← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الوزارة تتلقب بمثل القاب الخلفاء فلما تول الوزارة أقام حرمة مصر إلى الغاية، وهابه الناس، فأقام في الوزارة مدة يسيرة ومات فجأة على حين غفلة. فلما مات أسد الدين شيركوه تولى من بعده الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالناصر. فلما تولى صلاح الدين بن أيوب على مصر ضعفت شوكة الخليفة العاضد، ومالت الجند إلى صلاح الدين يوسف. ثم أن نور الدين الشهيد أرسل يقول له: "اقطع الخطبة من مصر عن اسم العاضد". فلما قطع الخطبة عن اسمه حصل له قهر عظيم، وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه … لا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين، فما أطاق العاضد ذلك، فقيل أنه ابتلع فص ألماس فمات من يومه. وكانت وفاته في يوم الاثنين عاشر المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة خلافته بمصر اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأياما، وبه انقطعت دولة بني عبيد الله الفاطمي عن الخلافة بمصر، وبه ختمت أخبار الخلفاء الفاطمية من بني عبيد الله. وقد قامت دولة الخلفاء الفاطمية بمصر مائتين وثمانيا وستين.

стр. 72

الدّولة الأيّوبيّة - الملك الناصر كان أولهم الملك الناصر، أبا المظفر يوسف، ابن أيوب، بن شادى، بن مروان الكردي، وكان أصلهم من أذربيجان من بلاد الكرج، ولكن أصلهم أكراد. وكان مولد صلاح الدين يوسف بقلعة تكريت في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وكان أبوه أيوب في خدمة زنكى أبي نور الدين الشهيد، فلما توفي زنكى صار أيوب وأولاده في خدمة نور الدين الشهيد، ثم ارتقى نور الدين حتى بقي صاحب البلاد الشامية. فلما تلاشى أمر الخليفة العاضد، واستولت الفرنج على الديار المصرية، أرسل يطلب من نور الدين الشهيد نجدة بسبب الفرنج، فارسل إليه أسد الدين شيركوه أخا أيوب عم صلاح الدين يوسف. فلما توفي أسد الدين تولى من بعده في الوزارة أيام العاضد صلاح الدين يوسف. فلما توفي العاضد تولى من بعده على مصر صلاح الدين يوسف نيابة عن نور الدين الشهيد بتقليد منه. وكان سبب موت العاضد أن نور الدين الشهيد لما أرسل إلى صلاح الدين يقول له: "اقطع الخطبة عن اسم العاضد بالله". .. أرسل صلاح الدين يقول لنور الدين الشهيد: "إن أهل مصر لا يطاوعوني على ذلك، وأخشى أن يثبوا علي بسبب ذلك". فأرسل نور الدين الشهيد يقول لصلاح الدين ثانيا: "لا بد من ذلك". فلما رأى صلاح الدين أن نور الدين الشهيد مصمم على ذلك، جمع أعيان أهل مصر وذكر لهم ما قاله نور الدين الشهيد، فقالوا له: "وكيف يكون ذلك؟ ". فقال شخص من أبناء العجم يسمى الأمين، وكان من أهل العلم: "أنا أفتح لكم باب هذا الأمر". فلما كان يوم الجمعة ثاني المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة، صعد ذلك الشخص الأعجمي إلى المنبر قبل صلاة الجمعة، ودعا إلى الخليفة المستضيء بالله العباسي خليفة بغداد. فلما صعد المنبر ودعا إلى المستضيء لم يتكلم أحد من الناس ولا أنكروا. فلما كان ثاني جمعة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا اسم الخليفة العاضد من الخطبة، وأن يدعوا باسم الخليفة المستضيء بالله العباسي، ففعلوا ذلك.

стр. 73

فلما بلغ العاضد ذلك انقهر وعمد إلى فص من الألماس فابتلعه، فمات من يومه ودفن، فكانت وفاته في عاشر المحرم كما تقدم. فلما مات العاضد أرسل نور الدين الشهيد إلى صلاح الدين تقليدا بولاية مصر نيابة عنه. قيل لما استولى صلاح الدين يوسف على حواصل الخلفاء الفاطمية استعرض ما فيها من السلاح والأموال، فأرسل إلى نور الدين ما استحسنه من السلاح الفاخر والتحف، وصار بعد ذلك يبيع ما فضل من السلاح وغيره نحو عشر سنين غير ما اصطفاه لنفسه. ثم أن صلاح الدين صار مستوليا على مصر نيابة عن نور الدين الشهيد حتى توفي نور الدين محمود بن زنكى، وكانت وفاته في سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بدمشق في جامع الكلاسة، وكان يلقب بالملك العادل، وهو المجاهد المرابط فاتح بيت المقدس من أيدي الفرنج، وفاتح الثغور الإسلامية من البلاد الشامية، وهو الذي تعصب لبني العباس ورد لهم الخطبة بمصر وأعمالها، وأبطل ما كان يخطب باسم الفاطمية. قال الهروي إن في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة انخسفت المغارة المدفون فيها إبراهيم الخليل ﵇، فنزل إليها جماعة فوجدوا فيها ابراهيم واسحق ويعقوب ﵈، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط المغارة وعلى رءوسهم قناديل من ذهب وفضة، فلما بلغ نور الدين ذلك أمر بأن تجدد لهم أكفان جدد، وأن يسد عليهم ما انخسف من المغارة. فلما توفي نور الدين الشهيد انفرد صلاح الدين يوسف بمملكة الديار المصرية والبلاد الشامية، وصفا له الوقت، فأزال ما كان بمصر من العساكر الملفقة - وكانوا ما بين صقالبة وكدانة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب والعبيد السود - فمحا تلك الطوائف جميعها، واتخذ بمصر عساكر من الأكراد خاصة، فكانت عدتهم اثنى عشر ألف فارس من شجعان الرجال الذين لا يكلون من الحروب. ثم إن صلاح الدين يوسف نظر في أحوال الرعية، وأمر بإسقاط المكوس جميعها التي حدثت في أيام الفاطمية، وكتب بذلك مساميح بخط القاضي عبد الرحيم الفاضل صاحب ديوان الإنشاء، وقرئت على المنابر في الجوامع بعد صلاة الجمعة، وكان قدر ما أبطله من المكوس في كل سنة ما ينوف عن مائة ألف دينار، فلما قرئت تلك المساميح ضج له الناس بالدعاء وأحبته الرعية فكان كما قيل: دولته للأنام عيد … باق وأيامه مواسم

стр. 74

قد أظهر العدل في الرعايا … وأبطل الجور والمظالم هذا الذي عنه أخبرتنا … طوالع النجم والملاحم يصير الشاة في حماه … تمشي مع الذئب والضياغم قال ابن الأثير: "لما كانت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، أمر الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب ببناء سور القاهرة بالحجر الفص المنحوت، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش الخصي الحبشي". فأبطل السور القديم الذي كان قد بناه الأمير جوهر القائد في أيام المعز الفاطمي كما تقدم. وكان جوهر القائد بني السور أولا بالطوب اللبن في سنة إحدى وستين وثلثمائة عندما قدم من القيروان، وآثار السور القديم باقية عند الباب المحروق إلى الآن. قال ابن الأثير إن دور السور الذي بناه صلاح الدين يوسف تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثة آلاف ذراع بالعمل، وجعل عليه هذه الأبواب المصفحة بالحديد، وكانت عدة أبواب القاهرة خمسة عشرة بابا غير ما في السور من الأبواب الصغار، وكان باب زويلة يسمى باب الفاضل، وإنما باب زويلة القديم الذي في الغرابليين عند سام بن نوح وآثاره باقية إلى الآن. قال ابن الأثير إن صلاح الدين يوسف هو الذي بنى قلعة الجبل وصارت دار المملكة، وبطل أمر قصر الزمرد الذي كان في القاهرة مكان دار الضرب، ولكن مات صلاح الدين ولم يتم بناء قلعة الجبل وإنما أتم بناءها الملك الكامل محمد ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وهو أول من سكن بقلعة الجبل من بني أيوب. ومن النكت اللطيفة أنه كان بدمشق خان يسمى بخان ابن الزنجاري، وكان يفعل فيه من أنواع الفسوق مالا يوصف شرحه. فلما بلغ الملك الناصر صلاح الدين يوسف أخبار ذلك الخان أمر بهدمه فهدم وبني مكانه جامعا وسماه جامع التوبة، وولي خطبته والامامة إلى شخص يسمى العماد الواسطي - وكان يتهم بشرب الراح وحب الملاح - فكتب بعض اللطفاء قصيدة عن لسان حال هذا الجامع، ورفعها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكان شرح هذه القصة في هذه الأبيات: يا مليكا أوضح الحق … لدينا وأبانه جامع التوبة قد قلدني … منه أمانه

стр. 75

قال: قل للملك النا … صر أبقى الله شانه يا صلاح الدين يا من … حمد الناس زمانه لي خطيب واسطي … يعشق الشرب ديانه ويحب المرد طبعا … ويغني بالجعانه فانا في كل حال … لم أزل بالسكر خانه فاستمع قصة حالي … زادك الله صيانه فلما وقف صلاح الدين على هذه الأبيات أمر بعزل العماد الواسطي عن خطبة الجامعة، وولي عليه شخصا من أهل الصلاح والخير. قال المسبحي إن في أيام صلاح الدين يوسف نزل الفرنج على ثغر مدينة دمياط فخرج إليهم صلاح الدين في عساكر كثيرة من مصر، وتوجه إلى دمياط، فتقاتل مع الفرنج أشد القتال، وكانوا نحو مائتي مركب، فأقام صلاح الدين يحاصر الفرنج على دمياط نحو خمسة وخمسين يوما فانكسر الفرنج وانهزموا نحو بلادهم مدبرين وانتصر عليهم صلاح الدين. فلما رحل الفرنج إلى بلادهم توجه صلاح الدين من هناك إلى الشام فأقام بها مدة. قيل لما دخل صلاح الدين إلى دمشق نزل بالميدان الكبير فجاءت إليه أرباب الملاعب من المصارعين والمتأنقين وغير ذلك، وكان فيما جاء إليه رجل أعجمي فتكلم معه بأن يريه أعجوبة في صنعة الشعبذة، فأذن له في ذلك، فنصب خيمة لطيفة في الميدان بين يدي السلطان صلاح الدين وأخرج من كمه كبة خيط فربط طرف ذلك في يده، ثم حدف تلك الكبة الخيط في الهواء ثم تعلق بها وصعد حتى غاب عن الأبصار، ثم سقطت بين الناس إحدى رجليه وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت إلى الخيمة، ثم سقطت إحدى يديه ودخلت إلى الخيمة، ثم سقطت اليد الأخرى ودخلت إلى الخيمة، ولم تزل أعضاؤه تتساقط عضوا بعد عضو حتى سقط الرأس وصار يزحف على الأرض حتى دخل الخيمة ثم بعد ساعة خرج ذلك الرجل وهو سوى كما كان يمشي على أقدامه، فقبل الأرض بين يدي الملك الناصر … فبهت الناس من ذلك، ثم أن الرجل دخل الخيمة ثانيا قدام الناس فقال رفيقه للحاضرين: "ادخلوا الخيمة فتشوا فيها". . فدخلوا الخيمة وفتشوا فيها فلم يجدوا فيها أحدا، ثم فكوا الخيمة ونصبوها في مكان آخر فخرج منها ذلك الرجل وهو يمشي على أقدامه كما دخل، فتعجب منه الناس ومن كان حول الملك الناصر من الأمراء. ثم أن الأمير سنقر الأخلاطي حنق من ذلك الرجل الذي صنع هذه الشعبذة فقام إليه بالسيف وضرب عنقه بين الناس، وقال للملك الناصر إن مثل هذا لا يؤمن أن يكون

стр. 76

جاسوسا من عند أحد من الفرنج، ثم أراد الأمير سنقر أن يقتل رفيقه فاستجار بالملك الناصر وزعم أنه لا يعرف شيئا مما كان يعمله رفيقه، فقال له الملك الناصر: "أخرج من دمشق في هذه الساعة، ولا تقم بها فيقتلوك" فخرج من وقته. قال ابن كثير إن الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب هو أول من قرر الخدام الخصيان بمدينة النبي ﷺ ، ولم يكن بها أحد من الخدام قبل ذلك، وكان سبب تقريره للخدام أن بني حسن لما تغلبوا على الخلفاء الفاطمية، وأظهروا العصيان، وصاروا يجهرون عند الأذان بقولهم: "حي على خير العمل"، وهو مذهب الشيعة .. فلما تولى مصر الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب استمال بني حسن، وأغدق عليهم الأموال والهدايا حتى أذنوا له أن يجعل على المدينة الشريفة جماعة من قبله، فقرر بالمدينة الشريفة أربعة وعشرين خادما خصيا، وجعل عليهم شيخا من الخدام يقال له بدر الدين الأسدي، ووقف على مجاري المدينة الشريفة بلدين من أعمال الصعيد - وهما نقادة وقبالة، وهما إلى الآن جاريتان في أوقاق الحرمين - وكان شيخ الحرم النبوي إذا قدم من المدينة على الملوك يقومون له ويجلسون إلى جانبهم ويتبركون به لقرب عهده من تلك الأماكن الريفة … واستمر الأمر على ذلك إلى أيام الملك الأشرف برسباي. ومما أنشأه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية من آثار الخير، خانقاه سعيد السعداء التي بالقرب من باب النصر، وأنشأ المدرسة السيوفية التي بالقرب من باب الزهومة، وأنشأ المدرسة التي بجوار الإمام الشافعي - وكانت ساحة - وهو الذي أقام بمجد السادة الشافعية وقدمهم على غيرهم من المذاهب، وأنشأ المدرسة الصلاحية التي بالقدس الشريف عند ما استخلص بيت المقدس من يد الفرنج، وله غير ذلك من الآثار الحسنة أشياء كثيرة بالديار المصرية والبلاد الشامية، واستخلص بلادا كثيرة كانت تحت يد الفرنج من البلاد الإسلامية. واستمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف قائما بأمور الديار المصرية حتى سافر إلى البلاد الشامية في أواخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فلما دخل إلى الشام أقام بها مدة يسيرة ومرض ومات، فكانت وفاته في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومات وله من العمر إحدى وسبعون سنة. ولما مات دفن بدمشق بمدرسة مجاهد الدين، وكانت مدة سلطته بالديار المصرية أربعا وعشرين سنة بما فيها من أيام محمود بن زنكي الشهيد.

