وأتى من التكدير ما لا مخبر … سمعت به أذن ولا عين ترى
وتوقف النيل السعيد عن الوفا … في هذه الأيام آخر ما جرى
وتزايد الكرب العظيم وجله … حتى وفي وبه المنادي بشرا
قد كان هذا الانتقام بمصرنا … سبقت به الأقدار كان مقدرا
يا ليت شعري بعد هذا كله … تنفي الهموم ونرتجي فرجا نرى
يا رب أنا بالنبي المصطفى … والأنبياء الكل سادات الورى
نسألك كشفا للأمور بسرعة … واعف عن الأجرام عفوا واغفرا
قد جاد لابن إياس شعر قاله … لكن منه النظم يحكى جوهرا
ثم الصلاة على النبي محمد … والآل والأصحاب ممن بشرا
ما ماس غصن في الرياض وغردت … أطياره عند النسيم إذا سرى
*****
وفي أول شعبان المكرم وكان مستهله يوم الأربعاء، أشيع أن شيخ العرب أحمد بن بقر لما رأى أن السلطان سليم شاه قبض على حسن بن مرعي شيخ عربان البحيرة، وسجنه بالبرج، خاف على نفسه، وخرج من القاهرة على حين غفلة، وتوجه إلى جهات الشرقية، ولاقته العربان. ولو تكاسل يوما واحدا لقبض عليه ابن عثمان وسجنه، كما قد فعل بحسن بن مرعى.
وفيه أشيع أن جماعة من العثمانية قتلوا أميرا من أمراء ابن عثمان وهو نائم على فراشه، وكان صاحب صنجق، ولم يعلم ما سبب ذلك وقيل قبضوا على من فعل ذلك من العثمانية وشنق منهم جماعة من أجل ذلك.
وفيه أشيع أن السلطان سليم شاه بدا له أن يعزل يونس باشا من نيابة السلطنة بمصر، ويولى مالك الأمراء خاير بك عوضا عنه لأمر قد عن له.
ومن الحوادث، أن ابن عثمان لما سكن في بيت الأشرف قايتباي المطل على بركة الفيل، وجرى الماء في الخليج الحاكمي، أمر بسد الخليج من عند قنطرة عمر شاه حتى تملأ بركة الفيل بسرعة.
وفي يوم الجمعة ثالث شعبان، أشيع أن ابن عثمان قوى عزمه على العود إلى بلاده، وخروجه من مصر، فعين شخصا من أمرائه يقال له على بك في ذلك اليوم، وصحبته جماعة من العثمانية، بسبب إصلاح الآبار في طريق غزة. وتنظيف الطرقات من الوعر
стр. 1507
قبل خروج السلطان، فلما تحقق عسكره أمر خروجه إلى السفر لأسطنبول شرعوا في عمل برقهم، ومشترى أزوادهم، فارتجت لهم القاهرة بسبب ذلك.
وفي يوم السبت رابع شعبان، وقعت حادثة مهولة … وهي أن السلطان سليم شاه قبض على جماعة من عسكره نحو أربعة وعشرين إنسانا، وقيل أكثر من ذلك فلما قبض عليهم رسم بشنق جماعة منهم في أماكن مختلفة، وكلب منهم اثنين على باب زويلة، واثنين على باب الصاغة، واثنين بين القصرين، والبقية عند جامع قوصون، وشيء في الصليبة، وشيء في قناطر السباع. وأشيع أن سبب ذلك أن جماعة من الإنكشارية قصدوا أن يقتلوا ابن عثمان لما كان بالمقياس، فاستدرك أمره، وتحول إلى بيت السلطان قيتباي الذي خلف حمام الفارقاني، وصار يقبض على من كان سببا لإشاعة قتله.
وفيه حضر الريس سلمان العثماني الذي كان قد توجه صحبة المراكب التي كان أرسلها السلطان الغوري إلى الهند.
وفيه أشيع أن الريس سلمان هو الذي أغرق حسين نائب جدة، وكان بينهما عداوة من أيام الغوري، فلما مات الغوري وظفر سلمان بحسين قتله على ما قيل. ولما حضر الريس سلمان أحضر صحبته جماعة من الفرنج الذي كان أسرهم في بحر الهند ممن كان يعبث به، ويقطع الطريق على مراكب التجار الذين يمرون من هناك.
وأشيع أن الريس سلمان، وحسين نائب جدة، كانا فتحا عدة بلاد بالهند من بلاد الشيخ عامر، وغنموا منها أموالا جزيلة لا تحصى هم والعسكر الذين توجهوا صحبتهما في أيام الغوري، وهم من عسكر الطبقة الخامسة التي كان جددها الغوري في زمانه.
وفي يوم السبت حادي عشر شعبان كان يوم النوروز، وهو أول السنة القبطية. وفيه أشيع أن ابن عثمان أرسل إلى خاير بك الذي قرره في نيابة السلطنة صنجقا، وتحقق الناس أنه نائب السلطنة عوضا عن يونس باشا، وكان ابن عثمان قرره في نيابة السلطنة قبل ذلك.
وفيه عرض ابن عثمان عسكره بالميدان الذي تحت القلعة وهم لابسو الزرديات، وفي أيديهم الرماح والأتراس. وأشيع سفره أواخر الشهر إلى إسطنبول.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشرة وقفت جماعة الوالي على أبواب المدينة، وصاروا يقبضون على كل من يلوح لهم من العوام وغيرهم، فإذا قبضوا عليهم يضعونهم في الحبال. وصاروا يقبضون على الناس من شطوط بولاق، ومن شطوط مصر العتيقة، وكذلك يقبضون على جمال السقائين بالروايا التي عليها، فاضطربت أحوال الناس، وغلقت الأسواق والدكاكين، واختفت الناس في البيوت، وكثر القيل والقال في ذلك فمن الناس من
стр. 1508
يقول إنهم يقبضون عليهم بسبب أنهم يمسكون الخيول الجنائب إذا سافر ابن عثمان، ومنهم من يقول إنهم يقبضون عليهم حتى يسافروا بهم إلى إسطنبول في المراكب. فحصل للناس الضرر الشامل بسبب هذا.
وأما سبب مسك جمال السقائين، فإنهم أشاعوا أن ابن عثمان إذا خرج يأخذ معه جمال السقائين بالروايا إلى أن يصل إلى غزة، لأجل عدم الماء في الطريق من هناك إلى غزة، فامتنع السفاءون من الخروج في هذه الأيام وعز وجود الماء، فضجت الناس لذلك، وأقاموا على ذلك ثلاثة أيام متوالية.
وفيه خرج الوالي الذي كان ابن عثمان قرره في ولاية القاهرة، فخرج وبرز إلى الريدانية إلى أن يخرج ابن عثمان.
وفيه أشيع أن ابن عثمان أطلق الجماعة الذين كان قبض عليهم من العوام والفلاحين والسوقة، وكان أشيع عنهم أنهم يتوجهون بهم إلى إسطنبول. وكانوا لما قبضوا عليهم سجنوهم في أماكن متفرقة حتى يكون من أمرهم ما يكون. ثم نادى في القاهرة بأن لا أحد يشوش على أحد من العوام ولا من الفلاحين، فسكن الاضطراب قليلا، وفتحت الدكاكين في الأسواق، وخمدت هذه الحركة. قيل: إن بعض وزراء ابن عثمان شفع عنده في إطلاق الناس الذين سجنوهم كما تقدم.
وفي يوم الجمعة سابع عشرة توجه السلطان سليم شاه إلى الجامع الأزهر وصلى به الجمعة وتصدق في ذلك اليوم بمال له صورة، ثم شق من القاهرة في موكب، وكان ذلك آخر مواكبه في القاهرة، ثم رجع إلى المكان الذي كان به.
وفي يوم الاثنين عشرية عرض السلطان سليم شاه كسوة الكعبة الشريفة، وكسوة ضريح النبي ﷺ ، وكسوة ضريح سيدنا إبراهيم الخليل ﵇، وصنع للمحمل الشريف كسوة. وقد تباهى في كسوة الكعبة بخلاف العادة، وتباهي في زركشة البرقع إلى الغاية، وكذلك في ثوب المحمل الشريف، وما أبقى في ذلك ممكنا.
وفيه أطلق ملك الأمراء خاير بك نائب السلطنة جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة الذين كانوا في سجن الديلم فأطلقهم أجمعين، وكانوا نحو أربعة وخمسين مملوكا، وقد راج أمر المماليك الجراكسة قليلا.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشرية خرج القاضي محب الدين بن أجا - كاتب السر الشريف وصاحب ديوان الإنشاء - فخرج هو ونساؤه وعياله وصهره الجمالي يوسف بن الطحان، فخرجت النساء في محائر وشقادف. فلما خرج القاضي كاتب السر سكن في بيته الذي عند قنطرة سنقر الوزير يوسف البدري.
стр. 1509
وفي يوم الخميس ثالث عشري شعبان خرج وتوجه إلى السفر سلطان مصر الملك المظفر سليم شاه بن عثمان، فخرج من بيت السلطان قايتباي الذي خلف حمام الفارقاني، وشق من الصليبة وطلع إلى الرميلة، فخرج في موكب حافل، وقدامه ملك الأمراء خاير بك نائب حلب، وجان بردي الغزالي نائب الشام، وقدام العسكر طبلان وزمران وعدة جنائب حربية. وكان راكبا على بغله صفراء عالية - قيل إنها من بغال السلطان الغوري كان يركبها في الأسفار - وكان عليه قفطان مخمل أحمر، وقدامه جماعة من الوزراء، منهم يونس باشا والدفتردار وبقية الوزراء والأمراء والجم الكثير من عساكره ما بين مشاة وركاب. فطلع من جهة الصور، ونزل من جهة تربة الأشرف قايتباي، ووقف هناك وقرأ سورة الفاتحة وأهداها إليه. وكان قدامه جماعة كثيرة من الرماة بالنفوط المرعبة. ثم شق من بين الترب إلى تربة العادل التي بالفضاء، واستمر على ذلك حتى نزل بالوطاق الذي نصبه ببركة الحاج. ولو شق من القاهرة لكان يوما مشهودا، ولكن خرج على حين غفلة فلم يشعر به أحد من الناس.
ولما خرج من بين الترب قسم عسكره فرقتين: فرقة مرت من تحت الجبل الأحمر، وفرقة من تربة العادل، ثم تلاقوا على بركة الحاج. ولما وصل إلى الوطاق لم ينزل به وتوجه على ظهر الخانقاه فنزل هناك.
ثم إن ابن عثمان لما رحل من مصر ترك بها من عسكره، ممن يقيم بالقاهرة عند خاير بك، نحو خمسة آلاف فارس، ومن الرماة بالبندق الرصاص نحو خمسمائة رام.
وقرر من أمرائه شخصا يقال له خير الدين باشا، وجعله نائب القلعة، يقيم بها ولا ينزل إلى المدينة.
ومن العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين في سائر البلاد قاطبة لأنه خادم الحرمين الشريفين، وحاوي ملك مصر الذي افتخر به فرعون اللعين حيث قال: "أليس لي ملك مصر". وقد تباهي بملك مصر على سائر ممالك الدنيا، ولكن ابن عثمان هتك حريم مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها، وقتل أبطالها، ويتم أطفالها، وأسر رجالها، وبدد أحوالها، وأظهر أهوالها فلم يدخل إليها أحد من الحوارج، ولا ملكها قط أحد، ولا جرى مثل ما جرى عليها من ابن عثمان إلا أن كان في زمن يختنصر البابلي، فقد جرى عليها من ابن عثمان بعض ما جرى عليها من بحتنصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأشيع أن ابن عثمان خرج من مصر ومعه ألف جمل محملة، ما بين ذهب وفضة، هذا خارجا عما عنمه من التحف والسلاح والصيني والنحاس والمكفت والخيول والبغال
стр. 1510
والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شيء أحسنه، مما لم يفرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدا وكذلك ما غنمه وزراؤه من الأموال الجزيلة، وكذلك عسكره، فإنهم غنموا من النهب ما لا تحصى. وصار أقل ما فيهم أعظم من أمير مائة ومقدم ألف، مما غنمه من مال وسلاح وخيول وغير ذلك … فما رحلوا عن الديار المصرية إلا والناس في غاية البلية.
وفي مدة إقامة ابن عثمان بالقاهرة حصل لأهلها الضرر الشامل، وبطل منها نحو خمسين صنعة، وتعطلت منها أصحابها، ولم يعمل بها في أيامه بمصر. وكانت مدة إقامة ابن عثمان بمصر ثمانية أشهر إلا أياما قلائل. ومدة استيلائه على مصر والبلاد الشامية والحلبية من حين قتل الغوري، واستيلائه على حلب إلى خروجه من مصر، سنة وشهر واحد. وهو ملك من الفرات إلى مصر إلى الشام، ويخطب فيها باسمه، وكذلك السكة على الذهب والفضة باسمه، وكذلك ما حول العراقين، وقد وعده الله بذلك.
وفي مدة إقامة ابن عثمان بمصر لم يجلس بقلعة الجبل على سرير الملك جلوسا عاما، ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلوما من ظالم (١) بل كان مشغوفا بلدته وسكره وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد، ويجعل الكم لوزرائه بما يختارون. فكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء الجراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه أحد من الناس، وليس له قول ولا فعل، وكلامه ناقض ومنقوض لا يثبت على قول واحد كقول الملوك وعادتهم في أفعالهم، وليس له سماط يعرف ولا نظام كعادة السلاطين في سماطهم كانت تجلس عليه الخاصكية في كل يوم.
وأما عسكره فكانوا جميعا عيونهم دنية، ونفوسهم قذرة، يأكلون وهم راكبون على خيولهم في الأسواق، وعندهم عفاشة في أنفسهم زائدة وقلة دين، يتجاهرون بشرب الخمر في الأسواق بين الناس. ولما جاءهم شهر رمضان كان غالبهم لا يصوم ولا يصلي في الجامع، ولا صلاة الجمعة إلا قليلا منهم، ولم يكن عندهم أدب ولا حشمة، وليس لهم نظام يعرف لا هم ولا أمراؤهم ولا وزراؤهم، وهم همج كالبهائم.
ولما خرج ابن عثمان من مصر، رسم لابن السلطان الغوري بأن يسافر معه فبرز سنيحه، وخرج وسافر صحبته. وأشيع أن جان بردي الغزالي لما خرج مع ابن عثمان كان وعده بنيابة الشام، بل قيل: إنه ولاه نيابة طرابلس ونيابة صقد ونيابة غزة ونيابة
стр. 1511
الرملة وبيت المقدس وجبل نابلس ولم يوله نيابة الشام، فشق ذلك عليه، ثم قرره في نيابة الشام وتوجه إليه صحبته.
وفي يوم السبت خامس عشرية نادى خاير بك بأن المماليك الجراكسة تظهر وعليهم أمان الله تعالى. فظهر منهم الجم الكثير وهم في أسوأ حال في زي الفلاحين، وعليهم زنوط قرع وبرد سود وقمصان بأكمام كبار. فإذا رآهم أحد لا يفرق بينهم وبين الفلاحين.
