← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وفي يوم الاثنين رابع عشري ربيع الأول، وافق ذلك اليوم دخول أول يوم من الخماسين وهو يوم عيد النصارى وفطرهم، ومن جملة أنعام الله تعالى أنه لم يقع في هذه الخماسين طاعون بمصر ولا غيرها من البلاد. وفي ذلك اليوم كانت وفاة صاحبنا الناصري محمد بن منكلي بغا، وكان موته فجأة، وكان لطيف الدان، فكه المحاضرة حسن العبارة في كلامه، رقيق الطباع، عشير الناس وكان لا بأس به. وفي هذا الشهر حضر الناصري محمد المعروف بابن الورد لاعب الشطرنج، وكان بالشام من حين أرسل خلفه السلطان سليم شاه، وكان السلطان أرسل له مبلغا له صورة يتسفر به، فلما توجه إلى الشام وجد الحنكار غير منشرح بسبب الصفوي، فأقام مدة بالشام ثم استأذن السلطان في عوده إلى مصر، فأذن له بالعود إلى مصر، فأخبر الناصري محمد بن الورد أن قصاد الصفوي قدموا على ابن عثمان وهو بالشام من مكان غير الطريق السالكة، فما شعر بهم ابن عثمان إلا وهم بين يديه، فدفعوا إليه مطالعة من عند الصفوي، وتقدمة حافلة، فلما قرأ تلك المطالعة وجد فيها عبارة لطيفة، وألفاظا رقيقة تتضمن أمر الصلح بينه وبين الصفوي، ونعته بنعوت عظيمة في المطالعة. فلما قرأ المطالعة اضطرب لذلك، وقال هذا كله مخادعة من الصفوي حتى يبطل عزمي عن ملاقاته، ثم يطرقني على حين غفلة، كما فعلت أنا مع السلطان الغوري. فرحل من الشام على الفور، وقصد التوجه إلى حلب، وقل لوزرائه: أنا أعلم من حيل إسماعيل الصفوي ومخادعته ما لا تعلمونه، فكان كما يقال في المعنى: توقع كيد من خاصمت يوما … ولا تركن إلى ود الأعادي فإن الجرح ينكث كل حين … إذا كان البناء على فساد ثم أشيع أن ابن عثمان لما دخل إلى حلب أخذ في أسباب تحصين المدينة، ثم قبض على جماعة من أهل بانقوسة ممن كان مشهورا بالفساد، فشنق منهم جماعة. ثم أشيع أنه صادر جماعة من أهل حلب، وأفرد عليهم الأموال الجزيلة، وحصل لأهل حلب منه ومن عساكره غاية الضرر، والأمر لله. *****

стр. 1542

واستهل شهر ربيع الآخر، وكان أوله يوم الأحد، ففي يوم الخميس خامسه قدم إلى الأبواب الشريفة مصلح الدين بك خازندار بن عثمان، وكان توجه إلى مكة من البحر المالح صحبة لشهابي أحمد بن الجيعان، فلما نزل ببركة الحاج خرج الأمير قايتباي الدوادار إلى ملاقاته، وكذلك أعيان المباشرين، فلما طلع إلى القلعة وقابل ملك الأمراء خلع عليه ونزل إلى منزله في موكب حافل، وقدامه الأمراء العثمانية والجراكسة والجم الكثير من العسكر. وفي يوم الثلاثاء عاشره وقعت حادثة غريبة، وهي أن ملك الأمراء خاير بك أشهر النداء في القاهرة بأن كل من رأى كلبا يقتله ويعلقه على دكانه. فبادر الناس بالقبض على الكلاب، وصارت التراكمة يمسكون الكلاب من الطرقات ويوسطونها بالسيوف نصفين، فقتلوا في ذلك اليوم ما لا يحصى من الكلاب، حتى قيل إنهم قتلوا في ذلك اليوم فوق الخمسمائة كلب على ما أشيع، وصار العياق يمسكون الكلاب من الحارات والأزقة ويقتلونها شر قتلة، وصاروا يعلقونها على الدكاكين، ولم يعلم ما سبب ذلك. ثم أشيع بأن عادة التراكمة في بلادهم باسطنبول إذا كثرت عندهم الكلاب في المدينة يقتلون بها جانبا كبيرا من أيام الخماسين، يزعمون أن بذلك يخف الطاعون من المدينة، فصارت عندهم عادة، ثم استمر السيف يعمل في الكلاب يوما وليلة حتى هجت الكلاب مما دهاها إلى الترب والحصراء. وقد قلت في المعنى: تأملوا ما جرى بمصر … من حادث عم بالعذاب فما رعى الترك من دماء … فكيف يرعوا دم الكلاب! فلما تزايد الأمر في قتل الكلاب، طل الزيني بركات بن موسى المحتسب إلى ملك الأمراء خاير بك وشفع في الكلاب من القتل، وقال لملك الأمراء لا تتعرض لقتل الكلاب لأن أزبك أمير كبير تعرض لقتل الكلاب التي كانت بالأزبكية فلم يعش بعد ذلك غير سنة واحدة ومات، فرجع ملك الأمراء عن قتل الكلاب ونادى في القاهرة بأن يرفعوا القتل عن الكلاب، وكل من قبض على كلب يطلقه إلى حال سبيله، فدعا الناس للزيني بركات بن موسى الذي شفع في الكلاب من القتل، ثم سكن الاضطراب الذي كان بالقاهرة بسبب قتل الكلاب.

стр. 1543

وفي هذه لأيام أشيع أن ملك الأمراء أخذ في أسباب تحصين القلعة وسد منها أبوابا، وحصن الأبراج التي بها وركب عليها المكاحل، وشرع في عمل عجلات وعمل مكاحل ومدافع، وعمل نشاب ولم يعلم ما سبب ذلك. ثم أشيع أن ملك الأمراء أحضر مصحفا شريفا وأحضر الأمراء العثمانية الذين بمصر وحلفهم بأنهم لا يخونونه، ولا يغدرونه، وأن يكونوا هم وإياه على كلمة واحدة، ثم أنه حلف الأمير قايتباي الدوادار بمعنى ذلك، فأقام الأمراء في القلعة على ذلك إلى بعد الظهر وهم في ضرب مشورة بينهم. ومن الوقائع الغريبة أنه في يوم الثلاثاء سادس عشرة وقعت نادرة، وهي أن شخصا ظهر بالنجارية وزعم أنه السلطان قانصوه الغوري، وصار يفسد عقول الفلاحين، ويقول لهم أنا السلطان الغوري، وصار يكتب كتبا ويرسلها إلى مشايخ العربان، وهي مخلقة بالزعفران، فصدق غالب الناس بأن السلطان الغوري قد ظهر وهو في قيد الحياة، فامتلأت القاهرة بهذه الإشاعة. فلما قويت أخبار هذا الرجل أرسل ملك الأمراء بالقبض عليه من النحارية فقبضوا عليه، وأحضروه بين يدي ملك الأمراء. فلما مثل بين يديه عرفه، وكان نصب عليه قبل ذلك وهو نائب وادعى أنه قانصوه خمسمائة الذي تسلطن، وأفسد عقول الناس أيضا بحلب، فضربه ملك الأمراء في حلب بالمقارع وقطع أنفه ثم أتى إلى مصر وأشاع أنه الأمير محمد بك قريب السلطان الغوري الذي قتل في غزاة الفرنج. وقد نصب بسبب ذلك واحد من الكشاف ومشايخ العربان جملة تقادم. وقد قرب إلى عقولهم أنه الأمير محمد بك قريب السلطان، فبقض عليه السلطان الغوري وضربه وسجنه بالمقشرة، فأقام بها مدة. وقيل كان أصله من القواسة ببعض جهات دمشق، فلما سافر السلطان الغوري إلى حلب واستقر الأمير طومان باي الدوادار نائب الغيبة أطلقه من المقشرة مع جملة من أطلقه، فلما ادعى أنه السلطان الغوري وقبض عليه ملك الأمراء خاير بك وقال له: "أنا ما قطعت أنفك في حلب وقلت لي أني تبت عن الكذب على الملوك". ثم أنه رسلم بتكليبه على باب الشعرية، فنزلوا به من القلعة وربطوا رجله في ذنب أكديش، وصار يسحبه على وجهه إلى باب الشعرية، والمشاعلية تنادى عليه: هذا جزاء من يكذب على الملوك. فرجت له القاهرة في ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا في الفرجة عليه، والناس تقول قد مسكوا السلطان الغوري، فلما وصل إلى باب الشعرية كلبوه على الباب بين البرجين، فاستمر مكلبا ثلاثة أيام لم يمت. فلما بلغ ملك الأمراء أنه لم يمت إلى الآن، رسم بأن ينزلوه ويوسطوه، فأنزلوه ووسطوه عند باب الشعرية في مفرق الطرق، بعد أن قاسى أنواع العذاب، ودفنوه ومضى أمره وكفى الناس شره.

стр. 1544

وفيه كانت كائنة الشيخ أبرك الرومي، وقد تغير خاطر ملك الأمراء عليه فوضعه في الحديد، وقيل ضربه بالمقارع، وأشيع أنه قصد شنقه فشفع فيه بعض الفقراء ولم يعلم ما ذنبه حتى تغير خاطر خاير بك عليه. وقد اختلفت الأقوال في أمره، وكان عنده يحتسر زائد في الأكابر، وآخر الأمر وقع في هذه الكائنة المهولة. وفي يوم الأربعاء سابع عشره نزل ملك الأمراء من القلعة، وعدى إلى الروضة وأقام بالمقياس، وكان صحبته الأمير قايتباي الدوادر وجماعة من العثمانية، وأضافهم ضيافة حافلة، ومد لهم أسمطة وطواري. وسبب ذلك أن ملك الأمراء خاير بك كان بينه وبين الأمير قايتباي وحشة، وقد صار بعض الوسائط يرمي بينهما الفتن ثم إن ملك الأمراء حاير بك حلف الأمير قايتباي الدوادار على مصحف شريف بأن يكون هو وإياه على كلمة واحدة، ولا يحون بعضهم بعضا. وقد تقدم القول على ذلك، فلما تحالفا زال ما كان بينهما من الوحشة. وكان نقل إلى ملك الأمراء أن الأمير قايتباي الدوادار متفق مع المماليك الجراكسة على زواله وكانت هذه فتنة من الأعداء. ثم أشيع بين الناس أن الشيخ أبرك كان يسعى بينهما بالفتن وينقل الكلام الباطل فصنع ملك الأمراء تلك الوليمة في المقياس، وعزم على الأمير قايتباي وجماعة من الأمراء العثمانية، وأقام ملك الأمراء بالمقياس إلى آخر النهار، فأرسل إليه الزيني بركات بن موسى هناك مدة حافلة على رؤوس الحمالين، وصار كل واحد من المباشرين يهدي إليه شيئا من المأكول الفاخر، وكان يومنا سلطانيا، ثم عاد ملك الأمراء إلى القلعة بعد العصر من يومه. وفيه حضر شخص من حلب بهلوان ونصب في بركة الفرع التي بالحسييه صواري وحبالا وكان يوم الجمعة، فاجتمع الجم الكثير من الخلائق. فلما صعد على الحبال ظهر أشياء غريبة في سعة البهلوانية وهو واقف على الحبال، منها أنه يصب له أدماج وسيه ورمى بالنشاب في السية وهو واقف على الحبال، ومنها أنه مشى على الحبال وهو مفيد وعيناه مربوطة بخرقة، ومنها أنه مشى على الحبل وفي رجله قبقاب وتحته ألواح صابون، ورمى في الإدماج وهو واقف على سيوف مسلولة، ومنها أنه مشى على الحبال مقلوبا وهو معمى العينين، وأظهر من هذه الألعاب العجائب والغرائب … وكان لمصر لمدة طويلة من أيام الأشرف برسباي لم يدخلها مثل هذا في صنعة البهلوانية. وكان هذا البهلوان يدعى يوسف، وقيل أنه من أبناء حلب، وقيل إنه نشأ باللاذقية. وكان شابا جميل الصورة وله عبيد علمهم صنعة البهلوانية يمشون على الحبال أيضا ويظهرون الفنون الغريبة مثله.

стр. 1545

وفيه حضر الزين طيلان رأس نوبة، وكان توجه إلى مكة المشرفة من البحر المالح صحبة مصلح الدين بك والشهابي أحمد بن الجيعان، وكان أشيع عنه أنه توجه إلى اسطنبول مع جملة من توجه هناك، فلم يصح ذلك، وإنما كان توجه إلى مكة وحصر من البحر المالح أيضا. وفيه توفي العلائي علي بن طوغان الذي كان دوادار الأشرف قانصوه خمسمائة، وكان من أعيان أولاد الناس، وكان رئيسا حشما لين الجانب سيوسا في أفعاله، وقاسى في آخر عمره وشدائد ومحنا بسبب قانصوه خمسمائة. وفيه حضر قاصد من عند السلطان سليم شاه، فلما حضر أشيع بين الناس أن السلطان مقيم بحلب، وأن شاه إسماعيل الصفوي متحرك على ابن عثمان، وهو في جمع كبير من العساكر، وأن ابن عثمان أخذ حذره منه. وأشيع بين الناس أن نائب الشام جان بردي الغزالي تحايل على ناصر الدين بن الحنش شيخ الأعراب والبقاع وغير ذلك من جهات دمشق. فلما تحايل عليه وتمت حيلته عليه قتله وقتل شخصا آخر من مشايخ العربان يقال له ابن الحرفوش. وكان ناصر الدين بن الحنش كثير العصيان على نواب حلب، بل وعلى سلاطين مصر أيضا. وكان له ملك ابن عثمان دمشق امتنع من المقابلة به، فتحايل عليه جان بردي الغزالي حتى أخذه بغتة وقتله وحز رأسه هو وابن الحرفوش، وأرسل رأسيهما إلى ابن عثمان وهو بحلب، فعد ذلك من جملة سعد بن عثمان ولولا تحيل الغزالي على قتل ابن الحنش بحيلة صعدت من يده لما قدر على قتله ابن عثمان أبدا، وقد عجز عن ذلك سلاطين مصر. وفيه أشيع أن الخنكار سليم شاه لما توجه إلى حلب أرسل سيدي محمد بن السلطان الغوري إلى اسطنبول من هناك، وأرسل صحبته آخرين من أمرائه يتحفظون به إلى أن يدخل إلى اسطنبول وأشيع أن الخنكار لما دخل إلى حلب أقام بها مدة وحصن سورها وأبراجها وأبوابها، وعمر فيها ما يحتاج إليه من العمارة، وقتل من أهل حارة بانقوسة جماعة من شرار أهلها، وقيل وزع على جماعة من أعيان حلب مالا له صورة، وعمل فيهم البطيط، فلما بلغه أن شاه إسماعيل الصفوي يقصد أن يزحف على البلاد الحلبية أخذ يتلاقى خواطر أهل حلب ورفع عنهم ما أحدثه عليهم من المظالم وقد تقدم القول أن ابن عثمان لما كان مقيما بدمشق طرقه قصاد الصفوي على حين غفلة من طريق غير الطريق السالكة، وهي أسربة قليلة السالك، وهي طريق يقال لها الحلوية بالقرب من تدمر، فما شعر ابن عثمان إلا وهم بين يديه، فقال لهم: "لم لا أتيتم من الطرق السالكة" فقالوا له: إن شاه إسماعيل الصفوي أرسل إليك عدة قصاد، ونوابك الذين في البلاد يقتلونهم، فقال لنا:

