مقدمة
إن تأريخ التاريخ من الأمور الشائكة، وتنسيقها وتقديمها للقارئين، أمر في غاية الصّعوبة، لما فيه من أحداث متتابعة، فتكثر فيها المراجع، وتتشعب الاتجاهات وتختلف وجهات النظر اختلافا كبيرا، فيغدو الصبر وسيلة أولى يلجأ إليها المؤلف، وهو يقدّم لوطنه وأمته ما يبعث على الاعتزاز والفخر، ويأخذ التوفيق حيّزا كبيرا في توخي الدّقة دون إثارة النعرات والخلافات، فالمنطق عكس صورة واضحة المعالم على أمة من الأمم وحقبة معينة من التاريخ، خاصة إن كانت هذه الحقبة من أهم الحقبات والقطر من أهم الأقطار، عندها يصعب العمل أكثر مما يحمله الناس من ثقافة وفكر وما مرّ على هذا القطر من حوادث وتغيرات.
كانت مصر أقدم البلاد العربيّة، وأغناها ثقافة، وأوسعها فكرا، ومعناها الجدار أو الحائط أو الحد أو المعبد، تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من قارة أفريقيا، ويتميز تاريخها بصفات أربع أساسية هي القدم، والاستمرارية، والوحدة، والسلطة المركزية كما يشير مجموعة من المؤرخين.
يرجع تاريخ مصر الموحدة إلى عام ٤٢٤٠ ق. م، وكانت عاصمتها هليوبوليس، مكان عين شمس الحالية، وانقسمت مصر بعد زمن إلى وجهين الوجه البحري في الشمال، والوجه القبلي في الجنوب.
وليها الفراعنة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. كما هو مبين من المنحوتات الصخرية على جدار المقابر الأثرية.
стр. 2
تعتبر مصر متقدمة في حضارتها السابقة خاصّة الفرعونية منها على غير من الأمم والشعوب، فبنيت الأهرامات الّتي حافظت على أسرارها متحدية إنسان اليوم في كشف أغوارها، ناهيك عن التحنيط الذي ما زال السر الأعظم دون أن نتطرق إلى أبحاثهم المتقدمة في الرياضيات والعلوم الهندسية، والفلكية والطبية، ولو قدّر لهذه الحضارة الاستمرار فأين كان يمكن أن تصل؟
وهكذا استمرت مصر تقدم للعالم نموذجا عن حضارة بائدة، طمر الزمن الكثير الكثير منها، حتّى أن بعض المؤرخين يقدمون فرضية خيالية، بأن الأرض زارها سكان كواكب أخرى، وتسببت هذه الزيارات بنشوء حضارات سابقة، اختفت نتيجة عوامل طبيعية كالبراكين والتغيرات المناخية على سطح الأرض، وذهبوا أبعد من ذلك فاعتبروا أن الهرم الأكبر "خوفو" كان نوعا من أنواع جهاز الإرسال اللاسلكي وقد اقامه زوار الأرض للاتصال مع العالم الذي أتوا منه، وأن القدماء عرفوا الكهرباء، واستخدموها في اتصالاتهم ومن أصحاب هذه الفرضية روبرت بوفال وغراهام هانكوك في كتاب "حافظ السلالات" وقد ظهر في بريطانيا عام ١٩٩٦ م. وروبرت شوك.
وتغيرت العصور، فمن العصر الإسلامي إلى الفاطمي إلى الأيوبي والعثماني، اختلفت القيادات، لكن مصر بقيت قوية متّقدة تنير على العالم العربي، ويقصدها الغربيون لاكتشاف أغوارها، فكانت محط رحال العلماء والقادة والملوك.
وفيها ولد النبي موسى ﵇ وهارون ﵇، ويوشع بن نون ودخلها عيسى ابن مريم وابراهيم الخليل ويعقوب ويوسف والأسباط، ولقمان ﵈ ودفن فيها جماعة كبيرة من العلماء.
وسكنها سحرة فرعون، وبهذا تكون مصر قد جمعت النقائض وعلى أرضها بنيت أعظم حضارة في التاريخ.
بدائع الزهور في وقائع الزهور كتاب دخل في الحياة اليومية في مصر وبيّن حدودها ومساحتها الجغرافية، وقد اعتنى عناية خاصة بما ورد في حقّها في آيات عظيمة، وأحاديث نبوية شريفة، وردت على لسان أكثر من نبيّ ورسول، وما خصّت به دون غيرها من البلاد في شبه الجزيرة العربيّة من فضائل ومحاسن وعجائب، وما ذكره الشعراء في حقّها وصفا ومدحا.
стр. 3
وقد تعامل المؤلف مع هذه البلاد بدقّة وتفصيل تخال نفسك فيه أنك أمام لحظات مصر فتعيش الأيام والأشهر والسنين، تخبر ملوكها وأمراءها وقادتها وأهلها، دون أن يغادر صغيرة أو كبيرة منها. ابتدأها من عهد الأمويين وختمها سنة ثمان وعشرين وتسعمائة هجرية أي سنة ١٥٢٢ م.
الجدير ذكره ان بدائع الزهور كان بديعا في صنعه وسبله، وحبكته فاعتبر بحق زهرة فواحة في حقل التاريخ الإسلامي، وتاريخ مصر بالتحديد. والله من وراء القصد.
الناشر
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سيقع القارئ على فقرات يعجب فيها من تفكير القوم في عصر ابن إياس. وقد أثبتناها ليعلم جلينا، وكل جيل يأتي من بعده، أن لكل جيل أوهامه وضلالاته
ولكي تثبت أقدامنا على السبيل السوى، علينا أن نراجع أفكارنا … فنأخذ الطيب من الحق، ونذر الخبيث من الضلالات والأوهام، حتى لا تسخر الأجيال القادمة من أفكارنا حين تصبح تراثا
كتاب الشعب
стр. 5
أخبار مصر وما ورد فيها
من الآيات العظيمة والأحاديث النبوية، وما خصت به من الفضائل والمحاسن والعجائب دون غيرها من البلاد، وما قاله الشعراء في وصفها.
اعلم - وفقك الله - لآن مصر من أجل البلاد قدرا.
قال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال: " ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، أَفَلا تُبْصِرُونَ؟﴾ ".
وأما بالإشارة والإيماء فمنها قوله تعالى: " ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾؟ ". يعني مصر.
وأما ما ورد فيها من الأخبار النبوية فمنها قوله ﷺ : "إذا فتح لله عليكم بعدي مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا … فذلك الجند
خير أجناد الأرض، لأنهم في رباط إلى يوم القيامة".
- ذكر حدود أرض مصر ومسافتها
قال أبو الصلت أمية الأندلسي أن حد أرض مصر في الطول من مدينة برقة إلى عقبة ايلة، وذلك نحو من أربعين يوما. ومسافة حدها في العرض من مدينة أسوان من أعمال الصعيد إلى العريش عند الشجرتين، وذلك نحو من ثلاثين يوما في مسافة العرض منها.
وكان اقليم مصر متصلا بالعمارة على شاطئ النيل كأنها مدينة واحدة مشتبكة بالأشجار المثمرة بالفواكه اليانعة والقرى العامرة، حتى قيل أن المسافر كان يسير من اسكندرية إلى أسوان بلا زاد، بل يسير في ظل وأشجار وفواكه إلى أن يصل إلى مدينة أسوان في قرى عامرة بالناس لا يحوجونه إلى زاد يحمله معه.
стр. 6
- ذكر ما عد من فضائل مصر
قال أبو الريحان: "ولد بمصر من الأنبياء موسى وهارون ﵉، وولد بها يوشع ابن نون، ودخل إليها عيسى بن مريم وأقام بقرية بالصعيد يقال لها أهناس.
ودخل مصر من الأنبياء ابراهيم الخليل ﵇، ويعقوب ويوسف والأسباط وارمياء، ودخل إليها دانيال ولقمان الحكيم ﵈. ودخل إليها من السادة التابعين جماعة، ودفن بها من العلماء جماعة كثيرة كما سيأتي ذلك في مواضعه.
وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى الله تعالى عليه في القرآن، ومنهم آسية امرأة فرعون التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه. ومن أهلها سحرة فرعون الذي آمنوا في ساعة واحدة مع كثرتهم.
стр. 7
ما خصت به مصر من المحاسن والعجائب دون غيرها من البلاد
قال صاعد الغوثي في كتاب طبقات الأمم:" ليس في بلد أعجوبة الا وفي مصر مثلها … أو أعجب منها"
وقيل ان بمصر من الأنواع ثلاثين نوعا لا توجد في الدنيا:
فمنها معدن الزمرد والذبابي، ولا يوجد في الدنيا إلا بها، قيل يوجد في نواحي البهنسا.
ومنها معدن الشب والملح، ولا يوجد إلا بها.
ومنها الأبنوس الأسود ولا يوجد إلا بها.
ومنها مقاطع الرخام الملون الفستقي والسماقي والداروري وغيره من أنواع الرخام.
ومنها الأفيون وهو عصارة ماء الخشخاش، ومنافعه لا تنكر.
وبها دهن البيلسان، ولا يوجد إلا بها في أرض المطرية، وهو الذي تتعالى ملوك النصارى في ثمنه ولهم فيه اعتقاد عظيم.
وبها السمك الرعاد، ونفعه للحمى إذا علق على المحموم بري.
وبها الحيات التي يعمل منها الدرياق ومنافعها لا تنكر.
وفيها الاسقنقور ومنافعه لا تنكر.
وبها الحطب الصنط الذي هو سريع الاشتعال بطيء الخمود.
وبها القمح اليوسفي.
وبها دهن السلجم.
وبها معامل التنانير التي يعمل بها البيض ويوقد عليها بالنار فتحاكى نار الطبيعة في حضانة الدجاجة فيخرج منها الفراريج وهي من أعظم مأكول مصر، ولا يعمل هذا في بلد غير مصر.
وبها النارنج والأترنج المدور، قيل أنه حمل من أرض الهند وزرع بمصر بعد سنة ثلثمائة من الهجرة ولم يكن بمصر قبل ذلك.
стр. 8
وكان بها نوع يقال له البنج وهو مثل اللوز الأخضر، وكان من محاسن مصر ولكن انقطع منها في سنة سبعمائة من الهجرة.
وكان بها الماسكة ومنافعها لا تنكر.
وبها الخوخ الزهري الأحمر ولا يوجد إلا بها.
وبها العسل النحل المصري وهو أطيب من غيره من الأشربة وله فضيلة دون غيره.
وبها نتاج الخيل والبغال والحمير تفوق على غيرها من البلاد.
وبها الطرز الأسيوطية وكانت لا توجد إلا بها.
وبها الثياب الديبقية، كانت تعمل بمدينة تنيس، يبلغ ثمن الثوب منها مائة دينار.
وبها جلال الخيل والبراقع والطنافس لا تعمل إلا بها.
وبها المقاطع الشرب لا تعمل إلا بدمياط، ولها خاصية دون غيرها.