وفيه وردت الأخبار بأن ابن عثمان قد وصل إلى بلبيس، وحصل له توعك في جسده، فأرسل إلى خاير بك يطلب محفة، فأرسل له خاير بك محفة إلى بيبلس.
وفي يوم الأحد سادس عشرى شعبان، طلع المقر السيفي ملك الأمراء خاير بك بن بلباي نائب السلطنة بالديار، المصرية إلى قلعة الجبل، فكان له موكب حافل، وقدامه عدة جنائب بغواشي حرير أصفر، وقدامه جماعة كثيرة من العثمانية مشاة يومون بالنفظ، وقدامه الجم الكثير من عسكر ابن عثمان. فشق من الصليبة بعد طلوع الشمس، وطلع إلى القلعة وأقام بها … وصارت مصر نيابة بعد أن كانت سلطنة، وتقلبت الأحوال، وكثرت الأقوال. وقد قلت في خاير بك لما تولى نيابة السلطنة شعرا وهو:
مصر أضحت في سرور عندما … قد تولى للنيبة خير بك
فلسان الحال عنها قائل … يا لعمري قد أتاني خير بك
فلما أقام خاير بك بالقلعة، أرسل خلف البنائين والنجارين والمبلطين ليرموا ما فسد من أماكن القلعة. ثم أن خاير بك خلع على شخص من الأتراك يقال له كمشبغا، وقرره في ولاية القاهرة وهو مملوكة.
وفيه خلع ملك الأمراء خيار بك على جماعة من المباشرين وقررهم في وظائف سنية:
فخلع على القاضي ناظر الجيش "علاء الدين ابن الإمام" وقرره كاتب السر الشريف، عوضا عن محمود بن أجا بحكم توجهه إلى السفر كما تقدم، وقرره ناظر الجيش أيضا عوضا عن الشهابي أحمد ابن ناظر الخاص، وأبقى علاء الدين في نظاره الخاص مضافة لما بيده من هذه الوظائف. وقيل: إنه قرره في نظر الكسوة الشريفة، وجعله أمير ركب المحمل أيضا، فصار بيده خمس وطائف سنية، فتضاعفت عظمته فوق ما كان.
وخلع على الزيني بركات بن موسى، وقرره مدير المملكة، وناظر الحسبة الشريفة، وناظر المارستان المنصوري، وناظر الذخيرة الشريفة، وغير ذلك من الوظائف. وتزايدت
стр. 1512
عظمته، واجتمعت الكلمة فيه، وصار عزيز مصر في هذه الفترة، فتوجه الناس إلى بابه لقضاء حوائجهم، وصار هو حاكم البلد، وقد قلت فيه:
يا نجل موسى عدت بالبركات في … أعلى المراتب حيث كنت وأزيدا
قد كان قطعا زال عنك ولم تزل … في السعد عمالا على رغم العدا
وخلع على الشهابي أحمد بن الجيعان، وقرره نائب كاتب السر على عادته، ورسم له بأن يتوجه إلى مكة من البحر المالح وكسوة الكعبة بصحبته.
وخلع على القاضي شرف الدين الصغير وقرره متحدثا في ديوان الوزارة. وخلع على الشرقي يونس النابلسي وقرره استادار العالية وصاحب الديوان المفرد. وخلع على فخر الدين وأخيه شمس الدين كاتب المماليك، وقررهما في التحدث على جهات الذخيرة. وخلع على عبد العظيم الصيرفي وقرره في استادارية الشعير وغير رذلك من الوظائف
فنزلوا من القلعة وهم بالقفاطين المخمل عوضا عن الخلع، فخلع على هؤلاء الجماعة في يوم واحد، وهذا أول تصرف خاير بك في أحوال المملكة.
وفيه أشيع أنه قد عقد لخاير بك على خوند مصرباي زوجة الظاهر قانصوه.
وفيه ظهر الزيني أبو بكر ابن الملكي وكان له مدة وهو مختف، فلما ظهر خلع عليه خاير بك قفطانا محملا، وقرره في استيفاء الجيش على عادته.
وفي يوم الثلاثاء، ثامن عشري شعبان، حضر الأمير قايتباي الذي كان نائب الكرك، وكان قد أرسله خاير بك إلى ابن عثمان بمطالعة من عنده لأجل أن جماعة من عسكره الإنكشارية ثاروا على خاير بك، وقالوا له: "رتب لنا جامكية كما كانت تأخذ المماليك الجراكسة، واجعل لنا لحما وعليقا مثل الجراكسة" فقال لهم: "حتى أرسل أستأذن أستاذكم بذلك". .. فأرسل الأمير قايتباي نائب الكرك إلى ابن عثمان سبب ذلك. فلما حضر ما علم أحد بماذا أجاب ابن عثمان عن تلك المطالعة التي أرسلها بسبب جماعة الإنكشارية كما تقدم. فلما حضر قايتباي أشيع أن ابن عثمان لما دخل إلى الخطارة قطع رأس يونس باشا، ولا يعلم ما سبب ذلك. وكان يونس باشا أعظم وزرائه، وكان لطيف الذات وعنده رقة حاشية بخلاف طبع الأتراك. وكان قرره أولا في أن يكون نائبا عنه بمصر، ثم رجع عن ذلك وقرر خاير بك في النيابة. وكان يونس باشا مقربا عن ابن عثمان إلى الغاية بخلاف بقية الوزراء، ويقال أن يونس باشا هو الذي كان سببا لولاية سليم شاه عل مملكة الروم
стр. 1513
دون إخوته، فما زال يجتهد ويسعى حتى ولاه الروم، ثم سار معه على ذلك حتى دخل إلى مصر وملكها .. ولكن سليم شاه ابن عثمان ليس له صاحب ولا صديق، ولا أمان منه لأحد من وزرائه ولا من عسكره، ومن طبعه الرهج والخفة، ويحب سفك الدماء ولو كان لولده.
ويقال إنه قتل أباه وإخوته لأجل مملكة الروم، وآخر الأمر قتل يونس باشا لكونه صار له عليه يد قديمة، وكان يونس باشا يظن أن سليم شاه يرعى له الود القديم، فكان كما قيل في المعنى:
ربما يرجو الفتى نفع فتى … خوفه أولى به من أمله
رب من ترجو به دفع الأذى … سوف يأتيك الأذى من قبله
فلما أشيع قتل يونس باشا، اضطربت القاهرة وغلقت أبواب المدينة من بعد العصر، وخشوا من هجمة العرب على المدينة، ثم سكن ذلك الاضطراب قليلا
*****
وفي شهر رمضان، وكان أوله يوم الخميس، فلما كانت اليلة الرؤيا ركب الزيني بركات بن موسى المحتسب من المدرسة المنصورية، وقدامه الفوانيس موقودة والمشاعل كذلك على العادة، وكان له موكب حافل.
فلما كان صبيحة شهر رمضان، خلع ملك الأمراء خاير بك على القاضي شرف الدين الصغير وابن موسى، قفطانين مخملين كما هي عادتهم في أول شهر رمضان، ونادوا في القاهرة بأن لا أحد يحتمي على الزيني بركات ابن موسى ناظر الحسبة الشريفة.
وفي يوم الخميس، مستهل الشهر، خلع ملك الأمراء خاير بك على الأمير قايتباي الشهير بنائب الكرك وقرره في الدوادارية، وكانت شاغرة من حين مات الأمير علان الدوادار.
وفي يوم الخميس ثامن شهر رمضان طلعت إلى القلعة خوند مصرباي - وقد تقدم القول بأن ملك الأمراء خاير بك قد تزوج بها - وطلعت إلى القلعة في ذلك اليوم قبل شروق الشمس وصحبتها نساء كثيرة من نساء أعيان وهن على حمير المكارية.
وفي يوم الجمعة تاسع الشهر أشهروا في القاهرة أربع نسوة، وهن على حمير ووجوههن ملطخة بالسواد، قيل: أنهن كن يجمعن عندهن الأجانب من الأتراك في شهر
стр. 1514
رمضان، ويأتي لهم بالنساء الأجنبيات، فغمز عليهن، وأمر خاير بك بإشهار هن على تلك الحالة.
وفي يوم السبت عاشرة ظهر الأمير قانصوه العادلي الذي كان كاشف الشرقية، وقد أرسل إليه ملك الأمراء خاير بك منديل الأمان، وصحبته جماعة من المماليك الجراكسة.
فلما طلع إلى القلعة، وقابل خاير بك، خلع عليه قفطانا مخملا، ونزل فسكن في بيت الأمير قانصوه جركس الذي في حارة السقائين. وأشيع ظهور جماعة من الأمراء العشراوات.
وفيه قابل شيخ العرب أحمد بن بقر، وخلع عليه وعلى ولده بيبرس، وقد التزما بإصلاح جهات الشرقية ولم يتم ذلك، واستمرت أحوال الشرقية في غاية الفساد من عبد الدائم بن بقر وإخوته.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان - وكان أول بابه من الشهور القبطية - ثبت النيل المبارك على أربع عشرة أصبعا من تسع عشرة ذراعا، واستمر في ثبات إلى آخر أيام بابه، وشرق غالب بلاد الصعيد، وأكثر البلاد العالية التي لا تروي إلا من عشرين ذراعا، وكان نيلا شحيحا من أوله إلى آخره.
وفيه ظهر أبو البقاء ناظر الأسطبل، وكان مختفيا، فلما ظهر ألبسه خاير بك قفطانا مخملا، وأقره على عادته متحدثا على جهات الإسطبل الخاص.
وفي يوم الاثنين المقدم ذكره، عرض ملك الأمراء خاير بك كسوة الكعبة الشريفة والبرقع، وكسوة مقام إبراهيم الخليل ﵇، وكسوة ضريح النبي ﷺ ، وعدة ستور من قبل ابن عثمان، وقد تناهوا في زركشة البرقع، ونسيج كسوة الكعبة إلى الغاية، بخلاف العادة. فشقوا بها من القاهرة وقدامهم الأعيان من المباشرين والجم الكثير من العساكر العثمانية، ومن الرماة جماعة كثيرة يرمون بالنفوط، وكان ذلك اليوم مشهودا.
فلما طلعوا إلى القلعة عرضوا على خاير بك نائب السلطنة، ثم رجعوا ثانيا من حيث جاءوا.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر رمضان، نادى ملك الأمراء خاير بك، بأن المماليك الجراكسة الدين ظهورا بمصر يركبون الخيول ويتشرون السلاح، وكان قبل ذلك نادى في القهرة لتجار القبو بأنهم لا يبيعون على المماليك الجراكسة شيئا من آلة السلاح، فشق ذلك على العثمانية، ووقفوا لخاير بك في الحوش، وكلموه وأرادوا معه فتح باب الشر، وقالوا له: "نحن ما يكفينا هذا القدر الذيب رتبته لنا، وهو ثلاثة أنصاف في كل يوم، وكل شيء في السوق غال". ثم قالوا له: "رتب لنا جوامك في كل شهر أفين، ولحما وعليقا، وفرق علينا إقطاعات مثل ما كانت المماليك الجراكسة". وأغلظوا عليه في القول، فقال لهم:
стр. 1515
"ليس لي هذا التصرف، لأني إنما أنا نائب السلطنة، وهذا لا يكون إلا بأمر السلطان، فهو الذي يفرق عليكم الإقطاعات، ويجعل لكم الجوامك واللحوم والعليق". فلما سمعوا ذلك منه سبوه سبا قبيحا وهموا بقتله، فقام ودخل البيت مسرعا، وأغلق عليه الباب دونهم، فوقع في ذلك اليوم بعض اضطراب القلعة وكادت أن تكون فتنة عظيمة. وثاروا على خير الدين الذي جعله السلطان نائب القلعة، فأغلق باب القلعة واختفى. ثم أشيع أن خاير بك أرسل إلى ابن عثمان ساعيا يخبره بما وقع من أمر هذه الحركة، وعول خاير بك على رد الجواب عن ذلك.
وفي يوم الأحد ثامن عشر رمضان، نادوا في القاهرة بأن المماليك الجراكسة الذين ظهروا يلبسون الزنوط الحمر والملاليط على عادتهم، ولا يتزيوا بزي العثمانية ولا يخرجوا إلى الطرقات. وسبب ذلك أنه أشيع أن جماعة من الجراكسة يتزيوا بزي العثمانية، ويخرجون إلى الطرقات. ويخطفون عمائم الناس، وما يلوح لهم من البضائع وغيرها من حجة العثمانية. فنادى خاير بك تلك المناداة حتى تمتاز الجراكسة من العثمانية، ولم يفد ذلك شيئا.
وفي يوم الاثنين تاسع عشرة خرج الشهابي أحمد بن الجيعان نائب كاتب السر، ومصلح الدين خازندار ابن عثمان، وصحبتهما كسوة الكعبة الشريفة وهي محزومة محملة على الجمال، وأشيع أنهما يتوجهان بها من البحر المالح إلى جدة إلى مكة المشرفة، فكان لهما في القاهرة موكب حافل، وكان ذلك اليوم مشهودا، وخرج صحبتهما ألفا عثماني وقدامهم طبلان وزمران ورماة بالنفط وركب قدامهما الأمير قايتباي الدوادر الكبير، وأعيان المباشرين، فلما خرجوا من القاهرة رجت لهم مصر فخرجوا من باب النصر وتوجهوا إلى الوطاق بالريدانية.
وفي ذلك اليوم ثارت جماعة من العثمانية على الزيني بركات بن موسى المحتسب، بسبب الفلوس الجدد، فإن ابن عثمان ضرب فلوسا جددا وجعل فيها اسمه، ورسم للسوقة ونادى لهم بأن يصرف كل ستة عشر جديدا بنصف فضه معاددة. وكانت هذه الفلوس في غاية الخفة، فحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك، ووقف حالهم وغلقت الدكاكين. فلما جرى ذلك نادى الزيني بركات بن موسى بأن النصف الفضة يصرف بأربعة وعشرين جديدا، ليعرف الدرهم الفلوس من الدرهمين في المعاملة، فثارت العثمانية على ابن موسى وقالوا له: "هل مات السلطان سليم شاه بن معثمان، حتى تبطل من مصر معاملته؟ " وهموا بضربه فنادى في ذلك اليوم بأن كل شيء على حاله من الفلوس، كل ستة عشر جديدا
стр. 1516
بنصف فضة كما كان في الأول. فأغلقت السوقة دكاكينهم، ورفعوا البضائع، ووقع في القاهرة بعض اضطراب وأشيع أن خاير بك نائب السلطنة صنع من الخوازيق الحديد عدة، وأنه بعد العيد يخوزق جماعة من السوقة على باب القاهرة، فلما أشيع ذلك خافت السوقة وفتحت الدكاكين، ومشوا صرف النصف بستة عشر جديدا، كما كان في الأول.
وفي يوم الثلاثاء عشري شهر رمضان، نزل ملك الأمراء خاير بك من القلعة، وتوجه إلى تربة العادل ليودع مصلح الدين والشهابي أحمد بن الجيعان، فودعهما ورجع ودخل من باب النصر، وشق من القاهرة في موكب حافل، وقدامه نحو ألفين من العثمانية، وجماعة مشاة يرمون بالنفظ، فرجت له القاهرة في ذلك اليوم، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة، وهذا أول مواكبة بالقاهرة من حين تولى نيابة السلطنة.