стр. 1546

توجهوا من هذه الطريق، ثم قدموا إليه مطالعة الصفوي، فأشيع أن مضمونها أنه أرسل يترفق له في المطالعة، ونعته فيها بنعوت عظيمة بأنك ملكت البلاد والعباد، وملكت مصر وصرت خادم الحرمين الشريفين وأنت الآن اسكندر عصرك، والماضي بيننا لا يعاد، فتتوجه أنت إلى بلادك، وأتوجه أنا إلى بلادي، ونصون دماء المسلمين بيننا، ومهما كان قصدك فعلته لك. فلما وقف السلطان على مطالعة الصفوي قال لوزرائه: "إن هذه الهدية التي أرسلها إلينا، وهذا الكلام الذي في المطالعة كله حيل وخداع، حتى يبطل عزمي عن ملاقاته ويطرقني على حين غفلة، كما فعلته قصاده". فقيل أنه أخذ الهدية التي أرسلها، وقتل القصاد وما أبقى منهم سوى كبيرهم فكان كما قيل في أمثال الصادح والباغم: وأن من يستنصح الأعادي يردونه بالغش والفساد. ثم إن ابن عثمان لما وردت إليه قصاد الصفوي وهو بالشام رحل عنها، وتوجه إلى حلب، وأحد في أسباب تحصينها كما تقدم. ***** وفي جمادى الأولى، وكان مستهل الشهر يوم الثلاثاء طلع القضاة إلى القلعة وهنؤوا ملك الأمراء بالشهر وعادوا إلى منازلهم. وفي يوم الأربعاء ثانيه توفيت زوجة الأمير قايتباي الدوادار، وهي سرية الملك الأشرف طومان باي، التي تدعى نال باي، فلما ماتت دفنت في حوش مدرسة السلطان العوري. وفي يوم الخميس ثالثه قدم القاضي شهاب الدين أحمد بن الجيعان نائب كاتب السر، وكان توجه إلى مكة المشرفة من البحر المالح صحبة مصلح الدين خازندار بن عثمان، فسبقه مصلح الدين وتأخر بعده مدة ثم حضر. فلما حضر طلع إلى القلعة وقابل ملك الأمراء فخلع عليه قفطانا أحمر مخملا مذهبا، ونزل من القلعة في مكب حفل وقدامه علاء الدين من القلعة في موكب حفل وقدامه علاء الدين الإمام كاتب السر، وأعيان المباشرين من أرباب الوظائف، وركب قدامه نقيب الجيش الشرفي يونس وجماعة من الأمراء العثمانية، ومن الأمراء الجراكسة. فزينت له حارة البندقانيين وأوقودا له بها الشموع على الدكاكين، وتخلقت جماعته بالزعفران … وكان ذلك اليوم مشهودا في القصف والفرجة. وفيه رسم ملك الأمراء بالإفراج عما بأيدي أولاد الناس والنساء من المربعات التي كانوا أوقفوها من أول السنة ولم يمضها المباشرون، فحصل لأولاد الناس الضرر الشامل بسبب ذلك، وعمل المباشرون بجملة مال له صورة، وأمضوا للناس الإفراج عن رزقهم وإقطاعاتهم ونفعوا الناس غاية النفع، ولم يشعر ملك الأمراء بشيء من ذلك.

стр. 1547

وفيه وقعت حادثة شنيعة … وهي أن شخصا من العوام كان أصله مؤذنا، فدخل في بعض الغيطان وقطع عيدان خيار شنبر ووضعها في قفة، فقبض عليه الخولي وحصل بينهما تشاجر، فأغلظ عليه الخولي وأتى به إلى بيت الوالي وقص عليه أمره، فطلع به الوالي إلى ملك الأمراء وعرضه عليه وهو حامل القفة التي فيها الخيار الشنبر، فلما علم لمك الأمراء بذلك، وكان ملك الأمراء حرج على بيع خيار الشنبر، وصار يشتريه على ذمته ويتجر فيه. ثم إن ملك الأمراء رسم للوالي بشنق ذلك الرجل الذي سرق خيار الشنبر، فأشهره في القاهرة، وعلق القفة التي فيها الخيار الشنبر في رقبته، وشق به من القاهرة حتى أتى به إلى القنطرة التي بزقاق الكحل فشنقه هناك، وأقام ثلاثة أيام وهو مصلوب لم يدفن، وراح الرجل ظلما على بعض عيدان خيار شنبر ما تساوى أربعة أنصاف، فتأسف الناس عليه كيف راح ظلما على شيء ما يستحق هذا كله. وكان له أولاد وزوجة. وكان ملك الأمراء يبيت يسكر طول الليل، ويصبح في خبال السكر يحكم بين الناس بما يقول له عقله، ولم يظهر العدل في محاكماته قط منذ ولي على مصر. وفي يوم الثلاثاء خامس عشره، في تلك الليلة خسف القمر، وأقام في الخسوف ثمانيا وأربعين درجة. وفيه أنفق ملك الأمراء الجامكية على الأمراء الطبلخانات، وعلى الأمراء العشروات، وعلى المماليك الجراكسة، فأعطى الأمراء الطبلخانات كل واحد أربعين دينارا، وأعطى الأمراء العشراوات كل واحد منهم خمسة وعشرين دينارا، كما أنفق عليهم في الشهر الماضي، وأنفق على المماليك كل واحد منهم ألفي درهم على العادة. وأنفق على أولاد الناس ممن نزل اسمه في الديوان، فأنفق على العسكر جامكية شهرين كانت منكسرة لهم في الديوان من غير لحوم ولا عليق. وفي يوم السبت تاسع عشره توفيت والدة الشهابي أحمد بن الجيعان، وكانت له جنازة حافلة. وفي يوم الأحد عشريه وقعت حادثة مهولة، وهي أن ملك الأمراء خاير بك كان عين جماعة من الانكشارية والأصباهية أن يسافروا إلى الخنكار بحلب صحبة مصلح الدين، فلما قصد مصلح الدين السفر هربت الانكشارية والأصباهية في تلك الليلة، وكسروا أبواب القلعة ونزلوا منها على حمية، وتوجهوا إلى مصر العتيقة، فنزلوا في المراكب الكبار، ثم أخذوا جماعة من النواتية وسافروا في المراكب، وقصدوا أن يتوجهوا إلى جهة الصعيد.

стр. 1548

فلما بلغ ملك الأمراء ذلك أرسل يقول للأمير قايتباي الدوادار: اخرج في هذه الساعة وسافر خلف الانكشارية، وكل من ظفرت به منهم اقتله. فصلى الأمير قايتباي صلاة الصبح وركب وخرج على حمية، وصحبته الأمير جانم الحمزاوي، والأمير على العثماني، وجماعة كثيرة من المماليك الجراكسة، وجماعة من العساكر العثمانية، فعدوا إلى بر الجيزة وأقاموا فيه ذلك اليوم حتى تكامل خروج العسكر، وخرجوا أفواجا أفواجا، فرجت لهم القاهرة في ذلك اليوم وكثر القال والقيل في ذلك اليوم بين الناس بسبب ذلك، واضطربت أحوال العثمانية في بعضهم، وصاروا فرقتين: فرقة مع ملك الأمراء، وفرقة منهم عليه. ثم إن الأمير قايتباي رحل من الجيزة هو والعسكر وتوجه إلى نحو الميمون بالقرب من جزيرة بني علي، فتلاقوا هناك مع الانكشارية والأصباهية الذين هربوا هناك. ثم إن الزيني بركات بن موسى المحتسب رسم له ملك الأمراء خاير بك بأن يتوجه إلى مصر العتيقة ويمسك مراكب، ويرسل فيها زوادة للأمراء والعسكر الذين توجهوا إلى الميمون. فأوسق عدة مراكب فيها زوادة ما بين بقسماط وجبن حالوم ورز وسمن وعسل وغير ذلك من الزوادة، وأرسل ذلك إلى العسكر. ثم في يوم الأربعاء ثالث عشريه وردت الأخبار بأن الأمير قايتباي الدوادار قد انتصر على الانكشارية والأصباهية الذين هربوا، فلما تلاقوا معه عند جزيرة بني علي تصدى إلى قتالهم الأمير جانم الحمزاوي والأمير علي العثماني، فحاصر الانكشارية في المراكب، ورموا عليهم بالمدافع والبندق والرصاص، فأحرقوا مراكبهم، فطلبوا الأمان من الأمير علي، والأمير جانم الحمزاوي، وقد وقع غالبهم في البحر فغرق من غرق، وقبضوا على الباقي وأسروهم، فحزوا رؤوس جماعة منهم، وكانوا نحو ستة وثلاثين رأسا، وأسروا الباقين بالحياة. ثم إن الأمير قايتباي أرسل تلك الرؤوس ولأسارى إلى ملك الأمراء في مراكب، فلما طلعوا بها علقوها على مداري كما فعلوا برؤوس الجراكسة، والمجازاة من جنس العمل، فلما طلعوا بهم إلى القلعة قصد ملك الأمراء أن يعلق تلك الرؤوس على أبواب المدينة فشق ذلك على بقية العثمانية، ومنعوا ملك الأمراء من ذلك، وأما بقية الانكشارية الذين أسروا بالحياة فقطعوا رؤوسهم أجمعين، فقيل كانت عدة الانكشارية الذين قتلوا والذين هربوا والذين غرقوا نحو مائة وخمسين إنسانا. ومن العجائب أن التراكمة كانت في العام الماضي تقتل أولاد الجراكسة، فعما قريب صارت المماليك الجراكسة تقتل التراكمة في الليل والنهار، وهذا عجيب! وقد ورد في بعض الأخبار "لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصار المنافقين"، وقد قيل في المعنى: لا تكرهوا الحرب إن فيه حصاد نذل مع الخبيث فمستريح ومستراح منه كما جاء في الحديث.

стр. 1549

وفيه خرج مصلح الدين خازندار بن عثمان، الذي قدم من مكة، فتوجه إلى الريدانية، وقصد السفر إلى الخنكار بن عثمان، وقد أشيع أن ابن عثمان كان قد أرسل خلفه، فما أقام بالريدانية نزل إليه ملك الأمراء وودعه، ثم رجع ودخل من باب النصر وشق من القاهرة في موكب حافل، وارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء، واستمر على ذلك حتى طلع إلى القلعة، ثم إن مصلح الدين أقام بالريدانية أياما ثم عاد إى القاهرة، فأشيع أن سبب ذلك أن قاصد صاحب اليمن قد وصل إلى الطور، وصحبته تقدمه حافلة إلى السلطان سليم شاه بن عثمان، فلما بلغ ذلك ملك الأمراء أرسل استرد مصلح الدين إلى القاهرة حتى يدخل إلى القاهرة قاصد صاحب اليمن، ويأخذه صحبته مع التقدمة ويمضي إلى الخنكار، فهذا كان سبب رجوع مصلح الدين إلى القاهرة. وفيه رسم ملك الأمراء للقضاة بأن يتوجهوا إلى مقام الإمام الشافعي ﵁ ويقرؤوا هناك، ويدعو الله تعالى بالنصر للسلطان سليم شاه على إسماعيل الصفوي فتوجه قضاة القضاة إلى مقام الإمام الشافعي ﵁، وقرؤوا هناك ختمة، وفرقوا أجزاء الربعة على الحاضرين، فقرؤوا أجزاء الربعة عشر مرار، وأهدوا ثواب ذلك للنبي ﷺ ، ثم إلى السلطان سليم شاه ودعوا له بالنصر على الصفوي. وفي يوم السبت سادس عشريه حضر الأمير قايتباي الدوادار، والأمير جانم الحمزاوي والأمير علي بك العثماني، وكانوا توجهوا إلى الميمون بسبب محاربة الانكشارية الذين هربوا، كما تقدم. فلما انتصروا عليهم وقتلوهم رجعوا وطلعوا إلى القلعة، فخلع عليهم ملك الأمراء ونزلوا إلى منازلهم. وفيه حضر إلى القاهرة الأمير أرزمك الناشف أحد الأمراء المقدمين، وكان لما ظهر أرسل الخنكار طلبه وهو بحلب، فتوجه إليه هو والأمير قانصوه العادلي، والأمير تمرباي العادلي، وأقام عنده مدة، ثم رسم له بالعدوة إلى القاهرة، وكان أشيع بين الناس أن ابن عثمان قرره في الأتابكية بمصر، فلما حضر لم يظهر لهذه الإشاعة نتيجة، واستمر بطالا مقيما بمنزله. ولما حضر حضر بصحبته الأمير شاد بك نائب المهمندار، والأمير جانم الطويل أحد الأمراء العشراوات، وكان أشيع موتهما بمرج دابق، فلما ظهر أنهما في قيد الحياة حضر إلى مصر. وفي آخر هذا الشهر كثرت الإشاعات بأن عربان السوالم قد حضر منهم ما لا يحصى، وقد فصدوا حرب ابن بقر، وأظهروا غاية الفساد بالشرقية. *****

стр. 1550

وفي جمادي الآخرة كان مستهل الشهر يوم الخميس، فطلع قضاة القضاة إلى القلعة وهنؤوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الخميس ثامنه رسم ملك الأمراء بقراءة سبع ختمات: واحدة في مقام الإمام الشافعي، وواحدة في مقام الإمام الليث، وواحدة في مقام الشيخ عمر بن الفارض، وواحدة في مقام الشيخ أبي الحسن الدينوري، وواحدة في مقام الشيخ أبي الخير الكليباتي ﵃ أجمعين، وواحدة في المقياس، وواحدة في الجامع الأزهر. ورسم بأن يهدوا ثواب ذلك للسلطان سليم شاه بن عثمان، فإنه خرج إلى ملاقاة إسماعيل شاه الصفوي. فلما قدم رسول صاحب اليمن، وعلى يده تقدمة حافلة للسلطان سليم شاه بن عثمان، استمر القاصد مقيما بالقاهرة إلى أن سافر صحبة مصلح الدين، كما سيأتي الكلام على ذلك. وفي يوم الأحد حادي عشر هذا الشهر طلع ابن أبي الرداد ببشارة النيل وأخذ قاع النيل فجاءت القاعدة ست أذرع وعشر أصابع أنقص من السنة الخالية بذراعين وست أصابع، فإنه كانت القاعدة في السنة الخالية ثماني أذرع وست عشرة أصبعا. وفي يوم السبت سابع عشره طرقت ملك الأمراء أخبار رديئة، بأن عربان السوالم قد طفشت حتى وصلت إلى بركة الحاج، ووصل أوائلهم إلى المطرية، فلما بلغ الأمراء ذلك تنكد، وأرسل إلى الأمير قايتباي الدوادار يقول له: "اخرج في هذه الساعة، واطرد العربان". فخرج من يومه هو والمماليك الجراكسة وجماعة من العثمانية، ورماة من الانكشارية، فرجت له القاهرة في ذلك اليوم، فخرجوا وهم سائقون إلى بركة الحاج. فقيل حصل بين الترك والعربان عركة يسيرة، فقتل فيها جماعة من العربان، وأسروا منهم جماعة، وقطعوا رؤوس أربعة، ثم رجع الأتراك بعد المغرب وقد وقعت خيولهم وبعض منها تفرقع من العطش، وما رأوا خيرا … فهربت العربان من وجوههم وصعدوا إلى الجبل. ثم رسم ملك الأمراء بشنق من أسر منهم على باب قنطرة الحاجب، وعلقوا عليه تلك الرؤوس التي قطعوها من العربان، وقيل: قتلوا من الأتراك جماعة ورجعوا من غير طائل من العربان. وفي يوم الأربعاء حادي عشرية وقعت حادثة شنيعة، وهي أن شخصا يقال له حسين وكان طشتدار عند الأمير نوروز أحد الأمراء المقدمين، ثم بقي في طشتخانات السلطان الغوري، وهو رجل شيخ مسن زعم أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وقال له امض إلى سليم شاه بن عثمان وقل له يرجع إلى بلاده ويكف القتال عن المسلمين بسبب إسماعيل شاه الصفوي، وادعى أن ابن عثمان دفع إليه مالا له صورة فلم يقبله منه. ثم إن ذلك الرجل ذهب لى ملك الأمراء خاير بك وقص عليه تلك الرؤية فتهاون خاير بك

