← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأقام بها إلى أن تكامل العسكر، ثم رحل من الصالحية، وجدّ في السير إلى أن وصل إلى عين جالوت من أرض كنعان، فتلاقى هناك عسكر هلاو وعسكر السلطان قطز، فكانت بينهما ساعة تشيب فيها النواصي، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عدده، فكانت الكسرة على التتار، فكسروهم وشتتوهم إلى بيسان، وكان ذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم وقعت بينهما وقعة ثانية على بيسان أعظم من الأولى، فقتل من التتار نحو النصف، وغنم عسكر السلطان منهم غنيمة عظيمة من خيول وسلاح وغير ذلك. فلما جرى ذلك توجه السلطان قطز إلى نحو الشام، فدخلها في موكب عظيم، وجلس للحكم، فخلع على الأمير سنجر الحلبي واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير علاء الدين ابن صاحب الموصل واستقر به نائبا، ثم أنه أخذ في أسباب استخلاص البلاد الشامية من أيدي أولاد بني أيوب - وكان غالبها في أيديهم - فمهد البلاد الشامية والحلبية وولى من يختار من عصبته من الأمراء. ثم بعد ذلك قصد التوجه نحو الديار المصرية، فلما خرج من دمشق ووصل إلى قريب من أرض الصالحية، اتفق الأمراء على قتله فكان كما قيل في الأمثال: لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة والعمر مثل الكأس والدهر القدر … والصفو لا بد له من الكدر وكان المشار إليه في ذلك الوقت من الأمراء الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري. فلما وصل السلطان قطز إلى القرين، ركب السلطان في الفضاء، فرأى أرنبا فساق خلفه وساق معه الأمراء - وكان فيهم الأمير بيبرس البندقداري - فلما ساق دنا منه الأمير بيبرس ليقبل يده - وكان السلطان قطز قد أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتر - فظن قطز أنه جاء يقبل يده بسبب ذلك. فلما مد يده إليه قبض عليه وضربه بالسيف، وحمل عليه بقية الأمراء بالسيوف فقتلوه وتركوه ميتا ملقى على الأرض، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصولا إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة بالقوة، فشق ذلك على جماعة من المماليك الأمراء لكون السلطان قطز قتل من غير ذنب، وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في قيامه لدفع التتار عن البلاد الشامية وقد أشرفوا على الدخول إلى الديار المصرية.

стр. 107

وكان قتل الملك المظفر قطز في اليوم الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ودفن هناك في مكان قتله بالقرين، وقيل نقل بعد ذلك ودفن في مدرسته التي بالقرب من زاوية الشيخ خلف، وكانت مدة سلطنته سنة إلا أياما "ثم تولى من بعده الأمير بيبرس البندقداري. - الملك الظاهر هو الملك الظاهر، ركن الدين بيبرس، العلائي، البندقداري الصالحي النجمي، وهو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل الملك المظفر قطز في يوم السبت الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتلقب بالملك القاهر أبي الفتوحات. فلما تلقب بالملك القاهر عز ذلك على جماعة من العلماء، فقال الصاحب زين الدين بن الزبير:" ما تلقب أحد بهذا اللقب فأفلح، ولقد تلقب به جماعة من الملوك فلم تطل أيامهم ". فلما سمع ذلك ترك ذلك اللقب وتلقب بالملك الظاهر بيبرس، وكان أصله تركي الجنس، أخذ من بلاده وهو صغير فبيع لشخص يسمى العماد الضائع، ثم بعده اشتراه منه الأمير علاء الدين ابدكين البندقداري، فلما قبض عليه الملك الصالح نجم الدين أيوب واحتاط على موجوده، أخذ بيبرس من جملة الموجود، ثم أن الملك الصالح أعتقه وجعله من جملة المماليك البحرية. وكان بيبرس هذا شجاعا بطلا، أظهر في يوم وقعة الافرنج التي كانت في المنصورة في أيام الملك المعظم توران شاه من الشجاعة ما لا يسمع بمثله … فلا زالت الاقدار تساعده حتى بقي أتابك العساكر في أول دولة الملك المظفر قطز. فلما قتل قطز بقي بيبرس سلطانا كما تقدم، فلما جلس على مرتبة السلطان قطز قبل له الأمراء الأرض وحلفوا ألا يخونوا لا يغدروا ولا يثبوا عليه، وذلك الحلف على المصحف الشريف. ثم أحضر خلعة وخلع على الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه. فلما تم أمره في السلطنة قصد التوجه نحو الديار المصرية، فدخل القاهرة في الليل، وطلع إلى قلعة الجبل، فلما طلع النهار نادى المنادي في مصر والقاهرة:" ترحموا على الملك المظفر قطز، وادعوا بالنصر للملك الظاهر بيبرس البندقداري".

стр. 108

وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز … فلما تحقق الناس قتل الملك المظفر قطز، حزنوا عليه لأنه قتل من غير موجب، وكانت له الراية البيضاء في قيامه لدفع العدو عن البلاد" وكان التتار قد أشرفوا على الدخول إلى مصر. ثم أن الملك الظاهر بيبرس عمل الموكب بقلعة الجبل، وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكي فارس الدين أقطاي المستعرب واستمر أتايك العساكر كما تقدم، وخلع على الأمير لاجين الدرفيل واستقر به دوادارا كبير، وخلع على الأمير بلباي الرشيدي واستقر به دوادار ثانيا، وخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوري واستقر به أمير أخور كبيرا، وخلع على الأمير أيبك الأفرم الصالحي واستقر به أمير جاندار. وأنعم على الأمير بدر الدين اليسري الشمس بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير بدر الدين بكتوت المعزى الجوكندار بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير عز الدين بيدغان - المعروف بسم الموت - بتقدمة ألف، وأنعم على الأيمر بلبان الهاروني بتقدمة ألف. وخلع على الأمير جمال الدين أقوش النجيبي واستقر به استادار العالية، وخلع على الأمير ركن الدين أياجي، والأمير سيف الدين بكجري واستقر بهما حجابا، ثم فصل الصاحب زين الدين بن الزبير من الوزارة، واستقر بالصاحب بهاء الدين بن حنا وزيرا بالديار المصرية، والصاحب بهاء الدين بن حنا هذا هو الذي بنى مكان الآثار النبوية المطل على بحر النيل، واشترى الآثار الشريفة بجملة كبيرة من المال وأودعها في ذلك المكان الذي أنشأه على بحر النيل، وصارت الناس يقصدون ذلك المكان بسبب الزيارة في كل يوم أربعاء. ثم أن الملك الظاهر بيبرس عمل الموكب، وخلع على مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، واستقر به نائب السلطنة، وفوض اليه جميع أحوال المملكة، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تذكرته أن الأمير بيليك هذا كان أصله من مماليك الظاهر بيبرس، اشتراه صغيرا ورباه من حين كان الملك الظاهر أمير عشرة، واستمر في خدمته إلى أن بقي الملك الظاهر سلطانا فخلع على الأمير بيليك واستقر به نائب السلطنة، وفوض إليه أمور المملكة جميعها، وصار ينفذ الأمور من غير مشورة السلطان. قيل إن التاجر الذي باع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس كان في سعة من المال والتجارة، فدارت عليه الدوائر حتى افتقر وصار من جملة الحرافيش، فلما دخل إلى

стр. 109

القاهرة قال له التجار إن مملوكك بيليك الذي بعته للملك الظاهر بيبرس قد صار عزيز مصر، وأقبلت عليه الدنيا، فلو أنك تدخل إليه وتذكر له حالك وما صرت إليه من الفقر فعسى ينعم عليك بشيء من الدنيا تستعين به على جور الزمان … فكتب قصته ورفعها إلى الأمير بيليك، وكان من مضمون تلك القصة هذان البيتان: قد صرت، من بعد عز، في الهوان وقد … جار الزمان بضيق نلت منه أذى والآن أقبلت الدنيا عليك كما … ترضى: فلا تنسني … إن الكرام إذا فلما قرأها الأمير بيليك قال: "من رفع هذه القصة؟ ". فقيل له: "هذا التاجر الذي باعك للسلطان". .. فلما رآه قام إليه واعتنقه وأجلسه إلى جانبه، فشكا إليه التاجر ما قد جنى عليه الزمان بجوره، فأنعم عليه الأمير بيليك بعشرة آلاف دينار وخلعة وفرس. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر بيبرس. فلما تم أمره في السلطنة رسم بإحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفيين في البلاد، ثم أرسل عدة مكاتبات إلى سائر من في البلاد من النواب وأخبرهم بما قد جدد الله تعالى له من الملك، وطلب منهم بذل الطاعة، فأجابوه بالسمع والطاعة. ثم أن الملك الظاهر لما ثبت في السلطنة أراد أخذ خواطر الرعية بالأفعال المرضية، ليمحو ما جناه من السيئات، وتعود مكانها الحسنات … فأبطل جميع ما كان أحدثه الملك المظفر قطز من أبواب المظالم عند خروجه إلى تجريدة التتار، وكتب به مساميح، وقرئت على منابر مصر والقاهرة، فطابت إليه نفوس الرعية، وضجوا له بالأدعية السنية، فطابت به مصر ورق الهواء، ومشى الذئب والشاة سواء. وفيه يقول بعض الشعراء من أبيات: لم يبق للجور في أيامكم أثر … إلا الذي في عيون الغيد من حور وفي هذه السنة جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام سنجر الحلبي الذي كان الملك المظفر قطز ولاه نيابة الشام قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وجمع أمراء دمشق وقبلوا له الأرض، وركب في دمشق بشعار السلطنة وتلقب بالملك المجاهد، وكتب بذلك إلى سائر أعمال البلاد الشامية، وخطب باسمه على منابر دمشق وأعمالها. وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبي هذا، لما ثقل أمره على الناس في دولة الملك المنصور على ابن أيبك التركماني، قبض عليه الملك المظفر قطز قبل أن يلي السلطنة وسجنه مدة في الاسكندرية، ثم أفرج عنه واستقربه نائب الشام. فما قتل الملك المظفر

стр. 110

قطز وتولى الملك الظاهر بيبرس، كما تقدم، أظهر الأمير سنجر العصيان وتسلطن بالشام. فلما بلغ الظاهر بيبرس ما وقع من الأمير سنجر كتب إليه كتابا يوبخه فيه بقبيح فعله، وأمره بالرجوع عن ذلك، فعادت الأجوبة بالمخالفة وعدم الطاعة، وقد وافقه على العصيان جماعة من النواب، واضطربت أحوال البلاد الشامية والحلبية في أوائل دولة الملك الظاهر بيبرس … منها ما أفسده عسكر هلاكو من نهب البلاد وقتل العباد، ومنها عصيان النواب وسلطنة سنجر، واضطربت أحوال الملك الظاهر في أوائل دولته، ووثب عليه المماليك المعزية، فقبض على جماعة من الأمراء المعزية والمماليك، وقتل منهم جماعة، ونفى منهم جماعة، حتى صفا له الوقت من الكدر وأمن الحذر. سنة تسع وخمسين وستمائة (١٢٦١ م): في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رجب حضر من بغداد إلى الديار المصرية شخص من ذرية بني العباس يقال له الإمام أحمد. وهو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله، ابن الخليفة المستنصر بالله العباسي الهاشمي، فلما بلغ الملك الظاهر قدومه خرج إلى تلقيه. فلما وصل إلى المطرية تلاقى هناك هو والإمام أحمد العباسي، وكان الإمام أحمد هذا أسمر اللون، وأمه أم ولد حبشية، فلما وقعت عين الملك الظاهر عليه نزل عن فرسه، ونزل الإمام أحمد عن فرسه، واعتنقا ثم ركبا ومرا في القاهرة، ودخلا من باب النصر، فزينت له القاهرة، وكان له موكب عظيم ويوم مشهود لم يسمع بمثله. فلما وصلا إلى القلعة طلع الإمام أحمد مع السلطان إلى القلعة، فأنزله السلطان في قاعة الأعمدة، فأقام بها أياما. ثم أن الملك الظاهر قصد أن يثبت نسبا للإمام أحمد بأنه من درية بني العباس، فإن الخلافة كانت شاغرة من حين قتل الخليفة المستعصم بالله في سنة ست وخمسين وستمائة، وكان قدوم الإمام أحمد إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة، فكانت مدة شغور الخلافة نحو أربع سنين إلا أشهرا. فأمر الملك الظاهر بعقد مجلس في قاعة الأعمدة، وجمع القضاة ومشايخ الأولياء وسائر الأمراء وأرباب الدولة، وكان في صدر المجلس المشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام ﵁. فلما تكامل المجلس، تأدب الملك الظاهر مع الإمام أحمد، وجلس بين يديه بغير مرتبة، ثم ان السلطان أمر بإحضار العربان الذين حضروا صحبة الإمام أحمد من بغداد - وكان فيهم طواشي من بغداد - فشهدوا كلهم بين يدي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن بنت الأعز بأن الإمام أحمد هذا هو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله،

