← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

القضاة المالكية ابن تقي يبكي وأظهر التأسف لهذه الواقعة وصار يتفارش ويترب. ثم إن الأمير تمراز أمير سلاح صار يمشي بين الجلبان وبين السلطان في عمل المصلحة، فكثر القال والقيل في ذلك، وضج العسكر، وترددت الوسائط بين السلطان وبين الجلبان. ثم استقر الحال بعد جهد كبير على أن السلطان ينفق على الجلبان لكل واحد منهم خمسون دينارا من ذلك أربعون دينارا معجلة، ويؤخر عشرة ينفقها عليهم بعد مدة شهرين، وأن القرانصة ينفق عليهم خمسة وعشرين دينارا فاستقر الحال على ذلك وسكن الاضطراب قليلا. ثم إن السلطان أرسل خلف الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز وكان ساكنا عند بالحوش فلما حضر جدد له مبايعة ثانية بحضرة القضاة الأربعة. فكانت مدة سلطنته في هذه المرة الأولى إلى يوم خلعه هذا إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. ثم قام الخليفة ونزل القضاة إلى دورهم، وانفض الموكب وكان يوما مهولا. ثم إن السلطان أخذ في أسباب تحصيل المال لأجل النفقة واستحث في إحضار ما يجيء من المال بسبب الشهرين اللذين فرضهما على أرباب الأملاك، ثم فرض على المماليك القرانصة وأولاد الناس الذين لم يسافروا في التجريدة: على كل من له جامكية ألفان أربعون دينارا، ومن له ألف جامكية بحكم ذلك، ومن لم يورد شيئا من ذلك تقطع جامكيته ستة أشهر حتى يغلق ما فرض عليه. ثم أنفق على المماليك فيما بعد. ثم إن الأمير تمراز شفع في القرانصة وأولاد الناس إلا يوردوا شيئا مما قرر عليهم، وكان الغالب منهم أورد شيئا فراح عليه والمتأخر لم يحط شيئا بسبب الشفاعة. وفيه ثار جماعة من العوام على الشيخ شهاب الدين أحمد الشيشي الذي تولى قضاء الحنابلة فيما بعد، وكادوا أن يقتلوه لولا أنه اختفى مدة طويلة حتى سكن الأمر. وسبب ذلك ما نقل عنه أنه قد أفتى السلطان بحل ما يجيء إليه من أجرة الأملاك في الشهرين الماضي خبرهما. فلما بلغ العوام ذلك ثاروا عليه وقصدوا قتله … واستمر مختفيا حتى توجه إلى مكة وجاور بها مدة. وفيه كانت وفاة الشيخ بدر الدين بن الغرس وهو محمد بن محمد بن محمد بن خليل القاهري الحنفي، وكان عالما فاضلا عارفا بأصول الفقه وله نظم جيد وولي عدة وظائف سنية، وناب في القضاء مدة ثم تولى مشيخة تربة الأشرف برسباي ودام بها حتى مات، وكان من أعيان الحنفية وذكر إلى قضاء الحنفية غير ما مرة. ومن نظمه قوله: إن جاءكم صب بكم فأكرموا … مثواه تجزون خيار الثواب