стр. 1551

بكلامه. ثم إن ذلك الرجل قال لملك الأمراء: "ارجع عن مظالم العباد أنت والمباشرون، خربتم مصر بظلمكم" ثم سب المباشرين بحضرة خاير بك سبا قبيحا، وقال لبركات بن موسى أنت لو حججت في هذه السنة ما يقبلك النبي ﷺ . فلما تزايد في القول حنق منه ملك الأمراء، فأمر بضرب عنقه فضرب عنقه في الميدان. وقيل إن ذلك الرجل تكلم بكلام كثير، وأظهر أنه كشف له عن أمور تأتي في أواخر هذه السنة من الأهوال، فإن كان صادقا فيما قاله وادعاه من هذه الأخبار التي ذكرها فسوف تقع، ويظهره أثره أو صلاحه أو كذبه. وفيه أشهر ملك الأمراء النداء في القاهرة بأن لا أحد من الحجاج يسافر في البحر المالح، ولا يرسل له أحمال من البحر، وموجب ذلك فساد العربان في الطرقات، وعبث الفرنج في سواحل البحر المالح. وفي يوم الخميس ثاني عشرية خرج مصلح الدين خازندار بن عثمان وتوجه إلى نحو الريدانية، وقصد السفر إلى الخنكار بن عثمان فخرج وقت صلاة الصبح وصحبته الأمير قايتباي الدوادار، وأعيان المباشرين، والأمراء العثمانية، فكان له موكب حافل. ثم خرج بعده تقدمة حافلة أرسلها ملك الأمراء إلى الخنكار هو وولده سليمان بك الذي باسطنبول. فكان ما اشتملت عليه تلك التقدمة من الخيول أربعين فرسا خاصات عليها عبى فعلى، يصحبها أربعون فرسا من الأكاديش، واثنان وأربعون جملا محملة قماشا محزومة، قيل صمها تفاصيل سكندرية وأبدان منزلاوية، وقماش فاركسوري، وغير ذلك من شاشات وأرز، وغير ذلك من مقاطع خمسيني، وخام رفيع وغير ذلك … ومن جملتها أربعة وستون جملا محملة سكرا ضمن صناديق جريد بأغشية لباد أبيض، قيل جملة ذلك أربعمائة قنطار، وقيل أن ملك الأمراء كرر السكر ثانيا وجعل فيه المسك والعنبر الخام. ومن جملة التقدمة جمال محملة عصفرا وحناء وغير ذلك، ومن جملة التقدمة أحمال شقادف ضمنها مرطبانات أشربة مربى. وأشيع أن ملك الأمراء أرسل إلى الخنكار بن عثمان جمالا عليها مال من خراج مصر عن سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ولم يعلم ما قدر ذلك. فلما مضت تقدمة ملك الأمراء طلع في عقيب ذلك تقدمة صاحب اليمن، وهي تقدمة حافلة تشتمل على شاشات وأرز وتحف ومعادن ولؤلؤ وفصوص وطواشية وغير ذلك. فلما مضت تقدمة صاحب اليمن، طلعت تقدمة الأمير علي بن عمر صاحب جهات الصعيد، وهي تقدمة حافلة منها مائتا قنطار سكر، ورقيق ما بين عبيد وجواري وحيل وجمال، وغير ذلك أشياء حافلة تصلح للملوك.

стр. 1552

وفي يوم الجمعة ثالث عشرية رحل مصلح الدين من الريدانية، وتوجه إلى الخانقاه، وأشيع أنه لما كان مصلح الدين بالريدانية سرق من تحت رأسه بقجة قماش قيل إن فيها مبلغا له صورة. وفي يوم الجمعة المذكور طرقت ملك الأمراء أخبار رديئة، بأن حسن بن مرعي شيخ عربان البحيرة أظهر العصيان وخرج عن الطاعة، والتفت عليه عربان قبائل البحيرة وغيرها. فلما تحقق ملك الأمراء صحة هذا الخبر نزل إلى الميدان قبل صلاة الجمعة وعرض المماليك الجراكسة، والعسكر العثماني، فكتب من الفريقين نحو خمسمائة إنسان ما بين انكشارية ورماة، وعين صحبتهم عشر عجلات تكون قدام العسكر، وعين الأمير قايتباي الدوادار باش المماليك الجراكسة، وعين أمير آخور باش العثمانية. وفي هذه الأيام اضطربت أحوال ملك الأمراء جدا، وقد بلغه أن العربان طردوا إسماعيل بن الجويلي عن أرض البساط وملكوها منه، واضطربت أحوال الغربية إلى الغاية، واضطربت أيضا أحوال الشرقية بسبب عربان السوالم وعبد الدائم بن بقر وإخوته، واضطربت أيضا أحوال جهات الصعيد، وقد ضاعت مصالح المسلمين بينهم. وخرب من الشرقية والغربية عدة بلاد، وظهر الفساد والفتن برا وبحرا، والأمر لله تعالى. وفي يوم السبت رابع عشرية أرسل شكر أخو حسن بن مرعي شخصا من أقاربه يطلب الأمان له من ملك الأمراء، فأرسل إليه ملك الأمراء منديل الأمان وصورة حلف على يد القاضي فخر الدين بن عوض، وأرسل إليه قفطان حرير مخملا. وخلع على شخص من أقارب حسن بن مرعي الذي جاء يطلب الأمان من ملك الأمراء. وفي يوم الأحد خامس عشريه خرجت التجريدة التي كانت تعينت إلى حسن بن مرعي، وكان باش العسكر أمير آخور أخا ملك الأمراء وصحبته جماعة من العثمانية ما بين انكشارية ورماة بالبندق الرصاص، وخرج صحبة العسكر تلك العجلات التي عينت لهم، وكانت عدتها عشر عجلات، وخرجت طائفة من المماليك الجراكسة وتوجهوا إلى البحيرة وصحبتهم الأمان والخلعة إلى شكر بن مرعي. وفي هذا الشهر وردت الأخبار من مكة بأن عدة مراكب فيها إفرنج يعبثون في البحر المالح ويقطعون الطريق على المسافرين في البحر، وأرسل السيد الشريف مطالعة إلى ملك الأمراء بأن يرسل له تجريدة بسرعة، وقد خشي على بندر جدة أن تطرقه الفرنج على حين غفلة، ويملكوه من المسلمين. وفي يوم الثلاثاء سابع عشرية نزل ملك الأمراء إلى الميدان الذي تحت القلعة، وعرض العسكر، وعين منهم جماعة يسافرون إلى جدة بسبب حفظ البندر، فلما عرض

стр. 1553

العسكر كتب منهم جماعة ما بين جراكسة وأولاد ناس ومغاربة وغير ذلك. وكان مجموع ما كتبه من العسكر في ذلك اليوم نحو مائتين وخمسين إنسانا، وأنفق في ذلك اليوم على طائفة المغاربة على حكم ما كان ينفق عليهم السلطان الغوري. فنزلوا من القلعة، وشرعوا في أسباب عمل برقهم إلى السفر، وأما بقية العسكر فلم ينفق عليهم شيئا، وقد صبر حتى يرد عليه من مكة خبر آخر في أمر الفرنج يعتمد عليه. ***** وفي شهر رجب وكان مستهله يوم الجمعة طلع القضاة الأربعة وهنؤوا ملك الأمراء بالشهر وعادوا إلى دورهم. وفي يوم الاثنين رابعه حضر جان بك دوادار الأمير قايتباي، والأمير بخشباي قرا الذي كان شاد الشون، والقاضي عبد الفتاح وأخرون من المباشرين. وكان هؤلاء توجهوا نحو الشرقية بسبب أنهم مسحوا جهات الشرقية، وميزوا الشراقي من الري، ومسحوا الأقاطيع والرزق، وعملوا بالباع والذراع في الشرقية، وجاروا على المقطعين في المساحة. ثم انتقلوا من الرزق والأقاطيع إلى جهات الأوقاف فمسحوها، وصاروا ينزلون إلى البلاد ويفردون عليها المال، ويضعون الفلاحين في الحديد بعد الضرب المؤلم، ويقررون على كل بلد ما يختارونه من الأموال. فجبوا من الشرقية في هذه الحركة غالب بلاد الشرقية، ورحل منها الفلاحون. وكان هذا أكبر أسباب الفساد في حق الناس، فعمت هذه الحادثة أصحاب الرزق والأوقاف من الرجال والنساء حتى الأرامل والأيتام والمستحقين، وقد تعطلت الأوقاف بسبب ذلك. وكان هذا كله بواسطة ملك الأمراء خاير بك فإنه كان سببا لذلك، فعد هذا من جملة مساوية في حق أهل مصر، وحصل في هذه الحركة غاية النفع للمباشرين الذين تكلموا في أمر هذه المساحة بالشرقية. والأمر لله وحده. وفي يوم الاثنين حادي عشره أشهر ملك الأمراء خاير بك المناداة في القاهرة بأن المماليك الجراكسة لا يلبسون زنوطا، ولا يمشون بقباقيب في الأسواق، ولا يجلسون على المساطب في الحارات، ولا على أبواب الجوامع، وكان ملك الأمراء سامح لهم أولا في ذلك، ثم ضيق عليهم ومنعهم من هذه الأفعال فيما بعد. وفي يوم السبت سادس عشره رسم ملك الأمراء بشنق شخص عجمي فشنق، وكان هذا الشخص تاجرا في سعة من المال، فلما حضر من بلاد الشرق ومعه متجر بمال له صورة طمع ملك الأمراء في ماله وزعم أنه جاسوس من عند شاه إسماعيل الصفوي حضر ليكشف عن مصر وأحوالها، ويطالع الصفوي بذلك، فشنقه ظلما، واحتاط على جميع أمواله، وجعل له ذنبا أنه جاء من عند الصفوي جاسوسا وفي يوم الأربعالاء عشريه

стр. 1554

حضر شيخ العرب شكر أخو حسن بن مرعي شيخ جهات البحيرة صحبة القاضي فخر الدين بن عوض، وقد تقدم القول بأن ملك الأمراء كان أرسل له منديل الأمان على يد ابن عوض، فأطاع وحضر إلى القلعة وقابل ملك الأمراء فخلع عليه قفطان حرير ونزل من القلعة وتوجه ليحضر أخاه حسن بن مرعي، فتوجه إلى نحو قليوب وصحبته القاضي بركات المحتسب ليحضر حسن بن مرعي، وأرسل له ملك الأمراء منديل الأمان على يد القاضي بركات المحتسب. ثم في أثناء ذلك اليوم حضر حسن بن مرعي ودخل القاهرة وعلى رأسه منديل الأمان، وصحبته جماعة من العثمانية، وأمير آخور أخو ملك الأمراء، والزيني، بركات المحتسب، وفخر الدين بن عوض، وجماعة كثيرة من العربان، فشق من القاهرة ومنديل الأمان على رأسه. فلما طلع إلى ملك الأمراء بالقلعة وقابله خلع عليه قفطانا مخملا مذهبا، ونزل من القلعة في موكب حافل. وكان أشيع أن ملك الأمراء سيقبض عليه، فإنه وقع في ذنب عظيم. وسبب ذلك أنه كان مسجونا بالقلعة من حين قبض عليه الخنكار وسجنه بها، فتسحب من هناك ليلا وهرب، واستمر في عصيان وهجاج مدة طويلة، وكثر القيل والقال بسببه، والتف عليه جماعة كثيرة من عربان الغربية، فلما طلع وقابل ملك الأمراء وخلع عليه بطلت تلك الإشاعات التي كانت تشاع بين الناس بسبب عصيانه. وفي يوم الاثنين خامس عشري شهر رجب، كانت وفاة صاحبنا الشيخ بدر الدين محمد بن محد الزيتوني العوفي رحمة الله عليه، وكان أحد نواب السادة الشافعية، وكان فاضلا عارفا بصنعة القضاة والتوقيع، ماهرا في الخطب، وكان فكه المحاضرة كثير العشرة للناس، وكان علامة في فن الزجل، وكان ينظم الشعر على فنون، وهي الشعر، والدوبيت، والمواليا، والموشحات. وكان له شعر جيد، ونظم أرجوزة مفيدة في الفقه وشرحها شرحا على الأوضاع مفيدا في معناه. ومن شعره الرقيق قوله ملغزا في اسم خمرة: يا سائلي عن اسم من … خدوده كالعندم في خده وثغره … وفي فؤادي المغرم وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وذلك في شهر شعبان في سادسه، فكانت مدة حياته أربعا وتسعين سنة إلا يوما، فلما مات حضر القضاة الأربعة وصلوا عليه، وكانت له جنازة حافلة، ودفن بحوش تربة الصوفية، رحمه الله تعالى. ولما توفي الشيخ بدر الدين الزيتوني رثاه ولده القاضي بدر الدين محمد بهذه القطعة الزجل اللطيفة وهي قوله:

