الدين بلغار - صهر الملك المظفر - والأمير عز الدين أيبك البغدادي، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، والأمير أقوش الذي كان نائب الكرك، وعين معهم ألفي مملوك من المماليك السلطانية.
ثم أن الملك المظفر أنفق على العسكر المعين للتجريدة، فجهزوا أمرهم في سبعة أيام، ثم خرجوا من القاهرة يوم السبت تاسع رجب من سنة تسع وسبعمائة. فلما نزلوا بالريدانية أقاموا هناك يوما وليلة، ثم عادوا إلى القاهرة. وكان سبب عود الأمراء أن ورد كتاب من عند نائب الشام بأن الملك الناصر تسلم الشام ودخل إليها في موكب عظيم وزينت له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وأن جميع النواب دخلوا تحت طاعته ومشوا في ركابه، وهم: نائب طرابلس، ونائب حماة، ونائب صفد، ونائب حمص، وكل نائب بعسكر
فدخل إلى الشام في موكب عظيم، وكان الأمير بهادر - المعروف بالحاج بهادر - حامل القبة والطير على رأسه إلى نزوله بالقصر بميدان دمشق، فحضر إليه السنجري نائب قلعة دمشق بسماط عظيم، ثم أن الملك الناصر خلع على الأمير أقوش الأفرم، وأقره نائب الشام على عادته، وخلع على الأمير استدمر كرجي وأقره نائب طرابلس على عادته، وخلع على الأمير تمر الساقي وأقره نائب حمص على عادته، وخلع على نائب حماه وأقره على عادته، ثم حضر الأمير قرا سنقر المنصوري نائب حلب وصحبته العساكر الحلبية، فخلع عليه وأقره على عادته في نيابة حلب.
ثم لما كان يوم الجمعة خطب باسم الملك الناصر في ذلك اليوم على منابر دمشق، فلما بلغ الملك المظفر بيبرس ذلك كله اضطربت أحواله، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ونسي حلاوة اللحم بمرارة الأشنان، وقد قال القائل في المعنى:
يا طالب الدنيا الدنية، إنها … شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها … أبكت غدا … تبا لها من دارّ!
فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان دخل المقر السيفي سلار النائب ومعه جماعة من الأمراء إلى الملك المظفر بيبرس، وقالوا له: "يا مولانا السلطان، إن غالب الأمراء والمماليك السلطانية قد تسحبوا من القاهرة وتوجهوا إلى الملك الناصر، وقد وقع الاختيار على عوده، ومن الرأي أن ترسل إلى الملك الناصر لتسأله في مكان تتوجه إليه أنت وعيالك فلعله أن يجيبك إلى ذلك. وإن لم تبادر إلى هذا وإلا دهمتك العساكر وهجموا عليك وأنت هنا". فقال له المظفر: "ومن يتوجه إلى الملك الناصر بهذه الرسالة؟ ". فأشار
стр. 177
عليه الأمراء بالأمير بيبرس الدوادار الكبير والأمير بهادر آص، فكتب معهما الملك المظفر كتابا إلى الملك الناصر وهو يترفق به فيه، ويسأله أن ينعم عليه بمكان يتوجه إليه هو وعياله: أما الكرك، وأما صهيون، وأما حماه.
ثم أن الملك المظفر أحضر القضاة الأربعة، وخلع نفسه من الملك وأشهد عليه بذلك، وجهز ذلك الاشهاد على يد الأمير بيبرس والأمير بهادر آص، وخرجا من يومهما وتوجها إلى الشام.
ومن عجائب الاتفاق أن الساعة التي خلع فيها الملك المظفر نفسه من الملك كانت هي الساعة التي ركب فيها الملك الناصر من الشام وخرج قاصدا نحو الديار المصرية، ودام فيها الملك الناصر في السلطنة مدة طويلة إلى أن مات على فراشه كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه. فلما توجه الأميران المذكوران إلى الملك الناصر برسالة الملك المظفر، أقام الملك المظفر بعد ذلك أياما وهو على جمرة نار، لا يقر له قرار. ثم دخل خزائن بيت المال، وأخذ منها ما قدر عليه من الأموال والسلاح والتحف، وعين معه من المماليك الذين هم من مشترياته سبعمائة مملوك، وأخذ صحبته الأمير بكتوت الفتاح، والأمير أيدمر المعروف بالحظيري، والأمير قجماس.
فلما كان يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان نزل الملك المظفر من القلعة بعد العشاء من باب القرافة، وأخذ معه من الإسطبل السلطاني ثلاث طوائل خيل من الخيول الخواص. فلما بلغ العوام نزوله من القلعة اجتمعوا، ووقفوا له عند باب القرافة، ورجموه بالحجارة والمقاليع، وسبوه سبا قبيحا … فلولا أنه شغلهم بشيء من الفضة نثرها عليهم والا كانوا قتلوه لا محالة، فانه كان قد أفحش في حق العوام وشوش على جماعة منهم كما تقدم ذكر ذلك.
فلما خلص منهم توجه من بركة الحبش إلى نحو أطفيح، وقصد التوجه إلى نحو أسوان.
فلما أصبح الصباح أشيع هروب الملك المظفر ونزوله من القلعة. فلما جرى ذلك دخل الأمير سلار النائب، وختم على خزائن بيت المال، وأطلق من كان مسجونا من الأمراء في الأبراج بالقلعة.
ثم أنه أرسل يكاتب الملك الناصر بما جرى من أمر الملك المظفر بيبرس، وأرسل كتابا بهذه الواقعة على يد الطنبغا الجمدار.
ولما كان يوم الجمعة خطب باسم الملك الناصر على منابر القاهرة قبل دخوله إليها.
стр. 178
هذا ما كان من أخبار الملك المظفر بيبرس … وأما ما كان من أمر الملك الناصر فانه لما خرج من الشام ووصل إلى غزة لاقاه الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص اللذان أرسلهما الملك المظفر، فقدما إليه مطالعة الملك المظفر والخلع الذي أشهد به على نفسه. فلما رأى ذلك الملك الناصر فرح وقال: "الحمد لله الذي صان دماء المسلمين عن القتال! ". وخلع على ذينك الأميرين الخلع السنية.
ثم أن الملك الناصر كتب أمانا وأرسله إلى الملك المظفر على يد الأمير بيبرس والأمير بهادر آص، وعادا إلى مصر فوجدا الملك المظفر توجه إلى أطفيح. فلما رأيا ذلك أرسلا له ذلك الأمان وهو في أطفيح … فكانت مدة غيبة الأميرين سبعة أيام ذهابا وإيابا إلى أن عادا بالجواب.
ثم أن الملك الناصر خرج من غزة، وجد في السير فوصل إلى بركة الحاج في سلخ شهر رمضان فعيد هناك، فخرج إليه الأمير سلار النائب وقبل له الأرض، وكذلك سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر والقضاة الأربعة وأعيان الناس. ثم أن الملك الناصر صلى صلاة العيد هناك، وطلع إلى القلعة في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه، وفرشت تحت حوافز فرسه الشقق الحرير من بين الترب إلى أن طلع إلى القلعة وجلس على سرير الملك … وقد قال القائل في المعنى:
فاستبشرت مصر وهنأ بعضها … بعضا بعودته إلى الأوطان
- عود الملك الناصر
هاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة، وهي السلطنة الثالثة.
فلما كان يوم الخميس ثاني شوال سنة تسع وسبعمائة، فيه عمل السلطان الموكب، وطلع إلى القلعة الخليفة المستكفي بالله سليمان ومعه القضاة الأربعة، وبايع الملك الناصر بالسلطنة، ولبس خلعة السلطنة - وهي جبة سوداء وعمامة سوداء بعذبة زركش وسيف بداوي متقلد به - فجلس على سرير الملك وجميع الأمراء من كبير وصغير قبلوا له الأرض وهو جالس في الايوان الأشرفي. ثم خلع على سائر الأمراء والنواب الذين حضروا معه خلع الاستمرار، وخلع على الخليفة المستكفي بالله سليمان والقضاة الأربعة وأرباب الدولة من أصحاب الوظائف.
ثم في ذلك اليوم قبل الأرض الأمير سلار النائب، وطلب من السلطان أن يعفيه من النيابة، وأن يقيم بالشوبك لأنها كانت جاربة في جملة اقطاعه … فأجابه السلطان إلى ذلك،
стр. 179
وخلع عليه خلعة السفر وخرج من يومه إلى الشوبك، فكانت مدة نيابته بالديار المصرية احدى عشرة سنة وأياما. وكان مستحقا للسلطنة أكثر من المظفر بيبرس الجاشنكير، ولكن كان سلار قانعا بالنيابة. وهو نافذ الكلمة، وافر الحرمة، كثير المال … فقنع بذلك عن السلطنة كما قيل في المعنى:
إذا منعتك أشجار المعالي … جناها الغض فاقنع بالشميم
ثم أن السلطان عمل الموكب الثاني، وخلع على الأمير بكتمر الجوكندار واستقر به نائب السلطنة عوضا عن سلار. ثم أن السلطان أرسل الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص إلى الملك المظفر بيبرس، وكان قد توجه نحو اخميم من أعمال الصعيد. فلما اجتمعا به تلطفا معه في القول حتى استخلصا منه ما كان أخذه من بيت المال من الأموال والتحف، وكذلك ما كان أخذه من الخيول الحواص، وأخذا منه ما كان معه من المماليك، ثم قالوا له إن السلطان يقول لك: "امضي إلى الكرك وأقم بها، وهو يرسل إليك من هناك عيالك وأولادك". فقال الملك المظفر: "السمع والطاعة". ورحل من يومه وتوجه من هناك من طريق السويس.
ثم أن الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص رجعا إلى القاهرة ومعهما الأموال والخيول والمماليك الذين كانوا مع المظفر، فلما حضروا إلى الملك الناصر وبلغه توجه المظفر من جهة السويس إلى الكرك، أرسل إليه الأمير استدمر كرجي وهو في أثناء الطريق، فقبض عليه وأحضره إلى الأبواب الشريفة، فطلع إلى القلعة في الليل، وذلك في ليلة الخميس رابع عشر ذي القعدة، فلما طلع إلى القلعة أودعه السلطان في البرج.
فلما كان صبيحة يوم الخميس وقت الظهر في خلوة، مثل بين يديه ووبخه بالكلام، وعدد له ما وقع من القبائح في حقه، ثم أمر بخنقه بين يديه فخنق بوتر حتى مات وقضي نحبه، وذلك في يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة من سنة تسع وسبعمائة، فلما مات أرسله السلطان إلى زوجته، وأمر بأمر يدفن في تربة بالقرافة فدفن هناك مدة … ثم أن بعض الأمراء تداخل على السلطان بأني نقل ويدفن في خانقاته التي أنشأها عند الدرب الأصفر بالقرب من خانقاه سعيد السعداء، فكانت مدة سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير بالديار المصرية أحد عشر شهرا وأياما.
وكان بيبرس مليح الشكل، أبيض اللون، أشقر اللحية، أشهل العينين، وافر العقل، حسن السيرة، وكان كفؤا للسلطنة كثير البر والخير والمعروف والصدقات.
стр. 180
سنة عشر وسبعمائة (١٣١٠ م):
فيها خلع السلطان على الأمير بكتمر الناصري الحاجب واستقر به وزيرا.
ثم أن السلطان بلغه أن أخا الأمير سلار النائب وجماعة من الأمراء الذين هم من عصبة الأمير سلار يقصدون الوثوب على السلطان. فلما تحقق ذلك بادر وقبض على أولئك الأمراء الذين نقل عنهم أمر الوثوب - وكانوا نحو أربعة عشر أميرا - وقبض معهم على أخي الأمير سلار وأودعهم السجن.
ثم أن السلطان أرسل بكاتب سلار بما وقع من أخيه، وأرسل إلى سلار بالحضور إلى القاهرة ليزول أمر القال والقيل من بين الناس. ثم أن السلطان أرسل في هذه الرسالة الأمير علم الدين سنجر الجاولي، وأمره إن لم يجيء سلار طوعا يقبض عليه ويحضره كرها، فأخذ سنجر الجاولي مراسم السلطان وتوجه إلى سلار - وكان مقيما بالكرك وقيل بالشوبك - فلما وصل إليه الجاولي أجاب إلى الحضور. فلما حضر إلى الأبواب الشريفة، أودعه السلطان في السجن بالقلعة، فأقام به أياما وأشيع موته. وكان أصله من مماليك الملك الصالح علي بن قلاون، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار قلاون.
وقيل لما سجن الأمير سلار بعث إليه السلطان بطعام، فلما وصل إليه الطعام ومثل بين يدي سلار أبى أن يأكل، ورده على السلطان وأظهر الحمق. فلما بلغ السلطان ذلك منع عنه الأكل والشرب، فأقام على ذلك أياما، فلما تزايد به الجوع أكل أخفافه وهو في السجن. ولما بلغ السلطان ذلك رق له وأرسل من يقول له أن السلطان قد رضي عليك، ففرح وقام ومشى خطوات ثم وقع ميتا من شدة الجوع.