стр. 772

وجاوبوا العذال عمن غدا … من سقمه لا يستطيع الجواب ولما مات رثاه الشيخ عبد الباسط بن خليل الحنفي بقوله: لقد أظلمت مصر وأقفرت الدنيا … لموت عديم المثل بل أوحد العصر سأعجب إن ضاءت ليالي عصرنا … وكيف يكون الضوء مع عدم البذر وفيه كانت الأسعار مرتفعة في سائر البضائع. وسبب ذلك إهمال كسباي المحتسب، فإنه لم ينظر في أحوال المسلمين فوبخه السلطان بالكلام، ثم بطحه وضربه بين يديه نحوا من عشرين عصا. فلما نزل من القلعة أطلق في السوقة النار وكذلك سماسرة القمح، وجرى بسبب ذلك أمور شتى. وفيه كانت وفاة الحافظ قطب الدين الأخيضري محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان ابن داود بن فلاح بن ضمرة الرملي الشافعي، وكان عالما فاضلا محدثا رئيسا حشما، وكان من أخصاء الأشرف قايتباي، وتولى عدة وظائف سنية: منها كتابة سر دمشق ونظر جيشها وقضاء الشافعية بها وغير ذلك من الوظائف، ومولده بعد الثلاثين والثمانمائة. وفيه بعث السلطان بالقبض على مملوكه أزبك النصراني، وكان قرر في نيابة كركر، فوقع منه غاية الفساد هناك، وآل أمره إلى أن حزت رأسه وعلقت على باب كركر وكان من أشرار الناس. وفيه من الحوادث: أنه أشيع بين الناس بأن فرس البحر قد ظهرت عند شبرا وصارت تتراءى للناس مدة، ثم اختفت وتحققت الأقوال بذلك. وفيه خلع السلطان علي أزبك اليوسفي المعروف بالخازندار، وقرره في رأس نوبة كبير عوضا عن تغري بردي ططر بحكم وفاته. وخلع علي شاد بك الخوخ بن مصطفى وقرره في الدوادارية الثانية عوضا عن قانصوه الألف بحكم انتقاله إلى التقدمة وكانت الدوادارية الكبرى شاغرة مدة طويلة. وأنعم على مملوكه طقطباي بامرية عشرة وجعله متحدثا في نيابة القلعة فاستمر بها من غير أن يخلع عليهن بها. وأنعم علي يشبك بن حيدر الذي كان والي القاهرة بتقدمة ألف مضافا لما بيده من الآخورية الثانية. وأنعم على مملوكه جانم الذي كان بالشام أميرا بتقدمة ألف، وكتب له بذلك البشارة وهو بالشام، وقرر مملوكه مغلباي الشريفي في تقدمة ألف مضافا لما بيده من ولاية القاهرة، فأقام على ذلك مدة حتى تقرر غيره.

стр. 773

وفيه كان ابتداء تفرقة النفقة على الجند كما استقر الحال عليهن فيما تقدم. وفيه توفي تقي الدين ناظر الزردخانة فلما مات قرر ولده عبد الباسط في نظر الزردخانة عوضا عن أبيه. وفيه جاءت الأخبار بأن شاه بضاع بن دلغادر حضر إلى الأبلستين، ومعه طائفة من عسكر ابن عثمان، وكبس على أخيه علي دولات وقبض على اثنين من أولاده، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد لهذا الخبر جدا. وفيه قرر الشهابي أحمد ابن الجمالي يوسف ناظر الخاص في نظرة الجيش وصرف عنها بدر الدين ابن أخيه كمال الدين. وفيه عين السلطان عدة من أمراء البلاد الشامية، فقرر في حجوبية دمشق يونس نائب البيرة، وقرر في نيابة البيرة اينال باي من جلبانه، وكان يقرب له، وقرر باكير بن صالح الكردي حاجب حلب في نيابة قلعة الروم، وقرر مملوكه قانصوه الغوري في جحوبية حلب عوضا عن باكير … وقانصوه هذا هو الذي تولى السلطنة فيما بعد. وقرر أركماس بن ولي الدين في دوادارية السلطان بدمشق، وقرر قاني بك البهنسا في دوادارية السلطان بحلب، وقرر في نيابة البهنسا كرتباي الأشرفي من مماليكه. فخرجت إليهم المراسيم بمعنى ذلك. وفيه أراد السلطان أن يقرر تاني بك الجمالي رأس نوبة كبير فامتنع من ذلك وصمم أنه ما يلي إلا أمرية مجلس عوضا عن برسباي قرا بحكم وفاته في التجريدة بحلب، فتغير خاطر السلطان علي تاني بك الجمالي، وقصد نفيه إلى مكة بسبب ذلك، وأقام على ذلك أياما لا يطلع القلعة. ثم أرسل خلفه ووعده بها، وصار يتكلم فيها على كره منه. وفيه أرسل السلطان خلعة إلى عبد الرازق أخي علي دولات، وقرره في أتابكية حماة عوضا عن ابن طرغل ونقل ابن طرغل إلى نيابة طرسوس. وفيه جاءت الأخبار من عند نائب حلب بأن عسكر ابن عثمان لما بلغهم رجوع العسكر المصري طمعوا في أخذ البلاد الحلبية، وأرسل يستحث السلطان في خروج تجريدة بسرعة لحفظ مدينة حلب. فلما بلغ السلطان ذلك عرض العسكر وعين تجريدة، وكتب عدة وافرة من الجند الذين كانوا مقيمين بالقاهرة، وجعل الباش على هذه التجريدة قانصوه الشامي أحد المقدمي الألوف، ومن الأمراء الطبلخانات يشبك رأس نوبة ثاني، وأزدمر الفقيه الظاهري، وكرت باي بن تمرباي ابن أخت السلطان، واصطمر بن ولي الدين أحد العشراوات. ثم أنفق عليهم وعلى الأمراء وأمرهم بسرعة الخروج إلى التجريدة من غير إهمال. *****