стр. 1555

يحق لي أن أرثي لموت والدي … كأن أفصح النظام وعفلو رجيح في درج الأكفان للقيام اندرج … واجب على فقدو بعزمي أصيح كان والدي في فن الأزجال تقصدوا … حفاظ مصر والكل بيه يعتنون وفي جميع العلوم ما لو نظير … فقيه مدرس في جميع الفنون يدري الأصول والنحو معرب خطيب … ومنطقي في الصرف عاقل مصون جا الموت خدو وأصبحت بين الورى … فريد وجميع الناس بحزني تنيح ويندبوا همي عليه بالفراق … وما جرى من جفن عيني القريح قوموا بنا جمع الموالي والصحاب … نرثي الذي قد كان وكان في الدهور زين الوجود ما لو وجود في الورى … عارف بفن الشعر والكل زور أصحابنا زيدوا النواح والنحيب … على أديب يدري أصول البحور مثلو ما حد يحسن زجل في الأنام … ولا موشح لو ودوبيت صحيح والفرق ظاهر مثل صبح الدجى … ما بين قاضي الكل والزمر ريح كان في الأدب ناظم وناثر فصيح … وقد حوى جملة محاسن ملاح إن قلت في التحرير حريري النظام … بل سيدوا لما تعد الفصاح أو عنتر العبسي نهار المجال … أو نشر حاتم طي عند السماح وما لشماخ رقتوا في البديع … وقس ما ينقاس بنطقو الفصيح وسائر الحفاظ تراهم لديه … ما يقتدوا إلا بقولو الصحيح يا من روى الأخبار كان والدي … مختص بالآداب وكان لي مفيد مفتاح لباب الرزق للضيق فرج … وجهو سرور كعبو مبارك سعيد مختار لفعل الخير بشير الفرح … مرشد ومحسن كل ما فيه مليح يا قونيسا الخط وبجوهراتي … فرقو صباح ظاهر ووجهو صبيح كان آخر النظام وبحر العلوم … وروض تربة زاهر بديع الصفات ونقلدان مع راح وريحان وروح … جمع ضريحو ذي المعاني الشتات كيف لا أحرك للضريح ساكني … وأبكي عليه طوال الحيا للممات ومشتكى حزني وروضي الترب … والنقل والراح الذي لي يريح والروح والريحان ما قد عدم … من الوجود موجود بذاك الضريح بعدو على الدوام قد ألفت النواح … والحزن عن يعقوب ورثت النحيب أصبحت من ما نوح سفيني غريق … والدمع طوفان ما طفا لي لهيب

стр. 1556

يا رب هب لي صبر أيوب عليه … وارسل إليه رحمه بطه الحبيب قلبي من أجلو صار بحزني كليم … والدمع لو في صحن خدي مسيح ونا غريق محروق بنار الخليل … وشبه إسماعيل بحزنو ذبيح قد نظم الجوهر بتأليف كتاب … حاوي لوم الفقه سهل البيان وقد شرح لو شرح واضح مفيد … وصار لو بيه تذكار بطول الزمان وقال ذخيرة لي ليوم النشور … أسكنه ربي في فسيح الجنان دار النعيم فيها مقيم لم يزل … ما بين أشجار وكوثر يسيح والحور والولدان وما يشتهيه … ومن الفواكه مع مقام فسيح ونا ابن زيتوني عريق النسب … يا رب الأرباب يا لطيف يا خبير اجبر بلطفك كسر قلبي الحزين … يا جابر العظم الرميم الكسير واعطف علي بحنو الورى … وما تعسر فاجعلوني يسير مدح الممجد للخلائق شفا … به يهتدي قلبي وبو أستريح ونا أريد أمدح محمد عسى … يطفي لهيبي وأهتدي بالمديح صلوا على المختار حبيب الإله … من أرسلو الله للخلائق شفيع يوم القيامة والخلائق زمر … يأتوا لآدم يقول ما أستطيع اشفع تشفع في أمتك يسمع ال - … - مولى ويغفر كل ذنب قبيح ويدخلوا الجنة كذا قد ورد … عن النبي مسند حديث صحيح وفي هذا الشهر توقف النيل وسلسل في الزيادة، وصار يزيد في كل يوم أصبعا، وتارة أصبعين، وقد مضى في مسرى عشرة أيام ولم يصل النيل إلى عشر أذرع. فاضطربت أحوال الناس في تلك الأيام، وتشحطت الغلال، وبلغ سعر البطة الدقيق اثني عشر نصفا فعند ذلك رسم ملك الأمراء بأن ينزل الوالي ويكبس الروضة، فنزل هو وجماعة من الأمراء العثمانية وكبس الروضة، وفك الخيام التي كانت بها، وأشهر المناداة هناك بأن لا أحد يتجاهر بالمعاصي ولا يجمع جموعا ولا ينصب خيمة على شاطئ البحر، ومن يفعل ذلك يشنق على باب داره من غير معاودة في ذلك. فانكف الناس عن التجاهر بالمعاصي بالروضة، فنزل في ذلك اليوم غالب الناس من الروضة. ***** وفي شهر شعبان - وكان مستهله يوم الأحد - طلع القضاة الأربعة، وهنؤوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم.

стр. 1557

وفي يوم الاثنين تاسع الشهر كانت وفاة الشيخ الصالح القطب العارف بالله تعالى، الورع الزاهد الناسك، الشيخ محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ الصالح العارف بالله تعالى حسن، ابن الشيخ الصالح العارف بالله تعالى بدر الدين، المدعو شرف الدين موسى الدشطوطي، رحمة الله عليهم أجمعين، وكان الشيخ عبد القادر شافعي المذهب مجذوبا واعيا، وكان مكشوف الرأس، وكان دائما شعره في رأسه وعلى جسده جبة خشنة دائما. وكان سواحا لا يتخذ له سكنا ولا زوجة ولا ولدا ولا عيالا. وكان يتغذى بالقراقيش والزعتر دائما. وكان لا يأكل طعام اللحم إلا قليلا. وكان مهيبا معظما عند الملوك والسلاطين وأعيان الناس، وكانت رسالته عندهم لا ترد. وكان في أواخر عمره حصل له كفاف في عينيه واستمر على ذلك حتى مات. وقد عاش من العمر نحو ثمان وثمانين سنة أو فوق ذلك. وكان محببا للناس، وكانت النذور التي تدخل عليه من عند الأكابر ينشئ بها جوامع بخطب ومساجد. وله عدة جوامع ومساجد في أماكن شتى. ولما توفي ارتجت له القاهرة، ونزل ملك الأمراء والعثمانية والأمير قايتباي الدوادار والقضاة الأربعة وأعيان الناس وأرباب الدولة، وخرج نعشه من بيت المعلم حسن الصياد المهندس خارج باب الشعرية، ورفعت له الأعلام على نعشه، وحضر أطفال المكاتب وعلى رؤوسهم المصاحف، ومشوا حول نعشه، واستمر على ذلك حتى وصل إلى مدرسته التي أنشأها تجاه سيدي يحيى البلخي فدفن بها، وكانت جنازته حافلة، رحمة الله عليه، وكان بقية السلف من الأولياء. وفي هذا الشهر قبض ملك الأمراء على يوسف البدري الوزير، ورسم عليه وعلى زوجته وعلى عياله وغلمانه وحاشيته، وقرر علي يوسف البدري ما لا له صورة، وعلى زوجته وجماعته، وتمادى أمره في المصادرة حتى ذهب ما يملكه جميعا من صامت وناطق، حتى باع أثاث البيت من قطارمين وزلع، حتى الحصر وغير ذلك … واستمر في المصادرة نحو شهرين هو وزوجته وهما في الترسيم وعياله، وآخر الأمر أرسلوه إلى اسطنبول، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه. وفيه نادى ملك الأمراء في القاهرة للمباشرين والعمال بأنهم لا يستخرجون من بلاد الشرقية والغربية عن سنة أربع وعشرين وتسعمائة شيئا إلا بمرسوم من عند ملك الأمراء، فاضطربت أحوال المسلمين والمباشرين. وكثر بينهم القيل والقال بسبب ذلك. وفي يوم الجمعة ثالث عشرة، الموافق لسابع عشري مسرى، وفي النيل المبارك الست عشرة ذراعا ولم يزد من الذراع السابعة عشرة شيئا، فلم يفتح السد في ذلك اليوم.

стр. 1558

وفي يوم السبت رابع عشره، وفي النيل المبارك وزاد أصبعا من السابع عشر ففتح السد في ذلك اليوم. فلما وفي نزل ملك الأمراء وتوجه إلى المقياس وخلق العمود، ومد هناك مدة حافلة. وحضر الأمراء العثمانية، ثم نزل في الحراقة وصحبته الأمراء العثمانية، وتوجه إلى السد وفتحه، وكان يوما مشهودا، وأوكب وهو طالع إلى القلعة موكبا حافلا، وكان وفاء النيل في هذه السنة على غير القياس، لأنه كان نيلا شحيحا، وسلسل في الزيادة وتوقف أياما وتشحطت أسعار الغلال جميعها، ثم وفي بعد ذلك ففرح به كل أحد من الناس، وكان الأمر كما قاله المعمار: النيل وافى وزال الهم وانفرجت … عنا الهموم وهان القمح ثم رمى وراح خزانه للنيل ينظره … فاستكثر الماء في عينيه ثم عمى ومن الحوادث في يوم وفاء النيل أن شخصا من العثمانية غرق في البحر، فتنكد ملك الأمراء والعثمانية بسببه. وفي يوم الثلاثاء سابع عشره حضر قاصد من البحر من عند الخنكار بن عثمان، ولم يعلم ما قد جاء فيه، وما سبب مجيئه، وكثر القيل والقال في ذلك، ثم ظهر من بعد ذلك ما جاء بسببه، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ولما فتح السد وجرى الماء في الخلجان، لم تسكن البيوت في الجسر ولا التي في المصطاحي ولا حكر الشامي فشكا أصحاب الأملاك من ذلك إلى والي القاهرة، فنادى للناس في الجسر بأن يسكنوا وعليهم أمان الله تعالى، والذي لا يسكن في بيته ولا يعمره يضرب عليه ملك الأمراء رنكه ويصير ملكه، فصار يكرر تلك المناداة للناس ثلاثة أيام متوالية. فسكن في الجسر بعض بيوت، ودخل بركة الرطلي بعض مراكب البياعين. وأما الجزيرة الوسطى فإنها خربت عن آخرها ولم يبق منها غير الجدر ورسوم البيوت لا غير، وابتاع أصحاب الأملاك بيوتهم أنقاضا، وكان السلطان الغوري سد خليج الزربية بجسر عند قنطرة موردة الجبس، فتلاشى أمر الجزيرة الوسطى من يومئذ، وخلت بيوتها من السكان، وكانت من أجل متفرجات الديار المصرية، وكان مبتدأ منشئها في دولة الأشرف أينال سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ولا زالت الناس تنشئ فيها الأملاك الجليلة إلى سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، فتلاشى أمرها وخربت جملة واحدة لما دخل ابن عثمان إلى القاهرة وجرى منه ما جرى، ونزل في بر الجيزة على رملة البحر، فصار عسكره يخرب بيوت الجيزرة ويأخذ سقوفها وأبوابها وطيقانها، فخربت بالكلية من يومئذ،

стр. 1559

وانقطع الرجاء من عمارتها ثانيا. والأصل في ذلك أنها أسست على غير تقوى، وكانت بقعة فسق وزنا، فآل أمرها إلى الخراب سريعا. وفي يوم الاثنين ثالث عشري هذا الشهر - وافق ذلك اليوم يوم النوروز - والنيل في ست عشرة ذراعا، ولم يدخل في الذراع السابعة عشره وكان من مبتداه إلى منتهاه نيلا شحيحا. وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه توفي سودون نائب دمياط، وهو أحد الأمراء العشراوات، مات بطالا. ***** وفي شهر رمضان، وكان مستهله يوم الاثنين طلع القضاة الأربعة وهنئوا ملك الأمراء بالصوم، ثم عادوا إلى دورهم. لما دخل شهر رمضان كانت الأسعار مشحطة في سائر البضائع، وقد تناهى سعر القمح إلى أشرفيين كل أردب، والبطة الدقيق إلى أربعة عشر نصفا، والسكر تناهى سعره إلى أربعة وعشرين أشرفيا كل قنطار، والقطر النبات بخمسة أنصاف كل رطل، والقطر المكرر بأربعة أنصاف كل رطل، والعسل النحل بثلاث أنصاف كل رطل، والعسل الأسود بنصفين كل رطل، والسمن بثلاثة أنصاف كل رطل، والجبن المقلي بثلاثة أنصاف كل رطل، والجبن الحالوم بنصفين كل رطل، والجبن الأزرار الذي في مائه بنصف فضة كل رطل. وتشحط اللحم الضاني واللحم البقري حتى صار لا يوجد إلا قليلا. فابتيع اللحم الضأني بثمانية عشر كل رطل، والبقري بثمانية كل رطل، وابتيعت الحلوى المشبك من القادري بخمسة أنصاف كل رطل، والمنقوش بستة كل رطل، وعمت هذه التشحيطة سائر البضائع وسائر الحبوبات حتى الخضر. وسبب ذلك أن الزيني بركات بن موسى كان مشغولا بعمل برق الحجاز، وأقد أهمل أمور الحسبة، ولم يلتفت إليها، فجارت السوقة على الناس وهم في أمر مريب بسبب هذه التشحيطة التي وقعت في تلك الأيام، وكادت الناس أن يأكل بعضها بعضا. وفي يوم السبت ثالث عشره جلس ملك الأمراء في المقعد الذي بالحوش، فتكاثرت عليه المماليك الجراكسة في المقعد فحنق منهم، فقال للانكشارية الذين حوله: اضربوهم واطردوهم من المقعد. فلما سمعوا منه ذلك ضربوا المماليك الجراكسة بالعصي على وجوههم ضربا فاحشا، فجاءت ضربة على أكتاف جاني بك دوادار الأمير قايتباي الدوادار فانزعج كتفه. فحصل للماليك الجراكسة في ذلك اليوم كسر خاطر، ونزلوا من القلعة على أقبح وجه.

стр. 1560

ثم في عقيب ذلك اليوم طلع المماليك الجراكسة إلى الميدان بسبب تفرقة الأطلاق، فحضر القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك وفرق الأطلاق، فأعطى لجامعة من المماليك فدان طين ونصف، وبعض فدانا، وبعض نصف فدان، فتضرر المماليك من ذلك، وقالوا: إيش يكفينا النصف فدان؟ وشكوا من ذلك فسبهم القاضي شرف الدين سبا قبيحا، وقال لهم: "يا كلاب يا زاربين أنتم بقي لكم باب وإلا راس حتى تتكلموا، بيضتم وجوهكم في ءيش حتى تستحقوا إطلاقات"؟ وبهدلهم غاية البهدلة، فنزلوا من الميدان على أقبح وجه. وقد قلت أبياتا في هذا المعنى: لما تكبرت الجراكسة التي … كانت بمصر أذلهم رب الورى وأذاقهم ذل السؤال وفاقة … أيدي وأدبهم بما لهمو جرى وفي هذا الشهر وقعت بين ملك الأمراء وبين الأمير قايتباي الدوادار فتنة، وصار كلما طلع إليه يمقته. وسبب ذلك أن شخصا من عربان السوالم كان عند قايتباي، فأرسل خاير بك إليه انكشاريا أخذه من عنده، ووضعه في الحديد، فصار بينهما حظ نفس في الباطن. وفيه قدمت الأخبار من إسطنبول على يد شخص من العثمانية، وصار يفرق مراسيل على عيال من توجه إلى إسطنبول، فذكروا في كتبهم وفاة جماعة كثيرة من أهل مصر ممن توجه إلى إسطنبول لم تحضرني أسماؤهم الآن. وأشيع أن الخنكار لما رحل عن حلب إلى بلاد علي دولات، نزل بمرعش وأقام بها مدة، ثم رحل من هناك وتوجه إلى إسطنبول، وهي القسطنطينية العظمى محل كرسي مملكة ابن عثمان، فقيل: إن أمير المؤمنين محمد المتوكل على الله لما بلغه مجيء الخنكار، خرج من إسطنبول ولاقاه هو وأولاد عمه، والعلائي على ابن الملك المؤيد وأولاد الأمراء الذين هناك، والمباشرون وأولاد الجيعان الذين هناك، وأولاد الناس من أهل مصر الذين توجهوا إلى إسطنبول … فلما وقعت عين الخليفة على ابن عثمان أراد أن ينزل له عن فرسه، فحلف عليه الخنكار ومنعه من النزول إليه، وقيل: إنه عظمه غاية التعظيم. وأما بقية أعيان أهل مصر الذين هناك فلم يلتفت إليهم لما خرجوا إليه ولاقوه، هكذا أشيع بين الناس، وكانوا يظنون أن الخنكار إذا دخل إلى إسطنبول يفرج عنهم ويرسم لهم بالعود إلى مصر، فلم يخاطب منهم أحدا ولم يلتفت إليهم.