стр. 77

ولما مات صلاح الدين يوسف خلف من الأولاد سبعة عشر ولدا ذكرا من صلبه، ولم يخلف في خزائنه لا ذهبا ولا فضة، ولم يخلف قرية ولا بستانا ولا ملكا ولا ضيعة، وأنقذ جميع ما في الخزائن على التجاريد، والغزوات حتى فتح البلاد التي كانت بيد الفرنج. ولما مات تولى من بعده ابنه العزيز عثمان. - الملك العزيز بالله هو الملك العزيز بالله، عماد الدين أبو الفتح، عثمان بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو الثاني من ملوك بني أيوب بمصر. بويع له بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بعهد من أبيه له. وكان أصغر أخوته، وكان أخوه الأفضل أكبر منه. فلما توفي الملك الناصر صلاح الدين بدمشق ولي أبنه الأفضل على دمشق، وولي ابنه المظفر غازي على حلب، وولي ابنه العزيز عثمان على مصر. وكان مولد العزيز بمصر في جمادي الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وولي ملك مصر وله من العمر نحو سبع وعشرين سنة، فلما مات أبوهم صلاح الدين وقع الخلف بين الأخوة، ووثبوا على بعضهم، ولم يقنع أحد منهم بما هو فيه فحصل بينهم من الفتن والحروب ما يطول شرحه عن هذا المختصر. فلما تولى الملك العزيز على مصر وأتى من دمشق وجلس على سرير الملك لم يمش على طريقة والده الملك الناصر صلاح الدين، وسار مع الناس في مصر أقبح سيرة، وقد أخطأت فيه فراسة أبيه الناصر بما كان يرجوه فيه فكان كما قيل في المعنى: أملتهم ثم تأملتهم … فلاح لي أن ليس فهم فلاح طال وقوفي بفنا ربعهم … بغير نفع فالرواح الرواح فأعاد المكوس التي كان أبطلها أبوه صلاح الدين، وزاد في شناعتها، وتجاهر بالمعاصي والمنكرات حتى غلا سعر العنب في أيامه لكثرة من يعصره، وحملت أواني الخمر جهارا من غير انكار وحميت بيوت المزارة وأماكن الحشيش، وأباح ذلك أرباب الأمر والنهي، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة حتى صار يأخذ من أرباب هذه الجهات في كل يوم ستة عشر دينارا حماية للسلطان، فلم يقدر أحد أن يعارض أماكن الفسوق في

стр. 78

أيامه فيما يفعلون، وصارت طاحون الحشيش عمالة في كل يوم في حارة المصامدة، وكذلك بيوت المزارة في الكبش في مكان يقال له الغور. قال القاضي الفاضل إن في أيام الملك العزيز هذا وقع غلاء بسبب توقف النيل، وتشحطت الغلال في وقت ميسورها والقمح في الجرون، واضطربت أحوال الديار المصرية من قلة العدل وكثرة المعاصي والفسوق. ومن الحوادث في أيامه أن دارا كانت في فم السد تعرف بدار ابن مقشر، وكان يحصل في أجرتها في اليوم والليلة ما لا يتحصل من أجرة مثلها في مدة سنة كاملة، وذلك بسبب الفرجة يوم فتح السد إذا أوفى النيل. فلما أن كانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة أوفى النيل على جرى عادته فأكرت الناس تلك الأماكن التي في دار ابن مقشر بسبب الفرجة حتى ما بقي فيها ما يسع قدم إنسان. فبينما الناس محتبكة بها للفرجة إذ سقطت تلك الدار على من فيها من الناس فماتوا جميعا، وكان بها ما ينوف عن خمسمائة نفس من نساء ورجال وصغار وكبار، فأقاموا يستخرجون من فيها من الأموات ثلاثة أيام، فوجدوا بها شخصا يعرف بأبي البقا وفيه بعض نفس، طلع من تحت الردم وقد كاد أن يفارق الدنيا، فلما شم الهواء عوفي وعاش بعد ذلك مدة طويلة، ثم طلع إلى سطح داره في بعض الأيام ونزل وهو مستعجل فزلت رجله من ثلاث درج من سلم السطح فمات من وقته وساعته. قال ابن المتوج: "جاء رجل من بلاد العجم إلى القاهرة فأوحى إلى الملك عثمان بأن الهرم الصغير الذي في الجيزة - وهو المكسو بالحجر الصوان - تحته مطلب، فوجه إليه الملك العزيز جماعة من الحجارين ليهدموه، فأقاموا في هدمه نحو شهر ولم يهدموا منه إلا اليسير، فأنفق على هدمه في هذه المدة مالا جزيلا، فلما أعياه ذلك تركه. وآثار ذلك النقب فيه إلى الآن، وقد نزعوا عنه بعض الحجارة الصوان. سنة خمس وتسعين وخمسمائة (١١٩٨ م): فيها خرج الملك العزيز إلى نحو الفيوم يتصيد على سبيل الفرجة، فلاح له ظبي فساق خلفه فكبا به الفرس فدخل قربوس السرج في صدره فمات من وقته، فحمل إلى القاهرة ودفن عند الإمام الشافعي ﵁. وكانت وفاته في يوم الخميس العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فكانت مدة سلطنته في الديار المصرية نحو سبع سنين وأشهر. ولما مات تولى من بعده ابنه محمد.

стр. 79

- الملك المنصور هو الملك المنصور محمد، بن الملك العزيز عثمان، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو الثالث من ملوك بني أيوب، بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العزيز في العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان له من العمر لما تولى السلطنة نحو عشرين سنة، وكان القائم بأمور دولته الأمير بهاء الدين قراقوش - وهو صاحب الحارة المنسوبة إليه - فساس الرعية في أيامه أحسن سياسة وأحبته الرعية، ودعوا له بطول البقاء. وفي أيامه توفي القاضي عبد الرحيم الفاضل صاحب ديوان الإنشاء، وهو أول من أظهر التورية في الشعر. قال الأسعد بن مماتي:" كان القاضي الفاضل دميم الخلقة، وكان له حدبة ظاهرة خلف ظهره، وكان يسترها بالطيلسان حتى لا تظهر للناس ". وقد هجاه ابن عنين الشاعر بسبب حدبته بهذه الأبيات: حاشا لعبد الرحيم سيدنا ال … - فاضل ماذا تقوله السفل يكذب من قال إن حدبته … في ظهره من عبيده حبل هذا قياس في غير سيدنا … يصح ان كان يحبل الرجل ومن النكت اللطيفة قول الأسعد بن مماتي: دخلت يوما على القاضي الفاضل، فرأيت إلى جانبه أترجة بديعة الخلقة، فجعلت أنظر إلى تلك الأترجة فقال لي الفاضل: أراك تطيل النظر إلى هذه الأترجة. فقلت: أتعجب من شكلها وبديع خلقتها. فقال لي الفاضل: ولها نسبة أيضا فيما بها من الاحتداب. فقلت الله الله يا مولانا. ثم إني ارتجلت بيتين من الشعر وهما هذان: للحسن، بل لله، أترجة … قد أذكرتنا بجنان النعيم كأنها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرحيم فلما سمع ذلك أعجبه وزال ما عنده مما كان قد توهمه مني.

стр. 80

قال الأسعد بن مماتي: ثم اني ذكرت هذه الواقعة لبعض أصحابي، فقال لي: أحمد الله إذ أنشدته ذلك من لفظك ولم تكتبها له … فربما تصحفت عليه في اللفظ فيقرؤها" من هيئة " الفاضل عبد الرحيم … فيزداد حنقا من ذلك. واستمر الملك المنصور في السلطنة مدة يسيرة، وتقلبت عليه أعمامه من أجل السلطنة، وجرى بينهم من الحروب ما يطول شرحه عن هذا المختصر. وآخر الأمر خلع الملك المنصور من السلطنة، وسجن بقلعة الجبل واستمر مسجونا إلى أن مات في السجن، فكانت مدة سلطنته بمصر تسعة أشهر وأياما. ولما خلع الملك المنصور تولى من بعده عم أبيه الأمير أبو بكر بن أيوب. - الملك العادل هو الملك العادل سيف الدين أبو بكر، بن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي، وهو الرابع من ملوك بني أيوب بمصر. بويع بالسلطنة بعد خلع ابن ابن أخيه المنصور محمد في شوال سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وكان العادل هذا في أيام أخيه الناصر صلاح الدين يوسف قد استولى على عدة من بلاد الشرق. وكان العادل هذا مسعودا في جميع حركاته، يحب الغزو في سبيل الله، خفيف الركائب، صبورا على الجهاد، وكان مولده بمدينة بعلبك في سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان أصغر من أخيه صلاح الدين يوسف. فلما تولى السلطنة بمصر مشى على نظام الملوك القديمة في الحرمة الوافرة ونفاذ الكلمة. قيل أنه كان يشتي بمصر ويصيف بالشام، وكانت مملكة مصر والشام في أيامه مضبوطة لا يختل شيء من نظامها. واستمر الأمر على ذلك سنة سبع وتسعين وخمسمائة (١٢٠٠ م): فيها توقف النيل عن الزيادة قبل الوفاء، وثبت على اثنى عشر ذراعا وإصبع واحد، ثم هبط ولم يزد بعد ذلك شيئا من الأصابع فاضطربت أحوال الديار المصرية، وأكلت الناس بعضها بعضا. واستمر النيل على ذلك ثلاث سنين متوالية، ولم يزد غير عشرة أذرع ثم يهبط، فوقع القحط بالديار المصرية وعدمت الأقوات في سائر أعمال مصر، فصار الناس من شدة الجوع يأكلون القطط والكلاب والحمير والبغال والخيل والجمال حتى ما بقي بمصر دابة، فصار الناس إذا قوى أحدهم على صاحبه يذبحه بيده ويأكله، وصار الرجل يذبح ابن جاره ويأكله، ولا ينكر ذلك عليه، ويذبح ولده بيده ويأكله من شدة الجوع

стр. 81

وهذا كله بعد أن فرغت الكلاب والقطط والوحوش والطيور. وقد تناهي سعر القمح في السنة الثالثة إلى مائة دينار كل أردب … ولا يوجد. ثم جاء عقيب ذلك فناء عظيم حتى مات من أهل مصر نحو الثلثين. قال أبو شامة المؤرخ إن الملك العادل أبا بكر ابن أيوب كفن من ماله في مدة يسيرة ممن مات من الغرباء نحو مائتين وعشرين ألف إنسان، غير من مات من أهل المدينة فلم يحص لهم عدد حتى قيل كان النيل إذا طلع لم يجد من يزرع الأراضي، فكانت الترك تخرج بنفسها يحرثون ويزرعون بأيديهم، ويبذرون في الأرض الغلال لعدم وجود الفلاحين. وقيل فقد من الأطباء في تلك السنة جماعة كثيرة … يدعونهم إلى المريض فإذا حصلوا عندهم في الدار يذبحونهم ويأكلونهم. وكذلك النساء الغواسل … يدعونهن إلى الأموات فيذبحونهن ويأكلونهن، حتى قيل إن رجلا استدعى بطبيب فلما مضى معه الطبيب جعل ذلك الرجل يكثر من ذكر الله تعالى بطول الطريق، فسكن روع ذلك الطبيب بعد ما كان على وجل، فلما وصلا إلى الدار فإذا هي دار خربة، فارتاع ذلك الطبيب فخرج إليه رجل من الخربة وقال للرجل الذي جاء بالطبيب: "وهل مع هذا البطء العظيم جئت إلينا بصيد؟ ". .. فلما سمع الطبيب ذلك ولى هاربا، وما خلص إلا بعد جهد عظيم. واستمر الأمر على ذلك مدة ثم سكن الحال، وتراجع الأمر قليلا قليلا، وظهرت الغلال، وانحط سعر القمح حتى صار مرميا لا يجد من يشتريه، وتراجع سعر كل شيء، وانصلح الوقت وطاب، ورجع الماء إلى مجاريه فكان كما قيل في المعنى: إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة … فهيئ لها صبرا وأوسع لها صدرا فإن تصاريف الزمان كثيرة … فيوما ترى عسرا ويوما ترى يسرا ثم ان الملك العادل استمر في السلطنة بمصر حتى خرج إلى نحو الشام لتفقد الأحوال، فمرض هناك ومات ودفن بدمشق، فكانت وفاته في جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدة سلطنته بمصر ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر. وكان العادل هذا رجلا طويلا جسيما، مدور الوجه، شرها في الأكل، يأكل الخروف وحده وكان يحب من يأكل معه مثل أكله. ولما مات الملك العادل خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: الملك محمد الكامل، فاستمر بعد أبيه العادل على مملكة الديار المصرية.