стр. 774

وفي جمادى الأولى توفي الشيخ محب الدين أخو قاضي القضاة الشافعي ولي الدين الأسيوطي، وكان عالما فاضلا وناب في الحكم وتولى خطابة الجامع المؤيدي، وكان لا بأس به. وفيه توفي القاضي بدر الدين محمد بن الحليس أحد نواب الحنابلة وكان من أعيان الناس مشكور السيرة. وفيه أنعم السلطان على طوخ المحمدي البجمقدار بامرية عشرة. ***** وفي جمادى الآخرة رسم السلطان بسلخ شخص يسمى أحمد بن الديوان من أهل حلب فسلخه في المقشرة، وسلخ مع والده محمد وأشهروهما في القاهرة علي جمال. وكان أحمد بن الديوان من أعيان الناس الرؤساء بحلب، وكان من أخصاء السلطان، فنقل عنه أنه كاتب ابن عثمان في شيء من أخبار المملكة. فلما بلغ السلطان ذلك تغير خاطره عليه، وجرى عليه أمور يطول شرحها. وكانت من الوقائع المهولة. وفيه خرجت التجريدة ومن عين بها من الأمراء والعسكر وكان يوما مشهودا. قيل قد بلغت النفقة على الأمراء والجند في هذه التجريدة الخفيفة نحوا من مائة وخمسين ألف دينار غير جامكية أربعة أشهر، وثمن الجمال. وكان السلطان دريا في خروج هذه التجريدة لصون مدينة حلب. وفيه قدم قاصد من عند داود باشا وزير ابن عثمان يشير على السلطان بأن يبعث قاصدا إلى ابن عثمان لعل أن يكون الصلح. فرد له الجواب: "إذا أطلق تجار المماليك الذين عنده، وبعث مفاتيح القلاع التي أخذها، كاتبناه في أمر الصلح، وأرسلنا له قاصدا". .. ولكن جرى بعد هذه الواقعة أمور شتى. ***** وفي رجب خلع السلطان علي تاني بك المحمدي الأينالي أحد العشراوات وقرره في شادية الشون وأشركوا معه أقبردي ططر الظاهري أحد الأمراء العشراوات أيضا. وفيه توفي جمال الدين الكوراني شيخ خانقاه سعيد السعداء، وهو عبد الله بن محمد بن حسن ابن خضر بن محمد الأردبيلي الشافعي وكان عالما فاضلا دينا خيرا ومولده بغد الثلاثين والثمانمائة. *****

стр. 775

وفي شعبان قرر في مشيخة خانقاه سعيد السعداء الشيخ زين الدين عبد الرحمن القناوي الشافعي عوضا عن جمال الدين الكوراني بحكم وفاته. وفيه ثارت فتنة من المماليك الجلبان، بسبب العشرة دنانير التي تأخرت لهم من الخمسين التي استقر الحال عليها في أمر النفقة فما سكنت الفتنة حتى أنفقها لهم. وفيه حضر إسكندر بن جيحان أحد الأمراء المقدمين لابن عثمان، وقد أسره بعض النواب، وكان علي دولات هو القائم في القبض عليه فكان له بالقاهرة لما دخل يوم مشهود. وأسر معه جماعة من العثمانية، فلما عرضوا على السلطان رسم بسجنهم. وفيه توفي سودون الثور أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به. وتوفي الطواشي مرجان الجمالي المعروف بستمائة وكان من أعيان الطواشية. وفيه في آخر يوم منه كان وفاء النيل المبارك. ***** وفي مستهل رمضان كان فتح السد عن الوفاء، ووافق ذلك سادس مسرى فنزل أزبك أمير كبير وفتح السد على العادة. وقيل إن جماعة من أوباش العوام أفطروا في ذلك اليوم من شدة الحر والعطش. وفي أثناء ذلك عمل الأتابكي أزبك وقدة هائلة وحراقة نفط في بركة الأزبكية، وعزم على الأمراء وكانت ليلة حافلة. ***** وفي شوال كان أول توت وهو يوم النوروز عند القبط وكان عيد الفطر عند المسلمين، فعد ذلك من النوادر. وفيه خرج الحاج على العادة وكان أمير ركب المحمل أزدمر تمساح، وكان الحج في تلك السنة قليلا. وفيه جاءت الأخبار من سواكن بوفاة الصاحب خشقدم الأحمدي، وكان رئيسا حشما من أعيان الطواشية وتولى عدة وظائف سنية منها الوزارة والزمامية والخازندارية الكبرى، وكان ظالما غشوما عسوفا من وسائط السوء. وفيه توفي الشيخ أبو الفضل محمد المحلي الحنفي، وكان من أعيان الحنفية. ***** وفي ذي القعدة توفي الطواشي مرجان، وكان لا بأس به. وفيه توفي نوروز أخو برسباي قرا أمير مجلس وكان من الأمراء العشراوات من خيار الظاهرية وكان لا بأس به.