стр. 1561

وأشيع أنه لما دخل إلى إسطنبول دخل في موكب حافل فأقام نحو ستة أيام، ورحل عنها وتوجه إلى بلد من أعمال مملكته يقال لها: أدرنة فأقام بها. وسبب ذلك أنه لما دخل إلى إسطنبول وجد بها فناء عظيما، وقد فتك بها الطاعون فتكا عظيما، ومات به من عسكره ما لا يحصى. وقيل: مات من أهل مصر ممن توجه إلى إسطنبول نحو من ثمانين إنسانا، منهم أعيان وغير أعيان، ولكن لم أقف على حقيقة أسماء من مات هناك من الأعيان. وسيظهر فيما بعد من توفي هناك من الأعيان. ومن العجائب أن الفلكية وأرباب النجوم حكموا بأن سليم شاه بن عثمان ما بقي يدخل إلى بلده إسطنبول، فكذبهم الله تعالى فيما قالوه، ودخلها وأقام بها أياما، وبطلت أقوالهم الكاذبة، كما يقال في المعنى: لا ترقب النجم في أمر تحاوله … فالله يفعل … ولا جدي ولا حمل مع السعادة ما للنجم من أثر … فلا يضرك مريخ ولا زحل وقيل: بلغ الخنكار أن شاه إسماعيل الصفوي طرد عسكر ابن عثمان عن البلاد التي كان ملكها، واستناب بها جماعة من العثمانية، فطردهم الصفوي عن بلادهم واستخلصها من أيديهم. فلما بلغ ابن عثمان ذلك خرج من إسطنبول مسرعا، وأقام بأدرنة حتى يرى ما يكون من أمر شاه إسماعيل الصفوي. هكذا أشيع بين الناس والله أعلم بحقيقة ذلك. وفي يوم الخميس مع ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان، صنع الزيني بركات بن موسى مسايرة حافلة، وركب معه جماعة من المباشرين، فشق من القاهرة بعد صلاة العشاء بأربعين درجة، وقدامه انكشارية وقواسة ومشاة بفوانيس ومشاعل كثيرة. فانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وارتفعت له الأصوات من العوام بالدعاء. وكانت من الليالي المشهورة، وارتجت له القاهرة في تلك الليلة، وكان محببا للناس قاطبة. وفيه وقع من الحوادث أن شخصا من العثمانية كان في خان الخليلي قد قبض على شخص من العوام زعم أنه سرق من جيبه أربعة أنصاف، فلما قبض عليه طلع به إلى ملك الأمراء، فلما أوقفه بين يديه قص عليه قصته وما فعله به في خان الخليلي، وأنه قبض على يده وهي في جيبه، وأخذ من جيبه وهو ماش أربعة أنصاف. فلما سمع ملك الأمراء ذلك رسم للوالي أن يقطع يده، فقطع يده وعلقها في رقبته وأشهره في القاهرة. فتأسف الناس عليه كيف قطعت يده على أربعة أنصاف، وقد راحت ظلما!

стр. 1562

وقد تقدم القول أن ملك الأمراء شنق رجلا على عيدان خيار شنبر، وكان ملك الأمراء يصبح وهو مخمور يحكم بين الناس بالعسف والظلم، مما لا يسوغ الشرع الحكم به، وكان الغالب عليه الجهل وقلة الدين في أفعاله كلها. وفي يوم الخميس خامس عشريه، حضر شيخ العرب عبد الدائم بن بقر، وكان ملك الأمراء أرسل إليه منديل الأمان، وخلعة بأن يستقر في شياخة الشرقية. فلما حضر وقابل ملك الأمراء تقدم إليه والده شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر ومسك ابنه عبد الدائم من طوقه بين يدي ملك الأمراء، ثم التفت إلى ملك الأمراء وقال له: يا ملك الأمراء متى أطلقت هذا صار في ذمتك إلى يوم القيامة، وخرب الشرقية عن آخرها. فتعصب للأمير أحمد خير الدين بك نائب القلعة، وقال لملك الأمراء: "إذا كان أبوه يشكو منه فكيف تطلقه أنت؟ " فساعده على ذلك سنان باشا، فما وسع ملك الأمراء إلا أنه وضعه في الحديد، وسلمه إلى خير الدين نائب القلعة. ثم أن ملك الأمراء قبض على جماعة عبد الدائم الذين كانوا حضروا صحبته قاطبة، وكانوا نحو ثلاثين نفرا من أعيان العربان، ووضعهم في الحديد، وأرسلهم إلى السجن، ثم أحضر قفطان حرير أخضر وخلعه على الأمير بيبرس ابن الأمير أحمد بن بقر، وقرره في مشيخة الشرقية عوضا عن عبد الدائم. وقد سر بمسك عبد الدائم كل أحد من الناس، فإنه كان من المفسدين في الأرض، ووقع منه أمور شنيعة من حين دخل ابن عثمان إلى مصر، وقطع الطريق على القوافل التي تأتي من الشام، وقتل التجار وأخذ أموالهم، وقتل جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة الذين كانوا قد طفشوا في البلاد، وأخذ سلاحهم وخيولهم. وقد فعل من هذه الأفعال القبيحة ما لا يحصى، ووضع يده على خراج بلاد الأوقاف واستخرجها، وفعل من هذا النمط أشياء كثيرة. ثم أن ملك الأمراء أرسل ضرب الحوطة على موجود عبد الدائم من صامت وناطق، حتى على سواقيه وزروعه ومواشيه وثيرانه وأبقاره وغير ذلك، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. وفي يوم السبت سابع عشري شهر رمضان ثبت النيل المبارك على ست أصابع من تسع عشرة ذراعا، وهبط سريعا ولم يزد في بابه غير خمسة أيام ونقص. وكان نيلا شحيحا من مبتداه إلى منتهاه. وفي ذلك اليوم نزل ملك الأمراء وشق من القاهرة، وقد بلغه أن قاصدا حضر من عند الخنكار بن عثمان فنزل إلى ملاقاته. فلما شق من القاهرة ضجت إليه العوام من قلة الخبز

стр. 1563

في الأسواق، وانطلقت الألسن في حق ملك الأمراء بالكلام الفج، وقالوا له: انظر في أحوال المسلمين بنور الله تعالى وإلا يصير ذلك في ذمتك. فتنكد ملك الأمراء في ذلك اليوم إلى الغاية .. وكان صحبته الزيني بركات بن موسى المحتسب، فقاسى في ذلك اليوم من ملك الأمراء ما لا خير فيه. وقال له: "قد غفلت عن الناس حتى صارت غلوة بمصر". ثم أن ملك الأمراء لما طلع إلى القلعة، رسم يفتح شونتين وأن تفرق على الطحانين، ففعل ذلك. وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان، أرسل ملك الأمراء أمير علم إلى بيت الأمير قايتباي، وقال له: قد رسم لك ملك الأمراء أن تدق على بابك في هذه الليلة طبلخانات وكؤوسات. فلما سمع ذلك الأمير قايتباي أرسل يقول لملك الأمراء: "أدق الطبلخانات على بابي دائما، وإلا في هذه الليلة فقط"؟ فلما عاد الجواب إلى ملك الأمراء قال: قل له في هذه الليلة فقط. فلما بلغ الأمير قايتباي ذلك لم يوافق على دق الطبلخانات على بابي ليلة واحدة حتى تضحك على الناس؟ ". وامتنع من ذلك ولم يدق الطبلخانات على بابه في تلك الليلة. وقد بطل أمر دق الطبلخانات على أبواب الأمراء من حين دخل ابن عثمان إلى مصر وقد قلت في ذلك: لهفي على الكاسات قد دقت على … باب بسعد أميره قد بشرا ***** وفي شهر شوال كان عيد الفطر يوم الأربعاء، فخرج ملك الأمراء وصلى صلاة العيد في جامع القلعة وخطب به قاضي القضاة كمال الدين الشافعي، وانفض موكب العيد كأنه لم يكن، ولم يخلع فيه ملك الأمراء على أحد من أرباب الوظائف، ولا على قضاة القضاة، ولا على أحد من المباشرين ولا على الأمير قايتباي الدوادار. وبطل ما كان يعمل في يوم العيد من تلك المواكب الجليلة والخلع المتمرات، والتشاريف السنية. وبطلت تلك الطرز اليلبغاوية العراض، والفوقانيات الحرير الأخضر، وبطلت أشياء كثيرة كانت من شعار المملكة. ووقع لي في المرثية التي قلتها في مصر أبيات في معنى ذلك وهي: لهفي على أعياد مصر كيف قد … أفنت تشاريفا بها ومتمرا وكذا الكنابيش التي قد زخرفت … كانت تشد خيولها عند السرى

стр. 1564

وكذا السروج المفرقات بلمعها … كانت كبرق أو كليل أقمرا زالت محاسن مصر من أشياء قد … كانت بها تزهو على كل القرى ثم نزل الزيني بركات بن موسى من القلعة في موكب حافل، وقدامه الملالية والمشاعل بالفوط الزركش عليها، والانكشارية بالنفوط قدامه، والقواسة مشاة. فشق من القاهرة في ذلك الموكب. وفي يوم الخميس ثاني شوال طلع جماعة من أعيان المباشرين إلى القلعة على جاري العادة، فلما تكاملوا أخرج إليهم ملك الأمراء مرسوم الخنكار بن عثمان الذي أرسله على يد صوباشي من العثمانية، الذي تقدم ذكر حضوره من البحر المالح. وكان من مضمون ذلك المرسوم أنه أرسل يطلب خمسة من المباشرين يتوجهون إلى إسطنبول وهم: العلائي علي ناظر الخواص الشريفة، والشرفي يونس النابلسي، والقاضي بركات أخو القاضي شرف الدين الصعير كاتب الرجع، والقاضي فخر الدين بن عوض، والقاضي أبو البقاء ناظر الإسطبل. وأرسل يطلب الأمير يوسف البدري الوزير الذي كان كاشف العربية. وأرسل يطلب الشرفي يونس نقيب الجيش … فلما تحققوا ذلك اضطربت أحوالهم، ورسموا عليهم بالقلعة، وقالوا لهم: اكتبوا وصاياكم، ويوم الجمعة تسافرون من البحر. ثم في ذلك اليوم خلع ملك الأمراء على القاضي شهاب الدين بن الجيعان، واستقر به في كتابة السر عوضا عن علاء الدين ناظر الخاص. وخلع على القاضي شرف الدين بن عوض أخي فخر الدين، واستقر به في كتاب الخزانة ومتحدثا في جهات الشرقية. وخلع على القاضي بركات بن موسى وقرره في الحسبة على عادته، وجعله متحدثا على الأستادارية عوضا عن يونس النابلسي، وأشرك معه الشرفي يونس النابلسي أستادار ملك الأمراء، وخلع على القاضي أبي بكر بن الملكي وقرره على عادته مستوفي ديوان الجيش، وخلع على يوسف ابن نقيب الجيش واستقر به في نيابة الجيش عوضا عن أبيه. فخلع على هؤلاء الجماعة في يوم واحد ونزلوا من القلعة وعليهم القفاطين الحرير. وفي يوم السبت رابع شوال نزل ملك الأمراء من القلعة وسار نحو بركة الحاج وصحبته الأمير قايتباي الدوادار، والأمير سنان باشا وفائق بك، وجماعة من الأمراء العثمانية، وجماعة من المماليك الجراكسة. ولما وصل إلى سبيل علان ساق قدامه الركاب بالخيل الجنائب، وساقت معهم خيول الأمراء، فسبق فرس الأمير قايتباي الدوادار فرس سنان باشا.

стр. 1565

قيل: إن هذه عادة عند العثمانية أنه في أيام العيد يخرج الخنكار ويسير في الفضاء، ويسوقون قدامه بالخيول، فمن سبق فرسه ينعم عليه الخنكار بمائة دينار، والذي تقصر فرسه عن السباق ينعم عليه ببطيخة، وهذا من أنواع المماجنة. فانشرح ملك الأمراء في ذلك اليوم إلى الغاية. وفيه قبض ملك الأمراء على الخواجا شهاب الدين أحمد بن أبي بكر السكندري، ووضعه في الحديد، وقرر عليه مالا له صورة. وأشيع أن الخنكار أرسل بطلبه إلى إسطنبول، فاضطربت أحواله بسبب ذلك إلى الغاية. وفيه خلع على محيي الدين بن يوسف بن أبي أصبع، وقرره على عادته أستادار الذخيرة الشريفة. وفي يوم الجمعة عاشره حضر القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك إلى الميدان، وعرض جماعة من أولاد الناس ومن المماليك، وكتب منهم جماعة بأن يتوجهوا إلى عقبة أيلة، ويقيموا بالأزلم … فكتب منهم جماعة في ذلك اليوم نحو ستين إنسانا أو فوق ذلك. فحصل لأولاد الناس بسبب ذلك غاية الضرر لأجل قلة العليق … وكانت القاهرة في تلك الأيام في غاية الانشحات من قلة العليق، وعدم الجمال بسبب خروج الحجاج. وفي يوم السبت حادي عشره نزل ملك الأمراء وجلس بالميدان، وعرضت عليه كسوة الكعبة الشريفة ومقام إبراهيم والمحمل، وشقوا بهم من القاهرة. وكان ذلك اليوم مشهودا. وفي يوم الأحد ثاني عشره أشيع أن ملك الأمراء أفرج عن القاضي نور الدين علي الفيومي الحنفي، وكان له مدة وهو في الترسيم بالقلعة، بسبب مكتوب ثبت عليه، وكان غير محمود السيرة في أفعاله، وجرت له وقائع كثيرة. وفي يوم الاثنين ثالث عشره أنفق ملك الأمراء على العساكر الذين تعينوا للعقبة والأزلم، فأعطى لكل واحد منهم جامكية ثلاثة أشهر معجلا، وهي عبارة عن ستة آلاف درهم. وقيل: رتب لكل واحد منهم في كل يوم رطلين بقسماطا تصرف لهم في العقبة، ورسم لهم بأن يجيئوا مع الحجاج إذا حضروا إلى القاهرة. وتوجه هذا العسكر إلى ناك حفظ ودائع الحجاج، وملاقاتهم التي تتوجه لهم من مصر. فإن العربان تزايد فسادهم في حق الحجاج، وأرسلوا يطلبون لهم نجدة عند عودهم إلى مصر. وفي يوم الأربعاء خامس عشره رسم ملك الأمراء بشنق عشرة أنفار من جماعة عبد الدائم بن بقر، فإنهم كانوا من المفسدين، فنشقوا وعلقوا في أماكن شتى من القاهرة، فشيء