ثم في يوم الخميس ثاني عشرية، نزل ملك الأمراء من القلعة ثانيا، وتوجه إلى باب الشعرية، وزار الشيخ عبد القادر الدشطوطي، وجلس عنده ساعة. فقيل إن الشيخ عبد القادر قال له: استوص بالرعية فإنك تسأل عن ذلك يوم القيامة. فبكى خاير بك، وقبل يده وخرج من عنده، وعاد إلى القلعة من يومه.
وفي يوم السبت رابع عشري شهر رمضان، ظهر الأمير أرزمك الناشف أحد الأمراء المقدمين. فلما طلع إلى القلعة وقابل ملك الأمراء خاير بك ومنديل الأمان على رأسه، قام له خاير بك واعتنقه وأجلسه بين يديه. وكان لما طلع القلعة لابسا زي العرب، وعليه زنط وشاش وملوطة بأكمام كبار، فألبسه خاير بك قفطانا مخملا بتماسيح، وألبسه عمامة عثمانية. وكان لما قابله معه ستة أنفار ما بني أمراء عشراوات وخاصكية، فخلع عليهم قفاطين مخملة ونزلوا من القلعة إلى أماكن أعدت لهم.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشري شهر رمضان، ختم صحيح البخاري بالقلعة، وحضر ملك الأمراء خاير بك والقضاة الأربعة وجماعة من أعيان العلماء والفقهاء وأعيان المباشرين.
فيما انفض المجلس خلع خاير بك على القضاة قفاطين من جوخ أزرق بوجه صوف، وفرق على الفقهاء والعلماء صررا فيها دراهم، وكان ختما حافلا. وشتان بين هذا الختم وما كان يعمل في ختم السلاطين الماضية في مثل هذا اليوم.
ولما سافر سليم شاه بن عثمان، وخرج من مصر، استمرت الخطبة والسكة عمالة في مصر باسمه، فكان سائر الخطباء يدعون في يوم الجمعة باسمه، ويقولون: "وانصر اللهم السلطان الملك المظفر سليم شاه". وكذلك اسمه على الدنانير والدراهم والفلوس الجدد.
*****
стр. 1517
ثم كان مستهل شوال يوم السبت، فطلع القضاة الأربعة وجماعة من أعيان المباشرين، فخرج ملك الأمراء خاير بك وصلى صلاة العيد بجامع القلعة.
ثم أنه مد مدّة حافلة لجماعة من العثمانية، فنزلوا على ذلك السماط مثل الصقورة، فلم يبقوا منه غير العظام، ولم يفضل لغلمان القلعة شيء. وكان خاير بك يظن أن الأمراء الجراكسة الذين ظهروا والخاصكية يطلعون ويحضرون المدّة، فلم يطلع له أحد من هؤلاء، وخافوا أن تكون مكيدة أو حيلة. وكأن هذا اليوم لم يكن عيدا، بل كان في غاية الخمود في كل شيء.
وفي هذا العيد لم يخلع خاير بك على أحد من قضاة القضاة، ولا على أحد من المباشرين قاطبة كما كانت العادة القديمة.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشرة، نزل ملك الأمراء خاير بك من القلعة، وتوجه إلى نحو البريم على سبيل التنزه، ونصب له هناك خياما، وأراد أن يبيت على شاطئ البحر، وأحضر جماعة ممن يقلون السمك، وقصد أن ينشرح في ذلك اليوم هناك، فصنع له السيد نقيب الأشراف مدة حافلة وأحضرها هناك، فخرج عليها جماعة من العثمانية في أثناء الطريق، فخطفوا ذلك الأكل من فرق رؤوس الحمالين. فلما بلغ خاير بك ذلك تنكد من العثمانية بسبب هذه الفعلة، ولم يكن له عند العثمانية حرمة ولا وقار، ولا مراعاة له في سائر الأحوال.
وفي ذلك اليوم فتح البريم بحضرة خاير بك، وأحضر جماعة من الصيادين في مراكب ومعهم أسماك كثيرة، فصار القلايون يقلون من هذه الأسماء ويطعم العسكر الدين بصحبته، وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية، وأقام هناك إلى ما بعد العصر ثم نزل في مركب وشق من جهة الروضة، وطلع من بر مصر العتيقة إلى القلعة.
وفي ذلك اليوم أشيع أن السلطان سليم شاه بن عثمان أرسل مطالعة إلى خاير بك على يد ساع، فكان من مضمونها أنه وصل إلى الشام ودخل إليها، وزينت له لما دخلها. ومن مضمون تلك المطالعة أن ابن عثمان أرسل يطلب من خاير بك أربعين ألف أددب شعير وقمح يرسلها له في مراكب من البحر المالح إلى الشام، فألزم خاير بك المباشرين بذلك، فأخذوا في تجهيز ذلك وأرساله من البحر كما برز الأمر.
وفي أثناء هذا الشهر وردت الأخبار من عند الجماعة الذين خرجوا من مصر وتوجهوا إلى إسطنبول، بأن مركبا من المراكب التي توجهوا بها قد غرقت في البحر المالح، وغرق للناس فيها جملة مال، وغرق فيها أربعمائة إنسان، وفيهم جماعة من
стр. 1518
الأعيان الذين خرجوا من مصر، ولكن لم يثبت إلى الآن أسماء من غرق فيها من الأعيان.
وقد أشيع أنه كان فيها بيبردي بن كسباي أحد الأمراء العشراوات الذي كان باش المجاورين بمكة، وحضر صحبة ابن الشريف بركات أمير مكة، وقد تقدم القول على ذلك.
وكان بتلك المركب قراكز الجكمي رأس نوبة عصا، الذي كان محتسبا بمكة، وكان بها نحو أربعين مملوكا، وكانوا صحبة باش المجاورين، وحضروا صحبة ابن الشريف بركات أمير مكة وقد تقدم القول على ذلك.
وكان بتلك المركب محمد بن إبراهيم الشرابيشي، الذي كان ناظر الأوقاف المتعلقة بالزمامية في أيام السلطان الغوري، وكان بها غير هؤلاء جماعة كثيرة من الناس فأشيع غرقهم أجمعين، ولكن لم يتأكد القول بذلك إلى الآن. وأشيع غرق جماعة من البزددارية الذين كانوا خرجوا من مصر ليتوجهوا إلى إسطنبول. وأشيع أن الطاعون عمال بإسطنبول وبها الوخم والغلاء، وهذا ما أشيع والله أعلم بصحة ذلك.
وفي يوم السبت خامس عشر شوال، حضر أمير من عند ابن عثمان من الشام يقال له الأمير علي، قيل: هو الذي كان واليا بالقاهرة لما كان بها ابن عثمان، فخرج الأمير قايتباي الدوادار إلى ملاقاته، فدخل من باب النصر.
وحضر صحبته جماعة كثيرة من العثمانية، وجماعة من المماليك المتعلقين بملك الأمراء خاير بك الذين كانوا بحلب. قيل: إنهم نحو ثلثمائة مملوك، فأنزلوا هذا القاصد في بيت الأتابكي سودون العجمي الذي في قنطرة سنقر، فلم تصح هذه الإشاعة، وأنزلوه في مكان غير ذلك المكان الذي ذكروه، فأخبر هذا القاصد بأن ابن عثمان دخل إلى الشام وهو مقيم بها. وقيل: إنه يشتي هناك، وأن أهل الشام في غاية الضنك والشدة من عسكره، لأنهم طردوهم عن بيوتهم وسكنوا بها، وحصل منهم لأهل الشام الضرر الشامل أكثر مما حصل لأهل مصر. وأخبر أن الغلاء بالشام حتى بلغ ثمن العليقة الوادة ستة أنصاف ولا توجد.
واختلفت الأقوال في مجيء هذا القاصد … فمن الناس من يقول جاء بسبب استعجال هذا المغل الذي أرسل يطلبه ابن عثمان، ومن الناس من يقول إن ابن عثمان ولاه نيابة الإسكندرية، وقيل جاء بسبب غير ذلك. والأقوال في ذلك كثيرة.
وفي يوم الأحد سادس عشرة نزل ملك الأمراء خاير بك من القلعة، وتوجه إلى منشيه المهراني، بسبب وسق المراكب بالمغل الذي أرسل بطلبه ابن عثمان، فقيل جهز من المغل نحو ثلاثين ألف أردب قمحا وشعيرا، وقيل: أكثر من ذلك.
стр. 1519
وفي يوم الاثنين سابع عشر شوال خرج المحمل الشريف من القاهرة في موكب حافل، وكان أمير ركب المحمل في تلك السنة القاضي علاء الدين بن الإمام ناظر الخاص، الذي قرر في كتابة السر كما تقدم.
وقد خرج الحاج في هذه السنة ركبا واحدا، الأول والمحمل معا. وكان الحاج في هذه السنة قليلا جدا خوفا من فساد العربان في الطريق، لأنه في السنة الماضية - في دولة الأشرف طومان باي - لم يخرج المجمل من القاهرة، ولم يحج فيها من أهل مصر أحد.
ولما خرج القاضي ناظر الخاص، طلب طلبا تحربيا، يشتمل على أربعة نوب هجن بأكوار محمل، وبعض خيول جنائب عليها بركستوانات فولاذ وكنابيش زركش، وثلاثة خزائن بأغشية حرير أصفر، ومحفة جوخ أزرق، وقدامه طبلان وزمران من غير صنجق. وقد احتفل بعمل سنيح حافل بسبب من حج معه من العثمانية في هذه السنة.
ولما شق من القاهرة كان قدامه الأمير قايتباي الدوادار والأمير أرزقك الناشف أحد الأمراء المقدمي الألوف الذي ظهر عن قريب، والأمير قانصوه العادلي الذي كان كاشف الشرقية، وكان قدامه جماعة من أمراء ابن عثمان ومن عسكره وركب قدامة سائر الأعيان من المباشرين من كبير وصغير، ثم أتى بعده المحمل وقدامه القضاة الأربعة على العادة.
وممن حج في هذه السنة من الأعيان قاضي القضاة محيي الدين المالكي - وهو ابن الدميري - فألبسه خاير بك قفطانا محملا، وقرره قاضي المحمل وحج آخرون من الأعيان لا يحضرني أسماؤهم الآن.
وقد جدد ابن عثمان كسوة المحمل في هذه السنة، فصنع له كسوة فاخرة كلها زركش، وكتب عليها اسمه، ولما شقوا من القاهرة كان لهم يوم مشهود على العادة القديمة. هذا ما كان من ملخص خروج المحمل في ذلك اليوم.
وفي يوم السبت ثاني عشرية خلع ملك الأمراء خاير بك على قانصوه العادلي قفطانا مخملا بتماسيح، وقرره كاشف الشرقية كما كان أولا.
وفي يوم الأحد ثالث عشرية قبض الوالي على خمسة أنفار من العثمانية أشيع عنهم أنهم يحطفون العمائم ويعرون الناس في الطرقات، وأنهم يخطفون النساء والصبيان المرد، وتزايد منهم الفساد. فلما قبض عليهم، رسم سنان باشا أحد أمراء ابن عثمان أن يشنقوا
стр. 1520
على باب زويلة فشنق منهم اثنان على باب زويلة، وواحد على باب الشعرية. وأما الاثنان فقد شفع فيهما من الشنق في ذلك اليوم فسجنا.
وكانت العثمانية الذين بمصر كثر منهم الأذى في حق أهل مصر من حين رحل ابن عثمان عنهم، وصاروا لا يسمعون لخاير بك كلامه، ولا له عليهم حرمة.
وفي يوم الاثنين رابع عشري شوال توجهت المماليك الجراكسة إلى بيت الأمير قايتباي الدوادار بسبب أنه وعد المماليك أنه يصرف لهم جوامك في ذلك اليوم، فطلع إلى القلعة واجتمع بملك الأمراء خاير بك، وأقام بالقلعة إلى قريب الظهر، والمماليك الجراكسة في انتظاره على بابه، فلما نزل قال لهم: "يا أغوات شاورت ملك الأمراء عن أمركم، فقال: حتى نجمع المال، وننفق عليهم الجوامك". ولم يواعدهم على يوم معين، فرجعوا من عند بغير طائل.
وقد صارت المماليك الجراكسية في غاية الذل من الفقر والعري، ومنهم من سأل الناس في رغيف يقتات به، ومنهم من يطوف في الأسواق يسأل التجار والسوقة في درهم يشتري به كبشة فول يأكلها، فسبحان من يعز ويذل، وصاروا يمشون في الأسواق لا خيول لهم ولا قماش ولا سلاح ولا بيوت تأويهم، ولا اصطبلات ولا عبيد ولا غلمان، وقد نظر الله إليهم بعين المقت جزاء ما كانوا يعملون، فسبحان من قهر الجبابرة بعز سلطانه.
*****
وفي يوم الأحد كان مستهل ذي القعدة الحرام، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء خاير بك نائب السلطنة بالشهر، وعادوا إلى بيوتهم.
وفي يوم الخميس خامسه خلع ملك الأمراء على يوسف البدري وأعاده إلى الوزارة كما كان أولا، فخلع عليه قفطانا مخملا عوضا عن المتمر، وقد صارت الأمراء الجراكسة الذين ظهروا كلهم بقفطانات مخملة، وبعضهم بقفطانات جوخ وطراطير جوخ أسود، وعليهم عمائم مدورة، وفي أرجلهم سقمانات جلد في زي العثمانية، فصارت الأمراء الجراكسة والمماليك السلطانية كلهم على هذه الهيئة، واختلط العثمانية مع الجراكسة، حتى صاروا لا يعرف هذا من هذا إلا بشيء واحد وهو أن المماليك الجراكسة تعرف بذقونهم، والعثمانية بغير ذقون. وقد قلت في هذا المعنى مواليا:
أمشي مع الدهر قدر الجهد يا غلظان … واخلع ثياب المواكب واتبع السلطان
стр. 1521
في لبس سقمان أو طرطور أو قفطان … وكن مع القوم في الملبوس والأوطان
وفي يوم الأحد ثامن الشهر، نزل ملك الأمراء خاير بك من القلعة باكر النهار، وتوجه إلى نحو قبة الأمير يشبك الدوادار التي بالمطرية، وأقام هناك إلى آخر النهار، ومد في ذلك اليوم مدة حافلة، وأهدت إليه جماعة من المباشرين مجامع حلوى، ومنشآت فاكهة، وسكر وخرفان شوي، وأقفاص أوز ودجاج، وغير ذلك أشياء فاخرة، على أعناق الحمالين وظهور الدواب، وكان يوما سلطانيا. ولم يتم حتى وقعت حادثة … وهي أنه في ذلك اليوم بعد العصر، نزل جماعة من العربان من نحو الجبل الأحمر، بالقرب من سبيل علان، فقطعوا الطريق على جماعة من الفلاحين معهم جمال محملة قمحا وبطيخا، فأخذوا منهم نحو أربعين جملا، وذهبوا بها إلى الجبل، ومضوا بها ولم تنتطح فيها شاتان. فلما بلغ ملك الأمراء ذلك تنكد غاية النكد بسبب ذلك، فلما ذهبت العرب بالجمال أتى الفلاحون إلى ملك الأمراء واستغاثوا بين يديه وبكوا، فقام من وقته وهو منكد، وطلع إلى القلعة بعد العصر، ولم يخرج من يده شيء في رد الجمال من أيدي العربان إلى أصحابها.
وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة حضر إلى الأبواب الشريفة شيخ العرب عبد الدائم بن شيخ العرب أحمد بن بقر - شيخ عربان الشرقية - وقد حضر بالأمان من ملك الأمراء خاير بك، وكان أرسل عليه منديل الأمان على يد الأمير قانصوه العادلي كاشف الشرقية. فلما توجه إليه صار يتلطف به في الكلام ويخادعه، ولا زال به حتى أطاع وحضر صحبته.
وكان عبد الدائم عاصيا على السلطنة من أيام السلطان الغوري لم يدخل تحت طاعة، ثم عصي على ابن عثمان، فلما أرسل إليه خاير بك قانصوه العادلي بالأمان، حضر وقابل خاير بك، وصحبته تقدمة ما بين خيول وجمال وأغنام، فلما مثل بين يدي ملك الأمراء خاير بك خلع عليه قفطانا مخملا ونزل من القلعة في موكب حافل، وقدامه رايات زعفران.
وكان عبد الدائم هذا من أكبر المفسدين في الشرقية، فخرب غالب بلاد الشرقية، ونهب أموالها، وقطع الطريق على القوافل الواردة من الشام في مدة فتنة ابن عثمان، وأخذ ما لا يحصى من أموال التجار، وقتل جماعة من المماليك السلطانية، وأخذ ما كان معهم من الخيول والسلاح، وكذلك الأمراء الجراكسة لما وقعت عليهم الكسرة في الريدانية وتشتتوا في بلاد الشرقية. فصار يأخذ ما عليهم من الثياب، والسلاح والخيول وغير ذلك، وجمع أموالا وتحفا لم تجمع لآبائه ولا أجداده، وقد غنم أموالا التجار وأموال العسكر من
стр. 1522
المماليك الجراكسة وغيرهم من أموال المقطعين من البلاد، وعمل من المفاسد في الشرقية ما لا يسمع بمثله.
وفي يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة، وقع في القاهرة اضطراب عظيم، وغلقت أباب المدينة قاطعة حتى غلقت أبواب الدروب والخوخ التي بالحارات، وأقامت الأبواب مغلقة إلى ضحوة النهار، ثم فتحت بعد ذلك، وسبب ذلك أن حسن بن مرعي شيخ عربان البحيرة، الذي كان سببا لمسك السلطان طومان باي، تحيل عليه السلطان سليم شاه بن عثمان حتى قبض عليه، وقيده بقيدين، وأودعه في الاعتقال في طبقة عند باب القلعة، ووكل به جماعة من العثمانية يحفظونه، فأقام على ذلك مدة، وغافلهم، وبرد القيدين بمبرد جديد، وتدلى بحبل من السور الذي بالقلعة، وهرب بعد العشاء من القلعة. فلما بلغ ملك الأمراء هروب حسن بن مرعي من القلعة تنكد لذلك غاية النكد … وهرب حسن بن مرعي وفاز بذلك، وتخوف الناس من هروبه.
وفيه وردت الأخبار من الشام، بأنه لما أقام بها ابن عثمان وقع بها في تلك الأيام وخم عظيم، ومات من عسكره جماعة كثيرة من ذاك الوخم، وأشيع موت حليم جلبي فقيه ابن عثمان ونديمه، وأشيع موت أخي حليم جلبي أيضا، ومات من أمرائه جماعة كثيرة، وأنه وقع بالشام غلاء عظيم، حتى وصلت كل عليقة إلى خمسة أنصاف، ووصل سعر الرغيف الخبز نصف فضة وأن عسكره تقلق من الغلاء والوخم، وتفرقوا عنه في الضياع والجبال.
وأشيع أن عسكر ابن عثمان خرب غيطان الشام، ونهب الفواكه من فوق الأشجار، ورعت خيولهم من الغيطان، وأكلوا أوراق الأشجار، وطردوا الناس من بيوتهم وسكنوا بها، وخربوا غالب بيوت الشام، وحصل منهم لأهل الشام غاية الضرر، أكثر مما حصل منهم في حق أهل مصر من الفساد بها.
ومن الحوادث الشنيعة ما وقع في هذا الشهر من أن جماعة من المباشرين بالديوان المفرد، منهم يونس النابلسي الأستادار، وفخر الدين وأخوه أولاد ابن عوض، وبركات أخو شرف الدين الصغير، وشرف الدين الكبير، وأبو بكر بن الملكي مستوفى ديوان الجيش، وبركات بن موسى وعلاء الدين ناظر الخاص، وعبد العظيم أستادار الشعير
فهؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اتفقوا على أخذ أموال المسلمين، فاستباحوا أموالهم ودماءهم، وما ذاك إلا أن غالب البلاد قد شرق في هذه السنة بسبب خسة النيل، وكان المباشرون التزموا بتغليق المال الذي على البلاد، فلما حصل هذا الشراقي ضربوا مشورة بين بعضهم وقالوا: "نحن في العام الماضي أوقفنا إقطاعات أولاد الناس التي بالمناشير، وأخذنا خراجهم، وفي هذه السنة أوقفوا الرزق التي بالمربعات
стр. 1523
الجيشية، ونضع أيدينا على خراجها في هذه السنة في نظير شراقي البلاد" فطلعوا إلى ملك الأمراء خاير بك، وعرضوا عليه ذلك وحسنوا له عبارة في استخراج خراج الرزق في هذه السنة في نظير الشراقي، فقال لهم: "انزلوا افعلوا ذلك". فنزلوا من عنده، وأطلقوا في الناس النار، وأرسلوا العمال بالمراسيم إلى البلاد ليستخرجوا منها الأموال من الرزق التي بالمربعات قاطبة، حتى الرزق الأحباسية، ولو كان الرزقة تشتري بمربعة شريفة، فضجت أولاد الناس والنساء الأرامل من هذه الحادثة المهولة، وحصل الضرر الشامل للأرامل والأيتام، والله تعالى لا يغافل ولا ينام.
وصار الناس يقفون إلى ملك الأمراء خاير بك، ويشكون إليه ذلك، فيقول لهم: "أنا أوقفت المناشير والمربعات بأمر الخنكار ابن عثمان"، فنزلوا من عنده في أسوأ حال، وصاروا يسألون الأستادار بمال يدفعونه له حتى يفرج عن رزقهم، فلا يجيبهم ولا يقضي لهم حاجة.
ثم إن فخر الدين بن عوض - لا جزاه الله خيرا - استدرج من الرزق إلى خراج بلاد الأوقاف التي كانت بالمكاتيب الشرعية، فصار يستخرج خراج الأوقاف ويأكله على أصحابه رغما عن أنفهم، فحصل للناس في هذه الحركة غاية الضرر الشامل، وقد اشتد الأمر على الناس بسبب ذلك، وكل هذا من المباشرين وأذاهم في حق المسلمين، وقد قلت في المعنى مواليا:
كان ابن عثمان مذ جا مصر مثل الضيف … رحل وولى علينا كل صاحب حيف
مباشرين يجوروا في الشتاء والصيف … أطراف أقلامهم تفعل مثل فعل السيف
وفي يوم الأحد ثاني عشري ذي القعدة، خرج الأمير قايتباي الدوادار، وعدى إلى بر الجيزة، وخرج صحبته جماعة كثيرة من العثمانية، ومعهم مكاحل نحاس ومدافع نحاس وعجل، وقد أشيع أن عدة قبائل من العرب نزلوا على الجيزة فافتتنوا مع عرب عزالة، وحصل منهم غاية الفساد. فخرج الأمير قايتباي وصحبته تجريدة وعسكر من الجراكسة بسبب العربان وطردهم عن البلاد فخرج وقام في بر الجيزة إلى أن يتكامل العسكر.
وفي يوم الاثنين ثالث عشرية، اجتمع المماليك الجراكسة في بيت الأمير قايتباي الدوادار - وهو بيت الأتابكي قرقماس الذي عند حوض العظام - واجتمع القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، ولم يكن الأمير قايتباي الدوادار حاضرا، بل حضر أخوه جان بك. فأنفقوا على المماليك الجراكسة لكل واحد منهم ألفا درهم. وصاروا يستوعبونهم
стр. 1524
طبقة بعد طبقة، فأنفقوا عليهم يوم الاثنين ويوم الثلاثاء رابع عشرية، وأنفقوا يوم الأربعاء ويوم الخميس أيضا، وقد ظهر من المماليك الجراكسة الجم الكثير فوق الخمسة آلاف مملوك، وقد كانوا موزعين في البلاد عند الفلاحين، وآخرون قد اختفوا في البيوت والحارات، حتى خمدت الفتنة ثم ظهروا بعد ذلك.
وفي يوم الخميس سادس عشرية، أشيع أن الأمير قايتباي الدوادار، لما توجه إلى بر الجيزة بسبب فساد العربان، وأقام هناك أياما حتى يتكامل خروج العسكر، وردت الأخبار بأن العسكر العثماني لما توجهوا إلى هناك، وقع بينهم خلف في بعضهم، فوثبوا على باشهم، وهو شخص من أمراء ابن عثمان، وراموا قتله فهرب واستجار بالأمير قايتباي، فلما جرى ذلك أرسل الأمير قايتباي كاتب ملك الأمراء بما جرى من العثمانية في حق باشهم.
ثم أشيع واستفاض بين الناس، أن حمادا شيخ عربان عزالة قد حضر عند ملك الأمراء خاير بك، وأخبره أن العربان الذي أتوا إلى بر الجيزة، عدة قبائل لا تحصى، وأن العسكر الذي أرسله لا يقاوم هذه العربان الكثيرة، فإنهم فوق العشرين ألف إنسان، ونشأ هذا كله من حسن بن مرعي لما هرب من الحبس، فإنه طاف بالعربان وأنشأ هذا الفساد. ثم قال له: "إن لم تخرج أنت بنفسك، وتعدي بر الجيزة، وإلا فما يقع للعسكر اتفاق بينهم"، فصلى ملك الأمراء خاير بك صلاة الفجر، ثم نزل من القلعة وقدامه جماعة كثيرة من الرماة بالنفوط، والجم الكثير من العثمانية، ومعهم صناجق حرير أحمر .. فشق من الصليبة وتوجه إلى بولاق ليعدي إلى الجيزة.
وفي يوم الجمعة سابع عشرية، حضر الأمير قايتباي الدوادار، وكان قد خرج باش التجريدة التي توجهت إلى العرب، وأخبر أنه لم يظفر بحسن بن مرعي، وترافع هو والعربان إلى الأودية والجبال. وأشيع أن باش عسكر العثمانية هو الذي أهمل في أمر حسن بن مرعي حتى أخلى من وجه العسكر، ومضى بنجعه، ودخل إلى الأودية والجبال.
وفي آخر هذا الشهر وقع بين القاضي فخر الدين بن عوض، وبين خشقدم الأشرقي مملوك السلطان الغوري - الذي كان شاد الشون وهرب وتوجه إلى بلاد ابن عثمان، وكان سببا لإنشاء هذه الفتنة بين سليم شاه بن عثمان وبين السلطان الغوري - وقد تقدم القول على ذلك - فلما دخل ابن عثمان إلى مصر وملكها قرر خشقدم هذا كاشف أسيوط مع منفلوط. فلما رحل ابن عثمان عن مصر، وقرر ملك الأمراء خاير بك نائب السلطنة بمصر، عزل خشقدم من التحدث على أسيوط، فلما حضر خشقدم من أسيوط وقعت بينه وبين فخر الدين بن عوض فتنة بسبب الرزق التي هناك، فحصل بينهما تشاجر عظيم،
стр. 1525
فتشاتما وتسابا سبا قبيحا، وقال فخر الدين بن عوض لخشقدم: أنت كنت سببا لوقوع الفتنة بين أستاذنا الغوري وبين ابن عثمان، فتحمل خشقدم من فخر الدين بن عوض، وشق عليه ذلك.
فلما كان يوم السبت ثامن عشري ذي الحجة، طلع خشقدم إلى القلعة، ووقف إلى ملك الأمراء خاير بك، وشكا له فخر الدين بن عوض مما قاله في حقه، فتعصب له جماعة من العثمانية، وأغلظوا على خاير بك في القول بسبب فخر الدين بن عوض فلما طلع ابن عوض إلى القلعة يوم السبت، وبخه خاير بك بالكلام، وقامت عليه النائرة من أمراء ابن عثمان الذين بمصر، وقالوا له: "هذا خلى إسناده الغوري وهرب من عنده وجاء إلى الخنكار وصار من جماعته، وأنت تبهدله وتشمته؟ "، فقامت البينة على ابن عوض بأنه شتم خشقدم وسبه، فغضب خاير بك على ابن عوض، وأمر بوضعه في الحديد، وأسلمه للوالي، ورسم له بأن يوسطه، فقصد الوالي أن ينزل به من القلعة ليوسطه. فقامت جماعة من المباشرين وتداخلوا على خشقدم، وأصلحوا بينه وبين فخر الدين بن عوض، فدخل إلى ملك الأمراء خاير بك، وشفع فيه من التوسيط وقاسى ابن عوض في ذلك اليوم غاية البهدلة من أمراء ابن عثمان بسبب خشقدم.
وكان ابن عوض مستحقا لذلك، فإنه صار في هذه الأيام من وسائط السوء ولا سيما ما فعله في جهات الغربية، ووضع يدع على رزق الناس وأوقافهم، واستخراج خراجهم، وضاعت على الناس حقوقهم، وحصل منه الضرر البليغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي ذلك اليوم حضر هجان بكتب الحاج وقد حضر في السابع والعشرين من ذي الحجة، وأشيع عن كتب الحجاج أن مكة بها غلاء، وقد وصل الحمل الدقيق إلى أربعين دينارا، ووصل الأردب القمح إلى عشر أشرفيات، ووصلت البطلة الدقيق إلى ثلاث أشرفيات. وكذلك اشتد السعر في سائر البضائع والأصناف والغلال، وذكروا أنه مات من الجمال ما لا يحصى، حتى وصل كراء الموهية إلى أربعين دينارا، وذكروا من هذا النمط أشياء كثيرة، وأن أمير مكة السيد الشريف نادى في مكة أن لا أحد من الناس يجاور بمكة تلك السنة بسبب الغلاء.
وأشيع عن كتب الحجاج أن الشهابي أحمد بن الجيهان قد جاور بمكة، وكذلك مصلح الدين خازندار بن عثمان، وغير ذلك من الأعيان، والذين كانوا بها نزلوا صحبة الحجاج لما اشتد أمر الغلاء بمكة.