стр. 82

وابنه الملك المعظم عيسى، فاستقر بعد أبيه العادل على مملكة البلاد الشامية. وابنة الملك الأشرف موسى شاه أرمن، فاستقر بعد أبيه على مملكة البلاد الحلبية. وكان موسى شاه أرمن هذا بديع الحسن والجمال، وهو ممدوح القاضي كمال الدين بن النبيه في جميع قصائده حيث يقول من قصيدة: يا طالب الرزق ان سدت مذاهبه … قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت وقال في ختم زجل: والشفق أحمر وأصفر رايات شاه أرمن … ذا ملك بحال جمالو ما خلق وليس يخلق وفي أيام العادل أبي بكر توفي مؤيد الدين - صاحب لامية العجم - الطغرائي. وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد. وكان كاتب الملك مسعود صاحب حماه. فلما كانت الواقعة بين الملك مسعود وبين أخيه الملك محمود شاه، انكسر الملك مسعود وولى هاربا، فكان أول من أسر من جماعة الملك مسعود مؤيد الدين الطغرائي. فلما مثل بين يدي الملك محمود شاه - وكان بينه وبين الطغرائي عداوة بسبب مملوكه فريد الحسن - أمر بقتل الطغرائي على يد ذلك المملوك الذي كان يهواه، فرمى عليه بالنشاب فقتله. وقيل عفا عنه ومات الطغرائي عقيب ذلك من الرجفة. - الملك الكامل هو الملك الكامل، ناصر الدين محمد، بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وهو الخامس من ملوك بني أيوب بمصر. بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العادل في يوم الجمعة سابع جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وكان الملك الكامل أكبر أخوته. قال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخه إن الملك الكامل استولى على الديار المصرية نحوا من أربعين سنة، نصفها في حياة أبيه الملك العادل، ونصفها مستقل بها بمفرده، وكان كثير الغزوات، ويحب الجهاد، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة من البلاد الشامية والمصرية. وكان الملك الكامل يكثر من الإقامة في العباسية، ويقول: "هذه أحسن من مصر، فإني إذا أقمت بها أصطاد الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل إلي خبر القاهرة في يومه مع النجباء في كل يوم مرتين". وكان من حبه للعباسية أنشأ بها البساتين والمناظر برسم الحرم والسراري.

стр. 83

وفي أيامه توفي الشيخ الصالح أبو الحسن الدينوري وكان من كبار العلماء الأولياء، وله كرامات خارقة، ودفن بالقرب من الجبل المقطم، وكانت وفاته في ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة. ومن الحوادث في أيامه أن شخصا مغربيا دخل إلى الديار المصرية، وكان من علماء فن السيميا، فأظهر لشخص من الأعيان بستانا خارج القاهرة من أحسن ما يكون، كثير الأشجار من أصناف الفواكه المثمرة، وفيه خمس سواق دائرة، وعدة ثيران واقفة برسم السواقي، وحوله واقفة من حول هذا البستان. فلما رآه ذلك الرجل أعجبه فاشتراه من المغربي بألف دينار وقبضه الثمن، وأشهد عليه المغربي بتسليم ذلك البستان بقاض وشهود … ثم مضى ذلك المغربي إلى حال سبيله وبات ذلك الرجل في البستان الذي اشتراه، فلما أصبح وجد نفسه بين الكيمان ولم ير شيئا من ذلك البستان الذي باعه له المغربي، فصار يسأل من الناس: "هل كان قبل ذلك اليوم هنا بستان؟ ". فيقولون: "ما سمعنا بهذا قط". فصار الرجل متعجبا من ذلك، وشاع أمره بين الناس فلما بلغ الملك الكامل ذلك طلب المغربي فلم يجده وأخذ الألف دينار ومضى إلى حال سبيله. وهذه الواقعة من الغرائب. وقال بعض المؤرخين إن ملوك اليمن أهدت إلى الملك الكامل محمد شمعدانا من نحاس يخرج منه عند طلوع الفجر شخص من نحاس لطيف الخلقة يخاطب الملك قائلا: "صبحك الله بالخير … قد طلع الفجر"، أو صفير هذا معناه. وكان هذا الشمعدان من صنعة الميقاتية، فأقام في حواصل الملوك إلى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم فقد. وفي أيام الملك الكامل هذا توفي الشيخ زكي الدين العوضي، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، وكان سبب موته - كما قيل - أنه كان في خدمة الملك المظفر محمود صاحب حماه، وكان قبل أن يلي حماه وعد الشيخ زكي الدين العوضي أنه إذا تولى حماه يعطي الشيخ زكي الدين ألف دينار. فلما تولى حماه كتب إليه الشيخ زكي الدين هذه الأبيات: مولاي هذا الملك قد نلته … برغم مخلوق من الخالق والدهر منقاد لما شئته … فذا أو ان الموعد الصادق فعند ذلك دفع إليه الملك المظفر الألف دينار التي وعده بها، ثم ان الملك المظفر صار يرسل الشيخ زكي الدين في الأسفار إلى بعض أشغاله فصرف الألف دينار على الأسفار ولم يبق منها شيء، فبلغ الملك المظفر أن الشيخ زكي الدين قال في معنى ذلك شعرا:

стр. 84

إن الذي أعطوه لي جملة … قد استردوه قليلا قليل فليت لم يعطوا ولم يأخذوا … وحسبنا الله ونعم الوكيل فلما بلغ الملك المظفر ذلك أمر بحبسه، فحبس، فبلغه عنه أنه قال وهو في السجن هذا البيت من قصيدة: أعطيتني الألف تعظيما ومكرمة … يا ليت شعري! أم أعطيتني ديتي؟ فلما بلغ الملك المظفر ذلك أمر بخنقه، فخنق وهو في السجن، ودفن تحت الليل. سنة ثمان عشرة وستمائة (١٢٢١ م): فيها جاءت الأخبار بأن الفرنج جاءوا إلى ثغر دمياط في مائتي مركب، واستولوا على مدينة دمياط وملكوها. فعند ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية، ونادى الملك الكامل في القاهرة بأن النفير عام … فاجتمع من العساكر نحو عشرين ألف مقاتل، فعند ذلك خرج الملك الكامل من القاهرة ومعه تلك العساكر فتوجه إلى دمياط، ونزل قبالة طلخا على رأس بحر أشموم، واجتمع هناك السواد الأعظم من الخلائق، وصار الملك يحاصر الفرنج في دمياط، وقد حصن الفرنج سور دمياط، وجعلوا الجامع الكبير كنيسة. فلما دام الحصار بينهم وقع الغلاء بين عسكر السلطان الكامل حتى عدمت الأقوات وبلغ الرغيف الخبز ثقله فضة، وبيعت بيضة الدجاجة بدينار، وصار السكر في مقام الياقوت الأحمر … فكانت الخيول والبهائم تأكل من أوراق الشجر في مدة هذه المحاصرة. وكانت المحاصرة في ثغر دمياط ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما. وقد أسرف الافرنج في القتل والنهب والأسر. وسير الملك الكامل السعاة إلى سائر البلاد يستحث الناس إلى الحضور لأجل دفع الفرنج عن الديار المصرية. قيل كان في مدة هذه المحاصرة يمشي في ركاب الملك الكامل شخص يسمى شمايل - وكان من جملة الجندارية - فكان يسبح في البحر تحت الليل، ويأتي الملك الكامل بأخبار الفرنج، فحظي بذلك عند الملك الكامل. فلما انتصر على الافرنج ولى شمايل المذكور القاهرة، وصار مقربا عنده، وإليه تنسب خزانة شمايل، وهي عبارة عن سجن يحبس فيه أصحاب الجرائم. ولما طال حصار الملك الكامل على دمياط أنشأ هناك قرية وسماها "المنصورة"، وبنى بها الأسواق والفنادق والحمامات، ولا زالت تتزايد في العمارة إلى الآن.

стр. 85

ثم ان الملك المظفر محمود - صاحب حماه - حضر في عسكر كثيف عند الملك الكامل ليعاونه به على دفع العدو، فاجتمع هناك من العساكر نحو أربعين ألف مقاتل، فجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه عن هذا المختصر. فلما طال الأمر على الأفرنج أيقنوا بالهلاك، وأرسلوا يطلبون من الملك الكامل الأمان على أنهم يتركون دمياط ويرحلون عنها إلى بلادهم، فاتفق الحال على أن كلا من الفريقين يعطي رهائن من أقاربه، وعلى أن كلا من المسلمين يطلق من عنده من الأسارى، وعلى أن الأفرنج يطلقون من عندهم من الأسرى من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فحلف الملك الكامل والافرنج على ذلك، ووقع الصلح على ذلك. فأرسل ملك الافرنج عشرين ملكا من عنده رهنا إلى الملك الكامل، وأرسل الملك ابنه الأمير نجم الدين مع جماعة من الأمراء إلى ملك الافرنج … فعند ذلك سلم الافرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، وأطلقوا من كان عندهم من الأسرى من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكذلك أطلق الملك الكامل من كان عنده من الافرنج الأسرى. قيل لما سلم الفرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، جاء عقيب ذلك إلى الافرنج نجدة من البحر نحو مائتي مركب، وكان من جميل صنع الله تأخرها إلى حين تسلم المسلمون دمياط، لأنها لو جاءت قبل ذلك لتقووا بها من المسلمين، وأبوا عن الصلح، فلما تسلم الملك الكامل مدينة دمياط كان يوم دخوله إليها يوما مشهودا لم يسمع بمثله، وعمت البشائر سائر الآفاق، وكانت مدة استيلاء الفرنج على ثغر دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، والملك الكامل معهم في جهاد ليلا ونهارا، لا يكل من الحروب في هذه المدة. وكانت هذه النصرة في سنة تسع عشرة وستمائة. قال الشيخ شمس الدين الذهبي إن في مدة المحاصرة حضر إلى الملك الكامل أخواه - وهما الملك المعظم عيسى صاحب دمشق والملك الأشرف موسى شاه أرمن صاحب حلب وماردين - فلما حصلت هذه النصرة أحضر الملك أخويه واجتمعوا في القصر الذي أنشأه الملك الكامل في المنصورة، وكان مبتدأ عمارة المنصورة في سنة عشرين وستمائة، فلما اجتمعوا في القصر أحضروا سفرة الشراب بعد أن مد لهم سماط عظيم هناك. فلما جلسوا إلى المنادمة بعد ما قاسوا من الافرنج أهوالا عظيمة كما قيل في المعنى: فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نساء ويوم نسر أحضر الملك الأشرف موسى جارية تغني على عود، فحركت العود وأنشدت تقول: ولما طغى فرعون عكا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض

стр. 86

أتى نحوه موسى وفي يده العصا … فأغرقهم في اليم بعضا على بعض فطرب الملك الأشرف موسى لذلك فشق على أخيه الملك الكامل محمد هذا المعنى، وأسرها في نفسه، ثم أنه أرسل خلف الراجح الحلى الشاعر وأمره بأن يجيب عن ذلك المعنى بشيء - والراجح الحلى هذا أقدم من الصفى الحلى - وقد قال ابن نباتة في معنى ذلك هذين البيتين: يا سائلي عن رتبة الحلى في … نظم القريض رواضيا بي أحكم للشعر حليان ذلك راجح … ذهب الزمان به، وهذا قيم ثم ان الراجح الحلى نظم هذين البيتين ودفعهما إلى الملك الكامل، فأمر الملك الكامل بإحضار جارية تضرب بالعود، فحضرت في اليوم الثاني وأخذت العود وغنت عليه بهذه الأبيات: أيا أهل دين الكفر قوموا لتنظروا … لما قد جرى في عصرنا وتجددا الا أن موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا فلما سمع الملك ذلك طرب له، وأمر لكل جارية بخمسمائة دينار، وأجاز الراجح الحلى بجائزة سنية. ثم ان الملك الكامل دخل إلى القاهرة في موكب عظيم ومعه أخواه الملك الأشرف موسى والملك المعظم عيسى، فأقاموا في القاهرة مدة يسيرة وتوجها إلى بلادهما. ثم ان الملك الكامل أخذ في أسباب بناء مدرسته الكاملية التي بين القصرين، وكانت تسمى دار الحديث، قيل لما ان حفروا أساس هذه المدرسة وجدوا هناك صنما كبيرا من ذهب، فأمر الملك الكامل بأن يسبك ذلك الصنم وينفق على بناء هذه المدرسة، فبنيت من وجه حل. وهو الذي أنشأ هذه القبة العظيمة على ضريح الامام الشافعي ﵁، وبنى المجراة من بركة الحبش إلى تربة الإمام الشافعي ﵁ تجري بالماء في أيام النيل وهي باقية إلى الآن. وبنى الحوض على الطريق السالكة عند تربة الإمام الشافي ﵁. ولما ماتت أم الكامل دفنت عند الإمام الشافعي داخل القبة.