وكان سلار مربوع القامة، غليظ الجسد، أسمر اللون، خفيف اللحية، له بعض شعرات في حنكه … وكان من التتار، وكان شديد البأس، صعب الخلق، قوي الغضب. وكان لطيف الذات في ملبسه، وإليه ينسب السلاري إلى الآن والمناديل السلارية، وقد اقترح أشياء كثيرة في الملبوس وقماش الخيل وآلة الحرب، وهي منسوبة إليه إلى اليوم. وكان كثير البر والصدقات، وله آثار ومعروف، وكان في سعة من المال والعيال مما لا يحصى لكثرته.
ولما مات سلار تولى أمر دفنه الأمير سنجر الجاولي، ودفنه في مدرسته الجاولية التي عند الكبش، ثم أن السلطان احتاط على موجوده فظهر له من الأموال والتحف ما لم يسمع بمثله في خزائن الملك. قال الشيخ محمد الكتبي: "وقفت على قوائم بخط القاضي جمال الدين بن الغديرة تتضمن ما قد اشتملت عليه تركة الأمير سلار النائب - وذلك أول ما ضبط في أول يوم وهو يوم الأحد سادس عشر جمادي الأول من سنة عشر وسبعمائة -
стр. 181
فمن ذلك صناديق افرنجي مصفحة بنحاس ضمنها فصوص، منها فصوص ياقوت أحمر كهرمان رطلان، وفصوص بلخش رطلان ونصف، وفصوص زمرد بابى عشرون رطلا، وفصوص ألماس وعين الهر ثلثمائة قطعة، ولؤلؤ كبير مدور كل حبة وزن مثقال مائة وخمسون حبة. ووجد عنده صناديق فيها ذهب عين مائتا ألف دينار، ومن الفضة أربعمائة ألف درهم وأحد وسبعون ألف درهم".
ثم في يوم الاثنين سابع عشرة وجد له من الذهب العين خمسة وخمسون ألف دينار، ومن الفضة ألف ألف درهم، ومن الفصوص المختلفة رطلان، ووجد له مصوغ من ذهب - ما بين خلاخيل وأساور - وزن أربعة قناطير مصري. ووجد عنده طاسات فضة وأطباق وأهوان ذهب وطشوت فضة الوزن ستة قناطير.
ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرة وجدله من الذهب العين خمسة وأربعون ألف دينار، ومن الفضة ثلثمائة ألف وثلاثون ألف درهم، ووجد عنده طلعات فضة للصناجق، وقطريات فضة ثلاثة قناطير.
ثم في يوم الأربعاء تاسع عشرة وجد عنده من الذهب العين ألف ألف دينار، ومن الفضة ثلثمائة ألف درهم. ووجد عنده أقبية حرير عمل الدار ملون بفرو سنجاب … العدة أربعمائة قباء. ووجد عنده من السروج الذهب مائة سرج، والكل بمياثر زركش على مخمل أحمر، ووجد له - عند صهره الأمير موسى - ثمانية صناديق لم يعلم ما فيها.
ووجد له من الشقق الحرير الطرد وحش وغيره ألف شقة. ووصل صحبته من الكرك من الذهب العين مائة ألف دينار، ومن الدراهم أربعمائة ألف درهم، ومن الخلع الملونة ثلثمائة خلعة. ووجد عنده من الخيام ست عشرة نوبة، وحزكات خشب بغشاء أطلس أحمر مرقوم مزركش. ووجد عنده من الخيول الخاص ثلثمائة رأس دون الدشار، ومن البغال مائة وعشرون قطارا، ومن الجمال مائة وعشرون قطارا … هذا كله خارج عما وجد له من الأملاك والضياع والمعاصر والشون والمراكب والعبيد والخدم والمماليك والجواري وغير ذلك. ووجد عنده من الأغنام والأبقار ما لا يحصى. ووجد عنده من الغلال ثلثمائة ألف أردب في الشون … ومع هذا كله مات من شدة الجوع في السجن بالقلعة! ثم بعد أيام ظهر له مخبأة في داره ظهر فيها أكياس ذهب لا يعلم لها عدد، ووجد له في بيت قريب من بيت الخلاء مخبأة فيها ذهب عين مسبوك بغير أكياس لا يعلم له عدد.
قيل كان متحصل الأمير سلار هذا في كل يوم من أجرة أملاكه وضياعه ومستأجراته وحماياته مائة ألف دينار، ومن العجائب أن الأمير سلار أقام في نيابة السلطنة بمصر إحدى عشرة سنة … فكيف حوى هذه الأموال العظيمة في هذه المدة اليسيرة والذي يظهر
стр. 182
لي أما أنه كان قد ظفر بكنز من كنوز القدماء، وأما أنه كان أخذ هذه الأموال والتحف من خزائن بيت المال عندما توجه الملك الناصر إلى الكرك - وقد كانت مفاتيح بيت المال بيد سلار لا يمكن منها الملك الناصر بشيء - ولكن لما مات سلار رجع كل شيء لأصله، وقد قيل في المعنى:
اجمع وأنت من الدنيا على حذر … واعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدمت من عمل … محصى عليك وما خلقت موروث
وفي هذه السنة، وهي سنة عشر وسبعمائة، كانت وفاة الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم، وهو صاحب كتاب طيف الخيال. وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله في حرفته:
يا سائلي عن حرفتي في الورى … وضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم انفاقه … يأخذه من أعين الناس
وفيها توفي الشيخ شمس الدين السروجي، شارح كتاب الهداية، وكان من كبار الحنفية.
وتوفي التوريزي محدث مكة.
سنة احدى عشرة وسبعمائة (١٣١١ م):
فيها عظم أمر الملك الناصر محمد بن قلاون حين جاءت الأخبار من أفريقية ببلاد الغرب أنه قد خطب باسمه فيها على المنابر، وكان سبب ذلك أن صاحب أفريقية - وهو أبو يحيى اللحياني - قدم على الملك الناصر في هذه السنة، وقال له: "أرسل معي عسكرا إلى أفريقية، فإذا فتحت المدينة وملكتها ألتزم للسلطان بأن أقيم نفسي بها نائبا عن السلطان". .. فعين معه السلطان تجريدة نحو مائة مملوك ومعهم أمير عشرة، فلما توجهوا نحو أفريقية تسامعت بهم العربان وأهل النواحي، فالتفت عليهم جماعة من العربان والمغاربة، فعظم أمر أبي يحيى ومشى على بلاد تونس وغيرها من البلاد، فحاصر مدينة أفريقية حتى فتحها، ودخل إليها وعلى رأسه الصناجق السلطانية والعساكر المصرية، فطرد من كان بها وملكها وخطب فيها باسم الملك الناصر محمد بن قلاون كما قرر معه، واستمر بها ورجع العسكر إلى القاهرة وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة.
стр. 183
ومن الحوادث في هذه السنة أن السلطان خلع على الأمير كراي المنصوري، واستقر به نائب الشام، فأقام بها مدة يسيرة، وأرسل فقبض عليه وأعاد الأمير أقوش الأفرم إلى نيابة الشام وكان بالكرك. ثم أن السلطان قبض على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بمصر وسجنه، وخلع على الأمير بيبرس الدوادار المنصوري واستقر به نائب السلطنة عوضا عن بكتمر الجوكندار.
وفيها جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام والأمير قرا سنقر المنصوري هربا من الشام وتوجها إلى نحو بلاد التتار، وقد بلغهما أن السلطان يروم القبض عليهما فهربا من أجل ذلك.
سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (١٣١٢ م):
فيها حضر رسل صاحب اليمن وصحبتهم هدايا عظيمة، فقبلها السلطان وأكرم قصاده.
وفيها حضر ملك النوبة إلى الأبواب الشريفة وصحبته هدايا عظيمة، فمن جملة ذلك ألف رأس رقيق وخمسمائة جمل وخمسمائة بقرة خيسية.
وفيها قبض السلطان على الأمير بيبرس الدوادار الذي استقر نائب السلطنة وسجنه واستقر بالأمير أرغون الدوادار الناصري في نيابة السلطنة بمصر عوضا عن بيبرس الدوادار، ثم خلع على الأمير تنكز الحسامي واستقر به نائب الشام عوضا عن أفوش الأفرم. قيل لما تولى الأمير تنكز نيابة الشام جعل السلطان نيابة دمشق أكبر من نيابة حلب - وكانت في قديم الزمان نيابة حلب أكبر من نيابة الشام - ثم خلع على الأمير سودون الناصري واستقر به نائب حلب عوضا عن الأمير قفجق المنصوري.
وفيها عمر السلطان الناصر جامعه المسمى بالجديد الذي عند موردة الحلفاء، وكان النيل يجري من تحته صيفا وشتاء، قيل لما أراد عمارة هذا الجامع نقل حجارته من صنم كان عند قصر الشمع يقال له السرية. قيل كان مقابل ذلك الصنم الذي عند الأهرام في بر الجيزة الذي يقال له أبو الهول. قيل عمل من ذلك الصنم قواعد للأعمدة الكبار التي في الجامع.
وفيها عمر السلطان سور الميدان الكبير الذي تحت القلعة، وابتدأ بعمارة الميدان الكبير الذي عند موردة الجبس بالقرب من خليج أروى.
وفيها حضر مملوك نائب حلب وأخبر السلطان بأن التتار قد تحركوا على البلاد، فلما تحقق السلطان ذلك عرض العسكر وأنفق عليهم فعبوا حالهم في سبعة أيام، ثم خرج السلطان من القاهرة في أوائل شهر رمضان وقصد التوجه إلى حلب بسبب التتار، فلما
стр. 184
وصل إلى غزة وردت عليه الأخبار بأن التتار بلغهم مجيء السلطان فخافوا ورحلوا عن مدينة الرحبة وتوجهوا إلى بلادهم، وقد كسرهم نائب الرحبة كسرة قوية. فلما تحقق السلطان ذلك قوى عزمه بأن يسافر من هناك إلى الحجاز الشريف، وقد سميت هذه التجريدة "الكذابة". .. ثم أن السلطان رد جماعة من الأمراء والعسكر إلى القاهرة، وأخذ معه بعض أمراء ومماليك سلطانية وتوجه من هناك إلى الحجاز الشريف. فلما قضى حجه رجع من هناك إلى الشام وأقام بها إلى أوائل شهر صفر من سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فدخلها ثالث عشر صفر، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت له المدينة زينة عظيمة، وحملت على رأسه القبة والطير، وفرشت له الشقق الحرير من التبانة إلى القلعة، ومشت الأمراء بين يديه حتى طلع إلى القلعة، وكان له موكب عظيم وهذه هي الحجة الأولى.
وفي أثناء السنة - وهي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة - كانت وفاة الشيخ نصير الدين الحمامي وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
كدرت حمامي بغيبتك التي … تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحا بها … وما كان قلب الماء فيها بطيب
وقال في المعنى:
لي منزل معروفه … ينهل غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به … وأكرم الجار الجنب
وفي هذه السنة توفي أبو جبارة شارح "الشاطبية"، وكان من أعيان العلماء.
سنة ثلاث عشرة وسبعمائة (١٣١٣ م):
فيها سافر السلطان إلى نحو بلاد الصعيد لتمهيد البلاد، فإن العربان كانوا قد زادوا في الفساد. فلما توجه السلطان هناك ضيق عليهم حتى رحلوا إلى الجبال، فماتوا من الجوع والعطش، فأسر منهم نحو النصف وحملهم إلى القاهرة في مراكب وهم في الخشب، فسجن منهم جماعة واستعمل منهم جماعة آخر في حفر الجسور وهم في جنازير حديد.
ولما عاد السلطان من بلاد الصعيد أقام عند الأهرام في بر الجيزة أياما على سبيل التنزه - وكان ذلك في شهر رمضان - فلما قرب عيد الفطر طلع إلى القلعة وعيد بها.
стр. 185
وفي هذه السنة شرع السلطان في روك البلاد الشامية - وهو الروك الناصري - فأمر بإحضار كتاب الجيوش الشامية، وحضر نائب غزة وجماعة من الأجناد الشامية والغزاوية، وتكلموا في ذلك وكتبوا المثالات والمناشير وأرسلوها على يد الأمير قجليش السلحدار. ولما وصل إلى الشام سلم الأوراق والمناشير إلى نائب الشام ففرقها على العساكر الشامية.
وفي هذه السنة تحولت سنة اثنتي عشرة وسبعمائة الخراجية، إلى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة الهلالية.
سنة أربع عشرة وسبعمائة (١٣١٤ م):
فيها شرع السلطان في عمارة القصر الأبلق الذي بقلعة الجبل، وهو عبارة عن ثلاثة قصور متداخلة في بعضها، وهي خمس قاعات وثلاث مراقد.