стр. 111

المتصل النسب إلى العباس ﵁ … فثبت ذلك على يدي قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وسجله على نفسه وحكم بصحة ذلك. فلما ثبت نسب الإمام أحمد بايعه القضاة بالخلافة ولقبوه بالمستنصر بالله، ثم أن الإمام أحمد بايع الملك الظاهر بيبرس بالسلطنة، وفوض إليه أمر البلاد الإسلامية وما يضاف إليها وما سيفتح عليه من البلاد الكفرية. فلما كان يوم الجمعة أمر السلطان الإمام أحمد بأن يخطب ويصلي بالناس صلاة الجمعة بجامع القلعة، فاجتمع القضاة والعلماء وسائر الأمراء بالجامع، فخطب الإمام أحمد خطبة بليغة، وأثنى فيها على فضل الملك الظاهر الذي رد الخلافة لبني العباس. فلما كان يوم الاثنين رابع شهر شعبان من السنة المذكورة خرج الملك الظاهر إلى نحو أرض المطرية، وضرب هناك خيمة كبيرة، وجلس على كرسي والأمراء بين يديه. ثم أن القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السر الشريف نصب له هناك منبرا وصعد عليه، وقرأ على الأمراء تقليد الخليفة المستنصر بالله للملك الظاهر. فلما فرغ من قراءته أحضروا للسلطان الملك الظاهر خلعة السلطنة، وهي جبة سوداء بطوق ذهب، وعمامة سوداء بعذبة ذهب، وسيف بداوي متقلد به حمائلي. فلما لبس خلعة السلطنة ركب فرسا برز بسرج ذهب وكينوس، ودخل القاهرة من باب النصر، ومر بالمدينة وقد زينت له، وهو لابس شعار السلطنة كما تقدم، والأمراء جميعهم مشاة بين يديه، والصاحب بهاء الدين بن حنا حامل التقليد على رأسه حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله. ثم أن السلطان كتب إلى سائر أعمال مملكته بأخذ البيعة الصحيحة من الخليفة المستنصر بالله أحمد، وهو أول خليفة بايع الملوك الترك بمصر. ثم ان السلطان أخذ في أسباب تجهيز الإمام أحمد وعوده إلى بغداد، فأقام له برك عظيم، وعين معه عسكرا، فكان جملة ما أنفقه الملك الظاهر على تجهيز الإمام أحمد من المال مائة ألف دينار وستين ألف دينار. فلما انتهى شغل الإمام أحمد، ودع السلطان ونزل من القلعة، فنزل السلطان معه إلى المطرية وسائر الأمراء، فودع السلطان الإمام أحمد وعاد إلى القلعة، وسار الإمام أحمد بمن معه من العساكر السلطانية، فلما وصل إلى الفرات بلغ قرابغا أمير التتار الذي استخلفه هلاكو على بغداد مجيء الإمام ومعه عساكر السلطان، فخرج إليه قرابغا في عسكر ثقيل من التتار، فتلاقى العسكران على مكان يسمى الأنبار، فحمل عسكر السلطان على التتار فكسروهم كسرة قوية، وهرب التتار … فلما دخل الليل هجم التتار على عسكر

стр. 112

السلطان فأحاطوا بهم فما نجا منهم إلا من طال عمره، ونهبوا ما كان معهم من سلاح وخيول ومال. وأما الإمام أحمد فلم يعلم له خبر، ولا وقف له على أثر. فمن الناس من يقول أنه قتل تحت الليل وقت الكبسة، ومن الناس من يقول أنه نجا بنفسه وهو مجروح مع طائفة من العرب فأقام عندهم أياما ومات … والله أعلم. وكانت هذه الواقعة في أواخر سنة تسع وخمسين وستمائة. فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى للإمام أحمد، تأسف الملك الظاهر بيبرس على ذلك غاية الأسف، وراح ما صنعه في البارد، فكان كما قال الشاعر في المعنى وأجاد: أنفقت كنز مدائحي في ثغره … وجمعت فيه كل معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك قبلة … فأبى، وراح تغزلي في البارد سنة ستين وستمائة (١٢٦٢ م): فيها جاءت الأخبار بأن شخصا من ذرية بني العباس يقال له الإمام أحمد أيضا قد وصل إلى الديار المصرية، فلما بلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس خرج إلى تلقيه، فلاقاه من الريدانية، وصعد به إلى القلعة وأنزله بالبرج الكبير الذي بالقلعة، وكان هذا الإمام أحمد الثاني مستخفيا عند جماعة من العرب في قرية من أعمال بغداد، فسبقه الإمام أحمد ابن الخليفة الظاهر إلى مصر. فلما قتل الإمام أحمد حضر إلى مصر، فعقد له الملك الظاهر مجلسا ثانيا، وجمع فيه القضاة، وفعل به كما فعل أولا. وكان قد حضر معه الأمير عيسى بن مهنا وجماعة كثيرة من العربان، فشهدوا بين يدي قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز بأن هذا الإمام أحمد هو ابن علي، بن أبي بكر، ابن الخليفة المسترشد، ابن الخليفة المستظهر، ابن الخليفة المقتدى، ابن محمد الذخيرة العباسي الهاشمي … فثبت ذلك على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وحكم بصحة ذلك. ثم أن القضاة بايعوا الإمام أحمد بالخلافة ولقبوه بالحاكم بأمر الله، وثبت نسبه، وتولى في ذلك المجلس الخلافة. ثم أن الإمام أحمد بايع الملك الظاهر بالسلطنة ثانيا، وبايع أعيان الدولة على قدر طبقاتهم، ثم أمر السلطان بأن يخطب باسم الخليفة واسمه على منابر مصر وأعمالها،

стр. 113

وينقش على الدنانير والدراهم اسماهما، وأن يقدم اسم الخليفة في الدعاء يوم الجمعة على المنابر قبل اسمه. ثم أنه أسكن الإمام أحمد في مناظر الكبش التي أنشأها الأمير أحمد بن طولون، وكانت مناظر الكبش مطلة على بحر النيل. ورتب له ما يكفيه في كل يوم هو وعياله، وأمره بأن يصعد إلى القلعة في أول كل شهر ويهني السلطان بالشهر … فهو أول خلفاء بني العباس بمصر، فهذا كان سبب نقل الخلافة من بغداد إلى مصر على يد الملك الظاهر بيبرس، وهذا من جملة فضائله. وقد ورد في بعض الأخبار أن الخلافة لا تزال في بني العباس حتى نزل عيسى بن مريم ﵇ فتنقطع بعد ذلك، قال بعض الشعراء في حق الملك الظاهر بيبرس: يا أسد الترك، ويا ركنهم … ويا آخذ الثأر بعد المخافه كسرت الطغاة، جبرت العفاة … قطعت الفرات، وصلت الخلافة ثم ان الملك الظاهر - لما استقرت الخلافة بمصر - جعل لكل مذهب من المذاهب قاضيا كبيرا وتحت يده نواب، وكان قبل ذلك في الدول المتقدمة قاض فرد كبير شافعي. وفكان يولي من تحت يده نوابا من المذاهب الثلاثة. وآخر من كان يفعل ذلك قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي، فأبطل ذلك الملك الظاهر بيبرس، وقرر لكل مذهب قاضيا كبيرا ويولي من تحت يده نوابا، فهو أول من قرر القضاة أربعة، وجعل لمصر نوابا وحدها، وللقاهرة نوابا وحدها، وكان ذلك في أواخر سنة ستين وستمائة. سنة إحدى وستين وستمائة (١٢٦٣): فيها رتب السلطان لعب القبق. وفيها وقع الغلاء بمصر، وشح النيل حتى عدمت الأقوات، فأمر السلطان بجمع الحرافيش كلهم - وكانوا نحو ألفي حرفوش - ففرقهم على الأمراء، وأخذ لنفسه منهم جانبا، وأضاف لولده الملك السعيد منهم جانبا، وأضاف إلى الأمير بيليك نائب السلطنة منهم جانبا، ورسم لكل واحد منهم في كل يوم برطل خبز ونصف رطل لحم، وأمرهم ألا يسألوا بعد ذلك أحدا من الناس. وفيها كانت وفاة الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الحموي شيخ الشيوخ بحماة، وكان مولده في سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة احدى وستين وستمائة،

стр. 114

فكانت مدة حياته خمسا وسبعين سنة. وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله في الغزل: سبحان مورثه من حسن يوسف ما … لم يبق في الحجر لي والصبر من حصص أقام للشعراء العذر عارضه … فكم لهم في دبيب النمل من قصص سنة اثنتين وستين وستمائة (١٢٦٤): وفيها حضر إلى الملك الظاهر بيبرس جماعة من ملوك الشرق يهنئونه بالسلطنة، فمنهم الملك الصالح اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وأخوه الملك المجاهد سيف الدين اسحق صاحب الجزيرة، وأخوه الملك المظفر … فلما قدموا على الملك الظاهر أكرمهم وأقرهم على ما بأيديهم من الممالك التي في الشرق. وفيها ختن السلطان ولده الملك السعيد محمدا، ورسم للأمراء والجند وبقية الرعية أن كل من كان له ولد فليطلع به إلى القلعة حتى يختتن مع ابن السلطان … فأحضر الناس أولادهم فبلغ عددهم نحو ألف وستمائة وخمسة وأربعين ولدا، خارجا عن أولاد الأمراء والأعيان، فرسم لكل واحد منهم بكسوة على قدر مقام أبيه. وأما أولاد الحرافيش فرسم لكل واحد منهم بكسوة، ومائة درهم، ورأس غنم، واستمر المهم عمالا في القلعة سبعة أيام. سنة أربع وستين وستمائة (١٢٦٦ م): فيها سافر السلطان إلى الشام، وتوجه من هناك إلى صفد فافتتحها، وعمر بها البرج الكبير، ورجع إلى الديار المصرية. وفيها أخرج السلطان تجريدة إلى مدينة سيس، وكان باش العساكر الأمير عز الدين بيدغان المعروف بسم الموت، والأمير قلاون الألفي، وجماعة من الأمراء والمماليك السلطانية … فخرجوا من القاهرة في موكب عظيم وتوجهوا إلى نحو بلاد الشمال. فلما وصلوا إلى مدينة سيس وحاصروها أعلن أهلها بالأمان، ثم توجهوا إلى قلعة اياس ففتحوا عدة قلاع كانت بيد الأرمن، ثم رجع الأمراء إلى الديار المصرية وهم في غاية النصر بهذه الفتوحات العظيمة التي فتحت على أيديهم وقد هنأ بهذه الأبيات بعض الشعراء الأمير بيدغان عند عوده:

стр. 115

بقيت مدى الدنيا جمالا لدولة … لها منك سهم في اللقا ورسيس تسوق لها عز الفتوح جنائبا … وأول هاتيك الجنائب سيس سنة خمس وستين وستمائة (١٢٦٧ م): فيها أبطل السلطان ضمان الحشيشة، وأمر بإحراقها، وأخرب بيوت المسكرات وكسر ما فيها من الخمور وأراقها، ومنها الخانات من الخواطى … وعم هذا الأمر سائر الجهات المصرية، وبرزت المراسيم الشريفة بمنع ذلك من سائر الجهات الشامية، فطهرت في أيامه سائر البقاع، ومنع الناس من ذلك غاية الامتناع. ثم أحضروا إليه في أثناء هذه الواقعة شخصا يسمى ابن الكازروني، وهو سكران، فأمر بصلبه فصلب بعد حد عظيم في مستحقه، وعلقت الجرة والقدح في عنقه، فلما عاين أرباب المجون والخلاعة ما جرى لابن الكازروني امتثلوا أمر السلطان بالسمع والطاعة، وقد قال القائل: لقد كان حد السكر من قبل صلبه … خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي: … ألا تب، فإن الحد قد جاوز الحدا قال الشيخ شمس الدين بن دانيال، صاحب كتاب طيف الخيال: "لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية، في الدولة الظاهرية، سقى الله من سحب الأنعام عهدها، وأعذب مشارب وردها، فوجدت مواطن الأنس دارسة، وأرباب اللهو والخلاعة غير آنسة، ومن لذة العيش آيسة. وهزم أمر السلطان، جيش الشيطان، وتولى الخوان وإلى القاهرة أهراق الخمور، واحراق الحشيش وتبديد المزور … وشاعت بذلك الأخبار، ووقع الانكار، واختفى المسطول في الدار، وقد آذى الخلاعة غاية الأذية، وصلب ابن الكازروني وفي رقبته نباذية … فدعاني بعض أصدقائي إلى محله، وأنزلني من عياله وأهله. واعتذر إلي عن تقصيره في الاكرام، إذ لم يأتني بمدام. وقال قد غلب على ظني أن أبا مرة (١) قد مات، وعد من الرفات … فقم بنا نبكيه، ونصف الحالة ونرثيه. فابتدأت وقلت، في معنى هذه الواقعة التي وقعت:

стр. 116

مات يا قوم شيخنا ابليس … وخلا منه ربعه المأنوس ونعاني حدسى به إذ توفى … ولعمري مماته محدوس هو لو لم يكن كما قلت ميتا … لم يغير لأمره ناموس أين عيناه تنظر الخمر، اذ عط … - ل منها الراووق والمحريس؟ ومواعينها تكسرن، والخم … - ار من بعد كسرها محبوس ***** أين عيناه تنظر المزر قد أو … حش منه الماجور والقادوس؟ وعجين البقول قد بددوه … وهو بالترب خلطه مبسوس والقناني مكسرات كما قد … كسرت في دجى الليالي الكئوس وذوو القصف ذاهلون، وقد كا … دت على سيلها تسيل النفوس وفتى قائل: لقد هان عندي … بعد هذا في شربها التجريس كم خليع يقول: ذا اليوم يوم … - مثل ما قيل - قمطرير عبوس! ارحلوا هذه بلاد عفاف … وسعود الخلاع فيها نحوس من لنا بعد ذلك الشيخ الف … وسمير ومؤنس وأنيس لا ترى بعده فتى ضاحك الس

стр. 117

… - ن وكل يبدو له تعبيس فسأبكيه أرمد العين حتى … لشفائي يعيش جالينوس قال ابراهيم المعمار: لما وقفت على قصيدة الشيخ شمس الدين بن دانيال قلت: لو أني أدركت ذلك الزمان لرثيت الخلاعة والمجون، بهذا الزجل المصون: منعونا ماء العنب ياسين … رب سلم لم يمنعونا التين هات قل لي إذا منعنا الراح … وحرمنا من الوجوه الصباح بيش نبقى نستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش مسكين ***** على ماء ذا العنب بكى الراووق … والشمع صار بعبرتو مخنوق والوتر بات من الغروب للشروق … من أنينه تسمع له في الليل حنين ***** ولقد هان حضرة المحضر … وتلون ذا الزهر وتغير وبغيظه ريحاننا انتصر … وعلى وجهه صلب اليسمين ***** والندامى جميعهم في شتات … حزنوا كأن مات لهم أصوات هذا قاعد يبكي على ما فات … وذا يندب وذا الآخر حزين *****

стр. 118

ولي صاحب زمان معي كان طبيب … جانى وقال لي مشتاق أنا يا أديب لجريره لو أنها من زبيب … أرى قلبي يرتاح لهذا الحين ***** فقصدنا" المنية "إلى" شبرا … ما لقينا رحنا "طنان" لخرا وفي "قليوب" قالوا ولا نظرا … درنا من "مرصفا" إلى "شبين" ***** وصعدنا قبلي ذا البلدان … ونبشنا "طموه" لدير شعران " ما أمر الطريق إلى" حلوان " … أخرب الله" طره "على" التبيّن " ***** قد تعبنا مما نجد السير … ولا أصبنا في ذا السفر من خير جئنا عند المسا لواحد دير … فوقفنا نزعق للشيخ أبو مرتين ***** ونقول له: يا أبونا قد جئناك … عسى جره بحياة رهابيناك ويميتك ربي على ديناك … وانا ندري أنه أحسن دين ***** لانا نضحك عليه ونتهزر … حتى لا يكبح ويتخنزر

стр. 119

ووهبناه من بيننا منزر … ووقفنا نخاطبه باللين ***** فدخل غاب زمان ونحن وقوف … وأنتو تدروا ايش وقفة الملهوف وانا ندعو ذاك الدعا الموصوف … انه يفتح وأخي يقول آمين ***** بعد ساعة الا وهو قد رد … جا يقول: بالله رآكم حد؟ ونصيب من وراه شيخ يرعد … ومعه جرة اذ يصيح يا أسين ***** كم ندور فما لقيت عندي … الا هذه وأظنها دردي قمت متمدد من الفرح يدي … ونصيح له من الظمأ أروين ***** أخذت نسكب منها قنينة … جبتها كالمسك رقتينة سودا ملانه للطينة … قلت معمار دى نحسه للطين ***** فرجعنا ايش رجعة المكسور … قلت كيف العمل فقال ندور في المقيلات وتقتنع بالمزور … ولا نرجع من ذا السفر متخيبين *****

стр. 120

حين قطعنا الاياس من الخمار … جئنا نسعى له أشن المزار قال نشرب ما عجين فقلت فشار … فماذا الكعك أصل من ذا العجين ***** وأنا مالي عنه سوى ابن الكروم … والشراب المعتق المعلوم تتبعه لو يصير بأقصى الروم … ولو أنا ندخل لقسطنطين ***** ولا نهوى إلا الشراب القديم … ومعشوق جديد يكون لي نديم ننفق المال على ايش يسمى عديم … وأنا ممكن في غاية التمكين ***** أرخوا بالله توبة المعمار … واكتبوها بالتبر طول أعمار قولوا من هجرة النبي المختار … سبعمائة سنة خمس وأربعين ***** انتهى ما أوردناه مما قالت الشعراء في هذه الواقعة، ومن هنا نرجع إلى أخبار التاريخ. سنة ست وستين وستمائة (١٢٦٨ م): فيها توجه السلطان نحو الشام، وحاصر مدينة انطاكية، ففتحها في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة، ثم توجه إلى بغراس ففتحها ورجع إلى الديار المصرية وهو في غاية النصرة وزينت له القاهرة.

стр. 121

سنة سبع وستين وستمائة (١٢٦٩ م): فيها حج السلطان إلى بيت الله الحرام، فخرج من القاهرة في ثالث شوال، وتوجه إلى غزة، فأخذ الاقامات التي كان عباها له نائب الشام، ثم توجه من غزة إلى الكرك، ثم توجه من الكرك إلى المدينة الشريفة، فزار قبر النبي ﷺ ، ثم توجه من هناك إلى مكة فدخلها في خامس ذي الحجة. وكان في تلك السنة الوقفة يوم الجمعة، وكان ولد السلطان السعيد محمد توجه صحبة المحمل بالحاج المصري، فلما قضى حجه رجع إلى الشام ورجع ابنه الملك السعيد صحبة المحمل مع الركب المصري. سنة ثمان وستين وستمائة (١٢٧٠ م): فيها رجع السلطان إلى القاهرة وأقام بها إلى شهر شعبان، ثم توجه إلى زيارة بيت المقدس والخليل ﵇، فزارهما ورجع إلى الديار المصرية. سنة تسع وستين وستمائة (١٢٧٠ م): فيها أرسل صاحب طرابلس تقدمة عظيمة للسلطان، وأظهر الطاعة، فقبلها السلطان وأقره على ما كان بيده من البلاد. وفي هذه السنة رتب السلطان خيل البريد، بسبب سرعة أخبار البلاد الشامية، فكانت أخبار البلاد الشامية ترد عليه في الجمعة مرتين، وقيل أنه أنفق على ذلك جملة مال حتى تم له ترتيب ذلك، وكان خيل البريد عبارة عن مراكز بين القاهرة ودمشق، وفيها عدة خيول جيدة، وعندها رجال يعرفون بالسواقين، ولا يقدر أحد يركب من خيل البريد إلا بمرسوم سلطاني، وكان عند كل مركز ما يحتاج إليه المسافرون من زاد وعلف وغير ذلك … وهذا كله لأجل سرعة مجيء أخبار البلاد الشامية وغيرها من البلاد. وقيل إن الملك الظاهر بيبرس هذا كان يعمل موكبا بمصر وموكبا بالشام، وكانت خيل البريد مرصودة بسبب ذلك، حتى لقد قال القائل في المعنى: يوما بمصر، ويوما بالشام، ويو … ما بالفرات، ويوما في قرى حلب واستمر هذا الأمر باقيا بعد الملك الظاهر بيبرس مدة طويلة، ثم تلاشى أمره قليلا قليلا حتى بطل في دولة الملك الناصر فرج بن برقوق عندما قدم تيمور لنك إلى الشام وأخرب البلاد الشامية، وذلك في سنة ثلاث وثمانمائة … فعند ذلك بطل أمر خيل البريد مع جملة ما بطل من شعائر مملكة الديار المصرية.

