Полный текст (1 734 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وفي أوائل هذا الشهر قدمت الأخبار من ثغر الإسكندرية مع بعض تجار البنادقة، أن جماعة من المباشرين الذين خرجوا من مصر وتوجهوا إلى إسطنبول في البحر المالح، لما وصلوا إلى قرب جزيرة إقريطش خرجت عليهم طائفة من الفرنج الروادسة الذين هم أشد طوائف الفرنج، فتحاربوا مع الجماعة العثمانية الذين خرجوا صحبة المباشرين، فقتلوا منهم جماعة ومن جملتهم الخواجا هاشم، وكان من أبناء العجم، وكان من أخصاء ملك الأمراء خاير بك، وكان قرره في نظر المارستان ونظر جهات الجوالي، فقتل في هذه المعركة. وكان قصده أن يتوجه إلى الخنكار صحبة المباشرين.
فلما خرجت عليهم الفرنج تحارب معهم حتى قتل في المركب التي كان فيها الشرفي يونس النابلسي الأستادار، والقاضي بركات كاتب الرجع أخو القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وكان بهذه المركب يوسف البدري الوزير، والناصري محمد بن الورد لاعب الشطرنج أيضا، فلما خرج عليهم الفرنج رموا على مركبهم بالمدافع فانخرقت وغرقت، وغرق كل من كان فيها من المباشرين، وغيرهم، فغرقوهم وأموالهم التي كانت معهم جميعا، فغرق الشرفي يونس النابلسي الأستادار، وبركات كاتب الرجع، ويوسف البدري الوزير، ومحمد بن الورد لاعب الشطرنج، وقيل: سلم من الغرق مع رفيقه أحمد الإسكندراني.
ثم أشيع بأن المركب التي كان بها علاء الدين ناظر الخاص، وفخر الدين بن عوض، والقاضي أبو البقاء ناظر الأسطبل، والشرفي يونس نقيب الجيش، وأحمد الإسكندراني لاعب الشطرنج، سلمت من الغرب، فسار بها الهواء إلى نحو جزيرة إقريطش، فخرجوا وهم عراة حفاة مكشوفو الرؤوس، ومشوا نحو سبعة أيام حتى أعيوا من المشي وتورمت أقدامهم، وأشرفوا على الموت مرارا. وأما الشرفي يونس نقيب الجيش فإنه مرض هناك ومات ودفن بجزيرة إقريطش، وأما علاء الدين ناظر الخاص، فإنه مرض وعجز عن المشي حتى حمله بعض الفرنج على أكتافه. وكذلك أبو البقاء ناظر الأسطبل، وفخر الدين بن عوض فاستمروا على ذلك سبعة أيام حتى وصلوا إلى صاحب جزيرة إقريطش، فلما رآهم أحسن إليهم وكساهم، وأقاموا عنده مدة طويلة، ثم جهزهم وأرسلهم إلى إسطنبول، هكذا أشيع والعلم لله تعالى.
فلما ثبت موت هؤلاء المباشرين خرج نعيهم وطيف بالقاهرة، ودقوا عليهم بالطارات، وكان هؤلاء المباشرون تزايد ظلمهم على أولاد الناس، وضيقوا عليهم بسبب أرزاقهم، وأوقافهم وإقطاعاتهم. ولا سيما ما فعله فخر الدين بن عوض في جهات الغربية من وجوه
стр. 1577
الظلم، فكثر عليهم الدعاء من الناس، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وكان كما يقال في المعنى:
فاستغن بالسمع عن مرآهمو عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
وصاروا يفتحون على الناس أبوابا من المظالم شيئا بعد شيء، ووضعوا أيديهم على البلاد قاطبة، حتى على الأوقاف التي على الجوامع والمساجد والزوايا، وضاع على الناس خراجهم وحصل لهم الضرر الشامل، ثم أنهم أبطلوا الإقطاعات التي بالمناشير، وأدخلوها في ديوان السلطان، ثم في السنة الثانية أوقفوا الرزق التي بالمربعات الجيشية التي بيد أولاد الناس والنساء وغير ذلك، وصاروا يضعون أيديهم على بلاد الأوقاف، ويستخرجون منها الأموال ولا يفرجون عنها إلا بعد جهد كبير لمن يأخذون برطيلة.
وكانوا إذا قرروا مع ملك الأمراء شيئا من أمر البلاد يطاوعهم على الفساد، ويقول لهم: افعلوا ذلك، وهو في أيديهم مثل اللولب يدورونه كيف شاؤوا، وكان الوقت قد صفا لهم، وصاروا يتصرفون في أحوال المملكة بما يختارونه، فأخذهم الله أخذا وبيلا، ولم يجدوا لهم من الله سبيلا، وتكدرت معايشهم بعد الصفا، وخانهم الدهر بعد الوفا، وقد قلت:
إذا صفا الدهر يوما … إلى التكدر يرجع
هل من لبيب تراه … بأيسر الرزق يقنع
فليعتبر من يشاهد … لمصرع بعد مصرع
وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن الحاج الشامي قد استولت عليه الأعراب وعوقوهم عن الدخول إلى البلاد الشامية، ونهبوا أموالهم وجمالهم، وغنموا منهم أموالا لها صورة، فلما بلغ الأمير جان بردي الغزالي ذلك، خرج إلى العربان من يومه، وخرج صحبته نائب غزة بعساكر غزة، ونائب الكرك، فاقتتل مع العربان وانتصر عليهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وغنم أموالهم وما كانوا غنموه من الحاج الشامي، وهو شيء لا ينحصر، فاحتاط على جميع ما معهم، وهربوا من وجهه إلى الجبال، وخلص ما كانوا أسروه من رجال ونساء وصبيان وغلمان، فكان له الشكر على ذلك.
وفيه تزايد الضرر من الأصباهية في حق الناس، وصاروا يخطفون النساء من الطرقات، وكذلك الصبيان المرد، حتى قيل لهم: إنهم خطفوا امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية تحت دكان الذي يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها، فلم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم، ثم صاروا يقطعون الطرقات على نساء المسلمين، وعلى البياعين، وصار أهل مصر منهم في غاية الضنك والأمر لله تعالى.
стр. 1578
وفي يوم الاثنين ثامن عشريه نزل ملك الأمراء إلى الميدان، وأحضر سنان باشا أغات الأصباهية وقد صار بينه وبينهم وحشة بسبب جوامكهم، فكان يأخذ من ملك الأمراء المال ولا يصرف لهم شيئا، فلما وقع الحساب وجد في جهته لهم أحدا وثمانين ألف دينار، فاعترف أنها في جهته وسيوصلها إلى الخنكار، فحصل بينه وبين الأصباهية في ذلك اليوم تشاجر بسبب ذلك، فقالت الأصباهية لا تعطوا سنان باشا من جوامكنا شيئا من الآن، واصرفوا لنا مثل جوامك المماليك في كل شهر على البساط.
ثم في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سلخ الشهر عرض ملك الأمراء الأصباهية، فمثل ما وجد عند سنان باشا وجد في جهة فائق بك من المال، وقال مثل قوله، فكثر بينهما القيل والقال بسبب ذلك، وقد دبت عقارب الفتن بين الأصباهية وبين سنان باشا وفائق بك، وأوعدوا سنان باشا بالقتل غير ما مرة.
*****
وفي شهر ربيع الأول - وكان مستهل الشهر يوم الخميس - طلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم.
وفي يوم الاثنين خامس الشهر، نزل ملك الأمراء إلى الميدان وعرض الأصباهية وعلم من فقد منهم ومن بقي، ثم ظهر له ما كان يأخذه سنان باشا وفائق بك من جوامك الأصباهية وليس لهم وجود، فظهر زيفه في هذه الحركة.
وفي يوم الخميس ثامن الشهر قبض ملك الأمراء على طيلان رأس نوبة، وضربه بين يديه بالمقارع في الحوش ضربا مبرحا، وكان سبب ذلك أن أخت السلطان طومان باي رافعته، وذكرت أن السلطان طومان باين أودع عنده ثمانية آلاف دينار، فأنكر طيلان، وحلف أنه ما أودع عنده شيئا من ذلك، فلما تزايد الأمر من أفواه الناس بسبب هذه الوديعة، وصار طيلان ينكر ذلك، حنق منه ملك الأمراء وأمر بضربه بالمقارع، وهو لم يقر بشيء. فنزل من القلعة وهو في الترسيم حتى يحقق ذلك.
وفي يوم الأحد حادي عشره مع ليلة الاثنين، كان المولد الشريف النبوي، فجلس ملك الأمراء في المقعد الذي في الحوش السلطاني، واجتمع عنده بعض المباشرين، وخير الدين نائب القلعة، وبعض أمراء عثمانية، واجتمع عنده من القراء والوعاظ ثلاث عشرة جوفة، ثم في أواخر النهار مد سماطا لا يسمن ولا يغني من جوع، وأين هذا مما كان يعمل في مولد من تقدم من السلاطين، ثم أنه خلع على الوعاظ قفطانات واستردها بقدر هين.
стр. 1579
وفي يوم الاثنين ثاني عشره خلع ملك الأمراء على مملوكه برسباي، واستقر به أمير ركب الحاج الشريف، فنزل من القلعة في موكب حافل.
وفي يوم الخميس خامش عشره، حضر قاصد من عند نائب حماة وصحبته تقدمة حافلة إلى ملك الأمراء، وأشيع أن الأمير حان بردي الغزالي نائب الشام قد قبض على أربعة من مشايخ عربان جبل نابلس، منهم قراجا بن طراباي، فلما قبض عليهم حز رؤوسهم وأرسلها إلى الخنكار بأدرنة، فلما فعل ذلك اضطربت أحوال جبل نابلس، وصارت العربان ينهبون الضياع التي حول جبل نابلس، ويقتلون أهلها، وتزايد الغلاء بالشام من قلة الجالب إليها.
وفي يوم الثلاثاء عشريه قدمت الأخبار من الغربية بأن أينال السيفي طراباي - كاشف الغربية - قد احتال على حسن بن مرعي وأخيه شكر شيخي عربان الغربية، وهما اللذان كانا سببا لمسك السلطان طومان باي - وقد تقدم ذكر ذلك - فعزم أينال على حسن ابن مرعي وأخيه شكر في مكان بالقرب من سنهور، فأتيا إليه وأمناه وظنا أن ذنبهما قد نسي مما قد فعلاه، فكان كما يقال في المعنى:
قالت ترقب عيون الحي أن لها … عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
فلما أقاما عنده ذلك اليوم مد لهما مدة حافلة، ثم بعد ذلك أحضر لهما سفرة الشراب، فلما شربا ودخلا في السكر، هجم عليهما جماعة من المماليك الجراكسية ممن كانوا عند أينال، فعاجلوا حسنا وشكرا بالحسام قبل الكلام، فقطعوا رؤوسهما، واشتقوا منهما، حتى قيل: إن بعض المماليك الجراكسة شرب من دمهما، وبعضهم جزل لحومهما بالسيف، والمجازاة من جنس العمل، وكما تدين تدان.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريه حضر إلى القاهرة رأس حسن بن مرعي ورأس شكر، فرسم ملك الأمراء للوالي أن يعلقوهما على باب النصر، وقيل: إن رأس حسن بن مرعي لما دخلوا بها وبرأس شكر، علقوهما في رقبة فرس السلطان طومان باي الذي كان راكبا عليها لما قبضوا عليه في تروجه، فصودف أن هذا الفرس كان تحت حسن بن مرعي لما أتى إلى أينال، فعد ذلك من النوادر الغريبة، وقيل: إن عيال السلطان طومان باي لما علقت رأس حسن وشكر على باب النصر، أظهروا في ذلك اليوم الفرح والسرور، وأطلقوا الزغاريت، وتخلقوا بالزعفران. وأشيع أن أخا حسن بن مرعي كان مختفيا بالقاهرة لما قتل أخواه، فغمز عليه، فقبضوا عليه من بيت بعض أصحابه.
стр. 1580
وفي يوم الجمعة ثالث عشريه قدمت الأخبار من ثغر دمياط، بأنه قد وصل إلى الثغر قاصد من البحر أرسله الخنكار بن عثمان يطلب سنان باشا وفائق بك، فلما سمعا ذلك تنكدا لهذا الخبر، وقالا لملك الأمراء خاير بك: هذا كله شغلك أنت، تكاتب فينا الخنكار في الدس وترافع فينا عنده.
فلما وردت الأخبار بمجيء القاصد من دمياط، رسم ملك الأمراء خاير بك للقاضي بركات بن موسى بالتوجه إلى ملاقاته، فخرج إلى قليوب ورمى على البلاد من الشرقية والغربية أبقارا وأغناما وأوزا ودجاجا، فجمع في هذه الحركة فوق ألف رأس من الغنم، غير البقر والأوز والدجاج، فمد القاضي بركات بن موسى للقاصد في قليوب مدة حافلة، فأشيع أنه صنع له في تلك المدة أربعمائة رأس غنم، ومثلها أوز، ومثلها دجاج، وخمسمائة مجمع حلوى وقل: ألف مجمع.
ثم مد له في أبي الغيث مدة ثانية مثل الأولى، فلما وصل القاصد إلى هناك فإذا هم أميران أحدهما يسمى إسكندر باشا، والآخر يسمى فرحات بك، وصحبتهما من الغلمان نحو مائة إنسان، فلما انتهى أمر المدة أحضرا القاضي بركات بن موسى بين أيديهما، وقالا له: الخنكار يسلم عليك، ويقول لك بيض الله وجهك، حيث رجعت بالحجاج سالمين بخلاف ما جرى على الحاج الشامي، فقام وقبل الأرض عدة مرات، وكشف رأسه، فلما وصل القصاد إلى شبرا خرج الأمير قايتياي الدوادار إلى ملاقاتهم، وجماعة من الأمراء الجراكسة، فسلموا عليهم ورجعوا إلى دورهم.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشريه دخل القصاد إلى القاهرة وقت صلاة الصبح، فطلعوا على الجزيرة الوسطى، وأتوا من باب الخرق، وأتوا إلى تحت الربع، وتوجهوا على القربيين، فأنزلوهم في بيت الأتابكي قرقماس بن ولي الدين الذي عند حوض العظام، فأنزلوا به إسكندر باش، وأنزلوا فرحات بك في بيت الأمير كسباي المحتسب الذي عند مدرسة سودون بن زادة، فمد لهما القاضي بركات بن موسى هناك مدة ثالثة لكل واحد منهما على انفراده، واستمروا هناك يوم الثلاثاء سابع عشريه.
وطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، واجتمعوا بملك الأمراء، وقرأوا مطالعة الخنكار، فكان من مضمون تلك المطالعة، طلب سنان باشا وفائق بك وخير الدين نائب القلعة، وأرسل يقول لملك الأمراء خاير بك بأن يتوصى بالجراكسة، وأن يصرف لهم جوامكهم على العادة، ولحومهم وعليقهم، وأن ينظر في أحوال المعاملة، ويزيل عنها الغش من الذهب والفضلة، وأن يحفظ الثغور.