انتهى ما أوردناه من حوادث سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وقد خرجت هذه السنة على خير، وكانت سنة صعبة شديدة على الناس، كثيرة الحوادث والفتن، جرت فيها أمور
стр. 1526
شنيعة لم تجر في سالف الأزمان، وقتل فيها جماعة من الأمراء والعسكر والمماليك السلطانية في فتنة ابن عثمان، وقتل فيها من أهل مصر سبعة أيام، وقتل فيها ثلاثة سلاطين وهم: الأشرف الغوري، والأشرف طومان باي، والظاهر قانصوه - قتل في البرج بثغر الإسكندرية - وتعير فيها ثلاث دول، وخربت فيها دور كثيرة، ونهب فيها أموال وقماش لا يحصى، وتيتم فيها أطفال، وترملت فيها نساء، وجرت فيها مفاسد كثيرة لم يسمع بمثلها، ولم تقاس أهل مصر شدة أعظم من هذه إلا في زمن يختنصر البابلي، فإنه خرب مصر وأحرقها حتى أقامت أربعين سنة خرابا. فكان النيل يطلع ويهبط، ويفرش على الأرض فلا يجد من يزرع شيئا من أراضيها. وهذا كله بتقدير الله تعالى فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة، ورد العاقبة إلى خير.
وقد وقفت على كتاب تأليف الشيخ جلال الدين السيوطي ﵀ عليه، ذكر فيه "أن ي هذا القرن يبدو الخراب في مصر في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ثم يتزايد الأمر إلى سنة خمسين وتسعمائة، فيقع فيها فناء عظيم، حتى يفنى من أهل مصر نحو النصف".
وقد ظهرت علامة ذلك في هذه السنة. ومن أعظم مساوئ ابن عثمان إخراج أعيان الرؤساء بالديار المصرية، ونفيهم إلى اسطنبول، ونحن نذكر منهم ما تيسر فنقول:
ذكر من توجه في هذه السنة إلى القسطنطينية من أعيان رؤساء الديار المصرية
وهم: مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله ابن المستمسك بالله يعقوب، وأولاد ابن عمه سيدي خليل، وهما: أبو بكر وسيدي أحمد، ثم المقر العلائي على ابن الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال.
ومن أولاد الأمراء: الشرفي يونس بن الأتابكي سودون العجمي، والجناب الناصري محمد بن العلائي علي بن خاص بك صهر الأشرف قايتباي. ومن الأمراء بيبردي بن كسبان الذي كان باش المجاورين بمكة أحد الأمراء العشراوات، وقراكز الجمكي أحد الأمراء العشراوات، وقانصوه القيم باش المدينة الشريفة، وجماعة من المماليك السلطانية الذين كانوا مجاورين بمكة المشرفة، وجان بك دوادار الأمير طراباي.
ومن أولاد الناس: الشهابي أحمد بن البدري حسن بن الطولوني معلم المعلمين، ويوسف بن أبي الفرج الذي كان نقيب الجيش، ويحيى بكار الذي كان دوادار الوالي.
ومن نواب السادة الشافعية: الشيخ زين العابدين بن قاضي القضاة كمال الدين الطويل، والشيخ شرف الدين بن دوق، والشيخ شمس الدين الحلبي والشيخ شمس الدين بن وحيش، والشيخ كمال الدين بن مظفر، والشيخ بدر الدين البلقيني، والشيخ برهان الدين الأبناسي،
стр. 1527
والشيخ شمس الدين الحجازي، والشيخ شمس الدين بن الآدمي الدمياطي، والقاضي شمس الدين المفسي الغريزي، والسيد الشريف الحجاز، والقاضي ولي الدين البتنوبي ابن الشرمساحي، والقاضي شمس الدين بن جمال الدين الأتميدي.
ومن نواب السادة الحنفية الشيخ زين الدين الشرنقاشي، والسيد الشريف البرديني، والشيخ بدر الدين بن الوقاد السعودي، والشيخ بدر الدين محمد بن الرومي.
ومن نواب السادة المالكية: الشيخ شهاب الدين أحمد بن الفيشي، والشيخ شهاب الدين الأبتاذي.
ومن نواب السادة الحنابلة: الشيخ شهاب الدين الهيثمي، والشيخ جلال الدين الطنبدي، والقاضي جمال الدين الحنبلي.
وأما من توجه إلى اسطنبول من المباشرين السلطانية فهم: المقر الشهابي أحمد ناظر الجيش ابن ناظر الخاص يوسف، وابن أخيه بدر الدين ابن كمال الدين، والجناب الشمسي محمد بن القاضي صلاح الدين بن الجيعان أحد كتاب الخزائن الشريفة، والقاضي زين الدين عبد القادر الملكي مستوفى ديوان الجيوش المنصورة، والشمسي محمد البارزي.
ومن كتاب المماليك وغيرهم: شمس الدين محمد بن فخر الدين، وسعد الدين وفرج وكريم الدين، وفتح الدين من أولاد ابن فحيرة، وابن أبي المنصور، ومحمد بن عبد العظيم، ومحيي الدين بن بهاء الدين من أولاد بن البقري، وأبو الحسن بن الرفيق، وعبد العظيم بن غالب، ويحيى بن الطنساوي، وشهاب الدين بن عبد العظيم، وعبد العظيم بن تقي الدين ناظر الزردخاناه، وولده زين الدين، وتاج الدين أخو عبد الكريم اللادني، وكمال الدين من أولاد ابن البقري، وشرف الدين وعلي المرجوشي، وأخو يونس الأستادار، وبن الزكي، ومحمد بن علي كاتب الحزانة، وأحمد بن قريميط، وعبد القادر بن قريميط، وأبو السعادات، وأفضل الدين المنوفي وناصر الدين العزي الموقع، وولي الدين ناظر المواريث، وعامل المواريث، وسعد الدين أخو علاء الدين ناظر الخاص، وبركات المنوفي وسعد الدين المنوفي، ومحمد الكوير ناظر الخاص، وأحمد بن حشو البطن، وابن نصر الله، وكريم الدين صهر عبد الفتاح، ومحمد بن أبي غالب، وصفي الدين بن الهيصم، وتاج الدين بن البقري، وشقيقه بركات بن سلمان، وكمال الدين بن الناصري، وعبد الرحمن مباشر أمير آخور كبير، وبدر الدين بن خازوقة ورفيقه، وأبو الفضل مباشر الوالي ورفيقه، والعبادي ورفيقه، وبدر الدين مباشر الأمير أنص باي، وكمال الدين العائق مباشر أمير آخور كبير، وآخرون من المباشرين بم تحضرني أسماؤهم الآن.
стр. 1528
ومن أعيان الناس: المهتار محمد النجولي مهتار السلطان الغوري كان، والمهتار سليمان، ومحمد بن يوسف الذي كان ناظر الأوقاف، وعلم الدين جلبي السلطان الغوري، وعلي مقدم الدولة.
ومن الزردكاشية: يحيى بن يونس، ومحمد العادلي الشهير بابن البدوية، وزين العابدين بن محمود الأعور، وجماعة من السيوفية والصياقلة والسباكين والحدادين.
ومن تجار الباسطية: شهاب الدين الخطيب الأسمر، وأحمد الديروطي، وأولاد ابن نفيس، وعلي بن خشيم ومن تجار سوق مرجوش: ابن الشفيرة، وأبو الفوز الحمصاني، وبدر الدين شيخ سوق الغزل، ومن تجار المغاربة: الشيخ سالم التاجوري، وسعيد اللبدي، وأبو سعيد، وآخرون لم تحضرني أسماؤهم من المباشرين والتجار بأسواق القاهرة وغيرها.
ومن الخدام: مقدم المماليك سنبل العثماني ونائبه، وعثمان الرومي، وشهاب الدين أحمد الجارحي، وقيل مات من الرجفة قبل سفره بأيام، ومن البزدادية كمال الدين بن بزددار أمير كبير، وعبد القادر بن المنقار، وابن الشيخ محمد بن رسلان، وناصر الدين وإسماعيل ومحمد الكاتب، وأبو بكر وابن السميني، ويحيى بن يحيى، وبركات بن المبيض، ومحمد بن الجيعان، وبركات النائب، وسعد الدين بن البحلاق، ويحيى مقدم الخاص، وحسن نائب البرماوي، والسوهاجي، ومحمد قطارة، ومحمد بن فرو شيخ جهات الأميرية، وآخرون ما تحضرني أسماؤهم الآن.
ومن رؤوس النوب: فرج بن البرديني وآخرون. ومن مقدمي السقائين: عبيد وأبو الخير وابن فريخ النار.
وتوجه إلى اسطنبول جماعة من البنائين والنجارين والحدادين والمرخمين والمبلطين والخراطين والمهندسين والحجارين والفعلاء جماعة كثيرة لم تحضرني أسماؤهم الآن.
وقد زعموا أن الخنكار بن عثمان يقصد أن ينشئ له مدرسة في اسطنبول مثل مدرسة السلطان الغوري التي بالشرابشيين.
وتوجه إلى اسطنبول جماعة من طائفة اليهود والسامرية. ومن طائفة النصارى: بانوب الكاتب بالخزائن الشريفة، وأبو سعيد، وأمين الدولة، ويوحنا الصغير، ويوسف بن هبول، وشيخ الملكيين الإسكندري وولده، وآخرون من النصارى واليهود لم تحضرني أسماؤهم.
فيقال أن جميع من خرج من أهل مصر وتوجه إلى اسطنبول دون الألف إنسان، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفيهم نسوان أيضا وأولادهم صغار رضع، ومنهم كبار.
стр. 1529
ولم يقاس أهل مصر من قديم الزمان أعظم من هذه الشدة، ولا سمع بمثلها في التواريخ القديمة، وكان ذلك في الكتاب مسطورا … ففارق الناس أوطانهم وأولادهم وأهاليهم وتغربوا من بلادهم إلى بلد لم يطؤوها قط، وخالطوا أقواما غير جنسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكانت سنة مشؤومة على الناس، مباركة على المباشرين الدين بمصر، وصاروا هم الملوك يتصرفون في المملكة بما يختارونه من الأمور، ولا سيما ما فعلوه من جهات الشرقية والغربية وجهات الصعيد، ووضعوا أيديهم على رزق الناس والإقطاعات، ثم استدرجوا إلى أن أخذوا أموال الناس بغير حق شرعي، ثم استدرجوا ثانيا إلى أن أخذوا أموال الأوقاف، وصاروا ليس على يدهم يد، يفعلون ما شاؤوا من هذا النمط، فغنموا في هذه السنة أموالا جزيلة من البلاد مما أخذوه من خراج الناس … فكان مجيء ابن عثمان غنيمة للمباشرين، وبعض الأفراد الذين أودع عندهم الأمراء الجراكسة والعسكر الأموال والقماش وقتلوا في الواقعة، فقعدوا على تلك الودائع، وراحت على من راحت، فكان كما يقل في المعنى: "مصائب قوم عند قوم فوائد".
سنة أربع وعشرين وتسعمائة (١٥١٨ م):
فيها كان افتتاح شهر المحرم يوم الأربعاء، فطلع القضاة إلى القلعة، وهنوا ملك الأمراء خاير بك بالعام الجديد، ثم رجعوا إلى دورهم.
فلما كان يوم السبت رابع المحرم، شكا الناس من أدى العثمانية الذين بمصر، وتزايد منهم الفساد في حق الناس، وصاروا يتوجهون إلى الأماكن التي في زقاق الكحل والمسطاحي والتي في الجسر وحكر الشامي والأزبكية ويأخذون ما فيها من الأبواب والسقوف والشبابيك الحديد والطيقان، ويحملونها على الجمال بين الناس على النداء والإجهار، ويبيعونها بأبخس الأثمان، ولم يجدوا من يردهم عن ذلك.
ثم صاروا يطلعون بالنساء إلى القلعة ويتحشرون بهن في أطباق المماليك الذين بالقلعة، وصنعوا بالطباق أطباق بوزة، وصارت خانة برسم حرافهم. وصاروا يأخذون ما بالطباق من الأبواب والسقوف ويطبخون بها الطعام، حتى خربوا غالب السقوف التي بالقلعة.
ثم تزايد منهم الفساد حتى صاروا يخطفون النساء والصبيان المرد وعمائم الناس من الطرقات والأزقة والأسواق في النهار والليل، وصار الناس على رؤوسهم طيرة من العثمانية، ويجدون القتلى مرمية على الطرقات.
стр. 1530
فلما تزايد هذا الأمر دخل جماعة من الناس إلى القاضي الذي جعله ابن عثمان في المدرسة الصالحية أمينا على قضاة مصر، فشكوا له من أفعال العثمانية وما يفعلونه بالناس. فلما سمع هذا الكلام ركب وتوجه إلى بيت الأمير قايتباي الدوادار، وأركبه وطل به إلى القلعة، وأخبروا ملك الأمراء خاير بك بهذه الأحوال التي تصدر من العثمانية.
ثم إن قاضي ابن عثمان أغلظ على خاير بك في القول وقال له: "انظر في أحوال المسلمين وإلا تخرب مصر عن آخرها، فقد فسدت الأحوال جدا، ومتى بلغ الخنكار هذه الأخبار يرسل يضرب أعناقنا، ويقول لنا كيف كتمتم عني أخبار مصر، وغفلتم عن أحوال المسلمين، حتى جرى فيها ما جرى".
فلما سمع ملك الأمراء خاير بك هذا الكلام وعد القاضي والأمير قايتباي إلى يوم السبت حادي عشر الشهر، فأحضر الأنكشارية والأصباهية وعرضهم، وفحص عمن يفعل هذا منهم.
ثم أن خاير بك نادى في القاهرة، بأن لا امرأة تخرج من بيتها ولا صبي أمرد، لا يتوجهون في هذا الشهر إلى السيدة نفيسة، ولا إلى مشهد الحسين، ولا إلى بين القصرين، وأن الدكاكين والأسواق تغلب بعد المغرب، ولا يمشي أحد من الناس بعد المغرب.
وفي يوم الأحد ثاني عشر المحرم، حضر من الشام من عند ابن عثمان قاصدان زعما أنهما من أعيان أمرائه، وقيل أن أحدهما أغات طائفة الانكشارية، والآخر أغات الأصباهية، فلما بلغ ملك الأمراء حضورهما نزل من القلعة ولاقاهما، وكان لهما موكب حافل، فطلعا إلى القلعة. واجتمعت الأمراء العثمانية والأمير قايتباي الدوادار وقرؤوا مطالعة الخنكار.
ثم أشيع أن ابن عثمان أرسل يطلب الأمير أرزمك الناشف أحد الأمراء المقدمين، والأمير قانصوه العادلي كاشف الشرقية، والأمير تمرباي العادلي، وأرسل يطلب جماعة من الانكشارية وجماعة من الأصباهية الذين كان قد تركهم بمصر، فكثر القيل والقال في ذلك.
فلما كان يوم الثلاثاء رابع عشره أرسل ملك الأمراء خاير بك إلى الأمير أرزمك الناشف أحد الأمراء المقدمين، والأمير قانصوه العادلي كاشف الشرقية، والأمير تمرباي العادلي وأرسل يطلب جماعة من الانكشارية وجماعة من الأصباهية الذين كان قد تركهم بمصر … فكثر القيل والقال في ذلك.
