← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان الأمير أحمد يرسل في كل سنة إلى فقراء بغداد مائة ألف دينار برسم الصدقات، ويرسل إليهم في كل سنة بكسوة الشتاء والصيف دائما في مدة ولايته على مصر. قال الشيخ أبو الحسن بن حماد، وكان من كبار العلماء: "كنت راقدا في بعض الليالي في منزلي، وإذا بالباب يدق في نصف الليل، فنظرت من الطاق، وإذا برجال ومعهم مشاعل، فوقفوا على باب منزلي، فقلت: ما تريدون؟ قالوا: أبا الحسن ابن حماد؟ فقلت: ها هو أنا. فقالوا: امض فان الأمير أحمد قد طلبك في هذه الساعة. فارتعدت أعضائي، فخرجت معهم وركبت بغلتي وأنا آيس من الحياة. فلما وصلت إلى دار الأمير أحمد دخلت وسلمت على حاجب الباب فقال لي: أدخل وخذ في مشيك عن يمينك، واحترز أن تقع في البحرة. وكانت ليلة مظلمة من ليالي الشتاء. فمشيت حتى بلغت ضوء الشمع، فوقفت هناك ساعة وإذا بالأمير أحمد في قبة لطيفة وهو نائم على ظهره وبين يديه شمعتان، فوقفت طويلا، فلما علم بي قال: أبو الحسن؟ فقلت: نعم. فقال: أدخل. فدخلت ووقفت بين يديه فقال لي: أجلس فجلست، فقال لي: لأي شيء تصلح هذه القبة؟ وكانت قبة لطيفة يجلس فيها نحو أربع أنفس، فقلت: تصلح للذكر وقراءة القرآن ومطالعة العلم ومنادمة المحبين. فتبسم ثم قال: ما تقول في هذه المسألة؟ فقلت: يقول الأمير أيده الله ينصره. فقال: ما تقول فيمن سلط على شيء ففعله … فهل يعذب عليه؟ قال أبو الحسن: فعلمت أن المسألة ناشئة عنه، فقلت على الفور: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. فلما سمع ذلك استوى جالسا وقال: كيف قلت؟ فقلت: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. ثم سكت طويلا وقال: انصرف إلى منزلك. فخرجت من عنده وأنا لم أصدق بالنجاة. فلما خرجت من عنده تبعني الحاجب بكيس فيه مائة دينار، وانصرفت إلى منزلي وأنا أرعد من الخوف". قال ابن وصيف شاه: "كان راتب مطبخ الأمير أحمد بن طولون في كل يوم ألف دينار تصرف فيما يحتاج إليه أمر الطعام والحلوى والفاكهة والسكر والشمع وغير ذلك. وكان منتهى حكمه من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب". قال جامع السيرة الطولونية: "كان بمدينة عين شمس - وهي التي تسمى الآن المطرية - صنم من الكذان الأبيض على قدر خلقة الإنسان المعتدل، وكان محكم الصناعة يكاد أن ينطق، فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه عن ذلك بعض الكهان وقال له: أيها الأمير، لا تنظر إلى هذا الصنم فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا عزل عنها في سنته. فلم ينته الأمير أحمد عن ذلك وركب وتوجه إلى مدينة عين شمس، ولم يزل حتى رأى ذلك الصنم، فأمر بإحضار القطاعين فكسروه قطعا ولم يبق له أثر. فلما رجع الأمير أحمد

стр. 37

إلى داره لم يقم بعد ذلك سوى عشرة أشهر، ثم مرض وتسلسل في المرض، فاضطربت مصر بسبب مرضه وخرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء، فخرج الناس حفاة وعلى رءوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلى رءوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رءوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رءوسهم الألواح، وخرج سائر العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء". فاستمر الأمير أحمد في ذلك المرض حتى مات، به، فكانت وفاته في سنة تسع وستين ومائتين، فكانت مدة ولايته بمصر نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يقول في مرضه: "رب ارحم من جهل مقدار نفسه وقد أبطره وغره حلمك يا أرحم الراحمين". وكان الأمير أحمد ملكا عادلا في الرعية كريما سخيا، منقادا إلى الشريعة، يحب العلماء والصلحاء. وكان يصلي على من يموت في البلد - من فقير أو غني - بنفسه، ويحضر دفنهم، ويحب فعل الخير، كثير البر والصدقات، وكان له اشتغال بالعلم وطلب الحديث، وكان نافذ الكلمة وافر الحرمة … حكم في أيام ولايته من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب، وعم العدل منه سائر الجهات حتى تخيروه على خلفاء بغداد. وكانت أفعاله جميلة … غير أنه كان سفاكا للدماء، شديد الغضب، سيئ الخلق، قيل مات في حبسه ثمانية عشر ألف إنسان. ولما مات الأمير أحمد دفن بالقرب من باب القرافة. قال بعض الثقات: كنت أرى شيخا من أهل العلم يقرأ على قبر الأمير أحمد بن طولون في كل يوم، ثم رأيته ترك القراءة ورجع عن ذلك، فسألته عن سبب ذلك فقال لي: كان للأمير أحمد على بعض احسان فأحببت أن أصله بعد موته بشيء من القرآن، فرأيته في بعض الليالي في المنام فقال لي: يا فلان، لا تبق تقرأ على قبري شيئا، فإني ما تمر بي آية إلا قيل لي أما سمعت هذه الآية في دار الدنيا … فهلا كنت تعمل بها؟ وما رأيت أشد على رؤساء الدنيا من الحجاب في كتمهم لحوائج المظلومين عن الحكام. ثم أنشد يقول: ولو أنا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شيء مع أن الأمير أحمد كان فيه الخير، وأبطل في أيامه جملة مكوس كانت حدثت بمصر، أيام أحمد بن المدبر. قال ابن وصيف شاه: "لما توفي الأمير أحمد بن طولون خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكورا وباقي ذلك اناث، وخلف من الذهب العين عشرة آلاف ألف

стр. 38

ألف دينار، وخلف من المماليك المشتروات سبعة آلاف مملوك، ومن العبيد السود أربعة وعشرين ألف عبد، وخلف من الخيول سبعة آلاف فرس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، وخلف من الجمال عشرة آلاف جمل، ومن المراكب الحربية والشواني ألف مركب، وخلف من اللؤلؤ والجواهر واليواقيت مائة صندوق، وخلف من التحف والفرش ما لا يحصى عدده … وهذا خارج عن الضياع والأملاك والبساتين وغير ذلك". وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار بعد إسقاط المكوس - وهو نحو مائة ألف دينار - مع وجود الرخاء وانحطاط سعر الغلال في زمانه. ولما مات رثاه بعض الشعراء بهذه الأبيات: خذ القناعة من دنياك وارض بها … واقصد لنفسك منها راحة البدن وانظر لمن قد حوى مصرا وما جمعت … هل راح منها بغير القطن والكفن ولما مات الأمير أحمد بن طولون تولى من بعده ابنه خمارويه. - الأمير خمارويه تولى على مصر بعد أبيه الأمير احمد، ومشى على نظامه وطريقته، واستكثر من المماليك وزاد في عسكره شناترة العرب الشجعان حتى بلغوا نحو عشرة آلاف إنسان، وكان يجب الجياد من الخيل فاستكثر منها حتى ضاقت بها الاسطبلات، وكان لها أنساب مثبتة في الدواوين كأنساب الناس المعروفة. قال ابن وصيف شاه:" كان الأمير خمارويه مولعا بالعمارات وغرس الأشجار. قيل إنه أنشأ ميدانا بالقرب من جامع أبيه، ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد الهندية والشامية حتى من خراسان ومن مكة ومن اليمن، فكان به سائر الفواكه وسائر الرياحين، حتى الكادي والقرنفل والسنبل والزعفران وجوز الهند وغير ذلك من أنواع الفواكه والزهورات والرياحين والأشياء الغريبة التي لم تزرع قط بمصر، ثم زرع أشياء من أنواع الرياحين وجعلها كالسطور تقرأ، مثل "حسبنا الله ونعم الوكيل" وما أشبه ذلك من الألفاظ، ووكل بتلك السطور رجالا بأيديهم مقاريض من الذهب والفضة يصلحون بها ما يفسد من الأوراق ويخرج عن قالب الاعتدال في الأحرف حتى يستقيم الكلام في معناه. ثم أنه البس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر وطلاه بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت على تلك

стр. 39

الأشجار لا يقدر أحد أن ينظر إليها من شدة اتقاد ذلك النحاس المموه بالذهب، وكان يسحق المسك والكافور وينثره على تلك الرياحين السطور "وصنع في ذلك البستان بحيرة كبيرة وملأها من الزئبق. وكان يضع على ذلك الزئبق فراشا من جلد خباه أنعم من الحرير، وكان له حركات تمتلئ بالريح ثم يسد فاه بحبل ويطرح ذلك الفراش على ذلك الزئبق وينام عليه". قال بعض المؤرخين ان خمارويه هذا كان يعتريه ضربان المفاصل، وكان يضع ذلك حتى يجد له راحة وينام ساعة من الليل. قال ابن وصيف شاه: "خرج خمارويه يوما إلى الفضاء على سبيل التنزه، فلقيه أعرابي فأخذ بعنان فرسه وأنشد: إن السنان وحد السيف لو نطقا … لحدثا عنك في الهيجاء بالعجب أفنيت مالك تعطيه وتبذله … يا آفة الفضة البيضاء والذهب فلما سمع خمارويه هذه الأبيات قال لغلامه: ادفع إليه ما معك في الخريطة. فوجد فيها خمسمائة درهم فدفعها إليه. فقال الأعرابي: زدني أيها الأمير فمثلك من يزيد. فقال خمارويه للمماليك: اطرحوا عليه مناطقكم وسيوفكم، وكانت مسقطة بالذهب. فقال الأعرابي: ومن يحمل لي ذلك؟ فأمر له ببغل، فحمل ذلك ومضى، فلما رجع خمارويه إلى قصره فرق على المماليك سيوفا ومناطق عوضا عما أخذ منهم. - الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى واستمر خمارويه في ولايته على مصر حتى توفى بها ودفن عند أبيه، ثم تولى من بعده ابنه الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى. وهو صاحب سوق مرجوش. قال القضاعي: إن الأفضل هذا هو الذي حفر خليج أبي المنجي، وكان المتولي أمر حفر هذا الخليج أبو المنجي شعيا اليهودي فعرف به من يومئذ. وقال القضاعي ان الأفضل هو الذي بنى المسجد المطل على بركة الحبش المعروف الآن بالرصد، وإنما سمي بالرصد لأنه كما قيل كان فوقه صورة من النحاس الأصفر قدرها نحو قنطار وهي مركبة على أعمدة من الرخام الأبيض بسبب تحرير الساعات لأجل وقت دخول الصلاة. ولم ينسب إلى الحاكم بأمر الله في بنائه شيء وإنما هي إشاعة بين الناس في نسبته إلى الحاكم. ومن الحوادث في أيام الأفضل أنه في يوم الجمعة ثاني رجب سنة تسع وسبعين ومائتين هاجت بالديار المصرية ريح سوداء، واشتد هبوبها، وأظلم الجو حتى ظهرت

стр. 40

النجوم بالنهار، فارتاع الناس من ذلك وتوجهوا إلى المساجد يبتهلون إلى الله تعالى بالدعاء، فلم تزل تلك الرياح عاصفة من العصر إلى المغرب، ثم بعد ذلك سكن الريح وانجلت تلك الظلمة وعادت الناس إلى دكاكينهم بعد ما تركوها مفتوحة ومضوا إلى المساجد. وفي أيامه توفي الشيخ بنان الجمال ﵁، وكان صاحب كرامات خارقة، ودفن تحت الجبل المقطم بالقرافة. واستمر الأفضل في ولايته على مصر حتى مات بها ودفن في المسجد الذي في حارة برجوان وكانت وفاته في سنة إحدى وتسعين ومائتين. - هارون بن بدر الجمالي ثم تولى من بعده ابنه هارون، فلما تولى على مصر لم يستقم أمره بها وعزل عنها، فكانت مدة ولايته على مصر ثمانية أشهر وأياما. ***** * ثم تولى من بعد الأمير شيبان من ولد الأمير أحمد بن طولون، وكان يكنى بأبي المناقب تولى على مصر في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فلم تطل مدته بها وعزل عنها. * ثم تولى من بعده الأمير عيسى الدنوشري، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها. ومن الحوادث في أيامه أنه وقعت صاعقة عظيمة في مدينة الفسطاط فأحرقت عدة أماكن. * ثم تولى من بعده أبو الحسن المسمى بكا الأعور. تولى على مصر في سنة ثلاث وثلثمائة، فأقام بهامدة يسيرة ثم عزل عنها. * ثم تولى من بعده شخص يسمى تكين التركي. تولى على مصر مرتين ثم عزل عنها. * ثم تولى من بعده شخص يسمى هلال ابن بدر المصري في سنة تسع وثلثمائة، ولم تطل أيامه بها ثم عزل عنها. * ثم تولى من بعده شخص يسمى أحمد ابن كيغلغ، فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها. * ثم أعيد تكين التركي إلى ولايته بمصر ثالث مرة، فكانت ولاية أحمد بن كيغلغ وعود تكين في سنة واحدة وهي سنة إحدى عشرة وثلثمائة، ولم تزل الأحوال مضطربة بمصر حتى ابتدأت دولة الأخشيدية.