стр. 1581
فلما تحقق سنان باشا وفائق بك أن السلطان أرسل يطلبهما، اضطربت أحوالهما وهموا بقتل ملك الأمراء خاير بك، وعلموا أن هذا كله مما كان يراسل به الخنكار يشكو له منهما فاختفى ملك الأمراء في الحريم ثلاثة أيام لم يظهر لأحد من الناس، حتى أشيع أنه هرب من القلعة، فاضطربت أحوال القاهرة، ووزع الناس أمتعتهم في الحواصل، ولهجوا بوقوع فتنة عظيمة تخرب فيها القاهرة، وتنهب عن آخرها من الأصباهية والكملية، فأقامت الناس على وجل ثلاثة أيام.
ثم طلع القاضي بركات بن موسى إلى ملك الأمراء وقال له: ارسم للوالي بأن ينادي في القاهرة للناس بالأمان والاطمئنان، والبيع والشراء، وأن الأسواق والدكاكين تفتح وأن لا أحد يكثر كلامه ولا يتحدث في شيء لا يعنيه، ومن تكلم في شيء لا يعنيه يشنق من غير معاودة، فطاف الوالي في القاهرة وأشهر النداء بذلك.
وصار ملك الأمراء على رأسه طيرة من الأصباهية فبنى حائطا تجاه باب الستارة وصارت الإشاعات قائمة بوقوع فتنة عظيمة من الأصباهية، وكانت عدتهم نحو ألفي إنسان غير الكملية، وصاروا يركبون في كل يوم ويقفون في الرميلة، ويسبون ملك الأمراء سبا قبيحا ويهمون بالهجوم عليه.
وفيه قدمت الأخبار من الشرقية بقتل شيخ العرب علي الأسمر بن أبي الشوارب، وقد احتال عليه كاشف المنوفية وعزم عليه، وأسكره وهجم عليه داوداره فقتله بغتة ولعب فيه بالسيف، فلما جرى ذلك خاف شيخ العرب حسام الدين ابن بغداد على نفسه، فاختفى مدة أيام، وقد قوى عزم المماليك الجراكسة من حين قتل الأمير أينال كاشف الغربية حسن بن مرعي وشكرا أخاه.
وفيه تغير خاطر ملك الأمراء علي يونس الجلبي، قيل: إن أصله فلاح من الشرقية، فبقي أستادارا وكان له مقدار عند ملك الأمراء بسبب انسحاب المال على الجامكية، فبطحه في الحوش وضربه ضربا مبرحا نحو ستمائة عصا، فنزل إلى بيته وهو مسطوح على حمار، فأقام أياما ومات من الضرب.
*****
وفي شهر ربيع الآخر، في يوم الاثنين رابعه، وقعت فتنة عظيمة بالقلعة بين الأصباهية والانكشارية من عسكر ابن عثمان، قتل فيها من الأصباهية شخص، وقيل: اثنان، فرسم ملك الأمراء للانكشارية بأن يقيمون بالقلعة دائما، ولا ينزلوا إلى المدينة، فبطل أمر الانكشارية الذين كانوا يجلسون على أبواب المدينة، وتشتكي الناس في خلاص الحقوق
стр. 1582
منهم، فرسم لهم ملك الأمراء بأن يسكنوا بأطباق المماليك التي بالقلعة، ولا ينزلوا إلى المدينة أبدا، وكان يحصل منهم غاية الفساد في حق الناس، ومن خطف النساء والصبيان، والضيافات والبضائع من أيدي المتسببين، وضج الناس من ذلك.
وفيه أشيع أن سنان باشا وفائق بك قد برزا خيامهما في الريدانية بسبب السفر إلى إسطنبول، وأشيع أن سنان وفائق يتوجهان من البحر وبركهم يتوجه من البر.
وفي يوم الاثنين حادي عشره خرج سنان باشا وفائق يتوجهان من البحر وبركهم يتوجه من البر.
وفي يوم الاثنين حادي عشره خرج سنان باشا وفائق بك وتوجها إلى بولاق، وشقا من الصليبة في موكب حافل، وقدامهما الأصباهية قاطبة والانكشارية، وألبس كل منهما قفطانا مخملا، وقيل؟ أنعم على كل واحد منهما بألف دينار، فاستمر معهما العسكر العثماني حتى أنزلوهما في المراكب من بولاق، وساروا في البحر إلى ثغر دمياط، ومن هناك نزلوا في الأغربة.
وفي يوم الجمعة خامس عشره، انتهى العمل من الجامع الذي أنشأه المقر الشهابي أحمد بن الجيعان الذي عند بركة الرطلي، بالقرب من حدرة الفول، وخطب به في ذلك اليوم، وكان مسجدا قديما بني في دولة الناصر محمد بن قلاوون سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ودفن به الشيخ خليل الرطلي، وهو الذي تنسب إليه بركة الرطلي، فاستمر على ذلك حتى خرب فجدده الصاحب سعد الدين بن إبراهيم البشيري في دولة الملك المؤيد شيخ، فأقام مدة طويلة وجعل به خطبة لكونه كان بجوار بيته الذي بالبركة، فاستمر على ذلك إلى أن خرب، وأقام مدة طويلة وهو خراب، فجدد بناءه القاضي شهاب الدين أحمد بن الجيعان نائب كاتب السر في هذه السنة، فاجتمع به في ذلك اليوم القضاة الأربعة، وأعيان الناس من المباشرين، وغيرهم، وخطب به ذلك اليوم قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل، فخطب به خطبة بليغة في معنى إنشاء الجوامع.
فلما انقضى أمر الصلاة أحضر الشهابي أحمد بن الجيعان زبادي صيني فيها سكر نحو عشرين زبدية فطاف بها على الناس. ثم قامت جماعة من المنشدين وأنشدوا قصائد في إنشاء هذا الجامع، من نظم جمال الدين السلموني الشاعر، وعبد اللطيف الدنجيهي، وغيرهما من الشعراء.
ثم أن الشهابي أحمد بن الجيعان قرر بهذا الجامع حضورا من بعد العصر، وصوفية، وجعل شيخ الحضور الشيخ نور الدين علي بن ناصر شيخ حضور الشافعية، وشيخ
стр. 1583
الحنفية هو شهاب الدين أحمد بن الصائغ، وقرر شيخ الحديث الشريف الشيخ شمس الدين الضيروطي.
وفي يوم الأحد سابع عشره أشيع أن الملوك الذي قتل علي الأسمر ابن أبي الشوارب، قد قبض عليه الكاشف، وأحضره إلى ملك الأمراء، فرسم بشنقه فشنق على بابه زويلة، وقيل؟ إن أصله من مماليك الأتابكي سودون الدوادار، فأرضى ملك الأمراء مشايخ العربان بشنق هذا الملوك.
وفي يوم السبت ثالث عشريه وقعت فتنة كبيرة بين الأصباهية والانكشارية، فأغلقوا باب السلسلة وباب الميدان في ذلك اليوم، واستمر الشر عمالا بين الفريقين إلى ما بعد الظهر، فنزل الكيخية الكبير ليصلح بين الفريقين فضربوه فولى هاربا.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه، كان يوم فطر النصارى وهو أول الخماسين.
*****
واستهل شهر جمادى الأولى بيوم السبت، فطلع قضاة القضاة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم.
ومن الحوادث في ذلك اليوم، أن ملك الأمراء أحضر طائفة الانكشارية إلى القلعة، ورسم لهم أن يحضروا بمكاحلهم والبندق الرصاص الذي عندهم، فلما أحضروا ذلك رسم ملك الأمراء بإدخال تلك المكاحل والبندق الرصاص في الزردخاناه، ورسم للانكشارية بأن يقيموا في الأطباق التي بالقلعة ولا ينزلون إلى المدينة أبدا، فشق ذلك عليهم إلى الغاية، وانتصفت عليهم طائفة الأصباهية.
وفي يوم الأربعاء خامسه نزل ملك الأمراء في مركب وعدى إلى المقياس، فأقام به إلى آخر النهار، ثم توجه في المركب إلى قصر ابن العيني الذي بمنشية المهراني، ثم توجه من هناك إلى بولاق وأقام بالسبتية. ثم طلع إلى القلعة في أواخر النهار وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية.
وفيه خلع على القاضي شرف الدين الصغير، والقاضي شرف الدين بن عوض، واستقر في التحدث في جهات الشرقية، عوضا عن يونس الذي كان أستادارا ومات تحت العقوبة.
وفي يوم الأحد تاسعه خرج القاضي بركات بن موسى المحتسب، إلى مساحة بلاد الصعيد واستخراج المغل الذي بها، وكانت هذه وظيفة الأمير يشبك الدوادار، والأمير أقبردي الدوادار، وغيرهما من الدوادارية، فخرج في موكب حافل وقدامه الانكشارية
стр. 1584
يرمون بالنفوط، وسافر معه جماعة من المماليك الجراكسة، وفعل في أمر السنيح والخيام والبرك ما عجز عنه الأمراء المقدمون، وقد ساعدته الأقدار على بلوغ الأوطان ورأى من العز والعظمة في دولة ابن عثمان ما لم يره في دولة السلطان الغوري.
وفي يوم الخميس ثالث عشره توفي الشيخ صالح المعتقد عبد الرحمن البهنساوي، الذي كان مقيما بالمدرسة البرقوقية، وكان للناس فيه اعتقاد.
وفيه عرض ملك الأمراء خاير بك طيلان رأس نوبة، وضربه بين يديه بالمقارع ثانيا، وسبب ذلك أنه تأخر عليه ألفا دينار مما كان تقرر عليه من المال الذي يورده، ثم بعد الضرب أرسله إلى سجن الديلم فأقام به.
وفيه قبض ملك الأمراء على جماعة من اليهود من معلمي دار الضرب، ومن الصيارف، وسبب ذلك أن معاملة السلطان ابن عثمان في الذهب والفضة قد ذهبت وفسدت وصارت كلها غشا وزغلا. فقبض على معلم دار الضرب وألزمته بأن يورد إلى الخزائن الشريفة مائة ألف دينار، وأن المعلمين بدار الضرب قاطبة يتوجهون إلى نحو إسطنبول أو يلتزمون بإصلاح المعاملة، فلما جرى ذلك أغلظ عليه جماعة من اليهود، وقالوا له: أرنا مرسوم الخنكار إن كان أرسل يطلبنا إلى إسطنبول وأقاموا أياما بالسجن حتى يكون من أمرهم ما يكون.
وفيه تغير خاطر ملك الأمراء على الأمير كمشبغا والي القاهرة فحنق كمشبغا من ملك الأمراء، فلما نزل إلى بيته أغلق الباب وطرد النقباء عن بابه، ورفع دكته وأقام أياما لم يخرج من بيته، فنزل إليه الأمير جانم الحمزاوي، وطلع به إلى ملك الأمراء وقابله به، فخلع عليه قفطانا مخملا، ونزل إلى داره على عادته بعد ما كان أشبع وقوع فتنة عظيمة وقل: إنه أورد إلى ملك الأمراء ستة آلاف دينار.
وفيه أشيع أن ملك الأمراء خاير بك قد ضرب زوجته خوند مصرباي الجركسية، ضربا مبرحا حتى كادت أن تموت، ولم يعلم ما سبب ذلك، وكثر في ذلك القال والقيل.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه حضر من عند الخنكار أولاق يبشر بمجيء عسكر عوضا عن الأصباهية الذين بمصر، وقد عين الخنكار عسكرا وهو في أدرنة بأن يحضروا إلى مصر، وزعم هذا القاصد أنه أتى من أدرنة إلى مصر في أحد وعشرين يوما، وكانت الأصباهية قد تقلقوا من الإقامة بمصر، فجاء هذا الأولاق يبشر بمجيء العسكر حتى تطمئن الأصباهية بذلك.
*****
стр. 1585
وفي شهر جمادى الآخرة وكان مستهر الشهر يوم الاثنين، طلع القضاة الأربعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم.
وفي يوم الثلاثاء تاسعه توفي طيلان رأس نوبة وقد نال من الضرب بالمقارع كما تقدم، فاستمر عليلا حتى مات، وكان من وسائط السوء، ظالما عسوفا من جملة أعوان الظلمة.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشره حضر قاصد أيضا من عند الخنكار وأخبر أن الفرنج قد تحركت على الخنكار، وأرسل يقول لملك الأمراء بأن يحفظ الثغور، ويحصن ثغر الإسكندرية وثغر دمياط بالمكاحل وآلة السلاح وغير ذلك.
وفي يوم السبت عشريه طلع ابن أبي الرداد ببشارة النيل، وأخذ القاع فجاءت القاعدة ستة أذرع وعشرين أصبعا أرجح من العام الماضي بعشرة أصابع، وكانت الزيادة أول يوم خمسة أصابع، فتفاءل الناس بذلك.
وفي يوم الاثنين ثاني عشريه حضر شخص شريف من عند ابن عثمان، وزعم أنه قد قرره في نقابة الأشراف، وأظهر مرسوم الخنكار بذلك. وأشيع أن الخنكار أرسل يطلب الأصباهية بأن يتوجهوا إلى إسطنبول فأخذوا في أسباب عمل برقهم.
وفي يوم السبت سابع عشريه، خلع ملك الأمراء على القاضي عبد العظيم، واستقر به في التحدث في نصر الحسبة الشريفة، عوضا عن الزيني بركات بن موسى، وكان مسافرا نحو الصعيد كما تقدم، وكان سبب ذلك أن ابن موسى لما سافر إلى الصعيد جعل شخصا من العثمانية متحدثا عنه في الحسبة إلى أن يحضر من السفر، فضاعت أحوال المسلمين في هذه الأيام، ووقع الغلاء بالديار المصرية، وتشحطت الغلال، وعز وجود الخبز في الأسواق وتناهى سعر الأردب القمح إلى ألف درهم، وتناهى سعر البطة الدقيق إلى عشرين نصفا، وعز وجود الشعير والفول والتبن، فضج الناس من ذلك، وعز وجود الأجبان والسمن والشيرج وغير ذلك، فتوجه طائفة من التركمان إلى بيت ابن موسى، وضربوا المباشرين والرسل الذي على الباب، وهرب التركماني الذي كان يتحدث في الحسبة.
ثم أن التركمان توجهوا إلى بيت القاضي عبد العظيم، وهجموا عليه في حريمه، وأخذوه وأركبوه غصبا وطلعوا به إلى ملك الأمراء، وقالوا له: إن لم تول هذا الحسبة وإلا تحرب مصر على أيامك وتنهب المدينة عن آخرها، فما وسع ملك الأمراء إلا أن أحضر له قفطانا وأفاضه عليه، واستقر به ناظر الحسبة عوضا عن ابن موسى، فنزل من القلعة بعد العصر، وشق من القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس، وكان
стр. 1586
محببا لأهل مصر قاطبة، ففرح كل أحد من الناس بولايته، وظهر الخبز في ذلك اليوم على الدكاكين وقد تفاءل الناس بكعبه بالرخاء، وسكن ذلك الاضطراب الذي كان فيه الناس قليلا.
وفي هذه الأيام توقف النيل عن الزيادة أياما فقلق الناس لذلك.