وأرسل ملك الأمراء خاير بك إلى الأمير أرزمك الناشف أربعمائة دينار وقال له: هذه نفقة السفر، فاعمل بها برقك واخرج سافر. فشكا إرزمك من ذلك وقال إيش يكفيني هذا
стр. 1531
القدر لعمل برق السفر. ثم ركب وتوجه إلى بيت الأمير قايتباي الدوادار وشكا له من أمر هذه النفقة، فقال له: اصبر حتى أطلع إلى ملك الأمراء خاير بك في ذلك اليوم".
ثم في يوم الأربعاء خامس عشره، أشيع بين الناس أن جماعة من الانكشارية والأصباهية لما تحققوا أن الخنكار أرسل يطلبهم أظهروا العصيان، وخرج بعضهم إلى نحو الشرقية والغربية وتفرقوا في البلاد.
ومن الحوادث الغريبة أنه في يوم الجمعة سابع عشر المحرم من هذه السنة، أشيع واستفاض بين الناس أنه قبض على قاسم بك بن أحمد بك بن أبي يزيد بن محمد بن عثمان ملك الروم. قاسم بك هذا هو الذي كان قانصوه الغوري اجتهد كل الاجتهاد حتى أدخله إلى مصر، وصار ضدا لسليم شاه ابن عثمان. وكان سليم شاه يخشى من أمر قاسم بك هذا أن يلتف عليه عسكر الروم من عساكر جده ويولوه مملكة الروم، وسافر قاسم بك هذا صحبة الأشرف قانصوه الغوري إلى حلب، وصنع له برقا وسنيحا حافلا، وجعل له صنجقا من حرير أخضر وأحمر كما هي عادة ملوك الروم، وحضر الواقعة التي كانت في مرج دابق. فلما فقد السلطان الغوري وجرى ما جرى، رجع قاسم بك صحبة الأمراء إلى مصر وصار معظما عند السلطان طومان باي، وحضر معه في الواقعة التي كانت بالمطرية، فلما انكسر السلطان طومان باي هرب معه إلى جهة الصعيد، فلما وقع السلطان طومان باي هو وابن عثمان في الجيزة بالقرب من وردان انكسر طومان باي وهرب.
فلما قبضوا عليه وشنق اختفى قاسم بك ولم يعلم له خبر مدة طويلة، وقد فاته القتل مرارا عديدة، وكان السلطان حاسب حسابه جدا ليلا ونهارا، وكان عسكر ابن عثمان قصدهم المخامرة عليه والتوجه إلى قاسم بك. وقد أشيع بين الناس أنه لما هرب بعد كسرة طومان باي، توجه مع بعض العربان إلى نحو الجبل الأخضر الذي بأعلى البحيرة، وكان قد نسي أمره.
فلما كان يوم الجمعة المقدم ذكره أشاعوا أنهم قد قبضوا عليه في مكان عند العطوف بالقرب من البرقية، وقد غمز عليه بعض غلمانه في ذلك المكان، فتوجه إليه كمشبغا والي القاهرة وشخص آخر يقال له جانم الحمزاوي شاد الشون من خدمة ملك الأمراء خاير بك، وهو دوادار الآن، فتوجها إليه وقبضا عليه من ذلك المكان المذكور. فلما قبضوا عليه عروه من أثوابه وقلعوه عمامته وألبسوه برنسا أسود وغطوا وجهه. وسبب ذلك أنهم خشوا أن العثمانية متى بلغهم أنهم قبضوا عليه وهو طالع إلى القلعة يخلصونه ويقتلون من معه، وتثور بين العثمانيين فتنة عظيمة، وتكون سببا لزوال ملك سليم شاه بن عثمان. فلما طلعوا به إلى القلعة بعد العصر قريب المغرب من يوم الجمعة، عرضوه على ملك
стр. 1532
الأمراء خاير بك، فرسم بإدخاله إلى سجن العرقانة الذي هو داخل الحوش السلطاني، فأدخلوه به وأغلقوا عليه باب السجن.
ثم اجتمع ملك الأمراء خاير بك، والأمير قايتباي الدوادار، ومن الأمراء العثمانيين فائق بك وسنان بك ومصطفى بك وخير الدين بك نائب القلعة، فلما اجتمعوا ضربوا مشورة في أمر قاسم بك، فقال ملك الأمراء خاير بك: دعوه في السجن وأرسلوا كاتبوا الخنكار في أمره وانتظروا الجواب فيما يرسم به، فقال فائق بك: هذا ما هو رأي، متى بات في قيد الحياة تدخل علينا التراكمة وتقتلنا عن آخرنا وتقع فتنة كبيرة. فلما دخل وقت العشاء أحضروا المشاعلي ودخلوا عليه وهو في العرقانة فخنقوه بها، وكان آخر العهد به.
فلما أصبح يوم السبت ثامن عشره، أخرجوا قاسم بك من العرقانة وهو ميت، ورقدوه على مسطبة بالحوش، وكشفوا عن وجهه، وأرسلوا خلف العثمانيين قاطبة حتى رأوه، فقالوا لهم: هذا قاسم بك بن أحمد بك ابن أي يزيد بن عثمان. ثم صاروا يقلبونه باطنا وظاهرا، ثم شهد منهم جماعة كثيرة أن هذا هو قاسم بك ابن أحمد بك ابن عثمان. ثم بعد ذلك أرسل ملك الأمراء خاير بك خلف قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل، وقاضي القضاة الحنفي الطرابلسي، وقامت عندهما البينة بصحة معرفة قاسم بك هذا، فكتبوا بذلك محضرا وثبت عند قاضي القضاة. ثم أنهم شرعوا في تجهيز قاسم فغسلوه وكفنوه، وأخرجوه قدام الدكة التي بالحوش السلطاني، فصلوا عليه هناك، وكان الذي صلى عليه قاضي القضاة الشافعي. وكانوا أطلقوا له نذراء في القاهرة بأن الصلاة على الشاب الشهيد قاسم بك بن عثمان، فإنه ينزل من القلعة. ثم إن ملك الأمراء خاير بك أشهر المناداة في القاهرة بأن يصلى على قاسم بك بن عثمان صلاة الغيبة في الجوامع، كل هذا حتى يتحقق الناس موته عن يقين.
فلما صلوا عليه بالحوش حمل الأمراء نعشه على أكتافهم، ثم نزلوا به من سلم المدرج، ووضعوا عمامته على نعشه ورفعوا عليه علما أبيض، ثم توجهوا به إلى تربة البجاني فدفنوه فيها على أقاربه، وكانت جنازته مشهودة، وكثر عليه الأسف والحزن منا الناس، فإنه كان شابا جميل الصورة، حسن المنظر له من العمر سبع عشرة سنة، وقد قتل ظلما بغير ذنب، وقد تناحرت عليه العثمانيون بالبكاء.
فلما دفنوه ولحدوه قطعوا رأسه بليل ووضعوها في علبة وتوجه بها جانم الحمزاوي هي والمحضر الخنكار بالشام … هذا ما أشيع واستفاض بين الناس، والله أعلم بصحة ذلك.
стр. 1533
وقد عد مسك قاسم بك وقتله أعظم من مسك الأشرف طومان باي وقتله، فتعجب الناس من قوة سعد سليم شاه بن عثمان من مبدئه إلى منتهاه، وهذا أمر من الله تعالى ليس في قدرة بشر. وكانت الناس تظن أن قاسم بك هذا سيلي مملكة الروم بعد عمه سليم شاه، فخابت فيه الظنون وعاجله ريب المنون، وكان ذلك مما سبقت به الأقدار، والحكم لله الواحد القهار.
وفي يوم الأحد تاسع عشره أنفقوا الجامكية على المماليك الجراكسة في بيت الأمير قايتباي الدوادار، فأنفقوا لكل مملوك ألفي درهم، وهي جامكية شهر واحد، فأنفقوا عليهم يوم الأحد ويوم الاثنين.
وفي ذلك اليوم نادى ملك الأمراء خاير بك في القاهرة بأن لا أحد من الناس يخبئ في بيته عثمانيا ولا انكشاريا من عسكر ابن عثمان، وكل من خبأ عنده أحدا وغمز عليه شنق على باب داره من غير معاودة، وسبب ذلك أن الخنكار بن عثمان لما أرسل يطلب جماعة من الانكشارية ومن الأصباهية اختفى منهم جماعة وجماعة تفرقوا في الشرقية والغربية وتوجهوا إليها هاربين في البلاد، وأظهروا العصيان، وقد تقدم القول على ذلك.
وفي يوم الاثنين سابع عشرية أشهروا المناداة في القاهرة حسبما رسم ملك الأمراء بأن جميع الانكشارية والأصباهية يحرجون يوم الاثنين صحبة القصاد، وكل من تأخر منهم شنق من غير معاودة، فشق من القاهرة جماعة من الأمراء العثمانية وقدامهم مشاعلي ينادي بالتركي وآخر ينادي بالعربي وذلك بعد الظهر. فلما بلغ العثمانية ذلك اضطربت أحوالهم وخرج غالبهم إلى نحو الشرقية، وقد التفت عليهم المماليك الجراكسة، وصاروا يرمون بينهم وبين الأمراء العثمانية الذين بمصر الفتن حتى يقع بينهم الشر ويظهروا العصيان على ابن عثمان.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرى المحرم، دخل الحاج إلى القاهرة ودخل المحمل الشريف، والقاضي علاء الدين ناظر الخاص أمير ركب المحمل، وقاضي قضاة المالكية محيي الدين بن الدميري، وبقية الحجاج، وأخبروا أنهم قاسوا في هذه الحجة مشقة زائدة وشدائد عظيمة من الغلاء وموت الجمال، وفساد العربان في الطريق، وكثرة الأمطار والسيول، وقلة العليق. ومشى غالب الحجاج على أقدامهم في الرجعة، وقد أثنوا على ناصر الخاص فيما فعله بالحجاج في الطريق من البر والصدقات وفعل الخير، وكان إذا رأى أحدا من الحجاج منقطعا يركبه على جماله وينعم عليه بالماء والبقسماط في الطلعة والرجعة. فرجع الحجاج وهم عنه راضون فيما فعله بهم، وقد رفق بهم في مشي الركب بسبب المنقطعين من الحجاج، وقد أثنوا عليه خيرا.
стр. 1534
وفي يوم الأربعاء تاسع عشريه، دخل إلى القاهرة الأمير قانصوه العادلي كاشف جهات الشرقية، وكان أشيع عنه العصيان من حين عين للسفر، فأتى لتبطل عنه الإشاعات، فلما طلع يوم الخميس إلى القلعة خلع عليه ملك الأمراء خاير بك قفطانا مخملا مذهبا، ونزل يعمل برقة.
وقد مضى هذا الشهر وعسكر ابن عثمان في خلف بينهم بسبب السفر إلى الشام، واستمرت الانكشارية في أمر العصيان عن السفر، وصاروا يكسبون عليهم بيوتهم وحاراتهم، ويقبضون على نسائهم اللاتي تزوجن بهن من مصر، وحصل لهن الضرر الشامل بسبب ذلك.
*****
وفي صفر الخير، وكان مستهله يوم الجمعة، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، فهنؤوا ملك الأمراء خاير بك بالشهر ورجعوا إلى دورهم.
وفي هذا اليوم خرج جماعة من الانكشارية والأصباهية من الطائعين منهم دون العاصين الذين هربوا كما تقدم، فخرجوا صحبة القصاد الذين جائوا لطلبهم من الشام حسبما رسم الخنكار سليم شاه بن عثمان. قيل إنه أرسل بطلب ألف إنسان من الأصباهية، ومن الانكشارية أربعمائة إنسان.
وفي يوم الاثنين رابع صفر، خرج بقية العسكر العثماني الذي تعين للسفر، وخرج الأمراء المعينون للسفر، وهم: الأمير أرزمك الناشف أحد المقدمين، والأمير قانصوه العادلي كاشف الشرقية، والأمير تمرباي العادلي، والأمير خشقدم الأشرفي الذي كان شاد الشون أيام السلطان الغوري، ولم يشعر بخروجهم أحد من الناس، ولم يطلبوا طلبا على جاري العادة، فلما خرجوا توجهوا إلى الريدانية ونزلوا بها إلى أن يرحلوا منها.
وفي هذه الأيام تزايد القال والقيل بين الناس بوقوع فتنة كبيرة.
وفي يوم الثلاثاء خامس صفر خلع ملك الأمراء خاير بك على شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر وقرره في مشيخة جهات الشرقية عوضا عن ابنه عبد الدائم، وقد أظهر عبد الدائم العصيان ونهب منية غمر وأحرقها وغيرها من بلاد الشرقية ووقع الاضطراب بها، وطفشت العربان في البلاد بالفساد والنهب، وحصل منهم الضرر الشامل. وصار عبد الدائم رأس كل فتنة في كل دولة، وقد تقدم القول على ذلك.
стр. 1535
وفي يوم السبت تاسعه قويت الإشاعات بعصيان عبد الدائم، أنه قد التف عليه عربان كثيرة من الشرقية والغربية، وطردوا أباه من الشرقية. واضطربت أحوال الشرقية إلى الغاية.
وأشيع في البلاد أن مصر ما بقي فيها أحد من عساكر ابن عثمان، فلما بلغ ملك الأمراء خاير بك ذلك رسم لخير الدين بك نائب القلعة وجماعة من الأمراء العثمانية بأن يشقوا من القاهرة ومعهم الانكشارية الذين تأخروا بمصر. فنزل من القلعة وقدامه من الانكشارية نحو ثلثمائة إنسان وهم مشاة وبأيديهم مكاحل، وشق من الصليبة وتوجه من بين الصورين وطلع من جهة سوق مرجوش، وشق من القاهرة فرجت له في ذلك اليوم، ثم عاد إلى القلعة.
وفيه أشيع أن ملك الأمراء خاير بك أخذ في أسباب تحصين القلعة، وسد منها عدة أبواب، وأبقى منها الأبواب الكبار على حكمها، وقصد أن يسد بعض أبواب من القاهرة، وأظهر الخوف والفزع، ودخلت رأسه الجراب من عبد الدايم بن بقر وكثرة العربان التي اجتمعت معه. وكثر القيل والقال في ذلك والروايات مختلفة.
وفيه أشيع أن الريس سلمان العثماني الذي كان في البرج بالقلعة وضعه خاير بك في الحديد وأرسله إلى ابن عثمان بالشام، وكثرت الحوادث في هذه الأيام جدا.
وفي يوم الاثنين حادي عشره أشيع أن ملك الأمراء خاير بك عين الأمير قايتباي الدوادار بأن يحرج إلى عبد الدائم بن بقر وصحبته جماعة من المماليك الجراكسة ومن العثمانية. وعرض في ذلك اليوم طائفة من العثمانية يقال لهم كلميا، فعرضهم في بيت سنان باشا العثماني، وعين منهم جماعة يخرجون إلى التجريدة صحبة الأمير قايتباي الدوادار بسبب عبد الدايم كما تقدم.
وفي أثناء هذا الشهر أشيع أن الخنكار سليم شاه ابن عثمان خرج من دمشق وقصد التوجه إلى حلب، وما يعلم سبب ذلك. وكثرت الأقاويل في خروجه من الشام إلى حلب.