стр. 776

وفيه توفي الشيخ جعفر بن إبراهيم السنهوري الشافعي شيخ القراء بمصر، وكان يقرأ بأربع عشرة رواية. وكان علامة في القراءات. وفيه جاءت جماعة من تجار الإسكندرية يشكون من نائبها علي باي بأنه جار عليهم بالظلم والمصادرات فأرسل إليه السلطان يحذره من ذلك. ***** وفي ذي الحجة أنعم السلطان علي سيباي نائب سيس بامرية عشرة، وكذلك كسباي بن أزبك الساقي. وفيه توفي شعبان الزواوي شيخ القبانيين. وكان علامة في صنعة القبانة والتحرير في الأوزان. وفيه توفي سليمان بن محمد المغربي، وكان فاضلا في علم الميقات وله شهرة في ذلك. سنة خمس وتسعين وثمانمائة (١٤٨٩ م): فيها، في المحرم، كسفت الشمس كسوفا تاما حتى أظلمت الدنيا، وثارت عقيب ذلك رياح عاصفة حتى فزع الناس من ذلك. وفيه قدم إلى القاهرة شاه بضاع بن دلغادر، وقد تقدم القول بأنه هرب من قلعة دمشق، وكان مسجونا بها. فلما هرب توجه إلى ابن عثمان والتف على عسكره وملك الأبلستين، واستمر في عصيانه مدة طويلة. ثم وقع بينه وبين ابن عثمان فتنة وقصد قتله ففر منه والتجأ إلى السلطان. فلما جاء إليه أكرمه السلطان وخلع عليه. ثم بعد مدة أرسله إلى منفلوط ليقيم بها وأجرى عليه ما يكفيه فعد ذلك من جملة سعد السلطان وكانت من النوادر. ***** وفي صفر توفي الطواشي سرور السيفي قراقجا الحسني وكان لا بأس به وتولى رأس نوبة السقاة وغير ذلك. وفيه كان اقتران المريخ مع زحل فأفرط البرد في تلك الأيام حتى أحرق الأشجار وجمدت المياه. وذكر بعض المنجمين أن هذا الاقتران يدل على وقوع فتن، وأن البرد يستمر أياما متوالية في تزايد من الإفراط، وصار الثلج ينزل في الليل، وينعقد على الجدران بناحية الجيزة، ومات الكثير من الحرافيش من شدة البرد، فكان كما قيل:

стр. 777

ويوم برد مد أنفاسه … يخمش الأوجه من قرصها يوم تود الشمس من برده … لو جرت النار إلى قرصها وفيه كثرت الشكاوى في محمد بن إسماعيل قاضي ألواح، فأمر السلطان بإحضاره، فلما حضر ضربه بالمقارع، ثم أشهره بالقاهرة وهو على حمار، ثم سجنه بالمقشرة فمات بها بعد أيام وكان من كبار الظلمة من المفسدين في الأرض. فلما خرجت جنازته ثار عليه جماعة كثيرة من أولاد أخيه ورجموه بالحجارة وهو في النعش، وأرادوا حرقه، فما خلصوه ودفنوه إلا بعد جهد كبير. ***** وفي ربيع الأول جاءت الأخبار من عند علي دولات بأن ابن عثمان اهتم في تجهيز عساكر وقد وصل أوائلهم إلى كولك. فلما بلغ السلطان ذلك تنكد، وجمع الأمراء وأخذ رأيهم في ذلك فوقع الاتفاق على خروج تجريدة صحبة أمير كبير، ثم أخذ السلطان في أسباب جمع الخمس من نواحي الشرقية كما فعل عند خروج التجريدة الماضية لأجل فرسان العرب لتخرج صحبة أمير كبيرة باش العسكر، فحصل للمقطعين بسبب ذلك غاية الأذى وقطع الخمس من خراجهم مرتين. وفيه عرض السلطان أولاد الناس أصحاب الجوامك من ألف درهم فما دونه - وكان أمرهم أن يتعلموا رمي البندق الرصاص قبل ذلك - فلما عرضهم ورموا قدامه كتبهم في التجريدة، وأنفق عليهم كل واحد ثلاثين دينارا، وكل اثنين أشركهم في جمل أعطاه لهم وخرجوا صحبة التجريدة. وفيه خلع السلطان علي قيت بن قانم الساقي وقرره في ولاية القاهرة، عوضا عن مغلباي الشريفي بحكم انتقاله إلى التقدمة وكان متكلما في الولاية مع التقدمة. وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا. وفيه نادى السلطان للعسكر بالعرض وأشيع أمر التجريدة إلى ابن عثمان. فلما عرضهم السلطان بادر إليهم بتفرقة النفقة، ثم وقع في ذلك اليوم بعض اضطراب من المماليك الجلبان، وقام السلطان من الدكة ونزل وقال: "أنا أنزل لكم عن السلطنة وأمضى إلى مكة"، فتطلف به الأمراء. ثم آل الأمر بعد ذلك إلى أن أنفق عليهم لكل مملوك مائة دينار على العادة، وجامكية أربعة أشهر، وثمن جمل سبعة أشرفية. فأنفق في ذلك على