وفي يوم الاثنين سلخ الشهر ثارت طائفة من الأصباهية على الأمير جانم الحمزاوي وهو نازل من القلعة، وعينوا له الضرب، وقالوا له: قل لملك الأمراء قد متنا من الجوع نحن وخيلنا من قلة الموجود، فلا نلتقي في الأسواق خبزا ولا شعيرا فإما يأذن لنا بالسفر أو يكفينا من القوت، فما خلص منهم الأمير جانم الحمزاوي إلا بعد جهد كبير، وذكروا أن لهم ثلاثة أشهر جامكية مكسورة في الديوان.
*****
وفي شهر رجب، وكان مستهله يوم الثلاثاء، طلع القضاة الأربعة وهنأوا ملك الأمراء الشهر وعادوا إلى دورهم، وقد قلق الناس من أمر الأصباهية. ثم أن النيل استمر في التوقف لم يزد شيئا، فأمر ملك الأمراء بإبطال المحرمات من النبيذ والحشيش والبوزرة، ومنع بنات الخطأ من عمل الفواحش.
ثم أن الوالي قبض على امرأة يقال لها: أنس وكانت ساكنة في الأزبكية تجمع عندها بنات الخطأ اللاتي يعملن الفاحشة، وكان عليها مبلغ مقرر تورده كل شهر للوالي، وكان أمرها مشهورا، فرسم ملك الأمراء بتغريقها هي وامرأة أخرى يقال لها: بدرية، زوجة أحد من الناس يقال له: البغيضي، كانت ماشية على طريقة أنس هذه في جمعها البنات الخطأ، فلما قبض الوالي على أنس توجه بها إلى قصر ابن العيني الذي في المنشية، وغرقها هناك بعد العصر، فاجتمع الجم الكثير من الناس بسبب الفرجة عليها، وكان يوما مشهودا، فغرقت على النداء والإجهار، وأراح الله تعالى المسلمين وطهرت الأرض منها.
وفي يوم الجمعة رابع الشهر صلى ملك الأمراء صلاة الجمعة بالقلعة، ثم نزل منها وتوجه إلى المقياس وقرأ هناك ختمة ومد مدة حافلة للفقراء، واستمر النيل سبعة أيام لم يزد فيها شيئا وأشيع أنه نقص أربعة أصابع، فقلق الناس لذلك ووقع الغلاء في سائر البضائع والأصناف.
وفي يوم السبت خامس رجب زاد الله في النيل المبارك أصبعا واحدا بعد أن وفي النقص، ففرح الناس بذلك وسكن الاضطراب الذي كان بمصر قليلا، وفي ذلك يقول الناصري محمد بن قانصوه:
стр. 1587
قد أصبح الخزان مذ زاد … هذا النيل بعد النقص في بوسي
وقد عدا يقرا على قمحه … قراءة تنسب للسوسي
فلما زاد النيل هذا الأصبع وسكن الاضطراب شرع القاضي عبد العظيم المحتسب في تسعير البضائع قاطبة، فانصلحت أحوال الديار المصرية قليلا، ووقع الرخاء وتفاءل الناس بكعبه بالحير، وقد قلت في المعنى:
يا قاصيا قد عدا بالله محتسبا … على الأعادي ولا يخشى من الباس
رخصت أسعارنا من بعد ما عليت … وحزت حسن الثنا من ألسن الناس
لما توليت زاد النيل وانفرجت … وقد حزى كل خزان ودراسي
إن زال هذا الغلا من مصر لا عجب … فكعبكم أخضر يزهو على الآس
ومن الحوادث أنه في يوم الخميس عاشر رجب، وقعت واقعة شنيعة، وهي أن إسكندر بك أحد أمراء ابن عثمان الذي كان حضر إلى مصر عوضا عن سنان باشا، لما أقام بمصر صار يعارض قضاة القضاة في الأحكام الشرعية، فوقع بينه وبين نور الدين علي الميموني نقيب قاضي القضاة الشافعي.
ثم أنه في يوم الخميس رسم بعزل علي الميموني من النقابة، ولم يكتف بذلك حتى أنه تكلم مع ملك الأمراء في نفيه فنفاه إلى دمنهور، وأخرجه من يومه.
ثم أن ملك الأمراء رسم بإبطال نقباء قضاة القضاة الأربعة، فعزل من النقابة شهاب الدين أحمد بن سرين نقيب قاضي القضاة الحنفي، وعزل نقيب قاضي القضاة المالكي شمس الدين الدميري، وعزل من النقابة ابن قاضي القضاة الحنبلي، ومنع جماعة من الوكلاء ومن الرسل أيضا، وحصل لقضاة القضاة منه غاية الضنك بسبب نقبائهم.
وقد تقدم القول: إن ملك الأمراء لما توقف النيل سبعة أيام أمر بإبطال بيوت الحشيش وبيوت الخمرة وبيوت البوزة وعرق أنس التي كانت تجمع عندها بنات الخطأ اللاتي كن يعملن الفاحشة من أمر الزنا، فلما زاد النيل رجع كل شيء على حاله، وسبب ذلك أن العثمانية تعصبوا في إعادة ذلك، فإن أكثرهم كان يبيع البوزة في الدكاكين ورسم ملك
стр. 1588
الأمراء بأن أولاد أنس لا يعارضون فيما يفعلون من جمع بنات الخطأ، كما كانت تفعل أمهم أنس.
وفي هذا اليوم قدمت الأخبار من حلب بأن الخنكار أرسل عسكرا يقيمون بمصر عوضا عن الأصباهية الذين كانوا بها.
وفي يوم السبت ثاني عشرة رسم ملك الأمراء بشنق شخص سروجي فشنق عند باب خان الخليلي وسبب ذلك أنه كان له عبد فباعه لبعض المماليك الجراكسة، فهرب وخدم عند بعض التركمان، ثم أن السروجي توجه إلى سيدي أحمد البدوي، فصادف ذلك العبد هناك فقبض عليه وأحضره إلى القاهرة، فهرب ذلك العبد من بيت السروجي وأتى إلى التركماني، وادعى أنه لم يكن في ملك السروجي وأنه معتوق، فطلع التركماني وقص خبر العبد على ملك الأمراء، فأحضر ذلك السروجي وأخبر أنه قد باعه لمملوك جركسي، وقتل في الواقعة ومضى أمره، فلم يثبت للسروجي عليه حق فأغلظ السروجي على ملك الأمراء في القول فحنق منه ملك الأمراء ورسم بشنقه فشنق عند خان الخليلي، فقيل: إن السروجي سأل ملك الأمراء أن يفدي نفسه من الشنق بخمسمائة دينار، فأبى ملك الأمراء من ذلك، وشنق فراح ظلما.
وفي يوم الاثنين رابع عشره وقعت حادثة مهولة وهي: أن جماعة من الكملية والأصباهية وقفوا إلى ملك الأمراء يطلبون منه جوامكهم عن ثلاثة أشهر، ويأذن لهم بالسفر إلى بلادهم، فلم يلتفت إليهم، فنزلوا من عنده ووقفوا بالرميلة، فلما طلع الأمير جانم الحمزاوي أحاطوا به وضربوه وأنزلوه عن فرسه، وأرادوا قطع رأسه، فهرب ودخل إلى الميدان وهو مكشوف الرأس، فوقف في وجوههم شخص من أمراء الجراكسة يقال له:
الأمير بخشباي - الذي كان كاشف البهنسا - فرموا غبنهم فيه فضربوه بالسيوف حتى أشيع موته، فحملوه وأدخلوه إلى باب السلسلة وفيه بعض نفس.
ثم أن الكميلة استمروا بالرميلة طالبين شرا مع الجراكسة، وانفتح بينهم باب الشر بسبب جانم الحمزاوي، ثم أنزلوا الأمير بخشباي إلى بيته فأقام إلى يوم الأحد عشريه ومات، وقد جرح في رأسه جرحا بالغا ومات به، وأشيع أن ملك الأمراء كتب محضرا بأن الكملية قتلوه وأرسل ذلك المحضر إلى الخنكار بأدرنة، ثم حضر جماعة من الأمراء الجراكسة وصلوا على الأمير بخشباي، وكانت له جنازة حافلة وصنعوا قدامه كفارة.
وفيه قدمت الأخبار من حلب بوفاة القاضي محب الدين محمود ابن القاضي شمس الدين محمد بن أجا الحلبي، وكان رئيسا حشما أصيلا عريقا فاضلا، ولي قضاء الحنفية بحلب، ثم ولي كتابة السر بالديار المصرية، وأقام في هذه الولاية ست عشرة سنة، وهو
стр. 1589
عزيز في مصر نافذ الكلمة وافر الحرمة، وهو آخر كتاب السر بالديار المصرية ولم يوجد بعده من يناظره في الرياسة والتعاظم والنظام، ومشى مشي الرؤساء المتقدمين في كتابة السر، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، ومات وهو في ست وأربعين سنة، وكان كثير الأمراض في جسده، وأكثر إقامته في داره، والناس تسعى إليه في أشغالها، ولما مات رثاه الأديب ناصر الدين محمد بن قانصوه بهذه المرثية:
ألا في سبيل الله نجل أجا الذي … يكل إذا عدت فضائله الفكر
فضائله كالزهر والزهر ذكرها … ومنظرها إذ فيهما النشر والبشر
كنجم بأفق الملك كان كم اهتدى … به من بليل الهم ضل به الحجر
كتابة سر الملك مات لكونها … به ختمت والسر من بعده جهر
لذا كان محمودا وبالقلب ذكره … رعى الله محمودا له الحمد والشكر
فمن مثل محمود ومن مثل قلبه … وذا القلب ممدوح يلذ به الذكر
لقد كان كالنعمان في العلم والسخا … وفي الفخر نعم العلم والجود والفخر
له فكرة كانت تمد يراعه … بدائع لفظ نظم إبداعها الدر
لعمرك ما في الفصل والوصل مثلها … بيان معانيها لرب الحجا سحر
أرى الله منه الروح روحا تفضلا … عليه وريحانا وزيد له الأجر
وصير قبرا ضمه خير روضة … يطيب بها فيه له اللف والنشر
وفي يوم الخميس رابع عشريه ثارت الأصباهية على ملك الأمراء وطلعوا إلى الرميلة، ووقفوا بها فأغلقوا في وجوههم باب السلسلة، وباب الميدان، فصاروا يسبون ملك الأمراء سبا فاحشا، وكان سبب ذلك أنه كان لهم ثلاثة أشهر جامكية منكسرة فأنفق عليهم شهرين وتأخر شهر واحد، فقالوا: ما نسافر حتى تنفق علينا الشهر المنكسر، وإلا نزلنا فنهبنا المدينة وشوشنا على الناس، فوقع الاضطراب بالقاهرة، وغلقت الأسواق والدكاكين في ذلك اليوم.
ثم أن الأصباهية توجهوا إلى بيت الأمير قايتباي الدوادار، وأركبوه من بيته غصبا وطلعواه إلى ملك الأمراء، وطلعوا أيضا بالأمير كمشبغا الوالي فاجتمعا بملك الأمراء وحدثاه في أمر الأصباهية بأن ينفق عليهم ذلك الشهر الذي تأخر لهم، فتوقف في ذلك. ثم رسم لهم بأن ينفق عليهم ذلك الشهر فيما بعد، وأخذوا في أسباب عمل برقهم والتوجه إلى إسطنبول.
وفيه أشيع أنه حضر من إسطنبول جماعة ممن كان بها من السيوفية والحدادين والبنائين والنجارين والمرخمين وغير ذلك من الصناع، وأشيع أن الخنكار أنشأ له هناك
стр. 1590
جامعا وحماما، فلما انتهى العمل منهما وقفوا له وقالوا له: إن خلفنا أولادا وعيالا وقد أنهينا العمل الذي رسم به الخنكار وما بقي لنا شغل، فرسم لهم بالعود إلى بلادهم، وكتب لكل واحد منهم ورقة بعدم المعارضة، وحضر صحبتهم أيضا الجمالي يوسف ابن نقيب الجيش بن أبي الفرج وشخص من أقارب ابن الطولوين، وقد أقاموا لهم ضمانا بإسطنبول بأن يتوجهوا إلى مصر، ويقضوا أشغالهم، ثم يعودوا إلى إسطنبول، وأخبر الجمالي يوسف بوفاة جماعة كثيرة من الأعيان الذين توجهوا من مصر إلى إسطنبول، ولم تحضرني أسماؤهم.
*****
واستهل شهر شعبان بيوم الخميس فطلع القضاة الأربعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم.
وفي يوم الثلاثاء سادس الشهر حضر القاصد الذي أرسله الخنكار بطلب الأصباهية، وقد أرسل عسكرا صحبة ذلك القاصد عوضا عن الأصباهية، فلما وصلوا إلى الريدانية، رسم لهم ملك الأمراء بأن يطلعوا من بين الترب، ولا يشقوا من القاهرة، قيل: إن عدتهم دون ألف نفس، والباشا الذي عليهم يقال له: قراموسي. فلما وصل تحت القلعة أنزله ملك الأمراء بالميدان الذي تحت القلعة، فنصب خيامه به، وصارت التركمان الذين حضروا صحبته يهجمون على الناس في بيوتهم ويسكنون بها.
فلما كان يوم الاثنين ثاني عشره خرج إسكندر بك وخرج صحبته الأصباهية الذين كانوا بمصر قاطبة، فكان هو الباشا عليهم، فشق عليه خروجه من مصر، وكان هو المشار إليه في أمور الديار المصرية، وصار يعارض قضاة القضاة في الأحكام الشرعية، فقلق الناس منه إلى الغاية حتى بعث الله تعالى بالفرج وأخرجه من مصر عاجلا. فلما خرج إسكندر، نزل إليه ملك الأمراء وودعه وأنعم عليه بأشياء كثيرة من مال وخيول وزوادة وغير ذلك، ولما دخلت هذه الطائفة من التركمان إلى مصر صارت الناس تضيق أبوابها حتى لا يدخل منها راكب لأجل التركمان.
وفي يوم الأربعاء رابع عشره رسم ملك الأمراء بشنق سبعة أنفار من طائفة الكملية، قيل: هم الذين قتلوا الأمير بخشباي كما تقدم، فشنق منهم ستة أنفار على شجرة النبق التي عند مدرسة السلطان حسن، والآخر شنق عند باب النصر، فشق ذلك على الكملية، ولم يطلع من أيديهم شيء.