стр. 1566

في قنطرة الحاجب، وشيء في رأس الحسينية، وشيء في باب النصر. وقد وسطوا منهم جماعة، وشنقوا منهم جماعة، وشيء خوزقوهم. وفي يوم الجمعة سابع عشر شوال أنزلوا من القلعة جماعة من المباشرين ممن كانوا في الترسيم. وقد تقدم القول أنهم يتوجهون بهم إلى إسطنبول، فأنزلوهم من القلعة بعد صلاة الصبح: منهم من هو راكب على بغلة، ومنهم من هو راكب على حمار. فشقوا بهم من الصليبة وتوجهوا بهم إلى بولاق، وحولهم جماعة من الانكشارية مشاة بالسيوف في أوساطهم. والصوباشي الذي هو متسفر عليهم راكب قدامهم. فكثر عليهم الأسف والحزن والبكاء من الناس … فكانت عدلهم سبع أنفس، وهم: القاضي علاء الدين ابن الإمام ناظر الخاص، والشرفي يونس النابلسي الأستادار، والقاضي بركات أخو شرف الدين الصغير كاتب المماليك، والقاضي فخر الدين بن عصوص، والقاضي أبو البقاء ناظر الخاص والأسطبل، والشرفي يونس نقيب الجيش، والأمير يوسف البدري وزير الديار المصرية، وأصله من مماليك الأمير يشبك بن مهدي الدوادار، كان قدمه للأشرف قايتباي، ولا زال يترقي حتى رأى من العز والعظمة غاية العلاء، وجرت عليه بعد ذلك شدائد ومحن، وآخر الأمر نفي إلى إسطنبول. فلما وصل هؤلاء إلى بولاق نزلوا بقصر ناظر الخاص الذي هناك حتى تنتهي أشغالهم، فحصل لنساء القاضي أبي البقاء والقاضي أبي البركات كاتب الرجع على أزواجهن غاية الحزن، فقمن لنعيهم ودققن عليهم بالطارات، وكذلك زوجة يوسف البدري وبقية المباشرين. وكانت هذه الحادثة من أشنع الحوادث التي لم يقع قط مثلها فيما مضى من الزمان. فاستمروا بقصر ناظر الخاص ببولاق إلى يوم الاثنين عشري شوال، فنزلوا وتوجهوا إلى ثغر الإسكندرية. وكان هؤلاء المباشرون لما صفا لهم الوقت طاشوا وصاروا كأنهم هم الملوك بمصر، يتصرفون في أمور المملكة بما يختارونه ليس على يدهم يعد واستغرقوا في اللذات، وعكفوا على شرب الخمور، وسماع الزمور، ولم يتفكروا في عواقب الأمور، فاستمروا على ذلك حتى طرقتهم الأحبار الردية، وأحاطت بهم كل رزية، فكانوا كما قيل في المعنى: من يرتشف صفو الزما … ن بغص يوما بالكدر ثم في عقيب ذلك سافر إلى إسطنبول الناصري محمد بن الورد لاعب الشطرنج، ورفيقه الشهابي أحمد الإسكندراني. وقيل: إن الخنكار سليم شاه أرسل يطلبهما إلى

стр. 1567

إسطنبول على لسان الخواجا يونس العادلي، وأرسل لهما مبلغاف له صورة بسبب كلفة السفر، وعمل الزوادة. ويقال: إن جماعة من المباشرين الذين توجهوا إلى إسطنبول سألوا ملك الأمراء بأن يعطوه مالا له صورة ويعفيهم من السفر إلى إسطنبول، فما قدر على ذلك. وفي يوم السبت ثامن عشر شوال خرج المحمل الشريف من القاهرة في تجمل عظيم، وكان أمير الركب الزيني بركات بن موسى المحتسب، فخرج بطلب حافل، فكان ما اشتمل عليه الطلب خمس عشرة نوبة من الهجن، عليها أكوار، ما بين مخمل ملون وجوخ أصفر، وبعض جنائب ببركستوانات فولاذ، وطبول ومحفتين جوخ لنسائه، وثلاث خزائن على العادة، وكاسات على العادة وطبلين وزمرين، وعلى رأسه صنجق عثماني حرير أحمر. وركب صحبته جماعة من المباشرين الذين تأخروا بمصر، وهم: الشهابي أحمد بن الجيعان، والقاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، والقاضي تقي الدين أبو بكر بن الملكي، والقاضي عبد العظيم الصيرفي، وآخرون من المباشرين. وكان قدامه انكشارية ورماة وقواسة نحو مائتي إنسان … فلما شق من القاهرة دعا له العوام، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكان ذلك اليوم مشهودا، فلهج الناس بأن ذلك سيكون آخر سعده. وخرج في هذه السنة حجاج كثيرة وغالبهم فلاحون وريافة. وأشيع أن العربان وقفت لهم في الطريق، وأن الغلاء موجود معهم من حين خرجوا من مصر، وكذلك العليق كان مشحونا. فلما خرج الحجاج وقف جماعة من أولاد الناس، والمماليك الذين عينوا إلى العقبة إلى ملك الأمراء، وشكوا له من عدم الجمال وأنها لم توجد. فرسم بإبطال جماعة منهم نحو ثلاثين إنسانا. وكان الذين تعينوا في الأول نحو ستين إنسانا أو فوق ذلك. وأشيع أن أرباب الأدارك من العربان وقفوا إلى القاضي بركات بن موسى بسبب عاداتهم من الصرر، فنفر فيهم ونهرهم وسبهم، فخرجوا من عنده على غير رضا، وقيل: إن ناظر الخاص لما حج في السنة الخالية أنعم على العربان وأرباب الأدراك بألف جوخة حتى رجع بالحاج وهو سالم وبيض وجهه عند الناس. ***** وفي شهر ذي القعدة وكان مستهله يوم الجمعة، طلع القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، فلما تكامل المجلس وقع تشاجر بين قاضي القضاة المالكي محيي الدين يحيى الدميري، وبين قاضي القضاة نور الدين على الطرابلسي الحنفي، فتفاوضا الكلام في ذلك حتى

стр. 1568

خرجا عن الحد بسبب وقف الأمير يشبك بن مهدي الدوادار الكبير، فإنه شرط في وقفه النظر والتكلم للأمير تغري بردي الأستادار، وأنه يدخل من شاء ويخرج من شاء من المستحقين، ويستمر ذلك حتى يتوفى الأمير تغري بردي. فسعت ابنة الأمير يشبك عند قاضي القضاة عبد البر بن الشجنة في إبطال ما كان شرطه والدها للأمير تغري بردي، ويجعل لها النظر على ذلك والتحدث على وقف والدها، فحكم بنفسه في ذلك، وقد ساعدها على ذلك السلطان الغوري. فلما ثبت ذلك على يد القاضي عبد البر وحكم بما فيه، أبطل ما كان اشترطه الأمير يشبك لتغري بردي. وفلما توفي قاضي القضاة عبد البر، وتوفيت ابنة يشبك، سعى جماعة من معاتيق يشبك الدوادار لتغري بردي، فحكم بصحته وتبع في ذلك شرط الواقف. فلما جرى ذلك عز على بقية القضاة ذلك لكونه نقض حكم قاضي القضاة عبد البر. فحضر في ذلك اليوم شخص من أولاد عبد البر، وقال لقاضي القضاة نور الدين الطرابلسي: "أتنقض حكم شيخ الإسلام عبد البر وأنت من بعض طلبته"؟ وساعده قاضي القضاة على ذلك، وحط عليه ملك الأمراء خاير بك، وكان المجلس كله عليه، فما وسعه في ذلك المجلس إلا أنه قال: "رجعت عن حكمي، وأبقيت حكم قاضي القضاة عبد البر على ما كان عليه". فشهدوا عليه في ذلك المجلس بإبطال ما كان حكم به، فعد ذلك منقصة في حق قاضي القضاة نور الدين الطرابلسي، ولامه الناس على سرعة نقضه لحكمه في الحال … فعد ذلك من النوادر الغريبة. وصارت الوحشة عمالة بين قاضي القضاة المالكي والحنفي في الباطن، فنزل قاضي القضاة الحنفي من القلعة في ذلك اليوم وهو في غاية التعس. وفي عقيب ذلك عزل قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل نوابه أجمعين، ولم يبق منهم سوى أربع أنفس لا غير … فاستمروا على ذلك مدة. ثم أنه فوض لجماعة من أعيان نوابه ممن اختاره. وفي مستهل هذا الشهر خلع ملك الأمراء على القاضي عبد العظيم الصيرفي وقرره في نظر الحسبة عوضا عن الزيني بركات بن موسى إلى أن يحضر من الحجاز. فلما ولي القاضي عبد العظيم أمر الحسبة أظهر النتيجة العظمى في انحطاط سائر أسعار البضائع بعد ما كانت تشحطت الأسعار في تلك الأيام … وصارت غلوة كبيرة بمصر، واضطربت أحوال الناس، وارتفع الخبز من الأسواق، وغلقت الطواحين، وارتجت القاهرة بسبب ذلك. وكان عقيب ذلك خروج الحجاج، وسافر المحتسب، فجارت السوقة على الناس في سائر البضائع. فلما ولي القاضي عبد العظيم صار يطوف القاهرة كل يوم ثلاث مرات،

стр. 1569

وشرع يضرب الطحانين والخبازين ضربا مبرحا، ويشهرهم في القاهرة، وصار يوعدهم والزياتين بالشنق والخوزقة، حتى انحطت أسعار البضائع قليلا، وسكن ذلك الاضطراب الذي كان بمصر. ثم رسم للجبانين والسماكين بأن يقلوا بالسيرج الطري دائما، وكتب قسائم على المعصرانيين ألا يصنعوا الزيت الحلو أبدا. ثم نادى في القاهرة بسعير اللحم الضاني والبقري والجبن وسائر البضائع، ثم سعر الدقيق وجعل كل بطة بثلاثة عشر نصفا، وكانت البطة الدقيق وصلت إلى ستة عشر نصفا، فنفع الناس غاية النفع بعد ما صار بمصر غلوة شديدة. فارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة. ثم أحضر القزازين والتجار وعمل معدلهم في بيع الغزل والمقاطع الخام وسائر القماش الأبيض قاطبة. فهابته التجار والسوقة، ودخل في الحسبة دخولا مهولا، وصار له حرمة وافرة وكلمة نافذة. وفيه توفي الأمير ماماي أمير آخور ثاني كان. وكان من الأمراء الطبلخانات، وأصله من مماليك الأمير تاني باي أمير آخور كبير. وكان موته فجأة على حين غفلة، وقيل: إنه كان صحبة جماعة من العثمانية فوقع بينهما تشاجر، فضربه، أحدهم فمات في ليلته. وفيه ثارت العثمانية على ملك الأمراء وقالوا له: "زد في جوامكنا وإلا أعطنا دستورا نرجع إلى بلادنا، فإننا اشتقنا إلى بلادنا وعيالنا، وأن في مصر غلاء، وكل شيء غال، وهذه الجوامك ما تكفينا". فوعدهم أنه يرسل يشاور الخنكار، وأمهلهم إلى شهرين. وكان القائم في هذه الحركة جماعة الأصباهية. وفيه قدمت الأخبار من بلاد الصعيد بأنه قد فشا الموت هناك في الأبقار والأغنام، فمات منها ما لا يحصى عدده، ووقع مثل ذلك بالشام ونواحيها، ووقع مثل ذلك بجهات الشرقية والغربية … وزيادة على ذلك أن الدودة رعت البرسيم من أرض الجيزة وغيرها من الأراضي التي زرعت يدريا. ووقع في أواخر هذه السنة تشحيطة عظيمة في سائر الغلال. وفي يوم الأربعاء سادسه رسم ملك الأمراء بشنق ستة أنفار من جماعة عبد الدائم بن بقر، فشنقوا في عدة أماكن. وفي يوم السبت تاسعه يودي في القاهرة بأن لا أحد من الناس يصنع خيال الظل، ولا مغاني عرب، ولا غير ذلك، ولا يبطئ بزفة عريس إلى بعد العشاء، ولا يمشي في الأسواق من بعد العشاء، وأن الأسواق تغلق من بعد المغرب وسبب ذلك أن العثمانية صاروا يشوشون على الناس في الليل، ويخطفون العمائم والشدود، ويخطفون النساء والمردان من الطرقات ليلا ونهارا، وحصل للناس منهم غاية الضرر الشامل، وصارت

стр. 1570

المماليك العثمانية تؤذي الناس، وصارت الطرقات من بعد المغرب مقفرة من قلة السالك بها، وصار على الوجود خمدة. وفيه قدمت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأن الجماعة الذين توجهوا هناك من المباشرين، لما نزلوا في المراكب وسافروا في البحر المالح، غابوا فيه ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى تغر رشيد. وسبب ذلك أنه في تلك الأيام ثار ريح عظيم فرد المراكب من حيث جاءت، فأقاموا في رشيد أياما حتى طاب الريح، ثم سافروا وقصدوا التوجه إلى إسطنبول وفيه أرسل القاضي بركات بن موسى المحتسب يطلب من ملك الأمراء تجريدة تلاقيه من الأزلم عند عود الحجاج، فإن العربان شوشوا على الحجاج وأخذوا منهم جمالا محملة بما عليها من الأحمال، وحصل منهم غاية الفساد في حق الحجاج. فلما بلغ ملك الأمراء ذلك نزل إلى الميدان وعرض جماعة من العساكر وعين تجريدة تلاقي الحجاج من الأزلم، فكتب إلى جماعة من المماليك الجراكسة وجماعة من العسكر وجماعة من أولاد الناس، واستحثهم في سرعة الخروج إلى الأزلم. وفي يوم الاثنين خامس عشريه نزل ملك الأمراء من القلعة بعد صلاة الصبح، وعدى إلى بر الجيزة، وتوجه إلى نحو شبرامنت وقناطر العشرة، وذلك على سبيل التنزه، فصنع له الشهابي أحمد بن الجيعان هناك مدة حافلة، وكذلك القاضي شرف الدين الصعير كاتب المماليك. وكان صحبته الأمير قايتباي الدوادار، والأمير أرزمك الناشف، وسنان باشا، وفائق بك، وجماعة من الأمراء العثمانية، وجماعة كثيرة من المماليك الجراكسة فاستمر هناك إلى ما بعد العصر، وركب وعدى من بر الجيزة، وطلع إلى القلعة، وأشيع أنه كان بين ملك الأمراء وبين الأمير قايتباي الدوادار حظ نفس في الباطن، فعزم عليه هناك وزال ما كان بينهما من تلك الوحشة، وطابت الخواطر منهما. وفي يوم الجمعة سلخ الشهر خرج الأمير قايتباي الدوادار، وسافر إلى نحو العباسة، وسبب ذلك أنه تغيب من المماليك الجراكسة من خشداشينه لأجل تفرقة الأضحية، فإنها كانت غالية ومشحوتة ولا توجد. ***** وفي شهر ذي الحجة، وكان مستهله يوم السبت، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، وعادوا إلى دورهم. وفي يوم الخميس سادسه خرج العسكر المعين إلى الأزلم. وكان باش هذه التجريدة شخص يسمى إياس، فخرج مع العسكر.