стр. 778

عدة طباق. واستمر على ذلك حتى أكمل النفقة ثم حملت نفقة الأمراء المقدمين والطبلخانات والعشراوات وقد تعينوا للسفر أجمعين. ولم يبق بمصر سوى أقبردي الدوادار وأزدمر تمساح، فكانوا على الحكم الأول كما تقدم، فبلغت النفقة على الأمراء والجند نحوا من خمسمائة ألف دينار. وكانت هذه التجريدة آخر تجاريد الأشرف قايتباي إلى ابن عثمان وغيره ولم يجرد بعدها أبدا ثم نادى للعسكر بألا يخرج منهم أحد قبل الباش، فما سمعوا له شيئا. وفيه قرر تنم الرحبي الخاصكي الخازندار في نيابة جدة عوضا عن جاهين الجمالي، وقد سئل الإعفاء عن ذلك. وفيه تعين كرتباي كاشف البحيرة في امرية الحاج بركب المحمل، وعين اينال الفقيه الحاجب الثاني في الركب الأول. ***** وفي خامس عشر ربيع الآخر خرج أمير كبير أزبك من القاهرة، قاصدا البلاد الحلبية، وصحبته الأمراء والعسكر وكانت عدتهم عشرة وهم على ما ذكرناه في التجريدة الماضية، وأما الأمراء العشراوات والطبلخانات فكانوا زيادة على الخمسين أميرا. وأما المماليك السلطانية فكانوا زيادة عن أربعة آلاف مملوك، فكان لهم يوم مشهود، حتى رجت لهم القاهرة. واستمرت الأطلاب تنسحب من إشراق الشمس إلى قريب الظهر، وخرج مماليك الأمراء وهم باللبس الكامل من آلة السلاح، فعدت هذه التجريدة من نوادر التجاريد وقد طال الأمر بين السلطان وبين ابن عثمان في أمر الفتن والأمر لله. ***** وفي جمادى الأولى رسم السلطان بنقل إسكندر ابن النحال من البرج الذي في باب السلسلة إلى دار كاتب السر البدري ابن مزهر، وأمره بالحفظ عليه. وفيه جاءت الأخبار من مكة بوقوع سيل عظيم في خامس صفر، وقيل إنه بلغ إلى الحجر الأسود وهدم عدة أماكن، وحصل منه غاية الضرر. ***** وفي جمادى الآخرة قويت الإشاعات بسفر السلطان بنفسه إلى حلب. ونزل إلى الميدان وعرض الهجن وعين جماعة من الخاصكية للسفر معه، وأمر من بقي من العسكر بعمل بركهم، وأن يكونوا على يقظة من السفر.