стр. 1591
وفي يوم الجمعة سادس عشر شعبان كان وفاء النيل المبارك، ووافق ذلك تاسع عشر مسري، ففتح السد يوم السبت سابع عشر شعبان الموافق لعشري مسري، فأوفى الله الستة عشر ذراعا، وزاد من الذراع السابع عشر أصبعين. وفتح السد في العام الماضي ليلة النصف من شعبان، فكان التفاوت بينهما يومين، وقد قال الناصري محمد بن قانصوه:
شاهدت عند النيل يوم الوفا … حرزا عظيما جانب الشط
للعين والنظرة فيه غدت … كتابة بالكسر والبسط
فلما طلع ابن الرداد، وأخبر ملك الأمراء بوفاء النيل المبارك، نزل من القلعة وتوجه إلى المقياس، وخلق العمود ومد هناك مدة حافلة، ثم قدموا له المركب الغراب الذي كان عمره السلطان الغوري، فنزل فيه وتوجه إلى نحو السد الذي عند رأس المنشية، ففتحه وأظهر التعاظم في ذلك اليوم، وفرق المجامع الحلوى، والمشنات الفاكهة، وكان ذلك اليوم مشهودا من كثرة المراكب والنفوط والطبول والزمور. ثم ركب ملك الأمراء من هناك وتوجه إلى القلعة، ثم توجه الأمير كمشبغا الوالي ففتح السد الذي عند قنطرة لسد، وفتح سد قنطرة قديدار، ورجع إلى داره، وكان يوما مشهودا، وقد عمت هذه الفرجة كل الناس.
وفيه أنفق ملك الأمراء الجامكية على المماليك الجراكسة، فأنفق لهم شهرين، وكان لهم جامكية أربعة أشهر مكسورة. ثم أن القاضي شرف الدين الصغير، عوق جوامك جماعة من أولاد الناس بسبب ذلك.
وفيه تغير خاطر ملك الأمراء على جان بك كاشف الشرقية، فأرسل بالقبض عليه وإحضاره في الحديد وقد كثرت فيه الشكاوى من الناس، واستغاثوا من ظلمه، فلما حضر بين يدي ملك الأمراء وبحه بالكلام، ثم وضع جنزيرا في عنقه، وقيدا في رجليه، وأرسله صحبة جماعة من الانكشارية إلى الشرقية، ورسم بإشهار المناداة في الشرقية بأن من ظلمه جان بك كاشف الشرقية، عليه بملك الأمراء يخلص حقه، ثم عزل جان بك من كشف جهات الشرقية، وقرر شخصا من الأتراك يقال له: إياس، وكان دوادارا بخدمة خاير بك المعمار قديما، وقد تعين باش العسكر الذي كان قد تعين إلى جدة ولم يتم له ذلك.
ثم أن ملك الأمراء في عقيب ذلك، أرسل بالقبض على أينال السيفي طراباي كاشف الغربية، وأحضره في الترسيم، واستمر على ذلك إلى الآن لم يخلص من الترسيم.
стр. 1592
وفي أواخر هذا الشهر قدمت الأخبار من مكة المشرفة بوفاة ابنة العلائي علي بن خاص بك، وهي أخت خوند زوجة الأشرف قايتباي، وكانت رئيسة حشمة في سعة من المال، وقد تزوجت بعدة أمراء مقدمي ألوف، وهي حماة الأشرف طومانباي، جاورت بمكة وتوفيت هناك.
وفي يوم الخميس آخر الشهر، كانت ليلة رؤية هلال رمضان، فتوجه قضاة القضاة إلى المدرسة المنصورية التي بين القصرين، وحضر القاضي عبد العظيم المحتسب، فلما رؤي الهلال وانفض المجلس، قام القاضي عبد العظيم وركب من المدرسة المنصورية، فلاقته الفوانيس والمشاعل من هناك، وعلقت له القناديل على الدكاكين، ومشت قدامه الشموع والسقاؤون بالقرب كما كان يصنع القاضي بركات بن موسى الحتسب، فاستمر في هذا الموكب الحافل من بين القصرين إلى بيته الذي في باب النصر، والرسل قدامه بالشموع الموقودة، وكانت تلك الليلة من الليالي المشهودة في الفرجة والقصف، وفيه يقول الأديب ناصر الدين محمد بن قانصوه:
كعب عبد العظيم كعب رخاء … ريح تسعيره الرخاء رخاء
باشر الحسبة الشريفة في المح … ل فراح الغلا وجاء الرخاء
من كذا كعبه لدى المحل خصب … فهو طب للداء فيه دواء
دام فيها مدير الحكم بالحك … مة ما قابل الصباح المساء
*****
واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة، فطلع القضاة الأربعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ومما وقع في ذلك اليوم أن قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل تكلم مع ملك الأمراء في ذلك المجلس بسبب نقيبه نور الدين علي الميموني، وقد تقدم القول: إن ملك الأمراء نفاه إلى دمنهور، فلما كلمه القاضي كمال الدين بسبب ذلك رسم بإعادته إلى مصر، بشرط أن يكون بطالا، ولا يتكلم في النقابة بباب القاضي أبدا، ومنع بقية القضاة أن يجعلوا لهم نقباء على أبوابهم، ثم انفض المجلس على ذلك وقامت القضاة.
стр. 1593
وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان كان يوم النوروز، وهو أول السنة القبطية سنة خمس وعشرين وتسعمائة الخراجية.
وفيه قدمت الأخبار من مكة بأن في البحر المالح قبالة جدة نحو أربعين مركبا من مراكب الفرنج يعبثون بالتجار ويقطعون عليهم الطرقات، فلما بلغ ملك الأمراء ذلك عرض جماعة من المماليك الجراكسة وغيرهم، وعين منهم نحو ثلثمائة مملوك وكملية يتوجهون صحبة الحجاج، ويقيمون بجدة خوفا من أن يطرقها بعض الفرنج على حين غفلة.
وفيه أشيع بين الناس أن قاسم الشرواني الذي كان استقر في نيابة جدة، جمع المال الذي تحصل من جدة فوضع يده عليه، وأخذ المكاحل التي كانت هناك والسلاح، ونزل في مراكب وتوجه نحو بلاد هرمز، فتنكد ملك الأمراء لهذه الأخبار الردية.
وفيه حضر شخص يقال له: كيخية أرسله ابن عثمان يقيم بمصر عوضا عن أغات الانكشارية الذي كان بمصر، فإنه أراد الحج في هذه السنة إلى بيت الله الحرام.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر رمضان قبض على شخص من تجار الوراقين يقال له:
المحلاوي، وكان قبيح السيرة مشهورا يأكل الربا، وقد أنهوا في حقه أنه يبيع الخمر والمعجون للتركمان في شهر رمضان، وقد شهد عليه جماعة من الوراقين بذلك. فلما عرض على ملك الأمراء بالميدان رسم بتسليمه إلى الوالي حتى يحرر ما يكون من أمره، فتسلمه الوالي ونزل به إلى داره ليعاقبه حتى يفر بما قيل عنه من بيع الخمر والمعجون، وقد شهد عليه جماعة من الوراقين بذلك فلما عرض على ملك الأمراء بالميدان رسم بتسليمه أوعده ملك الأمراء بالشنق بعد العيد، فلما نزل به الوالي إلى بيته قصد أن يكتب محضرا بسيرته، فجاء إليه جماعة من الانكشارية من أصحاب المحلاوي الذين كان يبيع لهم المعجون، فمنعوا الوالي من ذلك وأغلظوا عليه في القول، ثم توجهوا إلى سوق الوراقين وضربوا التجار الذين تعصبوا على المحلاوي، وقصدوا نهب التجار، فأغلقوا الدكاكين قاطبة.
فلما كان يوم الأربعاء عشري رمضان طلع التجار إلى ملك الأمراء وأخبروه بما جرى من الانكشارية فحنق منهم ورسم للوالي بأن يوسط المحلاوي على باب الميدان، فوسطه هناك مسرعا، ولم تنتطح في ذلك شاتان.
ثم قبضوا على عبد المحلاوي فادعى أنه قد أعتقه أستاذه قبل أن يتوسط، فقطع الوالي أذنه وأطلقه إلى حال سبيله، فعد ذلك منالحوادث المهولة. وما كان يجب على المحلاوي توسيط فراح ظلما.
стр. 1594
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه وقع من الحوادث أن ملك الأمراء كان وضع في الرميلة - عند القماحين تجاه سبيل المؤمنين - فلقين خشب نخل كهيئة المشنقة، ووضع فيهما حبالا وكلاليب حديد كبارا. وأشيع بين الناس أن ملك الأمراء يقصد بعد العيد أن يشنق جماعة من مشايخ العربان ويشنق جاني بك كاشف الشرقية، وأينال كاشف الغربية، ويشنق جماعة من الكملية والانكشارية، فجاؤوا إلى تلك المشنقة ورموا الأخشاب التي هناك، وقطعوا الكلاليب والحبال، ثم توجهوا إلى بيت كمشبغا الوالي وقصدوا أن يهجموا عليه، ثم ضربوا النقباء الذين على بابه، ثم توجهوا إلى الوراقين وقصدوا أن يقتلوا الجماعة الذين كانوا تعصبوا على المحلاوي حتى وسطوه، وكادت أن تكون فتنة عظيمة، وباتوا على ما كانوا عليه من طلب الشر مع ملك الأمراء.
وفي يوم السبت ثالث عشريه ثارت الكملية والانكشارية، وطلعوا إلى الرميلة، وقصدوا نحو المماليك الجراكسة، وكان الأمير قايتباي الدوادار واقفا قدام باب السلسلة، فلما رأى التركمان وتزايد الأمير منهم، سل السف هو ومن معه من الأمراء الجراكسة، وقصدوا مقاتلتهم، وأغلظ التركمان على المماليك الجراكسة، وقالوا لهم: إيش أنتم واقفون تتفرجوا علينا، نحن في بعضنا نفتتن، إيش أدخلكم بيننا، ثم انفض ذلك الجمع على غير رضا، ونزل كل أحد إلى دادره، ثم أن التجار نقلوا أمتعتهم ممن الدكاكين خوفا من النهب، واختفى غالب تجار سوق الوراقين المعينين الذين كانوا تعصبوا على المحلاوي.
وفي يوم السبت المذكور توجه جماعة من الانكشارية والأصباهية إلى بيت شخص من تجار الوراقين يقال له: كريم الدين البلدي، فنهبوا كل ما فيه، وقبضوا على أولاده ونسائه وعبيده وجواريه ولم يظفروا به. ثم أشيع أنهم قبضوا على جماعة من الوراقين ووضعوهم في الحديد، وقيل: إنهم ممن تعصبوا وشهدوا على المحلاوي بما قيل عنه.
فتنكد جميع التجار لهذه الواقعة، وصار على رؤوسهم الطيرة من التركمان، وحولوا أمتعتهم من الدكاكين، وصارت الناس على وجل، خوفا مما يأتي منهم، واستمر التركان على ما هم عليه من إقامة فتنة عظيمة والأمر لله تعالى.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه نادى ملك الأمراء بالقاهرة بأن القلعي شيخ سوق الوراقين يظهر وعليه أمان الله تعالى، وإن لم يظهر بعد ثلاثة أيام وغمز عليه ويحرق المكان الذي هو فيه والحارة أيضا، واستمر كمشبغا الوالي مختفيا لم يظهر. وقد عين التركمان القتل لخمسة من تجار الوراقين وشخص من تجار الجملون يقال له: ابن ظلام، وهم الذين شهدوا على المحلاوي بما تقدم، وتعصبوا عليه. واستمر الاضطراب عمالا بسبب ذلك.
стр. 1595
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه، حضر القاضي بركات بن موسى المحتسب، وكان مسافرا نحو الصعيد بسبب ضم الغلال وغير ذلك، وكان له نحو خمسة أشهر وهو مسافر، فلما طلع وقابل ملك الأمراء خلع عليه قفطانا مخملا ونزل إلى داره، فزينت له سويقة اللبن ودكاكين الحشاشين.
وفي يوم الأربعاء سابع عشريه، خلع ملك الأمراء على الأمير كمشبغا الوالي وأعيد إلى الولاية، وكان له عدة أيام وهو مختف لم يظهر بسبب واقعة المحلاوي، وقد وقع بينه وبين الكملية فتنة، وعينوا له القتل فاختفى وأغلق عليه أبوابه أياما، فلما تلاقى ملك الأمراء خواطر التركمان وأرضاهم، وزاد في جوامكهم، وخمدت تلك الفتنة، ظهر كمشبغا، وخلع عليه واستقر على عادته، فعز ذلك على التركمان.
ولما حضر القاضي بركات بن موسى المحتسب ضمن ابن ظلام شيخ سوق الجملون، وخلصه من الحديد، وألبسه قفطانا مخملا، وأقره شيخ الجملون كما كان، وضمنه في مال له صورة يورده إلى ملك الأمراء، وكان ابن ظلام صهر القاضي بركات بن موسى، فبذل معه المجهود حتى خلصه.
وفي يوم الخميس ثامن عشري رمضان خرج العسكر المعين إلى بندر جدة، فخرجت تلك التجريدة في ذلك اليوم وهم ما بين مماليك جراكسة وتركمان، وكانت عدتهم نحو ثلثمائة إنسان من الفريقين، وكان الباشا عليهم شخصا من العثمانية يقال له: أغات الكملية، وقيل: إنهم يتوجهون إلى السويس، وينزلون من هناك في المراكب إلى البحر المالح، حتى يصلوا إلى جدة، وقد كثرت الإشاعات بسبب فساد الفرنج وعبثهم في البحر على التجار، وقد جاؤوا نحو بندر جدة.
*****
وفي شهر شوال وكان مستهله يوم الأحد، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وصلوا مع ملك الأمراء صلاة العيد، ثم نزلوا إلى دورهم، وبطل ما كان يخلع في ذلك اليوم من الخلع على قضاة القضاة والأمراء والمباشرين وأرباب الوظائف قاطبة، وزال ذلك النظام العظيم من مصر كأنه لم يكن أبدا.
وفي يوم الخميس خامس شوال، وافق ذلك اليوم أول يوم من بابه، فيه ثبت النيل المبارك على ثماني أصابع من عشرين ذراعا، وكان أرجح من نيل العام الماضي بذراعين وأصبعين، فإنه ثبت في العام الماضي على ستة أصابع من سبعة عشر ذراعا، وهبط سريعا فشرق غالب البلاد.
стр. 1596
وفي يوم الاثنين تاسع شوال جلس ملك الأمراء بالميدان، وعرض عليه كسوة الكعبة الشريفة والمحمل الشريف وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الجمعة ثالث عشر شوال انتهى العمل من مدرسة الشيخ الدشطوطي رحمة الله تعالى عليه. التي بالقرب من حدرة الفول تجاه زاوية الشيخ يحيى البلخي، وخطب في ذلك اليوم بها، فاجتمع هناك الأمراء العثمانية، والأمير جانم الحمزاوي، وقضاة القضاة الأربعة، وأعيان المباشرين، ومشاهير الناس، فلما كان وقت الصلاة صعد المنبر قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل، وخطب خطبة بليغة في المعنى، فلما انقضى أمر الصلاة أحضر الأمير جانم الحمزاوي ربادي صيني ضمنها سكر، وشي أقسمه، فطاف بها على الحاضرين، وكان يوما مشهودا، وجاءت هذه المدرسة في غاية الظرف، وذلك ببركة الشيخ عبد القادر الدشطوطي رحمة الله عليه.
