← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وفيه قرر السلطان كرتباي بن مصطفى المعروف بالأحمر، في كشف البحيرة، عوضا عن قراكز مملوك تمراز أمير سلاح. وفيه جاءت الأخبار من نائب حلب بأن على دولات أرسل يسأل في الصلح، بعدما اتسع الخرق على الراقع، كما قيل في المعنى. أتروض نفسك بعد ما هرمت … ومن العناء رياضة الهرم وفيه توفي قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن محمد القلجاني التونسي المالكي، وكان عالما فاضلا بارعا في مذهبه، قدم إلى مصر، واقام بها مدة، ثم عاد إلى بلاده فمات بها. وفيه جاءت الأخبار بوفاة المستنصر بالله محمد، من أولاد الملك مسعود، صاحب تونس. وكان أكبر أولاده مستوليا على إحدى جهات المغرب. وكان شابا حسن السيرة عادلا في الرعية، فتأسف عليه والده جدا. وقد خرجت السنة المذكورة عن فتن وشرور ببلاد الشرق وبلاد الغرب. وحصل في مصر تشحيطة في سائر الغلال واشتد السعر، ووقع الاضطراب بسبب ذلك لأهل التجاريد. وحصل للناس من المماليك ما لا خير فيه، من أخذ البغال والخيول وغير ذلك، مما حصل به الضرر الشامل، وزيادة على ذلك ظلم أرباب الدولة، وحصل للناس وقوف حال، بسبب إضراب الفلوس الجدد، وتبطيل الفلوس العتق، والأمر لله تعالى في ذلك. سنة إحدى وتسعين وثمانمائة (١٤٨٦ م): فيها، في المحرم، كان خليفة الوقت الإمام أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز، وسلطان العصر الملك الأشرف قايتباي أبو النصر، المعروف بالمحمودي الظاهري. وأما القضاة الأربعة فهم: قاضي القضاة زين الدين زكريا الأنصاري الشافعي، والقاضي شمس الدين محمد الغزي الحنفي، والقاضي محيى الدين بن تقي الدين المالكي، والقاضي محمد السعدي الحنبلي. وأما الأمراء المقدمون، فمنهم أرباب الوظائف سنة وهم: الأتابكي أزبك بن ططخ أمير كبير، وتمراز التمشي أمير سلاح. وأما أمرية مجلس فكانت شاغرة من حين عزل منها أزدمر قريب السلطان وتولي نيابة حلب، وبرسباي المحمدي الظاهري رأس نوبة النوب، وقانصوه بن طراباي المعروف بخمسمائة أمير آخور كبير، واقبردى بن علي باي أمير دوادار كبير وتغري بردى ططر حاجب الحجاب.

стр. 737

وأما الأمراء المقدمون غير أرباب الوظائف: فأزبك اليوسفي المعروف بالخازندار، وتاني بك الجمالي، وتاني بك قرا الإينالي، وأزدمر تمساح، وأزدمر المسرطن، ويشبك الجمالي. وأما الأمراء الطبلخانات فكانت عدتهم يومئذ نحو عشرة. وأما الأمراء العشراوات فكانت عدتهم يومئذ نحوا من ستين أميرا. وأما أرباب الوظائف من المتعممين: فالقاضي كاتب السر زين الدين أبو بكر بن مزهر، ونائبه صلاح الدين بن الجيعان، وناظر الجيش الشهابي أحمد بن الجمالي يوسف، ناظر الخاص، ومستوفي ديوان الجيش القاضي أبو البقاء بن الجيعان، وناظر الخاص علاء الدين ابن الصابوني، وقد جمع بين نظارة الخاص ووكالة بيت المال. والوزارة بيد قاسم شغيتة متحدثا فيها، وشرف الدين بن البقري ناظر الدولة، وقد جمع بين نظارة الدولة وبين نظارة الأوقاف في تلك الأيام. والبدري بدر الدين بن مزهر محتسب القاهرة، ووالي الشرطة يشبك بن حيدر الإينالي، واستادار العالية تغري بردى المعروف بالقادري، ونقابة الجيش بيد أمير حاج بن أبي الفرج، وكتابة الخزانة بيد عبد الغني بن الجيعان، وكتابة المماليك بيد يوسف بن أبي الفتح نائب جدة، ونظارة الإصطبل بيد يحيى بن البقري، ونظارة الزردخانة بيد عبد الباسط بن تقي الدين، ونظارة الكسوة الشريفة بيد رمضان المهتار، ونظر الجوالي بيد نور الدين علي البتنوني المعروف بالحنبلي. وأما أرباب الوظائف من الطواشية: فخشقدم الزمام الأحمدي، وخالص التكروري مقدم المماليك، ونائبه عنبر، وسرور شاد الحوش وغير ذلك من أرباب الوظائف لم نذكرهم خوف الإطالة في ذلك، وإنما ذكرنا الأعيان منهم. فهذا كان ترتيب أرباب الوظائف في مستهل السنة المذكورة على حكم ما ذكرناه. ثم انقلبت الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأتراك والمباشرين كما سيأتي ذكره في موضعه. وفيه، أعني هذا الشهر، توفي السيد الشريف أبو عوانة، واسمه أحمد بن أبي بكر التونسي المالكي ﵀، وكان يعرف بالعواني، وكان دينا خيرا جميل الصورة حسن الشكل، ومولده بعد الأربعين والثمانمائة. وفيه توجه السلطان إلى جهة الشرقية ليكشف على الجسور، فغاب هناك أياما ثم عاد إلى القلعة. وفيه تناهى سعر البرسيم، كل فدان مخضر باثني عشر دينارا، وبيع الدريس الحوفي كل مائة قتة بأربعمائة درهم حتى عد ذلك من النوادر. وسبب ذلك أن حب البرسيم التقاوي كان غاليا وكان النيل خسيسا، والذي طلع من البرسيم أكلت غالبه الدودة، وكان

стр. 738

سعر الغلال مرتفعا في السنة المذكورة، حتى غلا سعر الماء والروايا من عدم العلف لجمال السقائين. وفيه نزل السلطان وتوجه إلى الروضة وعدى وهو راكب، وكان معه القاضي قطب الدين الخضيري، وجماعة من الخاصكية، فتوجه إلى خرطوم الروضة، وعدى وأقام به إلى آخر النهار، ونصب له هناك خيمة سحابة وموخر، فطاب له ذلك المكان، فأمر ببناء قصر مطل على الأربع جهات هناك، فلم يتم له ذلك. وفيه كان دخول الحاج في خامس عشرية، وقد حصل لهم بموت الجمال وشدة الغلاء مشقة زائدة. وان أمير ركب المحمل أزدمر، وبالركب الأول برسباي اليوسفي. وقد جاور أكثر الناس، وانقطع جماعة بالينبع، ولم يدخلوا القاهرة إلا بعد أيام. وفيه توجه أقبردي الدوادار إلى جهة الصعيد، بسبب فساد أولاد ابن عمر. وفيه توجه السلطان إلى قبة يشبك الدوادار التي بالمطرية، فلما رجع نزل عن فرسه وزار تربة الطاهر برقوق، وكشف عن أحوالها. ثم عاد إلى القلعة، وألزم سرورا شاد الحوش بعمل مصالح الصوفية التي بتربة الظاهر برقوق. ***** وفي صفر قتل القاضي تقي الدين أبو بكر المعروف بخروف، قتل ببولاق ولا يعلم من قتله. وكان رئيسا حشما لا بأس به. وكان ترشح أمره بأن يلي قضاء الحنفية في جولة الظاهر خشقدم، وقد سعى له ابن العيني. وفيه خسف جرم القمر، وأظلم الجو، واستمر على ذلك نحوا من خمسين درجة. وفيه توفي سيدي موسى بن الخليفة المتوكل على الله، عم أمير المؤمنين أبي العز عبد العزيز، وكان رئيسا حشما وفاتته الخلافة عدة مرار. وقد تولى أربعة من أخوته وهو مبعد لقلة حظه. وكان مولده قبل العشرين والثمانمائة. وفيه جاءت الأخبار بوقة ع فتنة عظيمة بين عربان جبل نابلس، وقتل فيها أقبردي بن بخشايش الإينالي استادار الأغوات. وقتل أيضا جماعة كثيرة من العربان. منهم: أبو بكر أمير حزم، ويوسف بن الجيوسي أحد المشايخ بنابلس، وجماعة كثيرة من أولاد اسماعيل، وأولاد عبد القادر، وكانت فتنة شنيعة مهولة. فلم بلغ السلطان ذلك عين أقبردي الدوادار الكبير بأن يتوجه إلى جبل نابلس، ويخمد هذه الفتنة التي بين العربان، فخرج مبادرا إلى ذلك.

стр. 739

وفيه كانت وفاة قاضي قضاة الشافعية كان، وهو ولي الدين أحمد الأسيوطي ابن أحمد بن عبد الخالق بن عبد العزيز بن محمد القاهري الشافعي، وكان عالما فاضلا محمودا في أيام قضائه، ورئيسا حشما سيوسا في أفعاله. ولى القضاء الأكبر ومشيخة الجمالية، والناصرية، وعدة تداريس، وأقام في القضاء، وهو مع الناس في أحسن سيرة، ودام فيها ست عشرة سنة، والناس راضون عنه، وكان مولده سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وفيه جاءت الأخبار من حلب، بأن العسكر المصري تقاتل مع عسكر ابن عثمان، وانتصر على عسكر ابن عثمان، وقتل منهم جماعة كثيرة نحوا من أربعين ألفا من توابع عسكره، وقبض على أحمد بك بن هرسك، وكان باش عسكر ابن عثمان وأجل أمرائه - ومعه جماعة من الأمراء أصحاب الصناجق العثمانية، وأسروهم وأودعوهم في الحديد، فلما بلغ السلطان ذلك سر به. ***** وفي ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي، وكان حافلا، لكن كان أكثر الأمراء غائبا بالتجريدة. ولم يكن بمصر من الأمراء المقدمين سوى ثلاثة مقدمين. وفيه توفي القاضي حسن بن عرب، وهو علي ابن عمر الطنبدي الشافعي، أحد نواب الشافعية بالحكم بالديار المصرية، وكان لا بأس به. وفيه اختفى القاضي شهاب الدين أحمد ناظر الجيش، أخو القاضي كمال الدين، فلما اختفى خلع السلطان على البدري محمد ابن القاضي كمال الدين ناظر الجيش، وقرره في نظر الجيش، عوضا عن عمه الشهابي أحمد بحكم اختفائه. وكان البدري هذا حديث السن، لما تولى نظر الجيش، لم يلتح بعد. وفيه قرر شاهين الجمالي في مشيخة الحرم النبوي. وفيه توفي المسند شمس الدين محمد البساطي الشافعي، وكان علامة في الحديث، وكان دينا خيرا لا بأس به. وفيه وصل دوادار نائب حلب، وأخبر بصحة كسرة ابن عثمان، والقبض على أحمد بك بن هرسك، وجماعة من أمراء ابن عثمان، وأعيانهم. وقد أخذ العسكر المصري من النهب ما لا يحصى من خيول وجمال وسلاح وبرك وقماش وغير ذلك، وأخذوا صناجقهم، وكانوا نحوا من مائة وعشرين صنجقا، وقد قطعت عدة وافرة من رءوس عسكر ابن عثمان، وسيحضرن صحبة قيت الرحبي الساقي الخاصكي … فسر السلطان لهذا الخبر، وخلع على دوادار نائب حلب خلعة حافلة.

стр. 740

وفيه سقط الصاري الخشب الذي تعلق فيه القناديل في رمضان بمنارة جامع القلعة، فأخذ الناس يتفاءلون بشيء يحدث للسلطان عن قريب. فلما كان اليوم الثاني من انكسار الصاري، ركب السلطان على فرس وسير في الحوش، ثم ساق ونخع الفرس باللجام، فشب به وانقلب على السلطان، فسقط إلى الأرض وبقيت رجله تحت جنب الفرس، فانكسرت رجل السلطان من عند عظمة فخذه كسرا بليغا، فأغمي عليه، وسال منه الدم، فأرجفت القلعة بموت السلطان، واضطربت أحوال القاهرة بسبب ذلك، وكثر القال والقيل بين الناس، ولم يشك في موته أحد، بل تيقنوا ذلك. فحمله بعض الخاصكية، وهو مغمي عليه، وأدخله إلى قاعة الدهيشة. فتسامع الأمراء بذلك، فطلعوا إليه، ثم طلع كاتب السر ابن مزهر، فلما دخل عليه قال له اكتب في الحال في هذه الساعة مراسيم، وأرسلها إلى نائب حلب، لتطمئن الأمراء والعسكر بسلامة السلطان من هذا العارض. وقد حصل له السلامة والشفاء عن قريب، فكتب المراسيم بصورة الحال، وأدرجت على يد هجان في أثناء ذلك اليوم، وتوجه إلى حلب، وقد نظم بعض شعراء العصر يعتذر عن هذه الواقعة بهذين البيتين وهما قوله: وقد زعموا أن الجواد كبا به … وحاشاه من عيب يضاف إليه ولكن رأى سلطان عز وهيبة … فقبل وجه الأرض بين يديه وفيه توفي الشيخ صالح زين الدين عبد الرحيم ابن ابراهيم بن حجاج الإبناسي القاهري الشافعي، وكان عالما فاضلا دينا خيرا صالحا، منجمعا عن أبناء الدنيا، متصوفا على طريقة السلف، متواضعا جدا، وطلب للقضاء غير ما مرة، وهو يأبى من ذلك، ولما مات دفن بزاوية الشيخ شهاب الدين التي بحدرة الفول عند بركة الرطلي. ***** وفي ربيع الآخر طلع القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر، فأذن لهم بالدخول على السلطان وهو في القاعة التي بالدهيشة، وهي قاعة الحريم، فلما دخلوا عنده وجدوه على سرير وقد قوروا له الفرض من تحته، ورجله قدامه، وهو لا ينام ولا يتحرك، وكان الأمراء والمباشرون يدخلون عليه كل يوم، ويعطونه الخدمة، وهو جالس على ذلك السرير فيدعون له وينصرفون.