стр. 1571

وفيه قدمت الأخبار من الصعيد بأن الأمير علي ابن عمر، خرج يغزو صاحب النوبة، وأن الصعيد أحواله مضطربة. وفي يوم الجمعة سابعه خرج الأمير جانم الحمزاوي دوادار ملك الأمراء وقصد التوجه إلى نحو البلاد الشامية، وسبب ذلك أن ملك الأمراء أرسل على يده تقدمة حافلة إلى شخص من أمراء ابن عثمان يقال له: بري باشا، وكان من أعيان أمراء ابن عثمان، وكان مقيما على البيرة، وقيل: بحلب. فلما خرج الأمير جانم الحمزاني ووصل إلى العكرشا، وردت عليه الأخبار من هناك بأن الأمير بري باشا الذي خرج بسببه قد توجه إلى نحو إسطنبول، وقد تغلب عليه العسكر الذين كانوا على البيرة من الغلاء وشدة البرد، فرجع إلى إسطنبول إلى أن يذهب الشتاء. فلما تحقق الأمير جانم الحمزاوي رجوع الأمير بري باشا إلى إسطنبول، أرسل يشاور ملك الأمراء في أن يرجع إلى مصر أو يسافر إلى حلب، فرسم له ملك الأمراء بالعود إلى مصر، فرجع من العكرشا، وصحبته التقدمة التي عينت لبري باشا. ومن الحوادث أن ملك الأمراء رسم للوالي بأن ينادي في القاهرة بسد قناطر الخروبي الثلاث، فورعوا سد هذه القناطر على السكان الذين بيوتهم فوق السور. فحصل للسكان الذين بيوتهم فوق السور غاية الضرر من مصروف العمارة على ذلك. وأشيع سد قناطر السباع أيضا، وقنطرة الموسكي، ولم يعلم ما القصد من ذلك. فسدوا قناطر الحروبي الثلاث بالحجارة، فعد ذلك من النوادر الغريبة، وكثر القيل والقال في ذلك. وفي يوم الاثنين عاشره كان عيد النحر، فلم يفرق ملك الأمراء على أحد أضحية، لا على الأمراء ولا على العسكر، وقطع ضحايا الفقهاء والمباشرين، حتى ضحايا الزوايا والمزارات التي في القرافة وغيرها، وقال: "أنا ما أمشي إلا على طريقة ابن عثمان في سائر أفعاله". وقطع الأضحية التي كانت تفرق في الأعياد. وفي أواخر هذا الشهر وقع بين ملك الأمراء وبين الأصباهية من عسكر ابن عثمان، وقالوا له أعطنا دستورا لنسافر إلى بلادنا فإنا اشتقنا إلى بلادنا وعيالنا. فقال لهم حتى أرسل أشاور الخنكار. فقالوا نحن ما نصبر حتى تشاور. وأغلظوا على سنان باشا في القول، وقالوا له هذا كله شغلك، فاتفق معهم ملك الأمراء أنه بعد مضي الشتاء يأذن لهم بالسفر والعودة إلى بلادهم. *****

стр. 1572

انتهى ما أوردناه من أخبار سنة أربع وعشرين وتسعمائة وخرجت عن الناس على خير، وكانت سنة كثيرة الحوادث، منهما خسة النيل، ووقوع الغلاء في سائر البضائع والغلال، واستمرت هذه التشحطية تتزايد إلى أواخر السنة، ووقع من الحوادث نفي المباشرين إلى إسطنبول، وغير ذلك حوادث كثيرة تقدم ذكرها. سنة خمس وعشرين وتسعمائة هجرية (١٥١٩ م): كان مستهل الشهر يوم الاثنين، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالعام الجديد ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم مستهل الشهر أمطرت السماء مطرا غزيرا، فتفاءل الناس بأن ذلك العام يكون مباركا خصبا. وفي يوم الخميس رابع المحرم، وصلت من ملك الأمراء نائب الشام جان بردي الغزالي إلى ملك الأمراء خاير بك تقدمة ليست بعظيمة أمر، وهي أربعة أرؤس خيل، وثمانية شقادف تشتمل على بطامير، ضمنها مخلل، وفي بعض الشقادف كمثري وتفاح وسواقه، وأرسل ملك الأمراء جان بردي إلى الأمير قايتباي الدوادار فرسا وأربع شقادف، ومثل ذلك للأمير أرزمك الناشف، ومثل ذلك إلى جماعة من الأمراء العثمانية، فشكروا له ذلك. وفي يوم الجمعة خامس المحرم، حضر مبشر الحجاج وأخبر بالأمن والسلامة لهم، غير أن معهم العلاء الشديد، وموت الجمال، فوصل كراء الجمل إلى مائة وعشرين دينارا، وأن مكة فيها غلاء شديد، ونزل غالب من بها من المجاورين بسبب الغلاء، وأن العربان جائرة على الطرقات، وكانت سنة صعبة شديدة على الحجاج. وفي يوم الأحد سابع المحرم قدمت الأخبار من قطيا بأن والي قطيا وهو شخص من الأتراك يقال له: قان بردي، وأصله من مماليك الظاهر برقوق، وقيل: من مماليك الغوري قانصوه، أرسل إليه ملك الأمراء انكشاريين يطالبانه بمال قطيا، فلم يعطهما شيئا، فأغلظا عليه في القول وقالا له: نأخذك معنا في الحديد إلى ملك الأمراء، فبطحهما على الأرض وضربهما بالمقارع حتى أشرفا على الموت وقيل: مات أحدهما من الضرب. وقال لهما امضيا إلى أستاذكما وقولا له إيش ما طلع من يدك افعله، فحضر أحدهما وأخبر ملك الأمراء بذلك، فلما سافرا من قطيا، أخذ والي قطيا ماله وغلماه وتوجه إلى جان بردي الغزالي في غزة بسبب ملاقاة الحاج، وقيل: كان عند والي قطيا جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة، فلما توجه إلى الغزالي توجهوا معه إليه، فلما بلغ ملك الأمراء ذلك

стр. 1573

خلع على شخص من الأتراك وقرره في ولاية قطيا عوضا عن قان بردي بحكم غيبته كما تقدم. وفي يوم الأربعاء سابع عشره ركب عبد العظيم الصيرفي نائب المحتسب، ونادى في القاهرة بأن أرباب الدكاكين من السوقة يبيضون دكاكينهم ويزخرفونها بالدهان، ويبيضون آلات النحاس التي عندهم في الدكاكين لأجل مجيء القاضي بركات بن موسى المحتسب من الحجاز. وفي يوم الأربعاء المقدم ذكره وقعت حادثة مهولة، وهي أن ملك الأمراء نزل من القلعة وتوجه إلى نحو بركة الحبش، وعزم على وردبش دوادار نائب الشام الذي حضر بالتقدمة، فصنع له هناك مدة حافلة، ونصب سيباي له هناك سحابة عظيمة، وحضر عنده الأمير قايتباي الدوادار، وجماعة من الأمراء الجراكسة، وحضر جماعة من الأمراء العثمانية منهم سنان باشا وفائق بك، وحضر الأمير كشمبغا والي القاهرة، وجماعة من الجراكسة. فلما انقضى أمر المدة أحضرة ملك الأمراء سفرة الشراب، فلما دارت عليهم الكاسات وطلع الحمر في رؤوسهم، طفح ما كان في قلوبهم من الغدر. فقال فائق بك لكمشبغا الوالي: الجراكسة خائنون. وأجرى ذكر جان بردي الغزالي بما لا يليق فقال له كمشبغا: الله يعلم من هو الذي خان منا نحن أو أنتم، وقد كتبتم أمانكم في أوراق وفرقتوها على الأمراء ووضعوها على رؤوسهم، وطلوا إليكم بالأمان فغدرتم بهم وقتلتموهم فمن خان منا نحن أو أنتم. ثم تزايد بينهما الكلام الفج حتى خرجا في ذلك عن الحد، فوثب فائق بك على كمشبغا الوالي بخنجر ليقتله فجاءت الضربة في قفطانه فانخرق، فوثب كمشبغا على فائق بك ليقتله فحال بينهما الحاضرون. ثم ركب كمشبغا، وركب جماعة من المماليك الجراكسة، وسلوا سيوفهم، وركب جماعة من العثمانية وسلوا سيوفهم، وقصدوا الوثوب على بعضهم، وكادت أن تكون فتنة عظيمة تذهب فيها الأرواح، فتنكد ملك الأمراء لذلك وركب على الفور، وحال بين الفريقين، وخمدت هذه الفتنة قليلا، ورسم للعثمانية أن يمضوا على طريق مصر العتيقة، ومضى هو والأمراء الجراكسة على طريق القرافة، واستمر على ذلك حتى طلع إلى القلعة من الميدان، فما رأى نفسه في القلعة وفي عينه قطرة. وقد اضطربت أحواله وخاف أن هذه الفتنة تتسع. فقيل: إنه حلف لا يشرب خمرا في هذه السنة، واستمرت النفوس معمرة بالعداوة بين فائق بك وبين كمشبغا الوالي، وهذه الحادثة أول حوادث سنة خمس وعشرين وتسعمائة.

стр. 1574

ثم أن ملك الأمراء بعد وقوع هذه الحركة انحجب عن الناس ثلاثة أيام، لم يظهر لأحد من شدة نكده مما قاساه في ذلك اليوم. وفي يوم الاثنين ثاني عشريه خرجت المدورة إلى بركة الحاجة بسبب الملاقاة، فلما أقامت المدورة هناك يوما وليلة أشيع أنها رجعت إلى القاهرة، وسبب ذلك أن الزيني بركات بن موسى أرسل هجانا إلى ملك الأمراء وأخبره أن الحجاج وصلوا إلى عيون القصب، وأنهم في غاية ما يكون من الأنكاد بسبب موت الجمال والغلاء وموافقة فتنة العربان مع ذلك، فتنكد الناس لذلك، ورجع من كان طلع إلى بركة الحاج من الملاقين. وفي يوم السبت سابع عشريه حضر قاصد من عند السلطان سليم شاه بن عثمان، وحضر صحبته الناصري محمد الجلبي، مهمندار ملك الأمراء، الذي كان توجه صحبة التقدمة المتقدم ذكرها، وهي التي أرسلها ملك الأمراء إلى ابن عثمان. وحضر قاصد الأمير علي بن عمر شيخ عربان جهات الصعيد، وكان قد توجه صحبة التقدمة التي أرسلها إلى ابن عثمان، فلما بلغ ملك الأمراء وصول القاصد إلى سرياقوس نزل من القلعة وتلقاه من تربة العادلي التي بالمطرية. وخرج صحب الأمراء العثمانية، والأمراء الجراكسة، وأعيان المباشرين، والعسكر العثماني، والانكشارية قدامه مشاة يرمون بالنفوط. فلما وصل إلى تربة العادلي نزل وجلس على المصطبة التي هناك. ثم حضر القاصد وأخرج قفطانا مخملا بتماسيح على أحمر أرسله إليه الخنكار بن عثمان بالاستمرار على نيابة مصر، فلبسه ملك الأمراء وقبل الأرض مرارا. وأرسل قفطانات تماسيح إلى فائق بك، وسنان باشا، وخير الدين بك نائب القلعة، وأرسل قفطان تماسيح إلى الأمير قايتباي الدوادار باستمراره في الدوادارية فلبسه. ثم ركب ملك الأمراء من هناك ودخل من باب النصر، وشق القاهرة في موكب حافل، ولاقاه قضاة القضاة الأربعة من باب النصر، ثم مشت طائفة النصارى قدامه بالشموع. وكان ذلك يوم السبت فلم تحضر طائفة اليهود في ذلك اليوم، واستمر في ذلك الموكب إلى أن طلع القلعة وكان ذلك اليوم مشهودا. فلما أقام القاصد أياما أشيع بين الناس أنه حضر يطلب طائفة الأصباهية التي بمصر، وأشيع أن الخنكار ابن عثمان أرسل تقدمة حافلة إلى الأمير علي بن عمر شيخ عربان الصعيد، وأرسل إليه قفطان تماسيح باستمراره على عادته، ورسم بأن التقدمة والقفطان تتوجه إليه صحبة قاصده إلى الصعيد، فتضاعفت عظمة الأمير علي بن عمر بسبب ذلك. وفي يوم الأحد ثامن عشريه نزل الحاج بالبركة، وحضر المحمل الشريف صحبة القاضي بركات بن موسى المحتسب أمير الحاج، فتغدى في بركة الحاج، وتوجه إلى

стр. 1575

مدرسة السلطان الغوري، فلما طلع النهار من يوم الاثنين تاسع عشريه، ركب من هناك وطلع إلى ملك الأمراء وقابله فخلع عليه قفطانا مخملا أحمر مذهبا، ونزل ن عنده وشق القاهرة في موكب حافل، وقدامه جماعة من الانكشارية، مشاة يرمون بالنفوط، فكانوا نحو مائتي إنسان، فشق الزيني بركات من القاهرة وهو لابس عمامة هوارية على زنط، وهو ضارب لثاما. ثم أشيع بين الناس أن الحجاج قاسوا في هذه السنة مشقة زائدة من الغلاء وموت الجمال وقلة العليق، وكانت سنة صعبة شديدة بفساد العربان والغلاء، وقد منعوا مبشر الحاج من الدخول إلى القاهرة. ثم أشيع وفاة الطواشي الأمير بشير رأس نوبة السقاة، وكان قد توجه إلى المدينة الشريفة من حين دخل ابن عثمان إلى القاهرة، فتوجه صحبة قاضي القضاة الشرفي يحيى بن البرديني شيخ الحرم النبوي، فأقام هناك إلى أن مات ودفن بالمدينة وأشيع موت آخرين من الأعيان. وكان غالب الناس قطع وجزم بعدم عود الزيني بركات بن موسى إلى القاهرة. فإنه حمل ما لا يطيق، حيث طلع إلى الحجاز أمير حاج، وكانت هذه الوظيفة للأمراء المقدمين، وكانت هذه السنة شديدة صعبة من فساد العربان في طريق الحجاز وشدة الغلاء وموت الجمال، فأعانه الله على ذلك، ورجع مع السلامة. وفيه وقعت حادثة غريبة، وهي أن جماعة من الأصباهية غاروا على صبية، فلما توجهت إلى غيرهم كبسوها بالوالي في ذلك المكان الذي كانت فيه وزعموا أنها كانت عند شخص نصراني، فقبضوا عليها وعلى ذلك النصراني، فلما عرضوا على ملك الأمراء رسم بأن تعرى المرأة من أثوابها، وتكتف أيديها وأرجلها، وأن تربط من رجلها في ذنب إكديش، وتسحب على وجهها من الكداشين إلى باب زويلة، ففعلوا بها ذلك وشقوا بها من القاهرة، وقصدوا شنقها على باب زويلة، فقيل: إنها مات في أثناء الطريق، وقيل: بل غرقوها في البحر عند الجزيرة الوسطى، وقد مضى أمرها، وقد قاست ما لا خير فيه حتى ماتت. ***** واستهل شهر صفر بيوم الثلاثاء، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دوروهم.