وبها العرس والنمس، ولهما فضيلة لا تنكر في أكل الثعابين حتى قيل: لولا العرس والنمس لما سكنت مصر.
وبها البطيخ الصيفي، ومنافعه لا تنكر. قيل نقلت زريعته إلى مصر من بلاد الهند في أيام القبط.
وبها الرخام المرمر، ومنافعه لا تنكر.
وبها القرط الذي تربط عليه الخيول في زمن الربيع.
وبها الكتان، ومنافعه لا تنكر.
وبها الخيار شنبر، ومنافعه لا تنكر.
ومن أجل منافعها ماء النيل المبارك وسرعة هضمه للأكل. قال بعض الحكماء،" لولا ماء الليمون على أهل مصر لوخموا من حلاوة ماء النيل".
وبها ماء العوسج، ومنافعه لا تنكر.
ومن فضائل مصر أن الرخامة الخضراء الفستقية التي في الحجر عند الكعبة أصلها من مصر، بعثها إلى مكة محمد بن طريف، مولى العباس بن محمد، في سنة إحدى وأربعين ومائتين من الهجرة، وبعث معها رخامة أخرى فستقية وضعت على سطح الكعبة عند الميزاب. وقبل طولهما ذراع بالعمل وثلاث أصابع، وعرضهما مثل ذلك. ذكره الفاكهي في تاريخ مكة.
قال المسعودي:" إن كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة على انفرادها".
وقد قال الله تعالى في حق قرى مصر:" ﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ".
стр. 9
قال القضاعي:" لم يكن في الأرض ملك أعظم من ملك مصر. ولو ضرب بينها وبين سائر قرى الدنيا سور لاستغنى أهلها بما فيها عن سائر البلاد. ولو زرعت كلها لوفت بخراج الدنيا بأسرها".
وهي أكثر البلاد كنوزا وعجائب وأنهارا، ولا سيما ما في بلاد السعيد من البرابي، وما أودعت من العلوم والحكم والطلسمات وغير ذلك.
قيل سئل بعض الحكماء:" متى تطيب أرض مصر؟ ". قال:" إذا اعتدل هواها، وارتفع وباها، وطاب مرعاها".
وقال بعض الحكماء:" إذا بلغت زيادة النيل ثمانية عشر ذراعا وهبط، كانت العاقبة في ذلك حدوث وباء بالديار المصرية في تلك السنة".
قال كعب الأخبار ﵁:" من أراد أن ينظر إلى شبه جنة الفردوس فلينظر إلى أرض مصر ". قيل قبل طلوع الشمس في زمن ربيعها، إذا اطردت أنهارها، وغردت أطيارها، وأينعت أزهارها.
وقد قال القائل في المعنى:
ما مثل مصر في زمان ربيعها … لصفاء ماء واعتلال نسيم
أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها … لما نظرت إلى جمال وسيم
ووصف بعض الحكماء أرض مصر فقال:" ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر كهرمة صفراء". ..
فان أرض مصر في شهر أبيب ومسرى وتوت يركبها الماء فتصير الأرض بيضاء من افتراش الماء عليها، وتصير ضياعها مثل الكواكب في السماء فلا يصل إليها أهلها إلا في الزوارق.
وأما المسكة السوداء فإن أرض مصر في شهر يابه وهاتور وكيهك ينصرف عنها الماء فتصير مثل المسكة السوداء.
وأما الزمردة الخضراء فتان أرض مصر في شهر طوبة وأمشير وبرمهات يكثر فيها الزرع فتصير الأرض خضراء مثل الزمردة.
وأما الكهرمة الصفراء فان أرض مصر في شهر برمودة وبشنس وبؤنة يدرك فيها الزرع ويحصد فتصير مثل السبيكة الذهب الصفراء.
وقد قيل في المعنى:
стр. 10
كل وقت بمصر أمر عجيب … نحن منه في السعد كالأغنياء
ذهب حيثما ذهبنا، ودر … حيث درنا، وفضة في الفضاء
ومن محاسن مصر … قال القضاعي:" إن مصر يوجد بها في كل شهر من الشهور القبطية نوع من المأكولات والمشمومات. فيقال رطب توت، ورمان بابه، وموز هاتور، وسمك كيهك، وماء طوبه، ورميس أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤنة، وعسل أبيب، وعنب مسرى".
ومن محاسن مصر أيضا السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد في أواخر فصل الشتاء، ولم يكن هذا ببلد غيرها، وهي: النرجس، والبنفسج، والبان، والورد النصيبي، والزهر (وهو زهر النارنج)، والياسمين، والورد الجوري، ويعرف أيضا بالقحاني، وهو آخر هذه السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد.
أما النسرين - وان كان من اعظم الزهور رائحة - فانه غير معدود في جملة الزهور السبع التي تجتمع في وقت واحد، لأنه يأتي في آخر أيام الورد … فلا يلحق النرجس ولا يلحق البنفسج، فلم يكن معدودا في جملة هذه السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد لأجل تأخره عن بقية الأزهار، وقد نظمتها في هذا المقطوع وهو قولي في المعنى:
يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحويها البساتين
بنفسج نرجس زهر وبان لنا … ورد نصيبي وجوري وياسمين
وقيل ان الذي ينقطع من الفواكه والأزهار في سائر البلاد في زمن الشتاء يوجد بمصر
*****
من محاسنها أن أهل مصر لا يحتاجون في زمن الشتاء إلى التدفئ بالنار كما تعانيه أهل الشام، ولا في زمن الصيف إلى أن يدخلوا تحت الخيش من شدة الحر كما تعانيه أهل مكة.
قال أبو الصلت:" أهل مصر خصوا بالأفراح فيها دون غيرهم من جميع الأمم".
وقيل ان أهل مصر لا يهتمون بأمر الزاد كما هي عادة غيرهم من الأمم، كانما حوسبوا وفرغوا من الحساب.
стр. 11
وكان بمصر من الفلاسفة والحكماء القدماء: هرمس وبقراط وجاليوس والينوس وفيداغورس، ولما ماتوا دفنوا بمصر. وكان بها من الحكماء في دولة الإسلام الرئيس علاء الدين بن نفيس صاحب كتاب الموجز، والرئيس أبو علي بن سينا.
ومما تفتخر به مصر على سائر البلاد أن سلطانها خادم الحرمين الشريفين وله الميزة على سائر ملوك الأرض كما قال القائل:
إذا البلاد افتخرت لم تزل … مصر لها عز وتفضيل
وكيف لا تفخر مصر وفي … أرجائها السلطان والنيل
стр. 12
ما قاله الشعراء في وصف مصر من كل معنى غريب
قال ابن الوردي رحمه الله تعالى:
ديار مصر هي الدنيا، وساكنها … هم الأنام … فقابلها بتقبيل
يا من يباهى ببغداد ودجلتها … مصر مقدمة والشرح للنيل
وقال الصلاح الصفدي:
أ-
من شاهد الأرض وأقطارها … والناس أنواعا وأجناسا
ولا رأى مصر ولا أهلها … فما رأى الدنيا ولا الناسا
وقال الشيخ علاء الدين الوداعي:
رو بمصر وسكانها … شوقي، وجدد عهدي الخالي
وصف لنا القرط، وشنف به … سمعي، وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلها … حديث صفوان بن عسال
وقال البها زهير:
يا رعى الله أرض مصر، وحيا … ما مضى لي بمصر من أوقات
حبذا النيل والمراكب فيه … مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث على الني … ل، ودعني من دجلة والفرات
وقال ابن فضل الله:
يحق لمصر أن تنيه إذا جرى … بها النيل وامتدت إليه عيون
فما مثله من زائر لقدومه … تقر عيون إذ تقر العيون
وقال ابن الصائغ الحنفي:
ارض بمصر فتلك أرض … من كل فن لها فنون
ونيلها العذب ذاك بحر … ما نظرت مثله العيون
وقال الشهاب المنصوري:
تقول لنا مصر: أنا خير موطن … ولا ناس في الأمصار أظرف من ناسي
فان تك أوقات السرور نضيرة … فلا تقطعوها في الا بمقياسي
وقال ﵁:
اعملوا أهل مصر لله شكرا … وقليل من العباد الشكور
ان مصر أسقى الاله ثراها … بلد طيب ورب غفور
стр. 13
المقوقس
كان اسمه جريج بن ميناهى، وقد أدرك نبوة رسول الله ﷺ ، فلما كانت سنة ست من الهجرة (٦٢٧ م) بعث إليه رسول الله ﷺ حاطب ابن أبي بلتعة ﵁ ومعه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام، فلما دخل حاطب مصر وجد المقوقس بثغر اسكندرية (١)، فتوجه إليه، وكان يصيف بمصر ويشتي بالاسكندرية. فلما دخل عليه ناوله كتاب رسول الله ﷺ ، فلما أخذه قبله ووضعه على رأسه، ثم قرأه وعلم ما فيه وقال لحاطب: "نعلم أنه نبي مرسل، وقد أخبرنا المسيح بذلك".
ثم بعث مع حاطب إلى رسول الله ﷺ هدية عظيمة، وهي ألف مثقال من الذهب، وعشرون ثوبا من قباطي مصر، وجارية تسمى مارية وأخرى تسمى شيرين، وغلام خصى يسمى مابور، وبغلة تسمى دلدل، وحمار يسمى عفيرا وقيل يعفور، وعسل من عسل بنها.
وأكرم حاطبا غاية الأكرام وبعثه بتلك الهدية، فلما وصلت إلى النبي ﷺ قبلها منه، واستسلم مارية فأسلمت على يديه، ووهب أختها شيرين إلى حسان بن ثابت، وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه.
ولما دخل على مارية حملت منه بابراهيم فعاش ثمانية عشر شهرا ومات.
قال ﷺ : "ستفتحون بعدي أرضا يذكر فيها القيراط. فإذا افتتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرا فان لهم نسبا وصهرا". قال ابن شهاب: "كنى بالنسب عن هاجر، أم اسماعيل بن ابراهيم الخليل ﵇، فإن أصلها من مصر. وكنى بالصهر عن مارية القبطية، فان أصلها من مصر أيضا".