стр. 741

وفيه وصل قيت الساقي من حلب، ومعه عدة وافرة من الرءوس التي قطعت من عسكر ابن عثمان. فلما دخل إلى القاهرة، زينت له زينة حافلة، واصطفت الناس للفرجة، فدخل وقدامه الرءوس محمولة على الرماح، وكان عدتها ما يزيد على مائتي رأس. فلما طلع إلى القلعة، ووقف أرباب الدولة كل واحد في منزلته، على العادة، وغطيت الدكة التي يجلس عليها السلطان بالملاءة الحرير … فلما استقر قيت الساقي بالحوش، باس الأرض إلى نحو الدكة، فأحضرت له خلعة ولمن كان صحبته من المماليك السلطانية، فلبسوا تلك الخلع، ونزلوا في موكب حافل. وكل ذلك والسلطان منقطع في القاعة، وهو في غاية التألم من رجله. وقيل أن السلطان فرق على الفقراء، في مدة انقطاعه بهذا العارض، نحوا من ألف دينار على يد قطب الدين الخضيري، ثم أنه بعد أيام علم على أربعة مراسيم. وكان العلامة قد تعطلت أيام مرضه. وفيه توفي الشيخ جلال الدين البكري، وكان علامة في مذهب الإمام الشافعي ﵁ ورحمه. وكان اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد الديروطي الشافعي. وكان عالما فاضلا بارعا في العلوم، ناب في القضاء مدة طويلة، وتولى قضاء الإسكندرية، ثم تولى مشيخة الخانقاه البيبرسية، وكان بيده عدة تداريس، ومولده سنة سبع وثمانمائة. وفيه رسم السلطان على لسان القاضي كاتب السر ابن مزهر بأن يجمع رءوس النوب، والنقباء الذين بأبواب الحكام، ويكتب عليهم قسائم أنهم لا يأخذون من الأخصام عند انفصالهم من الحكم، أكثر من نصفين، فجمعهم وكتب عليهم قسائم بذلك، فأقام هذا الأمر مدة يسيرة، ثم عادوا لما كانوا عليه. وفيه قرر شيخنا الجلال السيوطي في مشيخة البيبرسية، عوضا عن الجلال البكري، بحكم وفاته. وكان الساعي له السيد الخليفة عبد العزيز. وفيه هجم المنسر على سوق باب الشعرية، وقتلوا البواب، وفتحوا عدة دكاكين، وأخذوا ما فيها، وخرجوا من الباب، وتوجهوا من حيث أتوا. ***** وفي جمادي الأولى حملوا السلطان وهو على السرير، وخرج إلى الدهيشة، وجلس بالشباك المطل على الحوش، وعرض قدامه عدة خيول، فحصل للناس الاطمئنان عليه.

стр. 742

وفيه حصل للسلطان الشفاء، ودخل الحمام. فلما كان يوم الجمعة ركب من باب الدهيشة وتوجه إلى الجامع، وصلى الجمعة، وكان له بالقلعة يوم مشهود، وتخلق الخدام بالزعفران، وفرقت خوند على الناس البنود الحرير الصفر، للخدام والخاصكية، والزمام ومقدم المماليك والغلمان السلطانية قاطبة، وأعيان الناس من الحجاب، ورءوس النوب، ونقباء الجيش وغير ذلك من الأعيان. ولما رجع السلطان من الجامع لاقته النسوة بالتهاني، ونثرت خوند على رأسه خفائف الذهب والفضة، وفرشت له الشقق الحرير تحت حوافر فرسه، وكان يوما حافلا بالقلعة. وخلع على الأطباء والمزينين الخلع السنية، ودقت له البشائر بالقلعة، ونودي بالزينة في القاهرة. فلما كان الثاني من يوم ركوبه حضر الخليفة والقضاة الأربعة وهنأوا السلطان بالعافية، وجلس بالدكة، وحكم بين الناس. وكان مدة انقطاع لهذا العارض نحوا من ثلاثة وخمسين يوما. وكان الناس قد أيسوا منه، وعد ركوبه من النوادر بعد ذلك العارض المهول عند الكبر. وقد قال القائل في ذلك: الله يدفع عن نفس الإمام لنا … وكلنا للمنايا دونه غرض فليت هذا الذي يعروه من مرض … بالعائدين جميعا لا به المرض ففي الإمام له من غيرنا عوض … وليس في غيره منه لنا عوض فما أبالي إذا ما نفسه سلمت … لو باد كل عباد الله وانقرضوا ***** وفي جمادي الآخرة جاءت الأخبار بأن عسكر ابن عثمان، لما حصلت لهم تلك الكسرة، تجمع جيشا كثيفا، ورجع إلى المحاربة ثانية، وأن عسكر السلطان بعد أن رجع إلى حلب، خرج ثانية إلى نحو كولك. فتنكد السلطان إلى الغاية لهذا الخبر. ونادى للعسكر بالعرض، فعرض وعين جماعة من الأمراء المقدمين والجند، فكانوا نحوا من خمسمائة مملوك. وكان عليهم يشبك الجمالي الزردكاش الكبير أحد المقدمين ثم أنفق عليهم واستحثهم على الخروج إلى حلب. وضاق الأمر بالسلطان حتى قصد أن يخرج إلى التجريدة بنفسه. وأرسل السلطان إلى كرتباي الأحمر كاشف البحيرة بأن يجمع له من

стр. 743

طائفة العربان الذين بالبحيرة ما يقدر عليه، ثم عرض جماعة من الزعر، وقصد أن ينفق عليهم لكل واحد ثلاثين دينارا، وأن يخرجوا صحبته، وصار ينظر ما يرد عليه من الأخبار. وفيه جاءت الأخبار بوقوع فتنة كبيرة ببلاد فاس، من أعمال الغرب، وقد حصل بين صاحب فاس والفرنج ما لا خير فيه من الحروب وقتل العساكر، وأن صاحب غرناطة توجه إلى عمه يسأله أن يرسل له نجدة تعينه على قتال صاحب قشتالة، وأن الفتن هناك قائمة والأمر لله. وفيه خرج الأمير يشبك الجمالي ومن عين معه من الجند إلى جهة حلب، فكان لهم يوم مشهود. ***** وفي رجب جاءت الأخبار بوفاة دولات باي المحوجب الشرفي نائب ملطية، وكان عنده شجاعة وفروسية. وتوفي قانم أمير شكار المحمدي الظاهري، أحد الأمراء العشراوات، وكان لا بأس به. وفيه توفي السيد الشريف علي، أخو أمير مكة المشرفة، وهو علي بن بركات بن حسن بن عجلان الهاشمي العلوي. وكان مقيما بالقاهرة من حين فر من أخيه وحضر إلى مصر، فأتاه الأجل بها، وكان رئيسا حشما فاضلا ذكيا لا بأس به. ومولده بعد الخمسين والثمانمائة. ***** وفي شعبان طلع القضاة الأربعة إلى القلعة للتهنئة بالشهر، فكثرت المرافعات في قاضي قضاة الحنفية شمس الدين الغزي، فحنق منه السلطان، ورسم لنقيب الجيش بالقبض عليه في المجلس، وتوجه به إلى المدرسة الصالحية ليقيم حساب أوقاف الحنفية، وجرى عليه ما لا خير فيه، واستمر في الترسيم إلى أن عزل. وفيه كان وفاء النيل المبارك وقد أوفى في ثاني عشر مسرى. فتوجه الأمير أزدمر تمساح وفتح السد. وكان الأتابكي أزبك غائبا في التجريدة. ومن النوادر أن النيل زاد في ذلك اليوم عشرين أصبعا من الذراع السابع عشر في يوم كسره، واستمرت الزيادة عمالة حتى أنه زاد في ثلاثة أيام متوالية من الوفاء تسعة وتسعين أصبعا، حتى عد ذلك من النوادر الغريبة: الزيادة، وقد قيل في المعنى:

стр. 744

وفي النيل إذ وفي البسيطة حقها … وزاد إلى ما جاده من صنائع فماذا يقول الناس في جود منعم … يشار إلى أنعامه بالأصابع وفيه نزل السلطان إلى الميدان، وجلس بالمقعد الذي به، وعرض المحابيس من رجال ونساء، وأطلق منهم جماعة. ثم أمر بتوسيط أحمد بن بشارة شيخ العشير ببلاد صفد. وفيه عاد الأمير أقبردى الدوادار من جبل نابلس، ومعه عدة من العربان، وهم في الحديد. وقد قبض على أعيان مشايخهم. ***** وفي رمضان كان أول ما خطب بمدرسة الصاحب الزمام التي أنشأها بخط باب الرميلة، وقد جاءت من أحسن البناء، وكان أصلها قاعة، فصنع بها محرابا واتخذها مدرسة وخطب بها. وفيه توفي شمس الدين محمد الديجوري، أحد نواب الحكم من الشافعية، وكان إنساسا حسنا لا بأس به، ومولده سنة تسع وعشرين وثمانمائة. وفيه قبض على إنسان وهو سكران في رمضان، فضرب بالمقارع، وجرس بالقاهرة. وفيه جاءت الأخبار بوفاة العلائي على بن شاهين العثماني نائب قلعة دمشق. وكان رئيسا حشما لا بأس به. وفيه كان ختم البخاري بالقلعة في الحوش. وكان ذلك على خلاف العادة. وفيه تغير خاطر السلطان على خشقدم الزمام لأمر وقع له وكانت كائنة عظيمة. وقصد الأخراق به وأمر بضربه، حتى شفع فيه، ثم آل أمره بعد ذلك إلى أن نفاه إلى جهة قوص، كما سيأتي ذكر ذلك. ***** وفي شوال جاءت الأخبار بوفاة برد بك سكر أتابك العساكر بطرابلس، وكان شابا حسنا حشما لا بأس به، ولكن وقع له شدائد ومحن ونفي من مصر، وكان من خواص السلطان، ثم تغير خاطره عليه وجرى له أمور شتى.

стр. 745

وفيه خلع السلطان على الشيخ ناصر الدين محمد بن الأخميمي شيخ المدرسة البرقوقية، وقرره في قضاء الحنفية، عوضا عن شمس الدين الغزي، بحكم انفصاله عنها. وجرى على الغزي أمر يطول شرحها. وفيه خرج الحاج من القاهرة في تجمل زائد، وكان أمير ركب المحمل أزدمر تمساح على العادة. وفيه رسم السلطان بتوسيط شخص من أعيان المفسدين في الأرض، يقال له حمور، ووسط معه جماعة آخرين مفسدين في الأرض، فنزل حمور من القلعة وهو مسمر على لعبة من الخشب، غريبة الهيئة تجر بالعجل، ولها حركات تدور بها، فرجت الفاهرة في ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا. وتوجهوا به إلى جزيرة الفيل، فوسطوهم هناك وأراح الله الناس منهم. وفيه أرسل السلطان تجريدة إلى البحيرة بسبب فساد محمد الجويلي شيخ عربان البحيرة، وكان باش الجند قرقاس المعلم، أحد الأمراء العشراوات، وأسباي المبشر وأزبك قفص وماماي ونحو من مائتي مملوك من المماليك السلطانية، فلما وصلوا إلى البحيرة تقاتلوا مع الجويلي أشد القتال، وقتل من الترك والعرب جماعة كثيرة، ورجع العسكر من غير طائل، ولا حصلوا من الجويلي على شيء. وفيه وقعت نادرة: وهو أن مركبا ببولاق عدت تحت الليل، فغرقت في وسط البحر بمن فيها من الناس والدواب. ومن العجائب أنه كان بها إنسان علامة في السبحة إلى الغاية فغرق ولم يعلم له خبر، وكان إلى جانبه صبي صغير لا يعرف السباحة فنجا من الغرق، وطلع فعد ذلك من النوادر، كما قيل في المعنى: وقد يهلك الإنسان من باب أمنه … وينجو بعون الله من حيث يحذر وفيه توفي الشيخ قلج الرومي الأدهمي، شيخ زاوية السلطان بالمرج والزيات، فلما مات قرر في مشيخة الزاوية امرأة، وهي زوجة قلج المذكور، فعد ذلك من النوادر، وكانت المرأة تقرب لجهان شاه. وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن العسكر قد ثار على الأتابكي أزبك، وقصد العود إلى القاهرة، فتشوش السلطان لهذا الخبر. فأرسل السلطان إليهم نفقة هناك. فأنفق الأتابكي أزبك عليهم هناك لكل مملوك خمسين دينارا، حتى خمدت الفتنة.

