← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكان الأتابكي قوصون أميرا عظيما مليئا مهيبا، وصار في دولة الملك الأشرف كجك صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، وتصرف في أمور المملكة بحسب ما يختاره من ذلك. فلما أمسك قوصون وسجن، خلع الأشرف كجك من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم، وصار الأمراء والعسكر ينتظرون قدوم الأمير أحمد من الكرك حتى يتسلطن، فخطب باسمه في القاهرة قبل حضوره، وتلقب بالملك الناصر إلى أن حضر وتولى السلطنة كما سيأتي ذلك في موضعه … فكانت مدة سلطنتة الملك الأشرف كجك بالديار المصرية إلى أن خلع خمسة أشهر وأياما، فلم تكن إلا كسنة من النوم أو يوم أو بعض يوم. وأقام في الأسر والاعتقال بدور الحرم إلى أن مات على فراشه في دولة أخيه الملك الكامل شعبان، كما سيأتي ذلك في موضعه. ولم يتسلطن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون أصغر منه سنا. - الملك الناصر شهاب الدين هو الملك الناصر، شهاب الدين أحمد، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثالث من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون. دخل القاهرة وبويع بالسلطنة بعد خلع أخيه كجك، وجلس على سرير الملك، وقبل له الأمراء الأرض في يوم الاثنين عاشر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة - وكان أكبر أخوته سنا، وأرجحهم في العين وزنا، فهو ليثهم الغالب، وشهابهم الثاقب - ولكن خابت فيه الظنون، وقيل معلم مجنون، فوقع منه أمور لا تقع إلا ممن أصيب في عقله … وذلك أنه أمر بقتل سبعة من الأمراء الذين كانوا في السجن بثغر الاسكندرية. فلما فعل ذلك نفرت منه قلوب العسكر. ثم أنه خلع على الأمير طشتمر حمص أخضر واستقر به نائب السلطنة بمصر، وخلع على الأمير قطلوبغا الفخري واستقر به نائب الشام عوضا عن الطنبغا، وخلع على الأمير أيدغمش أمير أخور واستقر به نائب حلب عوضا عن الأمير طشتمر حمص أخضر، واستقر بجماعة من الأمراء في وظائف من أمسك منهم وسجن … فاستمر الأمر على ذلك نحو ثلاثة وثلاثين يوما. ثم أنه قبض على الأمير طشتمر حمص أخضر وقيده وسجنه بالقلعة، ثم أنه أرسل جماعة من المماليك السلطانية خلف الأمير قطلوبغا الفخري الذي استقر به نائب الشام

стр. 212

وقبض عليه وهو في أثناء الطريق وقيده - وكان هذان الأميران سببا في سلطنته - فما شكره أحد من الناس على ذلك. ثم أنه أقام في السلطنة إلى سلخ ذي القعدة من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فتوجه إلى السفر، فخرج في يوم الاثنين ومعه جماعة من الأمراء والعسكر، فلم يعلم أحد أين يريد. فلما خرج من القاهرة توجه قاصدا نحو الكرك الذي هو محط رحاله وبغية آماله، وكان لما أضمر على التوجه إلى الكرك دخل إلى الخزائن السلطانية وأخذ منها ما قدر عليه من الأموال الجزيلة والتحف الجليلة، فوصل إلى الكرك يوم الثلاثاء من ذي الحجة، فعمل عيد النحر بها، وكان لما توجه إلى السفر أخذ الأمير طشتمر حمص أخضر معه وهو مقيد في محفة، ثم أحضر الأمير قطلوبغا الفخري بين يديه وهو مقيد لما وصل إلى الكرك، فأمر باعتقاله في قلعة الكرك هو والأمير طشتمر. سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة (١٣٤٢ م). في خامس المحرم اجتمع الأمراء في سوق الخيل، وقالوا: "إن أحوال المملكة ضائعة، والسلطان لا يلتفت لشيء من ذلك. فأرسلوا كاتبوه في الحضور إلى مصر، فان حضر فذاك، وأن لم يحضر فولوا غيره". فكتبوا كتابا عن لسان الأمراء كلهم، وأرسلوه على يد خاصكي يقال له طقتمر الصلاحي، فأخذ الكتاب ومضى إلى الكرك فوصل في حادي عشر المحرم. فلما اجتمع بالسلطان وقرأ ما في الكتاب كتب للأمراء جواب ذلك الكتاب الذي أرسلوه وهو يقول فيه: "ان الشتاء قد دخل، واني قد اخترت الإقامة بالكرك إلى أن يمضي الشتاء وبعد ذلك أحضر إلى مصر". ثم أخرج الأمير طشتمر حمص أخضر والأمير قطلوبغا الفخري من السجن، ووسطهما بالسيف في ميدان قلعة الكرك بحضرة ذلك الخاصكي طقتمر الصلاحي … وهذا الأمر لا يقع إلا من المجانين الذين في عقلهم خلل، مع أن هذين الأميرين كانا سببا لسلطنته، ولكن: لا تفعل الأعداء في جاهل … ما يفعل الجاهل في نفسه ومما قاله ابراهيم المعماري في الأمير طشتمر حمص أخضر: جننت بالملك لما … أتاك بالبسط ماجن وقد أمنت الليالي … يا حمص أخضر وداجن وقوله فيه أيضا: أوردت نفسك ذلا … ورد النفوس المهانة

стр. 213

وبالدنا حزت مالا … ملأت منه الخزانة وكم عليك قلوب … يا حمص أخضر ملانه وقال فيه بعض الشعراء: طوى الردى طشتمرا بعد ما … بالغ في دفع الأذى واحترس عهدي به كان شديد القوى … أشجع من يركب ظهر الفرس ألم تقولوا حمصا أخضرا … تعجبوا بالله كيف اندرس وقال فيه آخر: لما رجعت إلينا … من بعد ذا البعد والبين خلناك تحنو علينا … يا حمص أخضر بقلبين فلما رجع طقتمر الصلاحي من عند الملك الناصر أحمد إلى القاهرة، وأخبر عن هذين الأميرين وما جرى عليهما، فعند ذلك نفرت منه قلوب العسكر قاطبة. فلما قرأوا كتابه وعلموا أنه اختار الإقامة بالكرك، ضربوا مشورة فيمن يولونه السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنة أخيه اسماعيل ابن الملك الناصر محمد، فخلعوا الناصر أحمد من السلطنة، وولوا اسماعيل. وكانت مدة سلطنة الناصر أحمد بالديار المصرية شهرين واثنى عشر يوما لا غير، وأقام بالكرك حتى قتل كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه. وكانت سلطنته كالحلم في المنام، كما قيل في ذلك: فلم يقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا أخي مرحبا! - الملك الصالح هو الملك الصالح علاء الدين، أبو الفداء اسماعيل، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو السادس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. وهو الرابع من أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاون. بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد في يوم الخميس ثاني

стр. 214

عشر المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك وتم أمره في السلطنة خلع على الأمير آق سنقر السلاري واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية، وخلع على الأمير أيدغمش واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير طقزدمر واستقر به نائب حلب، وقبض على الأمير الطبغا المارديني - وهو صاحب الجامع الذي في البرادعيين - وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية. ثم عزل من عزل وولى من ولى، فما اختلف عليه اثنان، ولا قيل هذان خصمان، فسار في الناس سيرة حسنة، وبسط العدل، وأكثر في الرعية من البذل، وعامل خاصكية أبيه بالمعروف وبذل لهم الألوف بعد الألوف. سنة أربع وأربعين وسبعمائة (١٣٤٣ م): فيها تغير خاطر السلطان على الأمير آق سنقر نائب السلطنة، فقبض عليه وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم خلع على الحاج آل ملك واستقر به نائب السلطنة عوضا عن آق سنقر السلاري. والأمير آل ملك هذا هو صاحب الجامع الذي في الحسينية. وكان الأمير آل ملك له بر ومعروف، ولما تولى نيابة السلطنة أمر بهدم خزانة البنود التي كانت سجنا يحبسون فيها أصحاب الجرائم ثم صارت حارة يسكن فيها طائفة من الأرمن، ويجتمع فيها طائفة من المناحيس والمقامرين فيحصل منهم غاية الفساد، فهدمها وبنى مكانها مسجدا فلم يصل أحد فيه لما قد تقدم فيه من الفساد وسفك الدماء، وكثرة من به من القتلى مدفونا، فصار هذا المسجد مقفلا دائما لا يصلي فيه أحد من الناس، وبقي مهجورا. وقد قال فيه بعض الشعراء: أنا مسجد سميت بيت عبادة … عارى الملابس ليس في حصير هجر المؤذن والجماعة جانبي … وجفاني التهليل والتكبير الشمع في خلل المساجد مشعل … وفناء ربعي مظلم مهجور ما جاء في القرآن في عبارة … واليوم للشيطان في عبور هل مبلغ عني الأمير شكايتي … فلعله يرثى لمن هو بور

стр. 215

سنة خمس وأربعين وسبعمائة (١٣٤٤ م): فيها أرسل السلطان تجريدة إلى أخيه الناصر أحمد وهو في الكرك، فحاصروه أشد المحاصرة فلم يقدروا عليه، والسلطان يخرج له تجريدة بعد تجريدة وهو لا يمل من القتال، وقد حصن قلعة الكرك فلم يقدروا على أخذها، واستمر على ذلك حتى نفد جميع ما كان عنده من المال والغلال، فضرب ما بقي عنده من السروج الذهب والكبابيش وخلط مع الذهب النحاس، فكان الدينار الذي ضربه يساوي خمسة دراهم فضة، وأنفق ذلك على العسكر الذين هم بقلعة الكرك، وقد هلكوا من الجوع والعطش والعرى، فلما طال عليهم الأمر تفرقوا من حوله وقد أقاموا معه في المحاصرة نحو ثلاث سنين. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشرى صفر، طلب الملك الناصر أحمد من العسكر الأمان، ونزل إليهم فقيدوه وارسلوا يعلمون السلطان الملك الصالح بذلك، فأرسل إليه الأمير منجك اليوسفي فقطع رأسه وأحضرها إلى القاهرة في علبة. وكانت قتلته في أواخر صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وكان الناصر أحمد أشجع أخوته، وأحسنهم شكلا، وأكبرهم سنا … لكنه كان سيء التدبير، قليل المعرفة، الغالب عليه الجهل وقوة الرأس وقلة الثبات في الأمور. وقيل لما وضعوا رأسه بين يدي أخيه الملك الصالح سجد لله شكرا وأمر بدفنها. سنة ست وأربعين وسبعمائة (١٣٤٥): فيها مرض السلطان وسلسل في المرض إلى أن مات يوم الخميس حادي عشرى ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرا ونصفا، وكان خيار أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وله بر ومعروف على جهات خير، فمن ذلك أنه وقف ضيعة تسمى بيسوس وجعلها مرصدة على كسوة الكعبة الشريفة. وكان يحب العدل والإنصاف بين الرعية، وساس الملك في مدة ولايته أحسن سياسة … ولم يزل على ذلك على أن مات على فراشه - بخلاف أخوته - فكثر عليه الأسف والحزن من الناس، وقد رثاه الصلاح الصفدي بقوله: مضى الصالح المرجو للبأس والندى … ومن لم يزل يلقى المنا بالمنايح فيا ملك مصر، كيف حالك بعده … إذا نحن أثنينا عليك بصالح؟

стр. 216

قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تاريخه إن الملك الصالح إسماعيل هذا كان - على مذهب بعض الخلفاء - يميل إلى حب الجواري المولدات الحبش والسود، وكان يحب من يمدح له في ذلك، فكانت الشعراء يكثرون له في معنى ذلك. قال بعضهم: يكون الخال في خد قبيح … فيكسوه الملاحة والجمالا فكيف يلام معشوق على من … يراه كله من العين خالا؟ وقال آخر في أسماء الجواري: إذا زار الحبيب على اشتياق … فقد زال العنا وقت الصباح وان وافتك خمر مع نسيم … فقد دام السرور بالانشراح ومثله في المعنى: بدا السعد لي حين زار الحبيب … وجاء الهنا ودام السرور وجاءت نسيم بتفاحة … مباركة من غزال نفور - الملك الكامل هو الملك الكامل شعبان، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون. وهو السابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الخامس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون. بويع بالسلطنة بعد موت أخيه الملك الصالح إسماعيل بعهد منه له. وكان شعبان هذا هو أخا الملك، ولبس شعار السلطنة في يوم الخميس حادي عشرى ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة، وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباته: طلعة سلطاننا تبدت … بكامل السعد في الطلوع واعجب لهاتيك كيف أبدت … هلال شعبان في ربيع

стр. 217

فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وقبض على جماعة من الأمراء، منهم الأمير آل ملك نائب السلطنة، فأقام بالقلعة في البرج أياما ثم أفرج عنه وولاه نيابة صفد، فخرج من يومه، فلما وصل إلى العريش أرسل بالقبض عليه وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم عمل الموكب وخلع على الأمير ارقطاي واستقر به نائب السلطنة عوضا عن آل الملك، ثم قبض على الأمير قماري استادار العالية وأرسله إلى السجن بثغر دمياط، ثم أرسل بالقبض على الأمير طقزدمر نائب الشام وسجنه بالكرك. وخلع على الأمير يلبغا اليحياوي واستقر به نائب الشام عوضا عن طقزدمر. وفي هذه السنة توفى الملك الأشرف كجك أخو السلطان، وكان مقيما بدور الحرم من حين خلع من السلطنة إلى أن مات. سنة سبع وأربعين وسبعمائة (١٣٤٦ م): فيها طاش الملك الكامل شعبان، وصار يخرج الاقطاعات بمال معلوم، وصار يصادر أرباب الوظائف من المباشرين ويأخذ أموالهم قهرا … فتقلقلت منه الناس. وفيها جاءت الأخبار بأن يلبغا اليحياوي - نائب الشام - خامر وأظهر العصيان، فجمع السلطان الأمراء وشاورهم في أمر نائب الشام، فوقع الاتفاق على أن السلطان يرسل الأمير منجك اليوسفي لكشف الأخبار، فتوجه الأمير منجك نحو الشام من يومه. ثم أن السلطان عرض العسكر وقصد التوجه إلى الشام بسبب عصيان النائب. ومن الحوادث في هذه السنة أن السلطان طلب أخويه: الأمير حاجي، والأمير حسينا، فأرسل إليهما الساقي سرور الزيني، فقال لهما: "أمضيا كلما السلطان". فقالا: "نحن اليوم ضعاف وقد شربنا الدراء". فلما رد الجواب على السلطان بذلك أرسل إليهما الأمير الزمام صواب الطولوني، فقال لهما: "أمضيا كلما السلطان والخيرة لكما". فقالا له مثل ما قالا لسرور الزيني. فلما رد الجواب على السلطان بذلك، اشتد غضبه على أخويه، وارسل خلف الأمير استدمر الكاملي والأمير قطلوبغا الكركي، فلما حضرا قال لهما: "إني طلبت أخي حاجى وأخي حسينا فأبيا عن الحضور إلي"، فقال الأمير استدمر الكاملي للأمير ارغون العلائي زوج أم السلطان: "أدخل أنت إليهما وأخرجهما". فدخل الأمير أرغون وأخرجهما غصبا وهما يتباكيان. فلما حضرا بين يدي السلطان قبلا له الأرض وقالا له: "يا مولانا السلطان، لا تؤاخذنا فاننا كنا شربنا دواء". فقال لهما السلطان: "كذبتما … ما أنتما إلا مخامران علي". فأخرج الأمير حاجى ختمه كانت معه وحلف عليها أنه ما امتنع عن الحضور إلا لكونه كان ضعيفا وشرب الدواء، فلم يصدقه السلطان في ذلك، ثم جاءت

стр. 218

أمهاتهما، وحلفن للسلطان، وكشفن رءوسهن له وقلن: "والله ما امتنعا عن الحضور إلا لكونهما شربا الدواء". .. فلم يقبل منهن السلطان ذلك، وقال لهن: "أنتن نساء قليلات العقول"، ثم أمر بإدخال أخويه إلى موضع في الدهيشة، ورسم عليهما السلطان بجماعة من الخدم، فباتا تلك الليلة في الدهيشة، فلما أصبح الصباح طلب السلطان عشرين فص حجر مسقط، وحملى جير وجبس، وقصد أن يدخل أخويه في مكان عقد تحت الدهيشة ويبني عليهما بالحجر، ويجعل ذلك المكان قبرا لهما. فلما كان يوم الاثنين، ثالث عشرى شهر جمادي الأولى من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، دخل بعض الخاصكية على السلطان وقت صلاة الصبح وأخبره بأن الأمير ملكتمر الحجازي قد لبس آلة الحرب هو ومماليكه وتوجهوا إلى قبة الهواء التي تحت القلعة - وكان السلطان قد عول على القبض عليه أيضا - فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحواله، فأرسل إلى زوج أمه أرغون العلائي وقال له: "ما الخبر؟ ". فقال له: "إن ملكتمر الحجازي، وأرغون شاه، وجماعة من الأمراء لبسوا آلة الحرب وتوجهوا نحو قبة الهواء". فلما تحقق السلطان ذلك فتح باب الزردخانة، وفرق منها الملبوس، وأمر بشد الخيول … فلم يجد أحدا عنده من المماليك غير بعض مماليك صغار كتابية، فركب السلطان ووقف على باب السلسلة، ودقت الكئوسات حربيا، ثم مشى إلى الطبلخانات ووقف ينتظر من يطلع إليه من الأمراء والعسكر فلم يطلع إليه أحد، فبقي واقفا ساعة حتى طلعت الشمس، ثم مشى وقصد نحو قبة الهواء - ولم يكن معه من الأمراء سوى الأمير أرغون العلائي زوج أمه، والأمير استدمر الكاملي، والأمير قطلوبغا الكركي، والأمير جوهر السجرني مقدم المماليك، وبعض مماليك صغار تحت الصنجق - فتقدم إلى آخر الصوة فبرز إليه الأمير أرغون شاه، والأمير قرا بغا القاسمي، والأمير آق سنقر وضربوا عليه يزك، ووقع بينهما القتال، فبرز الأمير يلبغا أروس إلى الأمير أرغون العلائي زوج أم السلطان فضربه بطبر على وجهه فسقط عن فرسه إلى الأرض، فقبضوا عليه وأسروه. فلما رأى ذلك من كانوا حول السلطان تسحب أكثرهم من حوله ولم يبق معه أحد إلا القليل من المماليك، فزحف عليه الأمراء، فهرب في أربعة مماليك صغار، وتوجه نحو باب السلسلة. فلما ولى السلطان مهزوما قبضوا على من معه من الأمراء المقدم ذكرهم، فلما توجه إلى نحو باب السلسلة وجده مقفلا، فصار يسأل بعض الأوجاقية في أن يفتح له الباب

стр. 219

حتى يطلع إلى القلعة وهو سائق. فلما دخل الحوش اراد أن يقتل أخويه حاجى وحسينا، فلم يفتح له الخدام باب الدهيشة، فرجع إلى بيت أمه واختفى فيه، وكانت أمه ساكنة بالقلعة. هذا ما كان من أمر الملك الكامل شعبان بعد كسرته. وأما ما كان من أمر الأمراء الذين وثبوا على السلطان، فانهم لما انكسر السلطان وولى مهزوما، قبضوا على الأمراء الذين كانوا معه وشكوهم في زناجير، وأما مقدم المماليك جوهر السجرني فانه كان واقفا تحت الصنجق فقطعوه بالسيوف، ثم ساقوا إلى الرميلة وطلعوا من السلسلة إلى القلعة، فوقفوا على باب الستارة وقالوا للخدام: "أين ابن أستاذنا سيدي حاجى؟ " فقالوا لهم: "في الدهيشة هو وأخوه سيدي حسين" فدخلوا الحوش، وطلعوا الدهيشة، وأخرجوا سيدي حاجى وقبلوا له الأرض وقالوا له أنت سلطاننا ثم أنهم طلبوا الملك الكامل شعبان فلم يجدوه، فقال لهم بعض الخدام: "قد اختفى في بيت أمه". فهجموا عليه في بيت أمه فلم يجدوه، فأمسكوا الجواري وأرادوا توسيطهم، فأقروا بأنه في بيت الأزيار، فهجموا عليه فوجدوه واقفا بين الأزيار وقد ابتلت أثوابه بالماء، فقبضوا عليه ومضوا به إلى الدهيشة وسجنوه في المكان الذي كان به أخواه. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، حكى لي الأمير ستبغا - استدار الصحبة - قال: "هيأنا السماط على أن الملك الكامل شعبان يأكل منه، ثم أفردنا منه شيئا لسيدي حاجى وسيدي حسين اللذين كانا في السجن بالدهيشة، فخرج إلى السماط سيدي حاجى وجلس في صدره وأكل منه، ثم دخلنا بالطعام الذي كنا أفردناه لسيدي حاجى وأخيه حسين إلى الملك الكامل شعبان فأكل منه وهو في السجن الذي كان فيه أخواه … ". فسبحان القادر على كل شيء … إن في الليل والنهار عجائب. وقد قال القائل: لا تأمنن للدهر وهو مسالم … سلس القياد فقد يكون محاربا واحذر تقلبه، ولا تعجب له … ان اركب الماشي وأمشي الراكبا وقال آخر: كم حاربتني شدة بجيشها … فضاق صدري من لقاها وانزعج حتى إذا آيست من زوالها … جاءتني الألطاف تسعى بالفرج

стр. 220

ثم أن الملك الكامل أقام محبوسا في المكان الذي في الدهيشة ثلاثة أيام، ثم أن أخاه حاجى أرسل إليه من يخنقه وهو في السجن فخنق، وكانت قتلته في ليلة الخميس ثالث جمادي الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنة وشهرين ونصفا. ولما مات دفن مع والده داخل القبة التي بين القصرين. وكانت صفة الملك الكامل شعبان: أشقر اللون، أزرق العينين، وافر الأنف، مجدر الوجه، يميل إلى الصفرة، شديد الخلق، سيئ التدبير، وكانت أمه رومية … فجمع بين قبيح الشكل والفعل. قال الصلاح الصفدي: بيت قلاون سعاداته … في عاجل كانت بلا آجل حل على أملاكه للردى … دين قد استوفاه بالكامل - الملك المظفّر هو الملك المظفر حاجى، ابن الملك الناصر محمد ابن قلاون. وهو الثامن عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو السادس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون. بويع بالسلطنة - بعد قتلة أخيه الملك الكامل شعبان - في يوم الاثنين مستهل جمادي الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري: يا إمام الورى، مضى نصف عام … لم أنل فيه من وصولي ربع سنة، ان غفلت عني فيها … كسرتني، وكيف لا وهي سبع؟ وكان مولد حاجى هذا في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، ولد بالطريق عند عود أبيه الملك الناصر من الحجاز - وهي الحجة الثالثة - فلما بشر به سماه حاجى. فلما تسلطن وتم أمره في السلطنة أراد أن يقبض على جماعة من الأمراء، فرسم لنقيب الجيوش المنصورة بأن يدور على الأمراء المقدمين ويعلمهم بأن السلطان رسم بأن يعمل الموكب في القصر وتجتمع سائر الأمراء … فدار عليهم نقيب الجيوش وأعلمهم بذلك. فلما طلعوا إلى القلعة واجتمعوا في القصر، دخل عليهم جماعة من المماليك السلطانية بعد المغرب فقبضوا على جماعة منهم. قيل أن الأمير آق سنقر - لما أرادوا أن يقبضوا عليه

стр. 221

- جرد سيفه وقصد نحو السلطان ليقتله، فأمسكه الأمير شجاع الدين عزلو والأمير كجلى، وأخذوا سيفه من يده. ثم قبضوا على الأمير ملكتمر الحجازي، والأمير قرابغا القاسمي، والأمير أيتمس عبد الغني، ونزلار الغمري، والأمير صمغار … فكانت ساعة تشيب فيها النواصي. ثم أن السلطان أمر بتقييدهم فقيدوا، وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأما الأمير آق سنقر والأمير ملكتمر الحجازي، فحبسهما السلطان في البرج إلى الليل، وأمر بخنقهما فخنقا ودفنا تحت الليل ومضى أمرهما، وكان هذان الأميران سببا لسلطنة المظفر حاجى وقتل أخيه الملك الكامل شعبان، وكانا يظنان أنهما في دولة الملك المظفر حاجى يصيران صاحبي الحل والعقد في أمور المملكة، فجاء الأمر إليهما بخلاف ذلك … فكان الأمر كما قيل: ربما يرجو الفتى نفع فتى … خوفه أولى به من أمله ورب من ترجو به دفع الأذى … سوف يأتيك الأذى من قبله ثم أن السلطان عمل الموكب، وخلع في ذلك اليوم على خمسة عشر أميرا، وأنعم عليهم بالاقطاعات السنية، وقرر منهم جماعة في وظائف وأقام له عصبة من الأمراء. ثم جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام يلبغا اليحياوي هرب، فتبعه جماعة من عسكر دمشق فتقاتل معهم وقتل، فقطعوا رأسه وأحضرت إلى القاهرة، فرسم السلطان بأن تعلق على باب زويله. ثم أن الأمير شجاع الدين عزلو تزايد ظلمه في حق الرعية، وصار يرمي الفتن بين الأمراء … فلما بلغ السلطان ذلك قبض عليه وسجنه، فوقع منه كلام في حق السلطان، فلما بلغه أمر بقتله فخنق تحت الليل ودفن في القرافة، فلما بلغ العوام ذلك توجه منهم جماعة إلى قبره، ونبشوا عليه، وأخذوا كفنه، وأحرقوا عظامه … فلما بلغ السلطان ذلك رسم لوالي القاهرة بأن يقبض على من فعل ذلك، فقبضوا على جماعة من العوام، وضربوهم بالمقارع، وقطعوا أيديهم وطافوا بهم القاهرة. ولما كان يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان، وصل من الشام موجود يلبغا اليحياوي، وكان من جملة ذلك من الذهب العين خمسون ألف دينار. فلما وصل ذلك على الخزائن الشريفة، أنفقه السلطان جميعه على طيور الحمام - وكان مولعا بلعب الحمام، فعمل لها

стр. 222

خلاخيل ذهب في أرجلها وألواح ذهب في أعناقها، وصنع لها مقاصير من خشب الأبنوس وطعمها بالعاج والأبنوس، وأقام بها غلمانا يكلفونها - فصرف ذلك المال جميعه عليها قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في ترجمته للملك المظفر حاجى: "وقد اشتغل بلعب الطيور عن تدبير الأمور، والتهى عن الأحكام بالنظر إلى الحمام … فجعل السطح داره، والشمس سراجه، والبرج منارة، وأطاع سلطان هواه، وخالف من نهاه. وخرج في ذلك عن الحد، وصار لا يعرف الهزل من الجد … ". ثم أن السلطان صار يستخف بالأمراء ولا يبيت عندهم في القصر في ليالي الموكب، فعند ذلك تغيرت عليه خواطر الأمراء - ولا سيما ما قد أنفقه على الحمام من المال الذي جاءوا به من موجود نائب الشام - فدخل الأمير جبغا على السلطان وقت الظهر وخلا به وعنفه على تلك الأمور التي يفعلها، وقال له أن الأمراء والعسكر قد تغير خاطرهم على السلطان بسبب ذلك. فلما سمع السلطان ذلك غضب، وقام من وقته وطلع إلى الحمام وذبحها جميعا، وأخرب تلك المقاصير، وأرسل يقول للأمير جبغا: "إني قد ذبحت الحمام الذي كان عندي جميعه. وأنا إن شاء الله تعالى أذبح في هذا القرب خياركم كما ذبحت الحمام … ". فلما سمع الأمير جبغا ذلك قام من وقته ودخل إلى نائب السلطنة، وذكر له ما قاله السلطان، فاتفق رأى الأمراء قاطبة على خلعه من السلطنة. فلما كان يوم الأحد ثاني عشر رمضان، وثب الأمراء على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وخرجوا إلى قبة النصر. فلما بلغ السلطان ذلك رسم بشد الخيول، ودق الكئوسات حربيا، وزعق النفير، وركب تحت الصنجق ومعه جماعة من الأمراء العشراوات نحو ثلاثة أنفس، وبعض مماليك صغار، ومقدم المماليك الأمير عنبر. ثم أن السلطان خرج من باب السلسلة، ومشى إلى رأس الصوة، ووقف ينتظر من يطلع إليه من الأمراء فلم يطلع إليه أحد، فوقف ساعة ثم مشى بين الترب فوقف هناك. وأرسل خلف الأمير شيخو العمري فجاء من بيته، فبعثه السلطان إلى الأمراء الذين في قبة النصر وهو يقول لهم: "ايش قصدكم حتى نعرف سبب ركوبكم علينا من غير موجب؟ ". فلما توجه الأمير شيخو من عند السلطان بهذه الرسالة، اجتمع بالأمراء الذين في قبة النصر وبلغهم ما قاله السلطان فقالوا له: "امض إلى السلطان وقل له ينزل عن الملك ويكف هذا القتال عن العسكر". فلما رجع الأمير شيخو إلى السلطان، وبلغه ما قالته الأمراء، قال السلطان: "كيف أنزل عن المماليك؟ … والله ما عندي لهم إلا السيف".

стр. 223

فرجع إليهم الأمير شيخو بهذا الجواب، فزحفوا إليه، وأشاروا بالحرب عليه. فثار بينهم غبار الحرب الوارد، وحملوا عليه حملة رجل واحد. وكان رأس الفتنة الأمير يلبغا أروس، فجاء من وراء السلطان وضرب عليه يزك بمن معه من العسكر، فصار من كان مع السلطان من المماليك يتسحبون قليلا قليلا، فلم يبق معه إلا القليل من المماليك، فتقدم إليه الأمير يلبغا أروس وضرب السلطان بطبر كان معه، فلم تؤثر فيه الضربة، فنزل الأمير يلبغا أروس عن فرسه، وأمسك لجام فرس السلطان، وتكاثر عليه العسكر فقلعوه من قربوس السرج، وأخذوه وهو حاسر الرأس، ومضوا به إلى الأمير ارقطاي نائب السلطنة. فلما رآه نزل عن فرسه، ورمى على السلطان قباءه، وقال: "أعوذ بالله أن أقتل ابن أستاذي، ولكن امضوا به إلى السجن في القلعة". فأخذه الأمير يلبغا أروس ومضى به إلى تربة في الباب المحروقي فخنقه هناك، ودفن من وقته، ولم يشعر به أحد. وكان له من العمر نحو عشرين سنة. وكان مليح الشكل، صبيح الوجه، شجاعا بطلا، لا يهاب الحرب، ولا يخاف الضرب. وقد قال فيه الصلاح الصفدي ﵀: أيها العاقل اللبيب تفكر … في المليك المظفر الضرغام قد تمادى وازداد في البغى حتى … كان لعب الحمام جد الحمام فكانت مدة سلطنة الملك المظفر هذا بالديار المصرية سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما، ولكن قتل في هذه المدة اليسيرة جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم، وكان سفاكا للدماء على صغر سنه. وفيه يقول الصفدي: خان الردى للمظفر … وفي الثرى قد تعفر فكم أباد أميرا … على المعالي توفر وقاتل النفس ظلما … ذنوبه ما تكفر فلما قتل المظفر حاجى طلع الأمراء إلى القلعة وتشاوروا فيمن يولونه السلطنة. فاختلفوا في ذلك: فطائفة من الأمراء يقولون سيدي حسين، وطائفة منهم يقولون سيدي حسن … فوقع الخلف بينهم في ذلك. وكان سيدي حسين مجرما سفاكا للدماء، فنفر منه العسكر لشدة بأسه، ووقع القال والقيل بين الأمراء، وأقامت مصر يومين بغير سلطان والناس يدعون إلى الله بإصلاح أحوال المسلمين. ثم في اليوم الثالث وقع الائتلاف من الأمراء على سلطنة سيدي حسن، فطلبوه من دور الحرم وسلطنوه، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.

стр. 224

- الملك الناصر أبو المحاسن هو الملك الناصر أبو المحاسن حسن، ابن الملك الناصر محمد، ابن الملك المنصور قلاون، وهو التاسع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو السابع من أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاون. بويع بعد قتل أخيه حاجى، فتولى الملك وله من العمر ثلاث عشرة سنة. وكان مولده في سنة ست وثلاثين وسبعمائة، تسلطن في يوم الثلاثاء في رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. قيل لما أخرجوه من دور الحرم جلس على باب الستارة وأحضروا له خلعة السلطنة، وكان اسمه أولا "سيدي قمارى" لحسنه. فلما أرادوا أن يسلطنوه قال للأمراء: "أنا لا أسمى إلا بسيدي حسن". فقال الأمراء: "على بركة الله تعالى". فألبسوه خلعة السلطنة، وأركبوه من باب الستارة - والأمراء مشاة بين يديه - إلى أن وصل إلى الايوان، وجلس على سرير الملك، ودقت له الكؤسات، ونودى باسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بولايته. فلما كان يوم الاثنين عمل الموكب، وخلع على الأمير يلبغا أروس واستقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير أرقطاي، ثم خلع على الأمير أرقطاي واستقر به نائب حلب، ثم خلع على الأمير أرغون شاه واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير منجك اليوسفي واستقر به وزيرا واستادارا بالديار المصرية، وخلع على جماعة كثيرة من أرباب الوظائف من الأمراء والمتعممين وغير ذلك. ثم فرق الإقطاعات على المماليك السلطانية وأرضاهم بكل ما يمكن. ثم عينوا الأمير استبغا المحمودي السلحدار بأن يتوجه ببشارة ولاية السلطان إلى دمشق، فأخذ في أسباب السفر إلى دمشق. وفيه يقول ابن أبي حجلة: غدا سلطاننا ملك البرايا … رعاه الله يعدل في الرعايا حواصل عدل والده حواها … وأخرج من زواياها الخبايا فمهلا في التمادي والأيادي … فقد حزت النهاية في العطايا

стр. 225

وفي هذه السنة - وهي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (١٣٤٧ م) - احترف بحر النيل احترافا زائدا مما يلي بر مصر، فاتفق رأى الأمراء بأن يسدوا البحر مما يلي بر الجيزة، فرسموا للأمير منجك اليوسفي وزير الديار المصرية بأن يتولى أمر ذلك، ففرض منجك على كل دكان بمصر والقاهرة درهمي فضة، وأخرجوا مراسيم شريفة إلى كاشف الشرقية بأن يفرض على كل نخلة في البلاد درهمين من الفضة، فاجتمع من ذلك مال جزيل، فأخذ منجك ذلك المال واشترى به مراكب ووسقها حجارة كبارا وغرقها في البحر مما يلي بر الجيزة، فلم يفد من ذلك شيئا، وطغى عليهم الماء، فقبضوا على منجك ورسموا عليه بسبب ما أخذه من البلاد من المال فصادروه، وأخذوا أمواله وعزلوه من الوزارة. سنة تسع وأربعين وسبعمائة (١٣٤٨ م): فيها خلع السلطان على الأمير جبغا واستقر به نائب طرابلس، وخلع على الأمير أحمد شاد الشرنجاناه واستقر به نائب صفد. ومن الحوادث في هذه السنة أن الفناء وقع بالديار المصرية وعم سائر البلاد (١)، فكان يخرج من القاهرة في كل يوم ما ينوف عن عشرين ألف جنازة. وقد ضبط في شهر شعبان ورمضان فبلغ عدة من مات فيهما من الناس، فكان نحو تسعمائة ألف إنسان … ولم يسمع بمثل هذا الطاعون فيما تقدم من الطواعين المشهورة في صدر الإسلام. قال الشيخ شمس الدين محمد الذهبي: "إن الطواعين المشهورة في مبتدأ الإسلام خمسة، وهي: "طاعون شيرويه". "وطاعون عمواس - كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وقع بالشام وأعمالها في سنة ثمان عشرة من الهجرة - وعمواس بفتح العين اسم قرية بالشام". "وطاعون الجارف، وقع في زمن عبد الله بن الزبير في سنة سبع وستين من الهجرة. قيل مات فيه في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفا، ومات فيه لأنس بن مالك ﵁ في ثلاثة أيام ثلاثة وثمانون ولدا. وكان في شهر رمضان قوة عمله. "وطاعون الفتيات كان بالبصرة وواسط. قيل أنه ابتدأ بالعذارى الصغار فسمى طاعون الفتيات".

стр. 226

"وطاعون جاء في سنة إحدى وثلاثين ومائة من الهجرة يسمى طاعون قتيبة، مات فيه ألف ألف وستمائة وخمسون ألف إنسان، ومات عقيبة المغيرة ابن شعبة ﵁". ولكن لم يسمع بمثل هذا الطاعون الذي جاء في هذه السنة، لأنه عم البلاد قاطبة، ومات فيه من الناس ما لا يحصى عددهم من مسلم وكافر، وكانت قوة عمله في بلاد الفرنج، وأقام دائرا في البلاد نحو سبع سنين حتى غزت جميع البضائع لقلة الجالب من البلاد، وبلغ ثمن الراوية من الماء اثنى عشر درهما بالقاهرة، وسبب ذلك موت الجمال. وبلغ طحم الأردب القمح خمسة عشر درهما. ولم يزرع من أراضي مصر في تلك السنة إلا القليل بسبب موت الفلاحين وعدم من يزرع، فوقع الغلاء حتى يبعث كل ويبة قمح بمائتي درهم، وكادت مصر تخرب في تلك السنة. ووقع الطاعون أيضا في القطط والكلاب والوحوش، ولقد شوهد شيء كثير من الوحوش وهي مطروحة في البراري وتحت ابطها الطواعين، وكذلك الخيل والجمال والحمير وسائر الحيوان، حتى الطيور مثل النعام وغير ذلك. وفي ذلك يقول الصلاح الصفدي: لما افترست أصحابي … يا عام تسع وأربعينا ما كنت والله تسعا … بل كنت سبعا يقينا وقوله أيضا: دارت من الطاعون كاس الفنا … فالنفس من سكرته طافحة قد خالف الشرع وأحكامه … لأنه يثبت بالرائحة وقوله أيضا: لا تثق بالحياة طرفة عين … في زمان طاعونه مستطير فكان القبور شعلة شمع … والبرايا لها فراش تطير وقال الشيخ زين الدين بن الوردي: يقولون شم الخل في زمن الوبا … وفاقا لما قال الأطباء يا خلي فان قلت للطاعون تسطو على الورى … يقول: نعم … أسطو وأنفك في الخل

стр. 227

وقال ابراهيم المعمار: يا طالبا للموت قم واغتنم … هذا أوان الموت ما فاتا قد رخص الموت على أهله … ومات من لا عمره ماتا وقوله أيضا: قبح الطاعون داء … فقدت فيه الأحبة يبعث الأنفس فيه … كل إنسان بحبة ومن مجونه قوله: قلت لمن بالحشيش مشتغل: … ويحك، ما تخشى هذه الكتبة! فالناس ماتوا بكبة ظهرت … فقال: إني أعيش بالكبه وقال بعضهم: تروعنا الجنائز مقبلات … وتلهو حين تذهب مدبرات كروعة ظبية صدفت لذئب … فلما غاب عادت راتعات وقال آخر: نراع بالموت ساعة ذكره … ونعرض للدنيا فنلهو ونلعب ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها … وما كنت منه فهو شيء محبب قيل لما زاد أمر هذا الطاعون بالديار المصرية، أمر بعض العلماء بأن الناس يخرجون قاطبة إلى الدعاء برفعه، فخرج الناس قاطبة إلى الصحراء وفعلوا كما يفعلون في الاستسقاء، فلم يفد ذلك شيئا، بل زاد أمر الطاعون حتى عم سائر البلاد، ودخل إلى مكة، ولم يعهد هذا قط في سوى هذه السنة … نقل ذلك ابن حجر في كتاب "بذل الماعون في أخبار الطاعون".

стр. 228

سنة خمسين وسبعمائة (١٣٤٩ م): فيها جاءت الأخبار بأن أرغون شاه نائب الشام قتل تحت الليل. وسبب ذلك أن الأمير جبغا نائب طرابلس دخل إلى دمشق في جماعة كثيرة من عسكر طرابلس. وكان أرغون شاه نائب الشام مقيما بالقصر الأبلق الذي بدمشق، فدخل عليه الأمير جبغا نائب طرابلس وهو نائم بين عياله فقبض عليه وقيده وسجنه بقلعة دمشق. فلما أصبح الصباح طلب الأمير جبغا القضاة والأمراء بدمشق، وأخرج لهم مرسوم السلطان بالقبض على أرغون شاه نائب الشام، فعند ذلك سكن ما كان بين الناس من الاضطراب، وظنوا أن ذلك صحيح. ثم أن الأمير جبغا احتاط على موجود أرغون شاه جميعه، فلما كانت ليلة الجمعة رابع عشرى ربيع الأول من تلك السنة، فيها وجدوا أرغون شاه النائب مذبوحا وهو في السجن، فأحضر الأمير جبغا القضاة وكتب محضرا في شأن ذبح أرغون شاه بأنه وجد في السجن مذبوحا ولا يعلم من فعل ذلك. ثم فشا الكلام بين الناس بأن ذلك من فعل الأمير جبغا، فكثر القال والقيل في حق جبغا بأنه هو الفاعل لذلك جميعه، فوثب عليه عسكر دمشق وحاربوه، فهرب جبغا وتوجه إلى نحو المزه - وهي من أعمال دمشق - فلم يتبعه أحد من عسكر الشام وخافوا عقبى ذلك. ثم أن الأمير جبغا توجه إلى طرابلس بعد ما جرى منه ما جرى. ثم أن أمراء دمشق كاتبوا السلطان بما وقع من الأمير جبغا، فلما وصل الخبر إلى السلطان أنكر ذلك، وحلف على مصحف أنه لم يكن له علم بذلك. ثم عاد الجواب إلى الأمراء بدمشق بأن السلطان ليس له علم بما جرى من الأمير جبغا، ثم رسم لعسكر دمشق بأن يحاربوا الأمير جبغا ويمشوا عليه في أي مكان كان، فخرج عليه عسكر دمشق قاطبة، وحاربوه وهو في طرابلس، فانكسر الجبغا وقبضوا عليه ودخلوا به إلى الشام وكان يوم دخوله إلى الشام يوما مشهودا لم يسمع بمثله. وكان في مراسيم السلطان التي جاءت إلى دمشق: "ان ظفرتم بالجبغا فاشنقوه على باب دمشق". فلما ظفروا به شنقوه وعلقوه على باب القلعة كما رسم السلطان، فأقام ثلاثة أيام وهو معلق حتى دفن بعد ذلك، فكان كما قيل: ليس المغر بمحمود ولو سلما. سنة احدى وخمسين وسبعمائة (١٣٥٠ م): فيها جاءت الأخبار من حلب بأن شخصا من التتار يسمى هندو أغار على مدينة سنجار وملكها، فأرسل السلطان له تجريدة فحاصروه فصلب من العسكر الأمان، ثم رحل

стр. 229

عن سنجار وعاد إليها النائب الذي من قبل السلطان، ثم رجع العسكر إلى القاهرة وهم سالمون. وفيها توجه الأمير طاز أمير حاج بالمحمل الشريف. فلما وصل إلى مكة وقع بينه وبين الملك المجاهد صاحب اليمن - وكان قد حج في تلك السنة - فلما صعدوا إلى الجبل وقعت بينهما فتنة عظيمة فانكسر الملك المجاهد صاحب اليمن وقبض عليه الأمير طاز وقيده وأحضره صحبته إلى القاهرة. وفيها جمع السلطان الملك الناصر حسن القضاة الأربعة وسائر الأمراء، ورشد نفسه، واستعذر الأوصية فأعذروا له في ذلك، ثم بعد أيام قبض السلطان على جماعة من الأمراء - منهم الأمير يلبغا أروس، والأمير منجك اليوسفي - وأرسلهم إلى السجن بالاسكندرية. وفيها أبطل السلطان ما أحدثه النساء من القصمان التي خرجت في كبر أكمامها عن الحد، وأبطل ما أخرجوه من الأزر الحرير والأخفاف الزركش، فأشهروا المناداة في القاهرة بابطال ذلك فرجعت النساء عن ذلك. سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة (١٣٥١ م): فيها عاد الحجاج إلى القاهرة، فطلع الأمير طاز إلى القلعة وصحبته الملك المجاهد صاحب اليمن، فلما تمثل بين يدي السلطان أطلقه من القيد ورسم له بالعود إلى بلاده وهو مكرم، وأرسل معه السلطان الأمير تشتمر المنصوري ليوصله إلى بلاده. فلما وصل إلى اليتبع أراد الملك المجاهد أن يقتل الأمير قشتمر ويهرب من هناك، فقبض عليه الأمير قشتمر ورجع به إلى القاهرة، فتغير عليه خاطر السلطان بسبب ذلك، فقيده وأرسله إلى السجن بقلعة الكرك. وفيها - في يوم الأحد سابع عشر جمادي الآخرة - وثب الأمراء على السلطان، ولبسوا له آلة الحرب، وطلعوا إلى الرميلة، ووقفوا بسوق الخيل، وكان رأس الفتنة الأمير طاز المنصوري، والأمير بيبغا الشمسي، والأمير سفر الناصري … فحطم الأمير طاز - ومعه جماعة من الأمراء - فطلعوا إلى القلعة وهم راكبون إلى الحوش السلطاني، فقبضوا على السلطان الملك الناصر حسن وسجنوه بالقلعة في مكان داخل دور الحرم، فأقام به إلى حين عوده إلى السلطنة كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فكانت مدة سلطنة الملك الناصر حسن في هذه المرة بالديار المصرية ثلاث سنين وتسعة أشهر، وهي السلطنة الأولى. ثم تولى من بعده أخوه صالح.

стр. 230

- الملك الصالح صلاح الدين هو الملك الصالح صلاح الدين صالح، ابن الملك الناصر محمد، ابن الملك المنصور قلاون، وهو تمام العشرين من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، بويع بالسلطنة بعد أخيه الملك الناصر حسن في يوم الاثنين ثامن عشر جمادي الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. وكان مولده بقلعة الجبل في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز نائب الشام. وكان سبب سلطنته أن الملك الناصر لما خلع من السلطنة تعصب الأمير طاز وسلطن الملك الصالح، فجلس على سرير الملك، وتلقب بالملك الصالح، ونودى باسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء. فلما تم أمر سلطنة الملك الصالح صار الأمير طاز صاحب الحل والعقد، واجتمعت فيه الكلمة، وصار الملك الصالح معه مثل اللولب يديره كيف شاء، وليس له في السلطنة غير مجرد الاسم فقط … فوقع بين الأمراء الخلف، وأضمروا السوء للأمير طاز، ودبت بينه وبينهم عقارب الفتن، فوثب عليه جماعة من الأمراء، ولبسوا آلة الحرب، وتوجهوا إلى القصر. فلما بلغ الأمير طاز ذلك أركب السلطان ونزل به من القلعة في جماعة من الأمراء ومن المماليك السلطانية، ودقت الكئوسات حربيا، وزعق النفير، ومشى السلطان تحت الصنجق، ونودى في القاهرة: "من وجد مملوكا من مماليك الأمير منكلي بغا الفخري والأمير مغلطاي، فيقتله حيث وجد في أي مكان كان". .. فقتل في ذلك اليوم جماعة كثيرة من المماليك، وأخذوا خيولهم وقماشهم وسلاحهم. ثم زحف السلطان والأمير طاز بمن معهما من الأمراء والعسكر، وتوجهوا إلى قبة النصر، فوقع بينهم القتال عند خليج الزعفران وقرب المطرية، فكان بين الأمراء واقعة عظيمة قتل فيها جماعة كثيرة من المماليك. ثم أن الأمير منكلي بغا الفخري والأمير مغلطاي انكسرا وهربا في بعض بساتين المطرية، فقبضوا عليهما في أواخر النهار، فرسم السلطان بسجنهما في خزانة شمايل، ثم أرسلهما إلى السجن بثغر الاسكندرية، ورسم بالافراج عن الأمير شيخو العمري والأمير منجك اليوسفي - وكانا بالسجن بثغر الاسكندرية - فأفرج عنهما وحضرا إلى الأبواب الشريفة وطلعا إلى القلعة، فأنعم السلطان على الأمير شيخو في ذلك اليوم بتقدمة ألف، وكذلك الأمير منجك اليوسفي.

стр. 231

ثم أن السلطان أرسل بالإفراج عن الأمير بيبغا أروس - وكان بالسجن في قلعة الكرك - فلما حضر خلع عليه واستقر به نائب حلب. ثم خلع على الأمير أرغون الكاملي واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية. وفي هذه السنة توفى ابن اللبانة الشاعر، وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، ومن لطائف قوله: هلا ثناك على قلب مشفق … لترى فراشا في فراش يحرق قد صرت كالرمق الذي لا يرتجى … وبقيت كالنفس الذي لا يلحق لو في يدي سحر وعندي هذه … لجعلت قلبك كل يوم يعشق لتذوق ما قد ذقت من ألم الهوى … فترق لي مما تراه وتشفق وفيها توفي الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام شمس الدين بن قيم الجوزية وكان له مصنفات كثيرة في العلوم الجليلة. سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة (١٣٥٢ م): فيها جاءت الأخبار من حلب بأن الأمير بيبغا أروس قد خرج عن الطاعة وأظهر العصيان، وكذلك الأمير بكلمش نائب طرابلس، وكذلك الأمير أحمد نائب حماه، وكذلك الأمير الطنبغا برقاق نائب صفد - فأرسل نائب الشام الأمير أرغون الكاملي بخبر السلطان بما قد جرى من النواب. ثم بعد ذلك بأيام يسيرة جاءت الأخبار بأن نائب حلب وصل إلى الشام وحاصر المدينة، فلما رأى نائب الشام عين الغلبة هرب تحت الليل هو ومماليكه وتوجه إلى نحو غزة فأقام بها، فأرسل يعلم السلطان والأمراء بذلك. ثم جاءت الأخبار بأن بيبغا أروس لما دخل إلى الشام وقف تحت القلعة ومعه من تقدم ذكرهم من النواب، فاستعرض هناك العسكر الشامي والعسكر الحلبي، فكان مع الأمير بيبغا أروس من النواب والأمراء نحو ستين أميرا - غير العساكر الحلبية والشامية، وغير ما التف عليه من العربان والعشائر - فقويت شوكته. فلما فرغ من العرض نزل عند قبة بيبغا، وأرسل إلى نائب قلعة دمشق - وهو الأمير أياجي - بطلب منه أميرا كان مسجونا

стр. 232

بقلعة دمشق، فأرسل إليه الأمير أياجي يعتذر له عن ذلك بأن هذا في سجن السلطان ولا أقدر على إطلاقه من السجن إلا بمرسوم السلطان. ثم أن نائب قلعة دمشق حصن القلعة تحصينا عظيما، وركب عليها المكاحل بالمدافع، وأرسل يقول لأهل المدينة: "لا تفتحوا دكانا ولا سوقا، ولا تبيعوا على عسكر حلب شيئا". فلما بلغ الأمير بيبغا أروس ذلك اشتد به الغضب، وأمر عسكره بأن ينهبوا ضياع دمشق والبساتين، ويقطعوا الأشجار. فلما سمعوا هذه المناداة ما أبقوا ممكنا من الأذى والفساد، فنهبوا حتى النساء والبنات والقماش. وجرى على أهل دمشق من بيبغا أروس ما لم يجر عليهم من عسكر غازان لما أن دخل إلى دمشق. فلما جاءت الأخبار بذلك إلى السلطان علق الجاليش وتجهز للخروج إلى دمشق، ثم عين الأمير عمر شاه - وهو صاحب القنطرة - وعين محمد بن بكتمر الساقي، والأمير قماري الحموي بأن يخرجوا إلى الصعيد قبل خروج السلطان لحفظ البلاد من فساد العربان وصون الغلال، فخرجوا من يومهم. ثم أن السلطان خرج من القاهرة قاصدا نحو البلاد الشامية، فطلب طلبا عظيما، وخرج معه من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طاز، والأمير شيخو العمري، والأمير صرغتمش، والأمير استدمر العمري، وأخوه الأمير طاز، والأمير جردمر، والأمير قرابغا، والأمير بنجاص، والأمير قجا السلحدار، والأمير قطلوبغا الذهبي، وبقية الأمراء المقدمين، وكان مع السلطان الطبلخانات والعشراوات نحو ثمانين أميرا. ثم أن السلطان ترك في القاهرة الأمير قبلاي نائب السلطنة، ومعه ثلاثة أمراء لصون المدينة. ثم خرج السلطان من القاهرة في يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكان صحبته القضاة الأربعة، والخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله ابن المستكفي بالله ابن الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، وسائر العسكر قاطبة، فكان وصول السلطان إلى دمشق في شهر رمضان، فنزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان، وصلى الجمعة في جامع بني أمية. وكان الأمير بيبغا أروس لما بلغه وصول الملك الصالح إلى دمشق رحل عنها. ثم أن السلطان طلع إلى قلعة دمشق وأقام بها، وأمر جماعة من الأمراء والعسكر بأن يتوجهوا خلف الأمير بيبغا ومن معه من النواب، فخرجوا إليهم وتقاتلوا معهم. فلما كان ثلاث شهر شوال جاءت الأخبار من عند السلطان بأنه قد انتصر على الأمير بيبغا أروس، وانكسر بيبغا وهرب إلى بلاد التراكمة، وقبض على جميع من كان معه من

стр. 233

النواب والعسكر ودخلوا بهم إلى دمشق وهم في جنازير وقيود، وكان لهم في دمشق يوم مشهود لم يسمع بمثله. ثم أن السلطان جلس في القصر الأبلق بالميدان، واجتمع الأمراء عنده في القصر، ودخل العسكر إلى الميدان، ثم أحضروا النواب بين يدي السلطان فعاتبهم على ما فعلوا، ثم أمر بتوسيطهم فوسطوا ستة من الأمراء وهم: الطنبغا برقاق نائب صفد وهو صاحب الدرب المنسوب إليه، والأمير طنبغا الأوجاني المعروف بحلاوة، والأمير مهدي العلائي شاد الدواوين بحلب، والأمير استبغا التركماني، والأمير الطنبغا شاد الشرنجاناه، والأمير شادي أخو الأمير أحمد نائب حماه. ثم أراد أن يوسط الأمير بكتمر السعيدي، فشفع فيه الأمراء فحبس بقلعة دمشق. ثم أن السلطان قصد أن يتوجه نحو الديار المصرية، فخرج من الشام - بعد ما عزل من عزل وولى من ولى - وسار حتى دخل القاهرة في أواخر شوال من السنة المذكورة، فكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت له وحملت على رأسه القبة والطير، وفرشت له الشقق الحرير من باب النصر إلى القلعة … وهو في غاية العز والنصرة، والأمراء مشاة بين يديه، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، ونثروا عليه الذهب والفضة، وضج له الناس بالدعاء. وكان محبا للرعية قليل الأذى، فلما استقر بالقلعة ومضى عليه أيام يسيرة قبض على الصاحب علاء الدين بن زنبور، وكان قد عظم أمره ونمت أمواله، واجتمع فيه من الوظائف السنية ما لم يجتمع في غيره، فكان وزيرا وناظر الجيوش المنصورة وناظر الخواص الشريفة … فتعاظم على الناس بقوة البأس. فلما قبض عليه السلطان ضربه ضربا شديدا، وقيده ونفاه إلى قوص، واحتاط على موجوده من صامت وناطق، فكان كما قيل في المعنى: ومباشر السلطان شبه سفينة … في البحر ترجف دائما من خوفه ان أدخلت من مسائه في جوفها … أدخلها، وماءها، في جوفه قال قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة رحمة الله عليه: "وقفت على قوائم فيها ما ضبط من موجود الصاحب علاء الدين بن زنبور، وهو: قماش ملون ما بين صوف وحرير ألفان وستمائة قطعة. منها مفرى بسمور ووشق وسنجاب وقاقوم ألفا قطعة، جنداب بوجهين ستمائة قطعة. جبينات خمسة آلاف قطعة. أواني ذهب وفضة زنتها نحو

стр. 234

ستين قنطار. صناديق ضمنها فصوص ملون ما بين ياقوت والماس وعين هر وحبات لؤلؤ كبار وزن ذلك نحو قنطارين وكسور، صناديق ضمنها لؤلؤ حب، فاعتبروه بالكيل فكان نحو أردبين بالمصري. صناديق ضمنها ذهب عين جملته ستمائة ألف دينار. حوائص ذهب ستة آلاف حياصة. كلوتات زركش ستة آلاف كلوته. ووجد له ودائع عند الناس في أماكن عدتها ستة وثلاثون مكانا ما يعلم ما في الصناديق التي وجدت بها. ووجد له فضة نقرة محررة بالكيل فكانت ثلاثين أردبا بالمصري. حواصل فيها شاشات، العدة ثلثمائة ألف شاش. حواصل فيها بسط رومي وسقاعة من سائر الألوان خمسة وثلاثون ألف قطعة. أنطاع كبار وصغار ثلاثون ألف نطع. ومن الخيول والبغال والجمال عشرون ألف رأس. ووجد له في خبية تحت سلم سبعمائة ألف دينار. ووجد له عبيد وجوار سبعمائة رأس، ومن المماليك الروم خمسون مملوكا، ومن الخدام الخصى مائة رأس. ووجد له في حاصل نحو من ثلاثين ألف قطعة صيني ما بين لازورد وأخضر وشفاف. ووجد له من النحاس الأصفر المكفت والنحاس الأبيض نحو من أربعين ألف قطعة. ووجد له من الأملاك والضياع والمسقفات سبعة آلاف مكان قومت بثلثمائة ألف دينار. ووجد له من المعاصر خمسة وعشرون معصرة، وبها من القنود السكر ما لا ينحصر وزنه. ووجد لأولاده اقطاعات حلقة سبعمائة اقطاع. ووجد له في حاصل من السروج الذهب والفضة والكبابيش الزركش والبدلات وعدد الخيل، قوموا ذلك بثلاثين ألف دينار. ووجد له مخازن فيها بضائع وبهار قوموا ذلك بأربعمائة ألف دينار. ووجد له من المراكب ستمائة مركب. ووجد له من البساتين والغيطان مائتا بستان. ووجد له من السواقي في البلاد ألف وأربعمائة ساقية، ووجد له من الأبقار الحلابة والأغنام السياق ثلثمائة ألف رأس. ووجد له من الغلال - ما بين قمح وشعير وفول - ما لا ينحصر كيله. ووجد له ودائع كثيرة عند الناس من قماش ونحاس ومال وغير ذلك مما لا ينحصر قدره. والذي ضاع له عند الناس والغلمان ونحو ذلك شيء لا ينحصر. وكان له أربع نسوة ومائتا سرية … وهذا الموجود لم يسمع بمثله ولا عند الخلفاء". وآخر الأمر أنهم أخذوا ماله جميعه ونفى إلى قوص، فأقام بها إلى أن مات ودفن بقوص، ولم يعلم له مكان قبر، وزالت الدنيا عنه كما زالت عن غيره، كما قيل في الأمثال: "المال كالماء … من استكثر منه غرق فيه". وقال بعضهم: خذ القناعة من دنياك وارض بها … واختر لنفسك منها راحة البدن

стр. 235

وانظر لمن قد حوى مما سمعت به … هل ناله غير بعض القطن والكفن وقال الزمخشري ﵀: وقائلة أرى الأيام تعطى … لئام الناس من رزق خبيث وتمنع من له شرف وفضل … فقلت لها خذي أصل الحديث رأت جل المكاسب من حرام … فجادت بالخبيث على الخبيث وفي هذه السنة توفى الشيخ الإمام العالم العلامة زين الدين عمر بن المظفر بن الوردي المعرى الكندي، وكان من أعيان علماء الشافعية وله مصنفات كثيرة، منها "كتاب البهجة" وغير ذلك. وكان فريد عصره ووحيد دهره، وله نظم ونثر، ﵁. قال الشيخ عماد الدين اسماعيل بن كثير في تاريخه أن الشيخ زين الدين بن الوردي دخل إلى الشام - وكان ضيق المعيشة، رث الهيئة، ردئ المنظر - فحضر إلى مجلس القاضي نجم الدين ابن صصرى من جملة الشهود، فاستخفت به الشهود وأجلسوه في طرف المجلس، فحضر في ذلك اليوم مبايعة مشتري ملك، فقال بعض الشهود: "أعطوا المعري يكتب هذه المبايعة". .. على سبيل الاستهزاء به. فقال الشيخ زين الدين: "أكتبه لكم نظما أو نثرا؟ ". .. فتزايد استهزاؤهم به فقالوا له: "بل اكتب لنا نظما". فاخذ ورقة وقلما وكتب فيها هذا النظم اللطيف، وهو: باسم اله الخلق هذا ما اشترى … محمد بن يونس بن سنقرا من مالك بن أحمد بن الأزرق … كلاهما قد عرفا من جلق فباعه قطعة أرض واقعة … بكورة الغوطة وهي جامعة بشجر مختلف الأجناس … والأرض في البيع مع الغراس وذرع هذى الأرض بالذراع … عشرون في الطول بلا نزاع وحدها من قبله ملك التقى … وجابر الرومي حد المشرق ومن شمال ملك أولاد علي … والغرب ملك عامر بن جهبل وهذه تعرف من قديم … بأنها قطعة بيت الرومي بيعا صحيحا ماضيا شرعيا … ثم شراء قاطعا مرعيا بثمن مبلغه من فضة … وازنة جيدة مبيضة

стр. 236

جارية للناس في المعاملة … ألفان، منها النصف ألف كاملة وسلم الأرض إلى من اشترى … فقبض القطعة منه وجرى بينهما بالبدن التفرق … طوعا فما لأحد تعلق ثم ضمان الدرك المشهور … فيه على بائعه المذكور وأشهد عليهما بذاك في … رابع عشر رمضان الأشرف من عام سبعمائة وعشرة … من بعد خمسة تليها الهجرة والحمد لله وصلي ربي … على النبي وآله والصحب يشهد بالمضمون من هذا عمر … ابن المظفر المعري إذ حضر فلما فرغ الشيخ من نظمه، ووضع الورقة بين يدي الشهود، تأملوا هذا النظم مع سرعة الارتجال، فقبلوا يده واعتذروا له من التقصير في حقه، واعترفوا بفضيلته عليهم. ثم أن الشيخ قال لبعض الشهود في المجلس: "سد في هذه الورقة بخطك" فقال له: "يا سيدي أنا ما أحسن النظم". فقال له: "ما اسمك؟ ". فقال له: "أحمد بن رسول"، فكتب الشيخ عنه وهو يقول: قد حضر العقد الصحيح أحمد … ابن رسول وبذاك يشهد وتوفي في هذه السنة الشيخ شمس الدين الذهبي المؤرخ. وتوفي الشيخ أثير الدين أبو حيان المغربي - وكان مالكي المذهب، فلما دخل إلى مصر تقلد بمذهب الشافعي ﵁ فسئل عن ذلك فقال: "بحسب البلدة". .. وكان عالما فاضلا ناظما ناثرا، وله شعر جيد، ومن شعره اللطيف قوله: بدر تم له على الخد خال … في احمرار ينشق منه الشقيق كتب الحسن بالمحقق معنى … ولكن عذاره تعليق سنة أربع وخمسين وسبعمائة (١٣٥٣ م): فيها توفي الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله تعالى أحمد، ابن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان، ابن الإمام الحاكم بأمر الله أحمد. فلما مات تولى من بعده ابنه أبو بكر، وتلقب بالمعتضد بالله. وكان له مشهد عظيم، وصلى عليه السلطان الملك الصالح.

стр. 237

وفيها حضروا برأس الأمير بكلمش نائب طرابلس، ورأس الأمير بيبغا أروس نائب حلب، ورأس الأمير أحمد نائب حماه - وكانوا هربوا من الملك الصالح لما توجه إلى الشام كما تقدم. فلما هرب أولئك النواب توجهوا إلى بلاد التركمان، فقطعوا رءوسهم وأرسلوهم إلى السلطان، فرسم بأن يعلقوا على باب زويلة، فعلقوا عليه ثلاثة أيام. وفي هذه السنة جاءت الأخبار من بلاد الصعيد بأن العربان أظهروا الفساد وعصوا ونهبوا جميع الغلال وقتلوا العمال، وكان كبير العربان شخصا يسمى ابن الأحدب، شيخ قبيلة عرك، فاجتمع عليه قبائل كثيرة من العربان حتى سدوا القضاء. فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت الأحوال وخرج إليهم السلطان بنفسه وسائر الأمراء قاطبة. وكان جاليش العسكر الأمير طاز، والأمير شيخو العمري، والأمير صرغتمش الناصري، فلما تقدموا أمام العسكر وقع بينهم وبين العربان واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها، وقيل مات من العربان نحو النصف، وانكسر شيخهم ابن الأحدب، وصار الأمير شيخو يقطع رأس كل من رآه من الفلاحين يقول دكيك، حتى بنى من رءوس العربان مساطب وموادن على شاطئ البحر. ثم أن الأمراء مشوا وراء العربان الذين هربوا مسيرة سبعة أيام حتى دخلوا أطراف بلاد الزنج. ثم رجع الأمراء والسلطان إلى الديار المصرية ومعهم ألف رأس من أكابر العربان، وقد غنموا منهم غنائم كثيرة من خيول وجمال واغنام وسيوف ودرق وغير ذلك. فلما دخل السلطان إلى القاهرة كان له يوم مشهود. فلما طلع إلى القلعة رسم بتوسيط الأسرى من العربان، فوسطوا نحو سبعمائة إنسان. ثم أن السلطان نادى في القاهرة بأن الفلاح لا يركب فرسا ولا يحمل سلاحا. ثم أن ابن الأحدب كبير العربان شيخ العرك الذي قد هرب أرسل يطلب من السلطان الأمان بأن يقابل، فأرسل له السلطان أمانا، فحضر إلى الأبواب الشريفة، فخلع عليه السلطان خلعة، وأقره على عادته شيخ العركى كما كان، وتوجه إلى بلاده، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: ما هادن السلطان أعداءه … إلا لأمر فيه اذلالهم حتى له تكثر أموالهم … وللسبا تكثر أطفالهم وفي هذه السنة خلع السلطان على الأمير أرغون الكاملي واستقر به نائب حلب عوضا عن بيبغا أروس، فلما توجه الأمير أرغون إلى حلب جرد إلى قراجا بن ذو الغادر أمير التركمان، وكان ذنب قراجا أنه وافق بيبغا أروس على العصيان، فلما وصل إليه الأمير ارغون هرب منه، فتبعه الأمير أرغون إلى أطراف بلاد الروم، فقبض عليه وأرسله إلى

стр. 238

السلطان، فلما حضر إلى القاهرة ومثل بين يدي السلطان أمر بتسميره، فسمروه على جمل وطافوا به مصر والقاهرة، ثم وسطوه في الرميلة بسوق الخيل ثم دفنوه. سنة خمس وخمسين وسبعمائة (١٣٥٤ م): فيها توفي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله كاتب السر الشريف بالديار المصرية والبلاد الشامية، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وله شعر جيد، وصنف كتابا في صناعة التوقيع وصار العمل عليه إلى الآن بين الموقعين، وبه يقتدون. ومما وقع للقاضي شهاب الدين هذا أنه رثى نفسه قبل أن يموت بهذين البيتين، ووجدا في دواته بعد موته: قلت لأقلامي: اكتبي وانطقي … فقالت الأقلام: واسوأتاه وشقت الألسن من حزنها … وولولت، واسود وجه الدواه ومن الحوادث في هذه السنة أنه في يوم الاثنين ثاني شوال وثب جماعة من الأمراء على الملك الصالح، وكان الأمير طاز قد توجه إلى نحو البحيرة ليتصيد، فاغتنم الأمراء هذه الفرصة، فركب في ذلك اليوم الأمير شيخو العمري وجماعة من الأمراء وهجموا على السلطان الملك الصالح وخلعوه من الملك وسجنوه بدور الحرم من يومه، وزال ملكة كأنه ما كان فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية - إلى أن خلع من السلطنة - ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان ملكا عظيما دينا خيرا حسن السيرة، ساس الرعية في أيامه أحسن سياسة، وكانت الناس عنه راضية، وكانت أيامه كلها خيرا وعدلا، وكان قليل الأذى كثير الخير. ولما خلع من السلطنة اشتور الأمراء فيمن يولونه سلطانا فوقع الاتفاق على عود الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاون أخى الملك الصالح، فأخرجوه من دور الحرم وسلطنوه كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه. - عود الملك الناصر حسن وهي السلطنة الثانية. فلما خلع الملك الصالح صالح من السلطنة وقع الرأي على عود الملك الناصر حسن، فأخرجوه من دور الحرم وسلطنوه، وذلك في يوم الاثنين ثاني شوال

стр. 239

سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك هنأه الشيخ جمال الدين بن نباته بهذه الأبيات وهي قوله: عد على النصر والسعادة يامن … رفع الله في السلاطين شانه أنت سهم لله ما كان يخلى … منه أوطان مصر وهي كنانه قال الشيخ شهاب الدين بن حجلة التلمساني إن الملك الناصر حسن وافق والده في سبعة أشياء وقعت له: أولها - أنه وافقه في اللقب، لأن والده تلقب بالناصر وهو أيضا تلقب بالناصر. الثاني - أنه ترك الملك وعاد إليه، ووالده ترك الملك وعاد إليه. الثالث - أنه جلس على سرير الملك في المرة الأولى في رابع عشر الشهر، ووالده جلوسه في المرة الأولى كان في رابع عشر الشهر. الرابع - أنه لما عاد إلى الملك جلس على سرير الملك في ثاني شوال، ووالده كذلك. الخامس - أنه وزر له متعمم ورب سيف، ووالده أيضا وزر له متعمم ورب سيف. السادس - أنه أقام مدة بلا وزير، ووالده أقام مدة بلا وزير. السابع - أنه أقامت مصر في أيامه مدة بلا نائب سلطنة، ووالده أيضا أقامت مصر في أيامه مدة بلا نائب سلطنة. وهذا من غريب الاتفاق فلما عاد في هذه المرة غاب كالبدر في سحابه، ورجع كالسيف المسلول من قرابه، فخضعت له الرقاب، وضرب بين الظلم وقلعته بسور له باب، وأنشده الدهر "بغيرك راعيا عبث الذئاب". .. فلما تم أمره في السلطنة، عمل الموكب، وخلع على من يذكر من الأمراء وهم: المقر السيفي سيف الدين شيخو العمري الناصري، واستقر به أميرا كبيرا - وهو أول من سمى بأمير كبير - ولبس لها خلعة وصارت من يومئذ وظيفة مستقلة. ثم خلع على المقر السيفي عز الدين أزدمر العمري واستقر به أمير سلاح بالديار المصرية - والأمير أزدمر هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ، وكان جد والده لأمه - ثم خلع على الأمير صرغتمش، واستمر رأس نوبة النواب على عادته … فصار الأمير شيخو والأمير

стр. 240

صرغتمش في دولة الناصر حسن صاحبي الحل والعقد ومدبري المملكة، وكانت عظمة الأتابكي شيخو في دولة الملك الناصر حسن. ثم أن الأمير طاز، الدوادار الكبير، حضر عقيب ذلك من البحيرة - وقد تقدم أنه توجه للصيد. فلما حضر قبضوا عليه وقيدوه، وسجنوه بالقلعة هو وأخوه، فأقام في السجن أياما، ثم أن بعض الأمراء شفع فيه فأفرج عنه وخلع عليه واستقر به نائب حلب، فخرج إليها من يومه. وفي هذه السنة خلع على القاضي تقي الدين السبكي، واستقر به قاضي القضاة الشافعية بدمشق. فلما توجه إلى دمشق وخرج من القاهرة قال فيه ابراهيم المعمار: مصر للسبكي قالت … سر فلا عدت إليا عذت بالرحمن ربي … منك أن كنت تقيا وفيها خلع على القاضي علاء الدين بن فضل الله العمري، واستقر به كاتب السر الشريف بالديار المصرية على عادته، وفيه يقول المعمار أيضا: لابن فضل الله فضل … غمر الناس ووفى كيف لا وهو على … علم السر واخفى سنة ست وخمسين وسبعمائة (١٣٥٥ م): فيها أنشأ المقر السيفي شيخو جامعا وخانقاه بالصليبة الطولونية، وأنشأ بها حمامين وربوعا ودكاكين ولما كملت عمارة الخانقاه قرر بها شيخا يحضر في كل يوم من بعد العصر وصوفية يحضرون معه. وكان الشيخ الذي قرره، شيخ الإسلام الشيخ أكمل الدين الحنفي، وكان من أكابر علماء الحنفية، وقد خضعت له الناس لفضله وزهده، وكان بارعا في العلوم، وفيه يقول ابن أبي حجلة التلمساني: شيخ تقدم في العلوم لأنه … ان عد أرباب الفضائل أول ما قيل هذا كامل في ذاته … إلا وقلت الشيخ عندي أكمل ثم أن شيخو أوقف على هذه الخانقاه والجامع أوقافا كثيرة، وشرط في وقفه محاسن جميلة، وجعل النظر على تلك الأوقاف لمن يكون رأس نوبة النواب بالديار المصرية، ولشيخ الخانقاه المشاركة معه في النظر. وقرر للصوفية الخبز والطعام في كل يوم،

стр. 241

والحلوى والعجمية في كل شهر، وغير ذلك من الجوامك والمرتبات للصوفية، وجعل في الخانقاه تدريسا وقراءة سبع في كل يوم. قال في معنى ذلك ابن أبي حجلة: ومدرسة للعلم فيها مواطن … فشيخو بها فرد وابثاره جمع لئن بات فيها للقلوب مهابة … فوافقها ليث وأشياخها سبع سنة سبع وخمسين وسبعمائة (١٣٥٦ م): فيها من الحوادث أن ربعا وقع عند جامع قوصون على ثلاثين نفسا من نساء ورجال، فمات منهم ثلاثة وعشرون إنسانا، وسلم منهم سبعة، فقيل إن السبعة الذي سلموا من الردم سافروا في ذلك الشهر إلى نحو بلاد الصعيد في مركب، فهبت عليهم ريح شديدة فغرقت بهم المركب ولم يسلم منهم أحد … فمن لم يمت بالسيف مات بغيره. وفي هذه السنة ابتدأ السلطان الملك الناصر حسن بعمارة مدرسته التي في سوق الخيل تجاه القلعة، وكان مكانها قصر بيبغا اليحياوي نائب الشام، فهدمه وبنى مكانه هذه المدرسة التي لم يعمر مثلها في الإسلام. وقيل إن ايوانها بنى على قدر ايوان كسرى أنو شروان في الطول والعرض، وهذه المدرسة تشتمل على أربع مدارس، لكل شيخ مذهب مدرسة تختص به. وقيل إن بعض الناس كان مسافرا في البحر المالح في شهر رمضان فرأى قنديل هلال مئذنة هذه المدرسة من البحر المالح. وقيل إن أخشاب أساقيل العمارة قومت بمائة ألف دينار … وبالجملة أن بناء مدرسة السلطان حسن دل على أفعاله، وعلى علو قدر همته بين الملوك المصرية، وقد قال فيه ابن أبي حجلة: لسنا، وان كرمت أوائلنا، … يوما، على الأنساب تتكل نبني كما كانت أوائلنا … تبنى، وتفعل فوق ما فعلوا ولما كملت عمارة هذه المدرسة كان لها يوم مشهود، واجتمع بها في يوم الجمعة القضاة الأربعة وسائر الأمراء وأعيان الناس، وملئت الفسقية التي بصحن المدرسة سكرا بماء الليمون، ووقف رءوس النواب يفرقون السكر على الناس بالطاسات، ونزل السلطان

стр. 242

وصلى بها الجمعة، وخلع على البنائين والمهندسين الخلع السنية، وأنعم على الفعلة لكل واحد عشرة دنانير، وقال الشيخ جمال الدين ابن نباتة في المعنى: أمام الورى، هنئت بالجامع الذي … وجدت إلى مبناه سعدا موافقا دعا حسنه أهل الصلاة لقصده … فلا غرو إن جاء المصلي سابقا وقيل إن السلطان لما حفر أساس هذه المدرسة وجد في الأرض مالا مدفونا فصرفه على عمارة هذه المدرسة، فعمرت من وجه حل. وقيل لما حفروا أساس هذه المدرسة وجدوا هناك مرساة مركب قيل كان البحر هناك ومن الحوادث في هذه السنة أن هبت ريح عاصفة من جهة الغرب حتى أظلم الجو ظلمة شديدة، وهدمت الرياح عدة أماكن، وقلعت الأشجار من الأرض بعروشها … واستمر ذلك من أوائل النهار على أن طلع الفجر، فسكن الريح، وأمطرت السماء، وأسفر الجو. وفي هذه السنة جاءت الأخبار من بغداد بأن القان حسن صاحب بغداد قد توفى إلى رحمة الله تعالى، وتولى أويس ابنه عوضا عنه. وفيها توفى الشيخ شهاب الدين بن عقيل، والحافظ العلامة مغلطاي. سنة ثمان وخمسين وسبعمائة (١٣٥٧ م): فيها قتل الأتابكي شيخو العمري أمير كبير. وسبب ذلك أن شخصا من المماليك السلطانية يسمى قطلوقجاه السلحدار غافل الأتابكي شيخو وهو في الايوان في يوم الموكب، فضربه بالسيف في وجهه ثلاث ضربات، فوقع الأتابكي إلى الأرض مغشيا عليه. فلما جرى ذلك قام السلطان من مجلسه وهو مرعوب، فطلع مماليك الأتابكي شيخو وصهره الأمير خليل بن قوصون إلى القلعة، وحملوا الأتابكي شيخو على جنوبة ونزلوا به إلى بيته فوجدوا به بعض رمق، فخبطوا جراحاته، وكان ذلك في يوم الاثنين حادى عشرى شعبان. فلما بات في تلك الليلة في بيته نزل له السلطان ثاني يوم يسلم عليه، فنزل عن فرسه ودخل إلى الأتابكي في المكان الذي كان به، فلما سلم عليه السلطان صار يحلف له أن ذلك لم يكن بعلمه ولا له خبر بما جرى، ثم أن السلطان أحضر ذلك المملوك الذي ضرب شيخو وقال له: "هل أغراك على ذلك أحد من الأمراء؟ "، فقال: "لا والله ما أغراني أحد على ذلك، وإنما قدمت للأمير شيخو قصة بسبب اقطاع، فأخرج ذلك الاقطاع

стр. 243

لشخص من جماعته، فتغير خاطري منه، ففعلت ذلك من قهري منه". .. فرسم السلطان بتسمير ذلك المملوك قطلو قجاه الذي ضرب شيخو، فسمروه وطافو به في القاهرة، ثم وسطوه في الرميلة قدام مماليك شيخو، وكان عدة مماليك شيخو سبعمائة مملوك. ثم أن شيخو استمر ملازم الفراش وهو عليل حتى مات يوم الجمعة سادس عشرى ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وقد استمر عليلا في الفراش ثلاثة أشهر وأياما، وكانت جنازته مشهودة، ونزل السلطان وصلى عليه وحضر دفنه، ودفن في خانقاته من بيته الذي عند حدرة البقر فصلوا عليه في سبيل المؤمنين، ورجعوا بالجنازة من رأس الصليبة إلى خانقاته التي دخل بها السلطان قدام نعشه ماشيا حتى دفن، فكثر عليه الأسف والحزن من الناس. واتفق أن في ذلك اليوم زلزلت الأرض زلزلة خفيفة، وأمطرت السماء مطرا غزيرا - وذلك في وسط قلب الصيف - فقال بعض الشعراء في هذه الواقعة. بروحي من أبكى السماء لفقده … بغيث ظنناه نوال يمينه وما استعبرت الا أسى وتأسفا … وإلا فماذا القطر في غير حينه؟ وقد رثاه بعض الشعراء بقوله: لما أفلت عن المنازل أظلمت … تلك الديار، وغاب عنها المشفق وتقول مصر: لفقد شيخو شفنى … ارق على أرق ومثلي يأرق وكان شيخو أميرا خيرا دينا، كثير الخير قليل الأذى، وله بر ومعروف ولا سيما هذه الخانقاه والجامع الذي في الصليبة، وما قرر فيهما من وجوه الخير والإحسان. سنة تسع وخمسين وسبعمائة (١٣٥٨ م): فيها تزايدت عظمة المقر السيفي سيف الدين صرغتمش رأس نوبة النوب، وصار في رتبة الأتابكي شيخو، صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، فأرسل بالقبض على الأمير طاز نائب حلب من غير علم السلطان، وأرسله من هناك إلى السجن بثغر الاسكندرية، فانه كان بينه وبين الأمير طاز حظ نفس من أيام الملك الصالح، وكان الأتابكي شيخو

стр. 244

يرده عن الأمير طاز. فلما مات شيخو قضى منه الأمير صرغتمش أربه. وقيده ونفاه إلى الاسكندرية. فلما جرى ذلك خلع السلطان على الأمير منجك اليوسفي واستقر به نائب حلب عوضا عن الأمير طاز. ثم أن الأمير صرغتمش أشار بضرب فلوس جدد: كل فلس بدرهم، وشيء بدرهمين، وشيء بمثقال … فثقل أمر ذلك على الناس، وتضرر منه السوقة. وغلت سائر البضائع بسبب ذلك، ووقف حال الناس. وقد قال بعض الشعراء: أميرنا أكرم من حاتم … لا يمنع السائل من فلسه تقضي به حاجة من رامه … فخذه طوعا واخش من بأسه ومن الحوادث في هذه السنة: رفعت قوائم إلى الأمير صرغتمش من ديوان الأحباس فيها عدة حصص جارية على منافع الكنائس والديور، فكان قدر تلك الحصص خمسة وعشرين ألف فدان بيد النصارى. فلما سمع الأمير صرغتمش بذلك حنق وطلع إلى القلعة وشاور السلطان على ذلك، فرسم السلطان بأن يخرج ذلك من يد النصارى، وكتب بذلك مربعات، وأنعم بها على الأمراء زيادة على اقطاعاتهم، ففرقت عليهم تلك المربعات الشريفة، وبطل ما كان بيد النصارى من تلك الرزق. ثم أن السلطان رسم بهدم الكنائس والديور، وكان في شبرا كنيسة عظيمة على شاطئ بحر النيل، وكان بتلك الكنيسة صندوق من الخشب مقفول بقفل من حديد وفي داخله أصبع بعض من هلك من عباد النصارى يسمونه الشهيد، وكان هذا الأصبع مقيما بتلك الكنيسة دائما، وكان النصارى يتوارثونه من قديم السنين … فإذا كان ثامن شهر بشنس من الشهور القبطية أخرجوا ذلك الاصبع من الصندوق وغسلوه في بحر النيل، ويزعمون أن النيل لا يزيد في كل سنة حتى يلقوا فيه ذلك الاصبع ويسمونه عيد الشهيد، ويكون لذلك اليوم عيد ترحل إليه سائر النصارى من جميع القرى، وتخرج عامة أهل مصر من غنى وصعلوك، وينصبون الخيام على شاطئ بحر النيل بشبرا وفي الجزائر، ولا يبقى مغن ولا مغنية، ولا رب ملعوب ولا ماجن ولا خليع إلا ويجتمع هناك، فيجتمع عالم لا يحصى عددهم، وتصرف هناك أموال لا تنحصر، ويتجاهرون هناك بالمعاصي والفسوق وشرب

стр. 245

الخمور … وربما كان يقتل في ذلك اليوم جماعة من الناس ولا يوجد ما يمنع من ذلك لا من وال ولا من حاجب. وكان أهل مصر يستعدون لذلك اليوم في كل سنة دائما من قديم الزمان، حتى قيل كان يباع بشبرا في مدة ثلاثة أيام بألف دينار خمر، وكان فلاحو شبرا لا يغلقون خراج أطيانهم إلا بما يبيعونه على الناس في يوم عيد الشهيد. وكان أعيان القبط والمباشرين، وأعيان الناس من المسلمين والأمراء، يكرون المراكب حتى ما يبقى في البحر مركب، ويوقدون فيها الشمع والقناديل في الليل حتى يسدوا البحر من كثرة المراكب. وكان الناس يعتقدون أن النيل لا يزيد إلا بإلقاء هذا الاصبع فيه، فقام الأمير صرغتمش في ابطال ذلك قياما عظيما، وأرسل الحجاب والأمير علاء الدين بن الكوراني الوالي إلى شبرا ومنع الناس من نصب الخيام على شاطئ البحر، وأشهر النداء هناك بمنع ذلك، ومن يفعل ذلك يشنق من غير معاودة … وكان ذلك من أجل متفرجات مصر لم يسمع بمثله في اللهو والقصف والفرجة. ثم أن الأمير صرغتمش أمر بهدم تلك الكنيسة فهدموها، وأحضروا ذلك الصندوق الذي فيه اصبع الشهيد إلى ما بين يدي السلطان الملك الناصر حسن. فلما كان يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول جلس السلطان في الميدان الذي تحت القلعة، وأحضر ذلك الصندوق الذي فيه أصبع الشهيد وأمر بحرقه بحضرة الأمراء، ورسم بأن يذروا رماد ذلك الاصبع في بحر النيل، ففعلوا ذلك. وبطل من يومئذ أمر عيد الشهيد وما كان يحصل فيه من المفاسد العظيمة، وزاد النيل في تلك السنة زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها، وزال من ظن الناس أن النيل لا يزيد إلا بالقاء ذلك الاصبع فيه، وبطلت السيئة في تلك السنة على يد المقر السيفي صرغتمش رأس نوبة النوب وأتابكي العساكر، وسطر ذلك في صحيفته إلى يوم القيامة كما قيل في المعنى: للخير أهل لا تزا … ل وجوههم تسعى إليه طوبى لمن جرت الأمو … ر الصالحات على يديه سنة ستين وسبعمائة (١٣٥٩ م): فيها توفى الأمير تنكزبغا المارديني أحد الأمراء المقدمين، وكان صهر الملك الناصر حسن. فلما مات أنعم السلطان باقطاعه على مملوكه يلبغا العمري الناصري، ثم خلع عليه وجعله أمير مجلس … وهذا كان أول عظمة الأمير يلبغا العمري.

стр. 246

وفيها جاءت الأخبار بأن الأمير منجك اليوسفي تسحب حتى خرج من مصر واختفى ولم يعلم له خبر، فعاقب السلطان جماعته بسبب ذلك، وحبسهم إلى أن ظهر الأمير منجك كما سيأتي ذلك في موضعه. فلما اختفى الأمير منجك خلع السلطان على الأمير بيدمر الخوارزمي واستقر نائب حلب عوضا عن الأمير منجك. فلما توجه الأمير بيدمر إلى حلب جرد إلى نحو سيس وحاصر أهلها، فطلبوا منه الأمان، فأخذها بالأمان، وكذلك المصيصة. وفتح في تلك السنة عدة قلاع، ثم رجع إلى حلب. وفيها ركب السلطان الملك الناصر حسن، ومر بالقاهرة زينت له. فلما وصل إلى البيمارستان نزل عن فرسه ودخل فزار قبر أبيه قلاون، ثم دخل إلى الضعفاء والمجانين وتفقد أحوالهم، ثم ركب وطلع إلى القلعة، وضج له الناس بالدعاء حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا. سنة إحدى وستين وسبعمائة (١٣٦٠ م): فيها ثقل أمر الأمير صرغتمش على السلطان وخشى منه، فأشار بعض الأمراء على السلطان بأن يقبض عليه من قريب، وقال له: "إن لم تبادر وتقبض عليه، وإلا قبض هو عليك". .. فبادر السلطان وقبض عليه، فكان كما قيل في المعنى: وربما فات بعض الناس حاجته … مع التواني وكان الرأي لو عجلا فلما كان يوم الاثنين حادى عشرى شهر رمضان من السنة المذكورة قبض السلطان على الأمير صرغتمش وهو في الموكب بالايوان. فلما سمع مماليك صرغتمش بذلك لبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة - وكانوا نحو ثمانمائة مملوك - ووقفوا في سوق الخيل، فوثب عليهم المماليك السلطانية ورموهم بالنشاب، فتفرقوا وانكسروا. ثم أن الزعر وجماعة العوام نهبوا بيت صرغتمش، ونهبوا بسط خانقاته التي بالقرب من حدرة الفيل، ونهبوا جميع قناديلها وحوائج الأعجام الصوفية الذين كانوا بها، ودكاكين الصليبة ضميمة لذلك، وصاروا يمسكون حاشية صرغتمش وغلمانه، وينهبون بيوتهم واستمر هذا الأمر من أول النهار إلى ما بعد العصر. فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة ذلك اليوم قيدوا الأمير صرغتمش، وأرسلوه إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأمسكوا معه جماعة من الأمراء ممن كانوا من عصبته - وهم الأمير

стр. 247

طشتمر القاسمي حاجب الحجاب، والأمير طقبغا صاووق، والأمير جركس الرسولي، وغير ذلك من الأمراء - وأرسلوهم إلى الاسكندرية. ثم أن الأمير صرغتمش أقام في السجن نحو ثلاثة شهور وأشاعوا في القاهرة موته. قيل أنه خنق وهو في السجن، وكان أميرا عظيما مهيبا، وكان في سعة من المال، وقد أخذ بغتة من حيث لا يشعر كما قيل في المعنى: وأن امرأ دنياه أكبر همه … لمستمسك منها بحبل غرور وفيها جاءت الأخبار بأن الأمير منجك اليوسفي قد أمسك، فلما حضر بين يدي السلطان كان عليه بشت عسلي وعلى رأسه مئزر صوف أبيض، فوبخه السلطان بالكلام، ثم عفا عنه ورسم له بامرة أربعين في الشام ويكون به طرخانا، فخلع عليه وخرج إلى الشام من يومه وسافر. سنة اثنتين وستين وسبعمائة (١٣٦١ م): فيها تزايدت عظمة السلطان حسن، وتناهى أمره في العلو، وكثرت مماليكه، فأهدى إليه بعض ملوك اليمن خيمة عظيمة غريبة الشكل، بها هيئة قاعة وبها حمام، وهي منقوشة بصنعة غريبة، فتوجه السلطان إلى بر الجيزة، ونزل بكوم برا ونصب هناك تلك الخيمة المقدم ذكرها، فكان أهل القاهرة يخرجون ويتوجهون إلى نحو كوم برا حتى يتفرجوا على تلك الخيمة، وفيها يقول ابن أبي حجلة: حوت خيمة السلطان كل عجيبة … فأمسيت منها باهتا أتعجب لساني بالتقصير فيها مقصر … وان كان في أطنابها بات يطنب وقال فيها ايضا عفا الله عنه: إذا ما خيمة السلطان لاحت … فقل في حسنها نظما ونثرا وان رفعت ورمت النصب منها … قصف أطنابها وهلم جرا

стр. 248

ثم أن السلطان طابت له الإقامة هناك، فأقام نحو ثلاثة شهور - وكان زمن الربيع - وكان بالقاهرة أوخام وموت، فأقام السلطان هناك حتى تذهب تلك الأوخام عن المدينة، فكان هناك في ارغد عيش، وعنده في كل ليلة مغاني عرب وخيال ظل وحراقة نفط وهو لا يدري ما خبئ له في الغيب من الحوادث، فكان كما قيل: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة … وحق لسكان البسيطة أن يبكوا فلما أقام السلطان هناك هذه المدة، وكان بعض الأمراء يرمي بين السلطان وبين الأمير يلبغا الفتن، وكان الأمير يلبغا من مماليك السلطان حسن، فحسنوا للسلطان الفتك به، فدبت بينه وبين السلطان عقارب الفتن. فلما كانت ليلة الأربعاء تاسع جمادي الاولى وهو في الخيام، أحس الأمير يلبغا بذلك فخرج من الخيام، فلما كبس عليه السلطان لم يجد بالخيام أحدا - وكان الأمير يلبغا قد أكمن للسلطان كمينا - فلما رجع خرج عليه ذلك الكمين فوقع مع السلطان واقعة عظيمة، فقتل من مماليك السلطان جماعة، وانكسر السلطان وغرق عسكره، فهرب تحت الليل وعدى من طرا، وطلع إلى القلعة فتبعه الأمير يلبغا. فلما طلع السلطان إلى القلعة لم يجد معه من المماليك إلا القليل، ولم يكن معه من الأمراء سوى الأمير ثامن تمر العمرى والأمير أيدمر الدوادار الكبير وبعض مماليك صغار، فلم يجد السلطان للمماليك خيولا يركبونها لأن الخيول كانت في الربيع. فلما أسفر النهار حطم الأمير يلبغا وطلع إلى الرميلة وحاصر السلطان وهو في القلعة، فلما رأى السلطان عين الغلبة نزل من القلعة - هو والأمير أيدمر الدوادار - ولبسوا زي العرب، وقصد السلطان بأن يتوجه نحو الشام ليستنجد بالأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام. فلما نزل السلطان من القلعة ووصل إلى المطرية قبض عليه وعلى الأمير أيدمر الدوادار جماعة من العربان وأحضروهما إلى الأمير يلبغا. فأما الأمير أيدمر فقيدوه، وأرسلوه إلى السجن بثغر العهد به … قيل أنه خنق ورمى في البحر ولم يعرف له مكان قبر، ولم يدفن في مدرسته داخل القبة التي بها. وكانت قتلته في ثاني عشر جمادي الأولى سنة اثنتين وستين واربعمائة، وكان ملكا شجاعا، بطلا، مقداما مهيبا، نافذ الكلمة، وافر الحرمة، عالي الهمة. وكان محبا للرعية، غير أنه كان كثيرا ما يصادر أرباب الوظائف لأجل المال. وكان له من العمر ما مات نحو سبع وعشرين سنة، وقد دارت لحيته. وكان عربي الوجه، أشقر اللحية، أشهل العينين لأن أمه كانت رومية الجنس. وكان نحيف

стр. 249

الجسد، معتدل القامة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، مولعا بحب الملاح، لا يمل من شرف الراح وسماع الغناء ليلا ولا نهارا، حتى قيل فيه: لما أتى للعاديات وزلزلت … حفظ النساء وما قرا للواقعة فلأجل هذا الملك أضحى لم يكن … وأتى القتال وفصلت بالقارعة لو عامل الرحمن فاز بكهفه … وبنصره في عصره للسابعة من كانت الأنعام من أحزابه … عطعط به الدخان نار لامعة أراد الناظم بقوله "عطعط" الإشارة إلى مغن كان اسمه عطعط، وأشار بالدخان إلى اسم مشبب كانا يغنيان بالديار المصرية والبلاد الشامية وكانت مدة سلطنته عشر سنين ونصفا. فالسلطنة الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر وأيام، والسلطنة الثانية ست سنين وتسعة أشهر وأيام. ولما مات السلطان حسن خلف من الأولاد عشرة ذكور، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم، وسيدي اسكندر، وسيدي موسى، وسيدي يحيى، وسيدي شعبان، وسيدي يوسف، وسيدي اسماعيل، وسيدي محمد. وخلف من البنات ستا. وكان في أيامه من أولاد الناس ثمانية أمراء مقدمي ألوف، وهم: عمر بن أرغون النائب، واستبغا بن بكتمر الأبوبكري، ومحمد بن المحسني، ومحمد بن آل ملك نائب السلطنة، وموسى بن أرقطاي النائب، ومحمد بن طرغاي، ومحمد بن بهادر آص، وموسى بن الأزكشي. وكان من أولاد السلطان حسن ثلاثة أمراء مقدمين، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم. وكان في أيامه من أولاد الناس أمراء طبلخانات وعشراوات كثير، وكان منهم نواب في البلاد الشامية: بيدمر الخوارزمي نائب الشام، والعلائي علي بن قشتمر نائب حلب، وابن صبيح نائب صفد. وكان قصد الملك الناصر حسن إنشاء أولاد الناس في أيامه.

стр. 250

وهو آخر من تولى الملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مجموع من تولى من أولاد محمد بن قلاون ثمانية، وكان الناصر حسن كفؤا للسلطنة. ولما قتل تولى من بعده ابن أخيه المظفر حاجى، وأما من توفى في أيامه من الأعيان فهم: الملك الصالح صلاح الدين صالح، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، أخو الملك الناصر حسن. وقد تقدم أنه لما خلع من السلطنة استقر مقيما بدار الحرم إلى أن مات في سنة احدى وستين وسبعمائة في دولة أخيه حسن، ودفن في تربة عمه الملك الصالح علي بن قلاون داخل القبة التي أنشأها بجوار المدرسة الأشرفية التي بطريق السيدة نفيسة. وتوفى في أيامه الشيخ بهاء الدين بن عقيل من أعيان العلماء، وتوفى الحافظ العلامة مغلطاي، وتوفى الشيخ أبو أمامة من أعيان العلماء، وتوفى ابن النقاش من كبار علماء الشافعية، وغير ذلك من أعيان العلماء جماعة كثيرة. وتوفى في أيامه أيضا الشيخ صفي الدين الحلى صاحب شرح البديعية. وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد في ديوان لطيف كله غرر ومحاسن. ومن لطائف قوله: من شاء يملك حفظ صحة جسمه … ويفوز طول حياته بدوامها فليجعلن غذاءه من أربع … لا يقبل التغيير في أقسامها: من لحم ساعته، وخبز نهاره … وطعام ليلته، وقهوة عامها - الملك المنصور محمد هو الملك المنصور محمد، ابن الملك المظفر حاجى، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الحادي والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة بعد قتل عمه الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادي الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فتولى الملك وله من العمر أربع وعشرون سنة. وكان القائم في أمور تدبير مملكته المقر السيفي يلبغا العمري، فاستقر به أتابك العساكر. وكانت عظمة الأمير يلبغا في أيام الملك المنصور، فخلع على المقر السيفي قشتمر المنصوري واستقر به نائب السلطنة، ثم رسم بالافراج عمن كان مسجونا من الأمراء بثغر الاسكندرية -
следующие страницы →