стр. 41

الدّولة الإخشيديّة قال الكندي: إن أول من تولى بمدينة فرغانة يسمى الإخشيدي، فكان أول من تولى منهم أحمد بن كيغلغ، ومحمد بن طغج، وأبو القاسم علي، وأبو بكر بن محمد بن طغج، وخادمهم كافور. وأما أحمد بن كيغلغ ومحمد بن طغج فتوليا على مصر كل واحد منهما مرتين، ولم تطل أيامهما بها. * وأما أبو القاسم علي فانه تولى على مصر في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وفي أيامه وقع الغلاء بمصر واستمر تسع سنين متوالية، وسبب ذلك أن النيل كان ينتهي في زيادته إلى خمسة عشر ذراعا وأربعة عشر أصبعا، واستمر في كل سنة يزيد هذه الزيادة الخسيسة إلى سنة تسع واربعين وثلثمائة، فوقع الغلاء بسبب ذلك في هذه السنين. * ثم توفي عقيب ذلك الأمير أبو القاسم علي الإخشيدي، وتولى الأمير أبو بكر بن محمد ابن طغج على مصر مدة طويلة نحو عشرين سنة. وفي أيامه استقامت أحوال الديار المصرية، وانصلحت أحوال الناس، واستكثر من العساكر ورتب لهم الرواتب والجوامك في كل شهر، فبلغت عدة عساكره بمصر والشام نحو أربعمائة ألف فارس، وبلغ خراج مصر في أيامه ألفي ألف دينار، قيل إن الوزير عمل لأولاده في ليلة الغطاس فوانيس شمع مزهر، فكان مصروف ذلك مائة وعشرين ألف دينار. واستمر الأمير أبو بكر في ولايته على مصر حتى توفي في سنة خمس وخمسين وثلثمائة ودفن بمصر، فكانت مدة ولايته بها نحو عشرين سنة. ولما مات الأمير أبو بكر رثاه الشاعر الماهر أبو الطيب المتنبي بهذه الأبيات: هو الزمان مشت بالذي جمعا … في كل يوم ترى من صرفه بدعا لو كان ممتنع تغنيه منعته … لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا ذاق الحمام فلم تدفع عساكره … عنه القضاء ولا أغناه ما جمعا

стр. 42

لو يعلم اللحد ما قد ضم من كرم … ومن فخار ومن نعماء لا تسعا يالحد طل ان فيك البحر محتبسا … والليث مهتصرا والجود مجتمعا يا يومه لم تخص الفجع فيه لقد … كل الورى بردى الإخشيد قد فجعا * ولما مات الأمير أبو بكر تولى من بعده خادمه أبو المسك كافور الإخشيدي. فلما تولى على مصر مشى على طريقة أستاذه الأمير أبي بكر وأطاعه أهل مصر. ثم انه استجد في عسكره جماعة كثيرة من طوائف البربر. ومما وقع له أنه كان جالسا في موكبه في يوم عيد فدخل عليه طائفة من التكرور وهم يرقصون ومعهم طبل وطنبور، فلما رقصوا بين يديه طرب منهم وحرك كتفيه، ثم انه استدرك فارطه فصار يحرك كتفيه في كل ساعة من الليل والنهار حتى مات، وقال: هذا مرض يعتريني. ولم يخرج عن ناموسه. قيل وكانت علامة على مراسيمه" القلم بمده، والسيف بحده، والعبد بسعده، لا بأبيه ولا بجده". قال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخه:" كان راتب كافور الإخشيدي في مطبخه في كل يوم ألفي رطل من اللحم البقري، وسبعمائة رطل لحم ضأن، ومائة طير أوز، وثلثمائة طير دجاج، وثلثمائة فرخ حمام، وعشرين فرخ سمك كبار، وعشرين رميسا رضع، وثلثمائة صحن حلوى، وسبعة أفراد فاكهة، وألف كور تفاح، ومائة قربة من السكر، وألف كماجة، وخمسة أفراد بقولات. وكان يحضر على سماطه الخاص والعام". قيل وقعت زلزلة عظيمة بمصر في أيامه فخاف الناس من ذلك، وهربوا إلى الجبال، فدخل محمد بن عاصم الشاعر على كافور وهو في موكبه فأنشده قصيدة عظيمة منها هذا البيت: ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا فلما سمع كافور ذلك أجازه على هذه القصيدة بألف دينار، وهذه الجائزة التي هيجت المتنبي حتى دخل إلى مصر ومدح كافور بقصائد سنية وهي ثابتة في ديوانه إلى الآن. قيل وقع حريق عظيم في أيامه بمصر، وعملت النار من سوق البزازين إلى قيسارية العسل، ودخل الليل والنار على حالها، فبات الناس على وجل من ذلك، فركب كافور

стр. 43

وأمر المنادي ينادي بأن من جاء بقربة فيها ماء فله مائة درهم، فجاء الناس بالقرب وفيها الماء فأطفأوا تلك النار، فكان عدة ما احترق في هذه الواقعة ألفا وسبعمائة دار غير البضائع والأقمشة التي احترقت للناس. وفي أيامه وقع الغلاء بمصر. وسبب ذلك أن النيل بلغ في الزيادة إلى اثنى عشر ذراعا وتسعة عشر اصبعا ثم هبط، فشرقت الأراضي ووقع الغلاء، وكان ذلك في سنة ست وخمسين وثلثمائة. قال الكندي:" وكان من آثار عجائب القدماء إلى أيام كافور الإخشيدي حوض من رخام أخضر مدور وعليه كتابة لا تقرأ بالقلم القديم، وهذا الحوض كان في بحر النيل عند طرا، فإذا جلس فيه واحد من الناس أو أربعة وحركوه يعدي بهم من جانب إلى جانب. فأخذه كافور من البحر وألقاه في البر فبطل فعله من يومئذ". واستمر كافور الإخشيدي في ولايته على مصر إلى أن مات في سنة سبع وخمسين وثلثمائة ودفن بالقرافة الصغرى، فكانت مدة ولايته على مصر نحو ثلاث سنين، وهو آخر من تولى على مصر من الأمراء. قال ابن وصيف شاه:" تولى على مصر من الأمراء اثنان وسبعون أميرا، أولهم عمرو بن العاص ﵁، وآخرهم أبو المسك كافور الأخشيدي، ودفن غالبهم بمصر. ومن مبتدأ ظهور الإسلام من حين فتحت مصر على يد عمرو ابن العاص وأخذها من يد المقوقس عظيم القبط لم ينفرد بملك مصر أحد من أمرائها ويستغل خراجها له سوى الأمير أحمد بن طولون في مدة ولايته عليها". ولما مات الأمير كافور اضطربت أحوال الديار المصرية غاية الاضطراب، وطمع أهل القرى في الجند، وامتنعوا عن وزن الخراج، فعند ذلك كتب أعيان مصر إلى المعز الفاطمي - وكان ببلاد الغرب - بأن يحضر إلى الديار المصرية، ويتسلم المدينة ويتولى عليها. فلما وقف المعزّ على تلك المكاتبات أرسل إلى مصر الأمير جوهر القائد الصقلي، ومعه مائة ألف من عساكر الغرب، فكان دخول جوهر القائد إلى مصر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فلما دخل مصر لم تعجبه مدينة الفسطاط، فأخذ في أسباب عمارة القاهرة. قال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخه:" لما أراد جوهر القائد أن يبني سور القاهرة اختط أساس المدينة وجمع أرباب الفلك وأمرهم بأن يختاروا له مطلعا سعيدا حتى يضع فيه أساس المدينة، فجعل على كل جهة من أساس المدينة، قوائم من الخشب، وبين كل قائمة منها حبلا وفيه أجراس من نحاس، ثم وقفت الفلكية ينتظرون دخول الساعة الجيدة

стр. 44

والطالع السعيد حتى يضعوا فيه الأساس. وكان لهم إشارة مع البنائين إذا حركوا تلك الأجراس يلقون ما بأيديهم من الحجارة إذا سمعوا حس الأجراس. فبينما هم واقفون لانتظار الساعة السعيدة، وإذا بغراب وقع على تلك الحبال فتحركت تلك الأجراس فظن البناءون أن الفلكية قد حركوا لهم الحبال التي فيها الأجراس، فألقوا ما بأيديهم من الحجارة في أساس السور، فصاح عليهم الفلكية: لا لا، القاهر في الطالع ". يعنون المريخ، واسمه عندهم" القاهر "، فقضي الأمر … ". فكان كما قيل: يريد المرء أن يعطي مناه … ويأبى الله ألا ما يريد وكان بناء سور القاهرة في سنة تسع وخمسين وثلثمائة من الهجرة، وبني أولا بالطوب اللبن، فلما فرغ بناء السور أرسل الأمير جوهر القائد يعرف المعز بفراغ بناء السور فقدم إليها.

стр. 45

الدّولة الفاطميّة - المعزّ لدين الله الفاطمي قال الشيخ شمس الدين الذهبي في نسبه: "هو المعز أبو تميم معد بن المنصور اسماعيل ابن القائم بالله محمد بن المهدي عبيد الله المغربي الفاطمي". وكان مولده ببلاد الغرب بمدينة أفريقية في يوم الجمعة تاسع عشر من شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وهو رابع خليفة من بني عبيد الله ببلاد المغرب بمدينة أفريقية. وفي سبب شرف هذه الفاطمية أقوال كثيرة. فمن الناس من قد نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ومن الناس من قد نسبهم إلى الحسين بن محمد بن أحمد بن قداح، وكان أصل القداح من أبناء المجوس، وهذا الأمر عند أرباب التواريخ في نسبهم مشهور وأكثر الاتفاق عليه. قال الذهبي: "وكان قدوم المعز إلى مصر في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة، وقد انقرضت دولة الإخشيدية بموت الأمير كافور". قال الشيخ عماد الدين بن كثير: "لما دخل المعز إلى مصر دخل معه ألف وخمسمائة جمل موسوقة ذهبا عينا. وكان معه من القماش والتحف ما لا يسمع بمثله، فمن جملة ذلك كان معه قبة من البلور وهي قطعتان يجلس فيها نحو أربع أنفس، فكانت إذا نصبت في الليلة المقمرة تخفي ضوء القمر من شعاعها. وكان معه أربع خواب من البلور كل خابية تسع قدر رواية من الماء، وكان معه غير ذلك من التحف والعجائب". قيل لما أراد المعز أن يتوجه إلى مصر حمل معه أجداده الذين ماتوا بمدينة أفريقية، فحملهم في توابيت من خشب، فلما دخل إلى مصر دفنهم بالقرافة الكبرى. قال ابن كثير: "لما دخل المعز إلى مصر رأى ما بناه جوهر القائد فلم يعجبه، وعاب عليه ما بناه، وقال له:" لقد بنيت هذه المدينة في وطيئة لا هي بحرية ولا هي جبلية ". وكان قصد المعز لو بناها على شاطئ النيل". وقيل إن المعز سمى "القاهرة" أولا "المنصورية"، فلما بلغه ما وقع للفلكية من أمر القاهر غير اسمها فقال سموها "القاهرة"، فاستمرت من ذلك اليوم على هذا الاسم.