стр. 746

وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان، وتوجهوا إلى بيت البدري بدر الدين ابن مزهر المحتسب، وقصدوا حرق بيته فاختفى، وذلك بسبب تسعير البضائع من اللحم والخبز والجبن وغير ذلك، وثم توجهوا إلى الشون وكسروا أبوابها، ونهبوا ما فيها من القمح والشعير، وفعلوا ذلك بشون السلطان والأمراء وكانت فتنة مهولة. فلما بلغ السلطان بنفسه بعد العصر، وتوجه إلى بولاق. فلما رأوه فروا من وجهه، ثم أتوا إلى دار الصاحب قانم، فنهبوا كل ما فيها. فلما أصبحوا لم ينتهوا عما هم عليه، ولم يطلع أحد من المباشرين إلى القلعة. ثم أن القاضي كاتب السر ترامي على السلطان، وقبل رجله ثلاث مرات، بأن يعفي ولده بدر الدين من الحسبة، فما أجاب إلا بعد جهد جهيد. وفيه توفي الكاتب المجيد الزيني خطاب بن عمر ابن خطاب الأزهري الشافعي، وكان فاضلا وله اشتغال بالعلم، وكتب المنسوب من الخط الجيد، وكان له في ذلك دعاوى عريضة جدا. وفيه يقول الشهاب المنصوري: بذي التهذيب خطاب تسامت … صحائف زانها خطا وضبطا فلو نطق الطروس لفضلته … وقالت أجود الكتاب خطا (١) وفيه وصل قيت الساقي الخاصكي، الذي كان قد توجه إلى يعقوب بن حسن الطويل، فعاد معه مكاتبة بإظهار التودد وصدق المحبة للسلطان. وفيه توفيت خوند آسية بنت المؤيد شيخ، وهي والدة سيدي يحيى بن يشبك الفقيه، الذي كان دوادار كبيرا. وكان حصل لها تأسف على ولدها يحيى لما مات فكف بصرها في أواخر عمرها. ومولدها سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وكانت آخر من توفي من أولاد الملك المؤيد شيخ. ***** وفي ذي القعدة ظهر برهان الدين بن الكركي أمام السلطان، وكان مختفيا من حين تغير خاطر السلطان عليه، فشفع فيه بعض الأمراء حتى ظهر وقابل السلطان، ونزل إلى داره بطالا.

стр. 747

وفيه خلع السلطان على أقبردي الدوادار وقرره في الوزارة، وكان متكلما فيها بغير تقرير. وقرر موفق الدين بن القمص الأسلمي في نظر الدولة، عوضا عن قاسم شغيتة، بحكم صرفه عن الوزارة ونظر الدولة، فوكل به، وأقام في الترسيم حتى بعمل الحساب. وفيه خلع السلطان على كسباي الشريفي، وقرره في الحسبة عوضا عن البدري ابن مزهر بحكم استعفائه. وفيه رسم السلطان بتوسيط عبد العزيز المعروف بعزوز، من أولاد بني عمر أمير عربان هوارة، ووسط معه جماعة من أقاربه، وهم يعقوب ابن سليمان، وموسى بن عبد الله وموسى بن أبي لاسون، وعلي أخو عزوز، ومحمد بن بشارة، فكانت آجالهم متقاربة من بعضها. وفيه بلغ سعر الأرز إلى ستة أشرفية كل أردب ولا يوجد. ثم عز جدا حتى تناهى سعره إلى اثني عشر دينارا كل أردب، حتى عد ذلك من النوادر. وفيه رسم السلطان بتوسيط شخص من كبار المفسدين، يقال له أحمد الدنف، وله حكايات في فن السرقة يطول شرحها. وفيه حضر جماعة من الجند ممن كان مسافرا في التجريدة، وقد حضروا من غير إذن من السلطان وقصدوا الإخراق بالأتابكي أزبك باش العسكر، وهو بحلب، فقال لهم: "الذي يقصد بالرواح إلى مصر يروح ويقابل أستاذه". فساروا في الدس ثم قويت الإشاعات بوقوع فتنة كبيرة، وصار جماعة من المماليك الجلبان يقفون للأمراء بالسلم المدرج ويقولون لهم: "قولوا للسلطان ينفق علينا وإلا يقع منا فتنة كبيرة". وصاروا يغلظون عليهم في القول، وصار القال والقيل عمالا كل يوم بينهم وبين الأمراء، والإشاعات قائمة بوقوع فتنة، وقصدوا الإخراق بالأمير أقبردي الدوادار غير ما مرة، حتى امتنع أياما من طلوع القلعة. وفيه قرر في قضاء الحنفية بدمشق، القاضي زين الدين عبد الرحمن الحسباني، عوضا عن عماد الدين اسماعيل الناصري بحكم صرفه عنها. وفيه جاءت الأخبار بوفاة قاضي مكة المشرفة، البرهان بن ظهيرة الشافعي. وهو ابراهيم بن علي ابن محمد بن حسين بن علي بن أحمد. وكان عالما فاضلا بارعا في العلوم رئيسا حشما، انتهت إليه رياسة مكة المشرفة، وكان المرجع إليه بها. ولما مات قرر في قضاء الشافعية بمكة المشرفة ولده أبو السعود عوضا عنه.

стр. 748

وفيه كان دخول الأتابكي أزبك وبقية الأمراء والجند ممن كانوا مسافرين في التجريدة إلى علي دولات وإلى عسكر ابن عثمان، فلما دخلوا إلى القاهرة كان لهم يوم مشهود. وقدامهم الأسراء من عسكر ابن عثمان، وهم مزندرين والصناجق منكسة، وكان صحبتهم جماعة من أعيان أمرائه، وهم بزناجير على خيولهم، وصحبتهم أيضا باش عسكر ابن عثمان، وهو أحمد بك بن هرسك، وهو راكب وفي عنقه زنجبير. وقيل أن ابن هرسك كان أميرا كبيرا أتابكي ابن عثمان. فلما عرضوا على السلطان وهو بالحوش، عاتب أحمد بن هرسك ووبخه بالكلام. ثم سلمه إلى الأمير قانصوه خمسمائة أمير آخور كبير، ثم وزع بقية الأسراء على جماعة من المباشرين، حتى قضاة القضاة. ثم خلع على الأتابكي أزبك وعلى بقية الأمراء ونزلوا إلى دورهم. وفي عقيب ذلك ثار جماعة من المماليك الجلبان على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وأشهروا السلاح - وكان ذلك في سلخ الشهر المذكور - فاضطربت الأحوال، ووزع أكثر الأمراء والناس حوائجهم في الحواصل، وغلقت الأسواق والدكاكين، وجاءت الزعر أفواجا أفواجا. وقبل ذلك توجه جماعة من المماليك الجلبان إلى بيت أقبردى الدوادار، وتكلموا معه في أن يتكلم مع السلطان بأن ينفق عليهم في نظير تعب سرهم بسبب هذه النصرة التي وقعت لهم على عسكر ابن عثمان، وسألوه أيضا فيمن يعمل مصالحهم في مرتب اللحم والعليق. فلما اجتمع أقبردى بالسلطان كلمه في ذلك غير ما مرة وهو مصمم على عدم إجابتهم على ما سألوه فيه، فلما عاد الجواب لهم بعدم الإجابة في ذلك ثاروا عليه، واتسعت الفتنة، وغلقت الأمراء أبوابها، واستمر الحال على ذلك. ***** وفي ذي الحجة لم يطلع أحد من القضاة إلى القلعة بسبب التهنئة بالشهر، وكانت الفتنة قائمة كما تقدم، ثم طلع الأتابكي أزبك إلى القلعة واجتمع بالسلطان وكلمه في أمر النفقة على المماليك، وتلطف به في القول فما أجاب إلى ذلك إلا بعد جهد كبير، فتقرر الحال على أنه ينفق عليهم لكل مملوك منهم خمسون دينارا، ثم نادى في القاهرة بأن النفقة ستكون في أول السنة الجديدة، فخمدت هذه الفتنة شيئا قليلا. وفيه جلس السلطان على الدكة بالحوش، وحضر الأتابكي أزبك وفرقت الأقاطيع الشاغرة عمن توفي في هذه التجريدة من الجند، وصار الأتابكي أزبك هو المشار إليه في هذا الأمر.

стр. 749

وفيه أنعم السلطان على أقباي بن جانم الظاهري خشقدم بأمرية عشرة، وهي أمرية أصباي السيفي قرقماش الشعباني بحكم أنه كان مريضا منقطعا في داره. وأنعم على أبي شعرة بأمرية عشرة، وهي أمرية قراكز بحكم عزله أيضا. وفيه كانت الضحايا قليلة جدا ولا سيما الغنم. وفيه جلس السلطان لتفرقة الجامكية، فامتنع المماليك من أخذها وصمموا وقالوا: "ما نأخذ إلا النفقة مع الجامكية، ولا نصبر إلى الشهر الآتي". .. فلما رآهم قد صمموا على ذلك أنفق عليهم، فأعطى المماليك الجلبان كل واحد منهم خمسين دينارا، وأعطى القرانصة كل واحد منهم خمسة وعشرين دينارا، ولم يعط الذين لم يتوجهوا نحو التجريدة المقيمين، ووقع القال والقيل بسبب ذلك، فلم يلتفت إلى شيء من كلامهم وخمدت هذه الفتنة. سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة (١٤٨٦ م): فيها، في المحرم، كانت الأسعار متشحطة ومشطة في سائر البضائع، وتشحط الخبز من الدكاكين، حتى بيع كل رطل من الخبز بنصف فضة، وكانت أحوال الناس واقفة بسبب الفلوس الجدد حتى غلا سعر راوية الماء، وعز وجود جمال السقائين، وصار الغلاء في المأكول والمشروب … هذا والمماليك قد طغوا في حق الناس، وتزايد منهم الضرر الشامل، والعربان قد تزايدت شرورهم في البلاد من الشرقية والغربية، وابن عثمان في غاية التحرك على البلاد الحلبية، والسلطان في غاية الظلم والمصادرات للناس بسبب خروج التجريدة إلى ابن عثمان ثانيا. وصار العسكر في أمر مريب بسبب ذلك، والإشاعات قائمة بوقوع فتنة بين الجلبان، وقد صاروا فرقتين: فرقة مع قانصوه خمسمائة، وفرقة مع أقبردي الدوادار … والاضطراب بينهما عمال. وفيه جاءت الأخبار من ثغر دمياط بوفاة الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق. وكان ملكا جليلا وله اشتغال بالعلم على مذهب أبي حنيفة ﵁ ورحمه، حتى صار مفتيا في طبقة العلماء، ومات وهو في عشر الخمسين من العمر. فلما بلغ السلطان وفاته رسم بنقل جثته إلى مصر ودفن على أبيه الملك الظاهر جقمق، وشرع في أسباب ذلك، وعين من يتوجه إلى هناك ليحضره.

стр. 750

وفيه رسم السلطان بفك قيد أحمد بن هرسك الذي قد أسر، وكذلك فك قيود من أسر من عسكر ابن عثمان. وأخذوا في أسباب تجهيزهم إلى بلادهم، وقد أشيع أمر الصلح بين السلطان وابن عثمان. وفيه اشتد أمر الغلاء جدا حتى بيع القمح كل أردب بستة أشرفية، وبيعت البطة الدقيق بأربعمائة وخمسين درهما، وبيع خبز الذرة … ولم يظهر خبز الذرة فيما تقدم من الغلوات المشهورة حتى صنف العوام رقصة وهم يقولون: زويجي دي المسخرة … يطعمني خبز الذرة وصار يموت الكثير من الفقراء على الطرقات من شدة الجوع. ثم أن السلطان فتح عدة شون وباع منها القمح على حكم خمسة أشرفية كل أردب، وصار المحتسب يضرب الكثير من السوقة على عدم بيع الخبز وإظهاره على الدكاكين. وفيه أنعم السلطان على مملوكه قيت الساقي بأمرية عشرة، وكذلك مغلباي البجمقدار، وقرر قيت الرحبي بجمقدار عوضا عن مغلباي. وفيه حضرت جثة الملك المنصور عثمان من ثغر دمياط ودفن على أبيه الظاهر جقمق بتربة قاني باي الجركسي. وفيه قدم إينال الخسيف نائب صفد أحد مماليك السلطان، فلما حضر أرسل السلطان خلعة وتقليدا إلى يلباي حاجب دمشق وقرره في نيابة صفد عوضا عن إينال، الخسيف، ثم بعد مدة قرر إينال الخسيف في حجوبية دمشق عوضا عن يلباي بحكم انتقاله إلى نيابة صفد. وفيه توفي الشيخ شمس الدين محمد بن سوله الفارسكوري، وكان من أعيان الشافعية من أهل العلم والفضل وكان لا بأس به. وفيه توفي المنشد المطرب الواعظ المادح شمس الدين محمد بن حلة، وكان من مشاهير الوعاظ وله نظم جيد، ومولده قبل العشرين والثمانمائة. وفيه انحل سعر القمح وبيع الأردب القمح بأربعة دنانير بعد ستة أشرفية بواسطة كثرة جلب الذرة، وقد حصل للناس به غاية الرفق. *****

стр. 751

وفي صفر خسف جرم القمر وأظلم الجو ودام في الخسوف نحوا من خمسين درجة، فلهج الناس بأن زوال السلطان قد قرب … وما كان شيء مما لهجوا به، وأقام السلطان بعد ذلك مدة طويلة، فكان كما قيل في المعنى: لا تفعل الشمس شيئا ولا القمر … وعن خسوفهما لا يصدر الكدر وفيه توفي الشيخ نظام الدين محمد بن الحيبغا الحنفي التركي، وكان عالما فاضلا من أعيان الناس، وكان رئيسا حشما وجيها عند الناس، في سعة من المعيشة، وفيه يقول المنصوري: سبحان من من بحسن الكلام … على نظام الدين دون الأنام فلفظ أهل العلم در، ولا … يزين ذاك الدر إلا بالنظام وفيه جاءت الأخبار من مكة المشرفة بوفاة الأمير قانصوه السيفي الأحمدي الإينالي الذي كان أحد المقدمين، ونفي إلى دمياط، ثم نقل إلى مكة المشرفة المشرفة فمات بها، وجرى عليه شدائد ومحن، وكان من أعيان طائفة الإينالية، وهو الذي تعصب للأشرف قايتباي حتى تسلطن فما ناله منه خير كما يقال: رب من ترجو به دفع الأذى … سوف يأتيك الإذى من قبله وقيل أنه كان يقول في مجالس بسطه: "لولا أنا ما فرح قايتباي بالسلطنة قط". .. فلما سمع السلطان قايتباي ذلك جرى على قانصوه ما لا خير فيه. وكان يطلق لسانه في حق الأمير بما لا يليق، فحقد عليه السلطان بسبب ذلك كما قيل في المعنى: وقد يرجى لجرح السيف برء … ولا برء لما جرح اللسان ***** وفي ربيع الأول توفي الأمير ملاج اليوسفي نائب القلعة، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان دينا خيرا رئيسا حشما عاقلا عارفا بفنون الفروسية، وكان لا بأس به.