وفي يوم الخميس تاسع عشره، خرج المحمل الشريف من القاهرة في تجمل عظيم، وكان ذلك اليوم مشهودا. وكان أمير ركب المحمل في هذه السنة الأمير برسباي داودار ملك الأمراء، فطلب طلبا حافلا يشتمل على محاسن كثيرة، كما هي عادة الأطلاب القديمة، وشق من القاهرة في موكب حفل، وقدامه جماعة من الأمراء الجراكسة والعثمانية وأعيان المباشرين، والجم الكثير من العثمانية والانكشارية يرمون بالنفوط، وجماعة من القواسية، وخرج صحبته سنيح عظيم من الزاد والماء، وكانت الحجاج قليلة لأجل غلو العليق، والكراء تشحط في هذه السنة إلى الغاية
*****
وفي شهر ذي القعدة - وكان مستهله يوم الثلاثاء - طلع القضاء الأربعة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم رجعوا إلى دورهم.
وفيه حضر قاصد من عند ابن عثمان، وأشيع بين الناس أن سبب حضور هذا القاصد أن الخليفة محمد المتوكل على الله، لما توجه إلى إسطنبول، توجه صحبة أولاد ابن عمه خليل، وهما أبو بكر وأحمد، فوقع بينهما وبينه هناك فتنة، فترافعوا إلى الخنكار، وقالا:
إنه لما كان بمصر قعد على ودائع كثيرة ما بين مال وقماش أودعه عنده الأمراء الذين قتلوا، وأخذ من خوند زوجة السلطان طومان باي وأمها مالا كثيرا، وكذا أخذ من نساء الأمراء المقدمين الذين قتلوا من الأموال ما لا يحصى، ولم يطالع الخنكار على شيء، وتكلما في حقه بالباع والذراع، وما أبقوا في ذلك ممكنا. فاعتدى الخنكار على الخليفة المتوكل على الله، وانحط قدره عنده، وساعدت الوزراء أولاد خليل عند الخنكار.
стр. 1597
وكان الخليفة لما أقام بإسطنبول أظهر فتكا زئدا، واشترى له جواري يضربن بالجنوك، ثم أنه قطع معلوم أولاد ابن عمه فشكوه إلى الخنكار، فحنق على الخليفة وأمر بأن جهاتهم تقسم ثلاثة أثلاث بين الجميع بالسوية، فأرسل هذا القاصد يحاسب لهم على ذلك، فلما حضر القاصد رسم على مباشري الخليفة، وعلى دواداره برد بك، وقال لهم:
أقيموا لنا حساب معلوم أولاد خليل بغاية الإنصاف.
وفي يوم السبت خامسه جلس الأمراء بالمقعد الذي بالحوش السلطاني، وحضر قدامه مصارعان، وهما شخص يقال له: الشاطر أبو الغيث الزريكشي، وخصمه شخص أعجمبي شنيع المنظر في خلقته، فتصارع مع الزريكشي فغلب الزريكشي ورماه إلى الأرض، وركب فوقه وعصره في الأرض حتى كاد يموت، فانتصر عليه وغلب أبا الغيث، وألبس ملك الأمراء الأعجمي قفطان حرير، ونزل من القلعة وقدامه طبلان وزمران، وجماعة من العثمانية وشق من القاهرة، وكان له يوم مشهود.
وفي يوم الأحد مع ليلة الاثنين رابع عشره، خسف جرم القمر خسوفا فاحشا حتى أظلم منه الجو، وأقام في الخسوف فوق أربعين درجة، وقد خسف أول ما أشرق عند طلوعه، واستمر بتزايد في الخسوف حتى مضى من الليل جانب كبير ووقع مثل هذا الخسوف في السنة التي مات فيها السلطان الغوري، وكان بين موته وبين الخسوف نحو شهرين، وجرى ما جرى من أهوال عقيب ذلك. ونسأل الله اللطف في هذا الخسوف الثاني.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره نزل ملك الأمراء من القلعة، وتوجه إلى خليج الزعفران، وسبب ذلك أن الأمير كمشبغا الوالي صنع له هناك مدة حافلة، وأضافه فنزل إليه، وأقام هناك إلى آخر النهار، ثم عاد إلى القلعة، وكان قبل ذلك بيوم توجه إلى قصر ابن العيني الذي بالمنشية، وقيل: إنه أقام هناك إلى ما بعد العصر، وعاد إلى القلعة من يومه المذكور.
وفي يوم الاثنين حادي عشريه، وقع بين خير الدين نائب القلعة وبين قرا موسى أغات الأصباهية بحضرة ملك الأمراء بالقلعة فتنة، وسبب ذلك أنه وقعت فتنة كبيرة بين الانكشارية وبين الأصباهية، وصار في كل ليلة يوجد في الأزقة والطرقات جماعة مقتولون بالسيوف، فعز ذلك على قرا موسى، وقال لنائب القلعة خير الدين: هذا كله في ذمتك أنت الذي أطمعت الانكشارية في حق الناس، حتى صاروا يخطفون النساء والصبيان، ويخطفون عمائم الناس بأبيديهم، ويعرونهم ويقتلونهم، ويخطفون بضائع السوقة، والخنكار ما يدري بشيء من ذلك، وإن بلغه ذلك فما يصحل لك خير.
стр. 1598
ثم في عقيب ذلك صار الكيخية أغات الانكشارية يركب في كل يوم ويشق من القاهرة، فإن وجد في طريقه انكشاريا يأخذ عصاه ويكسرها، ويقول له: الطلع إلى القلعة واقعد في الطبقة ولا تنزل إلى المدينة أبدا. وقيل: إنه منع الناس ألا يشتكوا أحدا من الانكشارية مطلقا، واستمرت الفتنة ثائرة بين الأصباهية والانكشارية إلى الآن، وكل منهما على حذر من رفيقه.
ومما وقع في الشهر من الحوادث أن جماعة من المماليك الجراكسة، نحو عشرة مماليك، قيل: فيهم: شخص من قرابة الأمير قانصوه ابن الأمير جركس، وشخص آخر كان والي قليوب، خرجوا على حين غفلة وقصدوا أن يتوجهوا إلى الأمير جان بردي الغزالي نائب الشام، فلما وصلوا إلى قطيا قبض عليهم نائب قطيا، ووضعهم في الحديد، وأرسل كاتب ملك الأمراء فيهم، فأرسل إليه ملك الأمراء جماعة من التركمان ليحضروهم، فلما وصلوا إلى قطيا أظهروا مرسوما من عند ملك الأمراء إلى نائب قطيا بأن يضرب رقابهم أجمعين، فامتثل ذلك وضرب رقاب العشرة مماليك، وكان فيهم شخص من العربان يرشدهم إلى الطريق، فضرب عنقه أيضا وكان قتلهم في مكان بين الصالحية وذيا يسمى حيرة والغافولة، فلما أشيع هذا الخبر شق ذلك على جماعة من المماليك الجراكسة، وشق ذلك على نائب الشام أيضا، ووقعت الوحشة بينه وبين ملك الأمراء خاير بك من يومئذ، ودبت بينهما عقارب الفتن.
وفي يوم الاثنين ثامن عشريه، كانت وفاة الكاتب المجيد أبي الفضل محمد السنباطي، المعروف بالأعرج، قيل: إنه مات فجأة على حين غفلة وكان له حظ.
ومن الحوادث العجيبة الغريبة التي لم يسمع بمثلها ما وقع في أواخر هذا الشهر، وأشيع واستفاض بين الناس، أن قانصوه خمسمائة الذي تسلطن قد ظهر بعض مضي هذه المدة الطويلة، وأنه باق في قيد الحياة، وقد تغيرت هيئته وصار له ذؤابة شعر في رأسه، وقد ابيضت لحيته. فكان من ملخص هذه الواقعة أن شخصا من أبناء العجم كان يرسل إلى ابنة قانصوه خمسمائة - التي كانت زوجة أنسباي حاجب الحجاب - ويقول لها: أنا أبوك، فترسل إليه ما ينفقه، فأقام على ذلك مدة طويلة، ثم أنه حضر إليها تحت الليل صحبة طواشي، فطلع إلى باب السلسلة، وكانت تزوجت بأمير آخور كبير مملوك ملك الأمراء، فلما فشا أمره، ولم يعرفه أحد من حاشية ابنة قانصوه خمسمائة، بلغ ذلك زوج ابنة قانصوه خمسمائة، فقبض عليه ووضعه في الحديد، وسجنه في البرج الذي بباب السلسلة، حتى يعرضه على ملك الأمراء، ويتبين ما يكون من أمره، وقد أنكر ذلك الناس قاطبة، فإن قانصوه خمسمائة له نحو ثلاث وعشرين سنة من حين قتل عند خان يونس
стр. 1599
الذي بالقرب من غزة، وكان من أمره ما كان مع الأمير أقبردي الدوادار، وقطع رأسه هناك وأرسلها إلى الناصر محمد بن الأشرف قايتباي، وعلقت على باب زويلة، فكان أمر وجوده من الأمور المستحيلة التي لا تقبلها العقول السليمة بعد هذه المدة الطويلة.
*****
وفي شهر ذي الحجة، وكان مستهله يوم الخميس، طلع القضاة الأربعة وهنوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم.
فلما كان يوم السبت ثالثه، نزل ملك الأمراء إلى الميدان وجلس به، وأحضر مماليك الأشرف قايتباي، ثم أحضر ذلك الشخص الذي زعم أنه قانصوه خمسمائة، فإذا هو شخص أعجمي مربوع القامة، أبيض اللحية، وله ذؤابة شعر في رأسه. فقال ملك الأمراء للحاضرين من مماليك الأشرف قايتباي: أهذا قانصوه خمسمائة الذي كنتم تعهدونه؟ فقال العسكر قاطبة: ليس هذا قانصوه خمسمائة، وهذا قصير القامة أخضر اللون. ثم أن ملك الأمراء ضيق على ذلك الشخص الذي زعم أنه قانصوه خمسمائة، فقال له ملك الأمراء:
ما حملك على ذلك؟ قال: الفقر والفاقة وقلة ما في اليد. فلما اعترف بذنبه رسم ملك الأمراء بتوسيطه، ثم بدا له أن يضرب عنقه بين يديه في الميدان، فضرب عنقه ومضى أمره، ثم أحضروا له تابوتا فحملوه فيه ليغسلوه ويكفنوه ويدفنوه. فخمدت هذه الإشاعة التي أشيعت بسبب قانصوه خمسمائة. وكان غالب الناس الذين ليس لهم عقول صدقوا بذلك، وقد تبين أن ذلك الرجل نصاب شيطان، أخذ من ابنة قانصوه خمسمائة، خمسمائة دينار. ويقول لها: أنا أبوك، وكان ينصب على الناس ويقول لهم: أنا قانصوره خمسمائة، ويبلصهم غير ما مرة، فأراح الله الناس منه.
وفي يوم الخميس ثامنه، خرجت تجريدة إلى الأزلم تلاقي الحجاج، وكان بها نحو مائة مملوك، وكان الباشا عليهم كاشف الشرقية وصحبته جماعة من الانكشارية يرمون بالبندق الرصاص وكان الباشا عليهم شخص من العثمانية.
وفي يوم السبت عاشره، كان عيد النحر، وكانت الأضحية في غاية الغلو، وقد لا توجد، فلم يضح من الناس إلا القليل. وكان اللحم البقري يباع في تلك الأيام بنصف فضة كل رطل، فلم يفرق ملك الأمراء على أحد من الناس أضحية في هذه السنة، وقطع أضحية الزواية قاطبة، وعادة الفقهاء والأتراك قاطبة، كما فعل في السنة الماضية.
وفي يوم الأحد ثامن عشره، نزل ملك الأمراء من القلعة وعدى بر الجيزة، وتوجه إلى نحو شبرامنت على سبيل التنزه، فأقام هناك من يوم الأحد إلى يوم الثلاثاء، وأخذ معه
стр. 1600
خياما كثيرة وسنيحا، وصنع له هناك القاضي شرف الدين الصغير مدة حافلة، وكان صحبته جماعة من الأمراء العثمانية وغير ذلك من المماليك الجراكسة، فلما رجع من شبرامنت أقامت بالقلعة ثلاثة أيام، ثم عزم عليه الأمير كمشبغا الوالي في خليج الزعفران، ومد له هناك مدة حافلة، وأقام عنده إلى ما بعد العصر، ثم عاد إلى القلعة في يومه، وكان نهار شعت وغبار وهواء مريسي، فلم يتهنأ بالفرجة في ذلك اليوم.
وفيه حضر قاسم الشرواني الذي كان نائب جدة، وجرى منه ما جرى كما تقدم ذكره، فأرسل ملك الأمراء خلفه، وأحضره في الحديد، فأحضر سجنه ملك الأمراء بالعرقانة التي هي داخل الحوش السلطاني إلى أن يكون من أمره ما يكون.
وفيه حضر مبشر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأن الوقفة كانت عندهم بالجمعة، وأن الأسعار انحطت عما كانت عليه قليلا، وأخبر المبشر أيضا أنه لما دخل الحاج إلى مكة ثارت فتنة عظيمة بين عبيد أمير مكة بركات، وبين جماعة من العثمانية، وقتل من الفريقين نحو عشرة أنفار، ثم خمدت تلك الفتنة وزال الشر قليلا بعد ما كاد أن يتسع.
وفيه توفي صاحبنا الشرفي يحيى بن الناصري محمد الأزبكي، الذي كان أغات الغوري، فأشيع بعد موته أنه وجد له من الذهب العين عشرة آلاف دينار، فعد ذلك من النوادر، فإن أباه محمد الأزبكي لم يكن في سعة من المال، ولا أجداده ولا أقاربه.
وفي يوم الخميس سلخ هذا الشهر، توفي الشيخ جلال الدين عبد الرحمن، ابن الشيخ زين الدين قاسم المالكي، وكان عالما فاضلا، علامة في مذهبه، ولي قضاء المالكية في أيام السلطان الغوري، أخذها عن قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن أبي شريف.
وفي ذلك اليوم وقع بالقلعة خباط هين، وهو أن ملك الأمراء وقف له طائفة من المماليك الجراكسة بسبب أن لهم جامكية شهرين مكسورة، فلما وقفوا إليه وبخهم بالكلام، وطفش فيهم، وقال لهم لا زلتم حتى أوقعتم بيني وبين نائب الشام، وأنتم تغدون وتروحون وتشكونني عنده. فقام الأمير قايتباي الدوارار وجعل يرقع للمماليك ويقول له هؤلاء مماليك وعبيدك، وإنما يفعلون ذلك من الجوع والقلة. فقال ملك الأمراء والله والله لولا أنا ما خلي الخنكار مملوكا يلوح على وجه الأرض، فإني شفعت فيكم من القتل. فقال له الأمير قايتباي: الكل صاروا رعيتك، ولهم أولاد وعيال، وقد مسهم الفقر والفاقة، والآن يطلبون صدقة الخنكار وصدقتك، فرسم بشهر واحد يصرف لهم من جامكيتهم، وكان لهم شهران مكسوران في الديوان.