стр. 46

وقد قالت فيها الشعراء أشعارا كثيرة: لله قاهرة المعز لأنها … بلد تحصص بالمسرة والهنا أو ما ترى في كل قطر منية … من جانبيها فهي مجتمع المنى وقال آخر فيها: مصر لها الأفضال إذا لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة ما غولبت، كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة قال المسبحي: لما استقر المعز بمصر انفرد بها ولم يدخل تحت طاعة الخلفاء العباسية، وادعى الخلافة لنفسه بمصر، وقال نحن أفضل من الخلفاء العباسية لأننا من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ . فكان الخلفاء الفاطمية يحكمون من مصر إلى الشام إلى حلب إلى الفرات إلى مكة والمدينة الشريفة إلى القدس والخليل، وصارت مصر وبلاد المغرب مملكة واحدة. وكانت الخلفاء العباسية يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها إلى سائر بلاد الشرق، وكان يخطب لكل خليفة منهما في الجهات التي تحت حكمه باسمه فقط. ثم ان المعز استكثر من العساكر بمصر فكانوا ما بين كنانة وروم وصقالبة وبربر ومغاربة، وكانوا في العدد لا يحصون لكثرتهم حتى قيل: لم يطأ الأرض - بعد جيوش الاسكندر بن فليبش الرومي الكبير - أكثر من جيوش المعز الفاطمي. ثم انه بنى قصر الزمرد مكان دار الضرب، وكان جوهر القائد وزيره ومدبر مملكته. وجوهر هذا هو الذي بنى الجامع الأزهر، وكان بناؤه في سنة إحدى وستين وثلثمائة. وكانت له في مصر حرمة وافرة، وكان خراج مصر في أيامه ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار. وكان خراج مصر قد انحط في أيام من تولى قبله من الأمراء فجدد الأمير جوهر ما فسد من عمارة القناطر والجسور وغير ذلك حتى استقامت أحوال الديار المصرية في أيامه. ولما تولى المعز على مصر منع القبط مما كان يعمل في يوم النيروز من صب المياه على الناس في الطرقات، وايقاد النار في تلك الليلة، وكانوا يخرجون في ذلك عن الحد. ومنعهم أيضا مما كان يعمل في ليلة الغطاس من النزول في المراكب وضرب الخيام على

стр. 47

شاطئ بحر النيل عند المقياس، فأشهر النداء بإبطال ذلك جميعه، وهدد من يفعل ذلك بالشنق، فرجع الناس عن ذلك في أيامه، وكان يحصل من هذه الأفعال غابة الفساد بمصر في تلك الأيام. قال المسبحي في تاريخه إن امرأة وقفت للمعز وهو في موكبه وأنشدت: تحطمنا ريب الزمان كأننا … زجاج ولكن لا يعاد له سبك فقال لها المعز: "من أنت أيتها المرأة؟ ". فقالت: "أنا زوجة الأمير أبي بكر بن محمد بن طغج الإخشيدي صاحب مصر". فقام إليها المعز، وقال: "ما حاجتك؟ ". فقالت: "إني قد أودعت بغلطاقا لي عند شخص يهودي، فأقام عنده مدة، ثم اني طلبته منه فأنكره، فقلت له: خذ منه ما تختار من جواهره وأعطني الباقي، فأبى وامتنع من الإعطاء، وأنكر ذلك أصلا. فلما سمع المعز ذلك أرسل خلف اليهودي وسأله عن أمر البغلطاق الذي أودعته عنده زوجة الأمير أبي بكر الإخشيدي، فأنكره ولم يعترف به، فأمر بشنقه. فلما تحقق ذلك اعترف به فأمره المعز بإحضاره، فلما أحضره بين يديه تحير مما فيه من الجواهر واللآلئ. ثم أنه وجد اليهودي قد سرق من صدر ذلك البغلطاق درتين فسأله عن ذلك فاعترف أنه باع هاتين الدرتين بألف وستمائة دينار، فأخذ المعز ذلك البغلطاق من اليهودي وأمر بشنقه فشنق، ثم دفع ذلك البغلطاق إلى زوجة الإخشيدي فسألته أن يأخذه منها على سبيل الهدية فأبى من قبول ذلك، فأخذته وانصرفت وهي داعية له. وكان المعز يحب العدل والإنصاف بين الرعية، غير أنه كان رافضيا سبابا للصحابة في يوم الجمعة على المنابر. قال المسبحي: إن المعز كان يميل إلى علم الفلك، فأخبره جماعة من المنجمين بأن عليه قطعا شديدا في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، ثم أشاروا عليه بأن يختفي في سرب تحت الأرض حتى تمضي عنه تلك القطوع. فاختفى في سرب نحو أربعة أشهر، فلما طالت غيبته على جنده ظنوا أنه قد رفع إلى السماء فكان الفارس من عسكره إذا نظر إلى الغمام في السماء ينزل عن فرسه ويقول:" السلام عليك يا أمير المؤمنين ". .. فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر من ذلك السرب وجلس على سرير ملكه وهم يحسبون أنه كان في السماء وأتى إليهم. قال المسبحي:" كان للمعز أخت تسمى الست سيدة الملك، قيل إنها توفيت في خلافة أخيها المعز فوجدت لها من الذهب العين ثلثمائة صندوق، ومن الفصوص الياقوت الملونة واللؤلؤ خمس ويبات، ووجد لها مدهنا من الياقوت الأحمر وزنه سبعة وعشرون مثقالا لم يحص له ثمن، ووجد لها من الشقق الحرير الأحمر ثلاثين ألف شقة ". قال بعض

стр. 48

المؤرخين وكانت أخت المعز - مع وجود هذه السعة - أزهد الناس في الدنيا، وكانت لا تأكل إلا من ثمن غزلها دائما حتى ماتت. واستمر المعز في الخلافة حتى مرض وسلسل في المرض حتى مات، فكانت وفاته في ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، وكان له من العمر لما توفي نحو إحدى وأربعين سنة. وهو أول خلفاء بني عبيد الله بمصر، ودفن عند سيدي زين العابدين جد السيدة نفيسة، وتربته بين الكيمان عند حدرة ابن قميحة. وكانت مدة خلافة المعز بمصر أربع سنين وشهرا ويومين. وكان المعز رجلا عادلا عاقلا حازما لبيبا فصيحا شاعرا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله: ما بان عذري فيك حتى عذرا … وبدا البنفسج فوق ورد أحمرا همت بقبلته عقارب صدغه … فاستل ناظره عليها خنجرا ولما مات المعز تولى من بعده ابنه العزيز. - العزيز بالله هو العزيز بالله، أبو منصور، نزار، بن المعز لدين الله معدّ الفاطمي العبيدي، وهو الثاني من خلفاء بني عبيد بمصر. بويع بالخلافة بعد موت المعز في سنة خمس وستين وثلثمائة، وكان مولده بمدينة القيروان في سنة أربع وخمسين وثلثمائة، فلما تم أمره في الخلافة بمصر، استقر بجوهر القائد مدبرا لأمر مملكته كما كان في أيام أبيه المعز. وكان العزيز يحب العدل في الرعية، وينصف المظلوم من الظالم، وكان كريما جوادا ممدوحا، فأحبته الرعية وصفا له الوقت بالديار المصرية. ثم انه استكثر في عسكره من المماليك الديالمة والمصامدة والأتراك المغل. واستقر بالقاضي يعقوب ابن كلس وزيرا. قيل لما تولى العزيز الخلافة دخل عليه عبد الله بن حسن الجعفري الشاعر يهنئه بالخلافة بعد موت أبيه فأنشده هذه القصيدة منها: عمت خلافته مصرا فصار بها … كأنه الشمس فيها حلت الحملا إن المعز الذي لا خلق يشبهه … الا العزيز ابنه ان قال أو فعلا

стр. 49

فان مضى كافل الدنيا فصار لها … من بعده كافلا يغنى بما كفلا أضحت ملوك بني الدنيا له خدما … وما حوت كل دار منهم نفلا حكى المسبحي في تاريخه أن العزيز لما تم أمره بمصر استقر بشخص من النصارى عاملا بمصر على سائر جهاتها، وكان يقال له نسطروس واستقر بشخص من اليهود عاملا على سائر جهات دمشق وكان يقال له منشأ. فحصل من النصراني لأهل مصر غاية الظلم والأذى، وحصل من اليهودي لأهل دمشق غاية الظلم والأذى، فاتفق أن العزيز ركب يوما وشق من القاهرة فزينت له، فعمد بعض الناس إلى مبخرة من حديد وألبسها ثياب النساء وزينها بازار وشعرية، وجعل في يدها قصة على جريدة وكتب فيها: "بالذي أعز جميع النصارى بنسطروس، وأعز جميع اليهود بمنشا، وأذل جميع المسلمين بك … إلا ما رحمتهم وأزحت عنهم هذه المظالم؟ ". فلما مر العزيز على تلك الصورة ظن أنها امرأة ولها حاجة، فطلب قصتها فلما قرأها اشتد به الغضب، وأمر بشنق ذلك النصراني نسطروس فشنق على باب القصر، وأرسل بشنق منشا اليهودي فشنق على أحد أبواب دمشق، واحتاط على جميع أموالهما من صامت وناطق. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة سبع وسبعين وثلثمائة ولدت امرأة بمدينة تنيس جارية لها رأسان ووجهان في عنق واحد، وكان أحد الوجهين أبيض اللون والآخر أسمر اللون وفيه سهولة، وكل وجه منهما كامل الخلقة، وهذان الوجهان في جسد واحد، فكانت أم تلك المولودة ترضع كل واحد منهما على انفراد، فحملت هذه المولودة إلى العزيز من تنيس إلى مصر حتى شاهدها فوجه لأمها شيئا من المال، ثم عادت إلى تنيس فعاشت هذه المولودة مدة يسيرة ثم ماتت. وفي أيامه في سنة تسع وسبعين وثلثمائة حدث بمدينة تنيس في ليلة الجمعة ثامن عشر بيع الأول حادث فيه أرعدت السماء وابرقت، وأظلم الجو وظهر في السماء أعمدة من نار تلتهب، فأضاءت منها الدنيا، ثم اشتدت تلك الحمرة، وجاءت عقب ذلك ريح سوداء فيها غبار حار يأخذ بالأنفاس من شدة حره، فارتاع الناس من ذلك وأيقنوا بالهلاك، وصار يودع بعضهم بعضا، فضج الناس إلى الله تعالى بالدعاء، ولم يزل على ذلك من بعد العشاء إلى طلوع الفجر حتى خمدت الريح وخمدت تلك الأعمدة النار وزالت الحمرة من

стр. 50

الجو فلما لاح الصباح طلعت الشمس وهي محمرة، فأقامت على ذلك خمسة أيام حتى اعتدلت. قال أبو القاسم عبد المجيد القرشي ان في سنة إحدى وسبعين وثلثمائة صيدت سمكة بمدينة تنيس من البحر المالح فكان طولها من رأسها إلى ذنبها ثمانية وعشرين ذراعا ونصف ذراع، وكان عرضها خمسة عشر ذراعا، وكان فتح فمها تسعة وعشرين شبرا، وكان لها يدان كل يد طولها ثلاثة أدرع، وكان لها عينان كعيني البقر، ولسان كلسان الثور العظيم، وكانت ملساء وفي جلدها غلظ. فلما صيدت أمر والى تنيس بأن يشق بطنها ويحشى ملحا، فوضعوا في جوفها مائة آردب ملح، فكان الرجل يدخل في جوفها وهو حامل قفاف الملح قائما غير منحن، فأمر نائب تنيس بحملها إلى القاهرة حتى يشاهدها الخليفة العزيز فشاهدها وتعجب من خلقتها. وكانت مدينة تنيس هذه من أجل المدائن، وكانت بالقرب من دمياط، قال المسعودي: "كان طول مدينة تنيس من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع ومائتي ذراع، وكان عرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وثمانين ذراعا بالعمل، وكان لها تسعة عشر بابا مصفحة بالحديد، وكان بها عدة مساجد نحو مائة وستين مسجدا، وبكل مسجد منارة، وكان بها ستة وثلاثون حماما، وكان بها مائة معصرة للزيت والشيرج والقصب، وكان بها مائة وستون طاحونا، وكان بها من الحوانيت ألفان وخمسمائة حانوت برسم البضائع، وكان بها من المناسج للقماش نحو خمسة آلاف منسج يصنعون فيها الثياب الشرب التي لا يصنع مثلها في الدنيا، وكانوا ينسجون بها أثوابا تسمى البدنة تنسج بالذهب صناعة محكمة يباع الثوب منها بمائة دينار، وكانت تحمل منها إلى بغداد، وكان يعمل بها طرز من الكتان بغير ذهب يباع كل طراز منها بمائة دينار وهو بغير ذهب، وكان بهذه المدينة النخل والكرم وسائر أصناف الأشجار، وكانت صحيحة الهواء كثيرة الطير والسمك، وكان أهلها يدخرون بها ماء النيل في جباب فلا يفسد ولو أقام بها دهرا طويلا. ولم تزل مدينة عامرة إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة حتى جاء إليها نحو أربعين مركبا موسوقة جماعة من الفرنج فحاصروا أهلها، فلما أشرفوا على أهل المدينة هرب أهلها إلى ثغر دمياط وتركوا المدينة فاستولى عليها الفرنج وملكوها ونهبوا ما فيها ثم ألقوا فيها النار فاحترقت كلها، ثم أخذوا ما قدروا عليه من الغنائم وتركوا المدينة خرابا ورحلوا عنها. واستمرت على ذلك إلى سنة أربع وعشرين وستمائة ي دولة الملك الكامل محمد بن أيوب فأمر بهدم ما بقي من سورها وبيوتها، واستمرت خرابا من يومئذ إلى الآن".