стр. 779

وفيه وصل أقبردي الدوادار من البحيرة، وكان قد خرج بسبب فساد العربان. ***** وفي رجب كان ختان ابن السلطان المقر الناصري محمد الذي تسلطن بعده وكان عمره يومئذ نحوا من سبع سنين وأشهر، وكان المهم بالقلعة سبعة أيام متوالية، وكان من نوادر المهمات فاجتمع به سائر مغاني البلد، ورسم السلطان أن تزين القاهرة فزينت زينة حافلة حتى زينوا داخل الأسواق المشهورة وغير ذلك، وخرج الناس في القصف والفرجة عن الحد. وكان العسكر غائبا في التجريدة والناس في أمن من أذى المماليك. وكانت تلك الأيام مشهودة لم يسمع بمثلها، ودخل على السلطان من التقادم ما لا يحصي من مال وخيول وقماش وسكر وأغنام وأبقار وغير ذلك مما يزيد على خمسين ألف دينار. وكان من جملة ما أهداه الشهابي أحمد بن العيني طست وأبريق ذهب زنته ستمائة مثقال برسم الختان، وأشياء كثيرة غير ذلك. واختتن مع ابن السلطان جماعة كثيرة من أولاد الأمراء والأعيان والخاصكية فكانوا زيادة عن أربعين ولدا. فرسم لكل صبي منهم بكسوة على قدر مقام أبيه فكان من جملة أولاد الأعيان ابن الخليفة أمير المؤمنين عبد العزيز وهو ابنه سيدي عمر وابن الجمجمة بن عثمان، وأولاد العلائي علي بن خاص بك وغير ذلك من أولاد الأمراء والأعيان. فلما كان يوم الخميس عشرية اجتمع الأمراء والأعيان من الناس بالحوش السلطاني، وركب ابن السلطان من قاعة البحرة ومشت قدامه الأمراء والخاصكية وهم بالشاش والقماش، ومشي قاضي القضاة الحنفي ناصر الدين الأخميمي، وسائر أعيان المباشرين وأولاد الجيعان، وأعيان الخدام، وكان ماسك لجام الفرس الأمير أقبردي الدوادار والشهابي أحمد ابن العيني وهم بالشاش والقماش، ولم يكن بمصر من الأمراء المقدمين غير الأمير أقبردي الدوادار والأمير أزدمر تمساح والأمير أزدمر المسرطن واستمر ابن السلطان في ذلك الموكب من قاعة البحرة إلى باب الستارة والسلطان جالس في المقعد ينظر إليه، وفرشت تحت فرسه الشقق الحرير، ونثر على رأسه خفائف الذهب والفضة، ولاقته المغاني فنزل عن فرسه بباب الستارة ودخل به قاعة البيسرية فكان الختان بها، وقيل دخل على المزين نحو من خمسة آلاف دينار. فأنعم عليه من ذلك بألف دينار، والباقي تقاسمه الرؤساء من المزينين، وعد هذا الختان من النوادر. ثم نزل ابن الجمجمة وأولاد العلائي علي بن خاص بك وتوجهوا إلى بيوتهم، فشفوا من القاهرة في موكب حافل، ورسم للقضاة الأربعة بأن يركبوا قدامهم ففعلوا ذلك.

стр. 780

وفيه كانت وفاة الزيني خضر بن سنان النوروزي الجركسي وكان رئيسا حشما من أعيان الناس وله اشتغال بالعلم على مذهب أبي حنيفة ﵁ ورحمه. وكان في سعة من المعيشة، ومات وهو في عشر الستين. وفيه خسف القمر ودام في الخسوف نحوا من أربعين درجة حتى انجلى. وفيه عين السلطان جماعة من الجند إلى مكة وجعل عليها باش أقبردي تمساح الظاهري أحد الأمراء العشراوات، وعين الطواشي إياس الشامي في مشيخة الحرم النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. وفيه ثار مماليك أقبردي الدوادار عليه، وحاصروه وهو في داره، وطلبوا منه زيادة في جوامكهم. فبعث إليه السلطان بالوالي فقبض على جماعة منهم وضربهم بالمقارع وقطع أيدي جماعة منهم وفر الباقون إلى الجامع الأزهر، وأقاموا به أياما، ثم آل الأمر إلى أن نفى طائفة منهم إلى جهة فوص وطائفة إلى البلاد الشامية، فسكن الحال قليلا. وفيه وصل هجان من عند العسكر، وأخبر بأن العسكر قصد التوجه إلى بلاد ابن عثمان وقد أرسلوا ماماي الخاصكي رسولا إلى ابن عثمان، فلما أبطأ عليهم خبره زحف العسكر المصري على أطراف بلاد ابن عثمان ووصلوا إلى قيسارية، وفتكوا بها ونهبوا عدة من ضياعها وأحرقوها، ثم فعلوا مثل ذلك بعدة أماكن من بلاد ابن عثمان وانقسموا فرقتين، فرقة إلى ماوندة وفرقة مقيمة بكولك ينتظرون ما يكون من هذا الأمر، ثم حضر جان بلاط الغوري أحد مماليك السلطان وكان من الأمراء العشراوات يومئذ وأخبر بأن العسكر في قلق زائد بسبب الذي هناك، وأن العليق ما يوجد، وأنهم قد عولوا على المجيء إلى مصر، فما سر السلطان ذلك. ***** وفي شعبان رفعت امرأة قصة للسلطان تشكو فيها من بدر الدين بن القرافي أحد نواب المالكية، فأمر السلطان بإحضاره فلما حضر ضربه بين يديه ضربا مؤلما، وآل أمره إلى أن غرم في هذه الكائنة مالا له صورة بعد عقد مجلس بينه وبين المرأة التي رافعت فيه. وفيه كانت البشارة بالنيل المبارك وجاءت القاعدة سبعة أذرع إلا ثماني أصابع. وفيه قرر شهاب الدين بن الصيرفي في تدريس الشافعية بالخانقاه الشيخونية عوضا عن جلال الدين ابن اللبانة بحكم نزوله عنها، ولم ينزل أحد عن هذه الوظيفة قبل اليوم قط إلا أن تخرج عنه بحكم وفاته.

стр. 781

وفيه تغير خاطر السلطان علي دقاق نائب القدس الشريف، وفخر الدين بن نسيبة من أعيان بيت المقدس، فرسم باحضارهما، فلما حضرا أمر بضربهما، فلما ضربا بين يديه أمر بنفي ابن نسيبة إلى ألواح حتى شفع فيه. ***** وفي رمضان قبض الوالي على جماعة من المماليك الأروام وجدهم يشربون الخمر في رمضان نهارا فضربهم، وأشهرهم بالقاهرة وسجنهم. وفيه أخبرني من أثق به، أنه رأى بأسوان شخصا أسمر اللون وله عين واحدة في جبهته، وله أنف نابت في وجهه تحت تلك العين، وبين أنفه وفمه نحو من أربع أصابع، فكان من جملة الأعاجيب. وفيه ظهرت في القاهرة امرأة ولها ثلاثة أبزاز، أحدها تحت أبطها. وفيه في رابع مسري كان وفاء النيل المبارك ونزل أزدمر تمساح وفتح السد على العادة، وكان الوفاء في عاشر شهر رمضان. ومن النوادر أنه زاد في اليوم الثالث من مسرى ثلاثة وثلاثين أصبعا في دفعة واحدة. وفيه توفي برهان الدين التتائي أخو شرف الدين الأنصاري، وهو أبراهيم بن علي بن سليمان التتائي الأنصاري المالكي، وكان رئيسا حشما وله اشتغال بالعلم. ومولده سنة عشرين وثمانمائة. وفيه حضر هجان وأخبر بأن العسكر على حصار قلعة كوارة، ومات في مدة المحاصرة قانصوه بن فارس المعروف بقرا وهو من مماليك السلطان، وكان من الأمراء العشراوات، ثم أخذت هذه القلعة فيما بعد وهدمت إلى الأرض. ***** وفي شوال كان الموكب السلطاني في يوم عيد الفطر بالحوش على العادة التي استجدها السلطان في غيبة الأمراء، فلم يحضر في موكب العيد سوى الأمير أزدمر تمساح، وكان أقبردي الدوادار مسافرا إلى جهة البحيرة بسبب فساد العربان، فجلس السلطان بالحوش على الدكة، وخلع على المباشرين وأرباب الدولة وانفض الموكب سريعا. وفيه تزايد شر العبيد حتى خرجوا في ذلك عن الحد وصار يقتل بعضهم بعضا حتى أعيا الوالي أمرهم وصاروا طائفتين، طائفة تعادى طائفة.

стр. 782

وفيه قرر في قضاء الشافعية بحلب شمس الدين محمد بن عثمان الزعيم، عوضا عن عز الدين الحسباني. وفيه قرر شمس الدين محمد بن أبي الفتح الكتبي في مشيخة القبانين، ثم تولى بعد ذلك التحدث على مباشرة بندر جدة. ***** وفي ذي القعدة رسم السلطان بنقل سوق الحمير من عند باب الميدان إلى جهة مدرسة قاني باي الجركسي، واستمر على ذلك إلى الآن. وفيه ابتدأ السلطان بعمارة المكان الذي أنشأه على بركة الفيل برسم ولده المقر الناصري، وكان يظن أن ولده يسكن بعده فيه ويستمر مقيما بمصر فجاء الأمر بخلاف ذلك. وفيه أفرج السلطان عن علاء الدين الحنفي نقيب قاضي القضاة الشافعي، وكان قاسي شدائد ومحنا، وأقام في الترسيم مدة طويلة، وغرم جملة من المال. وفيه رسم السلطان بقلع عيني شخص يقال له علي بن محمد المرجوشي، وقطع لسانه أيضا. وسبب ذلك أنه أوحى إلى السلطان بأنه يعرف علم صنعة الكيمياء، فانصاع له السلطان حتى أتلف عليه جملة مال له صورة، ولم يستفد من ذلك شيئا. وفعل نظير ذلك بالأمير تمراز الشمسي أمير سلاح فأتلف عليه جملة مال ولم يستفد من هذا شيئا. فحنق منه السلطان وفعل به ما فعل. وفيه خرج الأمير أقبردي الدوادار مسافرا إلى جهة نابلس، وحصل منه غاية الضرر للناس، من ذلك أنه أخذ جمال السقائين لحمل سنيحه حتى عز وجود الماء وغلا سعر الراوية بسبب ذلك وضاق الأمر. وفيه خلع السلطان على الطواشي فيروز وقرره في الزمامية عوضا عن الصاحب خشقدم بحكم نفيه إلى قوص. وفيه جاءت الأخبار بموت أقبردي ططر الظاهري جقمق أحد العشراوات وشاد الشون، وكان لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار بأخذ قلعة كوارة من يد عسكر ابن عثمان فسر السلطان بذلك. ثم بعد مدة وردت عليه الأخبار بأن العسكر قلق وهو طالب المجيء إلى مصر. فتنكد السلطان لذلك، وأرسل عدة مراسيم للأمراء بالإقامة فما سمعوا له شيئا. ثم جاءت الأخبار بأن أزبك أمير كبير قد دخل إلى الشام وهو والأمراء والنواب والعسكر قاصدين الدخول