стр. 122

سنة سبعين وستمائة (١٢٧١ م): فيها جاءت الأخبار بأن التتار قد تحركوا على البلاد ووصلوا إلى الفرات، وملكوا البيرة، فخرج إليهم السلطان ومعه سائر الأمراء، وكان جاليش العسكر الأمير قلاون الألفي والأمير بيسري … فتلاقوا مع التتار على الفرات، فكان بينهم وقعة عظيمة، فقتل منهم ما لا يحصى عدده، وأسر منهم جماعة كثيرة. فلما دخل السلطان إلى البيرة خلع على نائبها وأقره على حاله، وفرق جملة من المال على من بها من الرعية لأنهم قاتلوا التتار قتال الموت حتى كسروهم كسرة قوية، فأقام السلطان في البيرة أياما ثم رجع إلى الشام، فأقام بها شهرا ثم توجه إلى الديار المصرية فدخلها في موكب عظيم، وزينت له وحملت القبة والطير على رأسه. سنة احدى وسبعين وستمائة (١٢٧٢ م): فيها هجم الوباء على الديار المصرية، ومات في تلك السنة ما لا يحصى من الخلائق من نساء ورجال وأطفال وعبيد وجوار، وأقام نحو ستة أشهر. سنة اثنين وسبعين وستمائة (١٢٧٣ م): فيها كان النيل شحيحا، ووقع الغلاء وقلت الغلال في سائر أعمال الديار المصرية. وفي هذه السنة توفي الشيخ عبد العظيم ابن الجزار الشاعر، وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، وكان مولده في سنة احدى وستمائة، ووفاته في سنة اثنتين وسبعين وستمائة، فكانت مدة حياته احدى وسبعين سنة. وعاصر الشيخ اثير الدين أبا حيان المغربي، والشيخ قطب الدين القسطلاني، وغيرهما من العلماء. ومن شعره الرقيق قوله في نفسه: من منصفي من معشر … كثروا علي واكثروا صادقتهم، وأرى الخرو … ج من الصداقة يعسر كالخط يسهل في السطو … ر ومحوه يتعذر وإذا أردت كشطته … لكن ذاك يؤثر

стр. 123

سنة ثلاث وسبعين وستمائة (١٢٧٤ م): فيها زوج السلطان ولده الملك السعيد محمد ببنت الأمير سيف الدين قلاون الألفي، وكان له مهم عظيم أقام سبعة أيام بالقلعة، وكان يظن أنه إذا زوج ابنه ببنت الأمير قلاون الألفي يكون له من بعده عونا على تقلب الزمان، فجاء الأمر بخلاف ذلك، فسطا الزمان عليه وأخذه من الجانب الذي يركن إليه. سنة أربع وسبعين وستمائة (١٢٧٥ م): فيها جرد السلطان إلى نحو بلاد النوبة. وسبب ذلك أن ملك النوبة دخل مدينة أسوان ونهب ما فيها وأحرقها، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني استادار العالية، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، وجماعة من الأمراء العشراوات والمماليك السلطانية … فلما وصلوا إلى النوبة تقاتلوا مع ملك النوبة على أسوان، فانكسر ملك النوبة وهرب، وقتل من عسكره جماعة كثيرة، وأمسك أخوه وأولاده وأقاربه، وغنم منهم عسكر السلطان غنائم كثيرة من جوار وعبيد وخيول وغير ذلك. سنة خمس وسبعين وستمائة (١٢٧٦ م): فيها جاءت الأخبار بأن التتار زحفوا على البلاد، فخرج إليهم السلطان وتوجه إلى حلب وتقاتل مع التتار فكسرهم وقتل منهم خلائق لا تحصى، وكان ملك التتار يقال له ابغا. فلما انكسر ملك التتار هرب فتبعه السلطان إلى نحو الابلستين، فكانت بينهما هناك وقعة عظيمة قتل من الفريقين نحو مائة ألف انسان، فانكسر ابغا ملك التتار وهرب فتبعه السلطان إلى نحو زبيد، ثم رجع من هناك السلطان إلى قيسارية وحاصر أهلها، فأرسلوا يطلبون من السلطان الأمان، فأرسل لهم الأمان على يد الأمير بيسري، فسلموا المدينة فدخلها السلطان. وكان يوم دخوله إلى المدينة يوما مشهودا، فنزل بدار السلطنة وصلى بها ركعتين، وحكم بين الناس، وأقام بها أياما ثم رحل وتوجه إلى دمشق. سنة ست وسبعين وستمائة (١٢٧٧ م): فيها دخل السلطان إلى حلب، فتوعك جسده وأخذته الحمى وسلسل في المرض، فأسقاه الحكماء دواء مسهلا، فأفرط في الاسهال وثقل في المرض، فرحل من حلب وقصد الدخول إلى دمشق، فمات في بعض ضياع دمشق. فلما مات كتم موته عن العسكر، وحمل في محفة إلى أن دخل دمشق فدفن هناك ليلا، وكان موته في يوم الخميس ثامن عشرى شهر الله المحرم سنة ست وسبعين وستمائة. ومات وله من العمر نحو ستين سنة.

стр. 124

وكان ملكا عظيما جليلا مهيبا، كثير الغزوات، خفيف الركاب، يحب السفر والحركة في الشتاء والصيف. وكان مشهورا بالفروسية في الحرب، وله اقدام وعزم وقت القتال، وله ثبات عند التقاء الجيوش في الحرب، وكان يلقب بأبي الفتوحات لكثرة الفتوحات في أيامه، وكان له موكب بمصر وموكب بالشام كما تقدم ذلك عند خيل البريد. وكان رنكه سبع … إشارة لشجاعته وقوة بأسه. وكان كريما سخيا على الرعية، باسط اليد، يفرق الغنائم التي تحصل من الفتوحات على الرعية حتى يرغبهم في القتال وقت الحرب. وكان محبا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعية لأجل الغزوات والتجاريد، وينفق ذلك على العسكر. وكان مهيب الشكل، حسن الوجه، طويل القامة، مستدير اللحية، الغالب في لحيته البياض. وكان مبجلا في موكبه، كفؤا للسلطنة، منقادا للشريعة، يحب العلماء والصالحين، ويحب فعل الخير، وله بر ومعروف وآثار، ولا سيما رده الخلافة لبني العباس بعدما كادت أن تنقطع عنهم، فردها لهم كما تقدم ذلك. وقد أنفق على ذلك جملة مال حتى صارت الخلافة بمصر. وكان خيار ملوك الترك بمصر وفي ذلك أقول: تاريخه في الملوك أضحى … يحير العرب والأعاجم فاكتبه بالتبر لا بحبر … وانسب لأفعاله العظائم اختاره الله من أمام … لقمع أهل الفساد صارم قد أظهر العدل في الرعايا … وأبطل الجور والمظالم له بقلب الملوك رعب … أغنى عن السمر والصوارم فالله يرحمه كل حين … ما دام هذا الوجود قائم قيل لما توفي الملك الظاهر بيبرس كتم الأمير بيليك، نائب السلطنة، موته خوفا من التتار لئلا يرجعوا إلى البلاد، ثم احتاط على خزائن المال والبرك السلطاني، وقصد التوجه إلى الديار المصرية، فكانت المحفة تمشي في الموكب وقدامها الجنائب وهو يظهر أن السلطان مريض. ورتب حضور الأطباء على العادة، فكان لا أحد يجسر أن يقرب إلى

стр. 125

المحفة. واستمر الأمر على ذلك حتى دخل إلى مصر القاهرة، وطلع قلعة الجبل … فعند ذلك أشيع موت السلطان وتسلطن ولده الملك السعيد. وقد رثاه القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف بهذه الأبيات: الله أكبر، انها لمصيبة … منها الرواسي، خيفة، تتقلقل لهفي على الملك الذي كانت به الدن … يا تطيب … فكل قفر منزل! الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول لهفي على آرائه تلك التي … مثل السهام إلى المصالح ترسل ما للرمال تخولتها رعدة … لكنها، اذ ليس تعقل، تعقل لهفي على تلك العزائم كيف قد … غفلت … وكانت قبل ذا لا تغفل سهم أصاب وما رمى من قبله … سهم له في كل قلب مقتل أنا ان بكيت دما فعذرى واضح … ولئن صبرت فإنني أتمثل خلف الشهيد لنا السعيد فأدمع … منهلة في أوجه تتهلل وكانت مدة سلطنة الملك الظاهر بيبرس بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف شهر. ولما مات خلف من الأولاد عشرة: ثلاثة ذكور، وهم الملك السعيد محمد، والملك العادل سلامش، وسيدي خضر ولكنه لم يتسلطن. وخلف من البنات سبعا. وأما فتوحاته التي افتتحها في أيامه فهي قيسارية وأرسوف وصفد وطبريا ويافا والشقيف وانطاكية وبغراس والقصير وحسن الأكراد والقرين وحصن عكا وصافيثا والمرقبة وحلب وبانياس وطرسوس، وكانت هذه البلاد بأيدي الافرنج.

стр. 126

وأما ما فتحه من بلاد الشرق فهي مدينة سيس، أخذها بالأمان، ودركوش وتلميش وكفر دنين ورعيان ومرزبان وكينوك وأدنة والمصيصة. وأما الذي صار إليه من بلاد المسلمين فهي دمشق وبعلبك وقلعة الصيبة وقلعة شيزر وعجلون وبصري وصرخد والصلت وحمص وتدمر والرحبة وتل باشر وصهيون وقلعة الكهف والقدموس والخوابي والكرك والشوبك وبيت المقدس ومدينة الخليل ﵇. وأما ما افتتحه من بلاد السودان فهي النوبة وأعمالها، وافتتح قلعة العميدين من أعمال برقة، وافتتح عدة جزائر من أعلى الجنادل. وأما ما أنشأه من العمائر في البلاد فهو ما جدده في الحرم الشريف النبوي، وجدد عمارة قبة الصخرة ببيت المقدس، وزاد في أوقاف الخليل ﵇. وأما ما أنشأه بالديار المصرية وأعمالها، فمن ذلك قناطر شبر امنت بالجيزة، وعمر سور مدينة الاسكندرية، وجدد بناء المنار الذي بها، وعمر منارا بثغر رشيد، وردم فم بحر دمياط بالقرابيص حتى لا تدخل اليه مراكب الافرنج، وعمر الشواني وأعادها إلى ما كانت عليه بالصناعة، وحفر بحر أشموم طناح، وعمر القلاع التي ببلاد الشرق التي كان هلاكو ملك التتار قد أخربها، وعمر مدرسة بدمشق. وأما ما أنشأه في القاهرة من العمائر فهي المدرسة التي بين القصرين بجانب المدرسة الصالحية، وعمر الجامع الكبير الذي في زقاق الصالحية، وعمر الجامع الكبير الذي في زقاق الكحل خارج الحسينية وأنفق عليه جملة مال من وجه حل من الغنائم التي كانت تفتح عليه من بلاد الافرنج وغيرها من البلاد - وكان هذا الجامع ساحة يلعب فيها المماليك القبق - وجدد عمارة الجامع الأزهر، وأعاد فيه الخطبة بعد ما أقام وهو خراب من أيام الحاكم بأمر الله، وعمر القصر الأبلق بدمشق، وعمر خانا بالقدس الشريف، وجدد حفر خليج الاسكندرية وباشر حفره بنفسه، وأنشأ ضيعة على فم وادي العباسية وسماها الظاهرية. وأخبار الملك بيبرس كثيرة في عدة مجلدات، ولكن الذي ذكرناه هنا من أخباره هو الصحيح. وغالب أخباره فيها الزيادة والنقصان وهي موضوعة. ومن انشائه بالديار المصرية القناطر التي على بحر أبي المنجى شعيا، ومن انشائه قناطر السباع التي بالقرب من ميدان الجبل، ومن انشائه البرج الكبير الذي بقلعة الجبل عند ظريب التبر. قال الشيخ شمس الدين بن الوردي في ذلك: الملك الظاهر أخباره تشنف الراحل والقاطن تأملوا آثاره وانظروا ما فعل الظاهر بالباطن.