واستمرا المقوقس قائما بملك مصر نحو إحدى وثلاثين سنة حتى افتتح عمرو بن العاص ﵁ الديار المصرية في سنة عشرين من الهجرة النبوية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
стр. 14
عمرو بن العاص وابتداء دولة الإسلام
قال الكندي: لما كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ أرسل جيشا إلى مصر، وكان أمير الجيش عمرو بن العاص ﵁ فلما وصل إلى مصر أقام يحاصر أهلها ثلاثة أشهر، وكان المقوقس في قصر الشمع، وكان قصر الشمع مطلا على بحر النيل، وكانت السفن ترسو تحته. فلما رأى المقوقس أن العرب أشرفوا على أخذ المدينة نزل في مركب من باب قصر الشمع وتوجه إلى نحو الاسكندرية هاربا، وكان يعلم أن العرب لا بد أن تملك مصر، وسبب ذلك
قال أبو الحسن المسعودي: كان بقصر الشمع في الكنيسة المعلقة صنم من النحاس الأصفر راكب على جمل من النحاس الأصفر، وهو زي العرب وعلى رأسه عمامة وفي رجليه نعلان من جلد، فكانت القبط والروم إذا تظالموا في شيء بينهم واعتدى بعضهم على بعض يتحاكمون عند ذلك الصنم النحاس، ويقفون بين يديه فيقول المظلوم للظالم:
"أنصفني قبل أن يجيء هذا الرجل الأعرابي فيأخذ الحق لي منك إن رضيت أو لم ترض". فكانوا يعنون بذلك عمرو بن العاص ﵁.
وقيل كان بالإسكندرية باب لا يزال مغلقا دائما وعليه أربعة وعشرون قفلا، فعزم على فتحه المقوقس. فلما قوى عزمه على ذلك اجتمعت عليه القسيسون والرهبان وسألوه ألا يفتح ذلك الباب وأن يجعل عليه قفلا كما فعل من تقدمه من الملوك، فلم ينته عن فتحه، فقالوا له نحن نعطيك ما خطر ببالك أنه فيه من المال ولا تفتحه، فلم يسمع لهم شيئا وفتحه. فلما دخل فيه لم يجد به شيئا من المال، ورأى على حيطانه منقوشا تصاوير العرب وهم على خيولهم بعمائمهم وسيوفهم في أوساطهم وهم على الإبل. ورأى في صدر ذلك المكان كتابة بالقلم الرومي، فأتى بمن قرأ ذلك الخط، فإذا معناه: إذا فتح هذا المكان تملك العرب المدينة في تلك السنة التي يفتح فيها … فكان الأمر كذلك، وملكت العرب
стр. 15
المدينة في تلك السنة. وكان كل من ملك مدينة الاسكندرية يجعل على ذلك الباب قفلا، وهذه الأقفال بعدد من ملك المدينة من ملوك القبط.
قال عمر بن الخطاب ﵁ لما فرغ من الصلاة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا فتحت عليكم بعدي مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا … فذلك الجند خير أجناد الأرض". فقيل: "ولم ذلك يا رسول الله؟ ". فقال: "لأنهم في رباط إلى يوم القيامة".
وقال ﷺ : "مصر كنانة الله في أرضه … ما كاد أهلها أحد إلا كفاهم الله تعالى مؤنته".
قال ابن المتوج: لما فتح عمرو بن العاص مصر واستقر بها، قصد التوجه إلى مدينة الاسكندرية، فتوجه إليها بمن معه من العربان، فلما وصل إليها حاصر أهل المدينة أشد المحاصرة، وكان المقوقس بها مقيما، فلما أشرف على فتحها أرسل المقوقس يسأله في الصلح وأن يجعل عليه الجزية".
قال ابن لهيعة:" وكان سبب فتح الاسكندرية أن عمرو بن العاص لما طال عليه أمر الحصار أتى إليه رجل يقال له ابن بسامة - وكان بوابا على باب المدينة - فقال لعمرو بن العاص: أتؤمنني على نفسي وعيالي وأنا أفتح لك الباب؟ فأجابه عمرو إلى ذلك ففتح له الباب فدخل عمرو ومن معه من المسلمين فملكوها وأسروا المقوقس".
فلما فتحت مدينة الاسكندرية أرسل بذلك إلى الخليفة وكتب إليه كتابا وهو يقول فيه:
"أما بعد، فاني قد فتحت مدينة لا أقدر أن أصف لك ما فيها غير أني وجدت بها اثنى عشر ألف يقال يبيعون صنف البقولات في جوانب المدينة من بعد العصر، ووجدت بها ألف مركب من مراكب الروم الكبار، ووجدت بها نحو ستمائة ألف يهودي وقد هرب أكثرهم إلى بلاد الروم من البحر، وقد أوجبت الجزية على من بقي منهم غير النساء والصبيان، فقررت على كل رأس منهم دينارين في كل سنة، فكان الذي بقي نحو خمسين ألف يهودي".
فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:" من كان في يدك من اليهود أو النصارى فخيره بين الإسلام ودينه. فإن أسلم فهو من جملة المسلمين … له ما لهم، وعليه ما عليهم. وان لم يسلم فعليه الجزية عن كل رأس ديناران".
ثم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص تقليدا بولاية مصر وأرسله على يد معاوية بن خديج، وذلك في سنة عشرين من الهجرة، فكان أول من تولى على مصر نيابة عن الخلفاء.
стр. 16
قيل لما ملك العرب مدينة الإسكندرية جاءت الروم إلى قسطنطين بن هرقل، وقالوا له:
"أتترك الإسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى؟ ". فتوجه قسطنطين إلى الإسكندرية في ألف مركب مشحونة بالرجال المقاتلين، فلما وصل إلى قرب الإسكندرية بعث الله تعالى عليهم ريحا عاصفا فأغرقت تلك المراكب كلها بمن فيها من الرجال ولم ينج منهم أحد. وأما قسطنطين ملك الروم فألقته الريح بصقلية فسأله أهلها عن أمره فأخبرهم بأمر الريح وتغريق المراكب فقالوا له:" قد أفنيت من بقى من عسكر الروم وجئت إلينا، فلو دخلت العرب إلى بلادنا لم يجدوا من يردهم ". فاجتمع عليه أهل صقلية وقتلوه وكفى الله المؤمنين القتال.
قال ابن وصيف شاه:" لما فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية أقام بها مدة ورجع إلى مصر، فاجتمع رأيه بأن يبني هناك مدينة ظاهر قصر الشمع، فابتدأ ببناء مدينة وسماها مدينة الفسطاط، وسبب تسميتها بمدينة الفسطاط أن عمرو بن العاص لما فتح مصر نزل بمن معه من العربان في القضاء ونصب هناك فسطاط، فلما قصد التوجه إلى الإسكندرية أمر بنزع ذلك الفسطاط فوجدوا عليه عش يمامة وقد أفرخت عليه، فقال عمرو بن العاص: "دعوا الفسطاط - يعنى الخيمة - مكانه لا تهدوه احتراما لليمامة التي قد عششت عليه".
فلما توجه إلى الإسكندرية وفتحها، وقصد الرجوع إلى مصر قالوا له لما دخل إلى مصر: "في أي مكان تنزل؟ ". فقال في مكان تركت به الفسطاط، أي الخيمة. فلما بنى هناك هذه المدينة سميت مدينة الفسطاط بسبب ذلك. وكانت الفسطاط مدينة عظيمة جليلة بها عدة مساجد وحمامات وطواحين ومعاصر، وكان أولها من حدرة ابن قميحة وآخرها عند الرصد. ولم تزل هذه المدينة عامرة ساكنة إلى دولة الفاطمية إلى خلافة العاضد بالله، فحرقت عندما استولى الفرنج على الديار المصرية كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه في أخبار الدولة الفاطمية.
قال إبراهيم بن وصيف شاه: "إن في سنة إحدى وعشرين من الهجرة كان فتح مدينة دمياط على يد المقداد بن الأسود ﵁، وكان ملك هذه المدينة شخصا من القبط يقال له الهاموك خال المقوقس صاحب مصر. وكان للهاموك ولد يسمى شطا، فرأى النبي ﷺ في المنام، وأسلم تلك الليلة، ودلهم على مسالك المدينة فاستولوا عليها ليلا وملكوها فقاتل معهم شطا قتالا شديدا حتى قتل في المعركة، وكان قتله في ليلة الجمعة في النصف من شعبان من سنة إحدى وعشرين من الهجرة ودفن خارج دمياط في مكان قتل به، وقبره يزار إلى الآن رحمة الله عليه".
стр. 17
قال ابن عبد الحكم: "لما استقر عمرو بن العاص بمصر جاء إليه القبط وقالوا له:" أيها الأمير إن لنيلنا سنة كل سنة لا يجري إلا بها ". فقال لهم:" وما هي؟ "فقالوا:" إذا كان ليلة اثنتي عشرة من شهر بؤنة من الشهور القبطية عمدنا إلى جارية بكر وأخذناها من أبويها غصبا أو رضا، وجعلنا عليها الحلى والحلل ثم نلقيها في بحر النيل في مكان معلوم ". فلما سمع عمرو بن العاص ذلك قال لهم:" هذا الأمر لا يكون في الإسلام أبدا ". فأقام أهل مصر شهر بؤنة وأبيب ومسرى وتوت من الشهور القبطية، ولم يجر فيها النيل لا قليلا ولا كثيرا، فهم أهل مصر بالجلاء
"فلما أن رأى عمرو بن العاص ذلك كتب كتابا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأرسله على يد نجاب، فلما وصل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتب بطاقة وأرسلها إلى عمرو بن العاص، وأمر أن يلقيها في بحر النيل، فلما وصلت إلى عمرو بن العاص فتح تلك البطاقة وقرأ ما فيها وإذا فيها مكتوب:
"بسم الله الرحمن الرحيم".
"من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر المبارك.
"أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر. وان كان الله تعالى الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك". ..
"فلما وقف عمرو على ما في البطاقة ألقاها في النيل كما أمره أمير المؤمنين عمر، وقد ألقاها في النيل قبل عيد الصليب بيوم واحد، وعيد الصليب يكون سابع عشر توت من الشهور القبطية، وكان قد أجلى غالب أهل مصر من عدم جريان الماء. فلما أصبح الناس يوم عيد الصليب رأوا النيل زاد في تلك الليلة ستة عشر ذراعا في دفعة واحدة. وقد قطع الله تلك السنة السيئة عن أهل مصر ببركة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁".
وفي سنة ثلاث وعشرين من ولايته على مصر ابتدأ ببناء جامعه الكبير الذي بمصر - وهو المسمى به - وكان واقفا على قبلته نحو سبعين رجلا من الصحابة، فهو أول جامع بنى في الإسلام بمصر، وهو جامع مبارك وفيه الدعاء مجاب.
قال ابن وصيف شاه أن عمرو بن العاص سأل المقوقس وقال له:" لقد وليت على مصر إحدى وثلاثين سنة فأخبرني بما يكون فيه عمارة أراضي مصر ". فقال له المقوقس:
"إني رأيت الذي يقوم بعمارة مصر حفر خلجانها، واصلاح جسورها، وسد ترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلالها، ويحجر على عمالها من المطل، ويمنعون من الرشا، وترفع عن أهلها المعاون والهدايا ليكون ذلك قوة على وزن الخراج".