قال بعض المؤرخين أن الملك الناصر محمدا هذا أكمل عمارة هذه القصور الثلاثة المتداخلة في عشرة أشهر، فلما انتهى العمل جمع فيها سائر الأمراء حتى القضاة الأربعة، وقرأ فيها ذلك اليوم ختمة، ومد بها سماطا عظيما، وملأ الفسقية التي في القصر الكبير سكرا بماء ليمون، فأكل من ذلك السماط الخاص والعام، وأحضر السلطان للأمراء القمز فشربوا منه، ووقف رءوس النواب على الفسقية يملأون السكر للناس بالطاسات. وخلع السلطان في ذلك اليوم على المعلمين والمهندسين والمرخمين والنجارين والفعلة نحوا من ألفين وخمسمائة خلعة، ما بين متمرات وكوامل وخلع وأقبية وغير ذلك، وفرق من الأموال على الفقراء في ذلك اليوم نحو خمسين ألف دينار، وكان ذلك اليوم يعرف بالسلطاني … ذكر ذلك صاحب كتاب زبدة الأفكار في أخبار الملك الناصر.
سنة خمس عشرة وسبعمائة (١٣١٥ م):
فيها جاءت الأخبار بأن تنكز نائب الشام جمع سائر النواب وتوجه إلى نحو ملطية، فحاصر أهلها ومن كان بها من الأرمن، فطلبوا منه الأمان، ففتحها بالأمان في يوم الاثنين الثاني والعشرين من المحرم من سنة خمس عشرة وسبعمائة.
وفي هذه السنة راك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون البلاد المصرية - وهو الروك الناصري بعد الروك الحسامي - فزاد عن الروك الحسامي في مواضع ونقص في مواضع.
стр. 186
وفي هذه السنة - وهي سنة خمس عشرة وسبعمائة - كانت وفاة الشيخ شمس الدين محمد ابن العفيف، وكان مولده سنة اثنتين وستين وستمائة، فكانت مدة حياته ثلاثا وخمسين سنة. وكان شاعرا ماهرا، رقيق الشعر والنظم، وله شعر جيد، فمن تغزلاته اللطيفة قوله:
يا ساكنا قلبي المعنى … وليس فيه سواه ثاني
لأي معنى كسرت قلبي … وما التقى فيه ساكنان
سنة ست عشرة وسبعمائة (١٣١٦ م):
فيها جرد السلطان العساكر نحو صحراء عيذاب بأعالي بلاد الصعيد بسبب فساد العربان، فخرج في هذه التجريدة ستة أمراء مقدمين وألفا مملوك، فتوجهوا إلى بلاد البجاة وجاوزوا الأقاليم الثلاثة فلم يظفروا بأحد من العربان العصاة، فرجعوا إلى القاهرة من غير طائل، وكان قوت العسكر في هذه التجريدة الذرة والماء من الحفائر، وكانت العرب في الجبال فلم يظفروا منهم بأحد يلوح.
وفي هذه السنة كانت وفاة الشيخ علاء الدين ابن المظفر الكندي الشهير بالوداعي، وكان مولده سنة أربعين وستمائة، ووفاته سنة ست عشرة وسبعمائة، فكانت مدة حياته ستا وسبعين سنة. وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
لقد سمح الزمان لنا بيوم … غدا فيه السمي مع السمي
تجمعنا كأنا ضرب خيط … على في على في على
سنة سبع عشرة وسبعمائة (١٣١٧ م):
فيها جرد السلطان العساكر إلى نحو مدينة أحد، فطرقوها على حين غفلة، فهرب أهلها منها، فملكها عسكر مصر من غير محاصرة.
وفي هذه السنة توجه السلطان إلى غزة، وتوجه من هناك إلى زيارة بيت المقدس فزاره، ثم توجه إلى زيارة الخليل ﵇ فزاره، ثم رجع إلى الديار المصرية وذلك في جمادي الآخرة من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة وفي النيل في التاسع والعشرين من أبيب وزاد عن الوفاء نصف ذراع، فكسر بعد العصر خوفا من قوة عزم الماء.
стр. 187
وفيها أمر السلطان بتوسعة الجامع الذي في القلعة، توسعه وبنى به المئذنة الخضراء، وزخرفه بالرخام الملون وبنى به القبة الخضراء، وقيل انتهت منه العمارة في أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما.
سنة ثماني عشرة وسبعمائة (١٣١٨ م):
فيها جرد السلطان العسكر إلى نحو برقة بسبب فساد العربان لأنهم قد منعوا غنم الزكاة وأظهروا العصيان، فجرد إليهم السلطان وأخذ أغنامهم وجمالهم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون إلى نحو بلاد الغرب.
وفي هذه السنة أجرى السلطان ماء النيل من البحر إلى قلعة الجبل، وعمل مجراة جارية على قناطر مبنية بالحجر، وركز للمياه آبارا، وجعل عليها سواقي نقالة في عدة أماكن.
وفي هذه السنة عمر السلطان الحوش الكبير الذي بالقلعة وزرع به بستانا، ونقل إليه الأشجار والرياحين من سائر الأماكن حتى من البلاد الشامية ومن مكة، وطلع فيه الكادي وجوز الهند وغير ذلك من الفواكه.
وفي هذه السنة قوى عزم السلطان على أن يحج في تلك السنة - وهي الحجة الثانية - فعين معه جماعة من الأمراء المقدمين اثنى عشر أميرا، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات ثلاثين أميرا. وحج مع السلطان في تلك السنة الملك المؤيد عماد الدين اسماعيل صاحب حماه، وحج صحبة السلطان من المباشرين القاضي علاء الدين بن الأثير الكاتب السر الشريف، والقاضي فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، والقاضي كريم الدين ناظر الخواص الشريفة، وغير ذلك من المباشرين … فخرج السلطان من القاهرة في تاسع ذي القعدة، فجدّ في السير حتى دخل إلى مكة قبل الصعود بثلاثة أيام، فكنس مكان الطواف ومسحه بيده، ثم صعد إلى الجبل وقضى مناسك الحج ورجع إلى مكة وأقام بها أياما وفرق على الفقراء الذين بمكة جملة من المال، وأبطل أشياء كثيرة من المكوس التي كانت بمكة.
ثم توجه إلى زيارة قبر رسول الله ﷺ ، ودخل المدينة الشريفة وهو ماش على أقدامه حافيا، فلما دخل المدينة فرق على الفقراء خمسين ألف دينار، ثم توجه إلى نحو القاهرة فدخلها في أوائل صفر، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا.
стр. 188
سنة تسع عشرة وسبعمائة (١٣١٩ م):
فيها تزوج السلطان بنت أزبك خان صاحب الموصل، فحضرت من بلاد الشرق إلى مصر في محفة مرقومة بالذهب، فطلعت إلى القلعة وكان لها مهم عظيم، ودخل عليها السلطان وحظيت عنده.
وفي هذه السنة كانت وفاة الشيخ شهاب الدين محمود أبى الثناء، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وله شعر جيد ونثر رقيق، فمن شعره قوله:
لقد سلبوا نومي ولم تدر مقلتي … وقد سلبوا قلبي ولم تشعر الأعضا
وطلقت نومي والجفون حوامل … فمن أجل ذا في الخد أبقت لنا فرضا
سنة عشرين وسبعمائة (١٣٢٠ م):
فيها جرد السلطان العساكر إلى مدينة سيس، فطردوا من كان بها من الأرمن وملكوها، وأقاموا بها نائبا من قبل السلطان ثم رجعوا إلى القاهرة وهم في غاية النصرة.
وفي هذه السنة توفي قاضي القضاة جلال الدين القزويني.
سنة احدى وعشرين وسبعمائة (١٣٢١ م):
فيها حجت خوند زوجة الملك الناصر - وهي خوند طغاى أم ولده أنوك - فحج معها القاضي كريم الدين ناظر الخاص، وكان أمير المحمل في تلك السنة الأمير فجليش أمير سلاح وجماعة من الأمراء العشراوات، فخرجت من القاهرة في ثامن شوال، وحجت في محفة مرقومة بالذهب، وسافر صحبتها الكئوسات والعصائب السلطانية، فحجت ورجعت إلى القاهرة في عاشر المحرم، فنزل السلطان إلى تلقيها، فتلقاها من بركة الحاج، ودخلت في موكب عظيم والأمراء مشاة قدام محفتها حتى طلعت إلى القلعة.
وفي هذه السنة جرد السلطان العساكر إلى قلعة أياس ومدينة سيس … وذلك أنه لما رحل عنها عسكر السلطان ورجعوا إلى القاهرة رجعت إليها الأرمن وطردوا النائب الذي كان فيها من قبل السلطان، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إليها تجريدة عظيمة كان بها من الأمراء الأمير طرجي أمير مجلس، والأمير ألماس حاجب الحجاب - وهو صاحب الجامع الذي بالقرب من سوق الغنم - والأمير بهادر آص، والأمير سنجر الجنقدار، والأمير كجكر العلمي، والأمير أقوش الأشرفي، وغير ذلك من الأمراء العشراوات،
стр. 189
وألفان من المماليك السلطانية، ولما وصلوا إلى سيس حاصروها أشد المحاصرة حتى هرب من كان بها من الأرمن، وقتلوا من أهلها ما لا يحصى عدده، وفتحوها بالسيف، وأخربوا سورها وتركوها خاوية على عروشها، وزال عنها زخرفها ونقوشها، وجعلوا بها نائبا قد رماه الدهر في النوائب، وعن لسان نائب سيس يقول بعض الشعراء:
قالوا اجعلوا فيها لنا نائبا … جيوش سيس … قلت رأى تعيس
لو أن ذا الحاكم في سلطنة … ما تركونني أبقى بسيس
ثم رجع العسكر المصري إلى القاهرة وتركوا نائب سيس تحت مكتوبه.
وفي هذه السنة رسم السلطان الملك الناصر بعمارة ميدان المهارة الذي عند قناطر السباع، وأنزل أمير أخور كبير لعمارته، فعمره بالطوب اللبن وانتجز العمل منه في أسرع مدة.
سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة (١٣٢٢ م):
فيها تغير خاطر السلطان على القاضي كريم الدين ابن السديد - ناظر الخواص الشريفة - فقبض عليه وعلى ولده، وقد كان نال من العز ما لم ينله جعفر البرمكي في أيام هارون الرشيد، وكان الملك الناصر قد صير له التصرف في الخزائن والأموال من غير حرج، فكانت الأمراء والأعيان يركبون في خدمته، وينزلون معه إلى بيته، ولما تغير خاطر السلطان عليه احتاط على موجوده، واستصفى أمواله وذخائره ولم يترك له لا قليلا ولا كثيرا، وصادر نساءه وغلمانه وحاشيته، ثم بعد ذلك نفاء إلى نحو الشوبك هو وولده.
ثم أن السلطان خلع على القاضي تاج الدين ابن عبد الوهاب واستقر به ناظر الخواص الشريفة عوضا عن كريم الدين. ثم أن السلطان نقل القاضي كريم الدين من الشوبك إلى أسوان من أعمال بلاد الصعيد، فتوجه من هناك وهو مقيد بالحديد وسجن هناك في أسوان، فأقام في السجن مدة يسيرة ومات … قيل أنه عمد إلى خشبة وعمل فيها حبلا وخنق به نفسه، فمات وهو في السجن بأسوان. فلما مات أحضر السلطان ولده وعاقبه وقرره على الأموال والذخائر فأظهر مخبأة في دهليز بيته فوجد فيها من الذهب العين مائتي ألف دينار، ومن الفصوص والتحف ما لا يحصى … هذا بعد ما أخذه السلطان منه في المصادرة أولا وثانيا، فكان كما قيل في المعنى:
стр. 190
احذر مداخلة الملوك ولا تكن … ما عشت بالتقريب منهم واثقا
فالغيث غيثك أن ظمئت وربما … ترمي بوارقه إليك صواعقا
وحكى بعض المؤرخين عن القاضي كريم الدين هذا أنه شرب في بعض الأيام دواء، فجمع وردا كان في القاهرة ففرش منه في داره ما قدر عليه حتى في دهاليز بيت الخلاء وعلى الملاقي، وداس منه الناس ما داسوا، وأخذوا منه ما أخذوا، ثم أن العبيد والغلمان أخذوا ما فضل من ذلك الورد فباعوه بخمسة آلاف درهم. وكان القاضي كريم الدين له بر ومعروف، وأنشأ جامعا بجزيرة أروى، وأنشأ خانقاه بالقرافة الصغرى، ووقف عليها الأوقاف الجليلة، وفيه يقول ابن نباتة:
يا كريما موافق الاسم للفع … - ل وأنسى في الفضل كل قديم
لا تخف نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم
وقيل مات القاضي كريم الدين وله من العمر نحو من ستين سنة.
سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة (١٣٢٣ م):
فيها ابتدأ الملك الناصر محمد بن قلاون بعمارة خانقاه سرياقوس، قيل أن الملك الناصر رأى النبي ﷺ في المنام، وأشار عليه أن يبني في هذا المكان خانقاه، فبنى هذه الخانقاه، فلما كملت قرر بها الصوفية، ووضع في هذه الخانقاه ربعة مكتوبة بالذهب مثل الربعة التي في خانقاه بكتمر التي بالقرافة، وجعل فيها حضورا، وقرر الشيخ مجد الدين الأقصرائي شيخا بها وكان من كبار العلماء، فلما كملت العمارة نزل السلطان هناك وعمل بها وليمة عظيمة، وحضر فيها القضاة الأربعة وأعيان الناس من العلماء.