стр. 752

وفيه تعدى شخص من العوانية واحتكر بيع الملح وضمنه بمكس - ولم يكن يعهد ذلك من قبل - فلما جرى ذلك نشفت الملاحة في تلك السنة حتى عز وجود الملح جدا. وفيه عمل السلطان المولد النبوي، وكان حافلا على العادة. ***** وفي ربيع الأول توفي الشيخ الصالح المعتقد سيدي عبد العظيم السدار، الذي كان يبيع السدر والحناء عند الغرابليين، وكان للناس فيه اعتقاد زائد. وهو عبد العظيم بن ناصر الدين بن خلف المصري، ومولده بعد العشرين والثمانمائة. وفيه توفي الشيخ محي الدين عبد القادر الفرضي، وكان علامة في الفرائض. وهو عبد القادر بن علي بن شعبان القاهري الحنفي، وكان إمام جامع أصلان. ***** وفي جمادي الأولى توفي الشيخ بدر الدين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي، وكان فاضلا ناب في الحكم، وكان محمود السيرة. وفيه جاءت الأخبار من عند الأمير أقبردى الدوادار بأنه قد انتصر على العرب الأحامدة، وكان توجه إلى بلاد الوجه القبلي بسبب ذلك فقتل منهم ما لا يحصى، وأسر نساءهم وأولادهم وبعث بهم إلى مصر وباعوهم كما يباع الرقيق من الزنج. ووقع لأقبردى مع الأحامدة أمور غريبة يطول شرحها، عذب جماعة منهم بالدفن في التراب وهم أحياء، ونوع لهم العذاب تنويعا، وقد طهر بلاد الصعيد منهم، وكانوا أظهروا الفساد بها جدا. وفيه توفي القاضي سراج الدين عمر بن حريز المالكي. وهو عمر بن أبي بكر بن محمد بن محمد بن محرز، الهاشمي القرشي العلوي الحسني المنفلوطي المالكي. وكان عالما فاضلا دينا خيرا، وتولى قضاء المالكية بعد أخيه حسام الدين، وجرى عليه شدائد ومحن، وعزل عن القضاء ودام معزولا حتى مات. وفيه افتتنت طائفتان من الزعر ووقع بينهم أمور وشدائد يطول شرحها، وصار يقتل بعضهم بعضا جهارا حتى أعيا الوالي أمرهم. ***** وفي جمادي الآخرة توفي برد بك طرخان الظاهري جقمق. وكان إنسانا حسنا لا بأس به، وكان بيده أمرية عشرة يأكلها وهو طرخان.

стр. 753

وفيه أمر السلطان بتجديد عمارة قناطر بني منجا، فخرج البدري حسن بن الطولوني ومعه جماعة من البنائين والمهندسين بسبب العمارة، وصرف على ذلك نحوا من سبعة آلاف دينار. وكانت هذه القناطر قد تشعثت وآلت إلى السقوط، فتدارك السلطان ذلك، وجاءت من أحسن البناء. وفيه توفيت ست الخلفاء بنت الخليفة المستنجد بالله سيدي يوسف، وكانت بارعة في الحسن، فكثر عليها الحزن والأسف من الناس. وكانت أمها بنت قاضي القضاة البلقيني. وكان عقد لها على الأمير خشكلدي البيسقي ثم فسخ العقد قبل الدخول، ثم تزوج بها كاتب السر ابن مزهر، ثم تزوجت بالقاضي قطب الدين الخيضري، ثم تزوجت بعده بالسيد الشريف إسحاق البرديني وماتت تحته، وكان مولدها سنة ستين وثمانمائة. وفيه، في يوم الجمعة، كان عقد قانصوه خمسمائة على بنت الأتابكي أزبك من خوند بنت الظاهر جقمق، عقد بجامع القلعة، وحضر القضاة الأربعة وأعيان الناس. وكان عقدا حافلا، وأحضر السلطان عدة زبادي صيني فيها سكر ومشنات فاكهة فرقت في القلعة، فكان كما قيل: على أيمن الساعات عقد مبارك … بهى كما شاء الإله وأظهرا سنى المعالي يسرت حركاته … إذا الله سنى عقد أمر تيسرا وفيه جاءت الأخبار بأن جانم الأجرود الإينالي كاشف منفلوط قد فر إلى بلاد النوبة، وكان السلطان أرسل بالقبض عليه ففر من الخوف على نفسه، وأقام مدة وهو هارب حتى بعث السلطان له بالأمان. ***** وفي رجب لما صعد القضاة للتهنئة بالشهر أمر السلطان بالقبض على جماعة القاضي الشافعي زين الدين زكريا، فقبض على علاء الدين الحنفي النقيب، وعلى أمين الحكم الصابوني، وعلى جماعة من الجباة، ووكل بهم لعمل الحساب لأجل أوقاف الشافعية التي تحت نظر قاضي القضاة الشافعي، فاستمروا من ثلاث سنين والسلطان يتغافل عنهم. وفيه خلع السلطان على القاضي نور الدين الحساوي، وأعاده إلى قضائه بحلب عوضا عن ابن الشحنة أبي البقاء.

стр. 754

وفيه توقف النيل عن الزيادة اثني عشر يوما متوالية إلى تاسع أبيب، فزاد قلق الناس بسبب ذلك ثم بعث الله بالزيادة واستمرت إلى أن وفى. وفيه كان دخول قانصوه خمسمائة على بنت أزبك أمير كبير، فحمل الجهاز من الأزبكية إلى دار قانصوه خمسمائة التي بقناطر السباع، فلما شق من القاهرة كان له يوم مشهود، وكان الحمالون الذين يشيلون الأمتعة زيادة على أربعمائة حمال، وقيل صرف على هذا الجهاز نحو من مائتي ألف دينار. ولما كانت ليلة العرس علم بالأزبكية، وكان مهما حافلا، ثم أن قانصوه خمسمائة ركب من باب السلسلة، ومشت قدامه الأمراء المقدمون بالشاش الذي يلبس في الجمعة والأعياد، وكذلك الخاصكية، وبأيديهم الشموع إلى أن وصل إلى الأزبكية، وعد هذا الزفاف من النوادر الغريبة … لكن حصر للناس في تلك الليلة غاية الضرر من الجلبان، وخطفوا العمائم، وضربوا جماعة من الأمراء المقدمين، وخطفوا الشمع من أيدي الخاصكية، وما حصل تلكت الليلة منهم خير، وكادت أن تكون فتنة كبيرة. وفيه رسم السلطان لكسباي المحتسب بأن تجمع له أعين التجار الذين بالأسواق. فلما عرضوا على السلطان قال لهم: "ساعدوني بشيء على خروج التجريدة". .. ثم فرض عليهم أربعين ألف دينار، فضجوا من ذلك وقالوا: "ما نقدر على هذا القدر". .. فما زال يحط عنهم من ذلك القدر والتجار يقولون ما نقدر على ذلك. فلما طال الأمر بينهم وبين السلطان تقرر الحال على أن يوردوا اثني عشر ألف دينار إذا خرجت التجريدة، وانفض المجلس على ذلك. ***** وفي شعبان توفيت فاطمة بنت الجمالي يوسف ناظر الخاص التي كانت زوجة خاير بك سلطان ليلة، وكانت رئيسة حشمة لا بأس بها. وفيه توفي الشيخ تاج الدين ابن قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وكان تولى بعد أبيه مشيخة الجامع المؤيدي. وكان عالما فاضلا أخذ العلم عن أبيه، ومولده سنة خمس وثمانمائة. وفيه كان وفاء النيل المبارك في ثاني عشر مسرى، وتوجه الأتابكي أزبك وفتح السد على العادة.

стр. 755

وفيه قرر السلطان قرقماس بن ولي الدين في أمرية الآخورية الثانية وكانت شاغرة مدة، وقرر في باشية الجند بمكة المشرفة أزدمر الأشرفي برسباي عوضا عن شاد بك أمير آخور الظاهري بحكم وفاته. ***** وفي رمضان خلع السلطان على الشيخ بدر الدين بن الديري وقرره في مشيخة الجامع المؤيدي عوضا عن عمه تاج الدين، فأقام بها مدة يسيرة وسعى عليه محيى الدين عبد القادر ابن الدهانة الحنفي فقرره السلطان بها وقد أورد مالا له صورة. وفيه وصل الأمير أقبردى الدوادار، وكان مسافرا نحو الوجه القبلي بسبب فساد عربان طائفة الأحامدة، وقد تقدم ما جرى عليهم منه. وفيه خلع السلطان على الشيخ بدر الدين ابن قاضي القضاة صلاح الدين المكيني وقرره في مشيخة الخشابية عوضا عن الشيخ فتح الدين محمد بن قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي بحكم وفاته في شهر رجب، وقد سعى فيها بدر الدين المكيني بمال له صورة حتى قرر بها. وفيه توفي القاضي عبد الغفار الميدومي الشافعي أحد نواب الحكم، وكان لا بأس به. وفيه كان ختم قراءة البخاري الشريف بالقلعة - وكان بالحوش كالعام الماضي - وفرقت الصرر على الفقهاء بحكم النصف، وقطعت صرر من له خلع، وقد شح السلطان في الأيام التي خلت في الشهر المذكور جدا. ***** وفي شوال جاءت الأخبار بوفاة نائب الشام فجماس الإسحاقي الظاهري. وكان دينا خيرا في غاية الاحتشام مع لين جانب، وكان إنسانا حسنا لا بأس به، وهو الذي أنشأ المدرسة التي عند الدرب الأحمر بقرب سوق الغنم، وأنشأ مثلها بدمشق، وله آثار حسنة غير ذلك. وفيه تغير خاطر السلطان على يشبك بن حيدر والي القاهرة، فأمر بنفيه إلى الكرك، فشفع فيه أزبك الأمير الكبير ورده من الخانقاه، فعزل من الولاية وقرر في أمرية عشرة. وفيه توفي الجلال أبو البقاء ابن الشحنة الحلبي الشافعي قاضي القضاة بحلب. وكان عالما فاضلا تقلد بمذهب الإمام الشافعي ﵁ ورحمه، وكان والده حنفي المذهب، فقدم إلى القاهرة معزولا ومات بها، وكان لا بأس به.

стр. 756

وفيه أرسل السلطان خلف قانصوه اليحياوي الذي كان نائب الشام الذي كان بالقدس الشريف وهو معزول بسبب ما تقدم ذكره، فلما حضر خلع عليه السلطان وقرره في نيابة الشام عوضا عن قجماس الإسحاقي بحكم وفاته. وفيه خلع السلطان على مغلباي الشريفي الذي كان استادار صحبة، وقرره في ولاية القاهرة عوضا عن يشبك بن حيدر، ثم بعد مدة طويلة خلع على أسباي المبشر وقرره في استاداريته عوضا عن مغلباي. وفيه جاءت الأخبار بفرار شاه بضاع بن دلغادر وكان مسجونا بقلعة دمشق، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، ورسم بشنق نائب قلعة دمشق، ثم جاءت الأخبار بأن شاه لما فر من قلعة دمشق توجه إلى ابن عثمان فأكرمه وأقام عنده إلى أن كان من أمره ما سنذكره في موضعه. وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير المحمل أزدمر التمساح، وبالركب الأول خاير بك كاشف المحلة. وفيه توفي مجد الدين اسماعيل الشطرنجي. وكان علامة في نقل الشطرنج، وجيها عند الأمراء كثير العشرة للناس. ومولده بعد الثلاثين والثمانمائة. وفيه تغير خاطر السلطان على موفق الدين بن القمص الأسلمي ناظر الدولة فضربه بالمقارع بين يديه بالحوش، وسلمه للأمير أقبردى الدوادار. ثم خلع السلطان على شرف الدين بن البدري حسن وقرره في نظر الدولة عوضا عن موفق الدين الأسلمي. ***** وفي ذي القعدة جاء قاصد من عند ملك الغرب صاحب الأندلس، وعلى يده مكاتبة من مرسله تتضمن أن السلطان يرسل له تجريدة تعينه على قتال الفرنج، فإنهم أشرفوا على أخذ غرناطة، وهو في المحاصرة معهم، فلما سمع السلطان ذلك اقتضى رأيه أن يبعث إلى القسوس الذي بالقمامة التي بالقدس، بأن يرسلوا كتابا على يد قسيس من أعيانهم إلى ملك الفرنج، صاحب نابل، بأن يكاتب صاحب أشبيلية، بأن يحل عن أهل مدينة غرناطة ويرحل عنهم، وإلا يشوش السلطان على أهل القمامة، ويقبض على أعيانهم ويمنع جميع طوائف الفرنج من الدخول إلى القمامة، ويهدمها. فأرسلوا قاصدهم، وعلى يده كتاب إلى صاحب نابل، كما أشار السلطان، فلم يفد ذلك شيئا وملك الفرنج مدينة غرناطة فيما بعد. وفيه توفي الشهاب الأبشيهي أحمد بن محمد المحلي الشافعي، وكان عالما فاضلا وناب في الحكم مدة طويلة وكان رئيسا حشما وجيها عند الناس.