стр. 18
قال المسبحي:
"كان بمصر في الزمن الأول مائة وخمسون كورة، في كل كورة مدينة، وكان لكل كورة ثلثمائة وخمس وستون قرية، فلما خرجت عند قدوم بختنصر إليها، ثم أعيدت بعد ذلك، صار بها خمس وثمانون كورة، ثم أنها تناقصت من بعد ذلك إلى أن كانت دولة عمرو بن العاص فصار بها نحو أربعين كورة، وقد اشتملت على ألفين وثلثمائة وخمس وتسعين قرية دون الكفور، وذلك عند ما خربت وتناقص خراجها فجباها عمرو بن العاص فبلغ اثني عشر ألف ألف دينار، وكان خراجها في زمن الفراعنة ستة وتسعين ألف دينار".
ثم أن عمرو بن العاص أقام على مصر إلى أن توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وتولى من بعده الإمام عثمان بن عفان، فعزل عمرو ابن العاص عن ولاية مصر وولي عبد الله بن أبي السرح، فكانت مدة ولاية عمرو بن العاص على مصر في هذه المرة نحو ست سنين إلا أشهرا، ثم عاد إلى ولايته بمصر ثانيا كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
стр. 19
ولاة مصر بعد عمرو بن العاص
قال الكندي: "كان عبد الله بن أبي السرح أخا الإمام عثمان بن عفان من الرضاع، فلما تولى على مصر رحل عنها عمرو بن العاص وأتى المدينة الشريفة، فلما استقر ابن أبي السرح بمصر جبى خراجها في تلك السنة أربعة عشر ألف ألف دينار، فلما وصل خراج مصر إلى الإمام عثمان بن عفان نظر إلى عمرو بن العاص وقال:" لقد درت اللقحة بعدك يا عمرو ". فقال له:" نعم، ولكن أجاعت أولادها، وأن هذه الزيادة التي أخذها عبد الله ابن أبي السرح إنما هي على الجماجم ". فإنه أخذ عن كل رأس دينارا خارجا عن الخراج فحصل لأهل مصر بسبب ذلك الضرر الشامل، وكانت هذه أول شدة وقعت لأهل مصر في مبتدأ الإسلام.
وأقام عبد الله بن أبي السرح في ولايته على مصر إلى أن مات في سنة ست وثلاثين من الهجرة، وقيل أنه مات بفلسطين ودفن بها، فكانت مدة ولايته على مصر نحو اثنتي عشرة سنة، فإنه تولى على مصر سنة خمس وعشرين وتوفي في سنة ست وثلاثين.
* ثم تولى من بعده الأمير قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري - وكان من الصحابة - فأقام في ولايته على مصر نحو اثنتي عشرة سنة، فإنه تولى على مصر سنة خمس وعشرين وتوفي في سنة ست وثلاثين.
* ثم تولى من بعده الأمير مالك بن الحارث النخعي بن الأشتر - وكان من الصحابة - فتولى على مصر في خلافة الإمام علي رضي الله تعالى عنه، وأقام في ولايته عليها إلى أن مات بها ودفن بها، وقيل أنه مات مسموما، فلما بلغ الإمام موته حزن عليه حزنا شديدا وقال:" لقد كان لي كما كنت لرسول الله ﷺ ".
- الولاة زمن الأمويين
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. تولى على مصر في خلافة معاوية بن أبي سفيان في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وأقام بمصر حتى قتل. وكان سبب قتله أن محمد بن أبي بكر هذا كان من جملة من اجتمع على قتل الإمام عثمان بن عفان ﵁ وهو في داره يوم المقتلة فيما زعموا، واستغفر الله
стр. 20
من ذلك. فلما تولى محمد على مصر ثار عليه الشيعة بسبب ثأر عثمان بن عفان، وكان الذين ثاروا عليه من الشيعة معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد وبشر بن أرطاة وغيرهم من الشيعة، فأتوا من الشام، فلما دخلوا إلى مصر خرج إليهم الأمير محمد بن أبي بكر وقاتلهم قتالا شديدا، وكان - مع صغر سنه - شجاعا بطلا، فكان هو وأخوه عبد الرحمن يقاتلان الشيعة ومعهما بعض العسكر، فلما قويت عليهم الشيعة تفرق عنهما العسكر، فأنكسر الأمير محمد وهرب واختفى في بعض الخرابات، فلما حثوا في طلبه قالت لهم عجوز:" أتريدون الأمير محمد بن أبي بكر؟ ". فقالوا لها:" نعم ". فقالت:" أتعطوني الأمان لأخي وأنا أدلكم عليه. "فقالوا لها:" نعم قد أعطينا الأمان لأخيك ". وكان أخوها يبيع الفجل في مدينة الفسطاط، فدلتهم على مكانه. فلما دخلوا عليه وجدوه قد كده العطش فقال لهم:
"بالله اسقوني شربة من الماء ". فقال له معاوية بن خديج:" لاسقاني الله ان سقيتك. أنسيت منعك الماء لعثمان بن عفان وهو محصور في الدار؟ ". فقال:" أكرموني لأجل أبي بكر ".
فقال له معاوية بن خديج:" لا أكرمني الله أن أكرمتك. أنسيت ما فعلته يوم قتلة عثمان؟ فلا أمان لك عندنا ". ثم تقدم إليه معاوية بن خديج وضرب عنقه بالسيف ثم جره برجله وطاف به في المدينة، ثم أدخل جثته في جوف حمار ميت وأحرقه حتى صار فحما. فكانت قتلته في رابع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وكانت مدة ولايته على مصر خمسة أشهر، وكان له من العمر لما قتل ثمان وعشرون سنة، وكان مولده في عام حجة الوداع، وتوفي أبوه أبو بكر وله من العمر نحو سنتين ونصف. قيل لما قتل الأمير محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ أخذ رأسه وجثته زمام الخادم ودفنهما خارج مدينة الفسطاط وبنى هناك مسجدا، وهو إلى الآن يعرف بمسجد زمام ويزار إلى الآن.
قال الكندي:" لما قتل الأمير محمد أرسل معاوية بن خديج قميصه الذي قتل فيه وهو بدمه إلى المدينة الشريفة. فلما وصل إلى دار الإمام عثمان بن عفان اجتمع عصبة عثمان ونساؤه وأظهروا الفرح والسرور في ذلك اليوم. ثم أن نائلة زوجة عثمان لبست القميص ورقصت به بين الرجال.
* ثم من بعده أعيد الأمير عمرو بن العاص إلى ولايته بمصر، وهي الولاية الثانية.
تولاها في خلافة معاوية بن أبي سفيان في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة. واستمر في ولايته إلى أن مرض وسلسل في المرض، فلما أشرف على الموت احضر ما كان جمعه من الأموال وقال لولده عبد الله، وكان يقاربه في السن - قيل كان بين مولد عمرو ابن العاص وبين مولد ابنه عبد الله نحو ثلاث عشرة سنة - فقال عمرو لولده عبد الله: "إذا أنا مت فاردد هذه الأموال التي جمعتها إلى أربابها". فلما مات الأمير عمرو بن العاص
стр. 21
أرسل معاوية بن أبي سفيان يقول لعبد الله: "نحن أحق بهذه الأموال التي جمعها عمرو لدفع العدو". فأرسل من أخذها وأدخلها في بيت المال، فقيل لعبد الله "ما كان قدر ذلك المال؟ ". فقال: "كان سبعين جرابا من جلد ثور كاملة".
وكانت وفاة الأمير عمرو بن العاص في ليلة عيد الفطر في سنة ثلاث وأربعين من الهجرة. فلما كان يوم عيد الفطر أخرج نعشه إلى الجامع ووضع في المحراب حتى تكاملت الناس وصلوا عليه بعد صلاة العيد، ثم حمل ودفن في مقابر الفسطاط على طريق الحاج. ومات ﵁ وله من العمر نحو خمس وتسعين سنة، وكانت مدة ولايته الثانية نحو ست سنين إلا أشهرا.
* ثم تولى من بعده الأمير عقبة بن أبي سفيان، أخو أمير المؤمنين معاوية. فلما تولى على مصر أقام بها مدة يسيرة دون السنة ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله ﷺ ورديفه، وهو الذي تسند إليه الأحاديث عن رسول الله ﷺ . تولى على مصر في سنة أربع وأربعين من الهجرة، وأقام بها إلى أن مات شهيدا في يوم النهروان ﵁، فكانت مدة ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر (١). وكانت وفاته في سنة سبع وأربعين من الهجرة، ودفن بالقرافة الصغرى وقبره يزار إلى الآن بالقرافة.
* ثم تولى من بعده الأمير مسلمة بن مخلد، واستمر على ولايته بمصر حتى مات، فكانت مدة ولايته خمس سنين.
* ثم تولى من بعده الأمير سعيد بن يزيد ابن علقمة الأزدي، تولى على مصر في سنة اثنتين وستين من الهجرة، فكانت مدة ولايته سنتين.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الرحمن ابن جحدم القرشي. تولى في أيام عبد الله بن الزبير في سنة أربع وستين من الهجرة، فلم تطل أيامه بمصر وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد العزيز بن مروان، وهو أبو العبد الصالح عمر ﵁. قيل لما تولى عبد العزيز بن مروان على مصر وقع بها الطاعون، فرحل عبد العزيز عن مدينة الفسطاط وتوجه إلى حلوان - وهي من قرى مصر - فأقام بها مدة، وقيل ولد بها ابنه عمر، فكانت أخبار المدينة تأتيه في كل يوم إلى حلوان بما يحدث في البلد من الموت وعدة من يموت بها وغير ذلك من الأخبار، فلم يزل عبد العزيز مقيما بحلوان حتى طعن ومات بها فحملوه في نعش من حلوان إلى مدينة الفسطاط وقد تغيرت
стр. 22
رائحته، وكان حول نعشه مجامر النار وهي مطلقة بالبخور حتى دخل إلى مدينة الفسطاط فدفن بها. قال ابن عفير: "لما كان الأمير عبد العزيز بحلوان كان له في كل ليلة ألف جفنة تصف حول داره وهي ملآنة بالطعام تفرق على الفقراء والمساكين بجراية الخبز. وكانت له مائة حلة كبيرة تحمل على عجل وفيها الطعام فيطاف بها على قبائل العرب التي حوله، واستمر ذلك في كل ليلة إلى أن مات".
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن عبد الملك ابن مروان، فكانت ولايته على مصر في سنة ست وثمانين من الهجرة، وكانت مدة ولايته نحو خمس سنين.
* ثم تولى من بعده الأمير قرة بن شريك العبسي، تولى على مصر في سنة تسعين من الهجرة، فلم تطل ولايته إلا أياما وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده عبد الملك بن رفاعة الفهمي، تولى على مصر مرتين وطالت بها أيامه حتى مات ودفن بها.
* ثم تولى من بعده الأمير أيوب بن رحيل الأصبحي. تولى على مصر في سنة احدى ومائة من الهجرة في خلافة عمر بن عبد العزيز فأقام بها نحو سنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير بشر بن صفوان، تولى على مصر ثلاث مرات ثم عزل عنها في سنة ثمان وعشرين ومائة في خلافة مروان الحمار.