стр. 127

وأما من توفي في أيامه من أيان العلماء فهم: شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁ من أكابر علماء الشافعية، وكان يلقب في أيامه بسلطان العلماء، وكانت له كرامات خارقة، ودفن بالقرافة الصغرى، وتوفي الإمام أبو شامة وكان من كبار العلماء، وتوفي قاضي القضاة الشافعي ابن بنت الأعز، وتوفي الشيخ أبو الحسن ابن بنت الأعز، وتوفي الشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد والد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وتوفي القرطبي صاحب التذكرة، وتوفي الشيخ ناصر الدين الطوسي، وتوفي اللورقي وكان من كبار العلماء، وتوفي غير هؤلاء من العلماء والأعيان جماعة كثيرة. - الملك السّعيد هو الملك السعيد أبو المعالي محمد، بركة خان، ابن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البندقداري الصالحي النجمي، وهو الخامس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الظاهر. وكان مولده في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة (١٢٦٠ م) وإنما سمي بركة خان على اسم جده لأبيه. فلما تسلطن وجلس على سرير الملك كان القائم بتدبير دولته الأمير بدر الدين بيليك الخازندار نائب السلطنة، فحلف الأمراء، وتم أمره في السلطنة، ومشى على نظام أبيه، واستمر على ذلك مدة يسيرة. ثم أن الأمير بيليك نائب السلطنة مرض وسلسل في المرض حتى مات … وكان أميرا دينا خيرا كثير البر للفقراء والمساكين. فلما مات كثر عليه الحزن والأسف. فلما انقضت أيامه طاش الملك السعيد واستبد برأيه، فقبض على جماعة من أمراء والده، وهم الأمير سنقر الأشقر والأمير بيسري، وكانا جناحى والده. ثم استقر بالأمير آق سنقر الفارقاني نائب السلطنة عوضا عن الأمير بيليك، فأقام في نيابة السلطنة مدة يسيرة، ثم قبض عليه، وسجنه بثغر الاسكندرية، ثم أرسل بخنقه فخنق ودفن في السجن. ثم أن الملك السعيد استقر بالأمير كوندك نائب السلطنة عوضا عن الأمير آق سنقر الفارقاني. سنة سبع وسبعين وستمائة (١٢٧٨ م): فيها جاءت الأخبار بأن نائب الشام خامر وخرج عن الطاعة، فجرد إليه الملك السعيد وخرج بنفسه. فلما دخل إلى الشام نزل بالقصر الأبلق الذي أنشأه والده بدمشق فخامر

стр. 128

عليه هناك جماعة من الأمراء - وقد بلغهم عنه أنه يريد قبض جماعة منهم - فلما تحققوا ذلك خرجوا من دمشق وتوجهوا إلى المرج الأصفر وأقاموا هناك. فلما بلغ الملك السعيد ذلك أرسل إليهم بعض الأمراء ليمشي بينهم وبين السلطان بالصلح، فأبوا عن ذلك وانفصل المجلس وكلهم مانع. فلما عاد الجواب بالمنع ركبت خوند أم الملك السعيد - وكانت سافرت مع ولدها الملك السعيد إلى الشام - فلما تغير خاطر الأمراء على السلطان ركبت خوند بنفسها وتوجهت إليهم في مكان يسمى الكسوة خارج دمشق، فلما اجتمعت بهم مشت بينهم بالصلح فأبوا من ذلك، فرجعت من عندهم والمجلس مانع. ثم أن الأمراء الذين خامروا قصدوا أن يتوجهوا نحو الديار المصرية، فلما بلغ الملك السعيد ذلك رحل من دمشق، وأخذ من بقي معه من العسكر والأمراء وقصدوا التوجه إلى القاهرة، فجمع معه من عربان جبل نابلس جماعة كثيرة، والتف عليهم جماعة من عسكر دمشق ومن عسكر صفد ومن عسكر طرابلس. فلما وصل إلى غزة أنفق عليهم الأموال، فأخذوا منه النفقة، وتسحب من عنده العربان وعسكر دمشق وطرابلس، ولم يبق معه من العسكر المصري إلا القليل. فلما خرج من غزة جد في السير حتى دخل المطرية. فلما بلغ الأمراء الذين كانوا بمصر مجيء السلطان على حين غفلة خرجوا إليه على حمية، وكان من لطف الله تعالى في ذلك اليوم ضباب عظيم، فستر الله الملك السعيد حتى طلع القلعة ونجا بنفسه. فلما بلغ الأمراء أن السلطان طلع القلعة رجعوا من المطرية وحاصروا السلطان وهو بالقلعة. فلما رأى من كان حول السلطان أن حاله قد تلاشى صاروا يتسحبون من القلعة وينزلون إلى الأمراء الذين في الرميلة. واستمر الحرب سائرا بين الأمراء وبين الملك السعيد سبعة أيام، فلما رأى الملك السعيد عين الغلب أرسل إلى الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، فمشى بينه وبين الأمراء وقال: "ايش آخر هذا الحال؟ وما قصدكم؟ " فقالوا قصدنا يخلع نفسه من السلطنة ويمضي إلى الكرك ويقيم بها. فرجع الخليفة إلى السلطان وأخبره بذلك … فخلع نفسه من الملك، وشهد عليه القضاة بالخلع وخرج إلى الكرك من وقته. وكان للتسفر عليه الأمير بيدغان الركني المعروف بسم الموت. وكانت مدة سلطنة الملك السعيد بالديار المصرية سنتين وشهرا وأياما، وهو صاحب الحمام التي بالقرب من سوق الغنم.

стр. 129

سنة ثمان وسبعين وستمائة (٢١٧٩ م): فيها جاءت الأخبار بأن الملك السعيد قد توفي إلى رحمة الله تعالى، وكان سبب موته أنه لعب بالكرة في ميدان قلعة الكرك، فتقنطر به الفرس، فانكسر ضلعه فمات من يومه. وكانت وفاته في أول هذه السنة، ثم دفن هناك، وقيل نقل بعد ذلك إلى دمشق، ودفن على أبيه الملك الظاهر بيبرس. وكان الملك السعيد شابا جميل الصورة، حسن الشكل، كريما على الرعية. ولما خلع الملك السعيد من السلطنة تولى بعده أخوه سلامش. - الملك العادل هو الملك العادل سيف الدين سلامش، ابن الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وهو السادس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الملك السعيد، وكان له من العمر لما تسلطن سبع سنين ونصف، وكان يعرف بابن البدوية. وكان جلوسه على سرير الملك في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة، وكان القائم بتدبير مملكته قلاون الألفي وكان يخطب له وللعادل سلامش على منابر مصر وأعمالها، وضربت السكة باسمهما، وكان في الحقيقة قلاون هو السلطان، والسلطان ليس له الا مجرد الاسم، والأمر كله لقلاون. وكان الأمير بيسري يشارك قلاون في أمور السلطنة، ولكن كان الأمير بيسري مغرما بحب الصيد والخروج إلى السرحات، وكان الأتابكي قلاون يمهد لنفسه في الباطن، وأرسل بعزل النواب عن البلاد الشامية، وولى من يثق به من خشداشينه، ثم أنه قبض على جماعة من الأمراء الظاهرية وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية. فلم صفا له الوقت خلع الملك العادل سلامش من السلطنة، وأرسله إلى قلعة الكرك، وأرسل معه أخاه سيدي خضرا فأقاما في الكرك مدة ثم نقلهما الملك الأشرف خليل بن قلاون إلى القسطنطينية فكانت مدة سلطنة الملك العادل سلامش بالديار المصرية خمسة أشهر وأياما. ولما خلع سلامش من السلطنة تولى من بعده قلاون. - الملك المنصور قلاون هو الملك المنصور سيف الدين قلاون، أبو المعالي الألفي، الصالحي النجمي، وهو السابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد خلع الملك العادل سلامش

стр. 130

في يوم الأحد ثاني عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة، وتلقب بالملك المنصور، وجلس على سرير الملك في اليوم المذكور. وكان أصله من مماليك آق سنقر الكاملي، ثم قدمه إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب المدرسة الصالحية، فأعتقه في أثناء سنة سبع وأربعين وستمائة، فلما تم أمره في السلطنة أنعم على جماعة من خشداشينه بتقادم ألوف - وهم: طرنطاي، وكتبغا، ولاجين، وقفجق، والشجاعي، وأيبك الخازندار، وطقصو، وطغريل الايغاني، وبلبان الطباخ، وأقوش الموصلي، وسنقر جركس وازدمر العلائي، وقلجق وايدمر الطباخ، وقيران الشهابي، ومحمد الكوراني، وابراهيم الجاكي - ثم أمر بالافرانج عن جماعة من الأمراء الذين كانوا في السجن بثغر الاسكندرية، منهم الأمير أيبك الأفرم، فخلع عليه واستقر به نائب السلطنة وأقام في النيابة مدة يسيرة، ثم استعفى من ذلك فأعفاه السلطان ورتب له ما يكفيه، ولزم بيته. ثم أن السلطان خلع على مملوكه طرنطاي واستقر به نائب السلطنة عوضا عن أيبك الأفرم، وخلع على الأمير سنقر الأشقر واستقر به نائب الشام. فلما أن دخل إلى الشام خرج عن الطاعة وأظهر العصيان، ثم أنه تسلطن هناك وقبلوا له الأرض بدمشق وتلقب بالملك الكامل، فأقام على ذلك مدة يسيرة، ثم فلت عنه الناس واضحل أمره وقصد أمراء الشام أن يقبضوا عليه فهرب إلى صهيون. سنة تسع وسبعين وستمائة (١٢٨٠ م): فيها جاءت الأخبار أن ملك التتار زحف على البلاد، وأرسل أخاه منكوتمر في جاليش العسكر، وقد وصلوا إلى حلب وملكوا ضياعها وأشرفوا على أخذ المدينة. فلما بلغ الملك المنصور فلاؤن الألفي ذلك خرج بنفسه، هو والأمراء، على جرائد الخيل. فلما وصل إلى غزة جاءت الأخبار بأن منكوتمر أخا أبغا - لما بلغه مجيء السلطان - نهب البلاد، وأحرق الضياع، وقتل الرعية، وآذى البرية … ثم رجع إلى بلاده. فلما بلغ السلطان رجع من غزة إلى القاهرة، فجاءت الأخبار بأن التتار رجعوا إلى حلب وأفحشوا في حق الرعية أعظم ما فعلوا في الأول، فخرج إليهم السلطان ثانيا، وجد في السير فتلاقى مع عسكر التتار على المرج الأصفر، فكان بينهما واقعة عظيمة، وذلك في أوائل سنة ثمانين وستمائة، فكانت النصرة للملك المنصور قلاون، فتقنطر منكوتمر أخو أبغا إلى الأرض، فأحاط به التتار حتى حملوه

стр. 131

وهربوا به، فوقع النهب في عسكر التتار وولوا منهزمين، وقد غنم منهم عسكر السلطان ما لا يحصى من سلاح وخيول وقماش وغير ذلك … وكانت هذه الواقعة من الوقعات المشهورة. ثم أن السلطان قصد التوجه إلى نحو القاهرة، فدخلها في موكب عظيم، وحملت على رأسه القبة والطير، ومشت الأمراء بين يديه حتى طلع القلعة. سنة احدى وثمانين وستمائة (١٢٨٢ م): فيها صفا الوقت للسلطان، فقبض على جماعة من الأمراء، منهم الأمير بيسري، والأمير بكتوت الشمسي، والأمير كشغندي، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانية ومن خشداشينه، وشرع في إنشاء مماليك، وأنعم عليهم بتقادم ألوف، وبالاقطاعات السنية. وفيها تزوج السلطان الملك المنصور قلاون بخوندا شلون بنت الأمير شنكاي، فكان له مهم عظيم بالقلعة، وزفت عليه. وفي هذه السنة توفي مجير الدين محمد بن نسيم الدمشقي، وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن ذلك قوله: وليلة بت أسقى في غياهبها … راحا تسل شبابي من يد الهرم ما زلت أشربها حتى نظرت إلي … غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم وفيها توفي الشيخ بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيد. فمن ذلك قوله في معذر وقد ضمن المثل السائر: صدوا وقد دب العذار بخده … ما ضرهم لو أنهم جبروه هل ذاك غير نبات خد قد حلا … لكنهم لما حلا هجروه سنة اثنتين وثمانين وستمائة (١٢٨٣ م): فيها ابتدأ السلطان الملك المنصور قلاون بعمارة القبة التي بين القصرين والمدرسة، وأضاف إلى ذلك قاعة القطنيين وسماها البيمارستان المنصوري، وقيل انتهى منها العمل في مدة عشرة أشهر على ما نقله المؤرخون، وجعل لها في كل يوم من الرواتب ألف