стр. 1576

وفي أوائل هذا الشهر قدمت الأخبار من ثغر الإسكندرية مع بعض تجار البنادقة، أن جماعة من المباشرين الذين خرجوا من مصر وتوجهوا إلى إسطنبول في البحر المالح، لما وصلوا إلى قرب جزيرة إقريطش خرجت عليهم طائفة من الفرنج الروادسة الذين هم أشد طوائف الفرنج، فتحاربوا مع الجماعة العثمانية الذين خرجوا صحبة المباشرين، فقتلوا منهم جماعة ومن جملتهم الخواجا هاشم، وكان من أبناء العجم، وكان من أخصاء ملك الأمراء خاير بك، وكان قرره في نظر المارستان ونظر جهات الجوالي، فقتل في هذه المعركة. وكان قصده أن يتوجه إلى الخنكار صحبة المباشرين. فلما خرجت عليهم الفرنج تحارب معهم حتى قتل في المركب التي كان فيها الشرفي يونس النابلسي الأستادار، والقاضي بركات كاتب الرجع أخو القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وكان بهذه المركب يوسف البدري الوزير، والناصري محمد بن الورد لاعب الشطرنج أيضا، فلما خرج عليهم الفرنج رموا على مركبهم بالمدافع فانخرقت وغرقت، وغرق كل من كان فيها من المباشرين، وغيرهم، فغرقوهم وأموالهم التي كانت معهم جميعا، فغرق الشرفي يونس النابلسي الأستادار، وبركات كاتب الرجع، ويوسف البدري الوزير، ومحمد بن الورد لاعب الشطرنج، وقيل: سلم من الغرق مع رفيقه أحمد الإسكندراني. ثم أشيع بأن المركب التي كان بها علاء الدين ناظر الخاص، وفخر الدين بن عوض، والقاضي أبو البقاء ناظر الأسطبل، والشرفي يونس نقيب الجيش، وأحمد الإسكندراني لاعب الشطرنج، سلمت من الغرب، فسار بها الهواء إلى نحو جزيرة إقريطش، فخرجوا وهم عراة حفاة مكشوفو الرؤوس، ومشوا نحو سبعة أيام حتى أعيوا من المشي وتورمت أقدامهم، وأشرفوا على الموت مرارا. وأما الشرفي يونس نقيب الجيش فإنه مرض هناك ومات ودفن بجزيرة إقريطش، وأما علاء الدين ناظر الخاص، فإنه مرض وعجز عن المشي حتى حمله بعض الفرنج على أكتافه. وكذلك أبو البقاء ناظر الأسطبل، وفخر الدين بن عوض فاستمروا على ذلك سبعة أيام حتى وصلوا إلى صاحب جزيرة إقريطش، فلما رآهم أحسن إليهم وكساهم، وأقاموا عنده مدة طويلة، ثم جهزهم وأرسلهم إلى إسطنبول، هكذا أشيع والعلم لله تعالى. فلما ثبت موت هؤلاء المباشرين خرج نعيهم وطيف بالقاهرة، ودقوا عليهم بالطارات، وكان هؤلاء المباشرون تزايد ظلمهم على أولاد الناس، وضيقوا عليهم بسبب أرزاقهم، وأوقافهم وإقطاعاتهم. ولا سيما ما فعله فخر الدين بن عوض في جهات الغربية من وجوه

стр. 1577

الظلم، فكثر عليهم الدعاء من الناس، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وكان كما يقال في المعنى: فاستغن بالسمع عن مرآهمو عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وصاروا يفتحون على الناس أبوابا من المظالم شيئا بعد شيء، ووضعوا أيديهم على البلاد قاطبة، حتى على الأوقاف التي على الجوامع والمساجد والزوايا، وضاع على الناس خراجهم وحصل لهم الضرر الشامل، ثم أنهم أبطلوا الإقطاعات التي بالمناشير، وأدخلوها في ديوان السلطان، ثم في السنة الثانية أوقفوا الرزق التي بالمربعات الجيشية التي بيد أولاد الناس والنساء وغير ذلك، وصاروا يضعون أيديهم على بلاد الأوقاف، ويستخرجون منها الأموال ولا يفرجون عنها إلا بعد جهد كبير لمن يأخذون برطيلة. وكانوا إذا قرروا مع ملك الأمراء شيئا من أمر البلاد يطاوعهم على الفساد، ويقول لهم: افعلوا ذلك، وهو في أيديهم مثل اللولب يدورونه كيف شاؤوا، وكان الوقت قد صفا لهم، وصاروا يتصرفون في أحوال المملكة بما يختارونه، فأخذهم الله أخذا وبيلا، ولم يجدوا لهم من الله سبيلا، وتكدرت معايشهم بعد الصفا، وخانهم الدهر بعد الوفا، وقد قلت: إذا صفا الدهر يوما … إلى التكدر يرجع هل من لبيب تراه … بأيسر الرزق يقنع فليعتبر من يشاهد … لمصرع بعد مصرع وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن الحاج الشامي قد استولت عليه الأعراب وعوقوهم عن الدخول إلى البلاد الشامية، ونهبوا أموالهم وجمالهم، وغنموا منهم أموالا لها صورة، فلما بلغ الأمير جان بردي الغزالي ذلك، خرج إلى العربان من يومه، وخرج صحبته نائب غزة بعساكر غزة، ونائب الكرك، فاقتتل مع العربان وانتصر عليهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وغنم أموالهم وما كانوا غنموه من الحاج الشامي، وهو شيء لا ينحصر، فاحتاط على جميع ما معهم، وهربوا من وجهه إلى الجبال، وخلص ما كانوا أسروه من رجال ونساء وصبيان وغلمان، فكان له الشكر على ذلك. وفيه تزايد الضرر من الأصباهية في حق الناس، وصاروا يخطفون النساء من الطرقات، وكذلك الصبيان المرد، حتى قيل لهم: إنهم خطفوا امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية تحت دكان الذي يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها، فلم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم، ثم صاروا يقطعون الطرقات على نساء المسلمين، وعلى البياعين، وصار أهل مصر منهم في غاية الضنك والأمر لله تعالى.

стр. 1578

وفي يوم الاثنين ثامن عشريه نزل ملك الأمراء إلى الميدان، وأحضر سنان باشا أغات الأصباهية وقد صار بينه وبينهم وحشة بسبب جوامكهم، فكان يأخذ من ملك الأمراء المال ولا يصرف لهم شيئا، فلما وقع الحساب وجد في جهته لهم أحدا وثمانين ألف دينار، فاعترف أنها في جهته وسيوصلها إلى الخنكار، فحصل بينه وبين الأصباهية في ذلك اليوم تشاجر بسبب ذلك، فقالت الأصباهية لا تعطوا سنان باشا من جوامكنا شيئا من الآن، واصرفوا لنا مثل جوامك المماليك في كل شهر على البساط. ثم في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سلخ الشهر عرض ملك الأمراء الأصباهية، فمثل ما وجد عند سنان باشا وجد في جهة فائق بك من المال، وقال مثل قوله، فكثر بينهما القيل والقال بسبب ذلك، وقد دبت عقارب الفتن بين الأصباهية وبين سنان باشا وفائق بك، وأوعدوا سنان باشا بالقتل غير ما مرة. ***** وفي شهر ربيع الأول - وكان مستهل الشهر يوم الخميس - طلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الاثنين خامس الشهر، نزل ملك الأمراء إلى الميدان وعرض الأصباهية وعلم من فقد منهم ومن بقي، ثم ظهر له ما كان يأخذه سنان باشا وفائق بك من جوامك الأصباهية وليس لهم وجود، فظهر زيفه في هذه الحركة. وفي يوم الخميس ثامن الشهر قبض ملك الأمراء على طيلان رأس نوبة، وضربه بين يديه بالمقارع في الحوش ضربا مبرحا، وكان سبب ذلك أن أخت السلطان طومان باي رافعته، وذكرت أن السلطان طومان باين أودع عنده ثمانية آلاف دينار، فأنكر طيلان، وحلف أنه ما أودع عنده شيئا من ذلك، فلما تزايد الأمر من أفواه الناس بسبب هذه الوديعة، وصار طيلان ينكر ذلك، حنق منه ملك الأمراء وأمر بضربه بالمقارع، وهو لم يقر بشيء. فنزل من القلعة وهو في الترسيم حتى يحقق ذلك. وفي يوم الأحد حادي عشره مع ليلة الاثنين، كان المولد الشريف النبوي، فجلس ملك الأمراء في المقعد الذي في الحوش السلطاني، واجتمع عنده بعض المباشرين، وخير الدين نائب القلعة، وبعض أمراء عثمانية، واجتمع عنده من القراء والوعاظ ثلاث عشرة جوفة، ثم في أواخر النهار مد سماطا لا يسمن ولا يغني من جوع، وأين هذا مما كان يعمل في مولد من تقدم من السلاطين، ثم أنه خلع على الوعاظ قفطانات واستردها بقدر هين.

стр. 1579

وفي يوم الاثنين ثاني عشره خلع ملك الأمراء على مملوكه برسباي، واستقر به أمير ركب الحاج الشريف، فنزل من القلعة في موكب حافل. وفي يوم الخميس خامش عشره، حضر قاصد من عند نائب حماة وصحبته تقدمة حافلة إلى ملك الأمراء، وأشيع أن الأمير حان بردي الغزالي نائب الشام قد قبض على أربعة من مشايخ عربان جبل نابلس، منهم قراجا بن طراباي، فلما قبض عليهم حز رؤوسهم وأرسلها إلى الخنكار بأدرنة، فلما فعل ذلك اضطربت أحوال جبل نابلس، وصارت العربان ينهبون الضياع التي حول جبل نابلس، ويقتلون أهلها، وتزايد الغلاء بالشام من قلة الجالب إليها. وفي يوم الثلاثاء عشريه قدمت الأخبار من الغربية بأن أينال السيفي طراباي - كاشف الغربية - قد احتال على حسن بن مرعي وأخيه شكر شيخي عربان الغربية، وهما اللذان كانا سببا لمسك السلطان طومان باي - وقد تقدم ذكر ذلك - فعزم أينال على حسن ابن مرعي وأخيه شكر في مكان بالقرب من سنهور، فأتيا إليه وأمناه وظنا أن ذنبهما قد نسي مما قد فعلاه، فكان كما يقال في المعنى: قالت ترقب عيون الحي أن لها … عينا عليك إذا ما نمت لم تنم فلما أقاما عنده ذلك اليوم مد لهما مدة حافلة، ثم بعد ذلك أحضر لهما سفرة الشراب، فلما شربا ودخلا في السكر، هجم عليهما جماعة من المماليك الجراكسية ممن كانوا عند أينال، فعاجلوا حسنا وشكرا بالحسام قبل الكلام، فقطعوا رؤوسهما، واشتقوا منهما، حتى قيل: إن بعض المماليك الجراكسة شرب من دمهما، وبعضهم جزل لحومهما بالسيف، والمجازاة من جنس العمل، وكما تدين تدان. وفي يوم الأربعاء حادي عشريه حضر إلى القاهرة رأس حسن بن مرعي ورأس شكر، فرسم ملك الأمراء للوالي أن يعلقوهما على باب النصر، وقيل: إن رأس حسن بن مرعي لما دخلوا بها وبرأس شكر، علقوهما في رقبة فرس السلطان طومان باي الذي كان راكبا عليها لما قبضوا عليه في تروجه، فصودف أن هذا الفرس كان تحت حسن بن مرعي لما أتى إلى أينال، فعد ذلك من النوادر الغريبة، وقيل: إن عيال السلطان طومان باي لما علقت رأس حسن وشكر على باب النصر، أظهروا في ذلك اليوم الفرح والسرور، وأطلقوا الزغاريت، وتخلقوا بالزعفران. وأشيع أن أخا حسن بن مرعي كان مختفيا بالقاهرة لما قتل أخواه، فغمز عليه، فقبضوا عليه من بيت بعض أصحابه.

стр. 1580

وفي يوم الجمعة ثالث عشريه قدمت الأخبار من ثغر دمياط، بأنه قد وصل إلى الثغر قاصد من البحر أرسله الخنكار بن عثمان يطلب سنان باشا وفائق بك، فلما سمعا ذلك تنكدا لهذا الخبر، وقالا لملك الأمراء خاير بك: هذا كله شغلك أنت، تكاتب فينا الخنكار في الدس وترافع فينا عنده. فلما وردت الأخبار بمجيء القاصد من دمياط، رسم ملك الأمراء خاير بك للقاضي بركات بن موسى بالتوجه إلى ملاقاته، فخرج إلى قليوب ورمى على البلاد من الشرقية والغربية أبقارا وأغناما وأوزا ودجاجا، فجمع في هذه الحركة فوق ألف رأس من الغنم، غير البقر والأوز والدجاج، فمد القاضي بركات بن موسى للقاصد في قليوب مدة حافلة، فأشيع أنه صنع له في تلك المدة أربعمائة رأس غنم، ومثلها أوز، ومثلها دجاج، وخمسمائة مجمع حلوى وقل: ألف مجمع. ثم مد له في أبي الغيث مدة ثانية مثل الأولى، فلما وصل القاصد إلى هناك فإذا هم أميران أحدهما يسمى إسكندر باشا، والآخر يسمى فرحات بك، وصحبتهما من الغلمان نحو مائة إنسان، فلما انتهى أمر المدة أحضرا القاضي بركات بن موسى بين أيديهما، وقالا له: الخنكار يسلم عليك، ويقول لك بيض الله وجهك، حيث رجعت بالحجاج سالمين بخلاف ما جرى على الحاج الشامي، فقام وقبل الأرض عدة مرات، وكشف رأسه، فلما وصل القصاد إلى شبرا خرج الأمير قايتياي الدوادار إلى ملاقاتهم، وجماعة من الأمراء الجراكسة، فسلموا عليهم ورجعوا إلى دورهم. وفي يوم الثلاثاء سابع عشريه دخل القصاد إلى القاهرة وقت صلاة الصبح، فطلعوا على الجزيرة الوسطى، وأتوا من باب الخرق، وأتوا إلى تحت الربع، وتوجهوا على القربيين، فأنزلوهم في بيت الأتابكي قرقماس بن ولي الدين الذي عند حوض العظام، فأنزلوا به إسكندر باش، وأنزلوا فرحات بك في بيت الأمير كسباي المحتسب الذي عند مدرسة سودون بن زادة، فمد لهما القاضي بركات بن موسى هناك مدة ثالثة لكل واحد منهما على انفراده، واستمروا هناك يوم الثلاثاء سابع عشريه. وطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، واجتمعوا بملك الأمراء، وقرأوا مطالعة الخنكار، فكان من مضمون تلك المطالعة، طلب سنان باشا وفائق بك وخير الدين نائب القلعة، وأرسل يقول لملك الأمراء خاير بك بأن يتوصى بالجراكسة، وأن يصرف لهم جوامكهم على العادة، ولحومهم وعليقهم، وأن ينظر في أحوال المعاملة، ويزيل عنها الغش من الذهب والفضلة، وأن يحفظ الثغور.
следующие страницы →