ثم أن السلطان عمر حول هذه الخانقاه البيوت الجليلة، ورغبوا في سكناها، وصارت مدينة على انفرادها، وتزايدت في العمارة، وبنى بها الملك الأشرف برسباي مدرسة عظيمة وجعل فيها خطبة، وبنى فيها عدة مساجد، وكان الملك الناصر محمد بن قلاون قرر بهذه الخانقاه جماعة آفاقية قاطنين بها ليس لهم حرفة، وفي ذلك يقول المعمار:
قد صار في الخانقاه عرف … من فعلهم وهو شر عادة
стр. 191
لا يدفعون النصيب فيها … إلا لمن يترك الشهادة
سنة أربع وعشرين وسبعمائة (١٣٢٤ م):
فيها حضر إلى الأبواب الشريفة موسى ملك التكرور وصحبته هدايا جليلة إلى السلطان، وسبب توجهه إلى مصر أنه قصد الحج في تلك السنة فحج ورجع إلى بلاده.
وفي هذه السنة رسم السلطان بحفر الخليج الناصري، وسبب ذلك أن الخليج القديم، المسمى بخليج الذكو، كان قد تلاشى أمره وعمى، فأمر السلطان بحفر هذا الخليج، وجعل مبدأه من عند موردة الجبس إلى أن أوصله بالخليج الحاكمي من عند زقاق الكحل، ثم وزع حفره على جماعة من الأمراء بالقصبة الحاكمية. وسبب ذلك أن الأمراء الذين تعاونوا على حفره كان لهم بلاد تنتفع بالري من هذا الخليج، فوزع السلطان حفره عليهم، فاحتفلوا به وحفروه حتى نبع الماء من أرضه، وانتجز منه العمل في مدة شهرين. فلما أخذوا في أسباب حفره أرادوا أن يوصلوه بالخليج الحاكمي من كوم الريش، فأشار عليهم شخص من الصالحين يقال له الشيخ علي الرطلي بأن يمشوا به من بركة قرموط، فعطفوا به من عند القنطرة العسراء ومشوا به إلى الخليج الحاكمي وطلعوا من قبالة زقاق الكحل.
وإلى الشيخ علي الرطلي تنتسب بركة الرطلي، وكان هذا المكان قديما يعرف بأرض الطبالة، فلما مشى هذا الخليج الناصري بالماء جاء أحيا من خليج الذكو وأكثر مياها، قيل لما أوفى النيل في تلك السنة ودخل الماء إلى الخليج الناصري كان له يوم مشهود، ونزل السلطان واجتمع الأمراء يوم كسر سده، وفي ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة المغربي:
ولرب أقطع قال لي بيتا وقد … كسر الخليج وجاء كالطوفان
أجرى لنا السلطان بحرا ثانيا … ما لي بشكر نوالهن يدان
وفي هذه السنة ابتدأ الأمير بكتمر - حاجب الحجاب - يحفر بركته المعروفة الآن ببركة الرطلي، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصري، وعمل لها جسرا بينها وبين الخليج، وأرض البركة جارية إلى الآن في وقف الأمير بكتمر الحاجب.
وفي هذه السنة برزت المراسيم الشريفة إلى نائب حلب بأن يروك البلاد الحلبية كما فعل في البلاد الشامية، فخرج أمير من الأمراء العشراوات ومعه جماعة من المباشرين
стр. 192
بسبب ذلك، فتوجهوا من القاهرة إلى حلب وراكوا البلاد الحلبية حكم البلاد الشامية، فجميع البلاد المصرية والشامية والحلبية الآن في الروك الناصري.
سنة خمس وعشرين وسبعمائة (١٣٢٥ م):
فيها رسم السلطان بابطال الضرب بالمقارع من سائر أعمال مملكته، وكتب بذلك مراسيم شريفة وقرئت على منابر مصر والشام بابطال ذلك.
وفي هذه السنة وقع الغلاء بمصر وسائر أعمالها، وتشحطت الغلال وماجت الناس على بعضها.
وفي هذه السنة أجرى السلطان عين ماء بمكة - وهي العين المعروفة بعين بازان - فحصل لأهل مكة بها غاية النفع، وهي إلى الآن جارية يعم نفعها أهل مكة.
سنة ست وعشرين وسبعمائة (١٣٢٦ م):
فيها عمل السلطان الموكب، وقبض على الأمير طشتمر المعروف بحمص أخضر، وقبض على الأمير قطلوبغا الفخري. فأما الأمير طشتمر حمص أخضر فشفع فيه الأمراء، فأفرج عنه السلطان من يومه. وأما الأمير قطلوبغا الفخري فأرسله السلطان إلى دمشق بطالا. واستمر طشتمر ممقوتا عند السلطان فانه كان شديد البأس ظالم الصورة، وفيه يقول المعمار رحمه الله تعالى:
لما طغى طشتمر واعتدى … تفاءل الناس بأفوالها
دنا حصاد الحمص المعتدى … ولم تزل مصر بأفوالها
وفي هذه السنة عمرت القرية المعروفة بالنحريرية من أعمال الغربية، وكان سبب انشائها أن الأمير شمس الدين سنقر السعدي - نقيب الجيوش المنصورة - كانت هذه الأرض في اقطاعه جارية، فعمر بها الأمير سنقر السعدي جامعا وطاحونا وخانا، ثم تزايدت في العمارة وسكن بها جماعة كثيرة من الفلاحين، فبلغ خراجها في كل سنة خمسة عشر ألف دينار، فبلغ ذلك الملك الناصر، فأخذها من الأمير سنقر السعدي وصارت من جملة بلاد السلطان، وتزايدت في العمارة حتى صارت بلدا كرسيا.
سنة سبع وعشرين وسبعمائة (١٣٢٧ م):
فيها توفي الأمير سنقر السعدي - نقيب الجيوش - عند حدرة البقر المسماة بالسعدية.
стр. 193
وفي هذه السنة أمر السلطان بإحضار القاضي محيي الدين بن فضل الله العمري - كاتب سر الشام - فلما حضر إلى الأبواب الشريفة خلع عليه السلطان، واستقر به كاتب السر الشريف بمصر. وهو الذي يقول فيه الشيخ جمال الدين بن نباتة:
يا سائلي عن كاتب السر الذي … يعزي علاه إلى أب أواه
هذاك غيث الله محيي الأرض من … بعد الممات، وذاك فضل الله
ومما يحكى عن القاضي محيي الدين هذا أنه كان إذا دخل على الملك الناصر في وقت العلامة يجمع ما فيها من الرمل الذي يتناثر من العلامة بحضرة السلطان، فيجمع ذلك كله ولا يرمي منه شيئا، ويضعه في مرملته التي لنفسه، ويقول: "هذا رمل سعيد لا يرمي منه شيء". فكان إذا كتب شيئا رمله من ذلك الرمل الذي جمعه من العلامة بحضرة السلطان.
وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة صاحب حماة - وهو الملك المؤيد عماد الدين - وصحبته هدايا جليلة وتقادم عظيمة، فأكرمه السلطان غاية الاكرام، وأقام بالقاهرة أياما ثم توجه إلى بلاده.
سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (١٣٢٨ م):
فيها برزت المراسيم الشريفة ببناء قناطر على الخليج الناصري الذي حفره السلطان الملك الناصر، فبنى قنطرة عند الميدان الكبير بموردة الجبس، وبنى قنطرة تعرف الآن بقنطرة قديدار، قيل إن الأمير قديدارا كان مشرفا على عمارتها فنسبت إليه، وبنى قنطرة بظاهر باب البحر، وبنى قنطرة عند بركة قرموط تعرف الآن بقنطرة العسرا، وبنى قنطرة عند بركة الرطلي تعرف الآن بقنطرة الحاجب كان مشرفا على عمارتها فنسبت إليه، وبنى قنطرة عند زقاق الكحل تعرف الآن بالقنطرة الجديدة … فهذه القناطر من إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاون.
سنة تسع وعشرين وسبعمائة (١٣٢٩ م):
فيها حفر السلطان الملك الناصر البركة الناصرية المنسوبة إليه المجاورة للميدان الكبير، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصري.
وفي هذه السنة أخرج السلطان ولده الأمير أحمد إلى مدينة الكرك ورسم له بأن يقيم بها، فعبى له سنيحا عظيما وتوجه إلى هناك.
стр. 194
سنة ثلاثين وسبعمائة (١٣٣٠ م):
فيها عمر السلطان القصر الكبير الذي في الميدان عند البركة الناصرية، وعمل تحته بستانا عظيما، وكان ينزل هناك ويقيم معه الحريم، ويوكب من هناك المواكب الجليلة، ويطلع إلى القلعة والأمراء بين يديه بالشاش والقماش والعسكر مشاة بين يديه حتى يطلع إلى القلعة.
وفي هذه السنة رسم السلطان بهدم الايوان الأشرفي الذي كان بالقلعة، فهدمه وبناه على هذه الصفة الموجودة الآن، وعقد فوقه هذه القبة العظيمة، وكان يعمل فيه المواكب العظيمة، وتجتمع به الأمراء ويكثر فيه الزحام من العسكر حتى قال فيه بعض الشعراء ﵀:
ما كان يكفي حر ذا إلا … يوان حتى ازداد قبه
فكأنني فيه خرو … ف قد شوى من تحت كبه
وفي هذه السنة هدم السلطان دور الحرم التي كانت بالقلعة وأنشأها عمارة جديدة وتباهى في بنائها.
وفي هذه السنة حضر إلى الأبواب المقر السيفي تنكز نائب الشام يزور السلطان، فأنزله في الميدان الكبير عند الناصرية، وبالغ في اكرامه وتعظيمه. وأحضر صحبته تقادم عظيمة إلى السلطان والأمراء ما بين خيول وفراش وقماش وغير ذلك.
سنة احدى وثلاثين وسبعمائة (١٣٣١ م):
فيها رسم السلطان بأن يعمل باب للكعبة الشريفة جديد من الخشب السنط الأحمر، فعمل وصفحوه فوق الخشب بصفائح الفضة، فكان زنتها ثلاثين ألف درهم. فلما قلع الباب العتيق وزنوا ما كان عليه من الفضة فكان زنتها ستين رطلا، فأنعم بها الملك الناصر على بني شيبة خدام البيت الشريف، فتقاسموه بينهم. وهذا الباب كان عمله الخليفة العباسي الملقب بالمقتفى بالله في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من الهجرة.
سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٢ م):
فيها شرع السلطان في التوجه إلى الحجاز الشريف، وهي الحجة الثالثة، فيها خرج من القاهرة في سابع شوال. وكان سبب هذه الحجة أن السلطان لما عمل هذا الباب الجديد
стр. 195
للكعبة قصد أن يوضع على باب الكعبة بحضرته، فحج في تلك السنة، وكان بحصبته الملك الأفضل محمد ابن الملك المؤيد عماد الدين اسماعيل صاحب حماه، وكان مع السلطان من الأمراء الأمير بكتمر الساقي وولده الأمير أحمد ابن أخت الملك الناصر، والأمير أيدمر الخطيري، والأمير جنكي ابن البابا - وهو صاحب الدرب المنسوب إليه - والأسير بيبرس الأحمدي، والأمير بهادر المعزي، والأمير ايدغمش - وهو صاحب الخوخة المنسوبة إليه - والأمير قطز أمير أخور كبير، والأمير طقزدمر - وهو صاحب القنطرة المنسوبة إليه - والأمير سنجر الجاولي، والأمير قوصون، والأمير صوصون، والأمير طاير بغا، والأمير بشتاك العمري - وهو صاحب الجامع المنسوب إليه - والأمير أقبغا آص الجاشنكير، والأمير طقتمر الخازن - وهو صاحب الدرب المنسوب إليه - والأمير تمر الموسوي، والأمير أيدمر أمير خازندار، والأمير مسعود حاجب الحجاب، والأمير صاروجا نقيب الجيوش المنصورة - وهو صاحب الجامع الذي عند بركة الرطلي - وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشراوات … فكانت عدة من حج مع السلطان من الأمراء في تلك السنة اثنين وسبعين أميرا ما بين مقدمي ألوف وغير ذلك، فكانت مدة غيبة السلطان في هذه السفرة إلى الحجاز ذهابا وايابا أربعة وخمسين يوما لا غير.