стр. 87

وتوفي في أيامه القاضي كمال الدين ابن النبيه، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، وهو الذي مدح بني أيوب بقوله من قصيدة: دمتم بني أيوب في نعمة … تجوز في التخليد حد الزمان والله لا زلتم ملوك الورى … شرقا وغربا وعلى الضمان وكان الملك الكامل سعيد الحركات في أفعاله، كثير الجهاد والغزوات والفتوحات. وفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة في ثاني جمادي الأولى توفي الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الصغرى تحت العارض بالجبل المقطم. وكان مولده بالقاهرة في رابع ذي القعدة سنة سبع وسبعين وخمسمائة، فكانت مدة حياته أربعا وخمسين سنة وستة أشهر وأياما، ولما مات دفن تحت رجلي شيخه الشيخ محمد البقال رحمة الله عليه، وكان أصله من حماة، وإنما سمى بابن الفارض لأن والده الشيخ شمس الدين كان من كبار أهل العلم، وقد انفرد في علم الفرائض، فسمى لذلك الفارض. وكان الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ﵁ فريد عصره في علم التصوف، وكان له نظم فائق في معاني الغراميات لم يسبق إليه. وقد عاصر من العلماء الشيخ أبا القاسم المنفلوطي، والشيخ صفي الدين ابن أبي المنضور، والشيخ شمس الدين الأيكى شيخ خانقاه سعيد السعداء، والشيخ سعد الدين الحارثي الحنبلي المحدث، والقاضي أمين الدين بن الرقاقي، والشيخ جمال الدين الأسيوطي، والشيخ شهاب الدين السهروردي ﵁، والشيخ برهان الدين الجعبري، والقاضي شمس الدين بن خلكان، والشيخ شهاب الدين بن الخيمي، وكان له نظم لطيف، وكان يطارح به ابن الفارض - والشيخ نجم الدين بن اسرائيل … وغير ذلك جماعة كثيرة من العلماء والصوفية، ولم ينكر عليه أحد منهم في حالاته ولا نظمه، وكانوا معه في غاية الأدب. ومما وقع للشيخ شرف الدين عمر بن الفارض أنه كان مقيما بجامع الأزهر، فأراد يوما أن يتوجه إلى جامع عمرو بن العاص الذي في مصر العتيقة، فأحضروا إلى الشيخ مكاريا ليركبه إلى جامع عمرو، فقال أصحاب الشيخ للمكاري: "كم لك من هنا إلى جامع عمرو؟ ". فقال المكاري: "خلوا الشيخ يركب معي على الفتوح". فقال الشيخ: "نعم نركب معك على الفتوح". فركب معه الشيخ وتوجه إلى جامع عمرو، فلما كان في أثناء الطريق لقي الشيخ بعض أعيان الناس فترجل له عن فرسه فسلم عليه ثم أرسل إلى الشيخ مائة دينار مع غلامه، فقال الشيخ: "ادفعوا هذه المائة إلى المكاري، فانا ركبنا معه على

стр. 88

الفتوح". فدفعوا المائة دينار إلى المكاري، فبعث إليه بمائة دينار أخرى غير المائة الأولى، فقال الشيخ: "ادفعوا إلى المكاري، فانا ركبنا معه على الفتوح". فلما وصل الشيخ إلى جامع عمرو نزل عن الحمار وصار يعتذر إلى المكاري في التقصير، وقال: "لو دخل إلينا أكثر من ذلك لدفعناه إليك". ثم ان الملك الكامل قصد التوجه إلى دمشق لتفقد الأحوال، فخرج من القاهرة وتوجه إلى دمشق، فلما دخلها أقام بها مدة ثم مرض ومات هناك ودفن بدمشق. وكانت وفاته في العشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، فكانت مدة سلطنته بمصر نحوا من عشرين سنة. ولما مات تولى من بعده ابنه العادل أبو بكر. - الملك العادل هو الملك العادل سيف الدين أبو بكر، بن الملك الكامل محمد، بن الملك العادل أبي بكر، بن نجم الدين أيوب، وهو السادس من ملوك بني أيوب بمصر. بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الكامل محمد. تولى الملك في سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان سبب سلطتنه أنه لما توفي أبوه الملك الكامل بدمشق، كان العادل أبو بكر هذا نائبا عن أبيه بمصر لما أن توجه إلى دمشق، فلما توفي هناك الملك الكامل، وجاءت الأخبار بموته إلى القاهرة، اتفق رأى الأمراء الذين كانوا بمصر على أن يسلطنوا الأمير أبا بكر بن الملك الكامل عوضا عن أبيه، فسلطنوه ولقبوه بالملك العادل على اسم جده الملك العادل أبي بكر، فلما بلغ أخاه نجم الدين، وكان نائبا بحلب، أن أخاه تسلطن بمصر - وكان العادل أصغر من أخيه نجم الدين - شق ذلك على نجم الدين وحضر من حلب إلى الديار المصرية في أسرع مدة. فلما دخل إلى مصر وثب على أخيه الملك العادل وحاربه وجرى بينهما من الحروب ما يطول شرحه عن هذا المختصر. وصار العسكر معهم فريقين: مع كل أخ فريق. ودام الأمر على ذلك ثم قويت شوكة الأمير نجم الدين على أخيه العادل فخلعه من السلطنة وسجنه بقلعة الجبل إلى أن مات، كما سيأتي ذلك في موضعه، فكانت مدة ولايته على مصر سنة وشهرين واياما. ولما خلع تولى من بعده أخوه نجم الدين.

стр. 89

- الملك الصالح هو الملك الصالح نجم الدين أيوب، بن الملك الكامل محمد، بن الملك العادل أبي بكر، بن نجم الدين بن أيوب، وهو السابع من ملوك بني أيوب بمصر، بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الملك العادل أبي بكر في يوم الاثنين خامس عشرى ذي القعدة سنة ست وثلاثين وستمائة، وتولى الملك وله من العمر نحو أربع وثلاثين سنة. وكان مولده في سنة ثلاث وستمائة بمصر في قلعة الجبل. فلما تم أمره في السلطنة وأطاعه الجند أخذ في أسباب تدبير ملكه، واستكثر من مشترى المماليك حتى ضاقت بهم القاهرة، وصاروا يشوشون على الناس وينهبون البضائع من الدكاكين، فضج منهم الناس، وفي ذلك قال بعض الشعراء: الصالح المرتضى أيوب أكثر من … ترك بدولته … يا شر مجلوب! قد آخذ الله أيوبا بفعلته … فالناس قد أصبحوا في ضر أيوب فلما بلغ الملك الصالح ذلك بنى لهم قامة في الروضة بالقرب من المقياس، وأسكنهم بها وسماهم المماليك البحرية. وجعل حول تلك القلعة شواني حربية مشحونة بالسلاح معدة لقتال الفرنج إذا طرقوا البلاد فتكون هذه المماليك على أهبة، فينزلون في الحال في الشواني ويتوجهون إلى قتال الفرنج، وكان عدتهم ألف مملوك قاطنين بالقلعة لا يخالطون الناس بالمدينة، ولهم الرواتب والجوامك عمالة بسبب ذلك. وآثار هذه القلعة باقية في الروضة إلى الآن. قال الشيخ شمس الدين الذهبي إن طائفة من هذه المماليك خرجوا من القاهرة هاربين من السلطان في سنة اثنتين وأربعين وستمائة، فتوجهوا إلى نحو التيه، فتاهوا به نحو خمسة أيام، فلاح لهم في اليوم السادس سواد فقصده فإذا هو مدينة عظيمة ولها سور ولها أبواب وهي مبنية بالرخام الأخضر، فدخلوا إليها وطافوا بها، فوجدوا بها أسواقا ودورا، ووجدوا فيها صهاريج فيها ماء أحلى من العسل وأبرد من الثلج - فشربوا منه، ووجدوا في بعض الدكاكين التي في أسواقها دنانير من الذهب وعليها كتابة بالقلم القديم، فأخذوا تلك الدنانير وخرجوا من المدينة فساروا ليلة كاملة، فلما أصبحوا وجدوا طائفة من العرب هناك فحملوهم إلى مدينة الكرك فأخرجوا تلك الدنانير التي معهم إلى بعض الصيارفة فإذا عليها مكتوب اسم موسى ﵇. وقيل إن هذه المدينة بنيت في زمن موسى وكان

стр. 90

يقال لها المدينة الخضراء من مدائن بني اسرائيل، وقد طمست بالرمال، فتارة تنقص عنها الرمال فتظهر، وتارة تطمها … فلاحت إلى هؤلاء المماليك وقت تنافص الرمل عنها. وفي سنة أربع وأربعين وستمائة أنشأ الملك الصالح نجم الدين مدينة على أطراف الرمل وسماها الصالحية، وأنشأ بها الأسواق والفنادق والمساجد، فترايدت في العمارة وصارت مدينة على انفرادها. وهو الذي أنشأ المدرستين تجاه باب الصاغة، وهي: النجمية، والصالحية قلعة العلماء. ومن الوقائع في أيامه أن الأمير شهاب الدين بن يغمور والي القاهرة أمر بشنق عشرين رجلا كانوا يقطعون الطريق على الناس ويقتلون من يظفرون به، فلما شنقهم أمر الخفراء بحفظهم، فلما جاء الليل عدهم الخفراء فإذا هم تسعة عشر مشنوقا … فخاف الخفراء من الأمير شهاب الدين أن يسألهم عنه، فقعدوا على الطريق ينتظرون من يمر بهم فيشنقونه عوضا عن ذلك الرجل، وإذا بشخص قد مر بهم فقاموا إليه وأمسكوه وشنقوه مع جملة المشانيق، فلما لاح الصباح أتى الأمير شهاب الدين وعد المشانيق فإذا هم أحد وعشرون رجلا فقال للخفراء: "ومن هذا الرجل الزائد الذي معهم؟ ". فبهتوا … فقال لهم: "ما شأنكم؟ ". فقالوا: "يا أيها الأمير، قد عددناهم في الليل فرأيناهم ناقصين واحدا، فمر بنا في الليل هذا الرجل فأمسكناه وشنقناه معهم". فقال لهم الأمير شهاب الدين: "أروني هذا الرجل المسكين الذي وقع لكم". فلما رآه وجده شخصا قاطع طريق وله مدة هو محث في طلبه ولا يقدر على تحصيله، فلما رآه سر به وتعجب من هذه الواقعة غاية العجب. ثم ان الملك الصالح صفا له الوقت، وكثرت مماليكه، وطالت أيامه في السلطنة … فعند ذلك تعرض لقتل أخيه الملك العادل أبي بكر الذي كان في السجن بقلعة الجبل فقتله في ثالث شوال سنة أربعين وستمائة ودفن عند الإمام الشافعي ﵁. فلما قتل الملك الصالح أخاه العادل أقام بعد قتله أياما يسيرة، ثم ابتلاه الله تعالى بأكله طلعت في وجهه فرعته إلى آخره، واستمر عليلا وثقل المرض عليه. سنة سبع وأربعين وستمائة (١٢٤٩ م): فيها جاءت الأخبار بأن ريدا فرنيسي، ملك الافرنج (١)، أتى إلى ثغر دمياط في مائتي مركب مشحونة بالرجال، غير من أتى في البر من المقاتلين. وكان ريدا فرنسيس هذا قد استولى على غالب بلاد الأندلس وسبى أهلها، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم،