стр. 51

قال المسبحي إن في أيام العزيز نزار هذا ظهر السمك البلطي بالنيل، ولم يكن به قبل ذلك منه شيء، وهو من أسماك البحر المالح، وفي أيامه أيضا ظهر السمك اللبيس ببحر النيل ولم يكن منه قبل ذلك شيء، وهو أيضا من أسماك البحر المالح هرب ودخل إلى البحر الحلو. وإنما سمي لبيسا لأنه يشبه البورى فالتبس به فسمي لبيسا". واستمر العزيز بالله نزار في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة، وكانت مدة اقامته في الخلافة بمصر إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما، وكان خيار بني عبيد قاطبة، ولما مات تولى من بعده الحاكم بأمر الله منصور. - الحاكم بأمر الله هو الحاكم بأمر الله، أبو علي منصور، ابن العزيز نزار بن معد الفاطمي العبيدي، وهو الثالث من خلفاء بني عبيد الله بمصر، بويع بالخلافة بعد موت أبيه العزيز في يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة من الهجرة. وكان مولده بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشر جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وثلثمائة، فلما تولى الخلافة أظهر العدل بين الرعية وسار في الناس سيرة حسنة، وأخذ في أسباب بناء جامعه الذي هو داخل باب النصر، وكان مبتدأ عمارته في سنة تسع وثمانين وثلثمائة، ولما تم أمره في الخلافة بمصر أفرد لليهود حارة زويلة وأمرهم بأن يسكنوا بها ولا يخالطوا المسلمين في حاراتهم. ثم أنه بعد مدة أمرهم بأن كلا منهم يدخل في دين الإسلام فخافوا منه وأسلموا كلهم، ثم أذن لهم بالعودة إلى دينهم فارتد منهم في يوم واحد أكثر من سبعة آلاف يهودي، ثم أنه أمر بهدم كنائسهم، ثم أنه أعادها كما كانت عليه أولا. وفي أيامه توفي الأمير جوهر القائد وزير المعز، فلما مات وجد له من الأموال ما لا يحصى. فمن جملة ذلك من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم، ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق مجلدة، ومن القصب الزمرد ألف قصبة، ومن الثياب الديباج ورقّ تنيس خمسة وسبعين ألف قطعة، ووجد عنده دواة من الذهب طولها ذراع وهي مرصعة بالدر والياقوت، فقوم ما عليها من الجواهر باثني عشر ألف دينار، ووجد عنده لعبة من المسك والعنبر الخام إذا نزع ثيابه ألبسها عليها. ووجد في داره مائة مسمار من الذهب على كل مسمار منها عمامة لون. ووجد عنده من المعالق الذهب والفضة ثلاثة آلاف معلقة. ووجد عنده عشرة آلاف زبدية صيني وبلور وفضة. ووجد عنده أربع قدور من الذهب وزن كل قدر مائة رطل ذهب، قيل كان يطبخ

стр. 52

المسلوقة فيها. ووجد عنده سبعمائة خاتم بفصوص من الياقوت والزمرد والماس. ووجد عنده ثلاثة آلاف نرجسية ذهب وفضة وبلور وصيني … هذا كله خارج عن البغال والجمال والخيل والعبيد والجواري والفرش والأملاك والضياع وغير ذلك. ولما مات الأمير جوهر القائد دفن بالقرافة الكبرى، ثم أن الحاكم بأمر الله لما توفي الأمير جوهر القائد استقر بالأمير برجوان عوضه بالوزارة. وبرجوان هذا هو صاحب الحارة المنسوبة إليه، وكان من أمراء الحاكم، وكان الحاكم يخشى من سطوة برجوان ولا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا برأيه، وصار معه كالمحجور عليه فأقام على ذلك مدة طويلة فما أطاق ذلك، فندب إلى برجوان من قتله وهو خارج من الحمام. فلما قتل برجوان احتاط الحاكم على موجوده فوجد له أكثر مما وجد لجوهر القائد، فمن جملة ذلك وجد له من الذهب العين مائتا ألف ألف دينار، ومن الدراهم الفضة خمسون اردبا، ووجد له من القماش مائتان واحدى وستون بقجة، ووجد له ألف سروال من البعلبكي العال، وفي كل سروال نافجة مسك وتكة حرير أبيض، ووجد له ألف قميص حرير اسكندري وألف منديل حرير شغل اسكندرية، ووجد عنده من كل صنف من القماش ألف قطعة، ووجد عنده من الجواهر اثنا عشر صندوقا … هذا خارج عن الأملاك والضياع والخدم. ووجد عنده من البقر والأنعام والجاموس ما يباع لبنه في كل سنة بثلاثين ألف دينار على يد أبي الحسن بن يزيد العامل. ووجد له من الحواصل والمناخات ما لا يحصى لكثرته، فصار الحاكم ينقل في موجود برجوان في كل يوم دفعتين من حارة برجوان إلى قصر الزمرد الذي كان عند دار الضرب على مائتي جمل نقلتين في كل يوم نحو أربعين يوما. قال الشيخ شمس الدين الذهبي:" لما قتل برجوان صار الحاكم ما على يده يد، فعند ذلك طغى وتجبر وصار يفعل أشياء متضادة لا تقع إلا من المجانين الذين في عقلهم خلل. "فمن ذلك أنه مر يوما بحمام الذهب الذي بمصر فسمع بها ضجيج النساء وهن في الحمام، فأمر بأن يسد عليهن بابا الحمام، فسدوه عليهن من وقته وساعته بالحجر الفص، فاستمرت في الحمام حتى مات الجميع في الحمام ولم يجدوا لهن من حميم ولا شفيع. "ومنها أنه منع الناس من بيع الزبيب، وأمر بحرق الروم وقطعها، فقطع منها نحو مائة ألف كرم. "ومنها أنه منع الناس من بيع العسل الأسود وكسر منه نحو اثني عشر ألف مطر. "ومنها أنه منع الناس من أكل الملوخية وأكل القرع، وكتب قسائم على الفلاحين ألا يزرعوا شيئا من الملوخية ولا القرع. وعلل تحريم الملوخية بكون أبي بكر الصديق كان

стр. 53

يميل إليها، وعلل تحريم القرع يكون عائشة بنت أبي بكر كانت تميل إليه … وقيل أنه طلع يوما على جماعة يأكلون ملوخية فضربهم بالسياط، وطاف بهم في القاهرة، ثم أمر بأن تضرب أعناقهم عند باب زويلة. "ومنا أنه نهى عن بيع السمك الذي لا قشر له، ونهى عن بيع الرطب، ونهى عن زرع الترمس". "ومنها أنه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها نحو ثلاثين ألف كلب". "ومنها أنه صار يوقد الشمع في مجلسه ليلا ونهارا، ثم أنه صار يجلس في الظلام، واستمر على ذلك مدة طويلة. "ومنها أنه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها بالليل، وجعل الليل مقام النهار في جميع أحوال الناس فامتثلوا منه ذلك واستمروا عليه دهرا طويلا، ثم أنه مر في بعض الأيام على شيخ يعمل في التجارة من بعد العصر فوقف عليه وقال: "ألم أنهكم عن ذلك؟ ". فقال له الشيخ: "يا أمير المؤمنين، أما كان الناس يسهرون بالليل؟ … فهذا من جملة السهر". .. فتبسم وتركه، ثم أعاد الناس إلى ما كانوا عليه في الأول يتقاضون أشغالهم بالنهار. "ومنها أنه كان يسبب الصحابة، وأمر بكتابة ذلك على سائر أبواب المساجد والجوامع، فأقام على ذلك مدة، ثم أنه أمر بمحو ذلك. "ومنها أنه هدم قمامة وبنى مكانها مسجدا ثم أعادها على ما كانت عليه قمامة. وكان يبني عدة مدارس ويقرر بها المشايخ والصوفية ثم يقتلهم ويهدم تلك المدارس. "ومنها أنه كان يعاقب جماعة من خواصه بسلب الألقاب، فإذا غضب على أحد سلب لقبه مدة طويلة لا يدعوه بذلك اللقب فيصير ذلك الرجل في حزن وبكاء حتى يرد عليه لقبه فيكون عنده ذلك عيدا. "ومنها أنه أمر طائفة اليهود بأن يعملوا في أعناقهم إذا خرجوا إلى الأسواق قرم خشب وزن كل قرمة خمسة أرطال، وأمر النصارى بأن يعملوا في أعناقهم صلبانا من حديد قدر ذراع، وامرهم بأن يلبسوا المآزر الفسيحة، وألا يركبوا بهيمة، فأقاموا على ذلك مدة ثم أعادهم إلى ما كانوا عليه. "ومنها أنه أمر الناس إذا ذكر اسمه الخطيب في يوم الجمعة وهو على المنبر تقوم الناس صفوفا أعظاما لذكره واحتراما لاسمه، فكان يفعل ذلك في سائر مملكته حتى في الحرمين الشريفين وبيت المقدس.

стр. 54

" ومنها أنه يلبس جبة صوف أبيض ويركب على حمار عال أشهب يسمى القمر، ويطوف في أسواق مصر والقاهرة، ويباشر حسبة البلد بنفسه، وكان معه عبد أسود طويل عريض يمشي في ركابه يقال له مسعود، فان وجد أحدا من السوقة غش في بضاعته أمر ذلك العبد مسعودا بأن … والحاكم واقف على رأسه. وقد صار مسعود هذا مثلا عند لطفاء أهل مصر إذا مزحوا مع أحد يقولون أحضر له يا مسعود "ومنها أنه أبطل صلاة التراويح نحو عشر سنين ثم أعادها كما كانت أولا. "ومنها أنه كان يحب أهل العلم والصلحاء ثم يغضب عليهم ويقتلهم. وأقام يلبس الصوف مدة سبع سنين ثم ترك ذلك ولبس الحرير. "ومنها أنه كان يركب على حماره الأشهب المدعو بالقمر فينزل عنه عند باب جامعه الذي عند باب النصر ويأخذ بيد من يختار من غلمانه فيرقده ويشق بطنه بيده ثم يخرج مصارينه بيده فيرميها إلى الكلاب ويترك المقتول مكانه حتى يدفنه أهله، وكان يعذب جماعة من خواصه بالنار، وقتل جماعة كثيرة من العلماء منهم أبو أسامة - وكان من كبار العلماء - ومنهم جبارة اللغوي. قيل إن الشيخ جبارة هذا كان يعرف للكلب في اللغة ثلثمائة اسم في لغات العرب، ومنهم الهروي وغير ذلك من العلماء. "ومنها أنه كان عنده شجاعة وإقدام مع جبن وإدبار، وكان يحب الكرم ويكثر من البخل، وكان يحب فعل الخير ويتبعه بشيء من الشر، ويحب العدل في الرعية ويتبعه بشيء من الظلم والجور". فكان كما قال القائل في المعنى: أرى فيك أخلاقا حسانا قبيحة … وأنت لعمري كالذي أنا واصف قريب بعيد، باذل متمنع … كريم بخيل، مستقيم مخالف كذوب صدوق، ليس يدري صديقه … أيجفوه من تخليطه أم يلاطف فلا أنت ذو غش، ولا أنت ناصح … وإني لفي شك لأمرك واقف كذلك لساني هاج لك مادح … كما أن قلبي جاهل بك عارف

стр. 55

قال القاضي شمس الدين بن خلكان في تاريخه إن الحاكم بأمر الله كان يعبد الكواكب كما كان جده المعز، وكان له اشتغال بأمر المطالب وله في ذلك أخبار كثيرة. حكى بعض المؤرخين ان رجلا أودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار وسافر إلى الحجاز، فلما عاد طلب ذلك الجراب من الرجل فأنكره، فشكا ذلك الرجل أمره إلى الحاكم، فقال له الحاكم:" اقعد لي في الشارع، فإذا مررت بك فقم إلي وتحدث معي ". فلما فعل ذلك ومر عليه الحاكم قام له وتحدث معه وأطال معه الحديث، فمر به الرجل الذي عنده الجراب فرأى صاحب الجراب يتحدث مع الحاكم حديثا طويلا، فلما مر الحاكم ومضى أحضر ذلك الرجل الجراب ودفعه إلى صاحبه وقال له:" تذكرت وديعتك وها هي "فوجده الرجل بختمه لم يفتح، فمضى به ذلك الرجل إلى الحاكم وعرفه بما جرى له مع الرجل، فقال له الحاكم:" خذ جرابك وامض إلى سبيلك ". فلما أصبح رأى ذلك الرجل الذي كان عنده ذلك الجراب مشنوقا على باب داره والناس يتحدثون في أمره. قال ابن كثير:" وقع الغلاء بمصر في زمن الحاكم في سنة سبع وثمانين وثلثمائة، فاجتمع الناس تحت قصر الزمرد واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر في أحوال الناس فقال لهم الحاكم: "إذا كان الغد أتوجه إلى جامع راشدة وأعود من مصر، فإن وجدت في طريقي مكانا خاليا من الغلة ضربت عنق صاحب ذلك المكان". ثم أنه توجه إلى جامع راشدة وتأخر هناك إلى ما بعد العصر، فما بقي أحد من أهل مصر والقاهرة إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها في الطريق الذي يمر عليه الحاكم، فلما رجع من جامع راشدة وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات وشبعت أعين الناس، فقرر مع أصحاب الغلال أن أحدا لا يدخر في بيته شيئا من الغلال، وقرر معهم أسعار كل صنف من الغلال بثمن معين لا يزيد ولا ينقص، فعند ذلك سكن الوهج الذي كانت فيه الناس، ووقع الرخاء في مصر وسائر أعمالها، وذلك من شدة رعب الناس من الحاكم ومن سطوته … فكان كما قيل في المعنى: صاحب أخا الشر لتسطو به … يوما على بعض صروف الزمان فالرمح لا يرهب أنبوبه … إلا إذا ركب فيه السنان وفي هذه السنة - وهي سنة سبع وثمانين وثلثمائة - توفي ابن زولاق صاحب تاريخ مصر ودفن بها.