стр. 757

وفيه توفي أزبك الأشرفي أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به. وفيه كان علف الدواب غاليا ففرق السلطان الأضحية على الأمراء والجند قبل عيد النحر بخمسة وعشرين يوما فعد ذلك من النوادر. ***** وفي ذي الحجة في سابع عشرة خرج قانصوه اليحياوي إلى نيابة الشام. وفيه سقطت قبة جامع القلعة على المحراب والمنبر، وقتل تحتها بواب الجامع وولده فرجت له القلعة وخرج السلطان وهو ماش حتى يرى ما سقط في الجامع. وكان ذلك قبل يوم الجمعة بثلاثة أيام. فأمر السلطان بشيل الأتربة من الجامع ثم أخذ في أسباب عمل قبة غيرها فجدد هذه القبة الموجودة الآن وجدد المنبر، وكان قبل ذلك من الخشب فجعله من الرخام الملون، وجدد عمارة الميضأة بالجامع فجاءت من أحسن البناء. وفيه خلع السلطان على شخص من مماليكه، يقال له سيباي بن بخت خجا وقرره في نيابة سيس عوضا عن قانصوه الجمالي بحكم وفاته. وفيه تغير خاطر السلطان على الجمالي يوسف كاتب المماليك وأخذ منه تسعة آلاف دينار. وجدت عليه وعلى والده أبي الفتح نائب جدة أمور يطول شرحها حتى آل أمره إلى ذهاب عقله واعتراه جنون. وفيه قويت الإشاعات بثوران فتنة من المماليك الجلبان، وكثر القال والقيل في ذلك ونقل غالب الأمراء وأرباب الجولة أمتعتهم من الدور خوفا من النهب عند وقوع الحركة. فلما تزايد الكلام في ذلك صلى السلطان صلاة الجمعة، ثم بعد الصلاة جلس بالحوش، ثم أحضر أغوات الأطباق وأعيان المماليك الجلبان، وكلمهم كلاما كثيرا ووبهخم بالكلام حتى قال: "إذا كان قصدكم قتلى فدونكم ذلك" فاستغفروا له ثم آل الأمراء إلى صلحهم مع السلطان، وسكون هذه الفتنة قليلا فلما خرجوا من عنده عادوا لما كانوا عليه من ثوران الفتنة حتى أشيع بين الناس أن السلطان قد تهيأ للفرار بنفسه، ولم يعلم أين يتوجه، وقد تزايد القول في ذلك فكان كما يقال: لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق وقد خرجت السنة المذكورة عن الناس وهم في أمر مريج وكانت الأسعار مرتفعة في سائر البضائع، والإشاعات قائمة برجوع عسكر ابن عثمان وزحفهم على البلاد الحلبية،

стр. 758

والإشاعات قائمة بثوران فتنة كبيرة بمصر بين الجلبان والأمراء واقفة، والسلطان ناظر إلى الظلم وأخذ أموال الناس، والأمر لله. سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة (١٤٨٧ م): فيها، في المحرم، سافر قانصوه اليحياوي إلى الشام - وقد تقدم أنه تقرر في نيابة الشام - فخرج في موكب حافل. وفيه سمح خاطر السلطان بأن ينفق على مماليكه توسعه على نزول خيولهم من الربيع، فأعطى لكل مملوك عشرة دنانير، والقرانصة خمسة دنانير، والسيفية ثلاثة دنانير، فصرف في هذه الحركة جملة مال له صورة. وفيه جاءت الأخبار بقتل حسن بن سليمان بن عيسى بن عمر الهواري، أخي داود بن عمر أمير هوارة. قتله بعض أعدائه من العربان وكان شابا حشما لا بأس به. وفيه توفي جاني بك حبيب العلائي الإينالي أحد الأمراء الطبلخانات وأمير آخور ثاني، وكان رئيسا حشما حلو اللسان حسن العبارة سيوسا دريا عارفا فصيح اللسان بالعربي. توجه قاصدا إلى يعقوب بن حسن الطويل، ثم توجه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم، وكان مقبول الشكل حسن الوجه ومات ولم يظهر الشيب بلحيته، وجرى عليه شدائد ومحن في دولة الظاهر خشقدم، وفر إلى بلاد الغرب وأقام بها حتى توفي الظاهر خشقدم، فعاد إلى مصر وصار له خصاصة بالأشرف قايتباي. وفيه توفي بيبرس اليوسفي الظاهري أحد العشراوات وكان لا بأس به. وفيه بلغ سعر الراوية من الماء نحو ثلاثة أنصاف وذلك بسبب عدم وجود الجمال لتسلط المماليك الجلبان على السقائين لأجل الدريس، فحصل للناس غاية المشقة بسبب ذلك. وفيه وصل الحاج إلى القاهرة، وكان أشيع عنهم أمور شنيعة فظهر أن ذلك كذب. وكان أشيع عنهم أن طائفة عربان الأحامدة قد استولوا على الحجاج ولم ينج منهم أحد. وفيه جاءت الأخبار بأن ابن عثمان أرسل عسكرا عظيما، وقصد محاربة عسكر مصر. فتنكد السلطان لهذا الخبر. وفيه حضر خضر بك نائب القدس فضرب بين يدي السلطان ضربا مؤلما، وأقام بالترسيم حتى أورد مالا له صورة، وكانت كثرت فيه الشكاوى عند السلطان، وآل أمره إلى أن عزل عن نيابة القدس.

стр. 759

وفيه قرر السلطان دقماق السيفي إينال الأشقر في نيابة القدس عوضا عن خضر بك بحكم صرفه عنها. وفيه جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بوفاة السلطان الملك المؤيد أبي الفتح أحمد ابن الملك الأشرف إينال العلائي الجركسي. وكانت وفاته في ليلة رابع عشر الشهر المذكور. فلما بلغ السلطان ذلك أخذ في أسباب إحضار جثته إلى القاهرة ودفنه إلى أبيه الأشرف إينال، وكان المؤيد هذا رئيسا حشما قليل الأذى وجرى عليه شدائد ومحن ونفي إلى الإسكندرية ودام بها إلى أن مات وهو في عشر الخمسين. وفيه وقع من الوقائع الغريبة أن محب الدين أبا الطيب الأسيوطي بلغه أن السلطان تغير خاطره عليه، وقصد الإخراق به. فلما تحقق ذلك توجه إلى المقياس، وألقى نفسه في البحر عمدا فغرق ومات، وكان عالما فاضلا من ذوي العقول رئيسا حشما وجيها عند الأمراء وأرباب الدولة، وكان من أعيان موقعي الحكم، وكان عارفا بأمور صنعة التوقيع، وكان اسمه محمد بن محمد بن علي بن عمر بن حسن القاهري الشافعي، ومولده سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ولكن هانت عليه نفسه لما تأمل ما سوف يجري عليه. وكان له أعداء كثيرة فخاف على نفسه من السلطان فكان كما قيل في المعنى: لا تظهرن لعاذل أو عاذر … حاليك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين حرارة … في القلب مثل شماتة الأعداء ***** وفي ربيع الأول قرر السيد الشريف موفق الدين الحموي في نظر الجيش بدمشق، عوضا عن محيى الدين عبد القادر بحكم وفاته، وقرر ولده عبد الرحيم في كتابة السر بدمشق. وفيه قرر أيدكي الأشرفي في نيابة القلعة بدمشق عوضا عن علي بن جاهين بحكم صرفه عنها. وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا على العادة في العام الماضي. وفيه أحضر السلطان بترك النصارى ورئيس اليهود وقرر على طائفة اليهود والنصارى مالا له صورة بسبب خروج التجريدة إلى ابن عثمان، وهذا أول فتح باب المصادرات للناس.

стр. 760

وفيه قرر السلطان بركب المحمل جان بلاط الأشرفي الخاصكي أحد الدوادارية، وقرر بالركب الأول كرتباي كاشف البحيرة. وفيه أنعم السلطان على مملوكيه - وهما قانصوه الألفي وقانصوه الشامي - بتقدمة ألف. وفيه من الحوادث أن السلطان رسم بتوسيط مجد الدين ابن البقري، وقد جرى عليه شدائد ومحن وسجن بالمقشرة زيادة على ست سنين. وكان السلطان يكرهه طبعا. وقد بلغه أن مجد الدين هذا لما قتل يشبك الدوادار، أظهر الشماتة به وتخلق عياله بالزعفران. وكان حصل له مع يشبك كائنة عظيمة، فلما فرح به وأظهر السرور بلغ السلطان ذلك، فتأثر منه وجرى له ما جرى. وان مجد الدين رئيسا حشما ولى الإستادارية غير ما مرة، وكذلك الوزارة، وكان أصله من القبط، واسمه شاكر بن علم الدين، ووسطوه ببركة الكلاب، ثم حملوه إلى تربة ابن عمه يحيى فدفن بها، وكان عنده عنف وظلم. وفيه عمل السلطان الموكب وخلع على جماعة من الأمراء، فقرر برسباي قرا في أمرية مجلس عوضا عن أزدمر قريب السلطان بحكم عوده إلى نيابة حلب، وكان أمرية مجلس شاغره في هذه المدة. وقرر تغري بردى ططر في الرأس نوبة الكبرى عوضا عن برسباي قرا، وقرر تاني بك الجمالي في حجوبية الحجاب عوضا عن تغري بردى ططر بحكم انتقاله، وقرر يشبك بن حيدر الذي كان والي القاهرة أمير آخور ثاني عوضا عن جاني بك حبيب وكان بيده أمرية طبلخانات، وقرر شاد بك ابن مصطفى المعروف بالخوخ في نيابة القلعة عوضا عن ملاج بحكم وفاته. ***** وفي ربيع الآخر خلع السلطان على اسنباي المبشر الأشرفي، وقرره في استاداريه الصحبة عوضا عن مغلباي بحكم انتقاله إلى ولاية الشرطة، وقرر إينال الفقيه الظاهري في الحجوبية الثانية عوضا عن تاني بك الأبناسي، وكانت هذه الوظيفة شاغرة. وقرر كرتباي ابن أخت السلطان في معلمية الدلالين، وهي وظيفة تاجر المماليك، عوضا عن قانصوه الشامي بحكم انتقاله إلى التقدمة. وفيه أنعم السلطان بامريات عشرة على جماعة من خاصكيته، منهم قانصوه السيفي أقبردي، وقانصوه بن فارس المعروف بقرار، ودولات باي الفلاح، وجان بلاط الغوري، وسودون العجمي واصطمر بن ولي الدين، وآخرون. وفيه صرف شرف الدين بن البدري حسن عن نظر الدولة وضرب بين يدي السلطان. وخلع علي قاسم شغيته وأعيد إلى نظر الدولة.

стр. 761

وفيه من الحوادث أنه في يوم الخميس عاشره جلس السلطان على الدكة بالحوش على العادة فثارت ريح عاصف فوقعت من شدتها السحابة التي بالحوش فأصابت جماعة من الأمراء وجرح تاني بك الجمالي حاجب الحجاب في وجهه، وقد وقع عمود السحابة التي بالحوش عليه وجرح أيضا دولات باي الحسني وطاحت خفائف الأمراء وعمائم المباشرين فقام السلطان من وقته ودخل إلى البحيرة، وتهارب العسكر وظنوا أنها القيامة، وهرب الفراشون أصحاب النوبه خوفا على أنفسهم من السلطان، وقد أظلم الجو ظلمة شديدة وقام رعد وبرق ثم أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى جرى السيل في الأسواق والشوارع، وكان يوما مهولا. وفيه جاءت الأخبار من سيس بأن في ذلك اليوم وقعت بها صاعقة مهولة هدمت سور قلعتها وقتل بها من الناس جماعة. وفيه توفي شرف الدين عبد الباسط ابن البقري أخو مجد الدين شقيقه، وكان رئيسا حشما ولي عدة وظائف سنية منها نظر الإصطبل ونظر الأوقاف ونظر الدولة وكان وجيها عند الناس حسن الهيئة، وكان بين موته وموت أخيه نحو من شهر وقيل مات مسموما. ***** وفي جمادي الأولى جاءت الأخبار من حلب بأن ابن عثمان جهز عسكرا وقد وصل إلى أدنة. فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحواله، ونادى بالعرض. فحضر الأتابكي أزبك باش العسكر فكتب بحضرته من الجند نحوا من أربعة آلاف مملوك. وعين من الأمراء المقدمين أحد عشر أميرا، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات زيادة عن ستين أميرا، حتى عدت هذه التجريدة من نوادر التجاريد. وقد بلغ السلطان أن ابن عثمان جمع من العساكر ما لا يحصى. فلما عرض الجند وعين الأمراء أخذ في أسباب تفرقة النفقة. ثم أنه عين ثلاثة من الخاصكية بأن يسيروا على الهجن لكشف أخبار ابن عثمان، وما يكون من أمره، واستحثهم على الخروج ورد الجواب عليه بسرعة. ثم عين أقبردي الدوادار وكاتب السر أن يتوجها إلى جبل نابلس بسبب جمع العشراوات من جبل نابلس. وفيه جاءت الأخبار بأن يعقوب بن حسن الطويل وقع بينه وبين صاحب هراة من الفتن ما لا يعبر عنه، وآل أمره إلى كسرة يعقوب وانهزامه، وقتل من عسكره ما لا يحصى، فشق ذلك على السلطان.