* ثم تولى من بعده الأمير حنظلة بن صفوان الفهمي أخو بشر، وهو الذي نقلت قبائل بني قيس إلى مصر في أيامه، وذلك في سنة ثمان وعشرين ومائة، ولم يكن قبل ذلك بمصر من بني قيس أحد. واستمر الأمير حنظلة واليا على مصر حتى توفي في سنة تسع وعشرين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن عبد الملك ابن مروان فأقام في ولايته على مصر سبعة أشهر وخمسة أيام ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير الحر بن يوسف، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حفص بن الوليد العامري، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده أخوه الوليد بن رفاعة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الرحمن بن خالد الفهمي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حسان بن العتاهية التجيبي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حوثرة بن سهل الباهلي، وكان رجلا حليما قليل الغضب.
قيل إن رجلا من العرب دخل عليه وهو قائم يريد الدخول إلى حرمه، فجاء إليه الرجل الأعرابي وحدثه في حاجة له، فوضع الأعرابي نصل سيفه على رجل الأمير حوثرة
стр. 23
وطال معه في الحديث، وجعل يغوص بالسيف في رجله حتى أدماها وهو صابر، حتى فرغ الأعرابي من كلامه وخرج من عنده فدعا حوثرة بمنديل ومسح به الدم عن رجله فقيل له: "لم لا نحيت رجلك من تحت سيفه أيها الأمير أو أمرته برفع سيفه عن رجلك؟ " فقال: "خشيت أن أقطع عليه كلامه وهو في حاجته".
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الحميد بن المغيرة بن سعيد الفزاري، فأقام على ولاية مصر نحو سنتين ثم عزل عنها. قال ابن وصف شاه: "إن أرض مصر أجدبت ووقع بها الغلاء في زمن عبد الحميد بن المغيرة فرهن حلى نسائه عند التجار واشترى منهم قمحا وفرقه على الفقراء. فلما عزل عقب ذلك عن مصر وقف إليه التجار بسبب الرهن فأمر ببيعه حتى قضى ما كان عليه من الدين الذي للتجار وكان نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس عنه راضون".
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولى على مصر من عمال الحلفاء من بني أمية. ومما وقع للأمير عبيد الله هذا … قال ابن وصيف شاه: "لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، وولي عبد الله السفاح، توجه عبد الله بن علي العباسي إلى الشام في طلب من بقي من بني أمية، ثم أرسل بالقبض على الأمير عبيد الله بن مروان الحمار أمير مصر، فلما أن بلغ الأمير عبيد الله ذلك دخل إلى خزائن أمواله وأخذ منها عشرة آلاف دينار ذهبا ثم أحضر اثنى عشر بغلا وحملها ذلك المال وشيئا من القماش والفرش وغير ذلك، وأخذ معه جماعة من العبيد والغلمان، ثم شد على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة مثمنة وخرج من مصر هاربا، فتوجه إلى نحو بلاد النوبة. فلما وصل هناك وجد مدائن خرابا وبها قصور محكمة البناء، فنزل في بعض تلك القصور، وأمر غلمانه بكنسها فكنست وفرشت فيها فرشه وما كان معه من تلك الفرش الفاخرة، ثم قال لبعض غلمانه، وكان ممن يثق بعقله:" أمض إلى ملك النوبة وخذ لي منه أمانا على نفسي من القتل ". فخرج الغلام وتوجه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه قال له أن الملك يقرئك السلام ويقول لك:" أجئت إليه محاربا أم مستجيرا؟ ". فقال له الأمير عبيد الله:" رد عليه مني السلام وقل له: قد جاء إليك ليستجير بك من عدو يريد قتله ". فمضى ذلك القاصد بالجواب، فغاب ساعة ورجع وقال له:" إن الملك قادم عليك في هذه الساعة ". فقال عبيد الله لغلمانه:" افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة ". وجعل مرتبة في صدر المكان برسم ملك النوبة، وجلس يرتقب مجيئه، فبينما هو على ذلك إذا دخل عليه غلامه، وقال له إن ملك النوبة قد أقبل، فقام الأمير عبيد الله وصعد على أعلى القصر ونظر إلى ملك النوبة فإذا هو رجل أسود طويل القامة نحيف
стр. 24
الجسد، وعليه بردان قد أتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله ومعهم حراب بأسنة تلمع. فلما رآه الأمير عبيد الله استصغر أمره واحتقره، فلما قرب من المكان الذي فيه عبيد الله أتاه من عسكره نحو عشرة آلاف رجل من السودان في أيديهم الحراب، فلما دخل ملك النوبة على عبيد الله وأحاط ذلك العسكر بالمكان الذي فيه عبيد الله ووقعت عين ملك النوبة على الأمير عبيد الله، بادر إلى يد الأمير عبيد الله وقبلها، فأشار إليه عبيد الله بأن يجلس على تلك المرتبة التي وضعها له فأبى وصار يدفع تلك الفرش الفاخرة برجله، فقال عبيد الله للمترجمان:" لم لا يقعد الملك على تلك المرتبة التي وضعناها له؟ ". فقال له الترجمان في ذلك فقال ملك النوبة:" قل للأمير: كل ملك لا يكون متواضعا لله فهو جبار عنيد متكبر ". ثم انه جلس بين يدي الأمير عبيد الله وجعل ينكت في الأرض بأصبعه طويلا. ثم أنه رفع رأسه إلى الأمير عبيد الله وقال له:" كيف سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ ". فقال له عبيد الله:" إن الذي سلب منا ملكنا أقرب إلى نبينا منا ". فقال له ملك النوبة:" فكيف أنتم تلوذون إلى نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور، وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم، وتركبون في السروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا. وبلغنا أنك لما وليت على مصر كنت تخرج إلى الصيد، وتكلف أهل القرى ما لا يطيقون، وتفسدون الزرع على الناس، وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى … وكل هذا لأجل كركي تصيده قيمته سبعة أنصاف أو ثمانية ". … فصار ملك النوبة يعدد على الأمير عبيد الله جملة ذنوب، والأمير عبيد الله ساكت لا يتكلم بحرف واحد، ثم قال له ملك النوبة:" فلما استحللتم ما حرمه الله عليكم، سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها منكم، وأنا أخاف على نفسي ان أنزلتك عندي أن تحل بي تلك النقمة التي حلت بكم، والبلاء عام والرحمة مخصوصة ". ثم قال له:" ارحل من أرضي بعد ثلاثة أيام وإلا أخذت جميع ما معك وقتلتك شر قتلة ". فلما سمع الأمير عبيد الله ذلك خرج من أرض النوبة في يومه ورجع إلى مصر فقبض عليه عمال الخليفة المنصور العباسي وبعث به إلى بغداد، فسجنه المنصور حتى مات في السجن، وهو آخر من تولى على مصر في دولة الخلفاء الأموية من العمال.
стр. 25
- الولاة في العهد العباسي
وأما من تولى على مصر من العمال في دولة الخلفاء العباسية فجماعة كثيرة، أكثر ممن تولوا في دولة بني أمية، وكانوا يسمون عمال الخراج بمصر، وكانت الخلفاء تشترط على عمال مصر في تقليدهم، الخيل العربية، والأثواب الديبقية شغل تنيس، والمقاطع الشرب الإسكندرانية، والطرز الصعيدية، وأجلال الخيل. وتشترط عليهم ضيافة عسل النحل المصري من عسل بنها، وتشترط عليهم البغال والحمير وغير ذلك من الأصناف التي لا توجد إلا بمصر.
* فكان أول من تولى مصر في دولة الخلفاء العباسية الأمير صالح بن علي بن عبد الله العباسي، تولى على مصر في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فتولى على مصر مرتين.
* ثم تولى من بعده الأمير أبو عون عبد الملك الأزدي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن كعب - وهو أبو عيينة - تولى على مصر في سنة إحدى وأربعين ومائة فلم تطل أيامه بها، وكانت مدة ولايته على مصر دون السنة.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن الأشعث الخزاعي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده حميد بن قحطبة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير يزيد بن حاتم المهلبي، تولى في سنة سبع وأربعين ومائة، وفي أيامه وقع الغلاء بمصر وشرقت الأراضي من خسة النيل. وفي هذه السنة أخذ قاع النيل فجاء الماء القديم ذراعا وعشرين أصبعا ولم يعهد مثل ذلك في السنين الماضية.
فكان منتهى الزيادة في تلك السنة اثنى عشر ذراعا وستة عشر أصبعا، فشرقت البلاد في تلك السنة وحصل للناس الضرر الشامل، ووقع الغلاء بمصر حتى ماجت المدينة بأهلها ومات الأمير يزيد بعد ذلك بمدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن عبد الرحمن فلم تطل أيامه بها، ومات.
* فتولى من بعده الأمير محمد أخو عبد الرحمن عم عبد الله، ثم عزل عنها بعد مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن علي، وعزل عنها بعد مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده اللخمى في أيام الخليفة المهدي فلم تطل أيامه بها وعزل عن ولاية مصر في سنته، ولم يستقم أمره بها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن لقمان فلم تطل أيامه بها.
стр. 26
* ثم تولى من بعده الأمير واضح المنصوري فلم تطل أيامه.
* ثم تولى من بعده الأمير منصور بن يزيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير يحيى بن داود في أيام الرشيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير سالم بن سودة، تولى أيضا في أيام الرشيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير إبراهيم بن صالح العباسي، تولى على مصر في سنة خمس وستين ومائة. وكان الرشيد قد زوجه بابنته غالية، فلما تولى على مصر لم يستقم بها حاله فعزله الرشيد عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن مصعب مولى خثعم، تولى على مصر في سنة سبع وستين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير أسامة بن عمرو المعافري، تولى على مصر في سنة تسع وستين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير فضل بن صالح العباسي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير علي بن سليمان العباسي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده موسى بن عيسى العباسي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير مسلمة بن يحيى الأحمسي، تولى على مصر سنة اثنتين وسبعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن زهير الأزدي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده داود المهلبي، تولى على مصر سنة ثلاث وسبعين ومائة هو والأمير محمد ابن زهير الأزدي سنة واحدة.
* ثم تولى من بعده الأمير ابراهيم بن صالح العباسي، وفي أيامه توفي الإمام الليث بن سعد ﵁ ودفن بالقرافة، وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين ومائة، وذلك في يوم الجمعة رابع عشر شعبان - وهي الولاية الثانية - فأقام بها حتى توفي في سنة ست وسبعين ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن المسيب الضبي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسحق بن سليمان العباسي، تولى على مصر في سنة سبع وسبعين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير هرثمة بن أعين في سنة ثمان وسبعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
стр. 27
ثم تولى من بعده الأمير عبد الملك بن صالح العباسي، تولى في سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة فأقام دون الشهر ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله ابن الخليفة المهدي العباسي، تولى على مصر في سنة تسع وسبعين ومائة فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن عيسى العباسي، تولى على مصر ثلاث مرات، وأقام في آخر ولايته إلى سنة ثمانين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله ابن الخليفة المهدي ثانيا، فأقام في ولايته على مصر هذه الثانية نحو سنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسمعيل بن صالح العباسي، فأقام على ولايته بمصر دون السنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسمعيل بن عيسى في سنة اثنتين وثمانين ومائة.