стр. 91

ونهب أموالهم. وكانت طائفة هذه الافرنج غير الطائفة التي جاءت في أيام الملك الكامل محمد كما تقدم ذكر ذلك. فلما تحقق الملك الصالح ذلك أمر باشهار انتداء في مصر والقاهرة بأن النفير عام، ولا يتأخر صغير ولا كبير، فان العدو قد استولى على البلاد، ووصلت بوادره للمنصورة فاضطربت أحوال الديار المصرية، وماجت بأهلها. ثم أن الملك الافرنج ريدا فرنسيس لما أحاط بغثر دمياط أرسل كتابا إلى نائب دمياط يهدده فيه ويحذره، وذكر له ما جرى على أهل الأندلس من القتل والسبى. فلما سمع أهل دمياط بذلك هربوا تحت الليل. فلما أصبح الافرنج وجدوا أبواب المدينة مفتحة وليس فيها أحد من الناس، فظن الافرنج أن ذلك مكيدة من المسلمين، فتمهلوا حتى ظهر لهم أن ما في المدينة أحد من المسلمين، فدخلوا من غير مانع وملكوها. فلما سمع الملك الصالح بذلك نادى في مصر والقاهرة بالرحيل، فخرج الناس قاطبة وسائر الأمراء، وخرج الملك الصالح في محفة، فانه كان مريضا على غير استواء. فلما وصل إلى نحو المنصورة نزل بها، وأمر بجمع العربان من سائر النواحي، فاجتمع من العالم ما لا يحصى. ثم ان الملك الصالح أحضر نائب دمياط وشنقه وشنق معه نحو خمسين أميرا بسبب خروجهم من دمياط بغير اذن من السلطان، فعز ذلك على الأمراء وقصدوا أن يقتلوا الملك الصالح هناك فأشار بعض الامراء بعدم ذلك، وقال هذا غير صواب … فصار القتال بين المسلمين والافرنج: كل فرقة تقتل من الأخرى، وأسر جماعة كثيرة. هذا والسلطان كل يوم يتزايد في المرض حتى أيست منه الأطباء. فلما كانت ليلة الأحد رابع عشر شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة (١٢٤٩ م) توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد. فلما مات الملك الصالح بالمنصورة كتم موته خوفا من الافرنج أن يطمعوا في أخذ البلاد من أيدي المسلمين، فحمل السلطان بعد أن مات في زورق تحت الليل وجاء به إلى قلعة الروضة فدفن بها. وقيل نقل بعد ذلك إلى مقام الإمام الشافعي ﵁ ودفن عند أقاربه داخل القبة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية نحو تسع سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يوما. ولم يشعر أحد من الناس بموته، فكانت المراسيم تخرج كل يوم بعلامة السلطان فلا يشك من يراها أنها بخط السلطان الصالح، وكانت الأمراء تجتمع في الموكب ويظهرون أن السلطان مريض، وكانت الأطباء تدخل على جارى العادة في كل يوم، وكان طبق

стр. 92

المزاور يدخل في كل يوم ويخرج على جاري العادى، والمراسيم في كل يوم رائحة من المنصورة إلى القاهرة في الاشتغال، ولم يعلم أحد بموت الصالح في القاهرة … وكان القائم بتدبير هذه الأمور الأمير حسام الدين لاجين، والأمير فارس الدين اقطاى في هذه المدة، حتى حضر توران شاه ابن الملك الصالح. وكان توران شاه في حصن كيفا، فلما سلسل الملك الصالح في المرض أرسلوا خلف ابنه توران شاه من حصن كيفا، فأبطأ عليهم حتى مات أبوه. فلما حضر إلى المنصورة - وقد جاء في عسكر عظيم من الأكراد من عساكر حصن كيفا - أشيع موت الملك الصالح، وتسلطن ابنه توران شاه عوضه. - الملك المعظم توران شاه هو الملك المعظم توران شاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، بن الملك الكامل محمد، وهو الثامن من ملوك بني أيوب بمصر، بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الصالح نجم الدين أيوب في مستهل شهر المحرم الحرام (١) سنة ثمان وأربعين وستمائة، وكانت ولايته بعد موت أبيه بأربعة أشهر. فلما تولى نودى باسمه في القاهرة وزينت له ودقت له الكئوسات سبعة أيام، وتلقب بالملك المعظم، ونودى بين العساكر في الوطاق بالدعاء للسلطان الملك المعظم توران شاه والترحم على الملك الصالح نجم الدين أيوب، فلبس توران شاه خلعة السلطنة بالمنصورة، وقبل له الأمراء الأرض، وخطب باسمه على المنابر. فلما تحقق الافرنج موت الملك الصالح طمعوا في أخذ مصر وزحفوا إلى فارسكور، فاجتمع سائر الأمراء وتحالفوا على الجهاد في سبيل الله تعالى. فلما كان يوم الجمعة ثاني عشر المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة (١٢٥٠ م) ركب الأمير بيبرس البندقداري والأمير لاجين وغيرهما من الأمراء، وخرج معهم السواد الأعظم من العوام والفلاحين وغير ذلك وفي أيديهم المقاليع والحجارة، وهجم المماليك البحرية وفي أيديهم السيوف والدبابيس والرماح، ومنهم طائفة يرمون بالنشاب، فحملوا على الافرنج حملة واحدة … فكانت ساعة تشيب منها النواصي، وقد تاب من هول ذلك اليوم العاصي، فانكسر الافرنج أبخس كسرة، وولوا مدبرين، والله تعالى ناصر الناصرين، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

стр. 93

قال الشاعر: لله در فوارس يوم الوغي … تهوى الحياطة لا اليهم تنتمي ذرعوا الفوارس بالرماح، وفصلوا … بالمرهفات، وخيطوا بالأسهم فبلغ عدة من استشهد في هذه الواقعة من أمراء السلطان سبعة وستين أميرا غير المماليك، وقتل من العوام ما لا يحصى عددهم، وقتل من الافرنج على فارسكور ما يزيد على اثنى عشر ألف انسان، وأسر من ملوكهم سبعة، وغنم منهم المسلمون من السلاح والقماش والخيول شيئا كثيرا لا يحصى … حتى قيل بيع في عسكر السلطان كل سيف بنصفين فضة، وكل فرس بعشرة أنصاف، وكل درع بثمانية أنصاف. وأما ملك الافرنج ريدا فرسيس، واكابر أمرائهم، فانهم قد انحاشوا إلى تل عال هناك، وأرسلوا يسألون الأمان من السلطان، فأرسل إليهم بعض الأمراء فقبض عليهم وقيدهم وسجنهم. وأما ملك الافرنج فسجنه السلطان في دار القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السر - وكانت في المنصورة - ووكل به طواشى يسمى صبيح الفاطمي فكان يضربه ليلا ونهارا، ويقرره على الأموال. واستمر في السجن وهو مقيد هو وأخوه وأقاربه، وقد قرر عليه السلطان مالا يورده، فأرسل إلى بلاده ليحضر الأموال التي قد قررت عليه. فلما حصلت هذه النصرة أرسل السلطان الملك المعظم توران شاه بالبشارة إلى القاهرة يأخذ مدينة دمياط، وقد توجه بهذه البشارة الأمير شهاب الدين ابن يغمور والي القاهرة، فدخلها وهو لابس لبس ملك الافرنج: اشكر لاط مخمل أحمر بفرو سنجاب وقلنسوة ذهب. فزينت له القاهرة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله … بعد أن كان الافرنج أشرفوا على أخذ الديار المصرية، واستولوا على غالب الضياع، ونهبوا ما فيها، وأسروا أهلها. قيل ما ملك المسلمون مدينة دمياط أشار الأمراء على السلطان بهدم مدينة دمياط، فأرسل إليها الهدادين فهدموها عن آخرها، ولم يبق منها سوى الجامع الكبير ووقع فيها الهدم في يوم الاثنين ثامن شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة، واستمرت من يومئذ خرابا وصار مكان بيوتها أخصاصا من القش على شاطئ بحر النيل يسكن فيها جماعة من الصيادين، وسموها المنشية، واستمرت على ذلك إلى دولة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، فأمر بتجديد عمارتها، فأرسل إليها جماعة من البنائين والحجارين. وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وستمائة (١٢٥٢ م)، فجدد بناء سورها، وأمر بردم فم

стр. 94

البحر الذي تدخل منه مراكب الافرنج فردموه من القرابيص التي كانت هناك من الهدم القديم، فامتنعت المراكب الكبار من الدخول إلى بحر النيل من يومئذ. ثم أن الملك الظاهر أمر بإعادة السلسلة الحديد التي كانت من البر إلى البر … قيل إن هذه السلسلة كانت في أيام المقوقس عظيم القبط ثم بطلت، فأمر بإعادتها كما كانت. ومن هنا نرجع إلى أخبار ملك الافرنج ريدا فرنسيس، فانه لما اعتقل بدار القاضي فخر الدين ابن لقمان كاتب السر التي كانت بأرض المنصورة، وتولى عقابه الطواشي صبيح الفاطمي، صار يضربه في كل يوم خمسمائة عصا، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك المعز أيبك التركماني، فأرسل إليه فرنسيس يقول له بأن يشتري نفسه منه بمائتي ألف دينار غير التقادم … فأفرج الملك المعز عنه وعن أخيه وأقاربه، وحلفوه أيمانا عظيمة بأنه ما بقى يتعدى على بلاد المسلمين، ولا يفسد في البحر والبر، فلما حلف اذن له الملك المعز بالتوجه إلى بلاده، فسار واستمر في بلاده وأرسل إلى الملك المعز ما قرره له من الأموال. وأقام على ذلك إلى أن قتل الملك المعز أيبك وتولى من بعده ابنه الملك المنصور علي، فجاءت الأخبار من البلاد بأن فرنسيس المذكور جمع العساكر، وصنع مراكب كثيرة، وقصد العود إلى أخذ مدينة دمياط. فلما بلغ المنصور ذلك جمع الأمراء وضربوا مشورة، فاقتضى الرأي أن يرسلوا إليه مطالعة من عند السلطان بالتهديد له والحط عليه، فكتب إليه الصاحب جمال الدين بن مطروح مطالعة وضمنها هذه الأبيات: قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من قئول فصيح آجرك الله على ما جرى … من قتل عباد لدين المسيح أتيت مصرا تبتغي ملكها … تحسب أن الزمر بالطبل ريح فساقك الحين إلى عسكر … ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم … بسوء تدبيرك بطن الضريح خمسون ألفا لا ترى منهم … إلا قتيلا أو أسيرا جريح

стр. 95

وفقك الله لأمثالها … لعل عيسى منكم يستريح إن كنت عولت على عودة … لأخذ ثأر أو لعقد صحيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق، والطواشي صبيح فلما وصلت هذه المطالعة إلى فرنسيس وسمع هذه الأبيات، رجع عن التوجه إلى مصر، وتذكر ما قد جرى عليه من الطواشي صبيح وما قاسى من ضربه له. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك المعظم توران شاه … قيل لما حصلت هذه النصرة لتوران شاه ظن أن الوقت قد صفا له فتحول من المنصورة إلى فارسكور، فنصب له هناك برجا من الخشب على شاطئ البحر، ثم أحضر الأسارى من الافرنج وضرب أعناقهم بين يديه بالسيف، ثم قذفهم في البحر، ثم شرع يقرب جماعة من حاشيته ممن حضر معه من حصن كيفا وصار يعطيهم الوظائف السنية، وأبعد مماليك أبيه الملك الصالح، وأرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه يعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر تقول للأمراء والمماليك البحرية اقتلوا توران شاه وعلى رضاكم بكل ما يمكن. وكان توران شاه عنده خفة ووهج في أموره، فكان إذا سكر يصف الشموع في الليل قدامه، ويأخذ السيف بيده، ويضرب به تلك الشموع ويقول: "هكذا أفعل بالمماليك البحرية … ". وكان أحمق جاهلا، لا يدري ما يضره وما ينفعه كأنه خشبة، وكان كما قال فيه القائل: يا جامعا لخصال … قبيحة ليس تحصى نقصت عن كل فضل … فقد تكاملت نقصا لو أن للجهل شخصا … لكنت للجهل شخصا فلما بلغ مماليك أبيه ذلك اضمروا له السوء وقد تغيرت خواطرهم عليه. فلما كان يوم الاثنين تاسع المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة (١٢٥٠ م) جلس الملك المعظم توران شاه في الموكب والأمراء بين يديه، وكان قد أمر رءوس النواب أن يقفوا قدامه بعصى، وهي ملبسة بالذهب في أيام المواكب، فلما مضى الموكب وحضر السماط جلس الملك المعظم على السماط كجاري العادة، فتقدم إليه جماعة من المماليك البحرية وبأيديهم السيوف فضربوه على أصابعه فقطعوها، فقام وهرب ودخل ذلك البرج الخشب وأغلق عليه باب البرج، فأطلقوا في البرج النار، فخرج منه السلطان وألقى نفسه في