стр. 132

دينار، ووقف عليها أوقافا كثيرة من ضياع وأملاك وبساتين وغير ذلك، وشرط في وقفه أشياء كثيرة من أنواع البر والخير مما لم يسبق فعله لأحد من الملوك من قبل ومن بعد، فكان كما قال القائل: تمشي الملوك على آثار غيرهم … وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع فهو من حسنات الزمان … تحتاج إليه الملوك، ويفتقر إليه الغني والصعلوك. قيل: وكان سبب بناء البيمارستان هذا أن الملك المنصور قلاون أمر مماليكه بأن يضعوا السيف في العوام لأمر أوجب تغير خاطر السلطان عليهم، فانهم خالفوا أمره في شيء فعله بجهلهم، فأمر بقتلهم، فلعب فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتل في هذه المدة ما لا يحصى عدده، وراح الصالح بالطالح وربما عوقب من لم يجن. فلما زاد الأمر عن الحد، طلع القضاة ومشايخ العلم إلى السلطان وشفعوا فيهم، فعفا عنهم، وكف عنهم القتل، فلما جرى ما جرى، وراق خاطر السلطان ندم على ما فعله، وبنى هذا البيمارستان، وجعل له جملة أوقاف على رواتب بر وإحسان، وفعل من أنواع الخير ما لا يفعله غيره من الملوك ليكفر الله عنه ما فعله بالناس لعل الحسنات تذهب السيئات كما قال الله تعالى. سنة ثلاث وثمانين وستمائة (١٢٨٤ م): فيها خرج السلطان إلى نحو البلاد الشامية، فوصل إلى حصن المرقب، ونصب المجانيق، وحاصره مدة ثمانية وثلاثين يوما، فطلب أهله الأمان، فأخذ بالأمان، ثم رجع إلى الديار المصرية. سنة اربع وثمانين وستمائة (١٢٨٥ م): فيها أرسل السلطان الأمير طرنطاي نائب السلطنة إلى حصار سنقر الأشقر الذي كان نائب الشام، وأظهر العصيان وتسلطن هناك كما تقدم. فلما وصل الأمير طرنطاي إلى نحو صهيون حاصر سنقر الأشقر أشد المحاصرة، فلما رأى سنقر الأشقر عين الغلبة، أرسل يطلب من الأمير طرنطاي الأمان، فأجابه إلى ذلك، فلما وثق منه بالأمان نزل إليه من قلعة صهيون، فحلف له الأمير طرنطاي أنه إذا توجه إلى السلطان لا يشوش عليه، ولا يحصل منه إلا كل خير … فأخذ عياله وأولاده وتوجه صحبة الأمير طرنطاي إلى نحو الديار المصرية. فلما بلغ السلطان مجيء سنقر الأشقر خرج إلى تلقيه، فلما وصل

стр. 133

إلى مسجد التين بالقرب من المطرية، تلاقى هو وسنقر الأشقر هناك. فلما وقعت عين سنقر الأشقر على السلطان نزل عن فرسه، ونزل السلطان أيضا، وتعانقا. فبكى سنقر الأشقر وطلب الأمان من السلطان، فأعطاه منديل الأمان فوضعه على رأسه، ثم ركبا وتوجها إلى القلعة في موكب عظيم، وسنقر الأشقر راكب إلى جانب السلطان. فلما طلعا إلى القلعة، خلع عليه ونزل إلى مكان قد أعد له، ونزل معه سائر الأمراء إلى ذلك المكان ثم انصرفوا، وكان ذلك في يوم السبت ثالث عشر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين وستمائة. سنة خمس وثمانين وستمائة (١٢٨٦ م): فيها قبض السلطان على مملوكه الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وصادره واحتاط على موجوده، واستصفى أمواله بعد أن عصره بالمعاصير حتى كسر رجليه، وخلعه من الوزارة، ثم خلع على مملوكه الأمير بدر الدين بيدرا المنصوري، واستقر به وزيرا عوضا عن سنجر الشجاعي. وفي هذه السنة توفي الشيخ محيي الدين بن قرناص الحموي، وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن ذلك قوله: أيا حسنها روضة قد غدا … جنوني قنونا بأفنانها أتى الماء فيها على رأسه … لتقبيل أقدام أغصانها سنة ست وثمانين وستمائة (١٢٨٧ م): فيها توعك المقام العلائي نور الدين علي، ولد السلطان الملك المنصور قلاون، وكان والده المنصور ولاه السلطنة في أيام حياته، وركب بشعار السلطنة وجلس على سرير الملك وقبل له الأمراء الأرض، وجلس إلى جانب والده قلاون. وكان سبب سلطنته أن الملك المنصور قلاون كان كثير الأسفار إلى نحو البلاد الشامية، فسلطن ولده نور الدين عليا ولقبه بالملك الصالح ليكون عوضه في مصر إذا سافر إلى البلاد الشامية، فأقام على ذلك مدة في حياة والده ثم أن الملك الصالح عليا مرض مرضا شديدا بحمى الكبد حتى أشرف على الموت.

стр. 134

سنة سبع وثمانين وستمائة (١٢٨٨ م): فيها ثقل على الملك الصالح على المرض وثقل الدم. فلما كانت ليلة الجمعة رابع شهر شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة، توفي الملك الصالح علي إلى رحمة الله تعالى. فلما مات حزن عليه والده الملك المنصور حزنا شديدا، وكان الأمراء جلوسا على باب الستارة ينتظرون ما يكون من أمره، فلما وقع الصراخ في دور الحرم دخل الأمير طرنطاي نائب السلطنة فوجد السلطان مكشوف الرأس وكلوتته مرمية على الأرض وهو يبكي ويصيح. فلما رآه الأمير طرنطاي على هذه الحالة رمى الآخر كلوتته عن رأسه، ثم أن بقية الأمراء دخلوا على السلطان، وألقى الكل كلوتاتهم عن رءوسهم وأقاموا على ذلك ساعة، ثم أن الأمير طرنطاي النائب أخذ كلوتة السلطان في يده وقبل الأرض هو والأمير سنقر الأشقر الذي تسلطن بدمشق، وناولها للسلطان، فدفعه وقال: "ايش بقيت أعمل بالملك بعد ولدي؟ ". .. ثم صبروا له ساعة، وقام الأمراء جميعا كلهم وقبلوا الأرض ووضعوا كلوتة السلطان على رأسه. واستمر العزاء قائما في تلك الليلة، فلما أصبحوا يوم الجمعة أخذوا في أسباب تجهيزه، فأخرجوه وصلوا عليه عند باب الستارة، ثم نزلوا به من باب المدرج، فأراد السلطان أن يمشي في الجنازة فمنعه الأمراء من ذلك. فكان له مشهد عظيم، وذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة، فمشت قدامه الناس قاطبة إلى تربة والدته خوند خاتون التي في طريق السيدة نفيسة بجوار المدرسة الأشرفية، فدفن هناك. فلما أصبح يوم السبت نزل السلطان إلى زيارة قبر ولده وجلس عنده في ذلك اليوم، واستمر الميتم ممتدا سبعة أيام. ولما مات السلطان الملك الصالح علي، خلف ولدا ذكرا يسمى الأمير موسى، وهو صاحب الربع الذي في الغرابليين. ومات الملك الصالح وله من العمر نحو عشرين سنة، وكان والده قلاون أشركه في السلطنة من سنة تسع وسبعين وستمائة، واستمر على ذلك حتى مات في سنة سبع وثمانين وستمائة، فكان أكبر أولاد قلاون. قال ابن خلكان (١): لما مات السلطان الملك الصالح كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف عن لسان أبيه الملك المنصور قلاون إلى نائب الشام وغيره من النواب مطالعات، ضمنها ما جرى على السلطان من فقد ولده، فقال عن لسان والده: "نحمد الله تعالى على حزن

стр. 135

حزنا به بالصبر أجورا فاخرة، فكان قصدنا أن نجعله ملكا في الدنيا فاختار الله تعالى أن يكون ملكا في الآخرة". وفي هذه السنة توفي الشيخ ناصر الدين ابن النقيب، وكان من أعيان شعراء مصر، وله شعر جيد في نوع التورية، فمن ذلك قوله: جودوا لنسجع بالمديح على علاكم سرمدا فالطير أحسن ما يغرد عندما يقع الندى. سنة ثمان وثمانين وستمائة (١٢٨٩ م): فيها في ثالث عشر صفر خرج السلطان على حين غفلة إلى نحو البلاد الشامية، وتوجه نحو طرابلس، وحاصر اهلها ونصب على سورها المجانيق، واستمر يحاصرها أربعة وثلاثين يوما ففتحها بالسيف عنوة في يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وستمائة، فوردت البشائر إلى الديار المصرية بفتح مدينة طرابلس وجبيل. ثم أن السلطان عاد إلى الديار المصرية فزينت له وحملت على رأسه القبة والطير، وكان له يوم مشهود لم يسمع بمثله. وفيها جاءت الأخبار بأن ملك النوبة هجم على مدينة أسوان ونهب أسواقها وأحرق جرونها، فجرد إليه الأمير أيبك الأفرم، فلما أن وصل إلى هناك هرب منهم ملك النوبة، فتبعه العسكر والأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى آخر بلاد النوبة، فغنموا منهم أشياء كثيرة - من عبيد وجوار وخيول وغير ذلك - ورجع العسكر إلى الديار المصرية وهم في غاية النصرة. وفي هذه السنة توفي الشيخ ظهير الدين بن البارزي الدمشقي، وكان عالما فاضلا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله: يذكرني وجد الحمام إذا غنى … لأنا كلينا في الهوى نعشق الغصنا سنة تسع وثمانين وستمائة (١٢٩٠ م): فيها عزم السلطان إلى العود إلى السفر ليحاصر مدينة عكا. فخرج من القاهرة في ثامن عشر شوال من السنة المذكورة، فلما نزل بالريدانية وأقام بها حتى يتكامل خروج العسكر، وجد في جسده توعكا وحمى، فصار الأمر في كل يوم يتزايد عليه حتى ثقل في المرض. وكان الملك المنصور قلاون لما مات ولده الملك الصالح علي، عهد من بعده إلى ولده خليل ولقبه بالأشرف، فلما سلسل السلطان، اضطربت الأحوال، وصار ولده خليل

стр. 136

ينزل إليه من القلعة في كل يوم ويتفقد أحواله ثم يرجع إلى القلعة، وكانت الأمراء يدخلون على السلطان في كل يوم صحبة الحكماء. فلما زاد الأمر على السلطان وتغير حاله منع الأمير طرنطاي الأمراء من الدخول على السلطان. فلما تحقق الأمراء موت السلطان جاءوا إلى الأمير طرنطاي النائب وقالوا له:" أنت تعلم ما بينك وبين ولد السلطان من حظوظ النفس من أيام والده. وقد صار الأمر إليه والسلطان ما بقي يرجى. ومتى صار الحكم إلى ولده فهو قاتلك لا محالة … فبادر إليه وأمسكه قبل أن يمسكك ونحن كلنا عصبتك ". .. فسكت الأمير طرنطاي ساعة وقال:" كيف أمسك ابن أستاذي أو أقتله؟ فايش يشاع على بين الناس؟ ولكن أنا مملوك السلطان ومملوك ولده. فان رضيني وابقاني على حالي كان الفضل له، وان قتلني صرت شهيدا من جملة الشهداء". ثم أن السلطان قلاون دخل في النزع، فجلس الأمير طرنطاي عند رأسه حتى مات وغمضه بيده. فلما أصبح الصباح جاءت الأمراء على العادة فلم يمكنهم من الدخول على السلطان. ثم أنه أرسل خزائن المال والأطلاب التي كانت مع السلطان برسم السفر. ثم أن الأمير طرنطاي أرسل عرف ولد السلطان الملك الأشرف خليل أن والده قد مات، وأشار عليه أنه يقيم في القلعة ولا ينزل، ووكل به مقدم المماليك. ثم أن الأمير طرنطاي حمل السلطان قلاون وهو ميت في محفة وطلع به إلى القلعة بعد المغرب، فغسله وكفنه ونزل به في تابوت بعد العشاء والأمراء والقضاة وأعيان الناس مشاة قدامه. وكثر عليه الحزن والأسف من الناس إلى أن وصلوا به إلى البيمارستان، فصلوا عليه هناك ودفن داخل القبة التي بين القصرين، وكانت وفاته يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، ودفن في ليلة الأحد، وكانت مدة توعكه تسعة عشر يوما، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية احدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة أيام، فمات وكأنه لم يكن … فكان كما قيل في المعنى: كل ابن أنثى وان طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول ولما مات الملك المنصور قلاون خلف من الأولاد ثلاثة ذكور، وهم: الأشرف خليل، والناصر محمد، والأمير أحمد ولد بعد وفاة أبيه. وكان المنصور قلاون حسن الشكل، مربوع القامة، درى اللون، وكان قليل الكلام بالعربي، وكان شجاعا بطلا مقداما في الحرب، وكان مغرما بمشتري المماليك حتى قيل أنه تكامل عنده اثنا عشر ألف مملوك، وقيل سبعة آلاف مملوك. ومما يدل على علو همته

