع على محمد بن أشقتمر (٣)، واستقرّ فى ولاية منفلوط. وفيه تغيّر خاطر السلطان على القاضى شهاب الدين أحمد بن ظهيرة، فعزله عن قضاء مكّة، وخطابتها، وسبب ذلك قد رافعه الشريف أحمد بن عجلان، أمير مكّة، بما غيّر خاطر السلطان عليه.

стр. 981

ثم إنّ السلطان أرسل هجّانا بخلعة إلى القاضى محبّ الدين محمد بن أبى الفضل النويرى، قاضى المدينة النبوية، وخطيبها، بأن يستقرّ فى قضاء مكّة، وفى خطابتها، عوضا عن القاضى شهاب الدين بن ظهيرة؛ وأخلع على الشيخ زين الدين عبد الرحيم ابن الحسين العراقى، واستقرّ به فى قضاء المدينة النبوية، وخطابتها، عوضا عن محبّ الدين محمد النويرى. وفيه كملت عمارة ثمانية مراكب أغربة حربية، التى (١) كان السلطان رسم بعمارتها، وشحنت بالأسلحة والعدد والمقاتلين. وفى شهر جمادى الأولى، فيه قدم إلى الأبواب الشريفة أمير زاه بن ملك الكرج، وقد أتى إلى مصر راغبا فى الإسلام، فلما وقف بين يدى السلطان، قال له: «إنى رأيت النبى، ﷺ ، فى المنام، فقال لى: امض إلى مصر، وأسلم على يد خادم الحرمين، فقلت له: ومن هو خادم الحرمين؟ فقال: برقوق سلطان مصر». فلما سمع السلطان ذلك، أحضر القضاة الأربعة، واستسلمه بحضرتهم، وسمّاه عبد الله، ثم أنزله بقصر خوند الحجازية، الذى برحبة باب العيد بالقاهرة، وأنعم عليه بإمرة عشرة، واستمرّ مقيما بمصر إلى أن سافر إلى بلاده. وفيه قدم على السلطان رسل القان أحمد بن أويس، صاحب بغداد، وصحبته هديّة حفلة إلى السلطان، وأرسل يحذّره من سطوة تمر لنك، وما ملكه من المدن والحصون، وما جرى منه فى الفتك بالناس. وفيه قدم الشريف ثابت بن نعير الحسنى، من المدينة النبوية، وأخبر بموت عمّه محمد بن عطية، أمير المدينة، فأتى ليسعى فى إمرة المدينة، عوضا عن عمّه، وكان غير مشكور السيرة، فقبض عليه السلطان وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فسجن بها. وفيه قدم الشريف عنان بن مغامس الحسنى، من مكّة، وقد أتى فارّا من ابن عمّه الشريف أحمد بن عجلان، أمير مكّة، فلما حضر أكرمه السلطان، ورتّب له ما يكفيه فى كل شهر، واستمرّ مقيما بمصر.