وقد خرجت هذه السنة عن الناس على خير، وهم مرتابون من الغلاء وقلة الأمن وجور التركمان عليهم، وتناهى سعر الأردب القمح إلى ثلاثة أشرفية واثني عشر نصفا
стр. 1601
كل أردب، والبطة الدقيق بأشرفي وخمسة أنصاف، وقد تشحطت الأسعار في سائر البضائع من المأكل والمشرب، وصارت التركمان يخطفون عمائم الناس من فوق رؤوسهم جهارا، ولم يجدوا من يمنعهم من ذلك، ويقطعون الطريق على المتسببين والضيافات التي تطلع من البلاد، وصاروا يخطفون النساء والمرد من الطرقات كل يوم من بين الناس، ولم يجدوا من يخلصهم من أيديهم، وحصل للناس من أيديهم غاية الضرر.
ووقف الحال بسبب المعاملة من الفضة، فإنها كلها غش ونحاس وزغل، وصار الأشرفي القايتبايي يصرف بخمسة وستين نصف فضة، والسوقة لا تقبل من الفضة إلا القليل، وكذلك الفلوس الجدد. وقاسى أهل مصر في هذه السنة شدة عظيمة ما قاساها قط أحد من الناس، والأمر لله تعالى من قبل ومن بعد.
سنة ست وعشرين وتسعمائة (١٥٢٠ م):
فيها في المحرم - وكان مستهل الشهر يوم السبت - طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنوا ملك الأمراء بالعام الجديد، ثم رجعوا إلى دورهم.
وفي يوم الثلاثاء رابعه، كان ختان ولد قاضي القضاة المالكي يحيى ابن قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم الدميري رحمة الله عليه، فكان له في ذلك اليوم زفة حافلة رجت لها القاهرة، فمشت من الجامع المؤيدي إلى المدرسة الصالحية، ومشى فيها أعيان الرؤساء من المباشرين والتجار، ومشاهير الناس، وغيرهم من الأعيان، وأوقدت له الشموع على الدكاكين، وكان يوما مشهودا. وفي أوائل ذلك اليوم مدت مدة حافلة حضرها الأمير جانم الحمزاوي وجماعة من الأمراء العثمانية ومن الأمراء الجراكسة وغير ذلك.
وفي يوم الاثنين رابع عشريه، دخل الحاج إلى القاهرة صحبة المحمل الشريف، وأمير الحاج الأمير برساي، وقد أثنى عليه الحجاج خيرا بما فعله في طريق الحج، وكان معهم الأمن والرخاء بطول الطريق.
*****
واستهل شهر صفر يوم الأحد فطلع القضاة الثلاثة إلى القلعة، وهنوا ملك الأمراء بالشهر، ولم يطلع قاضي القضاة الشافعي وكان مريضا منقطعا بداره له مدة طويلة لم يركب.
وفيه وقع في الحوادث أن ملك الأمراء عزل الشرفي يحيى بن التاج عن مشيخة الحضور بالجامع المؤيدي، واستقر بشخص من أبناء العجم، وقيل: من العثمانية، عوضا عن يحيى بن التاج، وكان ذلك الشخص عاريا عن العلم والفضيلة، ليس له شهرة بين
стр. 1602
الناس، فقامت الأشراء على ملك الأمراء من العلماء والفقهاء، وأنكروا عليه أنه عزل يحيى بن التاج عن مشخية الحضور بالجامع المؤيدي من غير جنحة ولا سبب، وقرر بها من هو من غير أهلها، ولم يكن يستحق ذلك، وهذا من البدع المنكرة.
وفي يوم الخميس خامسه، نزل ملك الأمراء من القلعة، وصحبته الأمير قايتباي الدوادار وجماعة من الأمراء الجراكسة ومن الأمراء العثمانية، وجماعة كثيرة من المماليك الجراكسة نحو خمسمائة مملوك، وقيل: أكثر من ذلك، ومن الأصباهية والكملية والانكشارية الجم الكثير، وعدة رماة بالنبدق الرصاص، وأشيع عنه أنه يقصد التوجه نحو البلاد الشرقية، فصلى صلاة الصبح، ونزل وشق من القاهرة، وشق من بين الترب، واستمر سائرا والأمراء والعسكر حوله حتى نزل بالعكرشا، ثم توجه إلى شبين، ثم توجه منها إلى مرصفة، وقد اختلفت الأقوال في ذلك، فمن الناس من يقول: إنه خرج يسرح في الشرقية على سبيل التنزه والفرجة، ومن الناس من يقول: إنه خرج سبب محاربة عربان السوالم، والأول أصح، فخرج صحبته سائر المباشرين قاطبة.
فلما كان يوم الثلاثاء عاشره، حضر القاضي بركات بن موسى من عند ملك الأمراء وعليه عمامة هوارية، وقد خلع عليه قفطانا مخملا مذهبا، وحضر صحبته ستة أنفار بو وقد سلخوا وحشوا تبنا، فقيل: إنهم من عربان السوالم فأركبوهم على خيول، وعليها بركستوانات مخمل، وألبسوهم جوخا وشاشات على زنوط فوق رؤوسهم، وقدامهم اثنا عشر رأسا مقطوعة، وهي على رماح، قيل: إنهم من أعيان عربان السوالم، فشقوا بهم من القاهرة، وكان ذلك اليوم مشهودا، فعلقوا جماعة من المسلوخين ومن الرؤوس على باب زويلة، علقوا الباقي على باب النصر.
وكان من ملخص هذه الواقعة ما أشيع واستفاض بين الناس، أن إياس كاشف الشرقية تحيل على مشايخ عربان السوالم، وأرسل لهم والأمان، فركنوا له وحضروا إليه، فصنع لهم ضيافة، فلما استقروا عنده أرسل يعلم ملك الأمراء بذلك، فأرسل إليه القاضي بركات بن موسى ومعه جماعة من المماليك الجراكسة، فتوجهوا نحو عربان السوالم، وخرج صحبتهم عربان البلاد المجاورة من منية حمل والجوسق المحروقة وغير ذلك، فوقعوا مع السوالم، وكان بينهم واقعة مهولة، فانكسرت السوالم وقبضوا على بقية مشايخهم.
ثم أن العسكر والعربان نهبوا نجع السوالم عن آخره، وغنموا منه ما لا يحصى من جمال وخيول وسلاح وقماش ونحاس ومصاغ وغير ذلك من عبيد وجوار، حتى أخذوا نساءهم وأولادهم، فلما وقعت هذه الكسرة على السوالم هرب من بقي منهم إلى الأودية
стр. 1603
والجبال، فلما جرى ذلك سلخ الكاشف مشايخهم وأرسلهم إلى القاهرة كما تقدم ذكر ذلك، قيل: كان فيهم من هو من أولاد قراجا بن طراباي شيخ جبل نابلس.
وأشيع أن ملك الأمراء رحل من جهة مرصفة وتوجه إلى بنها العسل وأرسل سنيحه ومطبخه إلى القلعة وأشيع عوده إلى القاهرة.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره رجع ملك الأمراء إلى القاهرة، فأتى من جهة قنطرة الحاجب ودخل من باب الشعرية، وخرج من باب القنطرة، وطلع على سوق مرجوش.
وشق من القاهرة في موكب حافل، وقدامه جماعة من الانكشارية الرماة، وقدامه بعض جنائب، ولاقاه الشعراء والشبابة السلطانية من باب الشعرية، وكان عليه قفطان جوخ أحمر، وكان قدامه ما اصطاده من الكراكي والأوز العراقي، فاستمر في ذلك الموكب حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا، وكانت مدة غيبته في هذه السرحة سبعة أيام بلياليها.
ثم دخل بعده شيخ العرب نجم شيخ العائد، وهو في الحديد، وقد نسبوا إليه أنه كان متواطئا مع عربان السوالم وهو من أغراضهم، فقبض عليه ملك الأمراء ووضعه في الحديد حتى يكون من أمره ما يكون. ولم يكن في نزول ملك الأمراء إلى الشرقية خير للناس، فرعى العسكر زرع البلاد وقدمت له مشايخ العربان نحو ألفي رأس غنم، فوزعوا ذلك على بلاد الشرقية، وأحضروا له من شيبين ستمائة أردب شعير، وذلك غير التقادم من خيول وجمال وغير ذلك من ذهب عين فوق العشرة آلاف دينار.
وقيل: إن ملك الأمراء كان في هذه السرحة لا يصحو من السكر ليلا ولا نهارا، حتى أشيع عنه أنه أخذ معه أربعين بغلا وهي محملة نبيذا إقريطشي، فكان في نزوله هناك غاية الضرر في حق الناس، ولولا أنهم أخذوا عرب السوالم بحيلة لما قدروا عليهم أبدا.
وفي يوم تاريخه عاين مؤلف هذه الوقائع بالمشاهدة، حضور القاضي بركات بن موسى المحتسب، وطلوع ملك الأمراء في ذلك الموكب المقدم ذكره، فلما طلع ملك الأمراء إلى القلعة قدمت الأخبار من الشرقية بأن عربان السوالم لما حصلت لهم تلك الكسرة توجهوا إلى الصالحية ونهبوا ما فيها فأحرقوها بما حولها من الضياع وحصل منهم غاية الضرر الشامل، وهذا كله من سوء تدبير إياس كاشف الشرقية، فإنه استعجل بقتل مشايخ عربان السوالم وكانوا من نوابغ أعيان السوالم، فسلخ الجميع. ومنها أنه نهب نجعهم، وأخذ أموالهم ومواشيهم، وأسر حريمهم حتى قيل: إنه أسر ستين امرأة من أعيان نسائهم، وأسر أولادهم. فلما طفشوا في البلاد أرسل ملك الأمراء يقول للكاشف أطلق نساء
стр. 1604
السوالم وأولادهم الدين عندك من كل بد، وقد استدرك ملك الأمراء ما وقع منه في حق مشايخ عربان السوالم.
وقد أشيع أمر هذه الفتنة من كل جانب، واستمرت أرباب هذه الدولة في آراء معكوسة، ليس لأحد منهم رأي سديد، ولا له مستشار يرجع إليه، وصار كل منهم يشير برأي غير صواب، ويتكلم بكلام غير مفيد، وقد ضاعت الكلمة بينهم وآل أمر مملكة مصر إلى الخراب، وكل هذا من سوء تدبيرهم، وقلة معرفتهم، وعدم تجاوبهم للأمور، وقلة نظرهم في العواقب، مما يئول أمره إلى خير أو شر، فنسأل الله تعالى إصلاح الحال، وحسن الخاتمة، وإخماد هذه الفتن عن قريب.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره خلع ملك الأمراء على أخي نجم، واستقر به شيخ العايد، عوضا عن أخيه نجم، وقد بلغه أن أحوال الشرقية قد اضطربت إلى الغاية، وثارت بها العربان للفساد، فلما خلع عليه خرج من يومه إلى الشرقية بسبب هذا الفساد.
وفي يوم السبت رابع عشره، أرسل ملك الأمراء تجريدة إلى الشرقية، وعين بها نحو مائة مملوك من الجراكسة وغيرهم، وعين جماعة من الكملية والأصباهية، وجماعة من الرماة الانكشارية، وجهز عجلات تخرج صحبتهم إذا خرجوا، وقيل: إن إياس كاشف الشرقية محاصر مع العربان في بلبيس، وقد أرسل يطلب نجدة بسرعة، وأشيع أن عربان نجم شيخ العايد لما أمسك صاروا يعرون الناس في رأس المطرية، وعند تربة العادلي.
وفيه أشيع أن جماعة من الانكشارية هجموا على سوق النحاسين وأخذوا ما فيه من النحاس لأجل أن يسبكوه مكاحل للبندق الرصاص، فحصل للتجار الضرر الشامل من ذلك، وكانت حركة هؤلاء الجماعة الذين قتلوا من عرب السوالم من أكبر أسباب الفساد في أحوال المملكة، وأنهم لو أبقوهم في قيد الحياة وسجنوهم لكان ذلك عين الصواب، وأرجي لجمود هذه الفتن، ولكن عجلوا بقتلهم حيث ظفروا بهم، فكان كما يقال في المعنى:
أمور تضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره خرجت التجريدة التي عينها ملك الأمراء إلى السوالم، وكان الباشا عليها شخصا من أمراء العشراوات يقال له جان بردي الأشقر الذي كان كاشف البحيرة أخو تنم الذي كان خازندار الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباي، وكان بها من المماليك الجراكسة وغيرهم مائة مملوك، وتوجه قبل ذلك إلى كاشف الشرقية ستون مملوكا يقيمون عنده، فخرجت التجريدة في ذلك اليوم، وتوجه من بها من المماليك إلى خانقاه سرياقوس.
стр. 1605
وفي يوم السبت حادي عشريه، حضر إياس كاشف الشرقية وصحبته جماعة ممن بقي من أعيان عربان السوالم، وقد أتوا إلى إياس طائعين بعد أن رأوا عين الغلب، فأحصرهم إلى ملك الأمراء، فلما قابلوه خلع عليهم، وأقرهم في مشيخة عربان السوالم عضوا عمن قتل منهم، وخمدت فتنة السوالم، وكان ذلك على غير القياس من أمر هذه الفتنة.
*****
وفي شهر ربيع الأول وكان مستهله يوم الاثنين طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم رجعوا إلى دورهم.
وفي ذلك اليوم قدم قاصد من عند الخنكار سليم شاه ابن عثمان، وقد حضر من البحر المالح إلى ثغر الإسكندرية، فلما طلع إلى القلعة قرأ مراسيم الخنكار على ملك الأمراء.
وأشيع بين الناس أن الخنكار أرسل يقول لملك الأمراء أن يتوصى بالمماليك الجراكسة، ويصرف لهم جوامكهم ولحومهم وعليقهم والأضحية والكسوة على العادة.
وأشيع أنه أرسل يقول لملك الأمراء: كل من شوش من التركمان على أحد من الرعايا يشنقه من غير معاودة، وأرسل يأمر ملك الأمراء بأن ينادي للناس بقطع الطرقات والشوارع والأسواق قاطبة فأخذ الناس في أسباب ذلك، وشرعوا في قطع الطرقات.
ثم أشهروا المناداة في القاهرة على لسان الخنكار حسبما رسم بأن لا أحد من الانكشارية ولا من الأصباهية يشوش على أحد من الناس، ومن فعل ذلك بأحد يمسكه من طوقه ويتوجه به إلى خير الدين نائب القلعة، فأشهر المناداة بذلك أربعة مشاعله، اثنان يناديان بالتركي، واثنان يناديان بالعربي، وهم قدام الأمير كمشبغا والي القاهرة، وأظهروا العدل في ذلك اليوم، وليته دام.
ثم أشيع بين الناس أن الخنكار لما أرسل إلى ملك الأمراء بطلب سنان باشا وفائق بك بأن يحضرا هما والأسباهية إلى إسطنبول سافروا، فلما وصلوا هناك أحضر الخنكار سنان باشا بين يديه وأمر بشنقه، فأقام مصلوبا ثلاثة أيام لم يدفن.
وأشيع أن طائفة من الأصباهية الذين كانوا بمصر وأرسل طلبهم، لما دخلوا مدينة إسطنبول ضرب رقاب أربعمائة أصباهي منهم، ممن أشيع عنه الفساد بمصر من جماعة سنان باشا.