стр. 762

وفيه قرر السلطان شرف الدين ابن البدري حسن في نظر الأوقاف عوضا عن شرف الدين ابن البقرى بحكم وفاته. وقد وليها ابن البدري حسن غير ما مرة. وفيه تغير خاطر السلطان على الأمير دولات باي الحسني وأمر بنفيه إلى مكة، فخرج إلى الخانقاه ثم طلع أزبك الأمير الكبير وشفع فيه حتى عاد إلى داره. وفيه جاءت الأخبار بوفاة جاني بك الإبراهيمي الطويل الأشرفي، نائب صفد ثم دوادار السلطان بحلب وكان لا بأس به، وقرر بدواداريه السلطان بحلب أركماس بن ولي الدين عوضا عن دوادار السلطان بحكم وفاته. وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن عسكر ابن عثمان قد استولى على قلعة إياس من غير قتال ولا مانع، فتنكد السلطان لهذا الخبر. ***** وفي جمادي الآخرة بعث السلطان نفقات الأمراء المقدمين والعشراوات فبلغت النفقة على الأمراء خاصة دون الجند مائة ألف دينار وثلاثة آلاف دينار، والأمراء المعينون إلى التجريدة كما تقدم هم الأمير الكبير أزبك وتمراز أمير سلاح وبرسباي قرا أمير مجلس وقانصوه خمسمائة أمير آخور كبير وتغرى بردي ططر رأس نوبة النوب وتاني بك الجمالي حاجب الحجاب، ومن الأمراء المقدمين غير أرباب الوظائف أزبك اليوسفي المعروف بالخازندار وتاني بك قرا الإينالي، ويشبك الجمالي السيفي ناظر الخاص وقانصوه الألفي وقانصوه الشامي، ونحو من خمسين أميرا من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، ثم أنفق على الجند على العادة فكانت جملة النفقة على الأمراء والجند نحوا من ألف ألف دينار حتى عد ذلك من النوادر ولم يسمع فيما تقدم من الدول الماضية أن أحد من السلاطين فعل مثل ذلك. وكانت نفقة أزبك الأمير الكبير وحده ثلاثين ألف دينار. وكانت عادة نفقة الأتابكية إلى دولة الظاهر برقوق عشرة آلاف دينار، ولم يسمع بأوسع من هذه النفقة قط فكان كما قيل: تهب الألوف ولا تهاب ألوفها … هان العدو عليك والدينار فلما أخذ المماليك النفقة أطلقوا في الناس النار وأخذوا البغال والخيول حتى أكاديش الطواحين، وحصل منهم الضرر الشامل في حق التجار وغيرهم. وفيه جاءت الأخبار من بلاد المغرب باستيلاء ألفنش صاحب قشتيلة على مدينة مالقة من بلاد الأندلس، وكانت كائنة عظيمة وقعت هناك.

стр. 763

وفيه كان خروج أزبك أمير كبير ومن عين معه من العسكر، وكان يوما مشهودا. واستمرت الأطلاب تنسحب من أشراق الشمس إلى ما بعد الظهر، وخرج العسكر وهم لابسون آلة السلاح حتى عد ذلك من النوادر. وكان طلب أزبك أمير كبير وقانصوه خمسمائة غاية في الحسن حتى قيل كان مصروف طلب قانصوه خمسمائة نحوا من ثمانين ألف دينار. ثم أن الأمراء برزوا ونزلوا بالريدانية واستمروا هناك إلى أن رحلوا ولم تخرج من مصر تجريدة أعظم من هذه لا في زمن الظاهر برقوق ولا غيره. وفيه قبض السلطان على أبي الفتح المنوفي نائب جدة ورسم عليه بطبقة الزمام، وكان حصل له ماليخوليا وطرف جنون. ثم خلع على جاهين الجمالي وقرره في نيابة جدة عوضا عن أبي الفتح ثم أمر السلطان بتوجه أبي الفتح إلى البيمارستان فإنه لما أحضره السلطان وكلمه رد له جواب من في عقله خلل، فأمر بضربه بالمقارع فشفع فيه بعض الأمراء. وشهد جماعة من المباشرين بأنه قد حصل له ماليخوليا، وأمر بأن ينزلوا به إلى البيمارستان، وهو ماش مكشوف الرأس عريان وفي عنقه زنجير، ورسم بأن يدعوه عند المجانين ففعلوا به ذلك فأقام بالبيمارستان أياما ثم شفع فيه فعاد إلى طبقة الزمام وأقام في الترسيم. وكان أبو الفتح في خدمة السلطان مذ هو شاد الشراب خاناه. وكان عنده من المقربين ثم غربه ووقع له أمور يطول شرحها. وفيه توفي برسباي الطلاشي الشمسي الظاهري أحد العشراوات وكان من خشداشي السلطان وكان لا بأس به. ***** وفي رجب بلغ السلطان أن العربان قالت إن مصر ما بقي بها من العسكر إلا قليل، وزاد طمعهم في الترك. فرسم السلطان لمن بقي بالقاهرة بأن يركبوا في كل يوم أحد وأربعاء ويتوجهوا نحو المطرية ويعودوا ويشقوا من القاهرة، وفي أوساطهم السيوف والطراكيش فصاروا يفعلون ذلك في كل يوم أحد وأربعاء، ويدخلون من القاهرة أفواجا أفواجا وتقعد الناس على الدكاكين لرؤيتهم، فأقاموا على ذلك مدة ثم بطل. وفيه كان انتهاء القبة التي جددها السلطان بالجامع بالقلعة عوضا عن التي سقطت، وجدد المنبر فجاء من أحسن ما يكون من البناء. وفيه من الحوادث أن السلطان جدد مظلمة شنيعة، وهو أنه أرسل لكشاف الغربية والشرقية بأن يأخذوا من البلاد الخمس من خراج المقطعين، بسبب تجهيز خيالة من الشرقية من عربانها العشير يتوجهون نحو العسكر عونه بسبب قتال عسكر ابن عثمان. فحصل للمقطعين غاية الضرر من كبس البلاد وقبض الفلاحين. ونسب ذلك إلى شرف

стр. 764

الدين بن البدري حسن فإنه كان هو القائم في ذلك الوقت، فوعدته المماليك الجلبان بالقتل ونهبوا بيته فيما بعد. وقد جبى الخمس مرتين من خراج المقطعين سنتين متواليتين ولم تخرج خيالة من الشرقية، وكانت زيادة مظلمة أخرى. وفيه وصل الزيني أبو بكر بن مزهر كاتب السر وقد تقدم القول أنه خرج إلى نابلس صحبة الأمير أقبردي الدوادار بسبب جمع العشير من جبل نابلس لأجل التجريدة الماضي ذكرها، فحضر وهو متوعك في جسده فلم يقابل السلطان ولا طلع إلى القلعة، واستمر ملازم الفراش حتى مات، كما سيأتي الكلام على ذلك. وفيه وصل قاصد ملك الفرنج الأنكيروس من بني الأصفر وصحبته هدية حافلة للسلطان فأكرمه وأنزله في مكان أعده له. وفيه توفي دولات باي بن مصطفى الأشرفي المعروف بالأجرود نائب غزة ثم بقي أحد الأمراء المقدمين بدمشق وكان لا بأس به. وفيه توفي الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم بن علي الشافعي، شيخ مدرسة كاتب السر بن مزهر التي أنشأها بحارة برجوان، وكان من أهل العلم والفضل وله شهرة بمصر وكان لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار بوفاة تغري بردي ططر التمشي الظاهري جقمق رأس نوبة النوب توفي بحلب، وكان من أجل الأمراء وتولى عدة وظائف سنية منها نيابة القلعة بمصر ثم بقي مقدم ألف ثم بقي حاجب الحجاب ثم بقي رأس نوبة كبيرة، ومما وقع له أن الأمراء كلهم خرجوا بالأطلاب ما عداه فإنه خرج من غير طلب، فلما طلع إلى القلعة مقته السلطان بسبب ذلك، فقال له تغري بردي ططر: "لا تمقتني ولا أمقتك أنا ما بقيت أرجع من هذه السفرة". وكان الأمر كذلك، كما يقال: "إن البلاء موكل بالمنطق". وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن ابن عثمان بعث عدة مراكب من البحر وهي مشحونة بالسلاح والعسكر، وقد وصلت إلى جهة باب الملك ليقاطع بها على العسكر المصري، فما تم له ذلك وخذله الله تعالى، وكانت النصرة لعسكر مصر كما سيأتي ذكره. وفيه كان وفاء النيل المبارك وقد وفي حادي عشر مسري فتوجه أقبردي الدوادار وفتح السد على العادة، ولم يقع لأقبردي أنه نزل وفتح السد غير هذه السنة بموجب غياب الأمير الكبير وبقية الأمراء، وكان يوما مشهودا. وفيه خلع السلطان على فارس المنصوري وقرره في نيابة دمياط عوضا عن شاد بك الأشقر بحكم صرفه عنها. *****

стр. 765

وفي ثالث رمضان كانت وفاة الزيني أبي بكر ابن مزهر، كاتب السر بالديار المصرية، وهو أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن عثمان، المعروف بمزهر الدمشقي الأنصاري الشافعي. وكان عالما فاضلا، عارفا بالفقه رئيسا حشما انتهت إليه رياسة عصره، وكان وجيها عند الملوك والسلاطين، وتولى من الوظائف السنية عدة، منها نظر الإصطبل ونظر الجيش وكتابة السر، ودام بها نيفا وعشرين سنة حتى مات وهو مقرر بها، وتكلم في وظيفة قضاء الشافعية مدة، ومولده سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة وكان قد شاخ وكبر سنه فلما مات رثيته بهذين البيتين من قصيدة قلتها فيه: صارت مرامله كمثل أراملي … تبكي بأعينها دما وتترب وكذا الدواة تسودت أقلامها … حزنا عليه وأقسمت لا تكتب وكانت جنازته مشهودة، وغطى نعشه بمرقعة من الصوف. فلما توفي خلع السلطان على ولده المقر البدري محمد، وقرره في كتابة السر بمصر عوضا عن أبيه بحكم وفاته. وذلك في يوم الخميس سادس عشرة، وأخذ منه ما لا له صورة حتى تولى هذه الوظيفة، وكان شابا في عشر الثلاثين لما قرر في كتابة السر وكان السلطان محتفلا به فاستخلص منه أموال أبيه بحسن عبارة. ولما تولى كتابة السر قلت فيه هذين البيتين: تشرف ذا الإنشاء من آل مزهر … بنجل سما قدرا وشاع له ذكر أضاءت به الأيام في مصر بهجة … ولم لا وقد أضحى يلوح لها البدر وفيه جاءت الأخبار أن أزبك الأمير الكبير ملك باب الملك، واستخلصه من أيدي عسكر ابن عثمان بعد أن أتوا إليه في ستين مركبا وهي مشحونة بالسلاح والمقاتلين، فقلق العسكر من ذلك وانقطعت قلوبهم وظنوا أنهم هم المأخوذون. فبينما هم على ذلك إذ بعث الله تعالى بريح عاصفة فغرق غالب تلك المراكب في البحر الملح، والذي فر من البحر من العسكر العثماني وطلع إلى البر قتله العسكر المصري. وكانت النصرة لهم على العثمانية وكانت على غير القياس. فلما تحقق السلطان هذا الخبر سر به ولم يصدق بذلك. وفيه جاءت الأخبار من بلاد المغرب بوفاة صاحب تونس السلطان المتوكل على الله عثمان بن محمد بن محمد بن العزيز أحمد الهناني الموحدي، وكان ملكا جليلا أقام في

стр. 766

الملك نحوا من أربع وخمسين سنة ومات وهو في عشر التسعين سنة. ومما مدحه به بعض شعراء الغرب: بقيت ولا أبقى لك الدهر حاسدا … فإنك في هذا الزمان فريد علاك سوار، والممالك معصم … وجودك طوق، والبرية جيد ولما توفي تولى بعده ولد ولده يحيى المعروف بالحفيد فلم تطل أيام مدته، وقتل واستطال عليه أعمامه. وفيه جاءت الأخبار بوفاة سيباي بن تاني باي الطيوري الظاهري نائب حماة وكان لا بأس به. وفيه ورد الخبر من أزبك الأمير الكبير بأنه في ثامن رمضان وقعت معركة عظيمة بين عسكر مصر وعسكر ابن عثمان فقتل من الفريقين ما لا يحصى، وكان ممن قتل من أمراء مصر دولات باي الحسني رأس نوبة ثاني أصيب بمدفع، وقتل من مماليك السلطان عدة وافرة ومن العسكر العثماني أكثر. وقد هزموا العثمانية وغنم منهم عسكر مصر أشياء كثيرة من خيول وسلاح وغير ذلك، فلما سمع السلطان بهذا الخبر أمر بدق البشائر بالقلعة سبعة أيام. ***** وفي شوال وصل مغلباي البجقمدار أحد الأمراء العشراوات من مماليك السلطان وصحبته عدة رءوس قطعت من عسكر ابن عثمان وكانت نحوا من مائتي رأس، فشق مغلباي من القاهرة وقدامه تلك الرءوس وهي على الرماح، وكان له يوم مشهود. فخلع عليه السلطان ونزل في موكب حافل، ثم أخبر بوفاة مغلباي الفهلوان المحمدي الأشرفي الأينالي أحد الأمراء العشراوات رءوس النوب، وكانت وفاته بحلب، وكان عارفا بفن الصراع علامة فيه. وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر العثماني بعد ما حصلت له هذه الكسرة عاد أيضا إلى أدنة، وأن العسكر المصري شرع في حصارهم بها، وقد تمادى الأمر في ذلك حتى أخذت بعض مضي ثلاثة أشهر، وقتل في مدة هذه المحاصرة من الفريقين ما لا يحصى، وآل الأمر إلى أخذها بالأمان، وجرى في ذلك أمور يطول شرحها.