стр. 982

وفى شهر جمادى الآخرة، فيه قدم البريد من حلب، وأخبر بوقوع فتنة عظيمة، وقعت بين نائب حلب، وبين التركمان، وقد توجّه إلى قتالهم عساكر حلب، وعساكر الشام، فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة، قتل فيها سبعة عشر أميرا، منهم: الأمير سودون العلاى، نائب حماة، وقتل من عسكر الشام وحلب ما لا يحصى عددهم، وانكسر بقيّة العسكر، وكانت حادثة مهولة (١) شنيعة. وفيه كملت عمارة مدرسة السلطان، التى أنشأها بين القصرين، مكان خان الزكاة، فجاءت ليس لها نظير فى الحسن، ولا بنى فى القاهرة لها مثال فى الحسن والزخرفة. فنزل السلطان من القلعة فى ذلك اليوم، وجلس بالمدرسة، وحضر قضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، وأعيان الفقهاء، وسائر الأمراء من كبير وصغير، ومدّ هناك سماط عظيم بأنواع الأطعمة الفاخرة، من الأوز والدجاج والخراف الرمسان، حتى لحوم الخيل والغزلان والنعام والأسماك، فأكل منهم السلطان والأمراء والقضاة والأعيان، وتناهب الناس بقيّة السماط، وكان أول السماط عند المحراب، وآخره عند فسقية المدرسة. ثم مدّ بعده سماطا ثانيا، به مجامع حلوى ومشنّات فاكهة، وملأ فى ذلك اليوم الفسقية، التى فى صحن المدرسة، سكّرا بماء ليمون، وصارت الناس تملأ منه بالطاسات، فلا يمنعهم أحد من ذلك. ثم إنّ السلطان أخلع فى ذلك اليوم على الشيخ علاء الدين السيرامى الحنفى، وكان قد استدعاه من بلاد العجم، فلما حضر أخلع عليه وأقرّه فى مشيخة المدرسة، وأضاف إليه تدريس الحنفية مع مشيخة الصوفية وقت الحضور. وأخلع فى ذلك اليوم على الأمير جركس الخليلى، شاد العمارة، مثمرا، وأركبه على فرس بسرج ذهب وكنبوش ذهب؛ وعلى معلّم المعلّمين الشهابى أحمد بن الطولونى؛ وأخلع على المهندسين والبنّائين والمرخّمين والنجّارين؛ وأخلع على خمسة عشر مملوكا (٢)

стр. 983

من مماليك الأمير جركس الخليلى، وأنعم على كل واحد منهم بخمسمائة درهم؛ وأخلع على مباشرين العمارة (١)، وعلى شادّيها؛ وأنعم على الفعلة والترّابة لكل واحد منهم بخمسة (٢) دنانير. ثم إنّ السلطان فرش البسط بإيوان المدرسة، وكان ذلك اليوم مشهودا؛ ثم إنّ السلطان قام من المدرسة وركب وطلع إلى القلعة، وفى ذلك يقول الشهاب أحمد ابن العطار: قلت للمليك الظاهر المرتضى … هنيت بالمدرسة الفائقة خنقت حسّادك قهرا بها … فيالها مدرسة خانقة (٣) ومن النوادر أنّ الملك الظاهر برقوق لما أنشأ هذه المدرسة، فبينما هو جالس بها، إذ دخل عليه شخص من الفقراء المجاذيب، فدفع إليه طوبة، وقال له: «ضع هذه الطوبة فى مدرستك، فما دامت بها فهى عامرة»، فوضعها الملك الظاهر فى قنديل، وعلّقه فى المحراب، فهى باقية فى القنديل إلى الآن؛ ولقد فحصت عن أمر هذه الطوبة فوجدت (٤) القول فى ذلك حقّا، وهى باقية إلى الآن فى القنديل. وفى شهر رجب، فيه، فى يوم الثلاثاء ثالثه، الموافق لسابع مسرى، كان وفاء النيل المبارك؛ فلما أوفى (٥) ركب الأمير قردم الحسنى، رأس نوبة كبير، والأمير يونس، الدوادار، وتوجّها إلى المقياس فخلّقا العمود، ثم توجّها وفتحا السدّ على العادة. وفيه، فى يوم الاثنين ثامن عشره، وقعت بالقاهرة زلزلة خفيفة، فماجت الأرض ساعة ثم سكنت. - وفيه نقلت رمّة الأمير آنص العثمانى، والد السلطان، ونقل رمم أولاد السلطان أيضا، وهم خمسة أولاد، فدفنوا فى القبّة التى عمرت فى المدرسة،