стр. 96

البحر وصار يسبح فيه والنشاب يأخذه من كل ناحية وهو يقول: "خذوا ملككم ودعوني أرجع إلى حصن كيفا". .. فلم يغثه أحد وبقي على ذلك حتى قتل في ذلك اليوم المقدم ذكره، فمات حريقا قتيلا غريقا، فطلعوا به من البحر فبقي مرميا على شاطئ البحر ثلاثة أيام لم يدفن، ثم دفن في بعض جروف البحر ولم يعلم له قبر. ثم إن المماليك نهبوا جميع ما كان في الوطاق من قماش وسلاح وخيول وغير ذلك، واستمر السماط في ذلك اليوم ممدودا حتى تخطفته الكلاب ولم يع أحد له، فكانت مدة سلطنة الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب نحو أربعين يوما، ولم يدخل إلى مصر ولا جلس على سرير الملك بقلعة الجبل، ولا حكم بالقاهرة، فكانت قتلته في يوم الاثنين كما تقدم. وهو آخر من تولى السلطنة بمصر من بني أيوب، وبه انقرضت دولة بني أيوب، وكانت مدة دولتهم - من حين تولى الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى أن قتل الملك المعظم توران شاه - نحو ست وثمانين سنة إلا أشهرا، وزالت دولتهم كأنها لم تكن بمصر. قيل لما قتل توران شاه رجعت الأمراء والعسكر إلى القاهرة، وطلعوا إلى قلعة الجبل، فوقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة شجرة الدر عوضا عن توران شاه، وأن يكون الأمير عز الدين أيبك التركماني مدبر المملكة معها … فسلطنوها وتحالفوا على ذلك، وهذا لم يقع قط بالديار المصرية، ولا سمع بأن امرأة قد تسلطنت بها. - شجرة الدرّ هي شجرة الدر، زوج الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهي أم ولده خليل، فكانت تاسع من تولى السلطنة بمصر من جماعة بني أيوب، وقع الاتفاق على سلطنتها، فتسلطنت في ثاني شهر صفر سنة ثمان واربعين وستمائة، وقبل لها الأمراء الأرض من وراء حجاب. فلما تم أمرها في السلطنة فرقت الوظائف السنية على الأمراء، وفرقت الاقطاعات الثقال على المماليك البحرية، وأغدقت عليهم بالأموال والخيول، وأرضتهم بكل ما يمكن، وساست الرعية في أيامها أحسن سياسة، وكانت الناس عنها راضية، وكان الأمير عز الدين أيبك التركماني مدبر المملكة، وكان لا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورتها فيما تريد، وكانت تكتب على المراسيم في العلامة بخطها "والدة خليل". فلما كان يوم الجمعة خطب باسم شجرة الدر على منابر مصر، فكانت الخطباء تقول بعد الدعاء للخليفة: "واحفظ اللهم الجبهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين،

стр. 97

ذات الحجاب الجميل، والستر الجليل، والدة المرحوم خليل، زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب". قال الشيخ شمس الدين محمد بن ابراهيم الجزري: "فلما بلغ الخليفة المستنصر بالله أبا جعفر وهو ببغداد، أن أهل مصر قد سلطنوا امرأة أرسل يقول من بغداد لأمراء مصر: أعلمونا ان كان ما بقي عندكم في مصر من الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل لكم من يصلح لها. أما سمعتم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟ وأنكر عليهم بسبب ذلك غاية الانكار، وهددهم وأمرهم بالرجوع عن ذلك … ". وقد قال القائل: النسا ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن رأيا سنيا ولأجل الكمال لم يجعل الله … تعالى من النساء نبيا فلما بلغ شجرة الدر ذلك خلعت نفسها من السلطنة برضاها من غير كره لها، فكانت مدة سلطنتها بالديار المصرية نحو ثلاثة أشهر إلا أياما. وكانت تدبر أمور المملكة بالديار المصرية في حياة أستاذها الملك الصالح، وكانت ذات عقل وحزم ومعرفة تامة بأحوال المملكة، فسلطنوها لحسن تدبيرها للأمور، وسياستها للرعية، وجعلوا الأمير عز الدين أيبك التركماني أتابك العساكر ومشاركها في أحوال المملكة، فكان لا يتصرف في شيء من الأمور إلا برأيها … فلما خلعت نفسها من السلطنة أشار القضاة والأمراء بأن يولوا الأمير عز الدين أيبك التركماني السلطنة، وأن يتزوج بشجرة الدر فتزوج بها، ثم تولى السلطنة بعد خلع شجرة الدر، فكان أول من تولى من ملوك الترك.

стр. 98

دولة الأتراك - المعز أيبك التركماني كان أولهم المعز أيبك التركماني الصالحي النجمي، كان أصله من مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب فأعتقه، ثم صار أميرا في حياة أستاذه الملك الصالح، ثم بقي أتابك العساكر بعد قتل الملك المعظم توران شاه ثم بعد خلع شجرة الدر. تولى الملك بالديار المصرية في يوم السبت تاسع عشرى ربيع الآخر سنة ثمان واربعين وستمائة (١٢٥٠ م) وركب بشعاره وحملت على رأسه القبة والطير، ولعبوا قدامه بالغواشي، وجلس على سرير الملك وجميع الأمراء قبلوا الأرض بين يديه ولقبوه بالملك المعز. فلما تم أمره في السلطنة تقلب عليه المماليك الصالحية، وقالوا لا بد لنا من واحد من ذرية بني ايوب نسلطنه - وكان المتكلم يومئذ من الأمراء الأمير بلباي الرشيدي، والأمير فارس الدين أقطاي، والأمير بيبرس ركن الدين البندقداري، والأمير سنقر الرومي وغير ذلك جماعة من المماليك البحرية - فوقع الاتفاق بينهم وبين المعز أيبك بأن يحضروا بشخص من بني أيوب، يقال له مظفر الدين يوسف من أولاد الملك مسعود صاحب بلاد الشرق - وكان عند عماته ببلاد الشرق - فأرسلوا خلفه، فلما حضر من البلاد سلطنوه ولقبوه بالملك الأشرف. وكان له من العمر نحو عشرين سنة، فلما تسلطن يوسف المذكور لم يعزل أيبك التركماني من السلطنة، بل صار معه مثل الشريك، وكان يخطب باسمهما على منابر مصر وأعمالها، وضربت السكة على الدنانير والدراهم باسمهما، فلم يسع أيبك الاحتمال. واستمر أيبك ويوسف المذكور شريكين في السلطنة حتى قويت شوكة المعز أيبك، وأنشأ له مماليك، وأقام له عصبة، فعزم رأيه على أن يقبض على الأمير فارس الدين اقطاي - وكان رأس المماليك الصالحية - فطلبه وقت الظهر، فلما طلع إلى القلعة أكمن له كمينا وراء قاعة الأعمدة وقرر معهم إذا مر بهم الأمير فارس الدين يقتلونه من غير

стр. 99

معاودة. فلما مر بهم ووصل إلى باب قاعة الأعمدة وثب عليه المماليك المعزية، فأذاقوه كأس المنية. فلما قتل الأمير فارس الدين أمر الملك المعز أيبك بغلق باب القلعة. فلما شاع بين الناس قتل الأمير فارس - وكان ذلك في يوم الاثنين حادي عشرى شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة - ركب سائر خشداشينه - وكانوا نحو سبعمائة انسان - فلما أن طلعوا إلى الرميلة وأحاطوا بالقلعة، رمى اليهم الملك المعز برأس الأمير فارس الدين اقطاى من فوق سور القلعة، فلما تحقق خشداشينه قتله انفضوا خائبين، وخرجوا على حمية، نحو البلاد الشامية، وهم الأمير بيبرس ركن الدين البندقداري والأمير قلاوون الألفي، والأمير سنقر الأشقر، والأمير بيسري، والأمير سكن، والأمير برمق. فلما قصدوا أن يخرجوا إلى البلاد الشامية، وجدوا أبواب القاهرة مغلقة، فتوجهوا إلى باب القراطين، فأحرقوه بالنار وخرجوا منه هاربين، فسمي من ذلك اليوم باب القراطين. فلما بلغ المعز هروبهم أمر بالحوط على موجودهم. فلما خمدت تلك الفتنة، وتشتت الأمراء الذين كان يخشى منهم المعز، فعند ذلك قبض على الملك الأشرف يوسف الذي كان شريكه في السلطنة وسجنه بالقلعة، وانفرد بالسلطنة. سنة أربع وخمسين وستمائة (١٢٥٦ م): فيها أرسل الملك المعز أيبك بخطب بنت الملك بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فلما بلغ ذلك شجرة الدر تغيرت على المعز أيبك وتغير هو أيضا عليها، لأنها كانت تمن عليه في كل وقت وتقول له: "لولا أنا ما وصلت أنت إلى السلطنة". .. وكانت قد منعته من الاجتماع بزوجته أم ولده الأمير علي، حتى أنها ألزمته بطلاقها منه بالثلاث. وكانت شجرة الدر تركية الجنس، صعبة الخلق، شديدة الغيرة، قوية البأس، ذات شهامة زائدة وحرمة وافرة، سكرانة من خمرة العجب والتيه كما قيل في المعنى: كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول فلما صار أيبك معها في غاية الضنك حنق منها يوما ونزل إلى مناظر اللوق وهو غضبان، وكانت مناظر اللوق مكان الازبكية الآن، وكانت مطلة على بحر النيل. فلما نزل أيبك من القلعة أقام بمناظر اللوق أياما وهو غضبان، فأرسلت إليه شجرة الدر وهي تتلطف به حتى سكن غضبه وقام وطلع إلى القلعة فلاقته وقامت إليه وقبلت يده على غير عادة منها، وكانت شجرة الدر قد أضمرت له السوء فندبت له خمسة من الخدام الخصى

стр. 100

الروم وقالت لهم: إذا دخل إلى الحمام فاقتلوه. فلما طلع إلى القلعة اصطلح مع شجرة الدر وتراضيا ثم دخل إلى الحمام، فلما صار هو وشجرة الدر بها دخل عليه أولئك الخدام وبأيديهم السيوف، فقام أيبك وقبل شجرة الدر واستغاث بها، فقالت للخدام: "أتركوه". .. فأغلظ عليها بعض الخدام في القول، وقال لها: "إن تركناه حيا فلا يبقى عليك ولا علينا". .. فقتلوه في الحمام خنقا، وقيل ربطوا محاشمه بوتر وجذبوه حتى مات. فلما مات حملوه وأخرجوه من الحمام وأشاعوا أنه قد أغمى عليه من الحمام فوضعوه على فراش الحمام، وكان ذلك في ليلة سنة ست وخمسين وستمائة (١٢٥٨ م). فلما أصبح الصباح أشاعوا قتله بين الناس، فركب ابنه الأمير علي والمماليك المعزية، فلما طلعوا إلى القلعة وتحققوا قتله شرعوا في تجهيزه فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه في القرافة. ثم قبض ابنه على شجرة الدر، وسلمها إلى امه فأمرت جواريها أن يقتلنها بالقباقيب والنعال، فضربنها بها حتى ماتت وفارقت الدنيا … فكانت كما قيل في الأمثال: واقنع إذا حاربت بالسلامة … واحذر فعالا توجب الندامة فالتاجر الكيس في التجارة … من خاف في متجرة الخسارة فلما ماتت شجرة الدر سحبوها من رجلها ورموها من فوق السور إلى خندق وهي عريانة، فأقامت وهي مرمية في الخندق ثلاثة أيام لم تدفن حتى قيل أن بعض الحرافيش نزل إلى الخندق تحت الليل وقطع دكة لباسها لأنها كانت من حرير أحمر، وفيها كرة من لؤلؤ، ونافجة مسك … فسبحان من يعز ويذل كما قيل في المعنى: لقد هزلت حتى بدأ من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس ثم بعد ثلاثة أيام حملت ودفنت بتربتها التي بطريق السيدة نفيسة بجوار بيت الخلفاء. وكانت شجرة الدر أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب، اشتراها في أيام أبيه الملك الكامل محمد فحظيت عنده واستولد منها ابنه خليلا ثم اعتقها وتزوج بها، وكانت معه في البلاد الشامية مدة طويلة لما كان مستوليا على الشام، فلما قدم إلى الديار المصرية وتسلطن، عظمت شجرة الدر في دولة استاذها الملك الصالح، وصارت تدبر أمور المملكة عند غياب الملك الصالح في الغزوات. وكانت ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، وقد نالت من العز والرفعة ما لم تنله امرأة قبلها ولا بعدها، وقد أقامت في السلطنة نحو ثلاثة أشهر،

стр. 101

وخطب باسمها على منابر مصر وأعمالها، ونفذت مراسيمها في الآفاق بعلامتها، وكانت علامتها على المراسيم "والدة خليل". وكانت كثيرة البر والصدقات، ولها أوقاف على جهات خير وصدقة، وكانت قتلها في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وخمسين وستمائة (١٢٥٨ م). وأما الخدام الذين قتلوا المعز أيبك التركماني فهرب بعضهم إلى بلاد الشرق، وصلب بعضهم على باب القلعة وأقام أياما، وكان الملك أيبك التركماني رجلا عاقلا حليما نظر في مصالح الرعية في أيامه. وكان كفؤا للسلطنة ودفع العدو، وكان يحب الجهاد في سبيل الله تعالى مع الافرنج. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع سنين، منها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر، وكانت مدة الأشرف يوسف الذي هو من بني أيوب الذي شارك أيبك في السلطنة سنة وأشهرا. وأيبك هذا هو أول ملوك الترك. ولما قتل تولى من بعده ابنه نور الدين علي. ومن الأبيات اللطيفة التي تتضمن أسماء ملوك الترك والجراكسة - دون أسماء أولادهم - ممن تولى السلطنة بالديار المصرية، وهم على الترتيب من مبتدأ دولتهم إلى الآن، وهي هذه: أيبك، قطر، يعقبا … بيبرس ذو الكمال بعد قلاون بع … - د كتبغا المفضال لاجين، بيبرس، بر … قوق شيخ ذو الأفضال ططر، برسباي، جق … - مق ذو العلا، اينال وخشقدم عنه قل … بلباي ذو الأحوال تمربغا، قابيتبا … ى الفحل ذو الاقبال وقانصوه، جنبلا … ط عنهما أقوالي وبعدهم جاء طو … من باي بالاقبال وقانصوه بعده … ذا مظهر الأهوال - الملك المنصور هو الملك المنصور، نور الدين علي، ابن الملك المعز أيبك التركماني الصالحي، وهو الثاني من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى السلطنة بعد قتل أبيه الملك المعز أيبك التركماني يوم الخميس سادس عشرى ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة (١٢٥٧ م)، وكان له من العمر لما تولى السلطنة احدى عشرة سنة، وكان القائم بتدبير

стр. 102

أمور المملكة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان الوزير يومئذ شرف الدين ابن صاعد الفائزي، وكان قد وزر لأبيه المعز أيضا، وكان اسمه هبة الله، وكان أصله من أبناء القبط، فأسلم في دولة الملك الكامل محمد، وما زال يرقى إلى أن بقي وزيرا بالديار المصرية في دولة الملك المعز أيبك التركماني، ثم وزر لابنه الملك المنصور علي. فلما تم أمر الملك المنصور علي في السلطنة، استقر بالأمير سيف الدين قطز المعزي، نائب السلطنة بمصر وأتابك العساكر، وكان قطز شديد البأس، صعب الخلق، فقبض على الوزير شرف الدين هبة الله، وصادره وأخذ جميع أمواله ثم صلبه على باب القلعة، وخلع على القاضي زين الدين يعقوب بن الزبير، واستقر به وزيرا عوضا عن هبة الله. ومن الحوادث في أيام الملك المنصور على هذا ان في سنة ست وخمسين وستمائة، في خامس جمادي الآخرة، جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بأنه قد ظهر في التاريخ نار بوادي شطا شرقي المدينة، وأنها يخرج منها شرر يأكل الحجارة، وقيل أنه قبل ظهور هذه النار بخمسة أيام وقع بالمدينة زلزلة عظيمة، وسمعوا أصواتا من السماء مزعجة، ولم تزل هذه النار مستمرة ليلا ونهارا نحو شهر، فكان طول هذه النار أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال، فصارت تأكل الحجارة حتى تصير مثل الفحم الأسود. قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: "أخبرني الشيخ صدر الدين علي التميمي الحنفي، قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة البصري أنه رأى وهو بالبصرة صفحات أعناق الابل في الليل المظلم من ضوء تلك النار التي ظهر بالمدينة. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة إن أهل المدينة لما رأوا تلك النار قد زاد أمرها تضرعوا إلى الله تعالى، وتابوا من ذنوب كانوا يعملونها، وتصدقوا بالأموال على الفقراء، ولزموا الصوم والصلاة حتى كشف الله تعالى عنهم تلك النار بعد ما أقامت نحو شهر وهي تفور، وفي ذلك يقول القائل: بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض أرساء منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء يرمى لها شرر كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء فيالها آية من معجزات رسو … ل الله قد ظهرت والقوم أحياء

стр. 103

يشير الناظم إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء منها أعناق الابل ببصرى " رواه في آخر كتاب الفتن في باب خروج النار. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في تاريخه: إن في دولة الملك المنصور علي بن أيبك هذا، كان استيلاء هلاكو على مدينة بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله وخراب بغداد وقتل أهلها". ثم قصد التوجه إلى حلب وأخذ البلاد الشامية، فعدى من الفرات في عسكر لا يحصى عدده. فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى من هلاكو، وقد أرسل ابنه في عسكر عظيم إلى حلب، وقد استولى على نائب ضياع حلب. فلما تحقق الأتابكي قطز ذلك أمر بعقد مجلس وجمع سائر الأمراء والقضاة ومشايخ العلماء - وكان المشار إليه في ذلك المجلس شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية، وقد تلقب بسلطان العلماء - فلما تكامل ذلك المجلس من الأمراء وأعيان الدولة والقضاة ومشايخ العلماء قام مدع في ذلك المجلس وذكر هيئة سؤال في أمر هلاكو واستيلائه على البلاد ووصوله إلى حلب، وأن بيت المال خال من الأموال، وقد وصل العدو، وطمع في أخذ البلاد، والسلطان صغير السن، وضاعت مصالح الرعية، وأن الوقت محتاج إلى إقامة سلطان كبير تخشاه الناس ويدفع العدو، وأن بيت المال محتاج إلى المساعدة بشيء من أموال الرعية لإقامة الجند وتجهيزهم للسفر وما يعينهم على ذلك … فأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵁ في ذلك المجلس وقال: "إذ طرق العدو البلاد وجب على الناس قتاله، وجاز للسلطان أن يأخذ من أموال التجار وأعيان البلد ما يستعين به على تجهيزه العسكر لدفع العدو لكن بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهب والفضة والكبابيش الزركش واسقاط السيوف الفضة وغير ذلك، وأن كلا من الجند يقتصر على فرسه ورمحه وسلاحه، ويساوي في ذلك بقية العامة وقت القتال. وأما أخذ أموال التجار والرعية - مع وجود ما في بيت المال من السلاح والقماش - فلا يجوز، لأنه من باب أخذ أموال الرعية بغير حق". ثم أن الأمراء تكلموا مع القضاة في إقامة سلطان كبير لدفع العدو، فوقع الاختيار من الأمراء والقضاة على خلع الملك المنصور على ابن الملك المعز أيبك التركماني، وأن يسلطنوا الأتابكي قطز، فعند ذلك خلعوا الملك المنصور على من السلطنة وولوا الاتابكي قطز.

стр. 104

وكان الملك المنصور على طائش العقل، يلعب بالحمام مع أولاد الغلمان، وكانت أمه تدبر أحوال السلطنة، فلما خلعوه من السلطنة أرسلوه وهو مقيد إلى ثغر دمياط وأرسلوا معه أخوته وأمه فاعتقلوه ببرج السلسلة بثغر دمياط، فأقام في البرج إلى أن مات هناك، ودفن بثغر دمياط بعد مدة طويلة وهو في البرج، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنتين وثمانية أشهر، وكانت أيامه كلها فتن وشرور. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ست وخمسين وستمائة، في رابع شهر رمضان، وقعت احدى المسلتين اللتين بأراضي المطرية، يزعم الناس أنهما مسلتا فرعون، وكانتا اثنتين، فلما وقعت احداهما وجدوا في قلنسوتها نحو مائتي قنطار نحاس أصفر، ووجدوا في داخل تلك القلسوة عشرة آلاف دينار كل دينار وزنه أوقية من الذهب الأكسير الجيد، فحمل إلى الخزائن الشريفة … ذكر ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن ابراهيم الجزري في تاريخه كما شرح هناك. وأما من توفى في أيام الملك المنصور على ابن الملك المعز أيبك التركماني من الاعيان فهم: الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري، والشيخ القطب العارف بالله تعالى، شيخ الطريقة والحقيقة الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁، ودفن بصحراء عيذاب من أعالي الصعيد الأعلى. وتوفي الشيخ شعلة شيخ القراءات، وتوفي الفاسي المغربي المالكي، وتوفي الشيخ سعد الدين بن العربي صاحب النظم الرفيق، وتوفي الصرصري صاحب الديوان اللطيف، وتوفي ابن الأبار المؤرخ، وغير ذلك من أعيان العلماء وأعيان الناس. ومن إنشاء المعز أيبك المدرسة المعزية المطلة على بحر النيل عند رحبة الحناء عند مصر العتيقة. - الملك المظفر هو الملك المظفر، سيف الدين قطز المعزى، وهو الثالث من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. وكان أصله من مماليك المعز أيبك التركماني، ورقي في دولة أستاذه الملك المعز، ثم صار في دولة ابن استاذه الملك المنصور علي أتابك العساكر. فلما خلع الملك المنصور علي، وقع الاختيار على سلطنة الاتابكي قطز المعزى، فتسلطن في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة الحرام سنة سبع وخمسين وستمائة (١٢٥٩ م). فلما تسلطن وتم أمره في السلطنة قبض على جماعة من خشداشينه من الأمراء والخدام وأرباب الدولة وغير ذلك من الأعيان وأرسلهم إلى الحبوس بثغر دمياط والاسكندرية. فلما

стр. 105

فعل ذلك استقامت أموره في السلطنة، وصفا له الوقت، وأنشأ له عصبة من الأمراء، فخلع على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، واستقر به أتابك العساكر، وفوض إليه جميع أمور المملكة، وانحصرت فيه الكلمة. ثم جاءت الأخبار بأن جاليش عسكر هلاكو ملك التتار قد وصل إلى أطراف دمشق، ونهبوا البلاد وقتلوا العباد وأطلقوا فيهم الزناد، وكان ذلك في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة (١٢٦٠ م). فلما وصل الخبر إلى الديار المصرية اضطربت وماجت بأهلها، وقد بلغهم ما فعله هلاكو في بغداد وقتله للخليفة المستعصم بالله، وما جرى منهم في حق أهل بغداد من القتل والنهب وخراب البلاد كما تقدم. ثم أن أميرا من أمراء هلاكو الذين وصلوا إلى دمشق يقال له كتبغا حضر إلى الملك قطز، وصحبته أربعة من التتار ومعهم كتاب من عند هلاكو، وكان مضمونه: من ملك الملوك شرقا وغربا، القان الأعظم … ونعت فيه نفسه بألفاظ معظمة، وذكر في الكتاب شدة سطوته وكثرة عساكره وما جرى على أهل البلاد منه ولا سيما ما فعله في بغداد وما جرى على أهلها منه … وأرسل يقول: "يا أهل مصر أنتم قوم ضعاف، فصونوا دماءكم مني، ولا تقاتلوني أبدا فتندموا". وشرع يذكر في كتابه أشياء كثيرة من هذه الألفاظ الفاحشة اليابسة، فلما أن سمع الملك المظفر قطز مضمون ما في كتاب هلاكو أحضر الأمراء واستشارهم فيما يكون من أمر هلاكو، فقال الأمراء: نجمع العساكر من سائر البلاد ونخرج إليه ونقاتله أشد ما يكون من القتال. ثم أن الملك المظفر قطز نادى في القاهرة بأن النفير عام إلى الغزو في سبيل الله تعالى، ثم انه عرض العساكر، وأرسل خلف عربان الشرقية والغربية، فاجتمع من العساكر ما لا يحصى ثم أنه أخذ في أسباب جمع الأموال، فأخذ من أهل مصر والقاهرة على كل رأس من الناس من ذكر وأنثى دينارا واحدا، وأخذ من أجرة الأملاك والأوقاف شهرا واحدا، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلا، وأخذ من الترك الأهلية الثلث من المال، وأخذ على الغيطان والسواقي أجرة شهر، وأحدث من أبواب هذه المظالم أشياء كثيرة، فبلغ جملة ما جمعه من الأموال في هذه الحركة ستمائة ألف دينار، فأنفق على العسكر والعربان، وبرز خيامه إلى الريدانية. فلما كان أواخر شهر شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة نزل السلطان الملك المظفر قطز من قلعة الجبل وهو في موكب عظيم. فلما نزل بالريدانية، أمر بتوسط كتبغافويزبك - أمير هلاكو - ومن كان معه من التتار، ثم رحل من الريدانية ونزل بمنزلة الصالحية،