стр. 767

وفيه خرج الحاج من القاهرة وكان أمير ركب المحمل جان بلاط الخاصكي أحد الدوادارية، وبالركب الأول كرتباي الكاشف. وحج في تلك السنة داود بن عمر أمير عربان هوارة. وفيه توفيت دولات باي الجركسية سرية الظاهر جقمق، وهي زوجة برقوق نائب الشام. وكانت دينة خيرة لا بأس بها. وفيه أرسل السلطان خلعة إلى أينال الخسيف باستقراره في نيابة حماة وقد سعى له أزبك الأمير الكبير ذي ذلك. وفيه جاءت الأخبار بوفاة قائم دهيشة بن أزدمر الأشرفي الخاصكي الساقي أحد خواص السلطان. خرج إلى دمشق في بعض مهمات السلطان بدمشق فمات بها وكان شابا جميل الصورة حسن الشكل لا بأس به. وفيه أعيد زين الدين الحسباني إلى قضاء الحنفية بدمشق وصرف عنها مجد الدين الناصري وسجن بقلعة دمشق. وفيه توفي الناصري محمد بن محمد بن سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس البندقداري وكان رئيسا حشما من مشاهير أولاد الأسياد. ***** وفي ذي القعدة توفي القاضي خير الدين الشنشي محمد بن عمر بن محمد بن حسن بن موسى القاهري الحنفي، وكان من أعيان نواب الحنفية، وكان عالما فاضلا عارفا رئيسا حشما وترشح أمره لأن يلي قضاء الحنفية بمصر، ولم يل ذلك وما تم له. ومولده سنة أربعين وثمانمائة. وفيه قرر شخص يقال له محب الدين، وكان أصله من الأقباط، فقرر في نظر الجيش بدمشق عوضا عن السيد الشريف موفق الدين بحكم صرفه عنها. فعيب ذلك على السلطان، واتفق أن محب الدين المذكور لما دخل إلى الشام أقام بها أياما ومرض ومات. وكان قد جد في السعي على الشريف موفق الدين وأورد مالا له صورة. وفيه ضرب السلطان شخصا من نواب الحنفية يقال له شهاب الدين بن القصيف، ورسم بنفيه إلى ألواح، فشفع فيه وكتب عليه قسامة بأنه لا ينوب في الحكم قط ولا يسعى في ذلك بل ولا يشهد في شيء من الأمور الشرعية لأمر أوجب ذلك. وفيه أحضرت جثة دولات باي الحسني رأس نوبة ثاني من أدنة ودفنت بمصر في تربته. *****

стр. 768

وفي ذي الحجة توفي الشيخ تقي الدين السخاوي واسمه أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد القاهري الشافعي، وكان عالما فاضلا بارعا في الحديث، سمع على الحافظ بن حجر وغيره، وكان لا بأس به. وفيه قدم الزيني محمود بن أجا قاضي قضاة الحنفية بحلب، فأقام بالقاهرة مدة، ثم عاد إلى حلب على وظيفته. وفيه توفي برسباي العلائي الطويل الظاهري أحد الأمراء الطبلخانات وكان يعرف بالبواب فمات هناك لما خرج في التجريدة. وتوفي قرقماس المحمدي الظاهري المعروف بالمعلم، وكان أحد الأمراء العشراوات، وكان عارفا بفنون الرمح علامة. وتوفي ملاج الظاهري الجقمقي أحد الأمراء العشراوات وكان دينا خيرا من ذوي العقول. ومما وقع له أنه كان بيده أقطاع خراب وعنده عيال كثيرة أولاد عدة فوقف إلى السلطان وشكا له حاله، وأن أقطاعه خراب لا يحصل له منها شيء، فلم يلتفت السلطان إلى كلامه، فنزل إلى داره ودخل إلى طبقة مهجورة عنده، وعمد إلى سلبة، وربطها في سقف الطبقة، وعمل فيها خية وشنق نفسه بها فمات. وقد هانت عليه نفسه من شدة قهره، وكان ساكنا في الجودرية وراح القتل في كيسه ولم يرث له أحد. وفيه جاءت الأخبار بقتل صاحب طرابلس الغرب، واسمه أبو بكر بن عثمان بن محمد الحفصي، قتله صاحب تونس وقتل ولده أيضا وجماعة من أعوانه. وتوفي في السنة المذكورة جماعة كثيرة من الأعيان منهم قاضي الإسكندرية وهو محمد بن محمد عوض المالكي، وكان لا بأس به. سنة أربع وتسعين وثمانمائة (١٤٨٨ م): فيها، في المحرم، لما طلع القضاة لتهنئة السلطان رسم بعرض نواب الشافعية ونواب الحنفية وكلمهم كلاما مزعجا وأمر بابطال جماعة منهم وجرت أمور يطول شرحها، ثم آل الأمر إلى التحجير عليهم في الأحكام الشرعية وألا يسجنوا الخصم إلا بإذن من القاضي الشافعي والحنفي، وعم ذلك سائر النواب. وفيه تغير خاطر السلطان على الطواشي خشقدم الزمام وخازنداره ووزيره أيضا، فرسم بالقبض عليه في وسط الحوش وهم بضربه، ثم آل الأمر ألى أن خرج منفيا إلى سواكن، واحتاط على موجوده قاطبة واستمر منفيا إلى أن مات هناك. وكان عنده عسف وظلم وشدة بأس وسفاهة لسان وكان غير مشكور في أفعاله.

стр. 769

وفيه وقعت نادرة غريبة وهي أن شخصا يقال له عبد القادر بن الرماح وكان له خصاصة بالسلطان قال له أن الشيخ عبد القادر الدشطوطي ﵀ ورضي عنه شخص من عباد الله الصالحين، وكان قصد السلطان الاجتماع عليه، فأخبره أنه يتردد إلى جامع محمود في مكان عنده بالقرافة تحت الجبل المقطم، فقال له السلطان: "إن حضر هناك أعلمني". فعمد عبد القادر بن الرماح إلى شخص كان شبيها بالشيخ عبد القادر الدشطوطي، وكان يدعى أنه شريف، فأعلم السلطان بأن الدشطوطي يحضر تلك الليلة إلى المكان المذكور، فصلى السلطان العشاء ونزل وصحبته ثلاث أنفس فأتى إلى ذلك المكان ونزل عن فرسه، فوجد ذلك الشخص جالسا ورأسه في عبه، فشرع السلطان يقبل رجليه ويقول: "يا سيدي احمل حملتي مع ابن عثمان". فصار ذلك الشخص يغرب عليه، ويقول له: "أنت ما ترجع عن ظلم العباد". فطال المجلس بينهما. ثم إن السلطان دفع له كيسا فيه ألف دينار، وقيل خمسمائة دينار، فصار يمتنع من ذلك والسلطان يتلطف به ويقول له: "فرق ذلك على الفقراء". ثم ركب ومضى وهو يظن أنه الدشطوطي. ثم بعد أيام انكشفت هذه الواقعة، وظهر أنها مفتعلة. فلما تحقق السلطان ذلك، أحضر عبد القادر بن الرماح والشخص الذي تزيا بزي الدشطوطي وخدام المكان الذي كانوا به فضربوا بين يدي السلطان بالمقارع. وأما عبد القادر ابن الرماح الذي كان سببا لذلك فرسم السلطان بحلق ذقنه وشهره في القاهرة على حمارة، ثم سجنه بالمقشرة إلى أن مات عقيب ذلك. وكانت هذه الواقعة من أغرب الوقائع التي لم يسمع بمثلها مع أن عبد القادر بن الرماح كان من ذوي العقول، ولكن قد يخبو الزناد ويكبو الجواد، كما يقال: وإني رأيت المرء يشقى بعقله … وقد كان قبل اليوم يسعد بالعقل ***** وفي صفر أنعم السلطان على مملوكه جان بلاط بن يشبك بامرية عشرة، وهي أول استظهاره في العلو والرفعة … وجان بلاط هذا هو الذي تسلطن فيما بعد. وفيه جاءت الأخبار أن صاحب فاس من بلاد الغرب قد غزا الفرنج، واستخلص منهم عدة بلاد كانت أخذت من أيدي المسلمين، فأعادها لهم، وقتل أخوه في المعركة. وفيه صار العسكر الذين من مماليك السلطان يدخلون إلى القاهرة شيئا فشيئا قبل حضور الأتابكي أزبك فتنكد السلطان لذلك. *****

стр. 770

وفي ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي وكان غالب الأمراء مسافرين في التجريدة، وكان أمر السماط فيه بحكم النصف على العادة. وفيه بلغ السلطان أن المماليك الذين حضروا من التجريدة قصدوا أن يثيروا فتنة كبيرة، ويطلبوا من السلطان نفقة بسبب هذه النصرة التي وقعت لهم. ثم بلغ السلطان أن المماليك قالوا إن كان السلطان لا يعطينا نفقة قتلنا الأمراء والمماليك الذين كانوا بمصر ولم يسافروا، وذكروا كلمات كثيرة من هذا النمط. فلما تحقق السلطان ذلك أخذ في أسباب تحصيل المال، واجتمع السلطان بالقضاة الأربعة، وذكر لهم أن الخزائن نفد ما كان فيها من المال، وأن المماليك يقصدون نفقة، وإن لم أنفق عليهم شيئا يثير فتنة كبيرة … فاتفق الحال على أن يؤخذ من أرباب الأملاك والأوقاف التي بمصر والقاهرة أجرة شهرين مساعدة للسلطان على النفقة. وانفض المجلس على ذلك. ثم إن السلطان أمر تغري بردي الأستادار بأن يتكلم في ذلك هو وناظر الخاص ابن الصابوني، فاقتسموا التصرف في ذلك، وشرعوا في جباية المال. وفيه دخل الأمير الكبير أزبك ومن كان معه مسافرا في التجريدة من الأمراء وبقية العسكر، وكان لهم يوم مشهود. ومن العجائب أنه في حالة دخولهم إلى القاهرة وأشيع بين الناس عودهم إلى حلب عن قريب، لأن عسكر ابن عثمان قد استولى على سيس، وعلى طرسوس، وغير ذلك من البلاد الحلبية. وحضر مع أزبك الأمير الكبير جماعة كثيرة من عسكر ابن عثمان، أتوا طائعين باختيارهم، فأنزلهم السلطان في ديوانه، وقرر لهم الجوامك، وهم إلى الآن باقون في الديوان يسمون العثمانية. ثم قويت الإشاعات بوقوع فتنة كبيرة، وأن المماليك قد صمموا على أهذ النفقة لكل واحد منهم مائة دينار، فقلق السلطان لهذه الإشاعات، واشتد عليه الأمر. ***** وفي يوم السبت رابع ربيع الآخر جلس السلطان على الدكة بالحوش، وأرسل خلف القضاة الأربعة وسائر الأمراء، فلما تكامل المجلس قال السلطان للأمراء والقضاة: "هؤلاء المماليك يرومون مني نفقة، وقد نفد جميع ما كان في الخزائن من المال على التجاريد، ولم يبق بها شيء من المال". ثم أقسم بالله أنه نفد منه على التجاريد من حين ولي السلطنة إلى الآن سبعة آلاف ألف دينار ومائة وخمسة وستون ألف دينار. ثم قال للأمراء: "اختاروا من تسلطنونه غيري، واشهدوا على أيها القضاة أني خلعت نفسي". وشرع يفكك أزراره وقصد الدخول إلى قاعة البحرة فتعلق به القضاة ومنعوه من ذلك. وشرع قاضي