* ثم تولى من بعده الليث بن الفضل الأسدي، تولى على مصر في سنة أربع وثمانين ومائة ثم عزل عنها.
* وتولى من بعده الأمير أحمد بن اسمعيل العباسي، تولى على مصر في سنة تسع وثمانين ومائة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن أحمد العباسي الذي يقال له ابن زينب، تولى على مصر في سنة تسعين ومائة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حسين بن جميل، تولى على مصر في أواخر سنة تسعين ومائة ثم عزل عنها في مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير مالك ابن دلهم الكلبي في سنة اثنتين وتسعين ومائة، فلم تطل بها أيامه وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جانم حسن بن البجباج، تولى على مصر في سنة ثلاث وتسعين ومائة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جانم بن هرثمة ابن أعين، فأقام على ولاية مصر مدة يسيرة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جابر بن الأشعث الطائي، تولى على مصر في سنة خمس وتسعين ومائة، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبادة بن محمد في سنة ست وتسعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
стр. 28
* ثم تولى من بعده المطلب بن عبد الله الخزاعي في سنة ثمان وتسعين ومائة. وفي أيامه توفي القاضي بكار بن قتيبة الحنفي ﵁، وكان الرشيد ألزمه أن يتولى القضاء بمصر فتولى القضاء على كره منه. وكانت له كرامات خارقة للعادة، وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين ومائة، ودفن بالقرب من باب الزعلة عند المجراة.
* ثم عزل المطلب عن مصر، وتولى العباس ابن موسى العباسي فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم أعيد المطلب ثاني مرة فأقام مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده السري بن الحكم في سنة تسع وتسعين ومائة فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن طاهر الخزاعي، وكان من حذاق العمال بمصر، وهو الذي نقل زريعة البطيخ العبدلي إلى مصر ولم يكن بها قبل ذلك منه شيء، وكان ظهوره بمصر في سنة مائتين من سني الهجرة في أيام عبد الله بن طاهر، وإليه ينسب فيقال البطيخ العبدلي، وأقام عبد الله ابن طاهر على ولاية مصر ثم عزل عنها.
* ثم أعيد السري بن عبد الحكم إلى ولاية مصر ثانيا وذلك في سنة احدى ومائتين فأقام بها مدة ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده ابنه محمد بن السري، وفي أيامه توفي الإمام الشافعي محمد بن ادريس ﵁، وكانت وفاته في ليلة الجمعة في سلخ شهر رجب الفرد سنة أربع ومائتين من الهجرة ودفن بالقرافة الكبرى مقابل تربة القاضي بكار. وقيل مات بعلة البطن ومات وله من العمر أربع وخمسون سنة. وكان مولده بمدينة غزة في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة ﵁.
قيل لما مرض الإمام الشافعي أوصى بألا يغسله إلا أمير البلد. فلما مات حضر محمد ابن السري أمير البلد، فقيل له: "إن الإمام أوصى بالا يغسله إلا أنت". فقال: "هل توفي الإمام وعليه دين؟ ". فقيل له: "نعم". فحسبوا ما عليه من الدين فإذا هو سبعون ألف درهم، فقضاها عنه محمد بن السري، وقال هذا غسلي إياه، وإنما كنى عن الدين الذي عليه لأقضيه عنه.
وقيل إن الإمام الشافعي أوصى إذا مات بأن السيدة نفيسة ﵂ تصلي عليه.
فلما مات احضروا نعشه عندها فضربت لها ستارة وصلت عليه من خلفها، ثم حمل من عندها ودفن في تربته كما تقدم ذكر ذلك.
стр. 29
وقيل إن الإمام الشافعي ﵁ لما ساح في الأرض في طلب الحديث، وقصد التوجه إلى نحو مصر، أنشد في حلقة درسه قبل أن يدخل إلى مصر هذين البيتين من نظمه حيث قال:
وإني أرى نفسي تتوق إلى مصر … ومن دونها عرض المهامه والقفر
فو الله ما أدرى: أللعز والغني … أساق إليها، أم أساق إلى قبري؟
فكان الأمر كذلك ودفن بمصر، وكانت وفاته في أيام الخليفة المأمون.
وأما نسبه ﵁ فهو: محمد ابن ادريس بن عثمان بن شافع بن السائب، متصل النسب إلى عبد مناف أحد أجداد رسول الله ﷺ … فهو قرشي.
وأما أمه فهي فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسين بن الإمام علي ﵁.
* وقد قال الكرماني فيه هذه الأبيات:
الشافعي امام كل أئمة … تربو فضائله على الآلاف
لكنني أوتيت بدعا بارعا … في وصفه هو سيد الأوصاف
ختم النبوة والإمامة في الهدى … بمحمدين هما لعبد مناف
قيل إن أم الشافعي ﵁ رأت في منامها وهي حامل أن نجما خرج من بطنها وله ضوء عظيم فسقط بأرض مصر، ثم طار منه فانتشر في سائر الآفاق. فقصت هذه الرؤيا على بعض المعبرين فقال لها: "سيخرج من بطنك مولود ويكون من كبار العلماء، ويخص علمه أهل مصر دون غيرها من البلاد، ثم ينتشر علمه في سائر الآفاق". .. وكان كذلك.
وكان الإمام ﵁ حسن الخلق، قليل الغضب، سخى النفس. وقد عاصر الإمام مالك بن أنس ﵁، وقرأ عليه الموطأ في المدينة الشريفة، وعاصره أيضا الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
ومما يحكى عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: "كنت في المسجد جالسا، وإذا بلص قد سرق نعلي من غير علمي، ثم مضى إلى بيتي فقال للجارية إن الإمام قد سرق نعله، ولم يجد ما يمشي فيه، فأرسلوا له نعلا حتى يجيء به إلى البيت. فبينما أنا جالس
стр. 30
في المسجد وإذا بالجارية قد أقبلت من باب المسجد ومعها نعل فقلت لها: وما هذا؟ فقالت:
قد جاء إلينا رجل وقال لنا إن الإمام قد سرق نعله ولم يجد ما يجيء به إلى البيت فأتوا إليه بنعل غيره فعلمت أن القائل للجارية هو اللص، فتعجبت من لطافة هذا اللص إذ لم يدعني أجيء إلى بيتي حافيا".
ومن فضائل الإمام الشافعي ﵁ أن في مدة حياته لم يقع الطاعون بمصر وهو بها، ولا وقع في غيرها من البلاد في مدة حياته طاعون وذلك نحو من خمسين سنة … نقل ذلك ابن حجر.
ومن هنا نرجع إلى أخبار أمراء مصر.
* ثم تولى من بعد محمد بن السري أخوه عبيد الله بن السري، تولى على مصر في سنة ست ومائتين من الهجرة.
وفي أيامه توفيت السيدة نفيسة ﵂، وكانت وفاتها في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين من الهجرة، ودفنت بالمراغة. وكان لها كرامات خارقة، وأسرار صادقة.
قال شمس الدين بن خلكان في تاريخه: هي نفيسة بنت الإمام حسن بن زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب ﵃ أجمعين، أتت من مكة إلى مصر مع زوجها اسحق بن جعفر الصادق ﵁. وقيل بل دخلت مصر مع أبيها الأمير حسن.
وقيل كان لها أولاد من زوجها اسحق ابن جعفر الصادق ﵁ قال ابن فلكان ان الامام الشافعي ﵁ حضر عندها وأخذ عنها الحديث. وبالجملة أن الدعاء عند قبرها مجاب. وقيل ماتت ولها من العمر نيف وسبعون سنة.
* ثم أعيد الأمير عبد الله بن طاهر إلى ولايته على مصر ثانيا، فأقام مدة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن يزيد الجلودي. تولى على مصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين، فأقام بها نحو سنة ثم عزل عنها.
* وتولى الأمير عمير بن الوليد التميمي، تولى على مصر في سنة أربع عشرة ومائتين، فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم أعيد الأمير عيسى بن يزيد ثانيا، ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده عبدويه بن جبلة. تولى على مصر في سنة خمس عشرة ومائتين، فأقام بها مدة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن منصور المرافقي. وفي أيامه خرج أهل مصر عن طاعة الخليفة المأمون، وامتنعوا عن وزن الخراج، وطردوا العمال عن البلاد، وكانت
стр. 31
فتنة عظيمة بمصر حتى كادت أن تخرب عن آخرها، وعظم الأمر حتى قدم الخليفة المأمون إلى مصر وخمدت هذه الفتنة، ومهد البلاد، وعزل عيسى بن منصور المرافقي عن مصر.
* ثم تولى من بعده الأمير نصر السعدي المسمي كيدر، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده المظفر، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن منصور المرافقي، فأقام بها مدة ثم عزل عنها في سنة تسع عشرة ومائتين.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن علي، فكانت مدة ولايته على مصر نحو شهر ويومين وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده مالك بن كيدرة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده علي بن يحيى الأرمني في سنة خمس وعشرين ومائتين، ولم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده هرثمة بن نصر الجبلي.
* ثم تولى ابنه جانم.
* ثم تولى اسحق بن يحيى.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الواحد المسمى حوط. تولى على مصر في سنة ست وثلاثين ومائتين فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده عنبسة بن اسحق بن شمر. تولى على مصر في سنة ثمان وثلاثين ومائتين وفي أيامه أتى بنو الأصفر إلى ثغر دمياط، وهجموا على أهلها، وقتلوا جماعة من المسلمين وأسروا منهم جماعة، فجاء الخبر إلى مصر بذلك في يوم عيد النحر، فنودى بالنفير عاما، فخرج أهل الفسطاط جميعا وتوجهوا إلى ثغر دمياط، وتحاربوا مع بني الأصفر، فانتصر عليهم عنبسة وأسر منهم جماعة وهرب الباقون جميعا، ورجع عنبسة إلى مدينة الفسطاط فأقام بعد ذلك مدة ومات ودفن بها.
* ثم تولى من بعده الأمير يزيد بن عبد الله التركي، وكان من الموالي، تولى على مصر في أيام الخليفة المتوكل على الله جعفر، وهو الذي بنى المقياس الجديد في جزيرة الفسطاط وأبطل المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي في أيام خلفاء بني أمية، وصار العمل في قياس النيل على هذا المقياس الجديد إلى الآن، وكان بناؤه في سنة سبع وأربعين ومائتين.