وفي يوم الأربعاء عشري صفر عرض الأمير قايتباي الدوادار المماليك الجراكسة في بيته الذي بين القصرين، وعين جماعة منهم يحرجون إلى الشرقية بسبب عصيان شيخ العرب عبد الدائم بن بقر، وقد قويت الإشاعات بعصيانه، وقد التفت عليه جماعة كثيرة من العربان، وفسدت أحوال الشرقية قاطبة من قطع الطريق إلى القصاد، ونهب البلاد، ووقع الاضطراب جدا هناك حتى كادت أن تخرب بلاد الشرقية، ولما عرض الأمير قايتباي الجراكسة وجد غالبهم مشاة على أقدامهم بغير خيول ولا سلاح، فبطل أمر العرض والتجريدة.
стр. 1536
وفي يوم السبت ثالث عشرية خرج شيخ العرب بيبرس بن بقر أخو عبد الدائم وصحبته الشيخ أبو الحسن بن الشيخ أبي العباس الغمري يسعون بين عبد الدائم وبين أبيه الأمير أحمد وبين إخوته بالصلح. وأشيع أن ملك الأمراء خاير بك أرسل صحبتهما خلعة إلى عبد الدائم لعله يقع الصلح على أيديهما، وكذا جرى.
*****
وفي يوم السبت مستهل شهر ربيع الأول حضر جانم الحمزاوي دوادار ملك الأمراء خاير بك، وقد تقدم القول على أنه كان توجه إلى الشام عند السلطان سليم شاه ابن عثمان ببشارة قتل قاسم بك بن عثمان، فلما أخبر سليم شاه بذلك سر إلى الغاية. وأشيع أنه أنعم على جانم الحمزاوي بنيابة ثغر الإسكندرية، ثم رسم له بالعود إلى القاهرة، وأرسل على يده خلعة إلى ملك الأمراء خاير بك في استمراره بنيابة السلطنة بمصر على عادته، وأرسل خلعة إلى الأمير قايتباي الدوادار، وقيل إلى كمشبغا والي القاهرة لكونه قبض على قاسم بك ابن عثمان. فلما وصل القاصد صحبه جانم الحمزاوي إلى الريدانية بات في تربة العادلي.
وفي هذا اليوم نزل ملك الأمراء خاير بك من القلعة وصحبته الأمير قايتباي الدوادار والأمراء العثمانية الذين بمصر، وطائفة من الانكشارية والأصباهية وغير ذلك من الطوائف الذين تركهم ابن عثمان بمصر، وصحبتهم جماعة كثيرة من الأمراء الجراكسة والمماليك الجراكسة الذين ظهروا بمصر كما تقدم. وخرج الجم الكثير من العساكر العثمانية وفيهم من يرمي بالنفوط. فتوجه إلى تربة العادلي وجلس على المسطبة التي هناك. ثم إن ملك الأمراء خاير بك لبس القفطان المخمل المذهب الذي أرسله له السلطان سليم شاه بن عثمان، فأشيع ذلك اليوم أن ابن عثمان جعله مستمرا على نيابته بمصر على عادته، وأن يجعل السكة والخطبة باسمه، فلم تصح هذه الإشاعات فيما بعد.
ثم إن ملك الأمراء ركب من هناك ودخل من باب النصر وشق من القاهرة في موكب حافل وقدامه قضاة القضاة. وموجب ذلك أن هذا اليوم كان مستهل الشهر، فتوجهت إليه القضاة هناك ليهنوه بالشهر. فلما رجع إلى القاهرة رجعوا صحبته وركبوا قدامه إلى أن طلع إلى القلعة، وركب قدامه أيضا أعيان المباشرين، ولاقته النصارى بالشموع في أيديهم من باب النصر. فلما وصل إلى بين القصرين ومر على بيت الأمير قايتباي الدوادار نثرت على رأسه كبشة جيدة من الفضة، فتخاطفتها الناس.
стр. 1537
فلما شق من القاهرة زينت له زينة خفيفة في بعض أماكن، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من بعض الناس، وأشهروا النداء قدامه بالأمان والاطمئنان، والبيع والشراء، وأن لا أحد يشوش على أحد من الرعية، وأن كل من ظلم أو قهر عليه بباب ملك الأمراء خاير بك والدعاء بالنصر لمولانا السلطان سليم شاه بن عثمان، فضج الناس له بالدعاء قاطبة، واستمرت الانكشارية يرمون قدامه بالنفوط وهم مشاة حتى طلع إلى القلعة وكانوا نحو أربعمائة إنسان.
وكان أشيع أن ملك الأمراء خاير بك يستقل بممكلة مصر، ويجعل السكة والخطبة باسمه حسبما رسم الخنكار ابن عثمان، فلم تصح هذه الإشاعة، وخمدت كأنها لم تكن، واستمر نائبا على حكمه وكانت هذه الإشاعة من الكلام المختلق من جملة كذب الناس، وصار غالب أهل مصر في هذه الأيام يختلقون الكلام الكذب، ويشيعونه بين الناس بما يختارونه، ثم يبطلونه وينقضونه ويأتون بكلام غيره، والكل ليس له صحة وهو من جملة المختلق، وقال القائل في المعنى:
أبناء مصر مقالهم عجب … تواتر الصدق منه مرفوض
مقالهم لا يزال مختلقا … وكله ناقض ومنقوض
ولما حضر جانم الحمزاوي أشيع بين الناس أن السلطان سليم شاه لما أقام بالشام رسم لقاضي القضاة الشافعي محب الدين بن قاضي القضاة شهاب الدين بن فرفور بأن يتقلد بمذهب الإمام أبي حنيفة وبترك مذهب الإمام الشافعي ﵁. وأشيع أنه لا يحكم بالشام غير قاضي قضاة الحنفية لا غير، كما هي عادة بلاد الروم، وأبطل من الشام المذاهب الثلاثة فتفاءل الناس له بسرعة الزوال عن قريب بسبب ذلك، وأشيع أنه أبطل الوكلاء والرسل من أبواب القضاة ونوابهم، فلما بلغ ملك الأمراء خاير بك ذلك رسم لقضاة القضاة بمصر أن يخفوا من نوابهم، فرسم لقاضي القضاة الشافعي بخمسة من النواب، وقاضي القضاة الحنفي بأربعة من النواب، وقاضي القضاة المالكي بثلاثة من النواب، وقاضي القضاة الحنبلي باثنين من النواب، من غير زيادة على ذلك. ثم إن ملك الأمراء خاير بك رسم لنواب القضاة أن يبطلوا الوكلاء والرسل من المدرسة الصالحية، وأن نواب القضاة لا يحكمون إلا في بيوتهم من غير رسل ولا وكلاء، فلم يتم هذا الأمر ولم يسمع له شيء.
стр. 1538
ومما وقع في هذه الأيم من الحوادث الشنيعة، أن شخصا من أمراء ابن عثمان صار يجلس على دكة بباب الصالحية يسمونه المحضر، وحوله جماعة من الانكشارية، فكان لا يقضي أمر من الأحكام الشرعية حتى يعرض عليه فكان يقف بين يديه الشاكي والمشتكي ويخاطبونه بترجمان بينهما عن أمر الشكاية، فكان يقرر على كل محكمة في كل أشرفي ستة دراهم نقرة، يأخذها لنفسه من الشاكي والمشتكي، يسمون ذلك مصلحات. وكان إذا أمر بشيء لا تعارضه القضاة وكان يزعم أنه مستوفى على القضاة في الأمور الشرعية، وكان يضرب من يستحق الضرب، ويسجن من يستحق السجن، ولا يراجع القضاة في ذلك، فكان يتصل له في كل يوم من ذلك القدر المعلوم مال له صورة، يأخذه من الشاكي والمشتكي.
ثم إنهم أحدثوا مظلمة أخرى، وهي أنهم قرروا إنصافا على كل دكان من الشهود ومجالس القضاة الذين بمصر والقاهرة قاطبة كل شهر ستة، ويزعمون أنهم يوردون ذلك القدر لبيت مال المسلمين، ويجهزونه إلى السلطان ابن عثمان. وقد ضعفت شوكة الشرع في هذه الأيام جدا، وقد قال القائل في المعنى:
يا رب زاد الظلم واستحوذوا … والفعل منهم ليس يخفى عليك
ومالنا إلاّك فانظر لنا … ونجنا منهم وخذهم إليك
ولما حضر الأمير جانم الحمزاوي دوادار ملك الأمراء خاير بك أخبر بأن السلطان سليم شاه لما دخل إلى الشام استقر بالأمير جان بردي الغزالي نائب الشام. وجعل له التحدث من غزة إلى الشام وأعمالها، يولي من يختار ويعزل من يختار. وأشيع أن عسكر ابن عثمان لما دخلوا إلى الشام طردوا الناس عن بيوتهم وسكنوا فيها كما فعلوا بمصر، وخربوا غيطانها وزروعها، وقطعوا أشجارها، وأكلوا جميع فواكهها.
وفي يوم الاثنين ثالث ربيع الأول أشيع بين الناس بالمراسيم التي حضرت من عند الخنكار سليم شاه على يد الأمير جانم الحمزاوي، فكان مضمونها أنه أرسل يقول لملك الأمراء خاير بك "اصرف لأولاد الناس جوامكهم على العادة، وكذلك المماليك الجراكسة، وكل من له جامكية يصرفها له، ويجري الناس على عوائدهم من كبير وصغير". فشكر له الناس ذلك ودعوا له.
فلما بلغ أولاد الناس ذلك طلعوا إلى القلعة ونزلوا أسماءهم عند القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، حتى كل من كان له جامكية أشرفي أو مائتا درهم. وأرسل يقول
стр. 1539
له احتفظ بالرعية. وفي يوم الاثنين عاشره طلع المماليك الجراكسة إلى الميدان الذي تحت القلعة، وحضر كاتب المماليك شرف الدين الصغير، وأنفق على المماليك جامكية شهر واحد، وبقي لهم شهران مكسوران. ولم يحضر ملك الأمراء تفرقة الجامكية بالميدان، بل حضر شرف الدين الصغير وجماعة من كتاب المماليك. وشرع شرف الدين كاتب المماليك يقول للمماليك: يا أغوات كل من أخذ الجامكية يعمل برقة للسفر. ويقول له: إذا طلبت منك هؤلاء المماليك للسفر فأحضر بهم. فنزلوا من القلعة على ذلك.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول كانت ليلة المولد النبوي، فصنع له ملك الأمراء مولدا لم يشعر به أحد من الناس. فقيل أحضر عنده عشر جوخ للمقربين فضجوا من ذلك، وقالوا نحن كان يدخل علينا في مولد السلطان لكل واحد منا مائة شقة، فكيف نأخذ في مولد ملك الأمراء جوخة بأشرفيين؟ فرسم لكل منهم بجوخة بأربع أشرفيات لا غير.
ثم بعد العصر مد سماطا في المقعد الثاني الذي بالحوش ليس بكبير أمر، تخاطفته العثمانية في لمح البصر وبات غالب الفقهاء بلا عشاء، وأين الحسام من المنجل بالنسبة لما كان يعمل في مولد السلاطين الماضية من الأسمطة الحافلة، والشفق الحرير التي كانت تدخل على المقربين والوعاظ، ولا سيما ما كان يعمل في مولد السلطان قانصوه الغوري. فكان يصرف على مولده فوق الأربعة آلاف من الدنانير، ويحضر عنده في تلك الخيمة المعظمة التي لم يسمح الزمان بمثلها أبدا القضاة الأربعة، ومن الأمراء المقدمين أربعة وعشرون أميرا مقدم ألف، غير بقية الأمراء والعسكر وهم بالشاش والقماش، فأين هذا النظام من ذلك النظام العظيم. فيا أسفي على تلك الأيام، كأنها منامات أحلام! وقد قال القائل في المعنى:
يا دهر بع رتب المعالي مسرعا … بيع الهوان ربحت أم لم تربح
قدم وأخر من أردت من الورى … مات الذي قد كنت منهم تستحي
وفي يوم السبت خامس عشر ربيع الأول خلع ملك الأمراء خاير بك علي الزيني بركات بن موسى المحتسب واستقر به أمير ركب المحمل الشريف، وكانت هذه الوظيفة لا يستقر بها لا أمير مقدم. ولعمري أن هذه الوظيفة قد هانت حتى سامها كل مفلس، فخلع عليه قفطانا مخملا مذهبا، ونزل من القلعة في موكب حافل وقدامه أعيان المباشرين والأمراء العثمانية، وجماعة من الأمراء الجراكسة، والمماليك الجراكسة، فرجت له
стр. 1540
القاهرة في ذلك اليوم، وزينت له الدكاكين بالشموع، وعلقت له الأحمال بالقناديل، ولاقته مشايخ العربان من بني هلال، وكاشف الشرقية، ومشى قدامه جماعة من الانكشارية نحو مائتي إنسان يرمون بالنفوط، ومشى قدامه جماعة من القواسة نحو ثلثمائة إنسان، ومشى قدامه السقاؤون يرشون الماء بطول الطريق، ومشى قدامه الضوية بالمشاعل وعليها الفوط الزركش، ومشى قدامه جميع الرسل قاطبة وبأيديهم العصي، ولاقاه الشعراء والشبابية السلطانية مثل مواكب السلاطين، ولاقاه المغاني من النساء بالطارات، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وساق قدامه البرجاس عربان بني حرام، وكان ذلك اليوم من الأيام المشهودة قل أن يقع لأحد من الأمراء مثل ذلك، فلهج الناس بهذا الموكب، وقالوا لعل هذا نهاية سعد الزيني بركات بن موسى، ولم يقع مثل هذا الموكب للملك المظفر سليم شاه ابن عثمان لما دخل إلى القاهرة حين ملكها، فلما نزل الزيني بركات بن موسى إلى داره، أنعم على الانكشارية بثلثمائة دينار، فحصل لكل واحد منهم أشرفي، وأنعم على القواسة والسقائين أيضا بمبلغ جيد. وقد قلت في هذا الموكب أبياتا:
أن ابن موسى لم تزل حركاته … تأتي بسعد خارق بين الورى
عاينته في موكب حفل فلا … سمعت به أذن ولا عين ترى
في يوم سبت شرفوه بخلعة … فاق الملوك وصار يزهو منظرا
لما استقر أمير محمل سرنا … واستبشرت لقدومه أم القرى
وتفاءل الحجاج أن بكعبة … يلقوا الرخا والأمن ممن بشرا
يا ربنا فأطل بقاه بنعمة … تحمد بها الركبان عاقبة السرى
وفي يوم الأحد ثالث عشريه أنفق ملك الأمراء على جماعة من الأمراء الجراكسة:
فأعطى لكل أمير طبلخانات أربعين دينارا، وأعطى لكل أمير عشرة عشر أشرفيات، وقيل خمسة وعشرين أشرفيا في نظير أقاطيعهم ولحومهم وعليقهم، وأعطى المماليك الجراكسة لكل واحد منهم ألفي درهم من غير زيادة على ذلك.
стр. 1541
وفي يوم الاثنين رابع عشري ربيع الأول، وافق ذلك اليوم دخول أول يوم من الخماسين وهو يوم عيد النصارى وفطرهم، ومن جملة أنعام الله تعالى أنه لم يقع في هذه الخماسين طاعون بمصر ولا غيرها من البلاد.