стр. 771

القضاة المالكية ابن تقي يبكي وأظهر التأسف لهذه الواقعة وصار يتفارش ويترب. ثم إن الأمير تمراز أمير سلاح صار يمشي بين الجلبان وبين السلطان في عمل المصلحة، فكثر القال والقيل في ذلك، وضج العسكر، وترددت الوسائط بين السلطان وبين الجلبان. ثم استقر الحال بعد جهد كبير على أن السلطان ينفق على الجلبان لكل واحد منهم خمسون دينارا من ذلك أربعون دينارا معجلة، ويؤخر عشرة ينفقها عليهم بعد مدة شهرين، وأن القرانصة ينفق عليهم خمسة وعشرين دينارا فاستقر الحال على ذلك وسكن الاضطراب قليلا. ثم إن السلطان أرسل خلف الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز وكان ساكنا عند بالحوش فلما حضر جدد له مبايعة ثانية بحضرة القضاة الأربعة. فكانت مدة سلطنته في هذه المرة الأولى إلى يوم خلعه هذا إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. ثم قام الخليفة ونزل القضاة إلى دورهم، وانفض الموكب وكان يوما مهولا. ثم إن السلطان أخذ في أسباب تحصيل المال لأجل النفقة واستحث في إحضار ما يجيء من المال بسبب الشهرين اللذين فرضهما على أرباب الأملاك، ثم فرض على المماليك القرانصة وأولاد الناس الذين لم يسافروا في التجريدة: على كل من له جامكية ألفان أربعون دينارا، ومن له ألف جامكية بحكم ذلك، ومن لم يورد شيئا من ذلك تقطع جامكيته ستة أشهر حتى يغلق ما فرض عليه. ثم أنفق على المماليك فيما بعد. ثم إن الأمير تمراز شفع في القرانصة وأولاد الناس إلا يوردوا شيئا مما قرر عليهم، وكان الغالب منهم أورد شيئا فراح عليه والمتأخر لم يحط شيئا بسبب الشفاعة. وفيه ثار جماعة من العوام على الشيخ شهاب الدين أحمد الشيشي الذي تولى قضاء الحنابلة فيما بعد، وكادوا أن يقتلوه لولا أنه اختفى مدة طويلة حتى سكن الأمر. وسبب ذلك ما نقل عنه أنه قد أفتى السلطان بحل ما يجيء إليه من أجرة الأملاك في الشهرين الماضي خبرهما. فلما بلغ العوام ذلك ثاروا عليه وقصدوا قتله … واستمر مختفيا حتى توجه إلى مكة وجاور بها مدة. وفيه كانت وفاة الشيخ بدر الدين بن الغرس وهو محمد بن محمد بن محمد بن خليل القاهري الحنفي، وكان عالما فاضلا عارفا بأصول الفقه وله نظم جيد وولي عدة وظائف سنية، وناب في القضاء مدة ثم تولى مشيخة تربة الأشرف برسباي ودام بها حتى مات، وكان من أعيان الحنفية وذكر إلى قضاء الحنفية غير ما مرة. ومن نظمه قوله: إن جاءكم صب بكم فأكرموا … مثواه تجزون خيار الثواب

стр. 772

وجاوبوا العذال عمن غدا … من سقمه لا يستطيع الجواب ولما مات رثاه الشيخ عبد الباسط بن خليل الحنفي بقوله: لقد أظلمت مصر وأقفرت الدنيا … لموت عديم المثل بل أوحد العصر سأعجب إن ضاءت ليالي عصرنا … وكيف يكون الضوء مع عدم البذر وفيه كانت الأسعار مرتفعة في سائر البضائع. وسبب ذلك إهمال كسباي المحتسب، فإنه لم ينظر في أحوال المسلمين فوبخه السلطان بالكلام، ثم بطحه وضربه بين يديه نحوا من عشرين عصا. فلما نزل من القلعة أطلق في السوقة النار وكذلك سماسرة القمح، وجرى بسبب ذلك أمور شتى. وفيه كانت وفاة الحافظ قطب الدين الأخيضري محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان ابن داود بن فلاح بن ضمرة الرملي الشافعي، وكان عالما فاضلا محدثا رئيسا حشما، وكان من أخصاء الأشرف قايتباي، وتولى عدة وظائف سنية: منها كتابة سر دمشق ونظر جيشها وقضاء الشافعية بها وغير ذلك من الوظائف، ومولده بعد الثلاثين والثمانمائة. وفيه بعث السلطان بالقبض على مملوكه أزبك النصراني، وكان قرر في نيابة كركر، فوقع منه غاية الفساد هناك، وآل أمره إلى أن حزت رأسه وعلقت على باب كركر وكان من أشرار الناس. وفيه من الحوادث: أنه أشيع بين الناس بأن فرس البحر قد ظهرت عند شبرا وصارت تتراءى للناس مدة، ثم اختفت وتحققت الأقوال بذلك. وفيه خلع السلطان علي أزبك اليوسفي المعروف بالخازندار، وقرره في رأس نوبة كبير عوضا عن تغري بردي ططر بحكم وفاته. وخلع علي شاد بك الخوخ بن مصطفى وقرره في الدوادارية الثانية عوضا عن قانصوه الألف بحكم انتقاله إلى التقدمة وكانت الدوادارية الكبرى شاغرة مدة طويلة. وأنعم على مملوكه طقطباي بامرية عشرة وجعله متحدثا في نيابة القلعة فاستمر بها من غير أن يخلع عليهن بها. وأنعم علي يشبك بن حيدر الذي كان والي القاهرة بتقدمة ألف مضافا لما بيده من الآخورية الثانية. وأنعم على مملوكه جانم الذي كان بالشام أميرا بتقدمة ألف، وكتب له بذلك البشارة وهو بالشام، وقرر مملوكه مغلباي الشريفي في تقدمة ألف مضافا لما بيده من ولاية القاهرة، فأقام على ذلك مدة حتى تقرر غيره.

стр. 773

وفيه كان ابتداء تفرقة النفقة على الجند كما استقر الحال عليهن فيما تقدم. وفيه توفي تقي الدين ناظر الزردخانة فلما مات قرر ولده عبد الباسط في نظر الزردخانة عوضا عن أبيه. وفيه جاءت الأخبار بأن شاه بضاع بن دلغادر حضر إلى الأبلستين، ومعه طائفة من عسكر ابن عثمان، وكبس على أخيه علي دولات وقبض على اثنين من أولاده، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد لهذا الخبر جدا. وفيه قرر الشهابي أحمد ابن الجمالي يوسف ناظر الخاص في نظرة الجيش وصرف عنها بدر الدين ابن أخيه كمال الدين. وفيه عين السلطان عدة من أمراء البلاد الشامية، فقرر في حجوبية دمشق يونس نائب البيرة، وقرر في نيابة البيرة اينال باي من جلبانه، وكان يقرب له، وقرر باكير بن صالح الكردي حاجب حلب في نيابة قلعة الروم، وقرر مملوكه قانصوه الغوري في جحوبية حلب عوضا عن باكير … وقانصوه هذا هو الذي تولى السلطنة فيما بعد. وقرر أركماس بن ولي الدين في دوادارية السلطان بدمشق، وقرر قاني بك البهنسا في دوادارية السلطان بحلب، وقرر في نيابة البهنسا كرتباي الأشرفي من مماليكه. فخرجت إليهم المراسيم بمعنى ذلك. وفيه أراد السلطان أن يقرر تاني بك الجمالي رأس نوبة كبير فامتنع من ذلك وصمم أنه ما يلي إلا أمرية مجلس عوضا عن برسباي قرا بحكم وفاته في التجريدة بحلب، فتغير خاطر السلطان علي تاني بك الجمالي، وقصد نفيه إلى مكة بسبب ذلك، وأقام على ذلك أياما لا يطلع القلعة. ثم أرسل خلفه ووعده بها، وصار يتكلم فيها على كره منه. وفيه أرسل السلطان خلعة إلى عبد الرازق أخي علي دولات، وقرره في أتابكية حماة عوضا عن ابن طرغل ونقل ابن طرغل إلى نيابة طرسوس. وفيه جاءت الأخبار من عند نائب حلب بأن عسكر ابن عثمان لما بلغهم رجوع العسكر المصري طمعوا في أخذ البلاد الحلبية، وأرسل يستحث السلطان في خروج تجريدة بسرعة لحفظ مدينة حلب. فلما بلغ السلطان ذلك عرض العسكر وعين تجريدة، وكتب عدة وافرة من الجند الذين كانوا مقيمين بالقاهرة، وجعل الباش على هذه التجريدة قانصوه الشامي أحد المقدمي الألوف، ومن الأمراء الطبلخانات يشبك رأس نوبة ثاني، وأزدمر الفقيه الظاهري، وكرت باي بن تمرباي ابن أخت السلطان، واصطمر بن ولي الدين أحد العشراوات. ثم أنفق عليهم وعلى الأمراء وأمرهم بسرعة الخروج إلى التجريدة من غير إهمال. *****

стр. 774

وفي جمادى الأولى توفي الشيخ محب الدين أخو قاضي القضاة الشافعي ولي الدين الأسيوطي، وكان عالما فاضلا وناب في الحكم وتولى خطابة الجامع المؤيدي، وكان لا بأس به. وفيه توفي القاضي بدر الدين محمد بن الحليس أحد نواب الحنابلة وكان من أعيان الناس مشكور السيرة. وفيه أنعم السلطان على طوخ المحمدي البجمقدار بامرية عشرة. ***** وفي جمادى الآخرة رسم السلطان بسلخ شخص يسمى أحمد بن الديوان من أهل حلب فسلخه في المقشرة، وسلخ مع والده محمد وأشهروهما في القاهرة علي جمال. وكان أحمد بن الديوان من أعيان الناس الرؤساء بحلب، وكان من أخصاء السلطان، فنقل عنه أنه كاتب ابن عثمان في شيء من أخبار المملكة. فلما بلغ السلطان ذلك تغير خاطره عليه، وجرى عليه أمور يطول شرحها. وكانت من الوقائع المهولة. وفيه خرجت التجريدة ومن عين بها من الأمراء والعسكر وكان يوما مشهودا. قيل قد بلغت النفقة على الأمراء والجند في هذه التجريدة الخفيفة نحوا من مائة وخمسين ألف دينار غير جامكية أربعة أشهر، وثمن الجمال. وكان السلطان دريا في خروج هذه التجريدة لصون مدينة حلب. وفيه قدم قاصد من عند داود باشا وزير ابن عثمان يشير على السلطان بأن يبعث قاصدا إلى ابن عثمان لعل أن يكون الصلح. فرد له الجواب: "إذا أطلق تجار المماليك الذين عنده، وبعث مفاتيح القلاع التي أخذها، كاتبناه في أمر الصلح، وأرسلنا له قاصدا". .. ولكن جرى بعد هذه الواقعة أمور شتى. ***** وفي رجب خلع السلطان علي تاني بك المحمدي الأينالي أحد العشراوات وقرره في شادية الشون وأشركوا معه أقبردي ططر الظاهري أحد الأمراء العشراوات أيضا. وفيه توفي جمال الدين الكوراني شيخ خانقاه سعيد السعداء، وهو عبد الله بن محمد بن حسن ابن خضر بن محمد الأردبيلي الشافعي وكان عالما فاضلا دينا خيرا ومولده بغد الثلاثين والثمانمائة. *****

стр. 775

وفي شعبان قرر في مشيخة خانقاه سعيد السعداء الشيخ زين الدين عبد الرحمن القناوي الشافعي عوضا عن جمال الدين الكوراني بحكم وفاته. وفيه ثارت فتنة من المماليك الجلبان، بسبب العشرة دنانير التي تأخرت لهم من الخمسين التي استقر الحال عليها في أمر النفقة فما سكنت الفتنة حتى أنفقها لهم. وفيه حضر إسكندر بن جيحان أحد الأمراء المقدمين لابن عثمان، وقد أسره بعض النواب، وكان علي دولات هو القائم في القبض عليه فكان له بالقاهرة لما دخل يوم مشهود. وأسر معه جماعة من العثمانية، فلما عرضوا على السلطان رسم بسجنهم. وفيه توفي سودون الثور أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به. وتوفي الطواشي مرجان الجمالي المعروف بستمائة وكان من أعيان الطواشية. وفيه في آخر يوم منه كان وفاء النيل المبارك. ***** وفي مستهل رمضان كان فتح السد عن الوفاء، ووافق ذلك سادس مسرى فنزل أزبك أمير كبير وفتح السد على العادة. وقيل إن جماعة من أوباش العوام أفطروا في ذلك اليوم من شدة الحر والعطش. وفي أثناء ذلك عمل الأتابكي أزبك وقدة هائلة وحراقة نفط في بركة الأزبكية، وعزم على الأمراء وكانت ليلة حافلة. ***** وفي شوال كان أول توت وهو يوم النوروز عند القبط وكان عيد الفطر عند المسلمين، فعد ذلك من النوادر. وفيه خرج الحاج على العادة وكان أمير ركب المحمل أزدمر تمساح، وكان الحج في تلك السنة قليلا. وفيه جاءت الأخبار من سواكن بوفاة الصاحب خشقدم الأحمدي، وكان رئيسا حشما من أعيان الطواشية وتولى عدة وظائف سنية منها الوزارة والزمامية والخازندارية الكبرى، وكان ظالما غشوما عسوفا من وسائط السوء. وفيه توفي الشيخ أبو الفضل محمد المحلي الحنفي، وكان من أعيان الحنفية. ***** وفي ذي القعدة توفي الطواشي مرجان، وكان لا بأس به. وفيه توفي نوروز أخو برسباي قرا أمير مجلس وكان من الأمراء العشراوات من خيار الظاهرية وكان لا بأس به.
следующие страницы →