ومما وقع للسلطان الملك الناصر في هذه الحجة أن صهره الأمير بكتمر الساقي الأتابكي لما حج معه هو وولده الأمير أحمد، فلما قضوا حجهم ورجعوا مرض الأتابكي بكتمر في أثناء الطريق، فلما وصل إلى عيون القصب ثقل عليه المرض فمات هناك ودفن بعيون القصب، وكانت وفاته في ثاني المحرم من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. ثم مرض ولده الأمير أحمد أيضا ومات بنخل ودفن بها، ثم بعد مدة نقل الأتابكي بكتمر وولده الأمير أحمد إلى القاهرة ودفنا هناك في الخانقاه التي أنشأها بالقرافة الصغرى بالقرب من الجبل المقطم. وكان الأمير بكتمر أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات الملك المظفر أخذه الملك الناصر محمد بن جملة موجودة، فحظى بكتمر عند الملك الناصر حتى جعله ساقيا، ثم صار يرقى في دولة الملك الناصر حتى بقي أتابك العساكر.
ثم أن الملك الناصر زوج الأتابكي بكتمر بأخته بنت الملك المنصور قلاون. وكان الملك الناصر ينزل إلى بيت الأتابكي بكتمر وينفرد عنده وينام في بعض الأوقات حتى يتفرج على بركة الفيل، فان الأمير بكتمر كان ساكنا في البيت الذي بالقرب من المدرسة الجاولية، فصار الأتابكي بكتمر صاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر، ولا يتصرف الملك الناصر في شيء من المملكة إلا بعد مشورة الأتابكي بكتمر، وكان لا يهدي للملك
стр. 196
الناصر شيء من التقادم إلا ويهدي للأتابكي بكتمر مثله أو أحسن منه، فكثرت أموال الأتابكي بكتمر حتى قيل: كان في اسطبله مائة سطل نحاس بيد مائة سائس، وتحت يد كل سائس طوالة خيل من الخيول الخاص، وحوى من الأموال والجواهر والتحف ما لم يحوه قبله أحد من الأمراء، فلما ثقل أمره على الملك الناصر لم يتمكن من القبض عليه، فلما حج معه بلغ الملك الناصر أن الأتابكي بكتمر يقصد قتله في طريق الحجاز ويتسلطن هناك، فبادر إليه الملك الناصر ودس عليه من سقاه سما هو وولده الأمير أحمد ابن أخت الملك الناصر فماتا وهما في أثناء الطريق راجعين كما تقدم ذكر ذلك.
قال بعض المؤرخين: لما مات الأتابكي بكتمر بعيون القصب احتاط الملك على موجوده الذي كان معه بطريق الحجاز فوجد معه خمسمائة تشريف ما بين خلع أطلس ومتمرات وكوامل وغير ذلك، ووجد معه عدة قيود وجنازير في خوشخانات … فعند ذلك تحقق الملك صحة ما نقل عن الأتابكي بكتمر في أمر أنه قصد قتل السلطان هناك.
وكان الأتابكي بكتمر يغلظ على السلطان في القول إذا رأى منه الجور في حق الرعية، وكان يحجر عليه في ذلك، وكان السلطان يرجع إلى قول الأتابكي بكتمر في غالب الأمور ولا يخالفه في شيء إذا أصر عليه.
وكان صفة الأتابكي بكتمر: أبيض اللون مشربا بحمرة، أسود اللحية، معتدل القامة، وافر العقل، حسن العبارة في كلامه، عليه سكينة ووقار، وكان قليل الأذى في حق الرعية، وله بر ومعروف … فمن ذلك أنه أنشأ خانقاه في القرافة الصغرى بالقرب من الجبل المقطم، وقرر بها صوفية وحضورا، ووقف عليها أوقافا كثيرة، ووضع بها ربعة عظيمة مكتوبة كلها بالذهب، قيل إن مصروفها نحو ألف دينار، وهي موجودة إلى الآن، وكان بهذه الخانقاه حمام وفرن وطاحون وساقية وجنينة، وكان بها جماعة من الصوفية قاطنون بها، وكان له آثار كثيرة بمصر والشام.
فلما مات الأتابكي بكتمر قرب السلطان الأمير قوصون ورقاه. قيل أنه أنعم عليه بزردخانة الأتابكي بكتمر، فقوم ما فيها من السلاح وغيره فكان بنحو ستمائة ألف دينار، ثم أن السلطان زوّج الأمير قوصون بإحدى بناته. ولم يزل قوصون يرقي في أيام الملك الناصر حتى فاق على الأتابكي بكتمر في أيامه. قيل وقع يوما بين الأتابكي بكتمر وبين الأمير قوصون تشاجر فقال قوصون للأتابكي بكتمر: "أنا ما نقلت من الأطباق إلى الإسطبلات، بل أخذني السلطان من شخص تاجر كنت في خدمته. فلما أخذني السلطان اتفق أن في ذلك اليوم توفي واحد من الخاصكية الثقال فأنعم على السلطان باقطاعه وبركه وبيته، وصرت خاصكيا في ذلك اليوم. وسبب ذلك أن التاجر الذي كنت عنده لما قال له
стр. 197
السلطان: يعني هذا المملوك، قال التاجر: هو حر لوجه الله تعالى، فأخذني السلطان برضاي، ولم أقعد في طبقة، ولم أكن تحت حكم أغا، ولم أبع مثل بقية المماليك … ".
فلما سمع الأمير بكتمر ذلك سكت عنه ولم يجبه عن ذلك بشيء.
وفي أثناء هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة - حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير مهنا ابن الأمير عيسى من عربان آل فضل، وأحضر معه تقادم عظيمة للسلطان، فخلع عليه وأقره على حاله شيخ آل فضل.
سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٤ م):
فيها حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي تنكز نائب الشام، وكان يزور السلطان في كل سنة مرة، وصحبته الهدايا والتقادم. فلما حضر أنزله السلطان في الميدان الكبير الذي عند البركة الناصرية، وبالغ السلطان في إكرامه وتعظيمه، وكان ذلك آخر اجتماعه بالسلطان وهو في عزة وعظمة وقد تناهى سعده، فأقام بالقاهرة ثم توجه إلى الشام، فخلع عليه السلطان خلعة عظيمة، ونزل من القلعة في موكب عظيم والأمراء في خدمته حتى رحل من القاهرة.
سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٥ م):
فيها أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء الذين في السجن بثغر الاسكندرية، وهم:
الأمير بيبرس حاجب الحجاب، والأمير تمر الساقي، والأمير غانم بن أطلس خان، والأمير طغلق، والأمير بلاط اليونسي، والشيخ علي الأوجاقي، والأمير يلزعي، والأمير بنجاس، والأمير لاجين الغمري، والأمير بيبرس العلمي، والأمير كجلي … فلما حضر هؤلاء الأمراء إلى القاهرة خلع عليهم السلطان ثم أعادهم إلى اقطاعاتهم وقبض على جماعة من الأمراء نحو ذلك وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية.
وفي هذه السنة رسم السلطان بعمارة قنطرة على بحر أبي المنجا عند شيبين القناطر.
وفيها جاءت الأخبار من حلب بأن الأرمن ملكوا مدينة سيس وطردوا من كان بها من المسلمين، فرسم السلطان لنائب حلب بأن يتوجه إليهم ومعه العساكر الحلبية، فخرج إليهم في سابع عشرى شهر رمضان، فحاصر من كان بها من الأرمن، وأحرق الضياع التي حولها، وأسر جماعة من الأرمن نحو ثلثمائة إنسان. فلما بلغ ذلك من كان من الأرمن بقلعة اياس، ثاروا على من كان عندهم في المدينة من المسلمين، وحشروهم في فندق،
стр. 198
وأحرقوا ذلك الفندق، فاحترق فيه من المسلمين نحو ألفي إنسان ما بين رجال ونساء وصغار، وذلك في يوم العيد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سنة ست وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٦ م):
فيها رسم السلطان للمقر السيفي تنكز نائب الشام بعمارة قلعة جعبرة، فتوجه إليها تنكز وعمرها في أسرع مدة، ورتب بها الرجال الحرسية، وجعل لها نائبا مقيما بها، وأودع فيها السلاح، وكتب بذلك محضرا وأرسله إلى السلطان.
وفي هذه السنة توجه الأمير أزدمر الشمسي - نائب بهنسا - إلى قلعة درنده وحاصر أهلها، فطلبوا منه الأمان فأمنهم، فسلموه القلعة فأقام بها نائبا من قبل السلطان، ثم توجه إلى قلعة النقير فحاصرها، ففعل أهلها مثل ما فعل أهل قلعة درندة، وأقام بها نائبا من قبل السلطان.
وفي هذه السنة وقع الغلاء بالديار المصرية، فبيع القمح كل أردب بسبعين درهما، وعدم الخبز من الأسواق، وماجت الناس على بعضها، فرسم السلطان بفتح شونه ففتحوها وباعوا منها فانحط السعر إلى أن صار الأردب بثلاثين درهما. ولما أن دخل شهر رمضان كثر فيه القمح حتى ما بقي أحد يشتريه ولا يقلبه، وسكن وهج الناس.
ومن الحوادث في هذه السنة أن السلطان الملك الناصر تغير خاطره على الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان، ورسم له بأن يتحول من مناظر الكبش ويسكن بقلعة الجبل، فتحول من يومه وطلع إلى القلعة هو وعياله، فأنزله السلطان في البرج الكبير الذي أنزل فيه الظاهر بيبرس البندقداري الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله عند قدومه من بغداد، فاستمر الخليفة المستكفي بالله ساكنا في البرج، ومنعه السلطان من الاجتماع بالناس ومن النزول إلى المدينة، فأقام على ذلك نحو خمسة أشهر، ثم أن بعض الأمراء تشفع فيه فرسم له السلطان بإعادته إلى مناظر الكبش كما كان أولا.
وفيها أرسل السلطان تجريدة إلى سيس بسبب فساد الأرمن.
وفيها حضرت إلى الأبواب الشريفة الحرة زوجة ملك الغرب طالبة الحج، فأهدت إلى السلطان هدية جليلة، ومن جملتها أعجوبة وهو ثور أصفر فاقع اللون كامل الخلقة، وفي وسط ظهره من الجانب الأيمن كتف طالع من رءوس أضلاعه، وهو بمرفق وذراع وحافر مفروق مثل حوافر البقر، فكان يطوف بالقاهرة ويجبي عليه - كما يفعل بالسباع - وهو بحبل من حرير أصفر.
стр. 199
سنة سبع وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٧ م):
فيها قبض النشو - ناظر الخواص الشريفة - على ابن فضيل شيخ مدينة ملوى، وكان له دواليب ومعاصر، وكان يزرع في كل سنة من القصب الحلو خمسمائة فدان. فلما قبض عليه النشو وجد عنده في حاصله أربعة عشر ألف قنطار سكر، ومثلها قطر نبات، ومثلها عسل أسود … هذا كله خارج عن العبيد والجواري والغلال وغير ذلك. فحمل جميعه إلى الحواصل السلطانية، وأقام ابن فضيل في الترسيم مدة، ثم أفرج عنه السلطان، وخلع عليه وأعيد إلى عمله بمدينة ملوى.
سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٨ م):
فيها رسم السلطان للخليفة المستكفي بالله سليمان بأن يتوجه هو وأولاده وعياله إلى نحو مدينة قوص من أعمال بلاد الصعيد وأن يقيم بها، فخرج من يومه - هو وعياله وأولاده - فشق ذلك على الناس وتأسفوا غاية الأسف على ذلك، وفي ذلك يقول الشيخ زين الدين ابن الوردي:
أخرجوكم إلى الصعيد لأمر … غير مخز في ملتي واعتقادي
لا يغيركم الصعيد وكونوا … فيه مثل السيوف في الأغماد
قيل: وكان سبب تغيير خاطر السلطان على الخليفة المستكفي بالله أنه رفعت قصة إلى الملك الناصر وعليها خط الخليفة سليمان ليحضر محمد بن قلاون إلى مجلس الشرع أو يوكل، فشق ذلك على الملك الناصر وبقي في خاطره شيء من الخليفة سليمان حتى نفاه إلى قوص، فأقام بها إلى أن مات في شهر شعبان سنة احدى وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة خلافته بمصر خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر.
فلما نفاه السلطان إلى قوص أقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر والسلطان يتروى فيمن يوليه الخلافة. وكان الخليفة المستكفي بالله لما توجه إلى مدينة قوص عهد إلى ولده أحمد، وثبت عهده على يد قاضي قوص بشهادة أربعين رجلا من العدول، فلم يمض الملك الناصر ذلك العهد لما في نفسه من الخليفة سليمان، فجمع القضاة الأربعة، وعقد مجلسا بسبب ذلك، فلما رأى القضاة ذلك العهد تمسكوا بحكم قاضي قوص، فانقض المجلس ولم يول السلطان أحمد بن المستكفي بالله وصمم على عدم ولايته، ثم ولى ابراهيم أخا المستكفي بالله على حين غفلة، ولقبوه بالواثق بالله. وكان دميم السيرة … قال قاضي
стр. 200
القضاة شهاب الدين بن حجر في تاريخه: "إن العوام كانت تسمي إبراهيم هذا لما تولى الخلافة" المستعطي بالله "لقذارة نفسه وسوء تدبيره".
سنة تسع وثلاثين وسبعمائة (١٣٣٩).