стр. 56

ومن النكت المضحكة ما قيل … كان في زمن الحاكم قاض بمصر يقال له النطاح. وسبب ذلك أنه كان له طرطور وفيه قرنان من قرون البقر، فيضعه إلى جانبه، فإذا جاءه خصمان يتحاكمان عنده وجار أحدهما على الآخر يلبس القاضي ذلك الطرطور الذي فيه القرنان ويتباعد وينطح الخصم الذي يجور على صاحبه، فاشتهر أمره بين الناس بهذه الواقعة. فبلغ أمره إلى الحاكم فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه قال له: "ما هذا الأمر الذي قد اخترعته حتى قبحت سيرتك بين الناس؟ " فقال: "يا أمير المؤمنين، أشتهي أن تحضر مجلسي يوما وأنت من خلف ستارة لتنظر ماذا أقاسي من العوام، فإن كنت معذورا فيهم وإلا عاقبني بما تختار". فقال له الحاكم: "أنا غدا أحضر مجلسك حتى أرى ما تقول". فلما أصبح الحاكم أتى إلى مجلس ذلك القاضي وقعد من خلف ستارة، فأتى إلى القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر بمائة دينار فاعترف المدعي عليه بها، فأمره القاضي بدفع ذلك إلى صاحبه فقال المدعي عليه: "إني معسر في هذا الوقت، فقسطوا على ذلك على قدر حالي". فقال القاضي للمدعى: "ما تقول؟ ". فقال: "أقسطها عليه في كل شهر عشرة دنانير". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون خمسة دنانير". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون دينارين". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون دينارا". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فلا زال القاضي يدرجه حتى قال له: "تكون عشرة دراهم في كل شهر". وهو يقول "لا أقدر على ذلك". فقال له القاضي: "وما القدر الذي تقدر عليه في كل شهر. فلعل أن يرضي به خصمك". فقال المديون: "أنا لا أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم في كل سنة، بشرط أن يكون خصمي في السجن لئلا يحصل معي هذا القدر ولا أجد خصمي فيذهب مني". فلما سمع ذلك الحاكم لم يملك عقله وخرج من خلف الستارة وقال للقاضي: "انطح هذا النجس الشيطان وإلا فأنا أنطحه … ". وكان الحاكم أحمق من القاضي. وقال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخ الإسلام: "لا زال الحاكم بأمر الله يتزايد في الظلم والجور، واستخف بأهل مصر حتى أنه ادعى الربوبية من دون الله كما فعل فرعون، فكان إذا مر في الطرقات والأسواق يقول له جماعة من العوام:" يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت! ". وكانت جماعة من جهال العوام يسجدون له كلما رأوه، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه. ثم أنه ادعى في وقت أنه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه:" يا فلان، أنت فعلت في بيتك البارحة ما هو كيت وكيت. وأنت يا فلان قلت البارحة ما هو كيت وكيت ". .. وكان ذلك باتفاق يعتمده مع العجائز اللاتي يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء

стр. 57

وغير ذلك من أعيان أهل مصر، فلما زاد الأمر في ذلك كتب إليه بعض الناس رقعة ورمى بها وهو في معظم موكبه، وكان في الرقعة هذه الأبيات: بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة إن كنت أوتيت علم غيب … بين لنا كاتب البطاقة فلما قرأ تلك الرقعة سكت عن الكلام في أمر ما كان يدعيه من علم الغيب. روى ابن كثير أن الفاطمية كانوا يدعون الشرف ويقولون نحن أفضل من العباسية، لأننا من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وكان بعض العلماء الذين يتواجهون لهم أثبت لهم نسبا فاسدا بأنهم من ولد الإمام علي ﵁ وليس بصحيح، وإنما هم من ولد ديصان بن سعيد - وكان أصله مجوسيا - وقد وافق على ذلك جماعة من العلماء، مثل أبي حامد الاسفرايني، والشيخ أبي الحسن القدوري وغير ذلك من العلماء. وكان الحاكم يذكر نسبه في كل جمعة وهو على المنبر يخطب، وكانت الناس ترفع إليه الرقاع في أشغالهم وهو على المنبر، فرفعت إليه رقعة فيها مكتوب هذه الأبيات: أنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع ان كنت فيما قلته صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع وان ترم تحقيق ما قلته … فاذكر لنا بعد الأب السابع أو لا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع فلما قرأ تلك الرقعة رجع عما كان يدعيه من النسب. واستمر الحاكم على ما ذكرناه من أمر هذه الأفعال الشنيعة، ومخالفته لأمر الشريعة، حتى قتل. وكان سبب قتله أن أخته ست النصر لما زاد أخوها من هذه الفعال أراد قتلها، فلما تحققت ذلك - وكانت من النساء المدبرات - أخذت في تدبير الحيلة على قتل أخيها،

стр. 58

فخرجت تحت الليل وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن رواش، وكان أكبر أمراء الحاكم. فلما دخلت عليه اختلت به وعرفته أنها أخت الحاكم فبالغ في تعظيمها، فقالت له: "أنت تعلم ما قد فعله أخي بالرعية من القتل والجور وخراب البلاد، وقد عول على قتلي وقتلك". فقال لها الأمير سيف الدين: "وكيف الحيلة في قتله؟ ". فقالت له: "الرأي عندي أنك تندب إليه جماعة من العبيد السود يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فانه ينفرد بنفسه في الطريق، فيخرجون عليه ويقتلونه. فإذا قتل تكون أنت المدبر للملكة من بعده، وتولى ولده عليا". فاتفقا على ذلك ثم مضت إلى قصرها، فلما أصبح النهار خرج الحاكم على عادته إلى نحو حلوان، فأرسل الأمير سيف الدين خلفه عشرة من العبيد السود الغلاظ الشداد، وأعطى لكل عبد منهم خمسمائة دينار وعرفه كيف يقتله. فسبقه العبيد إلى حلوان، فلما وصل الحاكم هناك نزل بالقصبة التي في حلوان بشرقي البلد، فخرج عليه أولئك العبيد فقتلوه هناك، فلما أبطأ خبره على العسكر خرجت إليه جماعة من الجند يلتمسون رجوعه ومعهم جنائب الموكب بالسروج الدهب والكبابيش، فصاروا يخرجون إلى حلوان في كل يوم ينتظرون رجوعه مدة سبعة أيام، فلما أبطأ عليهم فوق السبعة أيام، خرج الأمير مظفر الحاجب ومعه جماعة من العسكر - وكانت عساكر الحاكم ما بين ترك وديلم ومصامدة وصقالبة وروم وعبيد سود وغير ذلك - فلما وصلوا إلى آخر القصبة التي بحلوان وجدوا حماره الأشهب المدعو بالقمر، وقد قطعت يداه ورجلاه، وعليه السرج واللجام، فتبعوا أثر الحمار فوجدوا ثياب الحاكم وكان عليه سبع جبب صوف بيض ورأوا فيها آثار ضرب السكاكين، فلم يشكوا بعد ذلك في قتله. فلما رجعوا إلى القاهرة أشيع قتل الحاكم. وكان قتله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمسا وعشرين سنة وأياما … ولم ينل أهل مصر من أفعاله مكرمة، وصاروا معه في قمع سمسمة، وصبروا على أذاه في هذه المدة وقد قاسوا منه أي شدة حتى فرج الله عنهم هذه الكربة العظيمة فكان كما قيل: ودهر قطعناه بضيق وشدة … ونحن على نار قيام على الجمر صبرنا له حتى أزيل وإنما … تفرج أيام الكريهة بالصبر وفي هذه المدة قتل الحاكم من الناس ما لا يحصى عددهم من العلماء والفقهاء وغير ذلك.

стр. 59

قال الشيخ شمس الدين الذهبي: "ولما قتل الحاكم صار جماعة من الجهال المغفلين من وادي التيم من نواحي الشام يعتقدون حياة الحاكم إلى الآن، ويقولون لا بد أن يظهر في آخر الزمان ويعود إلى الخلافة، وأنه هو المهدى لا محالة، ويحلفون إلى الآن بغيبة الحاكم". - الظاهر لدين الله هو الظاهر لدين الله علي، بن منصور بن نزار ابن المعز معد، وهو الرابع من خلفاء بني عبيد الله الفاطمية بمصر، بويع له بالخلافة بعد أبيه الحاكم بأمر الله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتلقب بالظاهر لدين الله. تولى الخلافة وله من العمر نحو ست عشرة سنة، وكانت عمته ست النصر أخت الحاكم هي القائمة بأمور دولته، والأمير سيف الدين بن رواش. وفي أيامه اضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية، واستولى على البلاد الشامية الأمير حسان شيخ عربان جبل نابلس، وصار يستخرج خراجها لنفسه، ونزع أيدي العمال عنها. وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة من خلافته توفيت ست النصر أخت الحاكم بأمر الله، فظهر لها موجود عظيم من المال والجواهر والقماش والتحف لا يحصى لكثرته، ووجد لها أربعة آلاف جارية ما بين بيض وسود ومولدات، فمنهن ألف وخمسمائة أبكار والبقية ثيبات، ووجد عندها ثلاثون زيرا صينيا مملوءة من المسك السحيق، وأما بقية الموجودة فما ضبط لكثرته. ومن الحوادث في أيامه جاءت الأخبار من مكة أن رجلا أعجميا قد حضر إلى مكة وجماعة من الأعاجم معه فأظهروا أنهم يريدون الحج، فأقاموا في مكة مدة، ثم غافلوا الناس في وقت القائلة ودخلوا الحرم وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وكسروه ثلاث قطع، فأدركهم الناس وأمسكوهم فقطعوا أيديهم وصلبوهم على أبواب الحرم، ثم أن الناس أعادوا الحجر الأسود إلى مكانه ولصقوا ما كسر منه. وفي أيام الظاهر هذا اذن لأقباط مصر فيما كان يعمل في ليلة الغطاس بالديار المصرية، وكان هذا الأمر قد بطل من أيام المعز كما تقدم، وكان من أجل المواسم بمصر. وذلك أن ليلة الغطاس - وهي في الحادي عشر من شهر طوبه - تجتمع جماعة من المسلمين وجماعة من الأقباط النصارى عند شاطئ النيل قدام المقياس، فتنصب هناك الخيام على جانبي النيل وتوضع فيها الأسرة لأعيان القبط من الرؤساء، وكان البحر يمتلئ

стр. 60

بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها السواد الأعظم من الخاص والعام من المسلمين والنصارى، فإذا دخل الليل تزين المراكب بالقناديل وتشعل فيها الشموع، وكذلك على جوانب الشطوط من بر مصر والروضة، وكان يشعل على الشطوط في تلك الليلة أكثر من ألف مشعال وألف فانوس وتنزل رؤساء القبط في المراكب، وكان ينفق في تلك الليلة من الأموال ما لا يحصى في مآكل ومشارب، تتجاهر الناس بشرب الخمر، وتجتمع أرباب الملاهي وأرباب الملاعب من كل فن، ويخرج الناس في تلك الليلة عن الحد في اللهو والفرجة، ولا يغلق في تلك الليلة دكان ولا درب ولا سوق، وكانوا يهادون رؤساء الأقباط في تلك الليلة بأطنان القصب والبوري والحلوى القاهرية والكمثري والتفاح الفتحي والسفرجل والأترج والنارنج والليمون المراكبي وطاقات النرجس وغير ذلك من الأنواع اللطيفة، وكانوا بعد العشاء يغطسون في بحر النيل - النصارى مع المسلمين سوية - ويزعمون أن من يغطس في تلك الليلة يأمن من الضعف في تلك السنة. فلما كان وقت الغطاس نادى الخليفة الظاهر بالا يختلط النصارى بالمسلمين عند الغطاس، وكان في قصر جده المعز الذي يشرف على بحر النيل يتفرج على ذلك المهرجان الذي يحصل في تلك الليلة. وكان المعز لما قدم إلى مصر ورأى ما يحصل في ليلة الغطاس من المفاسد العظيمة أمر بابطال ذلك، واستمر ذلك باطلا من سنة اثنتين وستين وثلثمائة إلى سنة خمس عشرة وأربعمائة. فأمر الخليفة الظاهر بإعادة ذلك حتى يتفرج عليه. قال المسبحي: إن في الدولة الفاطمية كان رؤساء القبط يضربون في يوم خميس العدس خراريب من ذهب ويفرقونها على أرباب الدولة برسم التبرك. وكانوا يضربون من هذه الخراريب نحو خمسمائة مثقال، فبطل ذلك جميعه من مصر من جملة ما بطل من القواعد القديمة. واستمر الخليفة الظاهر لدين الله في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بمصر عشر سنين وتسعة أشهر (١). ولما مات الظاهر لدين الله تولى من بعده ابنه المستنصر بالله أبو تميم. - المستنصر بالله هو المستنصر بالله أبو تميم، معد، بن الظاهر لدين الله علي بن منصور الحاكم بأمر الله، وهو الخامس من بني عبيد الله الفاطمي، بويع له بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر لدين