стр. 32
* ثم تولى من بعده مزاحم بن خاقان التركي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده ابنه أحمد، ولم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده أرخور التركي، وكان من الموالي. تولى في أيام المتوكل فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير محفوظ بن سليمان. تولى في أيام المتوكل أيضا فكان يقول: "إني تأملت أرض مصر فوجدتها إذا بلغ النيل ستة عشر ذراعا فقد وفي خراج مصر تاما، وان زاد ماء النيل بعد ذلك ذراعا واحدا نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من بطون الأراضي التي هي واطية، وإذا زاد خمسة عشر ذراعا ثم هبط حصل للناس الضرر الشامل واستسقى أهل مصر لذلك ووقع بها الغلاء. ولو أن أراضي مصر تزرع كلها لوفت بخراج الدنيا كلها بأسرها".
قال محفوظ بن سليمان أمير مصر: "تبقى علي من خراج مصر في أيام المتوكل ثلثمائة ألف دينار، فأرسل فأحضرني في الحديد. فلما وصلت إلى بغداد دخلت عليه بعد أن فرغ من صلاة الفجر وأنا لا أعقل من الوهم، فأصبته جالسا وفي يده درج مكتوب بماء الذهب. فلما أبصرني قال: من أنت؟ فقلت: عبدك محفوظ بن سليمان. فقال: ويحك! أي ساعة دخلت على فيها! فقلت: في ساعة خير يا أمير المؤمنين. فقال: هل ندري ما في هذا الدرج الذي في يدي؟ فقلت: لا والله يا سيدي. فقال: هذا مما أنزل على دانيال ﵇. يقول الله تعالى:" عند تناهي شدتي يكون فرجي، وعند نزول بلائي يكون رجائي، وفي مثلي فليطمع الطامعون ". اذهب يا محفوظ فقد وهبت لك ما عليك من المال ووليتك على مصر، فامض راشدا. وأمر بنزع قيودي وخلع على خلعة سنية".
وقد قيل في المعنى:
ما خاب عبد على الله الكريم له … توكل صادق في السر والعلن
حاشاه أن يحرم الراجي أجابه … إذا دعاه لكشف الهم والحزن
واستمر الأمير محفوظ بن سليمان في ولايته على مصر حتى مات ودفن بها في سنة أربع وخمسين ومائتين.
* ثم تولى من بعده الأمير أحمد بن محمد بن المدبر. فلما تولى على مصر أحدث بها أنواعا من المظالم في جهات متعددة: منها أنه حجر على الأطرون بعد ما كان مباحا للناس، ومنها أنه قرر على الرعاة ما كانوا يرعونه من المراعي في الفلاة، وصير عليهم
стр. 33
قدرا معلوما، ومنها أنه قرر على صيادي السمك قدرا معلوما، وأحدث أشياء كثيرة من هذا النمط … فهذه أول شدة لحقت أهل مصر من المظالم. وقد انحط خراجها في هذه الأيام إلى الغاية حتى بقي ثمانمائة ألف دينار بعدما كانت تجبي في أيام خلفاء بني أمية أثني عشر ألف ألف دينار بغير مكوس.
ثم صارت مصر تتزايد من هذه الأحوال الفاسدة، وقد آل أمرها إلى الخراب، حتى تولى أمرها الأمير أحمد بن طولون، واستقل بها، وانفرد وادعى بها الأمر لنفسه … وذلك في أيام محمد المعتز بالله بن جعفر المتوكل.
стр. 34
الدّولة الطولونية
قال ابراهيم بن وصيف شاه: "كان طولون والد الأمير أحمد أصله من مماليك الخليفة المأمون، فولد له الأمير أحمد هذا، فلما انتشأ طلع شجاعا بطلا عالي الهمة سعيد الحركات، تولى على مصر في أواخر خلافة المتوكل في سنة خمس وخمسين ومائتين.
ولما دخل مصر كان في أضيق حال، يحتقره كل من يراه. قيل كان بمصر رجل من الأعيان يقال له على بن معبد البغدادي، وكان في سعة من المال، فلما بلغه حضور الأمير أحمد خرج إلى تلقيه، فلما رآه في ضيق حال أرسل إليه عشرة آلاف دينار فقبلها، ورأى بها موقعا، وحظى ذلك الرجل عنده، فكان لا يتصرف في شيء من الأمور إلا برأي ذلك الرجل. وتضاعفت عنده منزلته إلى الغاية".
قال ابن وصيف شاه: "لما تولى الأمير أحمد ابن طولون على مصر أخذ في أسباب عمارة قرى مصر وعمارة جسورها وقناطرها، وحفر خلجانها وسد ترعها، فاستقامت أحوال الديار المصرية في أيامه بعد ما كانت قد تلاشى أمرها إلى الخراب، وانحط خراجها في أيام من تقدمه من العمال. فلما حصلت العمارة والعدل عم الرخاء سائر أعمال الديار المصرية حتى بيع القمح في أيامه كل عشرة أرادب بدينار، وعلى هذا فقس في جميع البضائع. ووصل خراج مصر في أيامه - مع وجود هذا الرخاء - أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار غير المكوس".
قال ابن وصيف شاه: "فلما تم أمر الأمير أحمد ابن طولون في ولايته على مصر، واستقامت أحواله بها استكثر من مشتري المماليك الديالمة حتى بلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك، وبلغ مشتري عبيده أربعين ألفا من العبيد الزنج، واستكثر من شناترة العرب حتى بلغت عدتهم سبعة آلاف إنسان. فعند ذلك سطا على الخلفاء، وادعى الخلافة لنفسه بمصر، وانفرد بخراجها. فحاربه الخليفة المعتضد بالله أشد المحاربة فلم يقدر عليه، فخضع له وأرسل بخطب ابنة ابنه الأمير خمارويه - وهي الست قطر الندى - فأصدقها مائة ألف دينار. وأتت من مصر إلى بغداد في محفة، وكانت مدة توجهها من الديار المصرية إلى بغداد ستة أشهر، فكانت تمشي كما تمشي السحابة. فلما حضرت إلى
стр. 35
بغداد دخل عليها المعتضد بالله وزفت عليه، وكان لهما مهم عظيم. وأحبها المعتضد بالله حبا شديدا، وأقامت معه حتى مات".
قيل إن النجوم تطايرت في السماء شرقا وغربا في أيام الأمير أحمد بن طولون وذلك سنة إحدى وأربعين (١) ومائتين، فارتاع الأمير أحمد من ذلك وأحضر أرباب الفلك وسألهم عن ذلك فما أجابوا بشيء، فصار الأمير أحمد متطيرا من ذلك فدخل عليه الشاعر المسمى بالجمل - وهو جالس في موكبه - وأنشده هذه الأبيات:
قالوا تساقطت النجو … م لحادث أبدا عسير
فأجبت عند مقالهم … بجواب محتنك خبير
هذى النجوم الساقطا … ت رجوم أعداء الأمير
فتفائل الأمير أحمد بذلك، وخلع على الشاعر الجمل خلعة سنية.
قال ابن وصيف شاه: "خرج الأمير أحمد بن طولون يوما على سبيل التنزه إلى نحو الأهرام، فبينما هو يسير إذ غاصت قوائم فرسه في الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان، فلما كشفه إذا هو مطلب فيه دنانير يوسفية، فنقلها إلى خزائنه على ظهور الجمال بالشكاير".
واتسع حاله فأخذ في أسباب بناء الجامع المعروف به، وكان بناؤه في سنة ستين ومائتين. قيل إنه اتفق على بنائه مائة ألف دينار.
قال القضاعي إن الأمير أحمد بن طولون وضع أساس هذا الجامع على مكان يسمى جبل يشكر، وكان هذا الجبل يشرف على بحر النيل قبل حفر تينك البركتين اللتين أحداهما تعرف ببركة الفيل، والأخرى تعرف ببركة قارون، وقيل إن جبل يشكر هذا مشهور بإجابة الدعاء، وسبب ذلك أن موسى ﵇ ناجى ربه عليه في بعض الأوقات، وهو مكان مبارك. قيل إن النمل دار على محراب هذا الجامع لما وضعوا أساسه، فبنوا على ذلك الخط الذي وضعه النمل المحراب، ويسمى محراب النمل إلى الآن. ورئى النبي ﷺ في المنام عدة مرار يصلي في ذلك المحراب. فلما بنى الأمير أحمد هذا الجامع قرر به جماعة من العلماء والفقهاء، وأجرى عليهم الرواتب والصدقات، وكان له في كل يوم راتب من الطعام والخبز - حتى الحلوى والفاكهة وغير ذلك - وكان هذا مستمرا في كل يوم. وأنشأ به مارستانا برسم الضعفاء ولم يكن بمصر مارستان غيره، فكان ما يصرف على هذه الرواتب والصدقات في كل يوم ألفا ومائتي دينار.
стр. 36
وكان الأمير أحمد يرسل في كل سنة إلى فقراء بغداد مائة ألف دينار برسم الصدقات، ويرسل إليهم في كل سنة بكسوة الشتاء والصيف دائما في مدة ولايته على مصر.
قال الشيخ أبو الحسن بن حماد، وكان من كبار العلماء: "كنت راقدا في بعض الليالي في منزلي، وإذا بالباب يدق في نصف الليل، فنظرت من الطاق، وإذا برجال ومعهم مشاعل، فوقفوا على باب منزلي، فقلت: ما تريدون؟ قالوا: أبا الحسن ابن حماد؟ فقلت: ها هو أنا. فقالوا: امض فان الأمير أحمد قد طلبك في هذه الساعة. فارتعدت أعضائي، فخرجت معهم وركبت بغلتي وأنا آيس من الحياة. فلما وصلت إلى دار الأمير أحمد دخلت وسلمت على حاجب الباب فقال لي: أدخل وخذ في مشيك عن يمينك، واحترز أن تقع في البحرة. وكانت ليلة مظلمة من ليالي الشتاء. فمشيت حتى بلغت ضوء الشمع، فوقفت هناك ساعة وإذا بالأمير أحمد في قبة لطيفة وهو نائم على ظهره وبين يديه شمعتان، فوقفت طويلا، فلما علم بي قال: أبو الحسن؟ فقلت: نعم. فقال: أدخل. فدخلت ووقفت بين يديه فقال لي: أجلس فجلست، فقال لي: لأي شيء تصلح هذه القبة؟ وكانت قبة لطيفة يجلس فيها نحو أربع أنفس، فقلت: تصلح للذكر وقراءة القرآن ومطالعة العلم ومنادمة المحبين.
فتبسم ثم قال: ما تقول في هذه المسألة؟ فقلت: يقول الأمير أيده الله ينصره. فقال: ما تقول فيمن سلط على شيء ففعله … فهل يعذب عليه؟ قال أبو الحسن: فعلمت أن المسألة ناشئة عنه، فقلت على الفور: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. فلما سمع ذلك استوى جالسا وقال: كيف قلت؟ فقلت: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. ثم سكت طويلا وقال: انصرف إلى منزلك.
فخرجت من عنده وأنا لم أصدق بالنجاة. فلما خرجت من عنده تبعني الحاجب بكيس فيه مائة دينار، وانصرفت إلى منزلي وأنا أرعد من الخوف".