فيها ظهرت بالقاهرة امرأة تسمي الخناقة، وكانت تحتال على النساء والأطفال وتخنقهم وتأخذ ثيابهم، فشاع أمرها بين الناس، فلا زالوا يحتالون عليها حتى أمسكوها وشنقوها على باب زويلة، وكان لها يوم مشهود لما علقت للشنق.
وفي هذه السنة تغير خاطر السلطان على النشو - ناظر الخواص الشريفة - وسلمه للأمير بشناك الناصري حاجب الحجاب يعاقبه. فلما تسلمه عاقبه حتى مات تحت العقوبة، واستصفى أمواله، وكان السلطان قد قرب النشو عنده في أعلى المراتب، وأمن من قبله، فكان كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: "من أمسى من الدنيا وهو على جناح أمن أصبح منها وهو على قوادم خوف". فلما مات النشو استقر السلطان بصهر النشو في نظارة الخاص، فجاء أظلم من النشو، وفيه يقول المعمار:
قد أخلف النشو صهر سوء … قبيح فعل كما تروه
أراد للشر فتح باب … فأغلقوه وسمروه
سنة أربعين وسبعمائة (١٣٤٠ م):
فيها توفى أنوك ولد الناصر محمد بن قلاون، وكان بديع الجمال مليح الشكل، وكان السلطان يحبه دون سائر اخوته، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة، فتأسف عليه السلطان أسفا شديدا. وقد رثاه الصلاح الصفدي ﵀ حيث قال:
مضيت وكنت للدنيا جمالا … وجرعت النجوم الزهر فقدك
ومن عجب الليالي فيك ألا … يموت أبوك يا أنوك بعدك
وكان الفأل بالمنطق.
وفيها توفي الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري. وكان عالما فاضلا ناظما للشعر، وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
стр. 201
فسر لي عابر مناما … فصل في قوله وأجمل
وقال: لا بد من طلوع … فكان ذاك الطلوع دمل
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: "كنت بدمشق في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، والشيخ فتح الدين بن سيد الناس بمصر، فكتبت إليه وأنا بدمشق أقول له:
كان سمعي في مصر بالشيخ فتح الد … ين يجني الآداب وهي طرية
يا لها غربة بأرض دمشق … أعوزتني الفواكه الفتحية
وفي هذه السنة تغير السلطان على المقر السيفي تنكز نائب الشام، فأرسل الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوى، وصحبتهم جماعة من المماليك السلطانية، ثم كتب مراسيم إلى أهل دمشق على يد هؤلاء الأمراء بأن يكونوا لهم عونا على القبض على تنكز نائب الشام. وكان تنكز هذا أصله من مماليك الملك المنصور حسام الدين لاجين، وتولى الملك الناصر فأخذ تنكز من جملة موجود لاجين، فصار من مماليك الناصر محمد، ثم جعله خاصكيا، ثم بقي الأمير عشرة، ثم بقي أمير طبلخانات، ثم بقي مقدم ألف … كل ذلك في دولة الملك الناصر محمد. ثم جعله نائب الشام في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة عوضا عن الأمير أقوش الأفرم. واستمر تنكز في نيابة الشام ثمانيا وعشرين سنة، فعظم أمره، وكثرت أمواله، وكان له عند السلطان منزلة عظيمة حتى كان يكاتبه في المراسيم" أعز الله أنصار المقر الكريم العالي ". وزاده في الألقاب عن العادة، وكان السلطان لا يفعل شيئا من أمور المملكة حتى يرسل ويشاور تنكز عليها.
وكان تنكز يزور السلطان في كل سنة مرة وصحبته الهدايا الجليلة والتقادم العظيمة، ويقيم بمصر أياما، ثم يخلع عليه السلطان خلعة ويتوجه إلى الشام.
واستمر تنكز على ذلك حتى أوقعوا بينه وبين السلطان، ودبت بينهما عقارب الفتن، فأرسل السلطان بالقبض عليه. فلما وصل إليه بشتاك الناصري والأمير يلبغا اليحياوي، قالوا له." إن السلطان رسم لك بأن تحضر إلى القاهرة حتى يزوج ابنته بابنك ". فقال تنكز:
"أنا لي شغل في هذا الشهر، ولكن امضوا أنتم إلى القاهرة وأنا أحضر أنا وولدي بعدكم ".
فأغلظوا عليه في العبارة، وأغلظ هو أيضا عليهم، فأرسلوا كاتبوا السلطان بذلك، وأثخنوا جراحات تنكز عند السلطان. فلما سمع السلطان هذا الجواب ازداد حنقه على تنكز، وعين إليه الأمير طاجار الدوادار الكبير بالقبض عليه. ولو أن تنكز حضر إلى السلطان صحبة الأمير بشتاك والأمير يلبغا ما حصل له من السلطان الا كل خير.
стр. 202
فلما وصل الأمير طاجار الدوادار قال لتنكز: "قم احضر عند السلطان والخيرة لك".
فقال له تنكز: "امض أنت وأنا بعد ثمانية أيام أحضر عند السلطان". فرجع الأمير طاجار عند السلطان، وما أبقى ممكنا في حق تنكز من الأذى.
فلما سمع السلطان ذلك عين إلى تنكز تجريدة ثقيلة من القاهرة، ورسم للنواب كلهم أن يمشوا على تنكز. فلما وصلت التجريدة إلى الشام، ومشت على تنكز جماعة من النواب، حاصروه وهو بالشام فطلب منهم الأمان، ونزل إليهم فقبضوا عليه وقيدوه، وذلك في ثالث عشر ذي الحجة سنة أربعين وسبعمائة.
ولما أمسك تنكز احتاطوا على موجوده من صامت وناطق، فالذي قد ضبط من الذهب العين ثلثمائة ألف دينار وستون ألف دينار، ومن الفضة النقدية ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ووجد له من الفصوص الياقوت والبلخش واللؤلؤ الكبار ثلاثة صناديق، ووجد عنده من الطراز الزركش والحوائص الذهب والخلع الأطلس مائة وخمسون بقجة، ومن القماش الصوف وغير ذلك خمسمائة بقجة، ووجد عنده من الفراش والبرك والأواني ما حمل إلى القاهرة على مائة وخمسين جملا، ووجد له ودائع عند الناس مائتا ألف دينار، ومن الفضة ألف ألف ومائة ألف درهم، وظهر له من الأملاك والضياع بمصر والشام ما قوم في كل سنة بمائة ألف دينار.
فلما وصل تنكز إلى القاهرة حمل موجوده إلى الخزائن الشريفة، ورسم له بالتوجه إلى السجن بثغر الاسكندرية، فسجن بها. ولما سجن أقام بالسجن أربعين يوما وهو مقيد، ثم أن السلطان رسم بخنقه، فأرسل إليه الحاج ابراهيم بن صابر مقدم الدولة فخنقة بالسجن وغسله وصلى عليه ودفنه بثغر الاسكندرية … فذهب ماله، وتخلى عنه سلطانه. وقد قيل:
لا فهم في الدنيا لمستيقظ … بلمحها بالفكرة الباصرة
ان كدرت عيشته ملها … وان صفت كدرت الآخرة
قيل: "ثلاثة لا يؤمن إليها: المال وان كثر، والملوك وان قربوا منك، والمرأة وان طالت صحبتها".
ثم ان تنكز أقام مدفونا بثغر الاسكندرية مدة يسيرة، ثم أن بعض الأمراء شفع فيه بأن ينقل ويدفن في مدرسته التي أنشأها بدمشق، فرسم السلطان بنقله وهو ميت إلى دمشق في أواخر سنة أربعين وسبعمائة. وفيه يقول الشيخ صلاح الدين الصفدي:
стр. 203
إلى دمشق نقلوا تنكزا … فيالها من آية ظاهرة
في جنة الدنيا له جثة … وروحه في جنة الآخرة
وقال فيه أيضا رحمه الله تعالى:
في نقل تنكز سر … أراده الله ربه
أتى به نحو أرض … يحبها وتحبه
وكانت صفة تنكز: أسمر اللون، خفيف العوارض طويل القامة، حسن الشكل، وافر العقل، سديد الرأي، حسن السياسة، وكان دينا خيرا، كثير البر والخير، وله معروف وآثار للخير بمصر والشام، وكان طاهر الذيل عن … غير أنه كان صعب الخلق شديد الغضب، إذا غضب على أحد لم يرض عنه أبدا.
وكانت مدة نيابته بدمشق ثمانيا وعشرين سنة، وهذا لم يتفق لنائب قبله. وكانت أهل دمشق عنه راضية في مدة ولايته.
سنة إحدى وأربعين وسبعمائة (١٣٤١ م):
فيها توفي القاضي محيى الدين بن فضل الله العمري كاتب السر الشريف. فلما توفى استقر ولده القاضي شهاب الدين بن فضل الله عوضه، فجاء في المنصب أعظم من والده.
وكان عالما فاضلا، وله نظم ونثر، وألف كتابا في صنعة الإنشاء، وصار العمل عليه إلى الآن بين الموقعين في الإنشاء، وصار عمدة الموقعين، وبه يقتدون. وقد قال منشيه في المعنى:
يا طالب الإنشاء خذ علمه … عني، فعلمي غير منكور
ولا تقف بباب غير فما … تدخله إلا بدستور
وفي هذه السنة تزايدت عظمة الملك الناصر محمد بن قلاون، وكثرت مماليكه حتى صار راتبه ورواتب مماليكه كل يوم من اللحم الضاني ستة وثلاثين ألف رطل. وبالغ في مشتري المماليك حتى قيل بلغت مشترواته اثنى عشر ألف مملوك. وهو أول من اتخذ الشاش والقماش للعسكر والأقبية المفتوحة، واتخذ الطرز الذهب والحوائص الذهب والسيوف المسقطة بالذهب والأقبية القاقم. وهو أول من رتب المواكب في القصر على هذا
стр. 204
الترتيب الحسن، ورتب شرب السكر بعد السماط في القصر والأمراء مجتمعون، ورتب وقوف الأمراء في المواكب على قدر منازلهم وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين، وقد طالت أيامه في السلطنة - بخلاف من تقدمه من الملوك - وصفا له الوقت، وصار غالب الأمراء والنواب مماليكه ومماليك والده قلاون، ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثله ومثل مماليكه، حتى قيل قد تزايدت في أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية في العمائر مقدار النصف من جوامع وقناطر وجسور وغير ذلك من العمائر والإنشاء.
قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد في تاريخه: "لقد وقفت على تاريخ الملوك السالفة، فما سمعت لأحد من الملوك بما للملك الناصر محمد بن قلاون من المواقع الحسنة. فانه خطب له في أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك، وكاتبه سائر الملوك من مسلم وكافر، وهادوه وهابوه، وصار جميع عسكر مصر في قبضته من كبير وصغير".
وفيه يقول الشيخ صفي الدين الحلي:
الناصر السلطان قد خضعت له … كل الملوك … مشارقا ومغاربا
ملك يرى تعب المكارم راحة … وبعد راحات الفراغ متاعبا
ترجى مكارمه ويخشى بطشه … مثل الزمان … مسالما ومحاربا
فإذا سطا، ملأ القلوب مهابة … وإذا سخا، ملأ العيون مواهبا
ولم يزل الملك الناصر قائما على سرير ملكه حتى مرض وسلسل في المرض ومات على فراشه في ليلة الخميس العشرين من ذي الحجة سنة احدى وأربعين وسبعمائة. ومات وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ودفن في يوم الخميس المذكور على والده قلاون داخل القبة التي أنشأها قلاون بين القصرين. وكانت له جنازة مشهودة، وكثر عليه الأسف والحزن من الناس.
وقد رثاه بعض الشعراء ﵀ بهذه الأبيات:
حكم المنية في البرية جاري … ما هذه الدنيا بدار قرار
ومكلف الأيام ضد طباعها … متطلب في الماء جذوة نار
стр. 205
طبعت على كدر، وأنت تريدها … صفوا من الأقذار والأكدار
وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم، والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سار
جاورت أعدائي، وجاور ربه … شتان بين جواره وجواري
وكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد هذا بالديار المصرية والبلاد الشامية ثلاثا وأربعين سنة وثمانية أشهر وأياما، وذلك دون خلعه من الولاية نحو أربع سنين وأيام.
ولما مات خلف من الأولاد أحد عشر ولدا ذكرا دون البنات، فالذي تولى السلطنة من أولاده بعده ثمانية، وهم: سيدي أبو بكر، وسيدي أحمد، وسيدي كجك، وسيدي شعبان، وسيدي اسماعيل، وسيدي حاجى، وسيدي حسن، وسيدي صالح … فهؤلاء تولوا السلطنة كما سيأتي. وأما من لم يل السلطنة فثلاثة، وهم: سيدي رمضان، وسيدي حسين، وسيدي يوسف. وأما من توفى من أولاده في حال حياته من الذكور فأربعة، وهم: سيدي ابراهيم، وسيدي محمد، وسيدي أنوك، وسيدي علي … فهذا مجموع ما جاءه من الأولاد الذكور دون البنات.