وأشيع أن الخنكار أرسل يحط على ملك الأمراء خاير بك بسبب تراخيه في حق طائفة الانكشارية والأصباهية حتى جاروا على الناس، وصاروا يشوشون على الرعية، وقد بلغ الخنكار ما يصنعونه بمصر من خطف النساء والمرد وبضائع المتسببين وخطف ضيافات
стр. 1606
الناس، فلما حضر القاصد في ذلك اليوم وقرأوا مرسوم الخنكار بحضرة قضاة القضاة، شهدوا بأن ملك الأمراء ناظر في مصالح الرعية، والناس عنه راضية، وكانت هذه الشاهدة عين الرياء، واتباع الجاه لأجل المناصب.
ثم إن ملك الأمراء قصد أن يكتب محضرا ويأخذ عليه خط القضاة الأربعة بأن مصر في غاية العدل والرخاء والأمن، فلم يوافقه القضاة على ذلك، وقالوا نكتب خطوط أيدينا على شيء باطل ويبلغ الخنكار بخلاف ذلك، فنخشى على أنفسنا منه أن نذكر أن مصر في غاية العدل والأمن والرخاء، وأن التركمان لم يشوشوا على أحد من الرعية، وهذا باطل لا يجوز، فرجع عن ذلك.
وفي يوم الخميس حادي عشره، عمل ملك الأمراء المولد الشريف النبوي بالقلعة، وجلس في المقعد الذي بالحوش السلطاني، وحضر القضاة الأربعة على حكم السنة الماضية.
وفيه قدمت الأخبار من مكة المشرفة بأنه وقع بين الشريف بركات أمير مكة وبين نائب جدة أغات الكملية الذي يسمى الكيخية، واضطربت أحوال مكة إلى الغاية.
وفي يوم الأحد رابع عشره، خلع ملك الأمراء على الأمير جانم الحمزاوي كاشف البهنسا والفيوم وقرره أمير الحج بركب المحمل، فنزل من القلعة موكب حافل.
وفيه كانت كائنة الأمير جانب ردي الأشقر، أحد الأمراء العشراوات، وهو أخو تنم الذي كان نائب الإسكندرية، قيل: إنه عزم عليه شخص يسمى تمر الظاهري، فلما دخل عليهما الليل وقع بينهما تشاجر، فثارت في ذلك المجلس فتنة كبيرة فقتل فيها جان بردي الأشقر، ولا يعلم من قتله من الحاضرين، وقبضوا على من كان حاضرا، واختفى تمر صاحب البيت، وكانت واقعة مهولة فلما بلغ ملك الأمراء ذلك شق عليه قتل جان بردي الأشقر، فإنه كان صاحبه، فأخذ في الفحص على كل من كان سببا لقتله، وألزم الوالي بإحضار تمر الذي قتل في بيته.
وفيه أخرج ملك الأمراء تجريدة إلى ثغر الإسكندرية بسبب عبث الفرنج هناك بالمسافرين وكان بها من العسكر نحو مائة إنسان، ما بين مماليك جراكسة وأولاد ناس وعثمانية وغير ذلك.
*****
وفي شهر ربيع الآخر - وكان مستهل الشهر يوم الثلاثاء - طلع قضاة القضاة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم.
стр. 1607
وفي يوم الخميس ثالثه خرج الأمير جانم الحمزاوي إلى السفر، وقصد التوجه إلى إسطنبول فخرج في موكب وصحبته الأمراء الجراكسة والمباشرون وأرباب الدولة من الأمراء العثمانية، وقد أرسل ملك الأمراء صحبته تقدمة حافلة إلى السلطان الملك المظفر سليم خان، وكان ما اشتملت عليه تلك التقدمة على ما قيل: من الخيول الخاص خمسين فرسا، وفيها بغلة قيل: مشتراها خمسمائة دينار، ومن القماش الحرير والتفاصيل السكندري أشياء كثيرة، ومن الشاشات المايني أشياء كثيرة منها ما طوله مائة وعشرون ذراعا، وأرسل إليه ملك الأمراء من جملة هذه التقدمة خمسمائة قنطار سكر معمولة بمسك، ومن الأشربة والمربات أشياء كثيرة، وأرسل إليه من الفصوص والمعادن واللؤلؤ أشياء كثيرة، ومن الصيني اللازوردي والشفاف أشياء كثيرة، وغير ذلك من التحف الغريبة مما يهدى للملوك.
وفيه قدمت الأخبار من تونس ببلاد الغرب بأنه قد وقع بها فتنة عظيمة بين صاحب تونس وبين الشيخ محمد بن تليس صاحب بصرت، وكانت بينهما واقعة عظيمة في أوائل صفر، وقتل في هذه المعركة نحو أربعين ألف إنسان، وآخر الأمر انتصر السلطان حسن بن محمد صاحب تونس علي بن تليس، وغنم منه غنائم جزيلة، ما بين مال وقماش وسلاح وخيول وجمال وغير ذلك.
وفيه نزل ملك الأمراء إلى بولاق، وأقام بها إلى قريب الظهر، فأحضر إليه القاضي بركات بن موسى المحتسب هناك مدة حافلة، ما بين خرقان شوي، وقدور هريسة، ومامونية، وفاكهة وحلواء، ومشموم.
ثم أن ملك الأمراء عرض المراكب الأغربة التي أنشأها، ولعبت قدامه في البحر، وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية، ونصب له سحابة في الجزيرة التي تجاه إنبابة، وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الاثنين حادث عشريه كان عيد النصارى، وهو أول يوم الخماسين، وكانت خماسين مباركة، لم يظهر فيها الطاعون بمصر، ولا في غيرها من الثغور.
وفيه توفي شرف الدين الجويني الذي كان مباشر ديوان الأمير أزدمر الدوادار، وباشر أيضا ديوان الأمير كسباي المحتسب، وكان لا بأس به.
ومما وقع من الحوادث الشنيعة، أن امرة مسلمة كبست مع شخص يهودي، فلما شاع أمرهما قبض على اليهودي وعلى المرأة، وعلى المكاري الذي أركب المرأة، وقبض على شخص أسكافي كان واسطة بين المرأة واليهودي، فلما عرض أمرهم على ملك الأمراء،
стр. 1608
أمر بضربهم بالمقارع، وسجن المرأة بالحجرة، وسجن اليهودي بالديلم، حتى يكون من أمرهم ما يكون.
وفيه قدمت الأخبار من حلب: أن عبد الرزاق أخا علي دولات، وثب على ابن أخيه سوار، وقد التفت عليه جماعة من التركمان البياضة والأكراد فحصل بينهما واقعة مهولة، فقتل بها جماعة كثيرة من التركمان، وأشيع قتل سوار في المعركة، وقد ملك عبد الرزاق من سوار الإبلستين والمرعش وغير ذلك من البلاد، واستمرت الحرب ثائرة بين الفريقين ثمانية أيام، وانتصر عبد الرزاق على سوار، ثم خمدت هذه الإشاعات من بعد ذلك كأنها لم تكن.
*****
واستهل شهر جمادى الأول بيوم الخميس، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم. وفي هذا الشهر تزايد أمر الغلاء بالديار المصرية، وبلغ سعر القمح ثلاث أشرفيات كل أردب، وبلغ سعر الأردب الشعير أربعمائة درهم، والفول ستمائة درهم كل أردب، وشطح السعر في سائر الحبوب، وبلغ كل رطل سمن أربعة أنصاف، والشيرج ثلاثة أنصاف كل رطل، والأجبان قاطبة في غاية الغلو، واللحم الضأني كل رطل بثمانية عشر درهما، واللحم البقري كل رطل بستة عشر نقرة، وبلغ سعر السكر ثمانية أنصاف كل رطل، وبلغ سعر العسل الأسود كل رطل ثلاثة أنصاف، وبلغ سعر الصابون كل رطل خمسة أنصاف، وعلى هذا فقس سائر البضائع والغلال وغير ذلك، حتى بلغ سعر الراوية من الماء أربعة أنصاف، وعم هذا الغلاء أنواع القماش قاطبة، البياض والملون والحرير والصوف والجوخ، وغير ذلك من القماش.
وسبب ذلك الغش في المعاملة من الذهب والفضة، وصار الأشرفي البرسبيهي يصرف بثلاث أشرفيات فضة، والأشرفي القايتباهي يصرف بأشرفيين وثمانية أنصاف، والأشرفي الغور يصرف بأسرفيين وأربعة أنصاف، وكذلك الأشرفي العثماني ضرب الخنكار. وأما الفضة فجميعها في غاية الغش والفساد، وصار الناس في أمر مريب سبب ذلك. وقد تغيرت أحوال الديار المصرية تغيرا فاحشا إلى الغاية، وفوق ذلك جور التركمان في حق أهل مصر من الخطف والنهب، وأخذ أموال الناس بغير حق، وخطف النساء والمرد من الطرقات.
ومن الوقائع الغريبة، كائنة الشيخ محمد الرشيدي الذي كان ناظر الكسوة، وناظر الجوالي وغير ذلك من النظارات، وكان الخنكار قرره في ذلك، وقد سعى له حليم جلبي
стр. 1609
في ذلك، وكان من جماعة الخنكار، فاستمر على ذلك. ثم سعوا في الرشيدي من عند ملك الأمراء، فأخرج عنه ما كان بيده من النظارات، فحصل له غاية القهر، فاختفى وخرج في الدس صحبة بعض الهجانة على أنه يتوجه إلى الخنكار بشكو له ملك الأمراء الذي أخرج عنه النظارات التي كان الخنكار قرره فيها، فلما وصل إلى قطاي قبض عليه نائب قطيا، وعلى الهجان الذي كانصحبته، وقال له: أمعك مرسوم ملك الأمراء، فقال: إنما رسم لي مشافهة، فضيق عليه نائب قطيا، فاعترف الرشيدي أنه خرج هاربا من ملك الأمراء.
فقبض عليه نائب قطيا ووضعه في الحديد، وأشيع أنه شنق الهجان هناك، وأرسل الرشيدي في الحديد إلى ملك الأمراء. فلما وقف بين يديه وبخه بالكلام، وقال له: أنت تتوجه إلى الخنكار وتشكوني له. ثم أن ملك الأمراء رسم بسجن الرشيدي في العرقانة التي هي داخل الحوش السلطاني.
وفيه أرسل ملك الأمراء بالقبض على شخص يسمى محرات مقدم، كاشف الغريبة، وقد كثرت فيه الشكاوى من الفلاحين، وأشيع عنه أنه ضرب شخصا من الفلاحين حتى مات تحت الضرب، فلما مثل بين يدي ملك الأمراء أمر بتوسطيه فوسطوه في باب زويلة.
وفي ذلك اليوم رسم ملك الأمراء بشنق اثنين من الكملية لأمر أوجب ذلك.
ومن الحوادث أنه في يوم الثلاثاء سادسه، وقع للأمير قايتباي الدوادار واقعة مهولة، وهي أنه سار إلى نحو المطرية وعاد، فلما دخل من باب النصر، وجد عند وكالة الصابونبعض الانكشارية قد أخذ من شخص يبيع الصابون خمسة أرطال، ودفع إليه ثمانية أنصاف، وكان الصابون قيمته أشرفيا، فلما رأى صاحب الصابون الأمير قايتباي الدوادار تعلق بلجام فرسه، وقص عليه قصته، وكان الانكشاري ضرب صاحب الصابون حتى أدمى وجهه، فأرسل الأمير قايتباي مع صاحب الصابون بعض مماليكه إلى الانكشاري لعله يعطي صاحب الصابون شيئا فوق ذلك القدر، فلما قابل ذلك المملوك الانكشاري أغلظ عليه المملوك في القول، فحنق منه الانكشاري فضرب المملوك على وجهه فأدماه.
ثم أن المملوك ضربه على وجهه بدبوس فأدماه، فاتسعت الفتنة بينهما، فمضى الانكشاري إلى أصحابه وأعلمهم بما جرى له مع مملوك الدوادار، فاجتمع الجم الكثير من الانكشارية وتوجهوا إلى بيت الأمير قايتباي الدوادار، وهجموا عليه، وبأيديهم سيوف مسلولة، وقصدوا أن يحرقوا بيته وينهبوه فاختفى منهم. فلما بلغ الكيخية أغات الانكشارية ركب ورد الانكشارية، وخمدت تلك الفتنة. فلما بلغ ذلك ملك الأمراء شق عليه ذلك ولام الأمير قايتباي الدوادار على ما فعله.
стр. 1610
ثم أن ملك الأمراء أرسل طلب المملوك الذي ضرب الانكشاري وأثار هذه الفتنة، فلما مثل بين يديه أمر برضربه فضربوه ضربا مبرحا، وسجن بالعرقانة، فسكن ذلك الاضطراب قليلا، وصار الأمير قايتباي على رأسه طيرة من الانكشارية، وهو مهدد بالقتل منهم في كل يوم، وزعم الانكشاري الذي ضرب أنه سقط منه خنجر مفضض وسيف، وادعى أنه كان معه ثلاثون دينارا فسقطت منه، فدفع إليه الأمير قايتباي الدوادار عشرين دينارا على ما أشيع. هكذا قيل. وصار الأمير قايتباي لا يأمن على نفسه أن يطلع القلعة وحده، وكان يركب في كل يوم ومعه جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة، ويتوجه إلى قبة يشبك التي بالمطرية، وقيم بها إلى آخر النهار، ثم يعود إلى داره ومعه المماليك الجراكسة، فاستمر على ذلك أياما، ثم خمدت تلك الفتنة ولله الحمد.
وفي يوم الجمعة تاسعه، قدمت الأخبار من حلب بأن خارجيا من التركمان يقال له:
جلال المهتدي، قد تصدى لمحاربة الأمير علي بن شاه سوار، والتفت عليه جماعة كثيرة من التركمان. وكان جلال هذا من قرية بالروم يقال لها: أعلاق شري بوز، فكان بينه وبين الأمير علي بن سوار واقعة مهولة، وقتل من التركمان بها نحو ثلاثة آلاف إنسان، وأشيع أن الأمير ابن سوار قد جرح في وجهه بطبر، وانتصر ابن سوار على ذلك الخارجي الذي يقال له: جلال المهتدي، وفر منه إلى بلاده، فخلع ملك الأمراء على الهجان الذي أتى بهذا الخبر، ثم خمدت هذه الإشاعة كأنها لم تكن.
وفي ليلة الخميس خامس عشره، خسف القمر، وأظلمت الدنيا، فأقام في الخسوف نحو ساعة ثم انجلى عنه ذلك الخسوف.
وفي ذلك اليوم قبض القاضي بركات بن موسى المحتسب على أخي محمد بن خبير، وضربه ضربا مبرحا حتى كاد أن يهلك، ثم أشهره في بولاق. وكان سبب ذلك أنه حجز على بيع الفول، وصار يشتريه على ذمته ويخزنه، فشطح سعر الفول في تلك الأيام، وكان أخوه محمد بن خبير متحدثا في أمر الغلال التي كانت ترد من البلاد قاطبة، وكان محتميا بالأمير جانم الحمزاوي، فجار على الناس بسبب بيع الغلال، فحنق عليه القاضي بركات بن موسى وضربه كما تقدم.