وفي ذلك اليوم كانت وفاة صاحبنا الناصري محمد بن منكلي بغا، وكان موته فجأة، وكان لطيف الدان، فكه المحاضرة حسن العبارة في كلامه، رقيق الطباع، عشير الناس
وكان لا بأس به.
وفي هذا الشهر حضر الناصري محمد المعروف بابن الورد لاعب الشطرنج، وكان بالشام من حين أرسل خلفه السلطان سليم شاه، وكان السلطان أرسل له مبلغا له صورة يتسفر به، فلما توجه إلى الشام وجد الحنكار غير منشرح بسبب الصفوي، فأقام مدة بالشام ثم استأذن السلطان في عوده إلى مصر، فأذن له بالعود إلى مصر، فأخبر الناصري محمد بن الورد أن قصاد الصفوي قدموا على ابن عثمان وهو بالشام من مكان غير الطريق السالكة، فما شعر بهم ابن عثمان إلا وهم بين يديه، فدفعوا إليه مطالعة من عند الصفوي، وتقدمة حافلة، فلما قرأ تلك المطالعة وجد فيها عبارة لطيفة، وألفاظا رقيقة تتضمن أمر الصلح بينه وبين الصفوي، ونعته بنعوت عظيمة في المطالعة. فلما قرأ المطالعة اضطرب لذلك، وقال هذا كله مخادعة من الصفوي حتى يبطل عزمي عن ملاقاته، ثم يطرقني على حين غفلة، كما فعلت أنا مع السلطان الغوري. فرحل من الشام على الفور، وقصد التوجه إلى حلب، وقل لوزرائه: أنا أعلم من حيل إسماعيل الصفوي ومخادعته ما لا تعلمونه، فكان كما يقال في المعنى:
توقع كيد من خاصمت يوما … ولا تركن إلى ود الأعادي
فإن الجرح ينكث كل حين … إذا كان البناء على فساد
ثم أشيع أن ابن عثمان لما دخل إلى حلب أخذ في أسباب تحصين المدينة، ثم قبض على جماعة من أهل بانقوسة ممن كان مشهورا بالفساد، فشنق منهم جماعة. ثم أشيع أنه صادر جماعة من أهل حلب، وأفرد عليهم الأموال الجزيلة، وحصل لأهل حلب منه ومن عساكره غاية الضرر، والأمر لله.
*****
стр. 1542
واستهل شهر ربيع الآخر، وكان أوله يوم الأحد، ففي يوم الخميس خامسه قدم إلى الأبواب الشريفة مصلح الدين بك خازندار بن عثمان، وكان توجه إلى مكة من البحر المالح صحبة لشهابي أحمد بن الجيعان، فلما نزل ببركة الحاج خرج الأمير قايتباي الدوادار إلى ملاقاته، وكذلك أعيان المباشرين، فلما طلع إلى القلعة وقابل ملك الأمراء خلع عليه ونزل إلى منزله في موكب حافل، وقدامه الأمراء العثمانية والجراكسة والجم الكثير من العسكر.
وفي يوم الثلاثاء عاشره وقعت حادثة غريبة، وهي أن ملك الأمراء خاير بك أشهر النداء في القاهرة بأن كل من رأى كلبا يقتله ويعلقه على دكانه. فبادر الناس بالقبض على الكلاب، وصارت التراكمة يمسكون الكلاب من الطرقات ويوسطونها بالسيوف نصفين، فقتلوا في ذلك اليوم ما لا يحصى من الكلاب، حتى قيل إنهم قتلوا في ذلك اليوم فوق الخمسمائة كلب على ما أشيع، وصار العياق يمسكون الكلاب من الحارات والأزقة ويقتلونها شر قتلة، وصاروا يعلقونها على الدكاكين، ولم يعلم ما سبب ذلك.
ثم أشيع بأن عادة التراكمة في بلادهم باسطنبول إذا كثرت عندهم الكلاب في المدينة يقتلون بها جانبا كبيرا من أيام الخماسين، يزعمون أن بذلك يخف الطاعون من المدينة، فصارت عندهم عادة، ثم استمر السيف يعمل في الكلاب يوما وليلة حتى هجت الكلاب مما دهاها إلى الترب والحصراء.
وقد قلت في المعنى:
تأملوا ما جرى بمصر … من حادث عم بالعذاب
فما رعى الترك من دماء … فكيف يرعوا دم الكلاب!
فلما تزايد الأمر في قتل الكلاب، طل الزيني بركات بن موسى المحتسب إلى ملك الأمراء خاير بك وشفع في الكلاب من القتل، وقال لملك الأمراء لا تتعرض لقتل الكلاب لأن أزبك أمير كبير تعرض لقتل الكلاب التي كانت بالأزبكية فلم يعش بعد ذلك غير سنة واحدة ومات، فرجع ملك الأمراء عن قتل الكلاب ونادى في القاهرة بأن يرفعوا القتل عن الكلاب، وكل من قبض على كلب يطلقه إلى حال سبيله، فدعا الناس للزيني بركات بن موسى الذي شفع في الكلاب من القتل، ثم سكن الاضطراب الذي كان بالقاهرة بسبب قتل الكلاب.
стр. 1543
وفي هذه لأيام أشيع أن ملك الأمراء أخذ في أسباب تحصين القلعة وسد منها أبوابا، وحصن الأبراج التي بها وركب عليها المكاحل، وشرع في عمل عجلات وعمل مكاحل ومدافع، وعمل نشاب ولم يعلم ما سبب ذلك.
ثم أشيع أن ملك الأمراء أحضر مصحفا شريفا وأحضر الأمراء العثمانية الذين بمصر وحلفهم بأنهم لا يخونونه، ولا يغدرونه، وأن يكونوا هم وإياه على كلمة واحدة، ثم أنه حلف الأمير قايتباي الدوادار بمعنى ذلك، فأقام الأمراء في القلعة على ذلك إلى بعد الظهر وهم في ضرب مشورة بينهم.
ومن الوقائع الغريبة أنه في يوم الثلاثاء سادس عشرة وقعت نادرة، وهي أن شخصا ظهر بالنجارية وزعم أنه السلطان قانصوه الغوري، وصار يفسد عقول الفلاحين، ويقول لهم أنا السلطان الغوري، وصار يكتب كتبا ويرسلها إلى مشايخ العربان، وهي مخلقة بالزعفران، فصدق غالب الناس بأن السلطان الغوري قد ظهر وهو في قيد الحياة، فامتلأت القاهرة بهذه الإشاعة. فلما قويت أخبار هذا الرجل أرسل ملك الأمراء بالقبض عليه من النحارية فقبضوا عليه، وأحضروه بين يدي ملك الأمراء. فلما مثل بين يديه عرفه، وكان نصب عليه قبل ذلك وهو نائب وادعى أنه قانصوه خمسمائة الذي تسلطن، وأفسد عقول الناس أيضا بحلب، فضربه ملك الأمراء في حلب بالمقارع وقطع أنفه ثم أتى إلى مصر وأشاع أنه الأمير محمد بك قريب السلطان الغوري الذي قتل في غزاة الفرنج.
وقد نصب بسبب ذلك واحد من الكشاف ومشايخ العربان جملة تقادم. وقد قرب إلى عقولهم أنه الأمير محمد بك قريب السلطان، فبقض عليه السلطان الغوري وضربه وسجنه بالمقشرة، فأقام بها مدة. وقيل كان أصله من القواسة ببعض جهات دمشق، فلما سافر السلطان الغوري إلى حلب واستقر الأمير طومان باي الدوادار نائب الغيبة أطلقه من المقشرة مع جملة من أطلقه، فلما ادعى أنه السلطان الغوري وقبض عليه ملك الأمراء خاير بك وقال له: "أنا ما قطعت أنفك في حلب وقلت لي أني تبت عن الكذب على الملوك". ثم أنه رسلم بتكليبه على باب الشعرية، فنزلوا به من القلعة وربطوا رجله في ذنب أكديش، وصار يسحبه على وجهه إلى باب الشعرية، والمشاعلية تنادى عليه: هذا جزاء من يكذب على الملوك. فرجت له القاهرة في ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا في الفرجة عليه، والناس تقول قد مسكوا السلطان الغوري، فلما وصل إلى باب الشعرية كلبوه على الباب بين البرجين، فاستمر مكلبا ثلاثة أيام لم يمت. فلما بلغ ملك الأمراء أنه لم يمت إلى الآن، رسم بأن ينزلوه ويوسطوه، فأنزلوه ووسطوه عند باب الشعرية في مفرق الطرق، بعد أن قاسى أنواع العذاب، ودفنوه ومضى أمره وكفى الناس شره.
стр. 1544
وفيه كانت كائنة الشيخ أبرك الرومي، وقد تغير خاطر ملك الأمراء عليه فوضعه في الحديد، وقيل ضربه بالمقارع، وأشيع أنه قصد شنقه فشفع فيه بعض الفقراء ولم يعلم ما ذنبه حتى تغير خاطر خاير بك عليه. وقد اختلفت الأقوال في أمره، وكان عنده يحتسر زائد في الأكابر، وآخر الأمر وقع في هذه الكائنة المهولة.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره نزل ملك الأمراء من القلعة، وعدى إلى الروضة وأقام بالمقياس، وكان صحبته الأمير قايتباي الدوادر وجماعة من العثمانية، وأضافهم ضيافة حافلة، ومد لهم أسمطة وطواري. وسبب ذلك أن ملك الأمراء خاير بك كان بينه وبين الأمير قايتباي وحشة، وقد صار بعض الوسائط يرمي بينهما الفتن ثم إن ملك الأمراء حاير بك حلف الأمير قايتباي الدوادار على مصحف شريف بأن يكون هو وإياه على كلمة واحدة، ولا يحون بعضهم بعضا. وقد تقدم القول على ذلك، فلما تحالفا زال ما كان بينهما من الوحشة.
وكان نقل إلى ملك الأمراء أن الأمير قايتباي الدوادار متفق مع المماليك الجراكسة على زواله وكانت هذه فتنة من الأعداء. ثم أشيع بين الناس أن الشيخ أبرك كان يسعى بينهما بالفتن وينقل الكلام الباطل فصنع ملك الأمراء تلك الوليمة في المقياس، وعزم على الأمير قايتباي وجماعة من الأمراء العثمانية، وأقام ملك الأمراء بالمقياس إلى آخر النهار، فأرسل إليه الزيني بركات بن موسى هناك مدة حافلة على رؤوس الحمالين، وصار كل واحد من المباشرين يهدي إليه شيئا من المأكول الفاخر، وكان يومنا سلطانيا، ثم عاد ملك الأمراء إلى القلعة بعد العصر من يومه.
وفيه حضر شخص من حلب بهلوان ونصب في بركة الفرع التي بالحسييه صواري وحبالا وكان يوم الجمعة، فاجتمع الجم الكثير من الخلائق. فلما صعد على الحبال ظهر أشياء غريبة في سعة البهلوانية وهو واقف على الحبال، منها أنه يصب له أدماج وسيه ورمى بالنشاب في السية وهو واقف على الحبال، ومنها أنه مشى على الحبال وهو مفيد وعيناه مربوطة بخرقة، ومنها أنه مشى على الحبل وفي رجله قبقاب وتحته ألواح صابون، ورمى في الإدماج وهو واقف على سيوف مسلولة، ومنها أنه مشى على الحبال مقلوبا وهو معمى العينين، وأظهر من هذه الألعاب العجائب والغرائب … وكان لمصر لمدة طويلة من أيام الأشرف برسباي لم يدخلها مثل هذا في صنعة البهلوانية. وكان هذا البهلوان يدعى يوسف، وقيل أنه من أبناء حلب، وقيل إنه نشأ باللاذقية. وكان شابا جميل الصورة وله عبيد علمهم صنعة البهلوانية يمشون على الحبال أيضا ويظهرون الفنون الغريبة مثله.
стр. 1545
وفيه حضر الزين طيلان رأس نوبة، وكان توجه إلى مكة المشرفة من البحر المالح صحبة مصلح الدين بك والشهابي أحمد بن الجيعان، وكان أشيع عنه أنه توجه إلى اسطنبول مع جملة من توجه هناك، فلم يصح ذلك، وإنما كان توجه إلى مكة وحصر من البحر المالح أيضا.
وفيه توفي العلائي علي بن طوغان الذي كان دوادار الأشرف قانصوه خمسمائة، وكان من أعيان أولاد الناس، وكان رئيسا حشما لين الجانب سيوسا في أفعاله، وقاسى في آخر عمره وشدائد ومحنا بسبب قانصوه خمسمائة.
وفيه حضر قاصد من عند السلطان سليم شاه، فلما حضر أشيع بين الناس أن السلطان مقيم بحلب، وأن شاه إسماعيل الصفوي متحرك على ابن عثمان، وهو في جمع كبير من العساكر، وأن ابن عثمان أخذ حذره منه. وأشيع بين الناس أن نائب الشام جان بردي الغزالي تحايل على ناصر الدين بن الحنش شيخ الأعراب والبقاع وغير ذلك من جهات دمشق. فلما تحايل عليه وتمت حيلته عليه قتله وقتل شخصا آخر من مشايخ العربان يقال له ابن الحرفوش. وكان ناصر الدين بن الحنش كثير العصيان على نواب حلب، بل وعلى سلاطين مصر أيضا. وكان له ملك ابن عثمان دمشق امتنع من المقابلة به، فتحايل عليه جان بردي الغزالي حتى أخذه بغتة وقتله وحز رأسه هو وابن الحرفوش، وأرسل رأسيهما إلى ابن عثمان وهو بحلب، فعد ذلك من جملة سعد بن عثمان ولولا تحيل الغزالي على قتل ابن الحنش بحيلة صعدت من يده لما قدر على قتله ابن عثمان أبدا، وقد عجز عن ذلك سلاطين مصر.
وفيه أشيع أن الخنكار سليم شاه لما توجه إلى حلب أرسل سيدي محمد بن السلطان الغوري إلى اسطنبول من هناك، وأرسل صحبته آخرين من أمرائه يتحفظون به إلى أن يدخل إلى اسطنبول وأشيع أن الخنكار لما دخل إلى حلب أقام بها مدة وحصن سورها وأبراجها وأبوابها، وعمر فيها ما يحتاج إليه من العمارة، وقتل من أهل حارة بانقوسة جماعة من شرار أهلها، وقيل وزع على جماعة من أعيان حلب مالا له صورة، وعمل فيهم البطيط، فلما بلغه أن شاه إسماعيل الصفوي يقصد أن يزحف على البلاد الحلبية أخذ يتلاقى خواطر أهل حلب ورفع عنهم ما أحدثه عليهم من المظالم وقد تقدم القول أن ابن عثمان لما كان مقيما بدمشق طرقه قصاد الصفوي على حين غفلة من طريق غير الطريق السالكة، وهي أسربة قليلة السالك، وهي طريق يقال لها الحلوية بالقرب من تدمر، فما شعر ابن عثمان إلا وهم بين يديه، فقال لهم: "لم لا أتيتم من الطرق السالكة" فقالوا له: إن شاه إسماعيل الصفوي أرسل إليك عدة قصاد، ونوابك الذين في البلاد يقتلونهم، فقال لنا: