وفيها جاءت الأخبار بأن الأمير منجك اليوسفي تسحب حتى خرج من مصر واختفى ولم يعلم له خبر، فعاقب السلطان جماعته بسبب ذلك، وحبسهم إلى أن ظهر الأمير منجك كما سيأتي ذلك في موضعه.
فلما اختفى الأمير منجك خلع السلطان على الأمير بيدمر الخوارزمي واستقر نائب حلب عوضا عن الأمير منجك. فلما توجه الأمير بيدمر إلى حلب جرد إلى نحو سيس وحاصر أهلها، فطلبوا منه الأمان، فأخذها بالأمان، وكذلك المصيصة. وفتح في تلك السنة عدة قلاع، ثم رجع إلى حلب.
وفيها ركب السلطان الملك الناصر حسن، ومر بالقاهرة زينت له. فلما وصل إلى البيمارستان نزل عن فرسه ودخل فزار قبر أبيه قلاون، ثم دخل إلى الضعفاء والمجانين وتفقد أحوالهم، ثم ركب وطلع إلى القلعة، وضج له الناس بالدعاء حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا.
سنة إحدى وستين وسبعمائة (١٣٦٠ م):
فيها ثقل أمر الأمير صرغتمش على السلطان وخشى منه، فأشار بعض الأمراء على السلطان بأن يقبض عليه من قريب، وقال له: "إن لم تبادر وتقبض عليه، وإلا قبض هو عليك". .. فبادر السلطان وقبض عليه، فكان كما قيل في المعنى:
وربما فات بعض الناس حاجته … مع التواني وكان الرأي لو عجلا
فلما كان يوم الاثنين حادى عشرى شهر رمضان من السنة المذكورة قبض السلطان على الأمير صرغتمش وهو في الموكب بالايوان. فلما سمع مماليك صرغتمش بذلك لبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة - وكانوا نحو ثمانمائة مملوك - ووقفوا في سوق الخيل، فوثب عليهم المماليك السلطانية ورموهم بالنشاب، فتفرقوا وانكسروا.
ثم أن الزعر وجماعة العوام نهبوا بيت صرغتمش، ونهبوا بسط خانقاته التي بالقرب من حدرة الفيل، ونهبوا جميع قناديلها وحوائج الأعجام الصوفية الذين كانوا بها، ودكاكين الصليبة ضميمة لذلك، وصاروا يمسكون حاشية صرغتمش وغلمانه، وينهبون بيوتهم
واستمر هذا الأمر من أول النهار إلى ما بعد العصر.
فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة ذلك اليوم قيدوا الأمير صرغتمش، وأرسلوه إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأمسكوا معه جماعة من الأمراء ممن كانوا من عصبته - وهم الأمير
стр. 247
طشتمر القاسمي حاجب الحجاب، والأمير طقبغا صاووق، والأمير جركس الرسولي، وغير ذلك من الأمراء - وأرسلوهم إلى الاسكندرية.
ثم أن الأمير صرغتمش أقام في السجن نحو ثلاثة شهور وأشاعوا في القاهرة موته.
قيل أنه خنق وهو في السجن، وكان أميرا عظيما مهيبا، وكان في سعة من المال، وقد أخذ بغتة من حيث لا يشعر كما قيل في المعنى:
وأن امرأ دنياه أكبر همه … لمستمسك منها بحبل غرور
وفيها جاءت الأخبار بأن الأمير منجك اليوسفي قد أمسك، فلما حضر بين يدي السلطان كان عليه بشت عسلي وعلى رأسه مئزر صوف أبيض، فوبخه السلطان بالكلام، ثم عفا عنه ورسم له بامرة أربعين في الشام ويكون به طرخانا، فخلع عليه وخرج إلى الشام من يومه وسافر.
سنة اثنتين وستين وسبعمائة (١٣٦١ م):
فيها تزايدت عظمة السلطان حسن، وتناهى أمره في العلو، وكثرت مماليكه، فأهدى إليه بعض ملوك اليمن خيمة عظيمة غريبة الشكل، بها هيئة قاعة وبها حمام، وهي منقوشة بصنعة غريبة، فتوجه السلطان إلى بر الجيزة، ونزل بكوم برا ونصب هناك تلك الخيمة المقدم ذكرها، فكان أهل القاهرة يخرجون ويتوجهون إلى نحو كوم برا حتى يتفرجوا على تلك الخيمة، وفيها يقول ابن أبي حجلة:
حوت خيمة السلطان كل عجيبة … فأمسيت منها باهتا أتعجب
لساني بالتقصير فيها مقصر … وان كان في أطنابها بات يطنب
وقال فيها ايضا عفا الله عنه:
إذا ما خيمة السلطان لاحت … فقل في حسنها نظما ونثرا
وان رفعت ورمت النصب منها … قصف أطنابها وهلم جرا
стр. 248
ثم أن السلطان طابت له الإقامة هناك، فأقام نحو ثلاثة شهور - وكان زمن الربيع - وكان بالقاهرة أوخام وموت، فأقام السلطان هناك حتى تذهب تلك الأوخام عن المدينة، فكان هناك في ارغد عيش، وعنده في كل ليلة مغاني عرب وخيال ظل وحراقة نفط
وهو لا يدري ما خبئ له في الغيب من الحوادث، فكان كما قيل:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة … وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
فلما أقام السلطان هناك هذه المدة، وكان بعض الأمراء يرمي بين السلطان وبين الأمير يلبغا الفتن، وكان الأمير يلبغا من مماليك السلطان حسن، فحسنوا للسلطان الفتك به، فدبت بينه وبين السلطان عقارب الفتن. فلما كانت ليلة الأربعاء تاسع جمادي الاولى وهو في الخيام، أحس الأمير يلبغا بذلك فخرج من الخيام، فلما كبس عليه السلطان لم يجد بالخيام أحدا - وكان الأمير يلبغا قد أكمن للسلطان كمينا - فلما رجع خرج عليه ذلك الكمين فوقع مع السلطان واقعة عظيمة، فقتل من مماليك السلطان جماعة، وانكسر السلطان وغرق عسكره، فهرب تحت الليل وعدى من طرا، وطلع إلى القلعة فتبعه الأمير يلبغا.
فلما طلع السلطان إلى القلعة لم يجد معه من المماليك إلا القليل، ولم يكن معه من الأمراء سوى الأمير ثامن تمر العمرى والأمير أيدمر الدوادار الكبير وبعض مماليك صغار، فلم يجد السلطان للمماليك خيولا يركبونها لأن الخيول كانت في الربيع. فلما أسفر النهار حطم الأمير يلبغا وطلع إلى الرميلة وحاصر السلطان وهو في القلعة، فلما رأى السلطان عين الغلبة نزل من القلعة - هو والأمير أيدمر الدوادار - ولبسوا زي العرب، وقصد السلطان بأن يتوجه نحو الشام ليستنجد بالأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام.
فلما نزل السلطان من القلعة ووصل إلى المطرية قبض عليه وعلى الأمير أيدمر الدوادار جماعة من العربان وأحضروهما إلى الأمير يلبغا. فأما الأمير أيدمر فقيدوه، وأرسلوه إلى السجن بثغر العهد به … قيل أنه خنق ورمى في البحر ولم يعرف له مكان قبر، ولم يدفن في مدرسته داخل القبة التي بها. وكانت قتلته في ثاني عشر جمادي الأولى سنة اثنتين وستين واربعمائة، وكان ملكا شجاعا، بطلا، مقداما مهيبا، نافذ الكلمة، وافر الحرمة، عالي الهمة. وكان محبا للرعية، غير أنه كان كثيرا ما يصادر أرباب الوظائف لأجل المال. وكان له من العمر ما مات نحو سبع وعشرين سنة، وقد دارت لحيته. وكان عربي الوجه، أشقر اللحية، أشهل العينين لأن أمه كانت رومية الجنس. وكان نحيف
стр. 249
الجسد، معتدل القامة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، مولعا بحب الملاح، لا يمل من شرف الراح وسماع الغناء ليلا ولا نهارا، حتى قيل فيه:
لما أتى للعاديات وزلزلت … حفظ النساء وما قرا للواقعة
فلأجل هذا الملك أضحى لم يكن … وأتى القتال وفصلت بالقارعة
لو عامل الرحمن فاز بكهفه … وبنصره في عصره للسابعة
من كانت الأنعام من أحزابه … عطعط به الدخان نار لامعة
أراد الناظم بقوله "عطعط" الإشارة إلى مغن كان اسمه عطعط، وأشار بالدخان إلى اسم مشبب كانا يغنيان بالديار المصرية والبلاد الشامية
وكانت مدة سلطنته عشر سنين ونصفا. فالسلطنة الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر وأيام، والسلطنة الثانية ست سنين وتسعة أشهر وأيام.
ولما مات السلطان حسن خلف من الأولاد عشرة ذكور، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم، وسيدي اسكندر، وسيدي موسى، وسيدي يحيى، وسيدي شعبان، وسيدي يوسف، وسيدي اسماعيل، وسيدي محمد. وخلف من البنات ستا.
وكان في أيامه من أولاد الناس ثمانية أمراء مقدمي ألوف، وهم: عمر بن أرغون النائب، واستبغا بن بكتمر الأبوبكري، ومحمد بن المحسني، ومحمد بن آل ملك نائب السلطنة، وموسى بن أرقطاي النائب، ومحمد بن طرغاي، ومحمد بن بهادر آص، وموسى بن الأزكشي.
وكان من أولاد السلطان حسن ثلاثة أمراء مقدمين، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم.
وكان في أيامه من أولاد الناس أمراء طبلخانات وعشراوات كثير، وكان منهم نواب في البلاد الشامية: بيدمر الخوارزمي نائب الشام، والعلائي علي بن قشتمر نائب حلب، وابن صبيح نائب صفد. وكان قصد الملك الناصر حسن إنشاء أولاد الناس في أيامه.
стр. 250
وهو آخر من تولى الملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مجموع من تولى من أولاد محمد بن قلاون ثمانية، وكان الناصر حسن كفؤا للسلطنة.
ولما قتل تولى من بعده ابن أخيه المظفر حاجى، وأما من توفى في أيامه من الأعيان فهم:
الملك الصالح صلاح الدين صالح، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، أخو الملك الناصر حسن. وقد تقدم أنه لما خلع من السلطنة استقر مقيما بدار الحرم إلى أن مات في سنة احدى وستين وسبعمائة في دولة أخيه حسن، ودفن في تربة عمه الملك الصالح علي بن قلاون داخل القبة التي أنشأها بجوار المدرسة الأشرفية التي بطريق السيدة نفيسة.
وتوفى في أيامه الشيخ بهاء الدين بن عقيل من أعيان العلماء، وتوفى الحافظ العلامة مغلطاي، وتوفى الشيخ أبو أمامة من أعيان العلماء، وتوفى ابن النقاش من كبار علماء الشافعية، وغير ذلك من أعيان العلماء جماعة كثيرة.
وتوفى في أيامه أيضا الشيخ صفي الدين الحلى صاحب شرح البديعية. وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد في ديوان لطيف كله غرر ومحاسن. ومن لطائف قوله:
من شاء يملك حفظ صحة جسمه … ويفوز طول حياته بدوامها
فليجعلن غذاءه من أربع … لا يقبل التغيير في أقسامها:
من لحم ساعته، وخبز نهاره … وطعام ليلته، وقهوة عامها
- الملك المنصور محمد
هو الملك المنصور محمد، ابن الملك المظفر حاجى، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الحادي والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة بعد قتل عمه الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادي الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فتولى الملك وله من العمر أربع وعشرون سنة. وكان القائم في أمور تدبير مملكته المقر السيفي يلبغا العمري، فاستقر به أتابك العساكر. وكانت عظمة الأمير يلبغا في أيام الملك المنصور، فخلع على المقر السيفي قشتمر المنصوري واستقر به نائب السلطنة، ثم رسم بالافراج عمن كان مسجونا من الأمراء بثغر الاسكندرية -
стр. 251
وهم: الأمير طاز الناصري نائب حلب، والأمير جركتمر المارديني، والأمير قطلوبغا المنصوري، والأمير طشتمر القاسمي، والأمير ملكتمر المحمدي، والأمير أقتمر عبد الغني، والأمير بكتمر المؤمني وهو صاحب سبيل المؤمنين المصلاة الآن، والأمير جردمر، والأمير قرابغا بنخاص - فلما حضروا إلى القاهرة وطلعوا إلى القلعة، خلع عليهم وأنعم لهم بتقادم ألوف، وفرق عليهم الاقطاعات السنية، فلما فعل ذلك وتم أمره في السلطنة أقام مدة يسيرة وهو نافذ الكلمة وافر العقل، فكان كما قيل في المعنى:
لا تركنن إلى الدنيا وان كبرت … فصفوها لك ممزوج بتكدير
ثم جاءت الأخبار من الشام بأن بيدمر الخوارزمي نائب الشام أظهر العصيان، وخرج عن الطاعة، وملك قلعة دمشق، وقتل نائب القلعة … وقد وافقه على ذلك جماعة من النواب.
فلما جاءت هذه الأخبار إلى القاهرة اضطربت الأحوال، وعلق السلطان الجاليش، وأخذ في اسباب الخروج إلى الشام. فلما كان ثاني شعبان من سنة اثنتين وستين وسبعمائة خرج الملك المنصور محمد من القاهرة قاصدا نحو الشام، وخرج صحبته الأتابكي يلبغا العمري وسائر الأمراء، فلما وصل السلطان إلى الشام أرسل له أمانا، فلما نزل من القلعة وقابل السلطان قبض عليه الأتابكي يلبغا وقيده وارسله إلى الاسكندرية. ثم أن السلطان خلع على الأمير على المارديني واستقر به نائب الشام عوضا عن بيدمر الخوارزمي، واستقر بالأمير قطلوبغا الأحمدي نائب حلب، ثم رجع السلطان والأتابكي يلبغا إلى القاهرة، فكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت له المدينة، وطلع إلى القلعة في موكب عظيم.
سنة ثلاث وستين وسبعمائة (١٣٦٢ م):
فيها توفي الإمام الخليفة المعتضد بالله أبو بكر ابن المستكفي بالله، وكانت وفاته في ليلة الأربعاء ثامن عشر جمادي الأولى من السنة المذكورة. وكانت مدة خلافته نحو عشر سنين. ولما مات عهد بالخلافة إلى ولده محمد، فولاه السلطان وتلقب بالمتوكل على الله.
وفيها تزوج الأتابكي يلبغا بخوند طولو - زوجة أستاذه الملك الناصر حسن - وما كفاه أنه قتله، بل تزوج بامرأته على ذلك.
стр. 252
سنة أربع وستين وسبعمائة (١٣٦٣ م):
فيها توفى سيدي حسين ابن الملك الناصر محمد ابن قلاون، وهو والد الملك الأشرف شعبان، وهو آخر من توفى من أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاون، مات ولم يل السلطنة، فانه كان عنده خفة ووهج وصعصعة. فلما قتل السلطان حسن لم يوافق الأتابكي يلبغا على سلطنته، واختار محمد ابن الملك المظفر حاجى فولاه كما تقدم. وكانت وفاته يوم السبت رابع ربيع الآخر من السنة المذكورة.
ومن الحوادث في هذه السنة أنه في يوم الثلاثاء رابع شعبان طلع الأتابكي يلبغا إلى القلعة وقبض على السلطان الملك المنصور محمد، وخلعه من السلطنة، وأدخله دور الحرم متحفظا به، وولى سيدي شعبان ابن سيدي حسين المقدم ذكر وفاته، فكانت مدة سلطنة الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجى بالديار المصرية سنتين وأربعة أشهر لا غير.
واستمر في دور الحرم مقيما في غبوق وصبوح لا يفيق من السكر ساعة، وعنده جوقة جوارى مغنيات نحو عشر من الجواري يدفون بالطارات عند الصباح والمساء، وكانت هذه عادة رؤساء مصر تغنى عندهم الجواري المغنيات، وآخر من كان يفعل ذلك من أعيان مصر الأمير جمال الدين محمود الأستدار، ثم بطل ذلك مع جملة ما بطل من محاسن عيشة الأكابر بالديار المصرية.
ثم أن الملك المنصور أقام على ذلك وهو مختف في دور الحرم إلى أن مات في ليلة السبت تاسع المحرم من احدى وثمانمائة في دولة الظاهر برقوق، ومات وله من العمر نحو خمس وخمسين سنة (١)، ودفن في تربة جدته أم أبيه خوند طغلى عند الباب المحروق، وخلف من الأولاد نحو خمسة ذكور وإناث، واستمرت هذه الجوقة المغنيات بعده دائرة في القاهرة يعرفن بمغاني المنصور.
وكان الملك المنصور هذا لما خلع من السلطنة قنع من الدنيا بأرغد العيش من شرب الخمور وسماع الزمور، وكان راضيا بما فيه من ذلك، واستغنى بذلك عن السلطنة كما قيل في المعنى:
كل الملوك تسلطنوا … بالملك والسلاح
وأنا قنعت منه … بالراح والملاح
стр. 253
- الملك الأشرف أبو المعالي
هو الملك الأشرف، أبو المعالي زين الدين شعبان، ابن الأمجد مجد الدين حسين، ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو الثاني والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة في يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، وتلقب بالملك الأشرف، ولبس خلعة السلطنة، وجلس على سرير الملك، ودقت له البشائر، ونودى باسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء.
وكان له من العمر لما تسلطن نحو اثنتى عشرة سنة، وكان مولده في سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وكان الأشرف شعبان مليح الشكل بديع الجمال، تولى الملك بعد خلع ابن عمه محمد المنصور بن المظفر حاجى، وقد تعصب لسلطنته الأتابكي يلبغا العمري، وفيه يقول بعض الشعراء:
بالملك الأشرف المفدى … شعبان فزنا بكل فضل
من وطن الكون والرعايا … بطى ظلم ونشر عدل
وفيه يقول خلف الغبارى من زجل:
حب قلبي شعبان موفق رشيد … وجمالو أشرق، ومالو حدود
وأبوه الحسن، وعمه الحسن … وارث الملك من جدود الجدود
سل لحظك صارم لقتل العدا … وأنت منصور طول المدى والسنين
زعق السعد بين يديك شاويش … فرح القلب بعد ما كان حزين
ونصب لك كرسي على المملكة … وظهر لك نصره بفتحو المبين
والعصاب من حولك اشتالت … خفقت في الركوب عليك البنود
فاحكم احكم في مصرنا سلطان … فجميع الملاح لحسنك جنود
стр. 254
فلما تم أمر الأشرف شعبان في السلطنة أقر الأتابكي يلبغا أميرا كبيرا على عادته، واستقر بالأمير قشتمر المنصوري في نيابة السلطنة على عادته كما كان، ثم عمل الموكب ومجلس على سرير الملك وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي طنبغا الطويل، واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير أزدمر العمري الناصري الشهير بالخازندار جد والد مؤلفه، واستقر بالأمير أزدمر المذكور نائب طرابلس، وخلع على الأمير عشقتمر المارديني، واستقر به أمير مجلس على عادته. وخلع على الأمير أرغون الشهير بالأسعردي، واستقر به دوادارا كبيرا. وخلع على الأمير أرغون الأرقي، واستقر به رأس نوبة النوب. وخلع على الأمير طيبغا العلائي واستقر به حاجب الحجاب.
ثم عمل الموكب الثاني وخلع فيه على من يذكر من الأمراء - وهم أرباب الوظائف - وهم: المقر السيفي منكلى بغا الشمسي، واستقر به نائب الشام. وأرسل المراسيم الشريفة إلى قطلوبغا الأحمدي بأن يكون نائب حلب على عادته. ثم خلع على الأمير قشتمر المنصوري، واستقر به نائب صفد، وخلع على الأمير عمر شاه - وهو صاحب القنطرة - واستقر به نائب حماه. وخلع على الأمير عمر بن أرغون النائب، واستقر به نائب غزة، ثم فرق الاقطاعات على جماعة من المماليك وجعل منهم أمراء طبلخانات وأمراء عشراوات، ثم أنفق على العسكر وأرضى الجند بكل ما يمكن، فاستقام أمره في السلطنة ونفذت أحكامه.
سنة خمس وستين وسبعمائة (١٣٦٤ م):
فيها أرسل السلطان بالقبض على قطلوبغا الأحمدي نائب حلب، وخلع على الأمير طشقتمر المارديني، واستقر به نائب حلب عوضا عن قطلوبغا الأحمدي، ثم خلع على الأمير خليل ابن قوصون، واستقر به أمير مجلس عوضا عن الأمير طشقتمر المارديني.
وفي هذه السنة جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب دمشق منكلى بغا الشمسي فتح باب كيسان الذي بدمشق، وكان هذا الباب مقفلا من أيام نور الدين فاقتضى الرأي فتح الباب بسبب من يمر من المسافرين، فجمع النائب القضاة الأربعة وأعيان دمشق واستشارهم في ذلك فأشاروا بفتحه ففتح. ثم أن النائب بنى القنطرة عند هذا الباب فحصل بها منفعة للمسافرين وغيرهم.
وفي هذه السنة رسم السلطان بابطال الوكلاء من أبواب القضاة والحكام بالديار المصرية والبلاد الشامية، فامتثلوا ذلك. وقد قال بدر الدين بن حبيب:
стр. 255
يقول ذا الحق الذي قاله … خصم ألد ولسان كليل
ان صيروا أمر وكيلي سدى … فحسبي الله ونعم الوكيل
سنة ست وستين وسبعمائة (١٣٦٤/ ٦٥ م):
فيها توفى الملك الصالح ابن الملك المنصور غازي صاحب ماردين. وكان ملكا عظيما جليلا عادلا في الرعية، وقد أقام في مملكة ماردين نحو أربع وخمسين سنة، وعاش من العمر إحدى وسبعين سنة، فلما جاءت الأخبار بذلك تأسف السلطان لموته.
وفيها توفى نور الدين الأسعردي الشاعر. وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
دب العذار بخدّه ثم انثنى … فكأنه من وجنته مروّع
غل يحاول نقل حبة خاله … فتمسه نار الخدود فيرجع
وفي هذه السنة - في ربيع الآخر - أسلم أبو الفرج المقسي القبطي، وتلقب بشمس الدين، وقرر في استيفاء المماليك، وهو من أجداد تاج الدين المقسي ناظر الخواص الشريفة.
سنة سبع وستين وسبعمائة (١٣٦٥/ ٦٦ م):
فيها رسم السلطان لنائب حلب بأن يأخذ العساكر الحلبية ويتوجه إلى حصار قلعة خرت برت من أعمال ديار بكر، فسار إليها وحاصرها نحوا من أربعة أشهر، فطلب أهلها الأمان ونزلوا طائعين، فأرسل نائب حلب يعلم السلطان بذلك، فأرسل إليه السلطان خلعة بأن يستقر بنيابة قلعة خرت برت على عادته ويحلفه ايمانا عظيما بأنه لا يرجع يخامر ولا يعصي السلطان.
وفي هذه السنة جاءت الأخبار من ثغر اسكندرية بأن صاحب قبرص قد وصل إلى ثغر الاسكندرية في سبعين مركبا من المراكب الحربية مشحونة بالمقاتلين، فطرقوا المدينة يوم الجمعة ثالث عشرى صفر، فخرج إليهم نائب الاسكندرية وجماعة من أهل البحيرة فوقعوا معهم واقعة عظيمة ظاهر باب البحر، فانكسر نائب الاسكندرية وهرب وهرب
стр. 256
العربان الذين كانوا معه، فدخل الفرنج إلى المدينة، ونهبوا أسواقها وبيوتها، وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين، وحرقوا باب رشيد.
فلما جاءت الأخبار بذلك إلى القاهرة كان السلطان، هو والأتابكي يلبغا، في وادي العباسة يتصيدون، فلما بلغتهم هذه الأخبار رجعوا إلى القاهرة ونودى في العسكر قاطبة بأن السلطان يصلي الظهر ويركب فلا يتأخر أحد من المماليك السلطانية، فلما صلى السلطان الظهر ركب وعدى إلى بر الجيزة - وكان النيل في قوة الزيادة - فقاسى العسكر مشقة زائدة في التعدية.
ثم أن السلطان سار إلى الطرانة ونزل هناك، وعين الأمير طنبغا الطويل أمير سلاح، والأمير خليل بن قوصون أمير مجلس، والأمير قطلوبغا المنصوري والأمير كوكنداي أخا طنبغا الطويل، وعين معهم ألف مملوك، ورسم بأن يتقدموا جاليش العسكر … فلما وصلوا إلى ثغر الاسكندرية وجدوا الفرنج رحلوا من الثغر وتوجهوا نحو بلادهم بعد ما جرى منهم ما جرى من القتل والنهب وغير ذلك.
فلما بلغ السلطان رجوع الفرنج إلى بلادهم رجع إلى القاهرة هو والأمراء، وأرسل مرسوما إلى الأمراء الذين تقدموا إلى الاسكندرية بأن يقيموا هناك، ويعبروا ما فسد من المدينة ويطمنوا أهل البلد حتى لا يرجع إليهم الفرنج.
ثم أن السلطان خلع على الأمير بكتمر الشريف - أحد مقدمي الألوف - وجعله نائب ثغر الاسكندرية. وهو أول من تولى نيابة ثغر الاسكندرية من الأمراء المقدمين، وكان قبل ذلك يتولاها جماعة من الكشاف ومن أولاد الناس … فظهرت من يومئذ حرمة ثغر الاسكندرية، وزال عنها أولئك النواب الأصاغر، فخرج إليها الأمير بكتمر الشريفي في برك عظيم، ومماليك كثيرة وحرمة وافرة. وقد قال بعض الشعراء في النائب المنفصل على لسان حال الاسكندرية هذين البيتين:
اسكندرية قالت … يا نائبي صن دماكا
لقد تغير ثغري … واحتجت فيه سواكا
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة يرثي ثغر الاسكندرية فيما جرى عليه من الفرنج في هذه الواقعة:
ألا في سبيل الله ما حل بالثغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر
أتاها من الافرنج سبعون مركبا … وضاقت بها العربان في البر والبحر
стр. 257
وصير منها أزرق البحر أسودا … بنو الأصفر الباغون بالبيض والسمر
أتوا نحوها هجما على حين غفلة … وباعهم في الحرب قصر عن فتر
فكم من فقير عاش فيها من الغنى … وكم من غني مات فيها من الفقر
نثرت دموعي يوم فرط نظامهم … فيا ليت شعري من يبلغهم نثري
ومن الحوادث في هذه السنة أن الأمير طنبغا الطويل أمير سلاح خرج نحو وادي العباسة على سبيل التنزه، فأقام هناك أياما يتصيد، فأرسل إليه الأتابكي يلبغا خلعة مع جماعة من الأمراء ومرسوما سلطانيا بأن يستقر نائب الشام ويتوجه من هناك. فلما أوصل إليه ذلك الأمراء - وهم الأمير أرغون الأسعردي الدوادار، والأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، والأمير أرغون الأرقي رأس نوبة النوب، والأمير أروس المحمودي استادار العالية - تحدثوا معه في أمر نيابة الشام، فأبى الأمير طنبغا الطويل لبس الخلعة وأظهر العصيان، والتف عليه أولئك الأمراء الذين توجهوا إليه، ووافقوه على العصيان، وتوجهوا إلى القاهرة ليتفقوا مع الأتابكي يلبغا. فلما وصولا إلى خانقاه سرياقوس، بلغ الأتابكي يلبغا ذلك فطلع إلى القلعة، واركب الملك الأشرف شعبان ونزل به من القلعة، ووقفوا تحت القلعة ودقت الكئوسات حربيا، ونادوا في القاهرة: "من أطاع الله والسلطان يركب ويجيء تحت الصنجق السلطاني". .. فركب العسكر قاطبة وطلعوا إلى الرميلة، فوقف السلطان ساعة حتى تكامل العسكر، ومشى تحت الصنجق السلطاني وتوجه إلى نحو قبة النصر فوقف هناك، وذلك في يوم السبت سابع ربيع الأول من السنة المذكورة.
هذا ما كان من أمر السلطان والأتابكي يلبغا.
وأما ما كان من أمر الأمير طنبغا الطويل أمير سلاح والأمراء الذين معه، فانهم ركبوا من العباسة واستمروا سائقين طول الليل حتى وصلوا إلى المطرية … فتعبت خيولهم، وتشتتت غلمانهم، فتلاقوا مع عسكر السلطان على قبة النصر، وكان بينهما هناك واقعة عظيمة، فانكسر الأتابكي يلبغا وولى مدبرا. وكان الأتابكي يلبغا قد أكمن كمينا من العسكر عند فم وادي السدرة. فلما ولى الأمير يلبغا مهزوما خرج ذلك الكمين من وادي السدرة على الأمير طنبغا الطويل ومن معه فانكسروا كسرة عظيمة، وقبض على الأمير أرغون الأسعردي الدوادار والأمير أروس المحمودي الاستادار، والأمير كوكندي أخى طنبغا
стр. 258
الطويل. وجماعة كثيرة ممن كانوا معهم من الأمراء، ثم قبض على الأمير طنبغا في أثناء ذلك اليوم من تربة في باب القرافة. فلما تكامل الأمراء قيدهم الأتابكي يلبغا في تلك الليلة وأرسلهم تحت الليل إلى السجن بثغر مدينة الاسكندرية.
ثم أن السلطان عمل الموكب وخلع على جماعة كثيرة من الأمراء عوضا عمن قبض عليهم ممن تقدم ذكرهم كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
وفيها توفى الملك المجاهد سيف على صاحب بلاد اليمن، وتولى من بعده ابنه عباس وتلقب بالملك الأفضل.
وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير جبار بن مهنا أمير آل فضل من عربان الشام، فلما حضر أكرمه السلطان وخلع عليه واستقر به على عادته … وكان له مدة طويلة وهو عاص فلم يؤاخذه السلطان وحلم عليه.
سنة ثمان وستين وسبعمائة (١٣٦٦/ ٦٧ م):
فيها فرق السلطان اقطاعات الأمراء الذين كانوا قد ركبوا مع الأمير طنبغا الطويل فنفاهم وأخرج اقطاعاتهم على الأمراء الطبلخانات والعشراوات.
وفيها أرسل المقر السيفي منكلى بغا نائب الشام يسأل السلطان في الحضور إلى مصر زائرا ليرى وجه السلطان. فلما حضر إلى القاهرة أحضر صحبته تقادم كثيرة للسلطان حتى للأمراء والأتابكي يلبغا، فأكرمه السلطان غاية الإكرام، وخلع عليه واستقر به نائب حلب، وجعل حلب أكبر من الشام كما كانت على القاعدة القديمة، وعين معه عسكرا يقيمون بحلب عنده.
ثم أن السلطان خلع على الأمير أقتمر عبد الغني واستقر به نائب الشام عوضا عن منكلى بغا.
ومن الحوادث في هذه السنة أن الأتابكي يلبغا رسم بعمارة مراكب أغربة بسبب تجريدة تتوجه إلى بلاد الفرنج، فان جماعة من الفرنج صاروا يعبثون في البحر ويقطعون الطريق على التجار، فعين لهم السلطان تجريدة، وأنشا مائة غراب، ورسم للأمير طنبغا العلائي بأن يكون شادا على عمارة هذه الأغربة، فأنشأ عمارتها في الجزيرة الوسطانية، فلما كملت عمارتها نزل السلطان والأتابكي يلبغا إلى الجزيرة الوسطى يتفرجان على القائها في البحر، فكان يوم نزول السلطان يوما مشهودا. فألقوا الأغربة قدامه في البحر والطبل عمال والنفط، وزينت الأغربة بالصناجق والسلاح، ولعبوا بها في البحر ذهابا وايابا والسلطان ينظر إلى ذلك.
стр. 259
فلما انقضى ذلك اليوم عدى السلطان من هناك إلى بر الجيزة وصحبته الأتابكي يلبغا، فتوجه إلى نحو الطرانة فأقام بها أياما وهو في أرغد عيش، فبينما هو على ذلك اذ وثب مماليك الأتابكي يلبغا عليه هناك.
وسبب ذلك أن الأتابكي يلبغا ضرب بعض مماليكه هناك بالمقارع وقطع أنفه، فتعصب عليه جماعة من خشداشينه ووثبوا على أستاذهم.
فلما كانت ليلة الأربعاء سادس ربيع الآخر من سنة ثمان وستين وسبعمائة، ركب مماليك يلبغا وكبسوا عليه وهو في الخيام، فهرب تحت الليل وهو في زي فلاح، فعدى من بولاق التكرور وطلع إلى الجزيرة الوسطى، ثم توجه إلى بيته الذي في الكبش. فلما طلع النهار طلب الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، ولبسوا آلة الحرب، وتوجه إلى الجزيرة ونادى أن لا أحد من النواتية يعدى بأحد من المماليك إلى بر مصر، ومنع المراكب من التعدية، وجعل الأمراء الذين معه كل واحد في مكان … فأقام جماعة منهم في بولاق، وجماعة في مصر العتيقة، وجماعة في دير الطين، وكان معه من الأمراء الأمير طنبغا العلائي حاجب الحجاب، وكان معه استاداره والأمير اينبك البدري وكان أمير أخوره، والأمير أقبغا جركس وكان دواداره. واجتمع عنده جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات والمماليك السلطانية.
هذا ما كان من الأتابكي يلبغا.
وأما ما كان من أمر مماليك يلبغا فانهم لما علموا بهروب أستاذهم جاءوا إلى السلطان الملك الأشرف شعبان وقالوا له: "قم واركب معنا". .. فأبى السلطان ذلك. فقالوا له: "إن لم تركب معنا والا نقتلك". .. فقام وركب معهم، وجاء إلى بر انبابة فلم يجد مركبا يعدى فيه، فأقام في بر انبابة يوم الأربعاء ويوم الخميس.
ثم أن الأتابكي يلبغا طلع إلى القلعة، وطلب سيدي أنوك - أخا السلطان الأشرف شعبان - وأخرجه من دور الحرم بالغصب، وأجلسه على سرير الملك، وقبلوا الأرض أمامه ولقبوه بالملك المنصور، ونودى باسمه في القاهرة.
فلما كان الجمعة ركب الأتابكي يلبغا وركب سيدي أنوك الذي تسلطن معه، وجمع العسكر … فصار الملك الاشرف شعبان في بر ابنابه والأتابكي يلبغا في الجزيرة الوسطى وهما يتراميان بالنشاب والمكاحل النفط حتى حال بينهما الليل.
ثم أن الملك الأشرف شعبان طلب شخصا من النواتية يسمى محمد لبطه - وكان رئيسا على المراكب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون - فقال له السلطان: "فصدى أن تعديني إلى ذلك البر" فقال له: "نعم أنا عدى بك". ثم أنه أحضر ثلاثين غرابا من الأغربة التي
стр. 260
كانت عمرت بسبب التجريدة، فكسروا بروقها وعمروها بالمقاديف، وعدى بالسلطان والعسكر من الوراق وهم راكبون خيولهم، فطلعوا من جزيرة الفيل، وذلك في يوم السبت.
فلما طلع السلطان من جزيرة الفيل، توجه على خليج الزعفران وخرج من بين الترب وطلع إلى القلعة، فتسامعت به الناس والعسكر، فصاروا يتسحبون من عند الأتابكي يلبغا ويطلعون إلى السلطان في القلعة، فلم يبق عند الأتابكي إلا القليل من العسكر، فرجع الأتابكي يلبغا من الجزيرة، وطلع إلى الرميلة بمن بقى معه من العسكر، فوقف بسوق الخيل ساعة فلم يجيء إليه أحد من العسكر، فتلاشى أمره وولى سعده وبدا عكسه.
فلما رأى أدبار نفسه نزل عن فرسه وصلى ركعتين في وسط الرميلة قدام باب الميدان، ثم حل سيفه وأعطاه للأمير طنبغا حاجب الحجاب، ثم ركب فرسه وتوجه إلى بيته الذي في الكبش، فرجمه العوام وسبوه سبا فاحشا لأنه كان يبغض العوام ويسلط مماليكه عليهم، فما وصل إلى بيته إلا بعد جهد كبير، فأقام في بيته ذلك اليوم، وأرسل إليه السلطان بعض الأمراء وقت المغرب فأخذه وطلع به إلى القلعة هو والأمير طنبغا، فسجنوه بها إلى ما بعد العصر، فهجمت مماليك يلبغا عليه، وأخرجوه من السجن ونزلوا به من باب المدرج وهو ماش مشحطط بينهم، فلما وصلوا به إلى رأس الصوة عند الحوض تقدم إليه مملوك من مماليكه يقال له قرأتمر وضربه بالسيف فرمى رأسه عن جثته، وأخذ بقية مماليكه الرأس ووضعوها في مشعل، ونزلوا بها من الصليبة، وتوجهوا بها إلى بيته الذي في الكبش.
فلما طلع النهار أحضروا الرأس بين يدي السلطان - وكان الأتابكي يلبغا له خلف أذنه سلعة - فلما رأوا ذلك لم يشكوا في قتله، ثم صار جسده مرميا في الصوة على الأرض والناس ينظرون إليه، حتى أخذ رأسه وجثته الأمير طشتمر الدوادار ودفنه في تربة عند الباب المحروق ومضى أمره، فكانت قتلته في ليلة الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وستين وسبعمائة، وفيه قال بعض الشعراء:
أتاك على يديك الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه
فلا تعتب سواك على الذي قد … بليت به فدود الخل منه
وقال آخر:
بدا شقا يلبغا وعدت … عداه في سفنه إليه
стр. 261
والكبش لم يفده وأضحت … تنوح غربانه عليه
وقال آخر:
حواشي يلبغا كانوا زناة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا
ولا عجب إذا سكروا بحرب … فأهل الكبش ما برحوا سكارى
وكان الأتابكي يلبغا أميرا عظيما جليل القدر، في سعة من المال، وافر الحرمة، نافذ الكلمة، وكان في دولة الملك الأشرف شعبان صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، والسلطان معه مثل اللولب يديره كيف شاه، وقد تزايدت عظمته في تلك الأيام حتى بلغت مماليكه ما يزيد عن ثلاثة آلاف مملوك. وكان من مماليكه أربعة مقدمو ألوف غير العشراوات. وكان راتب سماطه ضريبة كل صحن عشرة أرطال لحم ضانى، فيقال صحن يلبغاوى، وإليه تنسب الطرز العراض اليلبغاوية إلى الآن، وأشياء كثيرة منسوبة إليه في آلة الحرب إلى الآن … لكنه كان سيئ الخلق، سفاكا للدماء، قتل جماعة كثيرة من الأمراء ومن مماليكه من غير ذنب، ولا سيما قتله لأستاذه السلطان حسن. وقيل أنه غضب يوما على "مثقال" مقدم المماليك فضربه ستمائة عصا وسط القصر الكبير. وكان من سيئاته جور مماليكه على الناس بالأذى، لكنه رأى في مبتدأ أمره من العز والعظمة ونفاذ الكلمة ما لا يراه غيره من الأمراء قبله ولا بعده، وكان كما قيل:
خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما … وأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكأس تستجلي أوائله … لكنه ربما مجت أواخره
قيل كان الأتابكي يلبغا إذا طلع إلى القلعة تركب مماليكه ويصطفون من بيته الذي في الكبش إلى باب المدرج ويشق هو بينهم حتى يطلع إلى القلعة، وكانت مماليكه نحو ثلاثة آلاف مملوك. وقيل إن الوزير "قروينه" كان يحمل إلى يلبغا في كل يوم ألف دينار برسم سماطه.
ولما قتل يلبغا اضطربت أحوال القاهرة، فطلع الأمراء إلى القلعة وقبضوا على الأمراء ممن كان من عصبة الأتابكي يلبغا - وهم الأمير قرابغا البدري، والأمير يعقوب شاه،
стр. 262
والأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشراوات - فقيدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الاسكندرية.
ثم أن السلطان عمل الموكب وخلع على من يذكر من الأمراء وهم: المقر السيفي أستدمر الناصري واستقر به أتابك العساكر عوضا عن يلبغا العمري، وخلع على المقر السيفي قشتمر المنصوري واستقر به حاجب الحجاب عوضا عن طيبغا العلائي، وخلع على المقر السيفي أيدمر الشامي واستقر به دوادارا كبيرا وأضاف إليه نظر الأحباس مع الدوادارية، فكان أول من تكلم في نظر الأحباس من الدوادارية.
وفيها قبض السلطان على الصاحب فخر الدين ابن قروينه وسلمه إلى الأمير قرابغا الصرغتمشي، فلا زال يعاقبه حتى مات تحت الضرب. قيل أنه أحرق أصابعه بالنار وأحمى له خوذة في النار وألبسها له حتى مات.
ولما كان يوم الخميس سادس عشر رجب من سنة ثمان وستين وسبعمائة (١٣٦٦/ ٦٧ م)، ثارت فتنة بين الأمراء فلبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة، فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية والتقوا معهم فكسروهم ومسكوا منهم جماعة من الأمراء، منهم الأمير قرابغا الصرغتمشي، والأمير برمش العلائي، والأمير أينبك البدري، والأمير ايسان الرجبي، والأمير قرابغا العزي، والأمير مقبل الرومي، فلما قبضوا عليهم طلعوا بهم إلى القلعة فرسم السلطان بتقييدهم وإرسالهم إلى السجن بثغر الاسكندرية.
فلما جرى ذلك عز على بقية الأمراء فركبوا أجمعين، وثارت فتنة عظيمة، ولبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة، فنزل السلطان إلى الحراقة، ودقت الكئوسات حربيا، وأرسل السلطان يقول للأمراء: "ايش سبب هذه الفتنة؟ " فقالوا: "سلمونا الأمير أستدمر أمير كبير". .. وكان استدمر هذا لما قتل يلبغا استقر عوضه أميرا كبيرا وسكن في بيته الذي في الكبش، والتف عليه جماعة من مماليك يلبغا، ومشى على نظام يلبغا فلي الحرمة والشهامة.
فلما أرسل الأمراء الذين قد ركبوا يقولون للسلطان: "أنت أستاذنا، وما نموت إلا تحت أقدامك. ولكن سملوا لنا أستدمر، فإنه هو الذي يرمي الفتن بيننا وبين السلطان". .. فلما سمع الأمير ذلك نزل هو وجماعة من الأمراء الذين كانوا في القلعة عند السلطان والمماليك السلطانية من باب الدرفيل، وجاءوا من وراء القلعة، وطلعوا من رأس الصوة، فلم يشعر الأمراء الذين في سوق الخيل إلا وقد دهاهم الأتابكي أستدمر هو ومن معه من العسكر، واجتمع معه الجم الغفير من الزعر والعوام، وبأيديهم المقاليع بالحجارة. فلما رأى الأمراء الذين في سوق الخيل ذلك هربوا أجمعين ولم يثبت منهم أحد، ودخل في
стр. 263
قلوبهم الرعب فانهزموا من سوق الخيل، ولم يثبت من الأمراء غير الأمير الجاي اليوسفي والأمير أرغون شاه تتر، فوقعوا مع الأتابكي أستدمر ومن معه من مماليك يلبغا واقعة عظيمة كانت من أول النهار إلى ما بعد الظهر، فلم يطلع إليهم أحد من الأمراء، ولا ساعدهم. فانكسر الأمير الجاي، والأمير أرغون شاه تتر وهربا، وانتصر عليهم الأتابكي أستدمر ومن معه من مماليك بليغا.
ثم أن الأتابكي أستدمر كبس على الأمراء الذين انكسروا وقبض عليهم من بيوتهم - وهم: الأمير جركس أمير سلاح، والأمير أيدمر الشامي الدوادار، والأمير الجاي اليوسفي، والأمير قطلوبغا، والأمير أرغون شاه تتر، والأمير طيغتمر النظامي، والأمير قجماس الطازى، والأمير أقطاي اليلبغاوي، والأمير اقبغا الأحمدي، وغير ذلك من جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات - فقيد الأمراء المقدمين وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية … فكان عدة من قبض عليه من الأمراء المقدمين في هذه الحركة ثمانية أمراء، ومن الأمراء الطبلخانات وغير ذلك من العشروات نحو أحد عشر أميرا.
ثم أن بعض الأمراء قال للأتابكي استدمر: "اقبض على السلطان وتسلطن أنت". .. فأبى من ذلك وأبقى السلطان على حاله. فلما راقت مدة الفتنة عمل السلطان الموكب وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي، والطنبغا المنجكي واستقر به أمير مجلس، وخلع على المقر السيفي والطنبغا اليلبغاوي واستقر به رأس نوبة النوب، وخلع على المقر السيفي بيرم الغزى قطقطاى واستقر به دوادارا كبيرا عوضا عن أيدمر الشامي، وخلع على المقر السيفي سلطان شاه واستقر به حاجب الحجاب، وخلع على الأمير قطلقتمر العلائي واستقر به أيمر جاندار.
ثم أن السلطان أرسل خلف المقر السيفي أزدمر العمري الناصري الشهير بالخازندار - وهو جد مؤلفه كما تقدم - وكان السلطان نقله من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب ثم ارسل خلفه، فلما حضر إلى القاهرة خلع عليه واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير قطلوبغا جركس. وكان الأمير ازدمر هذا تولى أمير سلاح أيضا في دولة الملك الناصر حسن في سنة سبع وخمسين وسبعمائة بعد قتلة الأتابكي شيخو العمري. وكان شيخو وأزدمر خشداشين من فرد تاجر. فلما كانت دولة الملك الأشرف شعبان أحضر الأمير أزدمر وأعاده كما كان. ثم أن السلطان أنعم على جماعة حاشيته بأمريات طبلخانات وأمريات عشراوات، واستقام أمر السلطان في هذه الحركة وزال عنه جماعة من الأمراء المتمردين الذين كان يخشى هو منهم.
стр. 264
وفي هذه السنة - وهي سنة ثمان وستين وسبعمائة - كانت وفاة العلامة الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن حسن بن صالح بن علي بن نباتة الفارقي المصري الجمداي تغمده الله برحمته. وكان من فحول المولدين وله شعر جيد فاق به على من تقدمه من الشعراء. وكان مولده في سنة ست وثمانين وستمائة. وكان منشؤه بسنشية المهراني بزقاق القناديل، وكانت مدة حياته اثنتين وثمانين سنة، وتوفي في سنة ثمان وستين وسبعمائة كما تقدم. ومما وقع للشيخ جمال الدين هذا أنه كان يخترع المعنى الغريب في شعره الذي لم يسبق إليه، فيعارضه فيه صلاح الدين الصفدي ويأخذه عنه وزنا وقافية وينسبه إلى نفسه، كما قيل في المعنى:
وفتى يقول الشعر إلا أنه … فيما علمنا يسرق المسروقا
قال الشيخ جمال الدين: "فلما طال على الأمر في ذلك، جمعت كتابا فيما قلته وسرقه مني ونسبه إلى نفسه، وسميت هذا الكتاب" خبز الشعير "، لأنه مأكول مذموم … فمن جملة ذلك اني قلت في هذا المعنى:
بروحي عاطر الأنفاس أملي … ملى الحسن حالي الوجنتين
له خالان في دينار خد … تباع له القلوب بحبتين
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
بروحي خده المحمر أضحت … عليه شامة شرط المحبة
كأن الحسن يعشقه قديما … فنقطه بدينار وحبة
قال الشيخ جمال الدين:" فلما وقفت على هذا المعنى قلت: لا إله إلا الله … سرق الشيخ صلاح الدين الصفدي - كما يقال - من الحبتين حبة".
سنة تسع وستين وسبعمائة (١٣٦٧/ ٦٨ م):
فيها جاءت الأخبار من حلب بأن الفرنج جاءوا إلى قلعة اياس وحاصروها، فخرج إليهم الأمير منكلي بغا الشمسي نائب حلب وصحبته العساكر الحلبية، فلما سمعوا به رحلوا عن قلعة اياس ثم قصدوا نحو طرابلس، وكانوا ثلاثة ملوك - وهم: صاحب
стр. 265
قبرص، وصاحب رودس، وصاحب الاستبار - فجاءوا في مائتي مركب حربية، فلما جاءوا إلى طرابلس كان النائب غائبا عن المدينة، فطمع الفرنج في أخذ المدينة، ثم خرج إليهم بعض عسكر طرابلس، فوقعوا معهم، فانكسر عسكر طرابلس ودخل الفرنج إلى المدينة ونهبوا أسواقها وقتلوا بها جماعة مسلمين نحو ألفي إنسان. فلما تسامع أهل البلاد بذلك جاءوا إلى الفرنج وحاربوهم وقتلوا جماعة كثيرة منهم، فانكسرت ملوك الافرنج كسرة قوية، ورحلوا عن ساحل طرابلس.
فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى، اضطرب السلطان من ذلك والأمراء، وقصدوا أن يعينوا لهم تجريدة … وكان في تلك السنة بالقاهرة فناء عظيم حتى كان يخرج من أبواب القاهرة في كل يوم اثنا عشر ألف جنازة، وكان أكثر عمله في الأطفال والغرباء. وقد قيل في المعنى:
وما الدهر أهل أن نؤمل عنده … حياة، وأن نشتاق فيه إلى النسل
وقال آخر:
نحن بنو الموت فما بالنا … نعاف ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا … على زمان هن من كسبه
سنة سبعين وسبعمائة (١٣٦٨/ ٦٩ م):
في يوم الجمعة سادس صفر، بعد صلاة الجمعة، ركب جماعة من مماليك يلبغا ودخلوا إلى بيت الأتابكي، فقال لهم:" ايش قصدكم؟ ". .. فقالوا:" قصدنا نمسك خمسة من الأمراء، وهم الأمير أزدمر أمير سلاح المعروف بالخازندار، والأمير بيرم العزي الدوادار، والأمير جركتمر المنجكي أمير مجلس، والأمير ينبغا القوصوني أمير أخور كبير، والأمير كبك الصرغتمشي الجوكندار ". .. فركب معهم الأتابكي أستدمر ومسك هؤلاء الأمراء من بيوتهم.
فأما الأمير أزدمر أمير سلاح فانه قيد وأرسل إلى قلعة الصيبية فسجن بها. وأما بقية الأمراء فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الاسكندرية.
ثم أن الأتابكي أستدمر الناصري قصد القبض على السلطان، فتعصب له جماعة من الأمراء، فطلعوا إلى القلعة، ونزل السلطان إلى الاسطبل، وجلس بالمقعد المطل على
стр. 266
الرميلة، وعلق الصنجق السلطاني، ودقت الكئوسات حربيا، حربيا فطلع إليه غالب العسكر، فاجتمع تحته في الرميلة الجم الغفير من الزعر والعوام وبأيديهم المقاليع والحجارة … وكل هذا بغض في المماليك الذين قد التفوا على الأتابكي أستدمر، وكانوا مماليك يلبغا، وقد جاروا على الناس وصاروا يهجمون على النساء في الحمامات، ويخطفون قماش الناس من الأسواق، فتغيرت منهم القلوب وأبغضهم الناس قاطبة.
فلما ركب الأتابكي أستدمر ومماليك يلبغا، توجهوا من وراء القلعة كما فعلوا تلك المرة. فلما زحفوا وأقبلوا من عند الصوة لاقتهم الزعر والعوام بالحجارة والمقاليع، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب المماليك ومن كان معهم من الأمراء، فانكسر مماليك يلبغا أنجس كسرة، وهرب الأتابكي أستدمر من رأس الصوة، وكان يظن أنه ينتصر كما وقع له تلك المرة، فكان كما قيل في المعنى:
أتطمع أن يبقى السرور لأهله … وهذا محال أن يدوم سرور
وتقضي الليالي باجتماع وفرقة … ويحدث من بعد الأمور أمور
فلم يكن إلا ساعة يسيرة وقد أمسك الأتابكي أستدمر وجماعة معه من الأمراء ممن كان من عصبته، وقد أمسكوا من بين الترب، فصار العوام يقبضون على كل من يرونه من مماليك يلبغا ويعرونه ويقتلونه شر قتلة، واستمروا على ذلك إلى آخر النهار.
فلما أمسك الأتابكي أستدمر ومن معه من الأمراء مثلوا بين يدي السلطان، فأراد أن يفيد الأتابكي أستدمر، ويرسله إلى السجن بثغر دمياط، فشفع فيه الأمراء وعرفوا السلطان بأن الأتابكي أستدمر مع مماليك يلبغا تحت الضنك، ولا يقدر على ردهم، فرسم السلطان للأتابكي أن ينزل إلى بيته، وأرسل معه الأمير خليل بن قوصون - وكان الأمير خليل بن قوصون ابن عمة السلطان الملك الأشرف شعبان - فلما نزل الأمير خليل مع الأتابكي أستدمر إلى بيته، اتفق معه على العصيان، وتحالفا على ذلك. فتسامع بهم بقية الأمراء والمماليك الذين كانوا قد اختفوا فجاءوا تحت الليل إلى الأتابكي أستدمر حتى ضاق بهم المكان من الازدحام لكثرتهم.
فلما كان يوم الاثنين ثامن عشر صفر من سنة سبعين وسبعمائة، ركب الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وجماعة من الأمراء الذين من عصبة الأتابكي أستدمر، فطلعوا إلى الرميلة ووقفوا بسوق الخيل، فنزل السلطان إلى المقعد المطل على الرميلة
стр. 267
وعلق الصنجق، ودقت الكئوسات حربيا، فحصل في ذلك اليوم واقعة عظيمة بين الفريقين، وظن السلطان أنه مأخوذ لا محالة، فكان كما قيل في المعنى:
ولا ترج إلا الله في كل حالة … ولا تعتمد يوما على غير فضله
فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى … وخيرته فيها على رغم أنفه
فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وكسر الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وبقية الأمراء الذين ركبوا مع أستدمر، فنهب العوام بيوتهم، وصاروا يمسكون مماليك يلبغا من الاصطبلات ويودعونهم في الحبوس، ثم قيدوا الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وبقية الأمراء الذين ركبوا مع أستدمر وأرسلوهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأما مماليك يلبغا فنفوا منهم وغرقوا منهم جماعة، وهرب منهم جماعة إلى بلاد المشرق، وانتصر عليهم السلطان الملك الأشرف شعبان. وقد قال المعمار:
سلطاننا دامت له عزة … ونصرة من أجل هاتين
دمر كبشين ومن سعده … ما انتطحت في ذاك شاتين
وقال الشيخ شهاب الدين بن العطار:
هلال شعبان جهرا لاح في صفر … بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان
وأهل كبش كأهل الفيل قد أخذوا … رجما وما انتطحت في الكبش عنزان
ثم أن السلطان، لما خمدت الفتنة، رسم بالإفراج عن من يذكر من الأمراء ممن كان مسجونا بثغر الاسكندرية، وهم: الأمير يلبغا آص، والأمير الجاي اليوسفي، والأمير ملكتمر الشيخوني الخازندار، والأمير أيدمر الخطائي. فلما أفرج عنهم وطلعوا إلى القلعة خلع على الامير يلبغا آص المنصوري واستقر به أتابك العساكر عوضا عن أستدمر الناصري، وخلع على الأمير الجاي اليوسفي واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير أزدمر العمري الناصري الخازندار، وكان الأمير الجاي اليوسفي زوج أم السلطان الملك الأشرف شعبان، وأنعم على الأمير أيدمر الخطائي بتقدمة ألف.
والأمير ملكتمر هذا هو الذي عمر الجامع الأخضر الذي عند فم الحور بين الغيطان.
стр. 268
ثم استمر الحال ساكنا مدة يسيرة، وقبض السلطان على يلبغا آص المنصوري، وعلى الأمير ملكتمر الشيخوخي. وسبب ذلك أنه قد بلغ السلطان أن يلبغا آص لما حضر إلى القاهر التف عليه جماعة من الأمراء، وقد عول على الركوب على السلطان. فلما تحقق السلطان ذلك بادر إليه وقبض عليه وعلى الأمير ملكتمر وقيدهما وأعادهما إلى السجن بثغر الاسكندرية. وفي ذلك يقول ابن العطار:
يلبغا آص تولى جمعة … فبغى واختار حربا واذعى
ويح من جاء لحكم زائرا … ثم ما سلم حتى ودعا
ثم أن السلطان أرسل خلف المقر السيفي منكلى بغا الشمسي نائب حلب، فلما حضر خلع عليه واستقر به أتابك العساكر عوضا عن طلبغا آص، ثم أرسل خلف الأمير على المارديني نائب الشام، فلما حضر خلع عليه واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية وكان من خيار الأمراء.
وفي هذه السنة توفى الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وتولى من بعده ابنه الملك الصالح محمود.
ومن الحوادث في هذه السنة: جاءت الأخبار من دمشق أنه قد نزل بها جراد عظيم لم يسمع بمثله. وقد أتى هذا الجراد من مكة إلى دمشق، فأكل الأشجار وسد أعين المياه، وكان معظم أمره في قرى دمشق مثل حوران وعجلون. فلما كان يوم الجمعة دخل الجراد إلى جامع بني أمية حتى ملأ صحن الجامع وصار يترامى على الخطيب وهو فوق المنبر حتى شغله عن الخطبة، ثم كثر حتى خافت منه القرى والبلدان، فوخم منه الناس حتى صاروا يشمون منه القطران من كثرة رائحته الكريهة، ثم تناقص من بعد ذلك حتى ارتفع عن البلاد الشامية.
سنة احدى وسبعين وسبعمائة (١٣٦٩/ ٧٠ م):
فيها خلع على المقر السيفي قشتمر المنصوري، واستقر به نائب حلب عوضا عن منكلى بغا الشمسي، ثم رسم بالإفراج عن الأمير أزدمر العمري الناصري - جد مؤلفه - وقد تقدم أنه نفى إلى الصيبية في وقعة الأتابكي أستدمر بسبب مماليك يلبغا، فأقام بالسجن في الصيبية مدة ثم رسم بالإفراج عنه ليوليه نيابة الشام عوضا عن الأمير علي المارديني. فلما وصل الأمير أزدمر إلى العريش مرض هناك ودخل إلى القاهرة وهو
стр. 269
عليل، فأقام مدة يسيرة ومات إلى رحمة الله تعالى ودفن بالقرافة الصغرى، بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير ﵁.
وكان الأمير أزدمر هذا أميرا جليلا دينا خيرا له بر ومعروف وآثار، فمن ذلك أنه لما كان نائب حلب أنشأ خانا بها معروف بخان سراقب. ولما كان نائب طرابلس أنشأ حوضا وسبيلا على الدرب السلطاني في قرية من أعمال جبل نابلس تسمى قرية حلمة بني سعد، وله أوقاف على الحرمين الشريقين والذرية، وكان قليل الأذى كثير الجود كما قيل:
وليس سحيق المسك ريا حنوطه … ولكنه ذاك الثناء المخلف
وولى من الوظائف أمير سلاح بالديار المصرية مرتين، وولى نيابة حلب ونيابة طرابلس ونيابة صفد وغير ذلك من الوظائف. وكانت وفاته - أي الأمير أزدمر أبو ذقن - في يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
ولما توفى الأمير أزدمر خلع السلطان على المقر السيفي منجك اليوسفي، واستقر به نائب الشام عوضا عن الأمير أزدمر العمري، وكان قد عين له نيابة الشام.
وفيها خلع السلطان على الأمير الكز الكشلاوي واستقر به وزيرا واستادارا.
وفيها توجه السلطان إلى بر الجيزة ونزل عند الأهرام على سبيل التنزه، فأقام هناك سبعة أيام ثم رحل من هناك وتوجه إلى ثغر الاسكندرية - وكان ذلك في أيام النيل - فحصل للعسكر مشقة عظيمة بسبب المخايض في الطريق. فلما دخل السلطان إلى مدينة اسكندرية دخل من باب رشيد، والأمراء مشاة بين يديه من باب رشيد إلى باب البحر، وفرش له نائب الاسكندرية الشقق الحرير تحت حوافر فرسه وانثر على رأسه الذهب والفضة، وكان له يوم مشهود، فأقام هناك ثلاث أيام، ودخلت عليه التقادم والهدايا، ثم رحل من الاسكندرية ورجع إلى القاهرة وطلع إلى القلعة.
ومن الحوادث في هذه السنة أن جماعة من العوام وقفوا تحت القلعة، ومنعوا الأمراء عن الطلوع إلى القلعة، وصاروا يرجمون الناس، فأرسل إليهم السلطان بعض الأمراء وهو يقول لهم. "ايش قصدكم؟ ". .. فأرسلوا يقولون للسلطان: "تسلمنا علاء الدين بن كبك شاد الدواوين ووالي القاهرة". .. فوقفوا تحت القلعة إلى ما بعد العصر، وحصل منهم غاية الفساد، فرسم السلطان للمماليك بأن ينزلوا إليهم، فنزلوا ورموهم بالنشاب، فتشتتوا وهربوا من الرميلة، فأمسكوا منهم جماعة وأودعوهم في الحبس، وقتل منهم جماعة بالنشاب وهرب الباقون فارين على وجوههم، وغلقت في تلك الليلة المدينة قاطبة، ولم يفد وقوفهم في الرميلة شيئا، فكان كما قيل في المعنى:
стр. 270
سل السيف عن أهل الفخار وفرعه … فإني رأيت السيف أصدق مقولا
ثم أن السلطان نادى للعوام بالأمان والاطمئنان، وعزل عنهم والي القاهرة، وولى الأمير حسين ابن الكوراني واليا على القاهرة عوضا عن بكتمر السيفي.
وفيها جاءت الأخبار من حلب بأن نائب حلب قشتمر المنصور قد قتل هو وقلد محمد.
وسبب ذلك أن شخصا من آل فضل يسمى الأمير جبار وقع بينه وبين نائب حلب تشاجر، فخرج إليه نائب حلب مع العساكر الحلبية، فتقابل مع الأمير جبار، فقويت العربان على نائب حلب فقتل هو وقلده في المعركة.
ثم أن السلطان خلع على الأمير عشقتمر المارديني - وهو صاحب الخانقاه التي في باب القرافة - واستقر به نائب حلب عوضا عن قشتمر المنصوري، وأرسل خلعة إلى الأمير زامك من آل فضل بأن يكون عوضا عن الأمير جبار بن مهنا، فخرج الأمير عشقتمر وتوجه إلى حلب.
ثم أن السلطان عمل الموكب وأنعم على من يذكر من الأمراء بتقادم ألوف، منهم:
الأمير بشتاك الكريمي، فخلع عليه واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير خليل بن قوصون. وأنعم على الأمير بهادر الجمالي بتقدمة ألف. وأنعم على جماعة من الخاصكية بأمريات طبلخانات وعشراوات.
وفي هذه السنة حجت خوند بركة أم السلطان الملك الأشرف شعبان، فخرجت من القاهرة في موكب عظيم في محفة زركش والأمراء مشاة والكئوسات، وحج معها الأمير بشتاك رأس نوبة النوب، والأمير بهادر الجمالي ومائتا مملوك من المماليك السلطانية.
سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (١٣٧٠/ ٧١ م):
فيها رجعت خوند أم السلطان من الحجاز الشريف، ووصلت إلى القاهرة في سادس عشر المحرم، فخرج إليها السلطان ولاقاها من البويب، وكان يوم دخولها يوم مشهودا حتى طلعت إلى القلعة.
وفي هذه السنة توفى الأمير على المارديني الناصري نائب السلطنة بمصر، وكان أميرا دينا خيرا كثير البر والصدقات، قليل الأذى، كثير الخير، قريبا من الناس. تولى نيابة دمشق ونيابة حلب ونيابة السلطنة بمصر، ومات والناس راضون عنه، وكثر عليه الأسف والحزن من الناس. ولما مات خلع السلطان على الأمير طشتمر العلائي واستقر به نائب السلطنة بمصر عوضا عن الأمير علي المارديني الناصري.
стр. 271
سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (١٣٧١/ ٧٢ م):
فيها رسم السلطان بأن السادة الأشراف قاطبة يجعلون في عمائمهم شطفات خضر حتى يمتازوا عن غيرهم، وتعظيما لقدرهم، فنودى لهم في القاهرة بذلك، فامتثلوا أمره المتدارك، وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شهاب الدين بن جابر الأندلس:
جعلوا الأبناء الرسول علامة … ان العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم … يغنى الشريف عن الطراز الأخضر
وقال الشيخ بدر الدين بن حبيب:
عمائم الأشراف قد تميزت … بخضرة وقت وراقت منظرا
وهذه إشارة أن لهم … في جنة الخلد لباسا أخضرا
وقال الشيخ شمس الدين بن المزين:
أطراف تيجان أتت من سندس … خضر كأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصصهم بها … شرفا لنعرفهم من الأطراف
وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
لآل رسول الله جاء ورفعة … بها رفعت عنا جميع النوائب
وقد أصبحوا مثل الملوك برنكهم … إذا ما بدوا للناس تحت العصائب
وفي هذه السنة عزل السلطان قاضي القضاة الشافعي بهاء الدين السبكي، وأرسل خلف الشيخ برهان الدين بن جماعة خطيب بيت المقدس، فلما حضر خلع عليه وولاه قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن بهاء الدين السبكي، وكان الشيخ برهان الدين هذا ابن أخي قاضي القضاة عز الدين بن جماعة المقدسي.
стр. 272
سنة أربع وسبعين وسبعمائة (١٣٧٢/ ٧٣ م):
فيها توفى الأتابكي منكلي بغا الشمسي، وكان من خيار الترك، ولما توفى خلع السلطان على المقر السيفي الجاي اليوسفي واستقر به أتابك العساكر بمصر عوضا عن منكلي بغا الشمسي بحكم وفاته.
وفيها أنعم السلطان على ولده الأمير علي بتقدمه ألف.
وفي هذه السنة كانت وفاة خوند بركة أم السلطان الملك الأشرف شعبان، وكانت ذات حسن وجمال، وذات دين وخير ولها بر ومعروف. وهي التي أنشأت المدرسة التي بالتبانة، ورتبت بها دروسا للمذاهب الأربعة، وحضورا في كل يوم للصوفية، ومكتبا للأيتام، وحوضا وسبيلا. ولما ماتت دفنت بهذه المدرسة وحزن عليها السلطان حزنا شديدا. وكانت ذات عقل ورأى سديد. وقد رثاها الشهابي بن الأعرج بقوله:
في الثاني والعشرين من ذي قعدة … كانت صبيحة موت أم الأشرف
فالله يرحمها ويعظم أجرها … ويكون في عاشورا موت اليوسفي
فكان الفأل بالمنطق … كما يقال:
لا تنطقن بما كرهت فربما … نطق اللسان بحادث سيكون
سنة خمس وسبعين وسبعمائة (١٣٧٣/ ٧٤ م):
فيها في يوم الثلاثاء سادس شهر الله المحرم وثب على السلطان الأتابكي الجاي اليوسفي زوج أمه، ولبس آلة الحرب، وطلع إلى الرميلة هو ومماليكه. وكان سبب ذلك أنه قد حصل بينه وبين السلطان حظ نفس بسبب ميراث أم السلطان، فحنق الأتابكي الجاي من السلطان فوثب عليه، ثم أن السلطان نادى للعسكر والأمراء بأن يركبوا ويحاربوا الأتابكي الجاي، فركب جميع الأمراء والعسكر وطلعوا إلى الرميلة، ووقعوا مع الجاي واقعة عظيمة قتل فيها جماعة كثيرة، وآخر الأمر انكسر الأتابكي الجاي وهرب نحو بركة الحبش، ثم طلع من عند الجبل الأحمر وأتى إلى قبة النصر فأقام بها، فارسل إليه السلطان خلعة بأن يكون نائب حماه ويخرج من هناك … فأبى الجاي من ذلك وأقام بقية النصر إلى يوم الخميس وهو لابس آلة الحرب، فنادى السلطان للعسكر والأمراء بأن يتوجهوا إليه بقية النصر ويحاربوه، فتوجهوا إليه وحاربوه، فانكسر الجاي ثانيا وهرب
стр. 273
إلى نحو شبرا، فساقوا خلفه فأدركوه فرمى نفسه في البحر وهو راكب فرسه، فغرق الجاي ومات وطلع فرسه من بر انبابه من عند الوراق، وقبض العسكر على مماليكه وخيوله وسلاحه وأحضروهم هم بين يدي السلطان وحكوا له ما جرى.
ثم أن السلطان أرسل جماعة من الغطاسين إلى نحو شبرا فغطسوا هناك وطلعوا بالجاي، فأحضروا له تابوتا، وأتوا به إلى القاهرة فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، ودفنوه بمدرسته التي أنشأها في سويقة العزى، وكان ذلك في يوم الجمعة عاشر المحرم سنة خمس وسبعين وسبعمائة كما فولوا عليه.
وكان الأتابكي الجاي أميرا جليلا مهيبا، كثير البر والصدقات، يحب فعل الخير … ولو أنه حضر بين يدي السلطان وهو في قيد الحياة ما كان يحصل له من السلطان إلا كل خير، فإنه كان زوج أمه، وكان له على السلطان تربية قديمة، ولكن كان ذلك مقدرا عليه.
ثم أن السلطان أرسل خلف المقر السيفي أيدمر نائب طرابلس، فلما حضر خلع عليه واستقر به أتابك العساكر عوضا عن الجاي اليوسفي، فأقام أيدمر في نيابة السلطنة بمصر مدة يسيرة ثم توفى إلى رحمة الله تعالى فأرسل السلطان خلف المقر السيفي منجك اليوسفي نائب الشام، فلما حضر خلع عليه السلطان واستقر به أتابك العسكر عوضا عن أيدمر، وأضاف إليه نيابة السلطنة مع الأتابكية، وفوض إليه أمور المملكة قاطبة من الديار المصرية والبلاد الشامية، ورسم له بأن يخرج الاقطاعات من غير مشورة السلطان من أربعمائة دينار إلى ستمائة دينار … وكانت عادة نواب السلطنة من قديم الزمان ألا يخرجوا من الاقطاعات أكثر من أربعمائة دينار إلى ما دون.
وفيها خلع السلطان على مملوكه الأمير أرغون شاه الأشرفي واستقر به رأس نوبة النوب.
وفيها جاءت الفرنج إلى رشيد، فخرج إليهم الأتابكي منجك مع جماعة من العسكر فكسروهم وهربوا منهم إلى بلادهم … وفي ذلك يقول ابن أبي حجلة:
أمنجك سل في الأعداء بترك … ولا تترك من الافرنج بترك
تداركت المعالي بالعوالي … ولكن فضل جودك ليس يدرك
وقد آنست مصر حين قالت … تولى الله حيث حللت نصرك
стр. 274
ومن الحوادث في هذه السنة أن النيل توقف عن الوفاء، ثم هبط ونقص أصبعين، فضج الناس لذلك وماجت مصر وتشحطت الغلال وامتنع الخبز من الأسواق، فرسم السلطان للناس بأني خرجوا ليستسقوا. فلما كان يوم الخميس ثاني ربيع الآخر من السنة المذكورة، خرج الناس قاطبة إلى الصحراء، واجتمع هناك الجم الغفير من العلماء والصلحاء والفقراء والرجال والنساء والأطفال وطائفة اليهود وطائفة النصارى، وحضر الخليفة محمد المتوكل على الله والقضاة الأربعة، ولم يزل السلطان معهم، ثم توجهوا من وراء قبة النصر ونصبوا هناك منبرا وصعد إليه قاضي القضاة الشافعي، وهو الشيخ شمس الدين بن القسطلاني، وخطب خطبة بليغة في الإستسقاء، ولما حول رداءه كشف عن رأسه ودعا الله تعالى … وكان ذلك اليوم يوما مشهودا تسكب فيه العبرات.
ولما رجع الناس وباتوا تلك الليلة هبط الماء جملة واحدة، وتزايد سعر الغلال وبلغ ثمن كل أردب مائة وعشرين درهما، ومن الشعير كل أردب بثمانين درهما، وبلغ ثمن الرغيف الخبز الكشكار أربعة دراهم، وبلغ الرطل اللحم الضاني درهمين ونصفا كل رطل، واللحم البقري كل رطل بدرهم ونصف، وبلغ ثمن البيضة عشرة دراهم كل واحدة، وبلغ ثمن البيضة عشرة دراهم كل واحدة، وبلغ ثمن الراوية الماء خمسة دراهم. ومات تلك السنة أكثر الدواب من قلة العلف، وغلا سعر كل شيء من أصناف البضائع. وجاء عقيب ذلك فناء عظيم حتى بلغ ثمن البطيخة الصيفي مائة درهم، والرمانة ستة عشر درهما، وصار القمح كل يوم يتزايد سعره.
فلما اشتد الأمر وشرقت البلاد رسم السلطان للأتابكي منجك بأن يجمع الحرافيش الذين في القاهرة ويفرقهم على الأمراء وأعيان التجار ففعل ذلك، ورسم السلطان بأن يعطوا لكل فقير رغيفين وما يشاكل ذلك من الطعام … واستمر الأمر على ذلك نحو سنة، ولم يتراجع السعر ولم ينحط عن ذلك حتى صار الناس يأكلون خبز الفول وخبز النخال والذرة، واستمر الحال على ذلك.
سنة ست وسبعين وسبعمائة (١٣٧٤/ ٧٥ م):
فيها جاءت الأخبار من حلب بأن نائب حلب خرج إلى مدينة سيس هو والعساكر الحلبية وفتح مدينة سيس، وكانت في أيدي الأرمن. فلما جاءت الأخبار بذلك فرح السلطان، وأمر بدق الكاسات سبعة أيام، وزينت القاهرة سبعة أيام، وأرسل نائب حلب صاحب سيس، وهو أسير ومقيد - وكان اسمه تكنور - فرسم السلطان باعتقاله، ورتب له
стр. 275
في كل يوم ما يكفيه من النفقة وهو في السجن، وقد هنأ بعض الشعراء السلطان بقصائد في فتح مدينة سيس حيث قال:
الملك الأشرف سلطاننا … أيده الله بعز نفيس
ساق إلى نحو العدا أدهما … وجاءه النصر على أخذ سيس
وفيها جاءت الأخبار من بغداد بأن القان أويس صاحب بغداد قد توفى إلى رحمة الله تعالى، وتولى من بعده ابنه حسين، وكانت مدة مملكة القان أويس على توريز وبغداد تسع عشرة سنة.
وفيها كانت وفاة الأتابكي منجك اليوسفي. وكانت وفاته في يوم الخميس تاسع عشرى ذي الحجة سنة ست وسبعين وسبعمائة، ودفن في خانقانه التي أنشأها في راس الصوة تجاه الطيلخانات السلطانية، ومات وله من العمر نحو سبعين سنة. وكان أميرا جليلا عظيما كثير البر والصدقات، وله آثار ومعروف بمصر والشام، وقد تولى نيابة حلب ونيابة الشام ونيابة السلطنة بمصر وأتابك العساكر بالديار المصرية.
سنة سبع وسبعين وسبعمائة (١٣٧٥/ ٧٦ م):
أقول: وهذه السنة عزيزة الوقوع، لأنه قد اجتمع فيها ثلاث سباع، فهي سبع وسبعون وسبعمائة، وهذا غير ممكن أن يتفق مثلها من سنى الهجرة النبوية من الأعوام القابلة، ولم يتفق مثلها في مبتدأ الإسلام غيرها من السنين.
ففيها ختن السلطان أولاده وأقام لهم مهرجانا في القلعة سبعة أيام، وكان ذلك تاسع المحرم، وفيها كملت عمارة السلطان التي أنشأها في رأس الصوة تجاه الطيلخانات. ولم يحدث في هذه السنة من الحوادث شيء، وكان غالب الناس يتطير منها فلم يحصل فيها إلا خير.
سنة ثمان وسبعين وسبعمائة (١٣٧٦/ ٧٧ م):
فيها أبطل السلطان ضمان المغاني من سائر أعمال مملكته، وكان ذلك عبارة عن مال كثير مقرر على سائر المغاني من رجال ونساء يؤدونه في كل سنة إلى الخزائن الشريفة، فأبطل ذلك. ومن جملة ما أبطله ضمان القراريط، وكان عبارة عن أن الشخص إذا باع
стр. 276
ملكا يؤخذ منه لبيت المال عن كل ألف درهم عشرون درهما، فأبطل ذلك وصار في صحيفته إلى يوم القيامة.
وفيها توعك السلطان وأقام في الفراش منقطعا مدة، ثم شفى وخرج إلى الموكب.
ثم أن السلطان قوى عزمه على أن يحج في هذه السنة، فأشار عليه بعض الصلحاء بترك الحج في هذه السنة فلم يسمع، وأخذ في أسباب عمل البرق. فلما كان يوم السبت ثاني عشر شوال خرج السلطان من القاهرة، ونزل من القلعة في موكب عظيم وطلب، وخرج من الميدان الذي تحت القلعة، وقد اشتمل الطلب السلطاني من الهجن على عشرين نوبة بقماش زركش، وخمس عشرة نوبة بقماش حرير ملون، ونوبة هجن ملبسة خليفتي، ونوبة هجن ملبسة أبيض برسم الأحرام. وكان في الطلب مائتا فرس ملبسة بركشتونات مخمل ملون وشى فولاذ مكفت بالذهب، وفيه كجاوتين زركش، وكان فيه عشر محفات زركش برسم الحريم، وكان فيه ستة وأربعون زوجا محاير مخمل ملون برسم السراري والعيال، وكان في السنيح خمسمائة جمل محملة سكرا وحلوى وفاكهة وغير ذلك يرسم ما يحتاج إليه المطبخ، وكان فيه قطاران من الجمال محملة أشجارا مزهرة في طينها وهي في صناديق خشب مزفتة.
فلما انتهى أمر الطلب خرج السلطان من الميدان في موكب عظيم، وقدامه سائر الأمراء من كبير وصغير، وكان له يوم مشهود. ولما نزل من القلعة توجه إلى نحو بركة الحاج على العادة، فلما أقام هناك خلع على الشيخ ضياء الدين الغنوى واستقر به شيخ مدرسته التي أنشأها برأس الصوة، وقرر بها حضورا من بعد العصر وصوفية. وكانت هذه المدرسة من محاسن الدنيا في الزخرفة والبناء، وقد هدمت هذه المدرسة في دولة الملك الناصر فرج ابن برقوق كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
ثم أن السلطان رحل من بركة الحاج، وكان صحبته من الأمراء المقدمين تسعة، وهم:
المقر السيفي أرغون شاه الأشرفي، والمقر السيفي صرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والمقر السيفي يلبغا السابقي أمير مجلس، والمقر السيفي بهادر الجمالي أمير اخور كبير، والمقر السيفي طشتمر العلائي الدوادار، والأمير مبارك شاه الطازى، والأمير قطلقتمر العلائي الطويل، والأمير بشتاك العمري ومن أمراء الطبلخانات خمسة وعشرون أميرا.
ثم أن السلطان جعل المقر السيفي أقتمر بن عبد الغني - نائب السلطان - مقيما بالقاهرة، وجعل الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، ورسم للأمراء المقيمين بالقاهرة بأن يطلعوا إلى القلعة في كل يوم اثنين وخميس، ويعطوا الخدمة للأسياد - أولاد السلطان - فصار الأمراء بعد توجه السلطان يطلعون إلى القلعة ويجلسون على باب الستارة، ويخرج
стр. 277
إليهم ابن السلطان الأمير علي - وكان أكبر أولاد السلطان - فيجلس مع الأمراء ساعة لطيفة على باب الستارة، ويحضر لهم السكر فيشربون وينصرفون، واستمروا على ذلك مدة يسيرة.
وكان السلطان الملك الأشرف شعبان لما قصد التوجه إلى الحجاز الشريف ضبط أمور المملكة قبل خروجه، وأخذ معه من الأمراء من كان يخشى أمره، وترك بالقاهرة من الأمراء من كان يركن إليه، وظن أن الأمور قد استقامت له واقتدى بما فعله من رأيه كما قيل:
يا حاسبا لأمور تعتريه، لقد … حسبت شيئا وغابت عنك أشياء
فلم يتم بذلك مراده، وجنى عليه اجتهاده، كما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجنى عليه اجتهاده
فلما رحل السلطان من بركة الحاج، ورجع كل أحد إلى بيته - وكان يوم السبت ثالث ذي القعدة - وثب جماعة من الأمراء، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرميلة. وكان القائم في ذلك الأمير طشتمر المحمدي المعروف باللفاف أحد الأمراء العشراوات، والأمير قرطاي الطازي أحد رءوس النوب، والأمير أستدمر الصرغتمشي، والأمير اينبك البدري - ولم يكن فيهم أمير مقدم ألف.
فلما طلعوا إلى الرميلة التف عليهم جماعة كثيرة من المماليك السيفية ومماليك الأسياد، فهجموا كلهم وطلعوا إلى القلعة ووقفوا على باب الستارة ودقوا الباب، فخرج إليهم الأمير مثقال الجمالي الزمام، والأمير جلبان اللالا، والأمير قطلوبغا جركس اللالا، فقالوا للماليك: "ما الخبر؟ "، فقالوا: "قد سمعنا أن السلطان لما وصل إلى العقبة وثب عليه المماليك وقتلوه. فأخرجوا إلينا الأمير علي حتى نسلطنه". .. ولم يكن لهذا الكلام صحة، ولكن كان الفأل بالمنطق كما يقال في المعنى:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى … إن البلاء موكل بالمنطق
فلما سمع الأمير الزمام ذلك توقف ساعة، فأغلظ عليه المماليك في القول، وعينوا له القتل. فلما رأى منهم الجد دخل إلى دور الحرم وأخرج الأمير علي ابن الملك الأشرف شعبان فجلس على باب الستارة ساعة، ثم توجه المماليك إلى الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة وأحضروه إلى القلعة، فلما حضر أخذوا الأمير عليا، وتوجها به إلى الايوان الكبير،
стр. 278
وأجلسوه على سرير الملك، وقبلوا له الأرض، ثم أرسلوا خلف من كان في القاهرة من الأمراء فطلعوا إلى سوق الخيل، فطلبوهم ليطلعوا القلعة فأبوا من ذلك، فركبوا الأمير عليا ونزلو به إلى باب السلسلة، وجلس في الخزانة التي في الاسطبل السلطاني، ونادى لسائر الأمراء بأن يطلعوا إلى باب السلسلة، فطلعوا فلحقوهم، وقبلوا للأمير على الأرض، ولقبوه بالملك المنصور.
ثم أن المماليك أمسكوا في ذلك اليوم جماعة من الأمراء العشراوات وهم: الأمير طشتمر الصالحي، والأمير بلاط السيفي الجاي، والأمير حطط اليلبغاوي أحد رءوس النوب … فلما قبضوا عليهم سجنوهم بالقلعة ثم قالوا لوالي القاهرة: "ناد في المدينة بالأمان والاطمئنان والدعاء للملك المنصور علي". .. فنزل الوالي ونادى بذلك في القاهرة، وكان ذلك في يوم السبت ثالث ذي القعدة في السنة المذكورة.
فلما كان يوم الأحد صبيحة ذلك، والناس مائجة في بعضهم، اشتاعت الأخبار بين الناس بأن شخصا من المماليك السلطانية قبض على شخص من المماليك الذين كانوا في الحجاز يقال له فازان اليرقشي من جملة الأمراء الأخورية، وكان صحبة السلطان، فوجدوه في المدينة وهو متنكر، فقبضوا عليه وأحضروه إلى الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، فسأله عن سبب ذلك وحضوره إلى القاهرة، فمغمغ في الكلام، وتلجلج بلسانه، فعراه الأمير أيدمر وأراد توسيطه، فقال له: "امهلني حتى أخبرك بما جرى هناك". ..
فألبسه أثوابه وقال له: "أحك". فقال: "لما وصل السلطان إلى العقبة دخلها في يوم الثلاثاء وأصبح في يوم الأربعاء، وقف عليه جماعة من المماليك السلطانية وطلبوا منه العليق، فقال لهم اصبروا إلى الأزلم، فرجعوا وهم على غير رضا منه. فلما مد السماط لم يحضر من المماليك السلطانية أحد، فظهر للسلطان منهم الغدر، ثم أن المماليك توجهوا إلى جماعة من الأمراء - منهم الأمير طشتمر العلائي الداودار الكبير، والأمير مبارك شاه الطازى، والأمير صراي تمر المحمدي، والأمير قطلقتمر العلائي الطويل - فاتفقوا معهم على الوثوب على السلطان
"فلما كان يوم الخميس ركب هؤلاء الأمراء على السلطان، والتف عليهم جماعة كثيرة من مماليك الأسياد، فلما تحقق السلطان ذلك ركب هو وجماعة من الأمراء - منهم الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، والأمير سرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والأمير بشتاك العمري رأس نوبة النوب، والأمير بيبغا السابقي، والأمير يلبغا الناصري، والأمير أرغون كتك - فركب هؤلاء الأمراء مع السلطان ووقعوا مع المماليك هناك واقعة عظيمة، فلم تكن إلا ساعة يسيرة وانكسر السلطان ومن معه من الأمراء وهربوا إلى نحو عجرود".
стр. 279
فلما سمع الأمير الشمسي بذلك ركب، هو والأمير استدمر الصرغتمشي، والأمير طولو، وجماعة من الأمراء السلطانية، وتوجهوا إلى نحو بركة الحاج، فتلاقوا هم والأمراء الذين كانوا بحصبة السلطان في العقبة. فلما تلاقوا معهم لم يجدوا السلطان صحبتهم، ولا الأتابكي أرغون شاه، ولا الأمير يلبغا الناصري … فوقعوا هناك في بعضهم وقتلوا الأمراء الذين حضروا من العقبة، وقطعوا رءوسهم ودخلوا بها إلى القاهرة، وعلقوها على باب القلعة.
هذا ما كان من أمر الأمراء. وأما ما كان من أمر السلطان الملك الأشرف شعبان فانه لما هرب بعد الكسرة من العقبة قال له محمد بن عيسى شيخ العائد:" آخذك وأتوجه بك من هنا إلى غزة فتقيم بها حتى تتسامع بك العساكر، وتجتمع عليك العرب، وترجع إلى القاهرة، وتأخذ الملك بالسيف ". .. فوافقه السلطان على ذلك، فمنعه الأتابكي أرغون شاه من ذلك.
ثم أنه دخل إلى القاهرة وهو مختف، فبات تلك الليلة في تربة في الصحراء إلى آخر الليل، ثم قام من هناك إلى حارة الجودرية واختفى عند امرأة يقال لها آمنة زوجة ابن المشتولي - وكانت من عيال أم السلطان - فخافت من عقبى ذلك على نفسها من القتل، فان الأمير أيدمر الشمسي نائب السلطنة نادى في القاهرة:" كل من وجد السلطان الملك الأشرف شعبان في بيته ولا يقر به، يشنق على باب بيته ". .. فلما سمعت آمنة المذكورة ذلك توجهت إلى الأمير أينبك البدري وقالت له:" إن السلطان مختف عندي في البيت".
فلما سمع الأمير أينبك بذلك ارسل معها مائة مملوك ملبسة، ومعهم أمير يقال له الطنبغا السلطاني، فتوجهوا إلى الجودرية وكبسوا على بيت آمنة زوجة ابن المشتولي.
فلما أحاطوا بالبيت هرب السلطان وطلع إلى سطح البيت، فلما دخلوا البيت لم يجدوا فيه أحدا، فطلعوا إلى السطح فوجدوا السلطان مختفيا في الياذهنج - وهو بطاق القميص - فقبضوا عليه، والذي كان خائفا منه وقع فيه، كما قيل في المعنى:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا … فلما دهتني لم تزدني بها علما
فلما قبضوا على السلطان نهبوا جميع ما كان في البيت، ثم أركبوا السلطان فرسا وهو مغطى الوجه، فطلعوا به إلى القلعة بعد المغرب، وتسلمه الأمير أينبك البدري، ولما دخل الليل خلا الأمير أينبك بالسلطان وبات في تلك الليلة يعاقبه ويقرره على الأموال والذخائر.
فلما كانت ليلة الثلاثاء دخل جركس - مملوك الأتابكي الجاي اليوسفي، وكان في قلبه من السلطان من أيام أستاذه الجاي شيء - فتسلم السلطان وخنقه بوتر حتى مات، ثم
стр. 280
وضعه في قفة وكسر ظهره وخيط بلاسي وأرسله تحت الليل على حمار ورماه في بئر عند باب الزغلة.
وكانت قتلته في ليلة الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ومات وله من العمر نحو أربع وعشرين سنة. وكان مولده في سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية أربع عشرة سنة وشهرين ويوما. وزال عنه الملك كأنه لم يكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير، وقد قيل في المعنى:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض … على الماء خانته فروج الأصابع
ثم أن الملك الأشرف شعبان لما رموه في البئر كما تقدم، أقام فيها أياما فظهرت رائحته وطفا على الماء، فمر به بعض الطواشية، فلما تحقق أنه السلطان صبر حتى دخل الليل، وأحضر له تابوتا وطلعه من البئر وحمله فيه وأتى به إلى مدرسة والدته التي في التبانة، فغسله هناك وكفنه وصلى عليه، ثم دفنه في القبة التي تجاه المدرسة.
وكان الملك الأشرف شعبان من محاسن الزمان في العدل والحلم، وكان ملكا هينا لينا محبا للناس منقادا للشريعة، ويحب أهل العلم ويحسن لهم، وكان كثير البر والصدقات على الفقراء والمساكين، وكان محسنا لأقاربه وأبناء عمه بخلاف من تقدمه من بني قلاون.
وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد إلى البلاد الشامية وفساد العرب. وساس الناس في أيام دولته أحسن سياسة، وكانت الناس راضية عنه حتى مات ﵀. وقد قال فيه القائل:
للملك الأشرف السلطان سيدنا … مناقب بعضها يبدو به العجب
له خلائق بيض لا يغيرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
ولما مات الأشرف شعبان خلف من الأولاد ستة ذكور وسبع بنات. فأما الذكور فسيدي علي الذي تسلطن بعده، وسيدي أمير حاج الذي تسلطن بعد أخيه علي، وسيدي قاسم، وسيدي محمود، وسيدي اسماعيل، وسيدي أبو بكر، وولد له بعد موته سيدي أحمد الذي من خوند سمراء.
وأما فتوحاته من المدن فمدينة سيس، ومدينة سنجار، ومدينة دوركي.
стр. 281
وأما ما أنشأه في القاهرة من العمائر فالمدرسة التي كانت في رأس الصوة تجاه الطبلخانات السلطانية، والقاعة الأشرفية التي بالقلعة داخل دور الحرم. وله غير ذلك آثار كثيرة وتذكار.
وكان في أيامه جماعة كثيرة من أولاد الناس طبلخانات وأمراء عشراوات.
فأما الأمراء الطبلخانات فالأمير علي بن منجك اليوسفي، والأمير أحمد بن يلبغا العمري، والأمير عبد الله بن بكتمر الحاجب، والأمير موسى بن دندار، والأمير قرطقا بن صوصون، وأمير حاج ابن مغلطاي، والأمير محمد بن تنكز بغا.
وأما من كان منهم من أمراء العشراوات فمنهم الأمير أبو بكر بن سنقر الجمالي، والأمير أحمد ابن محمد بن قطلوبغا المحمدي، ومحمد بن سنقر المحمدي، والأمير خضر بن عمر بن أحمد ابن الأتابكي بكتمر الساقي.
وكان من أولاد الناس في أيامه جماعة كثيرة نواب في البلاد الشامية.
وبالجملة أن الملك الأشرف شعبان كان آخر بني قلاون في الحرمة والعظمة ونفاذ الكلمة، وكان عارفا بأحوال أمور المملكة، حسن التدبير، ماشيا على القواعد المرضية، مستجلبا لخواطر الرعية، وكان حسن الشكل، سخي النفس، شجيع القلب … ولكن خانه الدهر، وسطا عليه بالقهر، فعاجله المنون، وخابت فيه الظنون.
هذا ما كان من أمر الملك الأشرف شعبان بعد رجوعه من العقبة، وأما ما كان من أمر الأمراء الذين خامروا على السلطان في العقبة، فانه لما هرب السلطان من هناك اجتمعوا ودخلوا على الخليفة المتوكل على الله محمد - وكان قد سافر صحبة السلطان هو والأربعة قضاة - فقالوا له: "تسلطن … أنت أحق بالسلطنة". فامتنع من ذلك غاية الامتناع، وطال بينه وبين الأمراء الجدال فلما صمم الخليفة على الامتناع عينوا مع الحجاج الأمير بهادر الجمالي أمير أخور كبير، فتوجه صحبة المحمل مع الحجاج وساروا ركبا واحدا.
ثم أن الأمراء أخذوا الخليفة والقضاة الأربعة وقصدوا التوجه إلى الديار المصرية، وصحبتهم حريم السلطان الملك الأشرف شعبان. ثم أن القضاة سألوا فضل الأمراء أن يزوروا بيت المقدس، فأنعموا لهم بذلك، وأرسلوا معهم جماعة من المماليك السلطانية، فتوجهوا من هناك إلى بيت المقدس.
فلما وصل الخليفة والأمراء إلى عجرود جاءت الأخبار بما جرى في القاهرة من قتل السلطان وسلطنة ولده الأمير علي.
стр. 282
ومن غريب الانفاق أن اليوم الذي خامر فيه المماليك وركبوا على السلطان في العقبة، وافق اليوم الذي ركب فيه الأمراء بالقاهرة وسلطنوا سيدي عليا ابن السلطان. فلما سمعوا ذلك ووصلوا إلى بركة الحاج جاءت الأخبار بذلك إلى القاهرة، وتوجه إليهم جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، فوقعوا معهم عند المطرية، فانكسر الأمراء الذين جاءوهم من القاهرة، وساق خلفهم الأمير قطلقتمر العلائي الطويل إلى رأس الصوة، فتكاثر عليه المماليك السلطانية حتى أمسكوه وحضروا به إلى نائب السلطنة فلم يشوش عليه، ثم دخل الأمير طشتمر الدوادار الكبير واختفى في تربة في الباب المحروق، فنم عليه الغلمان، فجاءوا إليه وقبضوا عليه وقيدوه وأرسلوه إلى ثغر الاسكندرية، وقبضوا معه على جماعة من الأمراء ونفوهم إلى الاسكندرية، وخمدت الفتنة وسكن الاضطراب، واستمر سيدي علي سلطانا كما سيذكر ذلك في موضعه.
ولما مات الأشرف شعبان رثاه القيم خلف الغبارى بهذه القطعة الزجل فقال:
عن منازل طالع القلعة … كوكب السعد اختفى حين بان
اقتران زحل مع المريخ … كسوف شمس انتقل شعبان
***
صار محرما يوما لما … صفر المنزل من الأشرف
وادخر فيه الملك شعبان … دور المحمل ولا أشرف
ورجب فيه الملك شعبان … دور المحل ولا أشرف
***
رمضان صاموا وفي شوال … شال وذي القعدة بدا الحرمان
فيه جرت سيرة لذي الحجة … ما جرت في سائر الأزمان
***
قد فهمنا أصل ذي النوبه … بسماع ما جا من الأخبار
في حصار شعبان وفي ضربوا … نوبتين والخنق بالأوتار
ولذا صار قلبنا موصول … بالهموم والعقل منا طار
***
وخروج السهم لو تشبيب … في القصب من داخل الأبدان
والسيوف غنت لرقص الخيل … والأنامل هزت الميدان
***
للحجاز لما نوى الأشرف … ورحل مع جملة العشاق
خامرت ميه من العسكر … ولرصد الغدر جو أجواق
قتلوه شركه وتاريخو … للعراق والأصبهان انساق
***
стр. 283
وقد أضحى في الرمال مدفون … والذي بيه في طرب فرحان
صار محير والحمام في الدوح … ناح لفقدو باختلاف ألحان
***
الذخائر ذاهبة حين صار … واسطة عقد الجيوش غايب
والعقيق كنواقد اتخضب … بالدما حين هربو كارب
***
وسلوك الدر والياقوت … عقدها انفرط من التيجان
وأصبح الجوهر يتيم بعدو … ودموع العين عليه مرجان
***
ذى الذي كان الملك أيدو … وايدهم في فرد زبديه
جوه بعملة غدر مدفونه … وخيول في السر مخفيه
وقلوب بالغلب مغمومه … وكبود بالغبن مشويه
وأمور مزورة لكن … قبل ما اسقوه الهوان ألوان
طبخوا القدره وقد صاروا … حولها مستجمعين اخوان
***
في أتابك مصر كنت أعهد … قوم عزيزين جبر للمكسور
منهم أرغون وصرغتمش … والشهير بالسابقي المنصور
والأمير بشتاك مع الأفرم … بأمر من لو الحكم والمقدور
***
جا القضا عاجل خد الخمسة … وقد أضحى عزهم منهان
هكذا الدنيا وقد قالوا … في المثل ما عز شي إلا وهان
***
جاك بنفسو ذ الملك لما … جا يصيب دستو عليه مقلوب
وأخذ فيكو سريع شامات … وانكشف رخو وصار مغلوب
هكذا في وقعة الدنيا … دست هذى المملكة المنصوب
***
ذا يكن راكب فرس عزوا … عاليه فرحان يعود في أحزان
والذي في الحاشية بيدق … ينتقل حتى يصر فرزان
***
مصر وادي تيه وصارت غاب … وسكنوا أبراج حوت رفعه
وأماراتها الذين كانوا … في هنا من قبل ذي الوقعة
للملك خلان وهم غزلان … وأسود وأقمار لهم طلعة
***
خفيت الأقمار من الأبراج … وخلا المسكن من الخلان
стр. 284
وعن الغاب غابت الآساد … وأقفر الوادى من الغزلان
***
ضم الأشرف قبر ليت شعري … هو لقنديل نور ضياه جامع
أو صدف فيه خالص الجوهر … أو فلك فيه غاب قمر طالع
أو نقول غاب فيه أسد ضارى … أو جفير جواه حسام قاطع
***
أو كناس فيه أحسن الغزلان … أو حمى فيه أفرس الفرسان
أو جسد فيه روح من الأرواح … أو سواد مقلة وفيه إنسان
***
نسألك يا الله بجاه موسى … وبعيسى وأحمد المحبوب
غيث الأشرف واوهبوا رحمة … وعليه أفرغ صبر أيوب
فارق اذكرنا فراق يوسف … مثل ما أورثنا حزن يعقوب
***
والخليل منا غدا قائل … لخليلو حين يراه لهفان
في سفين الحزن بعدو نوح … واجر دمعك في الخدود طوفان
***
نصر شعبان ثم بالكامل … لعلي والحكم للقادر
نسألك يا حق يا عادل … كن لجيش المسلمين ناصر
وارزق العالم عمل صالح … واصلح الباطن مع الظاهر
***
واخمد الفتنا وطمنا … لا تشتتنا من الأوطان
وانصر المنصور علي واعفو … عن أبيه الأشرف السلطان
***
يا من أمسى مثل ما أصبح … في فرح بالجاه وكنز المال
قط لا تركن لذي الدنيا … واحذر احذر حالها ان حال
كم عزيز ذلته صار يطلب … جاه يجيه ما جاه ومالو مال
***
فالبس البس حلة التقوى … قبل لبسك شقة الأكوان
لا تغرك زينة الدنيا … كل ما تنظر عليها فان
***
آخر الثامن مع السبعين … بعد تاريخ سبعمائة عام
يا غبارى قلت في الأشرف … نظم شاع في أقاليم مصر والشام
وأنت في فن الزجل قيم … بدروج تشهد بها الحكام
***
стр. 285
وينتظم النشر من فكرك … كم وكم صنفت من ديوان
والبديع لك صارت الفرسان … فيه رجال والقيمة أدوان
وفي أيامه توفى الشيخ نور الدين علي بن سعيد المغربي الأندلسي، وكان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
واطول شوقي إلى ثغور … ملأى من الشهد والرحيق
عنها أخذت الذي تراه … يعذب من شعري الرقيق
- الملك المنصور عليّ
هو الملك المنصور علي، ابن الملك الأشرف شعبان، ابن الملك الأمجد حسين، ابن الملك الناصر محمد، ابن الملك المنصور قلاون، وهو الثالث والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. بويع بالسلطنة عند ما حضر أمير المؤمنين المتوكل على الله من العقبة فبايعه بالسلطنة، ولبس خلعة السلطنة وجلس على سرير الملك، وجميع الأمراء قبلوا له الأرض، وتلقب بالملك المنصور، ونودى باسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء، فلبس خلعة السلطنة من باب الستارة، وركب لابسا شعار الملك والأمراء مشاة بين يديه، والقبة والطير على رأسه، حتى وصل إلى الايوان وجلس على سرير الملك ساعة، ثم دخل إلى القصر الكبير ومد السماط في القصر وجلس عليه وهو لابس شعار الملك - وكانت هذه عادة قديمة أن السلطان يوم يتولى يمد في القصر سماطا ويجلس عليه وهو بشعار الملك - فلما فرغ من الأكل خلع على المقر السيفي أقتمر الصاحبي الشهير بالحنبلي واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية عوضا عن الأمير أقتمر عبد الغني، وخلع على المقر السيفي طشتمر المحمدي الشهير باللفاف واستقر به أتابك العساكر بمصر، وكان طشتمر المحمدي هذا أمير عشرة فبقى أتابك العساكر في يوم واحد عوضا عن الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، وأنعم عليه ببركه ومماليكه، وكان ذلك في يوم الأحد سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وكان السلطان الملك المنصور له من العمر يومئذ نحو سبع سنين وأشهر.
فلما كان يوم الاثنين سابعه، عمل السلطان الموكب، وخلع على من يذكر من الأمراء وهم: الأمير قرطاي الطازي، واستقر به رأس نوبة النوب، ورسم له ببرك الأمير