وأما فتوحاته التي فتحها في أيامه فامد وملطية، ودرنده، وقلعة اياس، وبهنسا، والمرعش، وتل حمدون، وقلعة النقير، وقلعة نجيبة، والهارونية، وكاورا، واسفندكار، وغير ذلك من الفتوحات.
وحج في أيامه ثلاث حجج، وزار بيت المقدس والخليل ﵇ ثلاث مرات، وسافر إلى حلب والشام عدة مرار.
وأما نوابه بالديار المصرية فالأمير كتبغا، والأمير سلار، والأمير بكتمر الجوكندار، والأمير بيبرس الدوادار المنصوري، والأمير أرغون الناصري مملوكه.
وأما وزراؤه بالديار المصرية: فالأمير سنجر الشجاعي، والصاحب تاج الدين بن حنا بن الصاحب بهاء الدين بن حنا، والصاحب فخر الدين الخليلي تولى الوزارة في أيامه مرتين، والأمير سنقر الأعسر، والأمير أيبك البغدادي، والصاحب شمس الدين محمد بن
стр. 206
الشيخي، والأمير أيبك الأشقر … وهو أول من تسمي مدبر المملكة. وتولى شخص يسمى ابن عطاء، وتولى شخص يسمى بدر الدين محمد بن التركماني، وتولى الصاحب أمين الدين بن الغنام، تولى الوزارة في أيامه ثلاث مرات، والأمير بكتمر الحاجب، والأمير مغلطاي الجمالي … فهؤلاء وزراؤه.
وأما قضاته الشافعية: فالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والشيخ بدر الدين بن جماعة المقدسي، والشيخ جمال الدين الزرعي، والشيخ جمال الدين القزويني، والشيخ عز الدين بن جماعة.
وأما كتاب سره: فالقاضي شرف الدين بن فضل الله، والقاضي علاء الدين بن الأثير، والقاضي شهاب الدين محمود أبو الثناء، والقاضي محيى الدين بن فضل الله، وولده القاضي شهاب الدين صاحب كتاب الإنشاء في صنعة التوقيع.
وأما نظار جيوشه: فالقاضي بهاء الدين بن الحلى. وتولى شخص يسمى الفخر - وهو صاحب القنطرة المنسوبة إليه - تولى في أيامه مرتين. وتولى القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية، والقاضي شمس الدين بن التاج، والقاضي مكين الدين بن قزوينة، وهو صاحب الغيط المنسوب إليه. وتولى شخص يسمى حمال الكفاة … فهؤلاء نظار جيوشه.
وأما نظار خواصه: فالقاضي كريم الدين بن السديد، وتولى شخص يسمى النشو، ثم تولى صهر النشو.
وأما داواداراته: فالأمير عز الدين أيدمر الناصري، والأمير أرغون الناصري، والأمير رسلان، والأمير الجاي الناصري، والأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد، والأمير بغا، والأمير طاجار الناصري.
وأما ما أنشأه في أيامه من البناء فهو القصر الكبير الأبلق والقصران اللذان يليانه، وعمر الايوان الكبير وعقد فوقه القبة العظيمة، وعمر الجامع الكبير الذي بالقلعة، وعمر الجامع الجديد المطل على بحر النيل عند موردة الحلفاء، وأنشأ الخانقاه التي بسرياقوس، وعمر الحوش الكبير الذي بالقلعة، وعمر دور الحرم التي بالقلعة، وعمر المجراة وأجراها من بحر النيل إلى القلعة، وعمر سور الميدان الذي تحت القلعة، وعمر الميدان الكبير الذي عند البركة الناصرية، وبنى القصر الكبير وميدان المهارة الذي عند قناطر السباع، وحفر الخليج الناصري من موردة الجبس إلى زقاق الكحل. ومن انشائه الدهيشة المطلة على الحوش السلطاني وهي من محاسن الزمان. وأنشأ عدة قناطر كما تقدم، وحفر البركة الناصرية المنسوبة إليه وأجرى إليها الماء من الخليج الناصري، وعمر قناطر أم دينار
стр. 207
وقناطر شيبين وقناطر أبو صوير وقناطر اللبيني، وعمر الجسر الذي بشبر امنت، وعمر جسرا بالفيوم، وجدد عمارة الرصد، وجدد عمارة جامع راشده الذي عند دير الطين، وجدد عمارة مشهد السيدة نفيسة رضي عنها ووضع به المحراب على التحرير الصحيح، وعمر زاوية الشيخ رجب التي تحت القلعة، وعمر الإسطبل السلطاني، وجدد عمارة الطبلخانات السلطانية، وعمر زريبة بثغر دمياط، وله غير ذلك آثار كثيرة بمصر والشام.
وأما ما أبطله في أيامه من وجوه الظلم فهو ضمان الغواني. وكان عبارة عن أخذ مال من النساء البغايا، وذلك لو خرجت أجل امرأة في القاهرة تقصد البغاء، ونزلت اسمها عند امرأة تسمى الضامنة، وأقامت بما يلزمها من القدر المعين عليها، لما قدر أكبر من في مصر يمنعها عن البغاء وعمل الفاحشة. وكان يحصل من ذلك لنساء الأكابر وبناتهم غاية الفساد ولا يقدر أحد يمنعهن من ذلك، فأبطل الناصر ذلك وسطر في صحائفه إلى يوم القيامة … وكان يتحصل من هذه الجهة جملة مال كثير.
وأبطل أيضا في أيامه ما كان يؤخذ ممن يبيع ملكا عن كل ألف درهم عشرون درهما، فأبطل ذلك جميعه … وكان يتحصل من ذلك جملة مال.
وفي الجملة أن الملك الناصر محمد بن قلاون كان من أجل الملوك قدرا وأعظمهم نهيا وأمرا، وأكثرهم معروفا وبرا، وقد جبلت القلوب على محبته سرا وجهرا.
ولما مات تولى من بعده ابنه المنصور أبو بكر.
- الملك المنصور
هو الملك المنصور سيف الدين أبو بكر، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بعهد منه له. وكان في أولاده من هو أكبر منه، ولكن الملك الناصر اختار من بين أولاده هذا، فقدمه عليهم، وعهد له من بعده، فهو أول من تسلطن من أولاد محمد ابن قلاون.
لبس شعار الملك، وجلس على سرير الملك في يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة احدى وأربعين وسبعمائة، وله من العمر نحو عشرين سنة. وقبل الامراء له الأرض بالقصر الكبير. فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم، الأمير طقزدمر صاحب القنطرة التي على الخليج الحاحكمي، واستقر به نائب
стр. 208
السلطنة بالديار المصرية، وخلع على الأمير قوصون وهو صاحب … (١) واستقر به أتابك العساكر، وخلع على الأمير طشتمر المعروف بحمص أخضر واستقر به دوادارا كبيرا على عادته. ثم دبت عقارب الفتن بين قوصون والأمير طاجار، وصار العسكر فرقتين:
فرقة مع الأمير قوصون، وفرقة مع الأمير طاجار الداوادار. ولم يخضع أحدهما لصاحبه.
ثم أن الأمير طاجار الدوادار حسن للسلطان أن يقبض على الأتابكي قوصون وهو في الخدمة بالقصر الكبير، فاسر السلطان ذلك إلى بعض الخاصكية، وكان السلطان من طبعه الخفة والوهج، فتوجه ذلك الخاصكي الذي أسر إليه السلطان إلى الأمير قوصون، وذكر له ذلك وأخبره بما قد عزم عليه السلطان من مسكه. وقد قيل في المعنى:
إذا المرء أفشى سره بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه … فصدر الذي يستودع السر أضيق
فلما تحقق الأتابكي قوصون ذلك اجتمع بالأمير أيدغمش أمير أخور كبير وجماعة من الأمراء، وذكر لهم ذلك، فاتفقوا على خلع الملك المنصور أبي بكر. فلما كان يوم الموكب امتنع الأتابكي قوصون عن طلوع القلعة، فاضطربت الأحوال في ذلك اليوم. ثم أن الأتابكي قوصون طلع القلعة في ذلك اليوم بعد انفضاض الموكب بعد الظهر على حين غفلة، وقبض على السلطان الملك المنصور أبي بكر وارسله إلى السجن بمدينة قوص، وأرسل معه أخويه - وهما سيدي يوسف وسيدي رمضان - فكانت مدة الملك المنصور أبي بكر في السلطنة نحو ثلاثة أشهر، وكان خلعه في شهر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
ثم أن الأتابكي قوصون قبض على الأمير طاجار الدوادار، والأمير بشتاك الناصري، وجماعة من الأمراء، وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم قبض على جماعة من المماليك السلطانية. فلما وصل الملك المنصور إلى قوص، أرسل الأتابكي قوصون إلى متولي ناحية قوص بأن يقتل الملك المنصور وهو في البحر، فقتله وقطع رأسه وأرسلها إلى الأمير قوصون في الدس، وكتم موت الملك المنصور عن الناس، ولكن أشيع ذلك
стр. 209
فهذا أول ملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان ذلك من أكبر ذنوب الأتابكي قوصون، وبه زال أمره.
- الملك الأشرف
هو الملك الأشرف علاء الدين كجك، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثاني من أولاد محمد بن قلاون، ولي السلطنة بعد قتل المنصور أبي بكر.
تولى الملك وجلس على سريره في يوم الاثنين حادي عشرى صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فتولى الملك وله من العمر سبع سنين أو أقل، فتصرف في الأحكام صغيرا، وأوتى - على صغر سنه - ملكا كبيرا، فكان سابوري الولاية، صغير السن إلى الغاية، وأما تسميته بكجك فهو لفظ أعجمي معناه بالعربي صغير، فإن والده لحظ فيه حال التسمية أنه سيلي بعده الملك وهو صغير، والملوك لهم فراسة في الأمور قبل وقوعها.
ثم أن الأتابكي قوصون عمل بالموكب، وأجلس السلطان على تخت المملكة … وأحضر خلعة ولبسها، واستقر نائب السلطنة وأتابك العساكر، ثم تحول وسكن في دار النيابة بالقلعة، وتصرف في أمور المملكة بحسب ما يختاره، فنفى الأمير طقزدمر نائب السلطنة إلى دمياط، وقبض على جماعة من الأمراء، وعزل من عزل، وولى من ولى، وظن أن الوقت قد صفا له … فكان إذا حضرت العلامة أخذ قوصون بيد السلطان كجك والقلم في يده، ويريه كيف يكتب على المراسيم والمناشير.
وكان الأمر كله بيد قوصون، والسلطان معه مثل العصفور بيد النسور … فاضطربت أحوال الديار المصرية، وتعطلت البلاد الشامية، وعصت النواب، ووقع الخلف بين الأمراء بمصر، ووقفت أحوال الرعية، وحصل للناس غاية الأذية، وقد قال القائل بالمعنى:
سلطاننا اليوم طفل، والأكابر في … خلف، وبينهم الشيطان قد نزغا
فكيف يطمع من مسته مظلمة … أن يبلغ السؤل، والسلطان ما بلغا؟
ثم أن الأتابكي قوصون صار يمسك في كل يوم جماعة من المماليك السلطانية، وأرسل إلى الطنبغا نائب الشام بالقبض على طشتمر حمص أخضر نائب حلب. فلما بلغ طشتمر ذلك توجه إلى الكرك، وأخذ الأمير أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاون لأنه
стр. 210
كان مقيما بالكرك من أيام والده الملك الناصر كما تقدم. فلما خرج الأمير أحمد من الكرك تسامعت به النواب، فجاء إليه الأمير قطلوبغا الفخري نائب طرابلس، وحضر نائب حماه ونائب صفد وقصدوا التوجه إلى مصر، وأن يسلطنوا الأمير أحمد عوضا عن أخيه الملك كجك، وأن يقبضوا على الأتابكي قوصون. فلما خرجوا من الكرك توجهوا إلى نحو الشام ليقبضوا على الطنبغا نائب الشام لأنه كان من عصبة قوصون، فأرسل الطنبغا يطلب من النواب الأمان وأن يكون معهم تحت طاعة الامير أحمد بن الناصر. فلما خرج النواب على حمية قاصدين الديار المصرية وبلغ ذلك الأتابكي قوصون، أراد أن يقبض على الأمير أيدغمش أمير أخور كبير. فلما بلغ الأمير أيدغمش ذلك ركب هو والأمير آق سنقر والأمير يلبغا اليحياوي وجماعة من الأمراء وطلعوا إلى الرميلة وأحاطوا بالقلعة.
ثم أن الأمير أيدغمش نادى للعوام بأن ينهبوا بيت الأتابكي قوصون، ونادى للعسكر أن كل من لم يكن له فرس فليحضر إلى الإسطبل السلطاني ويأخذ له فرسا … فطلع إليه العسكر قاطبة، ففرق عليهم في ذلك اليوم عدة خيول من الإسطبل السلطاني. فلما تحقق الأتابكي قوصون أن الركبة عليه جلس بالقلعة وحصنها. ثم أن العوام دخلوا بيت قوصون وأحرقوا بابه، ونهبوا ما في اسطبله من الخيول والبغال، ونهبوا حواصله وما كان فيها من برك ونحاس وسلاح وصيني وسكر وغير ذلك وقوصون ينظر إليهم من شباك، فقال لبعض الأمراء الذين في الإسطبل: "يا مسلمين، أما تحفظون هذا المال الذي تنهبه العوام؟ … أما أن يكون لي أو للسلطان"، فقالوا له: "الذي معك من الأموال والتحف يكفي السلطان … وهذا شكرانه للعوام من عندك".