стр. 137

وحسن اعتقاده عمارة البيمارستان الذي بين القصرين، ولا سيما ما فعله فيه من وجوه البر والصدقات ووقف الأوقاف الجليلة، وشرط في وقفه ما لم يشرطه احد من الملوك قبله ولا بعده، وقد كفاه ذلك شرفا في الدنيا والآخرة. ومن محاسنه أنه غير تلك الملابس الشنيعة التي كانت تلبسها العسكر في الدول القديمة. قيل كانت كلوتاتهم من الصوف الأزرق الغميض، وهي مضربة عريضة بغير شاش، وكانت المماليك تربي لهم ذوائب من الشعر خلفهم ويجعلونها في أكياس حرير أحمر أو أصفر، وكانوا يشدون في أوساطهم بنودا بعلبكية عوضا عن الحوائص، وكانت خفافهم برغالي أسود، وكانوا يشدون فوق قماشهم ابزيم جلد وفيه حلق نحاس وفيها صوالق برغالي أسود، وهي كبار يسع الصولق الواحد نصف ويبة قمح، وكان لهم في ذلك الابزيم معلقة من الخشب كبيرة وسكين كبيرة، وكانت لهم مناديل من الخام قدر فوطة كبيرة لمسح أيديهم. وكانوا يربون لهم شوارب قدر السلفة الكتان. فلما تولى الملك المنصور قلاون أمر العسكر أن يغيروا هذه الملابس الشنيعة، ويدخلوا في الهيئة المطبوعة وكانت خلع المقدمين من العنتابي، فأمر لهم بالخلع المخمل الأحمر والأخضر بالفرو السمور. وهو أول من أسكن المماليك في أبراج القلعة وسماهم المماليك البرجية. وأما ما افتتحه الملك المنصور قلاون في أيامه من الفتوحات فهو المرقب وجبلة من بلاد الافرنج، وفتح طرابلس الغرب، واللاذقية، وجبيل، والكرك والشوبك … كانت بيد أولاد الملك بيبرس البندقداري فأخذها منهم. وأما ما أبطله في أيامه من المظالم، فهو أنه كان من قديم الزمان وظيفة تسمى ناظر الزكاة - وهو من يأخذ ممن عنده مال زكاته - فان مات ذلك الرجل صاحب المال أو عدم ماله فيتم ذلك القدر المقرر عليه في الدفاتر باقيا يؤخذ من أولاده أو من ورثته أو من أقاربه ولو بقي منهم واحد … فأبطل الملك المنصور قلاون ذلك إلى يومنا هذا وسطر في صحائفه. ومما أبطله من المظالم أيضا أنه كان يؤخذ مال من أهل مصر للمبشرين إذا حضروا يبشرون بفتح حصن أو بنصرة عسكر أو بما أشبه ذلك، وكان يجبي من أهل مصر على قدر طاقتهم في السعة، فأبطل ذلك. وكان يجبي من أهل مصر عند وفاء النيل المبارك ثمن الحلوى والفاكهة والشوى، برسم السماط الذي يوضع في المقياس يوم الوفاء، فأبطل ذلك عن الناس جميعه، وجعل مصروفه من بيت المال، وأبطل أشياء كثيرة من هذا النمط. وكان من أجل ملوك الترك قدرا، وأعظمهم أخبارا وذكرا.

стр. 138

وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء ومشايخ الإسلام، فمن ذلك الإمام العلامة محيي الدين النووي الشافعي ﵁، وهو صاحب كتاب المنهاج، قال الشيخ شمس الدين الذهبي: إن الشيخ محيي الدين توفي وله من العمر نحو أربعين سنة، ودفن بنوى وهي بلده. وقد رثاه الشيخ زين الدين ابن الوردي المعرى بهذه الأبيات: لقيت خيرا يا نوى … ووقيت من ألم النوى فلقد ثوى بك عالم … لله أخلص ما نوى وعلا علاه بفضله … فضل الحبوب على النوى وتوفي أيضا الشيخ برهان الدين الشافعي ابن جماعة، والشيخ شمس الدين ابن خلكان المؤرخ، والشيخ ناصر الدين ابن المنير، والشيخ جمال الدين الشريشي شارح مقامات الحريري، وتوفي بان النحاس النحوي، وتوفي علاء الدين ابن النفيس شيخ الأطباء، وتوي غير ذلك من أعيان الناس ومن العلماء جماعة كثيرون. ولما توفي الملك المنصور قلاون تولى من بعده ابنه الاشرف خليل. - الملك الأشرف هو الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، ابن الملك المنصور قلاون الألفي الصالحي، وهو الثامن من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى الملك بعهد من أبيه قبل وفاته، وجلس على سرير الملك بعد وفاة أبيه قلاون، وذلك في يوم الأحد سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، وكان مولده في سنة ست وستين وستمائة. فلما قام بشعائر السلطنة نزل من القلعة إلى الميدان الذي تحت القلعة، وكان سبب نزوله إلى الميدان أن الأمراء تخلوا من طلوعهم إلى القلعة، فلم يطلع منهم أحد إلى القلعة، فنزل السلطان - وهو بشعائر الملك - فجلس هنالك على كرسي - واستحلف له سائر الأمراء، فلما حلفوا له خلع في ذلك اليوم على الأمير علم الدين سنجر الشجاعي واستقر به وزيرا كما كان في أيام والده. وكان الأشرف خليل كفؤا للسلطنة، وجاء فيها كما ينبغي في الحرمة والعظمة والشهامة، وفيه يقول القائل محمد بن غانم الشاعر:

стр. 139

مليكان قد لقبا بالصلاح … فهذا خليل وذا يوسف فيوسف لا شك في فضله … ولكن خليل هو الأشرف فلما تم أمره في السلطنة، وتلقب بالملك الأشرف، عمل الموكب، ثم قبض على الأمير طرنطاي نائب السلطنة، وكان بينه وبين الأمير طرنطاي عداوة قديمة من أيام والده. وكان الشجاعي يكره الأمير طرنطاي، فحسن للسلطان القبض عليه، فقبض عليه في ذلك اليوم وحمل إلى الاعتقال … فكان الأمر كما قالته الأمراء للأمير طرنطاي: إن الأشرف خليلا يقبض عليه. فلما قبض عليه ندم الأمير طرنطاي الذي ما قبض على الأشرف خليل قبل أن يتسلطن، كما قيل في المعنى: احذر من الناس، ولا … معترك الشك تجل في قلب ليث بت … وخف … إن بت في قلب رجل فأقام الأمير طرنطاي بالسجن في القلعة ثلاثة أيام، ثم أن السلطان أمر بقتله فخنق وهو في السجن، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفن تحت الليل في القرافة الصغرى. ثم أن السلطان رسم للشجاعي بأن يحتاط على موجود الأمير طرنطاي، فنزل الشجاعي إلى بيت طرنطاي، ورسم على مباشريه، وقبض على جميع من كان من حاشيته، وقبض على نسائه وسراريه، وأحضر لهم المعاصير وعصرهم وقررهم على الأموال والذخائر … فكان الشجاعي ينزل في كل يوم إلى بيت الأمير طرنطاي ويقرر جماعته ونساءه ويعاقبهم أشد العقوبة، فظهر له من الأموال والتحف ما لم يسمع بمثله، فطلعوا بذلك جميعه إلى الخزائن الشريفة. ثم أن السلطان عمل الموكب، وخلع على الأمير بيدرا واستقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير طرنطاي النائب. فلما قتل الأشرف خليل الأمير طرنطاي صفا له الوقت، فأرسل خلف القاضي شمس الدين بن السعلوس - وكان بالحجاز من أيام الملك المنصور قلاون - بالحضور، وحشاه بخط يده بالقلم العريض بين السطور وهو يقول:" يا شعير! جد السير، جاء الخير ". .. وكان الأشرف خليل كثيرا ما يحشى في مراسيمه بقلم العلامة.

стр. 140

وحشى أيضا مرسوما وأرسله إلى دمشق لما أمر باسقاط ما كان يؤخذ على كل حمل يدخل من باب الجابية من القمح خمسة دراهم من المكس، فرسم بإبطال ذلك وكتب في مرسومه بين السطور:" وقد أمرنا بأن تكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب بذلك الدعاء إلينا من الخاصة والعامة ". .. فهو أول سلطان حشى في مراسيمه بين السطور بخطه بيده. فلما حضر شمس الدين ابن السعلوس من مكة إلى القاهرة، خلع عليه واستقر به وزيرا مستشار المملكة، وفوض اليه أمر السلطنة جميعها، وأحال الناس في أشغالهم عليه، وفصل الشجاعي من الوزارة، وكان حضور شمس الدين ابن السعلوس من مكة في ثلاث عشر المحرم مستهل سنة تسعين وستمائة، وقد حضر صحبة مبشر الحاج على الهجن، وجد المسير حتى حضر إلى مصر. قيل: وكان أصل ابن السعلوس هذا من دمشق، وكان تاجرا بها، فحضر في بعض السنين إلى مصر، وكان له خط جيد، فسعى عند الأشرف خليل - وهو أمير في أيام والده قلاون - فجعله ناظر ديوانه، وصار يستأجر له مواضع كثيرة في البلاد الشامية، فيتحصل منها كل سنة جملة من المال، فحظي ابن السعلوس عند الأشرف حتى صار نديمة ولا يصبر عنه ساعة واحدة، واحتوى على عقله وملك لبه … فلما بلغ الملك المنصور قلاون ذلك، أمر بنفي ابن السعلوس إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات المنصور قلاون وتسلطن ابنه خليل، فأرسل نحو ابن السعلوس نجابا مطردا كما تقدم، فلما حضر واستقر به وزيرا فوض اليه جميع أحوال المملكة، فكان يركب، ومعه جماعة من الأمراء الرءوس النواب والمماليك السلطانية في كل يوم حسبما رسم له السلطان بذلك، وكانت القضاة الأربعة تركب قدامه في أيام الموكب، وعظم أمره حتى صارت القصص تقرأ عليه، وينفذ أمرها من غير مشورة السلطان، فأظهر من الكبرياء والعظمة ما لم يظهره غيره، وانفرد بالكلمة في مصر دون غيره، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية والبلاد الشامية، وصار يجتمع بالسلطان في الليل في خلوة ويقضي أشغال الناس من سهلها لصعبها، كما قيل في المعنى: ملك إذا قابلت بشر جبينه … فارقته والبشر فوق جبيني وإذا لثمت يمينه وخرجت من … أبوابه لثم الملوك يميني