стр. 106

وأقام بها إلى أن تكامل العسكر، ثم رحل من الصالحية، وجدّ في السير إلى أن وصل إلى عين جالوت من أرض كنعان، فتلاقى هناك عسكر هلاو وعسكر السلطان قطز، فكانت بينهما ساعة تشيب فيها النواصي، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عدده، فكانت الكسرة على التتار، فكسروهم وشتتوهم إلى بيسان، وكان ذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم وقعت بينهما وقعة ثانية على بيسان أعظم من الأولى، فقتل من التتار نحو النصف، وغنم عسكر السلطان منهم غنيمة عظيمة من خيول وسلاح وغير ذلك. فلما جرى ذلك توجه السلطان قطز إلى نحو الشام، فدخلها في موكب عظيم، وجلس للحكم، فخلع على الأمير سنجر الحلبي واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير علاء الدين ابن صاحب الموصل واستقر به نائبا، ثم أنه أخذ في أسباب استخلاص البلاد الشامية من أيدي أولاد بني أيوب - وكان غالبها في أيديهم - فمهد البلاد الشامية والحلبية وولى من يختار من عصبته من الأمراء. ثم بعد ذلك قصد التوجه نحو الديار المصرية، فلما خرج من دمشق ووصل إلى قريب من أرض الصالحية، اتفق الأمراء على قتله فكان كما قيل في الأمثال: لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة والعمر مثل الكأس والدهر القدر … والصفو لا بد له من الكدر وكان المشار إليه في ذلك الوقت من الأمراء الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري. فلما وصل السلطان قطز إلى القرين، ركب السلطان في الفضاء، فرأى أرنبا فساق خلفه وساق معه الأمراء - وكان فيهم الأمير بيبرس البندقداري - فلما ساق دنا منه الأمير بيبرس ليقبل يده - وكان السلطان قطز قد أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتر - فظن قطز أنه جاء يقبل يده بسبب ذلك. فلما مد يده إليه قبض عليه وضربه بالسيف، وحمل عليه بقية الأمراء بالسيوف فقتلوه وتركوه ميتا ملقى على الأرض، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصولا إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة بالقوة، فشق ذلك على جماعة من المماليك الأمراء لكون السلطان قطز قتل من غير ذنب، وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في قيامه لدفع التتار عن البلاد الشامية وقد أشرفوا على الدخول إلى الديار المصرية.

стр. 107

وكان قتل الملك المظفر قطز في اليوم الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ودفن هناك في مكان قتله بالقرين، وقيل نقل بعد ذلك ودفن في مدرسته التي بالقرب من زاوية الشيخ خلف، وكانت مدة سلطنته سنة إلا أياما "ثم تولى من بعده الأمير بيبرس البندقداري. - الملك الظاهر هو الملك الظاهر، ركن الدين بيبرس، العلائي، البندقداري الصالحي النجمي، وهو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل الملك المظفر قطز في يوم السبت الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتلقب بالملك القاهر أبي الفتوحات. فلما تلقب بالملك القاهر عز ذلك على جماعة من العلماء، فقال الصاحب زين الدين بن الزبير:" ما تلقب أحد بهذا اللقب فأفلح، ولقد تلقب به جماعة من الملوك فلم تطل أيامهم ". فلما سمع ذلك ترك ذلك اللقب وتلقب بالملك الظاهر بيبرس، وكان أصله تركي الجنس، أخذ من بلاده وهو صغير فبيع لشخص يسمى العماد الضائع، ثم بعده اشتراه منه الأمير علاء الدين ابدكين البندقداري، فلما قبض عليه الملك الصالح نجم الدين أيوب واحتاط على موجوده، أخذ بيبرس من جملة الموجود، ثم أن الملك الصالح أعتقه وجعله من جملة المماليك البحرية. وكان بيبرس هذا شجاعا بطلا، أظهر في يوم وقعة الافرنج التي كانت في المنصورة في أيام الملك المعظم توران شاه من الشجاعة ما لا يسمع بمثله … فلا زالت الاقدار تساعده حتى بقي أتابك العساكر في أول دولة الملك المظفر قطز. فلما قتل قطز بقي بيبرس سلطانا كما تقدم، فلما جلس على مرتبة السلطان قطز قبل له الأمراء الأرض وحلفوا ألا يخونوا لا يغدروا ولا يثبوا عليه، وذلك الحلف على المصحف الشريف. ثم أحضر خلعة وخلع على الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه. فلما تم أمره في السلطنة قصد التوجه نحو الديار المصرية، فدخل القاهرة في الليل، وطلع إلى قلعة الجبل، فلما طلع النهار نادى المنادي في مصر والقاهرة:" ترحموا على الملك المظفر قطز، وادعوا بالنصر للملك الظاهر بيبرس البندقداري".

стр. 108

وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز … فلما تحقق الناس قتل الملك المظفر قطز، حزنوا عليه لأنه قتل من غير موجب، وكانت له الراية البيضاء في قيامه لدفع العدو عن البلاد" وكان التتار قد أشرفوا على الدخول إلى مصر. ثم أن الملك الظاهر بيبرس عمل الموكب بقلعة الجبل، وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكي فارس الدين أقطاي المستعرب واستمر أتايك العساكر كما تقدم، وخلع على الأمير لاجين الدرفيل واستقر به دوادارا كبير، وخلع على الأمير بلباي الرشيدي واستقر به دوادار ثانيا، وخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوري واستقر به أمير أخور كبيرا، وخلع على الأمير أيبك الأفرم الصالحي واستقر به أمير جاندار. وأنعم على الأمير بدر الدين اليسري الشمس بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير بدر الدين بكتوت المعزى الجوكندار بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير عز الدين بيدغان - المعروف بسم الموت - بتقدمة ألف، وأنعم على الأيمر بلبان الهاروني بتقدمة ألف. وخلع على الأمير جمال الدين أقوش النجيبي واستقر به استادار العالية، وخلع على الأمير ركن الدين أياجي، والأمير سيف الدين بكجري واستقر بهما حجابا، ثم فصل الصاحب زين الدين بن الزبير من الوزارة، واستقر بالصاحب بهاء الدين بن حنا وزيرا بالديار المصرية، والصاحب بهاء الدين بن حنا هذا هو الذي بنى مكان الآثار النبوية المطل على بحر النيل، واشترى الآثار الشريفة بجملة كبيرة من المال وأودعها في ذلك المكان الذي أنشأه على بحر النيل، وصارت الناس يقصدون ذلك المكان بسبب الزيارة في كل يوم أربعاء. ثم أن الملك الظاهر بيبرس عمل الموكب، وخلع على مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، واستقر به نائب السلطنة، وفوض اليه جميع أحوال المملكة، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تذكرته أن الأمير بيليك هذا كان أصله من مماليك الظاهر بيبرس، اشتراه صغيرا ورباه من حين كان الملك الظاهر أمير عشرة، واستمر في خدمته إلى أن بقي الملك الظاهر سلطانا فخلع على الأمير بيليك واستقر به نائب السلطنة، وفوض إليه أمور المملكة جميعها، وصار ينفذ الأمور من غير مشورة السلطان. قيل إن التاجر الذي باع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس كان في سعة من المال والتجارة، فدارت عليه الدوائر حتى افتقر وصار من جملة الحرافيش، فلما دخل إلى

стр. 109

القاهرة قال له التجار إن مملوكك بيليك الذي بعته للملك الظاهر بيبرس قد صار عزيز مصر، وأقبلت عليه الدنيا، فلو أنك تدخل إليه وتذكر له حالك وما صرت إليه من الفقر فعسى ينعم عليك بشيء من الدنيا تستعين به على جور الزمان … فكتب قصته ورفعها إلى الأمير بيليك، وكان من مضمون تلك القصة هذان البيتان: قد صرت، من بعد عز، في الهوان وقد … جار الزمان بضيق نلت منه أذى والآن أقبلت الدنيا عليك كما … ترضى: فلا تنسني … إن الكرام إذا فلما قرأها الأمير بيليك قال: "من رفع هذه القصة؟ ". فقيل له: "هذا التاجر الذي باعك للسلطان". .. فلما رآه قام إليه واعتنقه وأجلسه إلى جانبه، فشكا إليه التاجر ما قد جنى عليه الزمان بجوره، فأنعم عليه الأمير بيليك بعشرة آلاف دينار وخلعة وفرس. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر بيبرس. فلما تم أمره في السلطنة رسم بإحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفيين في البلاد، ثم أرسل عدة مكاتبات إلى سائر من في البلاد من النواب وأخبرهم بما قد جدد الله تعالى له من الملك، وطلب منهم بذل الطاعة، فأجابوه بالسمع والطاعة. ثم أن الملك الظاهر لما ثبت في السلطنة أراد أخذ خواطر الرعية بالأفعال المرضية، ليمحو ما جناه من السيئات، وتعود مكانها الحسنات … فأبطل جميع ما كان أحدثه الملك المظفر قطز من أبواب المظالم عند خروجه إلى تجريدة التتار، وكتب به مساميح، وقرئت على منابر مصر والقاهرة، فطابت إليه نفوس الرعية، وضجوا له بالأدعية السنية، فطابت به مصر ورق الهواء، ومشى الذئب والشاة سواء. وفيه يقول بعض الشعراء من أبيات: لم يبق للجور في أيامكم أثر … إلا الذي في عيون الغيد من حور وفي هذه السنة جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام سنجر الحلبي الذي كان الملك المظفر قطز ولاه نيابة الشام قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وجمع أمراء دمشق وقبلوا له الأرض، وركب في دمشق بشعار السلطنة وتلقب بالملك المجاهد، وكتب بذلك إلى سائر أعمال البلاد الشامية، وخطب باسمه على منابر دمشق وأعمالها. وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبي هذا، لما ثقل أمره على الناس في دولة الملك المنصور على ابن أيبك التركماني، قبض عليه الملك المظفر قطز قبل أن يلي السلطنة وسجنه مدة في الاسكندرية، ثم أفرج عنه واستقربه نائب الشام. فما قتل الملك المظفر

стр. 110

قطز وتولى الملك الظاهر بيبرس، كما تقدم، أظهر الأمير سنجر العصيان وتسلطن بالشام. فلما بلغ الظاهر بيبرس ما وقع من الأمير سنجر كتب إليه كتابا يوبخه فيه بقبيح فعله، وأمره بالرجوع عن ذلك، فعادت الأجوبة بالمخالفة وعدم الطاعة، وقد وافقه على العصيان جماعة من النواب، واضطربت أحوال البلاد الشامية والحلبية في أوائل دولة الملك الظاهر بيبرس … منها ما أفسده عسكر هلاكو من نهب البلاد وقتل العباد، ومنها عصيان النواب وسلطنة سنجر، واضطربت أحوال الملك الظاهر في أوائل دولته، ووثب عليه المماليك المعزية، فقبض على جماعة من الأمراء المعزية والمماليك، وقتل منهم جماعة، ونفى منهم جماعة، حتى صفا له الوقت من الكدر وأمن الحذر. سنة تسع وخمسين وستمائة (١٢٦١ م): في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رجب حضر من بغداد إلى الديار المصرية شخص من ذرية بني العباس يقال له الإمام أحمد. وهو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله، ابن الخليفة المستنصر بالله العباسي الهاشمي، فلما بلغ الملك الظاهر قدومه خرج إلى تلقيه. فلما وصل إلى المطرية تلاقى هناك هو والإمام أحمد العباسي، وكان الإمام أحمد هذا أسمر اللون، وأمه أم ولد حبشية، فلما وقعت عين الملك الظاهر عليه نزل عن فرسه، ونزل الإمام أحمد عن فرسه، واعتنقا ثم ركبا ومرا في القاهرة، ودخلا من باب النصر، فزينت له القاهرة، وكان له موكب عظيم ويوم مشهود لم يسمع بمثله. فلما وصلا إلى القلعة طلع الإمام أحمد مع السلطان إلى القلعة، فأنزله السلطان في قاعة الأعمدة، فأقام بها أياما. ثم أن الملك الظاهر قصد أن يثبت نسبا للإمام أحمد بأنه من درية بني العباس، فإن الخلافة كانت شاغرة من حين قتل الخليفة المستعصم بالله في سنة ست وخمسين وستمائة، وكان قدوم الإمام أحمد إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة، فكانت مدة شغور الخلافة نحو أربع سنين إلا أشهرا. فأمر الملك الظاهر بعقد مجلس في قاعة الأعمدة، وجمع القضاة ومشايخ الأولياء وسائر الأمراء وأرباب الدولة، وكان في صدر المجلس المشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام ﵁. فلما تكامل المجلس، تأدب الملك الظاهر مع الإمام أحمد، وجلس بين يديه بغير مرتبة، ثم ان السلطان أمر بإحضار العربان الذين حضروا صحبة الإمام أحمد من بغداد - وكان فيهم طواشي من بغداد - فشهدوا كلهم بين يدي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن بنت الأعز بأن الإمام أحمد هذا هو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله،
следующие страницы →