ثم أن العسكر صاروا كلما رأوا أحدا من مماليك قوصون، أو من حاشيته في الطرقات، قتلوه شر قتلة. واستمر الحال على ذلك إلى العصر من ذلك اليوم، فأرسل قوصون يطلب الأمان من الأمير أيدغمش، وقد تسحب من كان عنده من الأمراء والمماليك، فهجم عليه الأمير أيدغمش وقبض عليه وقيده وسجنه بالزردخانة، فلما تحقق العوام مسك قوصون نهبوا خانقاته التي هي خارج باب القرافة، وجامعه الذي بالقرب من بركة الفيل، ثم أن الأمير أيدغمش صار يمسك من كان من عصبة قوصون من الأمراء والخاصكية، ثم ارسل الأتابكي قوصون تحت الليل إلى ثغر اسكندرية وهو مقيد فسجن بها، فعمد أهل مصر وصوروا صورة قوصون في العلاليق وقد سمروه، وفي ذلك يقول المعمار:
شخص قوصون رأينا … في العلاليق مسمر
تعجبنا منه لما … جاء في التسمير سكر
стр. 211
وكان الأتابكي قوصون أميرا عظيما مليئا مهيبا، وصار في دولة الملك الأشرف كجك صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، وتصرف في أمور المملكة بحسب ما يختاره من ذلك.
فلما أمسك قوصون وسجن، خلع الأشرف كجك من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم، وصار الأمراء والعسكر ينتظرون قدوم الأمير أحمد من الكرك حتى يتسلطن، فخطب باسمه في القاهرة قبل حضوره، وتلقب بالملك الناصر إلى أن حضر وتولى السلطنة كما سيأتي ذلك في موضعه … فكانت مدة سلطنتة الملك الأشرف كجك بالديار المصرية إلى أن خلع خمسة أشهر وأياما، فلم تكن إلا كسنة من النوم أو يوم أو بعض يوم. وأقام في الأسر والاعتقال بدور الحرم إلى أن مات على فراشه في دولة أخيه الملك الكامل شعبان، كما سيأتي ذلك في موضعه.
ولم يتسلطن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون أصغر منه سنا.
- الملك الناصر شهاب الدين
هو الملك الناصر، شهاب الدين أحمد، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثالث من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون.
دخل القاهرة وبويع بالسلطنة بعد خلع أخيه كجك، وجلس على سرير الملك، وقبل له الأمراء الأرض في يوم الاثنين عاشر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة - وكان أكبر أخوته سنا، وأرجحهم في العين وزنا، فهو ليثهم الغالب، وشهابهم الثاقب - ولكن خابت فيه الظنون، وقيل معلم مجنون، فوقع منه أمور لا تقع إلا ممن أصيب في عقله … وذلك أنه أمر بقتل سبعة من الأمراء الذين كانوا في السجن بثغر الاسكندرية.
فلما فعل ذلك نفرت منه قلوب العسكر. ثم أنه خلع على الأمير طشتمر حمص أخضر واستقر به نائب السلطنة بمصر، وخلع على الأمير قطلوبغا الفخري واستقر به نائب الشام عوضا عن الطنبغا، وخلع على الأمير أيدغمش أمير أخور واستقر به نائب حلب عوضا عن الأمير طشتمر حمص أخضر، واستقر بجماعة من الأمراء في وظائف من أمسك منهم وسجن … فاستمر الأمر على ذلك نحو ثلاثة وثلاثين يوما.
ثم أنه قبض على الأمير طشتمر حمص أخضر وقيده وسجنه بالقلعة، ثم أنه أرسل جماعة من المماليك السلطانية خلف الأمير قطلوبغا الفخري الذي استقر به نائب الشام
стр. 212
وقبض عليه وهو في أثناء الطريق وقيده - وكان هذان الأميران سببا في سلطنته - فما شكره أحد من الناس على ذلك.
ثم أنه أقام في السلطنة إلى سلخ ذي القعدة من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فتوجه إلى السفر، فخرج في يوم الاثنين ومعه جماعة من الأمراء والعسكر، فلم يعلم أحد أين يريد. فلما خرج من القاهرة توجه قاصدا نحو الكرك الذي هو محط رحاله وبغية آماله، وكان لما أضمر على التوجه إلى الكرك دخل إلى الخزائن السلطانية وأخذ منها ما قدر عليه من الأموال الجزيلة والتحف الجليلة، فوصل إلى الكرك يوم الثلاثاء من ذي الحجة، فعمل عيد النحر بها، وكان لما توجه إلى السفر أخذ الأمير طشتمر حمص أخضر معه وهو مقيد في محفة، ثم أحضر الأمير قطلوبغا الفخري بين يديه وهو مقيد لما وصل إلى الكرك، فأمر باعتقاله في قلعة الكرك هو والأمير طشتمر.
سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة (١٣٤٢ م).
في خامس المحرم اجتمع الأمراء في سوق الخيل، وقالوا: "إن أحوال المملكة ضائعة، والسلطان لا يلتفت لشيء من ذلك. فأرسلوا كاتبوه في الحضور إلى مصر، فان حضر فذاك، وأن لم يحضر فولوا غيره". فكتبوا كتابا عن لسان الأمراء كلهم، وأرسلوه على يد خاصكي يقال له طقتمر الصلاحي، فأخذ الكتاب ومضى إلى الكرك فوصل في حادي عشر المحرم. فلما اجتمع بالسلطان وقرأ ما في الكتاب كتب للأمراء جواب ذلك الكتاب الذي أرسلوه وهو يقول فيه: "ان الشتاء قد دخل، واني قد اخترت الإقامة بالكرك إلى أن يمضي الشتاء وبعد ذلك أحضر إلى مصر". ثم أخرج الأمير طشتمر حمص أخضر والأمير قطلوبغا الفخري من السجن، ووسطهما بالسيف في ميدان قلعة الكرك بحضرة ذلك الخاصكي طقتمر الصلاحي … وهذا الأمر لا يقع إلا من المجانين الذين في عقلهم خلل، مع أن هذين الأميرين كانا سببا لسلطنته، ولكن:
لا تفعل الأعداء في جاهل … ما يفعل الجاهل في نفسه
ومما قاله ابراهيم المعماري في الأمير طشتمر حمص أخضر:
جننت بالملك لما … أتاك بالبسط ماجن
وقد أمنت الليالي … يا حمص أخضر وداجن
وقوله فيه أيضا:
أوردت نفسك ذلا … ورد النفوس المهانة
стр. 213
وبالدنا حزت مالا … ملأت منه الخزانة
وكم عليك قلوب … يا حمص أخضر ملانه
وقال فيه بعض الشعراء:
طوى الردى طشتمرا بعد ما … بالغ في دفع الأذى واحترس
عهدي به كان شديد القوى … أشجع من يركب ظهر الفرس
ألم تقولوا حمصا أخضرا … تعجبوا بالله كيف اندرس
وقال فيه آخر:
لما رجعت إلينا … من بعد ذا البعد والبين
خلناك تحنو علينا … يا حمص أخضر بقلبين
فلما رجع طقتمر الصلاحي من عند الملك الناصر أحمد إلى القاهرة، وأخبر عن هذين الأميرين وما جرى عليهما، فعند ذلك نفرت منه قلوب العسكر قاطبة. فلما قرأوا كتابه وعلموا أنه اختار الإقامة بالكرك، ضربوا مشورة فيمن يولونه السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنة أخيه اسماعيل ابن الملك الناصر محمد، فخلعوا الناصر أحمد من السلطنة، وولوا اسماعيل.
وكانت مدة سلطنة الناصر أحمد بالديار المصرية شهرين واثنى عشر يوما لا غير، وأقام بالكرك حتى قتل كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
وكانت سلطنته كالحلم في المنام، كما قيل في ذلك:
فلم يقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا أخي مرحبا!
- الملك الصالح
هو الملك الصالح علاء الدين، أبو الفداء اسماعيل، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو السادس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. وهو الرابع من أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاون. بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد في يوم الخميس ثاني
стр. 214
عشر المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك وتم أمره في السلطنة خلع على الأمير آق سنقر السلاري واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية، وخلع على الأمير أيدغمش واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير طقزدمر واستقر به نائب حلب، وقبض على الأمير الطبغا المارديني - وهو صاحب الجامع الذي في البرادعيين - وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية. ثم عزل من عزل وولى من ولى، فما اختلف عليه اثنان، ولا قيل هذان خصمان، فسار في الناس سيرة حسنة، وبسط العدل، وأكثر في الرعية من البذل، وعامل خاصكية أبيه بالمعروف وبذل لهم الألوف بعد الألوف.
سنة أربع وأربعين وسبعمائة (١٣٤٣ م):
فيها تغير خاطر السلطان على الأمير آق سنقر نائب السلطنة، فقبض عليه وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم خلع على الحاج آل ملك واستقر به نائب السلطنة عوضا عن آق سنقر السلاري.
والأمير آل ملك هذا هو صاحب الجامع الذي في الحسينية. وكان الأمير آل ملك له بر ومعروف، ولما تولى نيابة السلطنة أمر بهدم خزانة البنود التي كانت سجنا يحبسون فيها أصحاب الجرائم ثم صارت حارة يسكن فيها طائفة من الأرمن، ويجتمع فيها طائفة من المناحيس والمقامرين فيحصل منهم غاية الفساد، فهدمها وبنى مكانها مسجدا فلم يصل أحد فيه لما قد تقدم فيه من الفساد وسفك الدماء، وكثرة من به من القتلى مدفونا، فصار هذا المسجد مقفلا دائما لا يصلي فيه أحد من الناس، وبقي مهجورا. وقد قال فيه بعض الشعراء:
أنا مسجد سميت بيت عبادة … عارى الملابس ليس في حصير
هجر المؤذن والجماعة جانبي … وجفاني التهليل والتكبير
الشمع في خلل المساجد مشعل … وفناء ربعي مظلم مهجور
ما جاء في القرآن في عبارة … واليوم للشيطان في عبور
هل مبلغ عني الأمير شكايتي … فلعله يرثى لمن هو بور
стр. 215
سنة خمس وأربعين وسبعمائة (١٣٤٤ م):
فيها أرسل السلطان تجريدة إلى أخيه الناصر أحمد وهو في الكرك، فحاصروه أشد المحاصرة فلم يقدروا عليه، والسلطان يخرج له تجريدة بعد تجريدة وهو لا يمل من القتال، وقد حصن قلعة الكرك فلم يقدروا على أخذها، واستمر على ذلك حتى نفد جميع ما كان عنده من المال والغلال، فضرب ما بقي عنده من السروج الذهب والكبابيش وخلط مع الذهب النحاس، فكان الدينار الذي ضربه يساوي خمسة دراهم فضة، وأنفق ذلك على العسكر الذين هم بقلعة الكرك، وقد هلكوا من الجوع والعطش والعرى، فلما طال عليهم الأمر تفرقوا من حوله وقد أقاموا معه في المحاصرة نحو ثلاث سنين.
فلما كان يوم الاثنين ثاني عشرى صفر، طلب الملك الناصر أحمد من العسكر الأمان، ونزل إليهم فقيدوه وارسلوا يعلمون السلطان الملك الصالح بذلك، فأرسل إليه الأمير منجك اليوسفي فقطع رأسه وأحضرها إلى القاهرة في علبة. وكانت قتلته في أواخر صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وكان الناصر أحمد أشجع أخوته، وأحسنهم شكلا، وأكبرهم سنا … لكنه كان سيء التدبير، قليل المعرفة، الغالب عليه الجهل وقوة الرأس وقلة الثبات في الأمور. وقيل لما وضعوا رأسه بين يدي أخيه الملك الصالح سجد لله شكرا وأمر بدفنها.
سنة ست وأربعين وسبعمائة (١٣٤٥):
فيها مرض السلطان وسلسل في المرض إلى أن مات يوم الخميس حادي عشرى ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرا ونصفا، وكان خيار أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وله بر ومعروف على جهات خير، فمن ذلك أنه وقف ضيعة تسمى بيسوس وجعلها مرصدة على كسوة الكعبة الشريفة. وكان يحب العدل والإنصاف بين الرعية، وساس الملك في مدة ولايته أحسن سياسة … ولم يزل على ذلك على أن مات على فراشه - بخلاف أخوته - فكثر عليه الأسف والحزن من الناس، وقد رثاه الصلاح الصفدي بقوله:
مضى الصالح المرجو للبأس والندى … ومن لم يزل يلقى المنا بالمنايح
فيا ملك مصر، كيف حالك بعده … إذا نحن أثنينا عليك بصالح؟