ومن الحوادث الشنيعة أن ملك الأمراء كان سعر الذهب العثماني أن يصرف بأشرفيين، وكان قبل ذلك يصرف بأشرفيين وخمسة أنصاف، وصار البيع بيعين بيع بالذهب، وبيع بالفضة، فوقفت أحوال الناس بسبب ذلك.
стр. 1611
ثم أن ملك الأمراء نادى في القاهرة بأن لا أحد من الناس يرد معاملة الفضة، وكل من ردها شنق من غير معاودة، وكانت الفضة يومئذ في غاية الغش كلها نحاس، إذا باتت ليلة واحدة تنكشف كلها، وكانت الانكشارية تدخل الأسواق وترمي تلك الفضة النحاس على التجار، فكل من رد منها شيئا تنهب دكانه، ويضرب ذلك التاجر حتى يأخذها غصبا على رغم أنفه، فيأخذون منه أشرفيا ذهبا ويعطونه أشرفيين من تلك الفضة النحاس، فحصل للناس في ذلك غاية الضرر الشامل.
وفي يوم الجمعة سادس عشره خطب في مدرسة الست خديجة ابنة درهم ونصف، التي بالقرب من جامع التركماني عند طاحون السدر، فاجتمع هناك قضاة القضاة الأربعة، وأعيان المباشرين، وأعيان الناس، وخطب بها في ذلك اليوم قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل، وكان ذلك اليوم مشهودا.
وكان أصل هذه المدرسة قاعة أنشأها الدرهم ونصف، ثم بدا لابنته خديجة أن يجعلها مدرسة، فأنشأت بها المحراب وجعلت بها منبرا ومأذنة، وجعلت فيها خلاوي للصوفية، ثم أنها وقفت عليها جميع جهاتها المخلفة عن والدها، فجاءت من محاسن الزمان، وكانت ذلك عني الصواب، وقصدت بذلك الأجر والثواب.
وفي هذا الشهر قدم جماعة كثيرة من إسطنبول ممن كان نفي إليها من الأعيان بالديار المصرية، منهم كمال الدين بن معين الدين الموقع، وابن نصر الله، ومرعي الذي كان من جماعة الأتابكي سودون العجمي، وأحمد الضيروطي، ومحمد بن فروشيخ جهات الأميرية، وحضر محمد بن إبراهيم الذي كان متحدثا على الزمامية، وحضر محمد ابن القاضي فخر الدين بن العفيف الذي كان كاتب المماليك، وحضر محمد بن علي كاتب الخزانة، وحضر ابن العمريطي، وحسام الدين نواب الدهيشة، وآخرون منهم لم يحضرني أسماؤهم الآن، والكل فروا من إسطنبول من غير إذن من الخنكار ابن عثمان.
وحضر جماعة من السيوفية والحدادين والنجارين والبنائين والمرحمين وغير ذلك ممن كان توجه إلى إسطنبول، فحضر الكل هاربين من غير علم السلطان، فلما حضروا أشيع موت ابن شقيرة التاجر الذي من سوق مرجوش، وأشيع موت جماعة كثيرة هناك من أعيان أهل مصر قبل ذلك، وقدمت الأخبار بوفاة جان بك دوادار الأمير طراباي، وكان من وسائط السوء. وتوفي محمد ابن يوسف الذي كان ناظر الأوقاف، وكان من وسائط السوء أيضا. وتوفي محمد المسكي الذي كان من سوق الوراقي، وتوفي هناك جماعة كثيرة لم يحضرني أسماؤهم الآن.
стр. 1612
وفيه قبض ملك الأمراء على شخص من اليهود الصيارفة، من جماعة المعلم يعقوب اليهودي، فضربه بالمقارع ثم قطع يده وعلقها في عنقه، وأشهره في القاهرة … وكان سبب ذلك ما أشيع عنه أنه يشتري الفضة النحاسة المغشوشة، ويضعها في الجامكية، وقد قلق العسكر من ذلك.
وفي يوم الخميس ثاني عشريه، كان دخول الشرفي يحيى ابن الأمير طراباي رأس نوبة النوب على ابنة الأمير بيبرس ابن بنت سيرين، ولست أعلم اسم أبيه ولا جده، وهو يزعم أنه ينتسب إلى الملك الظاهر برقوق بقوله، فكان كما يقال في المعنى:
شبهته مثل العقاب فأمه … معلومة وله أب مجهول
فكان له مهم حافل من المهمات المشهورة، فصرف على المحبوز في السماط ألف دينار، وذبح فيه اثنتي عشرة بقرة، ومن الخيل ثلاثة أرؤس، ومن الغنم مائة رأس، ومن الدجاج ألف طير، ومن الأوز مائتي زوج، وصرف على الشمع المزهر مائة دينار، وصرف على الخيام والتعاليق أربعين دينار، وعلى السقائين عشر أشرفيات، وكان له زفة حافلة مشى فيها جماعة من الأمراء الجراكسة والأمراء العثمانية، فمشوا فيها من بيت الأمير قايتباي الدوادار إلى بيت القاضي عبد العظيم الذي عمل فيه العرس وكانت ليلة حافلة. وفيه رسم ملك الأمراء بشنق شخص من عمال البلاد، فشنق على قنطرة الحاجب بعد العصر، وكان سبب ذلك ما أشيع عنه أنه زور مراسيم على لسان بعض المباشرين باستخراج الرزق التي بالغربية، فلما بلغ ملك الأمراء ذلك أرسل أحضره، فلما حضر أمر بشنقه من يومه، فشنق بعد العصر وأراح الله الناس منه.
*****
واستهل شهر جمادى الآخرة بيوم الجمعة، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم.
وفي يوم الاثنين رابعه قدم قاصد من البحر المالح وعلى يده مراسيم من عند السلطان سليم خان بن عثمان، فكان من مضمونها: أنه أرسل يطلب الأمير كمشبغا والي القاهرة، وقد بلغه ما فتحه من أبواب المظالم بمصر، وقد كثرت فيه الشكاوى من الناس عند الخنكار، فطلبه من ملك الأمراء عدة مرار، وهو يتناسى عليه، فلما رأى الطلب حثيثا في أمره، فما وسعه إلا أن أرسله، فخرج على وجهه في أثناء هذا اشهر، وسافر إلى إسطنبول من البر دون البحر. وكان من وسائط السوء ظالما غشوما، عسوفا سفاكا
стр. 1613
للدماء، استباح أموال المسلمين ودماءهم، فلم يتأسف لخروجه أحد من الناس، وفرح غالب الناس لخروجه من مصر. وكان أصل كمشبغا هذا من مماليك ملك الأمراء رومي الجنس، سيئ الخلق شديد البأس، فلهج الناس بعدم عوده إلى مصر.
وفي يوم الثلاثاء خامسه توفيت الست فضل العزيز، وكانت يومئذ متزوجة بالشيخ عبد المجيد الطريني، فكانت لها جنازة مشهورة.
ومن الحوادث الشنيعة ما وقع للشيخ عبد المجيد الطريني بسبب القتيل الذي قتل، واتهموا به جماعته، واتسعت هذه الكائنة حتى كاد أن تخرب دياره في هذه الحركة، وأمرها مشهور بين الناس بما وقع له بالمحلة، واتصل خبرها بملك الأمراء، وكان من أمرها ما يطول شرحه، وتعصب لأبي الصبي الذي قتل الشيخ عبد الله بن الغمري، وآل أمر هذه الكائنة إلى مال له صورة غرمه الشيخ عبد المجيد الطريني.
وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام الأمير جان بردي الغزالي تغير خاطره على قاضي القضاة الشافعي ولي الدين محمد ابن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن فرفور الدمشقي، فهم بقتل القاضي ولي الدين غير ما مرة، ففر منه واختفى مدة طويلة، ثم ظهر بعد ذلك بمدينة حلب، قيل: إنه كاتب ابن عثمان بما وقع له مع الغزالي، فأرسل إليه مرسومه بأن يلي قضاء الشافعية بحلب، فاستقر بها وأرسل لإحضار عياله وأولاده من دمشق، وتزوج بالست حلية زوجة القاضي محمود كاتب السر بن أجا، وصار صاحب الحل والعقد بمدينة حلب، فشق ذلك على جان بردي الغزالي نائب الشام، ولولا أن تدارك القاضي ولي الدين وفعل ذلك لقتله الغزالي لا محالة.
وكان سبب الوحشة بينه وبين الغزالي، أن الغزالي قبض على شخص من المباشرين، فوجد معه ثلاث مطالعات متوجها بها إلى الخنكار: إحداها بخط القاضي ولي الدين الشافعي، والأخرى من عند شخص يسمى المظفري شيخ المدرسة التي أنشأها الخنكار بدمشق، والثالثة من عند نائب دمشق، فكان من مضمون تلك المطالعات عدة شكاوى إلى الخنكار في الغزالي نائب الشام، بأنه قد أظهر العصيان وهو يعمل في برق عظيم، وقد التفت عليه جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة. فلما بلغ ذلك القاضي ولي الدين، فر من الشام واختفى، حتى ولي قضاء حلب، وأمره مشهور، وصار الغزالي في قهر من القاضي ولي الدين، وقيل: إنه شنق المظفري، وشنق الهجان الذي وجدت معه تلك المطالعات، ولو ظفر بالقاضي ولي الدين لشنقه أيضا.
стр. 1614
وفي يوم الجمعة خامس عشره توفي محيي الدين البلبيسي أحد نواب الشافعية وكان لا بأس به.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره توفيت زوجة المقر الشهابي أحمد بن الجيعان، وكانت جركسية الجنس تدعى شهددار، وكانت بديعة في الحسن والجمال من أجل النساء حسنا، فافتتن بها المقر الشهابي أحمد بن الجيعان حتى شغلته عن أحوال المملكة، قيل: إنها كانت تحسن الضرب بالسبع آلات المطربة، وهي الجنك والعود والصنطير والقانون والدربج والكمنجا والصيني. وكان أصل شهددار هذه من جواري ابنة الأمير يشبك بن مهدي الدوادار الكبير، فادعت إنها معتوقة فتزوجها الشهابي أحمد بن الجيعان، وأمهرها مائتي دينار، ودخل عليها فأحبها حبا شديدا دون نسائه، وافتتن بها إلى الغاية، وأقامت عنده مدة طويلة، تم تبين بعد ذلك أنها في رق ابنة الأمير يشبك الدوادار ولم تعتق، وصار الحق فيها إلى بنت الأمير يشبك الدوادار، فاشتراها المقر الشهابي أحمد بن الجيعان من الورثة بخمسمائة دينار، وقاسى بسببها مشقة عظيمة زائدة، فأقامت عنده مدة، ثم أنها مرضت وتزايد بها المرض حتى ماتت، فحصل لها عليها حزن شديد وتأسف عليها حتى كاد أن يموت من الحزن، واستمر مقيما بالتربة أياما، وبادر إليه الناس التعزية والسلام عليه، وصنع عدة مآتم، واجتمع هناك القراء والوعاظ، وعمل فيها الشعراء عدة مراث بديعة، قيل لما توفيت زوجة زين الدين عمر بن الوردي أنشأ يقول:
إذا ما زوجة الإنسان ماتت … فما بقيت لمسكنه سكينه
وكيف يطيعه نظم ونثر … ولا بيت لديه ولا قرينه
ويقرب من هذه الواقعة التي وقعت للشهابي أحمد بن الجيعان، ما وقع ليزيد بن عبد الملك بن مروان، وذلك أن أحد الخلفاء الأموية قد اشترى جارية مولدة من مولدات البصرة، وكانت تسمى حبابة، اشتراها بألف دينار، وكانت تشتمل على جملة من المحاسن، منها أنها كانت تضرب بالعود والجنك والقانون وسائر آلات الطرب، وتحسن الغناء الجيد وتنظم الشعر، وتحسن العربية، ولها خط جيد، وتلعب بالنرد والشطرنج، وكانت بديعة الجمال، فافتتن بها يزيد بن عبد الملك وأحبها حبا شديدا حتى أنها شغلته عن أمور الخلافة والنظر في أحوال الرعية، فاتفق له في بعض الأيام أنه توجه إلى بستان في
стр. 1615
دمشق، وصحبته تلك الجارية، وقال لوزرائه وحجابه إذا كان الغد فلا يخبرني أحد منكم بشيء من أمور المملكة، ولا بكتاب يرد من سائر الجهات قاطبة.
فلما استقر بالبستان أحضر سفره الشراب، ودارت بيهما الكاسات، ولم يكن في المجلس غير يزيد وحظيته حبابة، فبينما هما في أرغد عيش، إذ تناولت حبابة رمانة لتأكلها فشرقت بحبة من الرمان، فوققت في حلقها فانحنقت واضطربت اضطرابا شديدا، فخرجت روحها في الوقت والساعة فلما عاين يزيد ذلك كادت روحه أن تزهق من جسده، وتأسف على حبابة غاية الأسف.
قيل: لما مات أقامت سبعة أيام لم تدفن وهي بين يديه يشاهدها ويقبلها ويقول: ما نظرتها في عيني أحسن من اليوم، فلما جافت وتغيرت هيئتها، ركب إليه أقاربه وابن عمه وعنفوه على ما فعله، وأخذوا تلك الجارية ولفوها في نطع ودفنوها، واستمر يزيد في التأسف والحزن حتى مات بعدها بمدة يسيرة.
وفي هذا الشهر اضطربت أحوال القاهرة، وغلقت الأسواق بسبب المعاملة في الذهب والفضة، وجعل ملك الأمراء على الأسواق انكشارية بسبب صرف الدنانير الذهب بأكثر من أشرفيين فضة، وأشيع أن شخصا حجازيا من الصيارفة صرف أشرفيا ذهبا بأشرفيين فضة وخمسة أنصاف، فرسم ملك الأمراء بإشهارة في القاهرة وخزم أنفه، وعلق فيها الميزان ثم شنقه فراح ظلما.
وفيه توفي محمد الريس فتات العنبر رئيس المحبظين، وكان أستاذا في صنعة الخيال، وكان فاق علي بريوه في هذا الفن.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه قدم ابن الشريف بركات أمير مكة وهو الذي يسمى تقية وصحبته صهره عرار، فلما حضر خرج أمراء الجراكسة والأمراء العثمانية إلى ملاقاته، فدخل القاهرة في موكب حافل، وقدامه الانكشارية يرمون بالنفوط، فلما صعد إلى القلعة تلقاه ملك الأمراء من وسط الحوش السلطاني، وبالغ في إكرامه إلى الغاية، وخلع عليه قفطانا، وخلع على من معه من العربان وأنزلهم في مكان أعده لهم.
وفيه توفي الأمير طقطباي أستادار الصحبة، أحد الأمراء العشراوات، فلما مات دفنه ملك الأمراء في مدرسته التي بباب الوزير.
*****
واستهل شهر رجب بيوم السبت، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم. وفي ذلك اليوم قرئ كتاب الشريف بركات أمير
следующие страницы →