قال ابن وصيف شاه: "كان راتب مطبخ الأمير أحمد بن طولون في كل يوم ألف دينار تصرف فيما يحتاج إليه أمر الطعام والحلوى والفاكهة والسكر والشمع وغير ذلك. وكان منتهى حكمه من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب".
قال جامع السيرة الطولونية: "كان بمدينة عين شمس - وهي التي تسمى الآن المطرية - صنم من الكذان الأبيض على قدر خلقة الإنسان المعتدل، وكان محكم الصناعة يكاد أن ينطق، فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه عن ذلك بعض الكهان وقال له: أيها الأمير، لا تنظر إلى هذا الصنم فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا عزل عنها في سنته.
فلم ينته الأمير أحمد عن ذلك وركب وتوجه إلى مدينة عين شمس، ولم يزل حتى رأى ذلك الصنم، فأمر بإحضار القطاعين فكسروه قطعا ولم يبق له أثر. فلما رجع الأمير أحمد
стр. 37
إلى داره لم يقم بعد ذلك سوى عشرة أشهر، ثم مرض وتسلسل في المرض، فاضطربت مصر بسبب مرضه وخرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء، فخرج الناس حفاة وعلى رءوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلى رءوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رءوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رءوسهم الألواح، وخرج سائر العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء".
فاستمر الأمير أحمد في ذلك المرض حتى مات، به، فكانت وفاته في سنة تسع وستين ومائتين، فكانت مدة ولايته بمصر نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يقول في مرضه: "رب ارحم من جهل مقدار نفسه وقد أبطره وغره حلمك يا أرحم الراحمين".
وكان الأمير أحمد ملكا عادلا في الرعية كريما سخيا، منقادا إلى الشريعة، يحب العلماء والصلحاء. وكان يصلي على من يموت في البلد - من فقير أو غني - بنفسه، ويحضر دفنهم، ويحب فعل الخير، كثير البر والصدقات، وكان له اشتغال بالعلم وطلب الحديث، وكان نافذ الكلمة وافر الحرمة … حكم في أيام ولايته من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب، وعم العدل منه سائر الجهات حتى تخيروه على خلفاء بغداد. وكانت أفعاله جميلة … غير أنه كان سفاكا للدماء، شديد الغضب، سيئ الخلق، قيل مات في حبسه ثمانية عشر ألف إنسان.
ولما مات الأمير أحمد دفن بالقرب من باب القرافة. قال بعض الثقات: كنت أرى شيخا من أهل العلم يقرأ على قبر الأمير أحمد بن طولون في كل يوم، ثم رأيته ترك القراءة ورجع عن ذلك، فسألته عن سبب ذلك فقال لي: كان للأمير أحمد على بعض احسان فأحببت أن أصله بعد موته بشيء من القرآن، فرأيته في بعض الليالي في المنام فقال لي:
يا فلان، لا تبق تقرأ على قبري شيئا، فإني ما تمر بي آية إلا قيل لي أما سمعت هذه الآية في دار الدنيا … فهلا كنت تعمل بها؟ وما رأيت أشد على رؤساء الدنيا من الحجاب في كتمهم لحوائج المظلومين عن الحكام. ثم أنشد يقول:
ولو أنا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شيء
مع أن الأمير أحمد كان فيه الخير، وأبطل في أيامه جملة مكوس كانت حدثت بمصر، أيام أحمد بن المدبر.
قال ابن وصيف شاه: "لما توفي الأمير أحمد بن طولون خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكورا وباقي ذلك اناث، وخلف من الذهب العين عشرة آلاف ألف
стр. 38
ألف دينار، وخلف من المماليك المشتروات سبعة آلاف مملوك، ومن العبيد السود أربعة وعشرين ألف عبد، وخلف من الخيول سبعة آلاف فرس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، وخلف من الجمال عشرة آلاف جمل، ومن المراكب الحربية والشواني ألف مركب، وخلف من اللؤلؤ والجواهر واليواقيت مائة صندوق، وخلف من التحف والفرش ما لا يحصى عدده … وهذا خارج عن الضياع والأملاك والبساتين وغير ذلك".
وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار بعد إسقاط المكوس - وهو نحو مائة ألف دينار - مع وجود الرخاء وانحطاط سعر الغلال في زمانه.
ولما مات رثاه بعض الشعراء بهذه الأبيات:
خذ القناعة من دنياك وارض بها … واقصد لنفسك منها راحة البدن
وانظر لمن قد حوى مصرا وما جمعت … هل راح منها بغير القطن والكفن
ولما مات الأمير أحمد بن طولون تولى من بعده ابنه خمارويه.
- الأمير خمارويه
تولى على مصر بعد أبيه الأمير احمد، ومشى على نظامه وطريقته، واستكثر من المماليك وزاد في عسكره شناترة العرب الشجعان حتى بلغوا نحو عشرة آلاف إنسان، وكان يجب الجياد من الخيل فاستكثر منها حتى ضاقت بها الاسطبلات، وكان لها أنساب مثبتة في الدواوين كأنساب الناس المعروفة.
قال ابن وصيف شاه:" كان الأمير خمارويه مولعا بالعمارات وغرس الأشجار. قيل إنه أنشأ ميدانا بالقرب من جامع أبيه، ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد الهندية والشامية حتى من خراسان ومن مكة ومن اليمن، فكان به سائر الفواكه وسائر الرياحين، حتى الكادي والقرنفل والسنبل والزعفران وجوز الهند وغير ذلك من أنواع الفواكه والزهورات والرياحين والأشياء الغريبة التي لم تزرع قط بمصر، ثم زرع أشياء من أنواع الرياحين وجعلها كالسطور تقرأ، مثل "حسبنا الله ونعم الوكيل" وما أشبه ذلك من الألفاظ، ووكل بتلك السطور رجالا بأيديهم مقاريض من الذهب والفضة يصلحون بها ما يفسد من الأوراق ويخرج عن قالب الاعتدال في الأحرف حتى يستقيم الكلام في معناه. ثم أنه البس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر وطلاه بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت على تلك
стр. 39
الأشجار لا يقدر أحد أن ينظر إليها من شدة اتقاد ذلك النحاس المموه بالذهب، وكان يسحق المسك والكافور وينثره على تلك الرياحين السطور
"وصنع في ذلك البستان بحيرة كبيرة وملأها من الزئبق. وكان يضع على ذلك الزئبق فراشا من جلد خباه أنعم من الحرير، وكان له حركات تمتلئ بالريح ثم يسد فاه بحبل ويطرح ذلك الفراش على ذلك الزئبق وينام عليه".
قال بعض المؤرخين ان خمارويه هذا كان يعتريه ضربان المفاصل، وكان يضع ذلك حتى يجد له راحة وينام ساعة من الليل.
قال ابن وصيف شاه: "خرج خمارويه يوما إلى الفضاء على سبيل التنزه، فلقيه أعرابي فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إن السنان وحد السيف لو نطقا … لحدثا عنك في الهيجاء بالعجب
أفنيت مالك تعطيه وتبذله … يا آفة الفضة البيضاء والذهب
فلما سمع خمارويه هذه الأبيات قال لغلامه: ادفع إليه ما معك في الخريطة. فوجد فيها خمسمائة درهم فدفعها إليه. فقال الأعرابي: زدني أيها الأمير فمثلك من يزيد. فقال خمارويه للمماليك: اطرحوا عليه مناطقكم وسيوفكم، وكانت مسقطة بالذهب. فقال الأعرابي: ومن يحمل لي ذلك؟ فأمر له ببغل، فحمل ذلك ومضى، فلما رجع خمارويه إلى قصره فرق على المماليك سيوفا ومناطق عوضا عما أخذ منهم.
- الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى
واستمر خمارويه في ولايته على مصر حتى توفى بها ودفن عند أبيه، ثم تولى من بعده ابنه الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى. وهو صاحب سوق مرجوش.
قال القضاعي: إن الأفضل هذا هو الذي حفر خليج أبي المنجي، وكان المتولي أمر حفر هذا الخليج أبو المنجي شعيا اليهودي فعرف به من يومئذ. وقال القضاعي ان الأفضل هو الذي بنى المسجد المطل على بركة الحبش المعروف الآن بالرصد، وإنما سمي بالرصد لأنه كما قيل كان فوقه صورة من النحاس الأصفر قدرها نحو قنطار وهي مركبة على أعمدة من الرخام الأبيض بسبب تحرير الساعات لأجل وقت دخول الصلاة. ولم ينسب إلى الحاكم بأمر الله في بنائه شيء وإنما هي إشاعة بين الناس في نسبته إلى الحاكم.
ومن الحوادث في أيام الأفضل أنه في يوم الجمعة ثاني رجب سنة تسع وسبعين ومائتين هاجت بالديار المصرية ريح سوداء، واشتد هبوبها، وأظلم الجو حتى ظهرت
стр. 40
النجوم بالنهار، فارتاع الناس من ذلك وتوجهوا إلى المساجد يبتهلون إلى الله تعالى بالدعاء، فلم تزل تلك الرياح عاصفة من العصر إلى المغرب، ثم بعد ذلك سكن الريح وانجلت تلك الظلمة وعادت الناس إلى دكاكينهم بعد ما تركوها مفتوحة ومضوا إلى المساجد.
وفي أيامه توفي الشيخ بنان الجمال ﵁، وكان صاحب كرامات خارقة، ودفن تحت الجبل المقطم بالقرافة.
واستمر الأفضل في ولايته على مصر حتى مات بها ودفن في المسجد الذي في حارة برجوان وكانت وفاته في سنة إحدى وتسعين ومائتين.
- هارون بن بدر الجمالي
ثم تولى من بعده ابنه هارون، فلما تولى على مصر لم يستقم أمره بها وعزل عنها، فكانت مدة ولايته على مصر ثمانية أشهر وأياما.
*****
* ثم تولى من بعد الأمير شيبان من ولد الأمير أحمد بن طولون، وكان يكنى بأبي المناقب تولى على مصر في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فلم تطل مدته بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى الدنوشري، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها. ومن الحوادث في أيامه أنه وقعت صاعقة عظيمة في مدينة الفسطاط فأحرقت عدة أماكن.
* ثم تولى من بعده أبو الحسن المسمى بكا الأعور. تولى على مصر في سنة ثلاث وثلثمائة، فأقام بهامدة يسيرة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده شخص يسمى تكين التركي. تولى على مصر مرتين ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده شخص يسمى هلال ابن بدر المصري في سنة تسع وثلثمائة، ولم تطل أيامه بها ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده شخص يسمى أحمد ابن كيغلغ، فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم أعيد تكين التركي إلى ولايته بمصر ثالث مرة، فكانت ولاية أحمد بن كيغلغ وعود تكين في سنة واحدة وهي سنة إحدى عشرة وثلثمائة، ولم تزل الأحوال مضطربة بمصر حتى ابتدأت دولة الأخشيدية.