стр. 61

الله في يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فتولى الخلافة بمصر وله من العمر سبع سنين وعشرون يوما. وكان مولده بالقاهرة في سنة ثماني عشرة وأربعمائة (١). وهو الذي خطب له البساسيري على منابر بغداد مع وجود خلفاء بني العباس، وهذا لم يقع لأحد من أقاربه من خلفاء بني عبيد الله. ولما تم أمره في الخلافة استقر بالحسن بن علي البازوري وزيرا، وهو الذي جمع بين الوزارة وقضاية القضاة الشافعية، ولم تقع هذه لمن قبله من الوزراء، فلما مات البازوري استقر بأبي نصر العلاجي وزيرا، فقبض أبو نصر العلاجي على ابن الأنباري وزير الحاكم بأمر الله فاعتقله بحزانة البنود وصادره وأخذ جميع أمواله، ثم قطع رأسه ودفنها بخزانة البنود، فما مضى قليل حتى قبض المستنصر على أبي نصر العلاجي، واعتقله في خزانة البنود وصادره وأخذ أمواله وأمر بقطع رأسه فلما أرادوا أن يحفروا لأبي نصر العلاجي في خزانة البنود ليواروا رأسه فيها ظهر من تلك الحفرة رأس فسألوا العلاجي عن ذلك فقال هذا رأس ابن الانباري وأنا قتلته ودفنته في هذه الحفرة ثم أنشد يقول: رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحكا من تزاحم الأضداد فقطعوا رأس العلاجي ودفنوها على رأس ابن الانباري … والجزاء من جنس العمل. ومن الحوادث في زمن المستنصر بالله. أنه في سنة احدى وخمسين وأربعمائة وقع الغلاء العظيم بمصر، فكان يعادل الغلاء الذي وقع في زمن يوسف ﵊، وقد أقام هذا الغلاء بمصر سبع سنين متوالية والنيل في تلك السنين لم يبلغ في الزيادة إلا اثنى عشر ذراعا وأحد عشر اصبعا، وكان القاع ثلاثة أذرع واحد عشر اصبعا. ففي هذه المدة أكلت الناس بعضها بعضا، وبيع فيها القمح بثمانين دينارا كل أردب، وبمائة وعشرين دينارا كل أردب. ثم اشتد الأمر حتى بيع كل رغيف في زقاق القناديل بخمسة عشر دينارا، وأكلت الناس الميتة والكلاب والقطط حتى قيل بيع كل كلب بخمسة دنانير، وبيع كل قط بثلاثة دنانير، وقيل كان الكلب يدخل إلى الدار فيأكل الطفل الصغير وهو في المهد وأمه وأبوه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعة عن ولدهما من شدة الجوع وعدم القوة. ثم اشتد الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه أحد من الناس. وصار الناس في الطرقات إذا قوى القوى على الضعيف يذبحه

стр. 62

ويأكله. وصارت طائفة من الناس يجلسون على السقائف وبأيديهم حبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد من الناس ألقوا عليه تلك الحبال ونشلوه بتلك الكلاليب في أسرع وقت، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه. وقيل إن الوزير ركب يوما على بغلة ودخل إلى دار الخلافة فلما نزل عنها أخذت من غلمانه وأكلت في الحال، فأمسكوا الذين فعلوا ذلك وشنقوهم وعلقوهم على الخشب، فلما باتوا أصبحوا لم يجدوا أحدا من المشانيق، وقد أكلوا من فوق الخشب، ولم يبق منهم غير العظام على الأرض. قال المسبحي في تاريخه: "كان بمدينة الفسطاط حارة تسمى حارة الطبق، وكان فيها نحو عشرين دارا، كل دار تساوي في الثمن ألف دينار، فبيعت بيوت هذه الحارة كلها بطبق من الخبز - كل دار برغيف - فسميت من يومئذ حارة الطبق". وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: "خرجت امرأة من مدينة الفسطاط ومعها ربع من اللؤلؤ الكبار وقالت:" من يأخذ مني هذا اللؤلؤ ويعطيني عوضه قمحا؟ ". فلما أعيت من ذلك ألقته على الأرض وقالت:" إذا لم تنفعني وقت الحاجة فلا حاجة لي بك ". ثم تركته ومضت، فأقام ذلك اللؤلؤ مرميا على الأرض ثلاثة أيام ولم يوجد من يلتقطه، وكان كل أحد من الناس مشغولا بنفسه عن كل شيء". وقال عبد الله بن عبد الحكم: "إن امرأة من ذوي البيوت أخذت عقدا من الجواهر قيمته ألف دينار فعرضته على جماعة من الناس في أن يعطوها عوضه دقيقا، فصار كل واحد من الناس يعتذر لها في عدم الدقيق. ثم أن بعض الناس عطف عليها وباعها بذلك العقد دقيقا، فأخذته في تليس وخرجت به من مدينة الفسطاط تريد القاهرة، فلما أن وصلت به إلى باب زويلة تكاثرت عليها الناس فانتهبوا ما كان معها من الدقيق فأخذت منه بجملة الناس ملء يديها دقيقا، فلما وصلت به إلى بيتها عجنته رغيفا وخبزته، فلما خرج من الفرن أخذته على جريدة، وتوجهت إلى قصر الزمرد ووقفت تحته، ونادت بأعلى صوتها، ورفعت الرغيف وقالت:" يا أهل القاهرة، ادعوا بالنصر لأمير المؤمنين المستنصر بالله الذي أكلنا الرغيف في أيامه بألف دينار ". .. فلما أن سمع المستنصر ذلك فار دمه، وأحضر الوزير والحاجب وهددهما بالشنق، وقال:" إن لم يظهر الخبز في الأسواق والا شنقتكما على باب المدينة ". فنزلا من عنده وصارا يكبسان على البيوت والحارات بسبب القمح حتى ظهر الخبز في الأسواق، وكثر على الدكاكين". قال المسبحي: "لما جاء هذا الغلاء العظيم، جاء عقيب ذلك فناء عظيم، حتى في ثلثا أهل مصر، وصارت أراضي الناحية بائرة لم تزرع من عدم الرجال، فكان الجندي يخرج

стр. 63

بنفسه هو وجماعته يحرثون ويزرعون في البلاد لعدم الفلاحين. وقيل كان الرجل يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة لا يرى في وجهه انسانا يمشي في الأسواق". قال المسعودي: إن الخليفة المستنصر بالله لما تعطلت البلاد بموت الفلاحين تعطل الخراج على الجند، فأخرج ما في خزائنه من القماش والسلاح والتحف، فكان يبيعها بأرخص ثمن حتى يرضي الجند. قيل باع ثمانين ألف قطعة من الجواهر الفاخرة، وباع خمسة وسبعين ألف شقة حرير من أنواع الديباج المذهب، وباع عشرين ألف سيف مسقطة بالذهب، وباع واحدا وعشرين ألف ضيعة وعشرين ألف دار حتى باع رخام قبور أجداده الخلفاء ولم يبق عنده من آثار النعمة شيء سوى سجادة رومية وقبقاب في رجله … فكان إذا نزل من قصره يستعير من الوزير بغلته حتى يركبها ويقضي أشغاله، ثم يعيدها إلى الوزير، وكانت أخته ترسل إليه في كل يوم زبدية فيها طعام يقتات به في كل يوم وليلة مرة واحدة، ومات جميع غلمانه وعبيده وجواريه ولم يبق عنده أحد من العيال يخدمه، وانكشف حاله إلى الغاية، وجرى عليه ما لا يجري على أحد من أقاربه من سوء الحال، فأقام على ذلك مدة، ثم تراجعت الأحوال قليلا قليلا، وانصلحت أحوال الديار المصرية، وانحط سعر القمح وبقية الغلال، ووقع الرخاء، ووردت الأموال من البلاد إلى المستنصر، وحسنت أوقاته، وصفا له الوقت بمصر، وطالت أيامه في الخلافة، ونسى ما قد جرى عليه من ضيق الحال والمشقات، وكان كما قال القائل في المعنى: الدهر لا يبقي على حالة … لا بد أن يقبل أو يدبرا فان تلقاك بمكروهه … فاصبر فان الدهر لن يصبرا واستمر الخليفة المستنصر في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومات وله من العمر نحو ثمان وستين سنة. وتولى الخلافة وهو ابن سبع سنين، وكانت مدته في الخلافة ستين سنة وأربعة شهور، وهذه المدة لم تنفق لأحد قبله من الخلفاء الفاطميين ولا العباسيين، ولكنه قاسى في هذه المدة مشقات عظيمة شديدة كما قيل في المعنى والأمثال" من أراد البقاء في الدنيا فليوطن نفسه على المصائب". ولما مات المستنصر تولى من بعده ابنه احمد المستعلي بالله.

стр. 64

- المستعلي بالله هو المستعلي بالله أحمد، بن المستنصر بالله، ابن الظاهر، بن الحاكم، وهو السادس من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر بالله في ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة. ومن الحوادث في أيامه أن الفرنج استولوا على بيت المقدس وملكوه، وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين وأسروا من الباقي نحو ألف انسان، وذلك في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وأخذوا من قبة الصخرة أربعين قنديلا من الذهب والفضة، وزن كل قنديل ألف درهم من الفضة، وأخذوا التنور النحاس الكبير، وأقاموا مالكين بيت المقدس نحو ثلاث سنين. وفي أيام المستعلي كسفت الشمس، وغاب جميعها، وأظلمت الدنيا حتى ظهرت النجوم وقت الظهر، وأقامت على ذلك إلى آخر النهار حتى انجلت. واستمر المستعلي في الخلافة بمصر إلى أن مرض ومات فكانت وفاته في يوم الثلاثاء تاسع سفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بمصر سبع سنين وشهرين. ولما مات تولى من بعده ابنه الآمر بأحكام الله. - الآمر بأحكام الله هو الآمر بأحكام الله، أبو علي المنصور، بن المستعلي بالله أحمد، وهو السابع من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستعلي بالله في تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة. ولما أن تولى الخلافة بمصر طاش وسار في الناس أقبح سيرة، وصار يتجاهر بالمنكرات، واشتغل باللهو والطرب وشرب الخمر، فاضطربت أحوال الديار المصرية في أيامه، وجاءت الأخبار بأن الفرنج استولوا على مدينة عكا وطرابلس ونابلس وغير ذلك من أعمال البلاد الشامية، وأشرفوا على أخذ الديار المصرية ووصلوا إلى العريش، وكان ملك الفرنج يسمى بردويل (١)، فلما وصل إلى العريش مرض هناك مرضا شديدا ومات، فكتم أصحابه موته خوفا من المسلمين، وشقوا بطنه ورموا مصارينه، ثم دفنوها بالعريش، وقد صار الناس إلى الآن كلما مروا بالعريش رجموا ذلك المكان الذي دفنت فيه مصارين بردويل - ويسمى إلى اليوم سبخة بردويل - وأما جثته فحملت إلى القمامة التي ببيت المقدس ودفنت هناك.

стр. 65

وفي أيامه وقع الغلاء بمصر، وتناهى سعر القمح إلى ثلاثين دينارا ثمن الأردب الواحد، فأقام الأمر على ذلك نحو ستة أشهر، وتراجع الأمر قليلا قليلا، وانحط سعر القمح عن ذلك القدر، وكثرت الغلال في العرصات. وكان القائم بتدبير أمور الديار المصرية المأمون البطايحي الوزير، فساس الناس في هذه الغلوة أحسن سياسة، ولم يحصل في الديار المصرية من الاضطراب كما حصل في أيام المستنصر مما تقدم ذكره. قيل: هجم رجل في زمان الغلاء على بعض المغاربة وهو يأكل في رغيف، فلما رآه ستر الرغيف منه، فقال له ذلك الرجل:" أما سمعت الحديث: طعام واحد يكفي اثنين؟ "فقال له المغربي:" ذلك في ضوء السراج … إذا كان لواحد يكفي جماعة. وأما في هذا الرغيف فلا أطعمك منه لقمة ". فمضى عنه الرجل ولم يطعمه شيئا. وسبب هذا الغلاء أن النيل بلغ في الزيادة إلى خمسة عشر ذراعا واصبعا ثم هبط، فشرقت البلاد، وحصل للناس الضرر الشامل، ورسم الخليفة للبطرك بأن يتوجه إلى بلاد الحبشة بسبب توقف النيل، ولم يفد توجه البطرك شيئا. وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ابتدأ الآمر بأحكام الله في عمارة جامعه الذي بناه عند سوق مرجوش المسمى بجامع الأقمر، وأنفق على بنائه مائتي ألف دينار، وكان له صهريج يمتلئ من مسارب الخليج الحاكمي. وفي سنة تسع عشرة وخمسمائة قبض الآمر على الوزير المأمون البطايحي، وقتله ثم صلبه واحتاط على موجوده، فظهر له من الأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة صندوق ما بين ذهب عين ودراهم فضة وجواهر فاخرة، ووجد عنده مائة بكرنية مملوءة من الكافور العنصوري، وهذا الصنف عزيز الوجود. ووجد عنده ثلثمائة صندوق فيها قماش جسمه ما بين حرير وصوف ودق تنيس ودمياط، ووجد عنده من العود القماري مائة من وأشياء كثيرة لا تنحصر، فحمل ذلك إلى قصر الخلافة. فلما قتل الآمر الوزير البطايحي لم يقم بعده إلا مدة بسيرة وقتل الآخر. وكان سبب قتله أنه توجه إلى بر الروضة على سبيل التنزه، فأقام هناك يوما وليلة، فلما رجع إلى القاهرة مر على جسر الروضة الذي كان بالقرب من الجزيرة الوسطى، فلما عبر الجسر وثب عليه جماعة من العبيد السود فضربوه بالسكاكين تحت الليل - وكان سكران - فوقع عن فرسه فحملوه إلى القاهرة وطلعوا به إلى قصره فمات من وقته، فكانت وفاته في ليلة الثلاثاء العشرين من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة

стр. 66

خلافته بمصر نحو تسع وعشرين سنة وشهرين. ومات عن غير ولد فتولى من بعده ابن عمه المستنصر بالله. - الحافظ لدين الله هو أبو الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله، ابن المستنصر بالله، وهو الثامن من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد قتل الآمر بأحكام الله، وكان الحافظ لدين الله رجلا حليما، لين الجانب، قليل الأذى، فطمعت فيه الرعية، واضطربت في أيامه أحوال الديار المصرية، واستولت الفرنج على البلاد، وكثر منهم الفساد، وطمع الفلاحون في أهل مصر، وامتنعوا من وزن الخراج، وتعطل الأمر وما راج. قال الشيخ شمس الدين الذهبي:" إن الشيخ أبا عبد الله الأندلسي دخل إلى مصر في أيام الحليفة الحافظ - وكان الشيخ أبو عبد الله له يد طائلة في علم السيمياء - فأحضره الحافظ بين يديه وقال له: "أرنا شيئا من علم السيمياء". فامتنع من ذلك، فألح عليه، فأراه مساحة القصر كأنها لجة ماء وفيها سفينة كبيرة وحولها شواني حربية، فوقع بينهما الحرب والقتال، فكانت بينهم السيوف تلمع، وسحائب القسي تمطر، والبنود تخفق، والرءوس تهدر، والدماء تسيل … فلا يشك الناظر في حقيقة ذلك. ثم أن أصحاب السفينة سلموا إلى أصحاب الشواني فساروا بها والطبول تضرب والبوقات تزعق حتى غابوا عن الأبصار، ثم ذهبت تلك اللجة الماء التي كانت في القصر بأمواج تتلاطم كالجبال، فلما رأى الحافظ ذلك تعجب منه، وكان حوله جماعة من خواصه فأشاروا عليه بقتل الشيخ أبي عبد الله، وقالوا هذا يفسد عقول الناس، فلم يوافقهم الحافظ على قتله. ثم قال للشيخ: "أرني شيئا في هؤلاء الذين قد أشاروا بقتلك". فقال له الشيخ: "مرهم يمضوا إلى منازلهم". فقال الحافظ لمن حوله: "انصرفوا إلى منازلكم". فلما انصرفوا صار كل من يركب دابته يراها في صفة الثور العظيم، ولها في رأسها قرون طوال، فتحيروا في ذلك، ورجعوا إلى الحافظ، وذكروا له ما جرى لهم في دوابهم، فضحك وقال لهم: "أفدوا دوابكم منه". فما منهم إلا من أعطاه شيئا حتى أطلق لهم دوابهم". قيل إن الحافظ كان يشتكي بألم القولنج، فصنع له الحكيم شبرماه الديلمي طبل باز من المعادن السبعة، وهو مرصود في وقت معلوم، فكان من خاصية هذا الطبل إذا ضرب عليه أحد خرج منه ريح، وهذه الفائدة كانت لدفع القولنج، وكان الحافظ يعتريه هذا المرض فصنع له ذلك الطبل بسبب القولنج.

стр. 67

قيل لما ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الديار المصرية استعرض حواصل الخلفاء الفاطمية فوجد ذلك الطبل في علبة، فأخذه بعض الأكراد وضرب عليه بيده فخرج منه ريح فحنق من ذلك ورمى الطبل من يده على الأرض فكسره، فبطل فعله من حينئذ، فندم على كسره صلاح الدين يوسف غاية الندم. واستمر الحافظ بالخلافة بمصر حتى توفي، فكانت وفاته في جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، ولما مات تولى من بعده ابنه الظافر بالله. - الظافر بالله هو الظافر بالله، أبو المنصور اسماعيل، بن الحافظ، بن المستنصر بالله، وهو التاسع من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ، وكان له من العمر لما تولى الخلافة سبع عشرة سنة. وكان شابا جميل الصورة، حسن الهيئة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، وكان يهوى ابن وزيره عباس، وينزل إليه ويبيت عنده في غالب الأوقات، وامتحن به غاية الامتحان، قيل أنه أهدى في بعض الأوقات إلى ابن الوزير صينية من ذهب فيها ألف حبة من اللؤلؤ الكبار، وفصوص من الياقوت الأحمر والأصفر والزمرد الدناني، وألف نافجة من المسك، وعشرة آلاف دينار. ومن العجائب أن الوزير عباسا وولده نصرا لم ينفع فيهما شيء من ذلك، وقتلا الظافر عقيب ذلك كما سيأتي ذكره في موضعه. ومن الحوادث في أيام الظافر أن في سنة احدى وخمسين وخمسمائة وقع وباء عظيم بين أرض الحجاز واليمن، وكان بينهما نحو من عشرين قرية، فدخل الوباء في ثماني عشرة قرية منها فأفناهم عن آخرهم حتى لم يبق منهم إنسان، فكانت مواشيهم سائبة لا قاني لها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يدخل إلى تلك القرى، وكل من دخل إلى تلك القرى هلك من وقته بالطعن ومات. وأما القريتان اللتان حول تلك القرى فما عندهما شعور بما جرى على من حولهما من القرى مما أصابهم من الفناء والطعن، ولم يمت من هاتين القريتين طفل واحد … فسبحان القادر على كل شيء. ومن هنا نرجع إلى أخبار الظافر بالله، قيل كثر الكلام بين الناس في حق الوزير عباس بسبب ابنه نصر، فلما نزل الظافر إلى بيت الوزير عباس على جرى عادته وبات عنده، ندب إليه من قتله تحت الليل ورماه في بئر … فلما أصبح الوزير طلع إلى دار الخلافة ودخل إلى القصر، فقال لبعض الخدام:" أين أمير المؤمنين ". فقال له الخدام:" إن

стр. 68

ابنك نصرا يعرف أين هو؟ ". ثم ان الوزير عباسا دخل إلى دور الحرم وأخرج الأمير عيسى بن الظافر، واحضر القضاة وأرباب الدولة وقال:" إن أمير المؤمنين الظافر نزل البارحة في مركب فانقلبت به فغرق ومات. والرأي عندي أننا نولي الأمير عيسى الخلافة عوضا عن أبيه الظافر، ونلقبه ب الفائز بنصر الله ". وتراضوا على ذلك. ثم بعد ذلك شاع بين الناس أن الوزير عباسا قد قتل الظافر، فانقلبت الجند على الوزير عباس بسبب ذلك. وكانت قتلة الظافر في ليلة الأحد ثاني صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأياما. والظافر هذا هو الذي بنى الجامع المعروف الآن بجامع الفاكهاني، وهو بالقرب من الشوايين. - الفائز بنصر الله هو الفائز بنصر الله، أبو القاسم عيسى، بن الظافر، بن الحافظ، بن المستنصر، وهو العاشر من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر بالله، وكان سبب بيعته أن الوزير عباسا لما قتل الظافر طلع إلى القصر وأحضر القضاة والشهود وقال لهم إن الظافر نزل البارحة في مركب فانقلبت به فغرق، ثم هجم الوزير على ابن الظافر وهو في دور الحرم وأخذه من عند أمه وحمله على كتفه ففزع منه واضطرب - وكان له من العمر ست سنين - فأحضره بين القضاة وولاء الخلافة، واستمرت معه الطربة عمالة حتى كبر ومات بعد مدة وهو مضطرب في كل وقت. فلما تم أمره في الخلافة وأطاعه الجند، صار يخشى من الوزير عباس ولا يقر له قرار، فاستعان على قتله بشخص يسمى طلائع بن رزيك - وكان متوليا على منية ابن خصيب - فجمع عسكرا عظيما من العربان وقصد التوجه إلى القاهرة، فلما بلغ الوزير عباسا ذلك أخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف وهرب نحو البلاد هو وولده نصر، فكان كما قيل: حكى غراب البين في شؤمه … لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ فبينما هو في أثناء الطريق إذ خرجت عليه طائفة من الفرنج فأسروه، وأخذوا ما كان معه من الأموال والتحف، فلما جاءت الأخبار بذلك إلى القاهرة احتاط الفائز على موجود الوزير عباس جميعه، وولي الوزارة طلائع بن رزيك عوضا عن عباس، فخلع عليه وتلقب بالصالح بالله، فأطاعه الجند وأحبوه، وكانت له حرمة وافرة في القاهرة. وهو الذي

стр. 69

بنى الجامع المنسوب إليه المشهور بجامع الصالح الذي هو خارج باب زويلة، وكانت الوزراء تتلقب يومئذ كألقاب الخلفاء. ثم أن الصالح هذا أرسل إلى طائفة الفرنج الذي أسروا الوزير عباسا يطلبه منهم، وأرسل إليهم هدية ومالا نحو عشرة آلاف دينار، فلما وصل ذلك إلى الفرنج أرسلوا الوزير عباسا وولده نصرا إلى الصالح وهما في الحديد، فلما دخلا القاهرة كان يومهما يوما مشهودا لم يسمع بمثله، فأمر الفائز بأن يصلب الوزير عباس وولده نصر على باب القصر، فصلبا وأخذ الفائز بثأر أبيه الظافر قبل العصر، فكان كما قيل في الأمثال: "الموت في طلب الثأر، خير من الحياة في العار". وفي أيام الفائز هذا نقلت رأس الحسين ﵁ من عسقلان إلى القاهرة، وذلك في سنة تسع واربعين وخمسمائة، وسبب ذلك أن رأس الحسين كانت بعسقلان، فلما تولى الفرنج على عسقلان خاف المسلمون على رأس الحسين فأحضروها إلى القاهرة في علبة، وبنى لها الفائز هذا المشهد ودفنها به. قيل إن رأس الحسين نقلت إلى ثلاثة أماكن قبل أن تحضر إلى القاهرة بمدة. وفي أيام الفائز استعرضت عساكر القاهرة، فكانت نحو خمسين ألف مقاتل على أجناس مختلفة، وكان بمراكبه عشر مراكب مشحونة بالرجال والسلاح بسبب الجهاد، وهذا مع وجود تلاشي أمر الخلفاء الفاطمية وضعف شوكتهم. واستمر الفائز في الخلافة بمصر حتى مرض ومات، وكانت وفاته في يوم الجمعة سابع رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي وله من العمر إحدى عشرة سنة وأشهر، ومات بالطعن، وكانت مدة خلافته بمصر خمس سنين وأشهرا، ولما مات تولى من بعده ابن عمه عبد الله العاضد بالله. - العاضد بالله هو العاضد بالله، أبو محمد عبد الله، ابن الحافظ، بن المستنصر، وهو الحادي عشر من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت ابن عمه الفائز في رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قيل إن الخليفة المعز لما قدم إلى الديار المصرية قال لبعض علماء مصر: "أكتب لنا ألقابا تصلح للخلافة، حتى إذا تولى منا أحد تلقب بها". فكتب له ألقابا كثيرة آخرها العاضد بالله، فاتفق أن آخر من تولى منهم تلقب بالعاضد بالله، وبه انقرضت دولتهم. ولم يكن لهم من المساوئ سوى أنهم كانوا رافضة يسبون الصحابة في كل جمعة على المنابر.