стр. 141

سنة تسعين وستمائة (١٢٩١ م): فيها جرد السلطان وخرج بنفسه هو والعساكر إلى حصار مدينة عكا وكانت بيد الافرنج، فلما وصل إلى عكا حاصر أهلها أشد المحاصرة، ونصب حول المدينة خمسة وسبعين منجنيقا، وحاصرها مدة أيام فأعطاه الله النصر وفتحها بالسيف في يوم الجمعة سابع عشر جمادي الآخرة سنة تسعين وستمائة، فلما افتتحها هدم سورها وقلعتها. وكانت عكا بيد الافرنج، وكانوا يقطعون على المسافرين الطريق، ويأخذون أموال التجار، ويقتلون كل من لقوه من المسلمين. فلما فتح الملك الأشرف خليل مدينة عكا توجه من هناك إلى جبت وبيروت، فافتتحهما في تلك السنة. قال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخه: إن عكا كانت من أحسن المدائن في العمارة والبناء الفاخر. فلما فتحها الملك الأشرف خليل وهدم سورها هرب أهل المدينة منها وصارت خرابا من يومئذ، وصار الناس من حينئذ ينقلون منها الرخام الملون مدة طويلة، ومن جملة ما نقل منها الباب الرخام الأبيض الذي على المدرسة الناصرية التي بين القصرين، وكان هذا الباب على كنيسة، فنقل إلى القاهرة فأخذه الملك الناصر ابن قلاون ووضعه على باب مدرسته التي أنشأها بجانب البيمارستان. قيل لما فتحت عكا قتل في مدة المحاصرة من الأمراء اثنا عشر أميرا، وقتل بها العزى نقيب الجيوش المنصورة، وهو صاحب سويقة العزى سميت به. وقتل يوم الفتح من المماليك السلطانية نحو مائة وعشرين مملوكا. ثم أن الملك الأشرف خليلا لما فتح عكا رجع إلى الديار المصرية وهو في غاية النصر والعظمة، فدخل من باب النصر، وشق في المدينة وزينت له. وكان يوم دخوله يوما مشهودا والأمراء مشاة بين يديه، والأمير بيدرا نائب السلطنة حامل القبة والطير على رأسه، ولعبوا بالغواشي الذهب بين يديه. وكان القضاة الأربعة وأرباب الوظائف راكبين بين يديه، وكان له موكب عظيم. فلما وصل إلى البيمارستان ثنى عنان فرسه ونزل وزار قبر والده قلاون، ثم ركب وطلع إلى القلعة، فخلع على الأمراء ونزلوا إلى بيوتهم، وانقض الموكب. ومن غرائب الاتفاق أن الشيخ شرف الدين الأبوصيري - ناظم البردة - رأى في منامه، قبل مسير الملك الأشرف خليل إلى حصار عكا في شوال سنة تسع وثمانين وستمائة، كأن قائلا ينشد هذه الأبيات: قد أخذ المسلمون عكا … وأشبعوا الكافرين صكا

стр. 142

وساق سلطاننا اليهم … خيلا تدك الجبال دكا وأقسم الترك منذ سارت … لن يتركوا للفرنج ملكا فلما انتبه الشيخ شرف الدين من منامه أخبر بهذه الرؤيا جماعة من أصحابه، فلما توجه الأشرف خليل إلى عكا فتحها الله على يديه، فكان الأمر كما قال الهاتف في منامه، وأخذت عكا. وفي ذلك يقول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - كاتب السر الشريف - هذين البيتين: يا بني الأصفر قد حل بكم … نقمة الله التي لا تنفصل نزل الأشرف في ساحلكم … فأبشروا منه بصك متصل ولما رجع الملك الأشرف من هذه الغزوات، عظم في نفسه، واستخف بالأمراء، فأخذ في أسباب القبض على جماعة منهم، فقبض على الأمير حسام الدين لاجين السلحدار، وكان نائبا. فلما رجع مع السلطان إلى الديار المصرية بعد فتح عكا قبض عليه وقيده وأرسله إلى السجن بقلعة صفد، ثم أمسك الأمير سنقر الأشقر الذي كان قد تسلطن بدمشق كما تقدم، وقبض على الأمير طقصو، وقبض على الأمير جرماك، ثم قبض على أميرين ما يحضرني أسماهما ثم أرسل خلف الأمير لاجين الذي كان في السجن بقلعة صفد، فلما حضر أكملهم سبعة من الأمراء وسجنهم بقلعة الجبل في برج الحية. فلما كانت ليلة الأحد أمر بخنق هؤلاء الأمراء جميعهم، فخنقوا في البرج تحت الليل. فلما أخرجوهم ليدفنوهم وجدوا الأمير لاجين نائب الشام فيه بعض نفس، فأخبروا السلطان بذلك، فعطف عليه وأمر بأن يفرج عنه، فكان كما قيل: "الحي مالو قاتل، ولو قتل ما مات". .. وكيف يموت وقد كتب الله له في اللوح المحفوظ أن يكون سلطانا بمصر كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه؟ فلما عوفي الأمير لاجين أنعم عليه السلطان بتقدمه ألف. ثم أن السلطان أمر بالإفراج عن الأمير بيسري، وكان في السجن بثغر الاسكندرية، وكان سبب ذلك أن السلطان لما حضر من السفر ومر بالمدينة، واجتاز أمام قصر بيسري

стр. 143

الذي كان تجاه المدرسة الكاملية، وقف له أولاد الأمير بيسري تحت القصر وقبلوا له الأرض - وكانوا ستة أولاد ذكور صغار وفيهم من هو رضيع - وكانوا ستة أولاد ذكور صغار وفيهم من هو رضيع - فقال السلطان: "من هؤلاء؟ ". فقال له الأمراء: "هؤلاء أولاد مملوكك بيسري". .. فرقّ لهم السلطان، وقال لهم: "يحصل الخير إن شاء الله". فلما طلع القلعة وجرى لهؤلاء الأمراء ما جرى، أفرج عن الأمير بيسري وأنعم عليه بتقدمة ألف. سنة إحدى وتسعين وستمائة (١٢٩٢): فيها توجه السلطان إلى نحو الشام، فأقام بها مدة أيام، ثم توجه إلى نحو حلب، ثم توجه من حلب إلى قلعة الروم وحاصر أهلها ونصب حول المدينة ثلاثة وعشرين منجنيقا، ففتحها بالسيف في يوم السبت حادي عشر رجب من سنة احدى وتسعين وستمائة، وكانت قلعة الروم كرسي مملكة الأرمن. ثم رجع السلطان إلى نحو الديار المصرية، وطلع قلعة الجبل. سنة اثنتين وتسعين وستمائة (١٢٩٣ م): فيها خرج السلطان على حين غفلة على الهجن، فلما خرج من القاهرة توجه إلى نحو الكرك، فاستقر بالأمير اقوش نائبا. ثم توجه من هناك إلى دمشق، فعرض عليه العسكر بدمشق، وعين جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية ليتوجهوا إلى نحو سيس، فلما وصلوا إلى سيس أرسل صاحب سيس يطلب الأمان، فأرسل الأمراء يكاتبون السلطان بذلك، فعاد الجواب من السلطان: "إن كان صاحب سيس يسلم هذه الثلاث قلاع - وهي قلعة البهنسا وقلعة مرعش وتل حمدون - فأعطوه الأمان. وان لم يسلم هذه الثلاث قلاع فحاصروه". .. فلما وصلت مراسيم السلطان بذلك سلم صاحب سيس تلك القلاع الثلاث، وحصل الصلح، ورجع العسكر من سيس. ثم ان السلطان أقام بدمشق إلى مستهل رجب، ثم توجه من هناك إلى نحو حمص، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام بلياليها. ثم ان السلطان بدا له أن يقبض على الأمير مهنا بن عيسى وعلى أخوته، فقبض عليهم وولى الأمير على بن حديثة عوضا عن الأمير مهنا بن عيسى.

стр. 144

ثم أن السلطان رجع إلى دمشق، ورسم للأمير بيدرا النائب بأن يأخذ العسكر ويتوجه إلى القاهرة، فأخذ الأمير بيدرا في أسباب التوجه إلى القاهرة، وأخذ معه الأمراء والعسكر، ورجع إلى مصر، وأقام السلطان بدمشق على سبيل التنزه، ثم توجه إلى الديار المصرية ودخل القاهرة في موكب عظيم وكان له يوم مشهود لم يسمع بمثله، وزينت له القاهرة بالزينة الفاخرة، وسار في الموكب مثل العروس، حتى طلع القلعة وجلس على سرير المملكة أحسن جلوس. وفي هذه السنة توفي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف، وكان مولده في سنة عشرين وستمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة، وكان له نظم ونثر فائق، فمن ذلك قوله: إن كانت العشاق من أشواقهم … جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا فأنا الذي أتلو لهم: يا ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا سنة ثلاث وتسعين وستمائة (١٢٩٤ م): فيها توجه الملك الأشرف خليل إلى نحو البحيرة على سبيل التنزه، فخرج من القاهرة في ثالث المحرم، فلما وصل هناك ضرب خيامه في مكان يعرف بالحمامات - وهو غربي تروجه - فأقام هناك مدة. ثم أنه قصد أن يتوجه إلى ثغر الاسكندرية، فأرسل صاحب شمس الدين ابن السعلوس إلى ثغر الاسكندرية ليجهز الاقامات لأجل قدوم السلطان. فلما دخل ابن السعلوس الاسكندرية، وجد غلمان الأمير بيدرا النائب بثغر الاسكندرية وقد استولوا على بهار الأمير بيدرا وأدخلوه في الحواصل - وكان أعظم من بهار السلطان - فحصل بين ابن السعلوس وبين الأمير بيدرا تشاجر، فأرسل ابن السعلوس يكاتب السلطان بما جرى من غلمان بيدرا وما رأى عنده من البهار وما قاله غلمان بيدرا، وزاد على كل كلمة عشرا، وأغلظ في القول … فلما سمع السلطان ما في مكاتبة ابن السعلوس، غضب على الأمير بيدرا أشد الغضب، وأضمر له العطب، فكان كما قال القائل:

стр. 145

يا ناقلا إليّ قول حاسدي … لا ينبغي نقل الذي لا ينبغي لا تؤذني في حجة النصح فما … أسمعني السوء سوى مبلغي ثم ان السلطان أرسل خلف الأمير بيدرا وقت الظهر. فلما حضر بين يديه وبخه بالكلام، وقصد القبض عليه وتوعده بكل سوء، فتلطف به الأمير بيدرا في الكلام حتى خرج من بين يديه، فاجتمع بالأمراء من خشداشينه واتفق رأيهم على الوثوب على السلطان. ثم أن السلطان قصد أن يتصيد ويخلو بنفسه، فأعطى الأمراء والعسكر دستورا بأن يتوجهوا إلى القاهرة إلى حين يعود السلطان، فمضى الأمراء والعسكر إلى القاهرة، ولم يبق مع الملك الأشرف سوى بعض مماليك جمدارية. فلما كان يوم السبت خامس المحرم ركب السلطان وانفرد وحده - وليس معه سوى أمير شكار شهاب الدين بن الأشل - فلما بلغ ذلك الأمير بيدرا رجع من أثناء الطريق وقال هذا وقت انتهاز الفرصة … قيل في الأمثال: وانتهز الفرصة أن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصة وان رأيت النصر قد لاح لكا … فلا تقصر واحترز أن تهلكا فأرسل الأمير بيدرا خلف خشداشينه - وهم الأمير قراسنقر، والأمير لاجين، والأمير بهادر، والأمير آق سنقر، وجماعة من الخاصكية - فشدوا في أوساطهم تراكيش وسيوفا، وركبوا خيولهم، ثم ساقوا خلف السلطان، فوجدوه منفردا وحده وليس معه سوى أمير شكار وبعض مماليك جمدارية … فلما رآهم السلطان قاصدينه - وكانوا نحو عشرة من الأمراء - أحس بالشر، وظهر له منهم الغدر. فلما أن وصلوا إليه عاجلوه بالحسام قبل الكلام. فكان أول من ابتدأه بالحسام الأمير بيدرا نائب السلطنة، فضربه بالسيف على يده، فصاح عليه الأمير لاجين وقال له: "ويلك! الذي يريد أن يتسلطن يضرب هذه الضربة؟ ". ثم ضربه الأمير لاجين على كتفه ضربة فوقع إلى الأرض … فجاء الأمير بهادر، رأس نوبة النواب، ونزل عن فرسه، وأدخل السيف في دبر السلطان وأخرجه من حلقه، وصار
следующие страницы →