стр. 984

فنقلوا بعد العشاء، ومشت قدّامهم الأمراء، حتى دفنوا بالقبّة. وفيه أخلع السلطان على الأمير سودون العثمانى السابقى، واستقرّ به فى نيابة حماة، عوضا عن سودون العلاى، بحكم قتله كما تقدّم. - وفيه قدم رسل ملك الفرنج بهديّة حفلة للسلطان. - وفيه دار المحمل بالقاهرة على العادة، وزيّنت المدينة له. وفيه، فى يوم الجمعة تاسع عشرينه (١)، كانت وفاة الشيخ بدر الدين أحمد بن محمد ابن الوزير فخر الدين محمد بن الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم بن حنّا، بانى الآثار النبوى، وقد عاش من العمر نحو نيف وسبعين سنة، وكان عالما فاضلا، شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: حبيب لى طبيب لم يزرنى … سوى بالطيف فى ظلم الليالى رآنى ناحلا من فرط شوقى … فأهدى لى مزورة الخيالى وقوله أيضا: يا أيها العاصر بادر إلى … عنقوده الفاخر فى كرمه إياك أن تتركه ساعة … يذيب النحس على أمّه وفيه أخلع السلطان على الأمير أحمد بن الأمير يلبغا العمرى الخاصكى، واستقرّ به أمير مجلس، عوضا عن الأمير ألطنبغا الجوبانى. - وفيه، فى يوم السبت، ركب السلطان ونزل إلى الميدان، ولعب بالكرة مع الأمراء. وفيه أنعم السلطان على أحمد بن همز التركمانى بإمرة طبلخاناة، عوضا عن الأمير على بن منجك، بحكم وفاته؛ وأنعم على الأمير مقبل الرومى الطويل بإمرة عشرة، عوضا عن أحمد بن همز التركمانى؛ وأخلع على سودون الطرنطاى الخاصكى، واستقرّ به رأس نوبة صغيرا، وأنعم عليه بإمرة عشرة. وفى شهر شعبان، فيه خلع على الأمير موسى بن سلار، واستقرّ أمير طبر، وأنعم عليه بإمرة عشرة. - وفيه أسلم ميخائيل الصبّان، من نصارى (٢) مصر العتيقة،

стр. 985

فلما أسلم أخلع عليه (١) السلطان، وقرّره ناظر المتجر السلطانى، وصار يركب بغلة، وعليه جندة صوف، وتلقّب بسعد الدين. وفيه انتهت زيادة النيل إلى عشرين ذراعا، وثبت إلى عيد الصليب، ثم انهبط سريعا، فشرق غالب البلاد. - وفيه عزل القاضى ناصر الدين أحمد التنسى من قضاء الإسكندرية. وفيه قدمت الأخبار من القدس بوفاة الشيخ الصالح الزاهد الورع، أحد أولياء الله فى العبادة والزهد، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان القرمى القادرى، وكان مولده فى شهر ذى الحجة سنة ست وعشرين وسبعمائة؛ وكان لا يزال يتلو القرآن، فيقال إنه قرأ فى يوم وليلة ثمان ختمات؛ وكان قد اشتهر بين الناس بالصلاح والعبادة والورع؛ فلما مات رثاه الشهاب أحمد بن العطار بقوله: محمد القرمى قطب الزمان قضى … نحبا وصار لدار الخلد والنعم والقدس كان حوى نعم الخليل به … ومصر والشام كانا فى حمى القرمى وفى شهر رمضان، فيه ركب منطاش، البريدى، خيل البريد، وتوجّه إلى الشام. بسبب القبض على الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، ورسم له بأن يحتاط (٢) على جميع موجوده من صامت وناطق، وأن يرسم على نسائه وأولاده وعياله وألزامه، حتى على عبيده وجواره وطواشيته ومماليكه، وجميع من يلوذ به. ثم إنّ السلطان رسم للأمير تمربغا المنجكى، بأن يركب البريد ويتوجّه إلى القدس، وأرسل صحبته تشريفا وتقليدا إلى الأمير أشقتمر الماردينى، بأن يحمل من القدس إلى الشام، ويستقرّ نائبها، عوضا عن الأمير بيدمر الخوارزمى؛ وأن يحمل الأمير بيدمر إلى القدس بطّالا، عوضا عن الأمير أشقتمر (٣) الماردينى. وفيه قدم الشريف محمد بن مبارك بن رميثة الحسنى من مكّة، وأخبر بموت
следующие страницы →