стр. 70

ولما أن تولى العاضد استمر الصالح وزيرا، فأقام على ذلك مدة ومات، فتولى عوضه في الوزارة شاور بن مجير السعدي. ومن الحوادث في أيام العاضد أن الفرنج استولوا على الديار المصرية ودخلوا بمراكبهم إلى بحر النيل ونزلوا على مدينة الفسطاط التي تقدم ذكرها لأنها كانت بالقرب من بركة الحبش من الرصد، فأحاطت عساكر الفرنج بمدينة الفسطاط، وأشرفوا على أخذها، وكان ملك الفرنج يسمى مرى، وكان معه نحو سبعين مركبا مشحونة بالمقاتلين، فلما رأى الخليفة العاضد عين الغلب، وصار الفرنج يأسرون جماعة من المسلمين وينهبون أموالهم، وقرروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا في أسباب جبايتها … فعند ذلك أشار الوزير على الخليفة بحرق مدينة الفسطاط خوفا من الفرنج أن يملكوها، فأذن له الخليفة في حرقها، فجمع الوزير العبيد وأحرقوها. وكانت هذه المدينة من أجل المدائن، وقد أنشأها عمرو بن العاص في مبتدأ الإسلام عند فتح مصر، وقد تقدم ذكر ذلك عند فتوح مصر. فلما قدم المعز من الغرب وبنى القاهرة تلاشى أمر مدينة الفسطاط. وكانت القاهرة في غاية العمارة والتحصين، فلما أحرقت مدينة الفسطاط تحول الناس إلى القاهرة قيل بلغ كراء الجمل من مدينة الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير كل نقلة، وصارت النار عمالة في مدينة الفسطاط واحدا وخمسين يوما حتى صار الدخان يرى من مسيرة ثلاثة أيام، فلما رأى الفرنج ذلك خافوا ورحلوا عن مصر. قال عبد الله بن عبد الحكم: "وكان ذلك سببا لخراب مدينة الفسطاط، وصارت من يومئذ كيمانا يوجد فيها الأعمدة الرخام الأبيض إلى الآن. وكان أولها من حدرة ابن قميحة وآخرها عند الرصد، وكان حرقها وخرابها في سنة أربع وستين وخمسمائة". وقال ابن المتوج إن الخليفة العاضد لما استولى مرى ملك الفرنج على مصر أرسل العاضد إلى الملك العادل نور الدين الشهيد صاحب دمشق بأن يرسل إلى أهل مصر نجدة ويدركهم قبل أن تملك الفرنج المدينة، فأرسل نور الدين الشهيد إلى مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب هو وأخوته، فلما قدموا إلى مصر تسامع بهم الفرنج فرحلوا عن مصر. ولما رحلوا قويت شوكة بني أيوب بمصر، فخاف منهم العاضد، فخلع الوزير اشور بن مجير الدين السعدي من الوزارة، وولي أسد الدين شيركوه أخا أيوب عم صلاح الدين يوسف عوضا عن السعدي. ثم أن أسد الدين صلب الوزير ابن مجير الدين السعدي على باب القاهرة لكونه أشار بحرق مدينة الفسطاط، ثم أن أسد الدين لما تم أمره في الوزارة تلقب بالمنصور - وكانت

стр. 71

الوزارة تتلقب بمثل القاب الخلفاء فلما تول الوزارة أقام حرمة مصر إلى الغاية، وهابه الناس، فأقام في الوزارة مدة يسيرة ومات فجأة على حين غفلة. فلما مات أسد الدين شيركوه تولى من بعده الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالناصر. فلما تولى صلاح الدين بن أيوب على مصر ضعفت شوكة الخليفة العاضد، ومالت الجند إلى صلاح الدين يوسف. ثم أن نور الدين الشهيد أرسل يقول له: "اقطع الخطبة من مصر عن اسم العاضد". فلما قطع الخطبة عن اسمه حصل له قهر عظيم، وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه … لا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين، فما أطاق العاضد ذلك، فقيل أنه ابتلع فص ألماس فمات من يومه. وكانت وفاته في يوم الاثنين عاشر المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة خلافته بمصر اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأياما، وبه انقطعت دولة بني عبيد الله الفاطمي عن الخلافة بمصر، وبه ختمت أخبار الخلفاء الفاطمية من بني عبيد الله. وقد قامت دولة الخلفاء الفاطمية بمصر مائتين وثمانيا وستين.

стр. 72

الدّولة الأيّوبيّة - الملك الناصر كان أولهم الملك الناصر، أبا المظفر يوسف، ابن أيوب، بن شادى، بن مروان الكردي، وكان أصلهم من أذربيجان من بلاد الكرج، ولكن أصلهم أكراد. وكان مولد صلاح الدين يوسف بقلعة تكريت في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وكان أبوه أيوب في خدمة زنكى أبي نور الدين الشهيد، فلما توفي زنكى صار أيوب وأولاده في خدمة نور الدين الشهيد، ثم ارتقى نور الدين حتى بقي صاحب البلاد الشامية. فلما تلاشى أمر الخليفة العاضد، واستولت الفرنج على الديار المصرية، أرسل يطلب من نور الدين الشهيد نجدة بسبب الفرنج، فارسل إليه أسد الدين شيركوه أخا أيوب عم صلاح الدين يوسف. فلما توفي أسد الدين تولى من بعده في الوزارة أيام العاضد صلاح الدين يوسف. فلما توفي العاضد تولى من بعده على مصر صلاح الدين يوسف نيابة عن نور الدين الشهيد بتقليد منه. وكان سبب موت العاضد أن نور الدين الشهيد لما أرسل إلى صلاح الدين يقول له: "اقطع الخطبة عن اسم العاضد بالله". .. أرسل صلاح الدين يقول لنور الدين الشهيد: "إن أهل مصر لا يطاوعوني على ذلك، وأخشى أن يثبوا علي بسبب ذلك". فأرسل نور الدين الشهيد يقول لصلاح الدين ثانيا: "لا بد من ذلك". فلما رأى صلاح الدين أن نور الدين الشهيد مصمم على ذلك، جمع أعيان أهل مصر وذكر لهم ما قاله نور الدين الشهيد، فقالوا له: "وكيف يكون ذلك؟ ". فقال شخص من أبناء العجم يسمى الأمين، وكان من أهل العلم: "أنا أفتح لكم باب هذا الأمر". فلما كان يوم الجمعة ثاني المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة، صعد ذلك الشخص الأعجمي إلى المنبر قبل صلاة الجمعة، ودعا إلى الخليفة المستضيء بالله العباسي خليفة بغداد. فلما صعد المنبر ودعا إلى المستضيء لم يتكلم أحد من الناس ولا أنكروا. فلما كان ثاني جمعة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا اسم الخليفة العاضد من الخطبة، وأن يدعوا باسم الخليفة المستضيء بالله العباسي، ففعلوا ذلك.

стр. 73

فلما بلغ العاضد ذلك انقهر وعمد إلى فص من الألماس فابتلعه، فمات من يومه ودفن، فكانت وفاته في عاشر المحرم كما تقدم. فلما مات العاضد أرسل نور الدين الشهيد إلى صلاح الدين تقليدا بولاية مصر نيابة عنه. قيل لما استولى صلاح الدين يوسف على حواصل الخلفاء الفاطمية استعرض ما فيها من السلاح والأموال، فأرسل إلى نور الدين ما استحسنه من السلاح الفاخر والتحف، وصار بعد ذلك يبيع ما فضل من السلاح وغيره نحو عشر سنين غير ما اصطفاه لنفسه. ثم أن صلاح الدين صار مستوليا على مصر نيابة عن نور الدين الشهيد حتى توفي نور الدين محمود بن زنكى، وكانت وفاته في سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بدمشق في جامع الكلاسة، وكان يلقب بالملك العادل، وهو المجاهد المرابط فاتح بيت المقدس من أيدي الفرنج، وفاتح الثغور الإسلامية من البلاد الشامية، وهو الذي تعصب لبني العباس ورد لهم الخطبة بمصر وأعمالها، وأبطل ما كان يخطب باسم الفاطمية. قال الهروي إن في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة انخسفت المغارة المدفون فيها إبراهيم الخليل ﵇، فنزل إليها جماعة فوجدوا فيها ابراهيم واسحق ويعقوب ﵈، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط المغارة وعلى رءوسهم قناديل من ذهب وفضة، فلما بلغ نور الدين ذلك أمر بأن تجدد لهم أكفان جدد، وأن يسد عليهم ما انخسف من المغارة. فلما توفي نور الدين الشهيد انفرد صلاح الدين يوسف بمملكة الديار المصرية والبلاد الشامية، وصفا له الوقت، فأزال ما كان بمصر من العساكر الملفقة - وكانوا ما بين صقالبة وكدانة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب والعبيد السود - فمحا تلك الطوائف جميعها، واتخذ بمصر عساكر من الأكراد خاصة، فكانت عدتهم اثنى عشر ألف فارس من شجعان الرجال الذين لا يكلون من الحروب. ثم إن صلاح الدين يوسف نظر في أحوال الرعية، وأمر بإسقاط المكوس جميعها التي حدثت في أيام الفاطمية، وكتب بذلك مساميح بخط القاضي عبد الرحيم الفاضل صاحب ديوان الإنشاء، وقرئت على المنابر في الجوامع بعد صلاة الجمعة، وكان قدر ما أبطله من المكوس في كل سنة ما ينوف عن مائة ألف دينار، فلما قرئت تلك المساميح ضج له الناس بالدعاء وأحبته الرعية فكان كما قيل: دولته للأنام عيد … باق وأيامه مواسم

стр. 74

قد أظهر العدل في الرعايا … وأبطل الجور والمظالم هذا الذي عنه أخبرتنا … طوالع النجم والملاحم يصير الشاة في حماه … تمشي مع الذئب والضياغم قال ابن الأثير: "لما كانت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، أمر الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب ببناء سور القاهرة بالحجر الفص المنحوت، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش الخصي الحبشي". فأبطل السور القديم الذي كان قد بناه الأمير جوهر القائد في أيام المعز الفاطمي كما تقدم. وكان جوهر القائد بني السور أولا بالطوب اللبن في سنة إحدى وستين وثلثمائة عندما قدم من القيروان، وآثار السور القديم باقية عند الباب المحروق إلى الآن. قال ابن الأثير إن دور السور الذي بناه صلاح الدين يوسف تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثة آلاف ذراع بالعمل، وجعل عليه هذه الأبواب المصفحة بالحديد، وكانت عدة أبواب القاهرة خمسة عشرة بابا غير ما في السور من الأبواب الصغار، وكان باب زويلة يسمى باب الفاضل، وإنما باب زويلة القديم الذي في الغرابليين عند سام بن نوح وآثاره باقية إلى الآن. قال ابن الأثير إن صلاح الدين يوسف هو الذي بنى قلعة الجبل وصارت دار المملكة، وبطل أمر قصر الزمرد الذي كان في القاهرة مكان دار الضرب، ولكن مات صلاح الدين ولم يتم بناء قلعة الجبل وإنما أتم بناءها الملك الكامل محمد ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وهو أول من سكن بقلعة الجبل من بني أيوب. ومن النكت اللطيفة أنه كان بدمشق خان يسمى بخان ابن الزنجاري، وكان يفعل فيه من أنواع الفسوق مالا يوصف شرحه. فلما بلغ الملك الناصر صلاح الدين يوسف أخبار ذلك الخان أمر بهدمه فهدم وبني مكانه جامعا وسماه جامع التوبة، وولي خطبته والامامة إلى شخص يسمى العماد الواسطي - وكان يتهم بشرب الراح وحب الملاح - فكتب بعض اللطفاء قصيدة عن لسان حال هذا الجامع، ورفعها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكان شرح هذه القصة في هذه الأبيات: يا مليكا أوضح الحق … لدينا وأبانه جامع التوبة قد قلدني … منه أمانه

стр. 75

قال: قل للملك النا … صر أبقى الله شانه يا صلاح الدين يا من … حمد الناس زمانه لي خطيب واسطي … يعشق الشرب ديانه ويحب المرد طبعا … ويغني بالجعانه فانا في كل حال … لم أزل بالسكر خانه فاستمع قصة حالي … زادك الله صيانه فلما وقف صلاح الدين على هذه الأبيات أمر بعزل العماد الواسطي عن خطبة الجامعة، وولي عليه شخصا من أهل الصلاح والخير. قال المسبحي إن في أيام صلاح الدين يوسف نزل الفرنج على ثغر مدينة دمياط فخرج إليهم صلاح الدين في عساكر كثيرة من مصر، وتوجه إلى دمياط، فتقاتل مع الفرنج أشد القتال، وكانوا نحو مائتي مركب، فأقام صلاح الدين يحاصر الفرنج على دمياط نحو خمسة وخمسين يوما فانكسر الفرنج وانهزموا نحو بلادهم مدبرين وانتصر عليهم صلاح الدين. فلما رحل الفرنج إلى بلادهم توجه صلاح الدين من هناك إلى الشام فأقام بها مدة. قيل لما دخل صلاح الدين إلى دمشق نزل بالميدان الكبير فجاءت إليه أرباب الملاعب من المصارعين والمتأنقين وغير ذلك، وكان فيما جاء إليه رجل أعجمي فتكلم معه بأن يريه أعجوبة في صنعة الشعبذة، فأذن له في ذلك، فنصب خيمة لطيفة في الميدان بين يدي السلطان صلاح الدين وأخرج من كمه كبة خيط فربط طرف ذلك في يده، ثم حدف تلك الكبة الخيط في الهواء ثم تعلق بها وصعد حتى غاب عن الأبصار، ثم سقطت بين الناس إحدى رجليه وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت إلى الخيمة، ثم سقطت إحدى يديه ودخلت إلى الخيمة، ثم سقطت اليد الأخرى ودخلت إلى الخيمة، ولم تزل أعضاؤه تتساقط عضوا بعد عضو حتى سقط الرأس وصار يزحف على الأرض حتى دخل الخيمة ثم بعد ساعة خرج ذلك الرجل وهو سوى كما كان يمشي على أقدامه، فقبل الأرض بين يدي الملك الناصر … فبهت الناس من ذلك، ثم أن الرجل دخل الخيمة ثانيا قدام الناس فقال رفيقه للحاضرين: "ادخلوا الخيمة فتشوا فيها". . فدخلوا الخيمة وفتشوا فيها فلم يجدوا فيها أحدا، ثم فكوا الخيمة ونصبوها في مكان آخر فخرج منها ذلك الرجل وهو يمشي على أقدامه كما دخل، فتعجب منه الناس ومن كان حول الملك الناصر من الأمراء. ثم أن الأمير سنقر الأخلاطي حنق من ذلك الرجل الذي صنع هذه الشعبذة فقام إليه بالسيف وضرب عنقه بين الناس، وقال للملك الناصر إن مثل هذا لا يؤمن أن يكون
следующие страницы →