стр. 783

إلى القاهرة من غير إذن. وقد جاءوا طالبين وقوع فتنة وصرحوا بذلك. ثم نودي من قبل السلطان بأن العسكر الذي قدم من التجريدة يصعد إلى القلعة، فامتنع المماليك من ذلك ولم يصعدوا إلى القلعة. وفيه جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأن الفرنج قد استولوا على مدينة غرناطة، وهي دار ملك الأندلس، ووقع بسبب ذلك أمور شتى يطول شرحها، وقتل من عساكر الغرب والفرنج مقتلة عظيمة، ثم بعد ذلك وقع الصلح بين أهل غرناطة والفرنج. وقرر للفرنج في كل سنة شيء من المال يوردونه لهم. وفيه توفي قاضي قضاة المالكية محيي الدين ابن تقي وهو عبد القادر بن أحمد بن محمد بن علي بن تقي الدميري المالكي. وكان عالما فاضلا من أعيان المالكية رئيسا حشما، وناب في الحكم مدة وكان لا بأس به، وأخذ العلم عن جماعة من الأقدمين كالبساطي والشيخ عبادة والشيخ طاهر وغير ذلك من المشايخ. وفي السنة المذكورة كانت وفاة الشيخ الصالح المعتقد سيدي أحمد بن عقبة اليمني وكان من كبار أولياء الله تعالى. وتوفي القاضي فتح الدين محمد السوهاجي وكان من أعيان نواب الشافعية، وتوفي زين الدين الطوخي الخالدي وكان من الفضلاء وله نظم جيد. سنة ست وتسعين وثمانمائة (١٤٩٠ م): فيها، في مستهل المحرم، كان دخول أزبك أمير كبير ومن معه من الأمراء والعسكر، ودخلوا إلى القاهرة في موكب حافل، وكان لهم يوم مشهود. فلما طلعوا إلى القلعة خلع السلطان علي أزبك أمير كبير وعلى بقية الأمراء، ونزلوا إلى دورهم وهذه آخر تجاريد أزبك أمير كبير إلى البلاد الحلبية. وفيه قرر السلطان كرتباي ابن أخته في شادية الشراب خاناه، وقرر مملوكه جان بلاط بن يشبك في تجارة المماليك. وفيه أشيع بين الناس أن المماليك يقصدون إثارة فتنة ويرومون نفقة على جاري العادة، فأقسم السلطان بالله العظيم أنهم إن طلبوا نفقة يتوجه تحت الليل إلى مكة المشرفة ويقيم بها. وفيه توفي قاضي القضاة المالكية كان، وهو إبراهيم بن عمر بن محمد بن موسى بن جميل اللقاني المالكي الأزهري، وكان عالما فاضلا بارعا في مذهبه دينا خيرا رئيسا حشما مات وهو منفصل عن القضاء، وكان محمود السيرة في أفعاله.

стр. 784

وفيه توفي الشيخ سنان الأونجاني الحنفي وهو يوسف بن موسى بن سعد الدين، وكان قرر في مشيخة تربة الأمير يشبك الدوادار وكان من أعيان الناس الحنفية. وفيه توفي الشيخ زين الدين عبد الرحمن الشنتاوي شيخ خانقاه سعيد السعداء، وكان عالما فاضلا دينا خيرا لا بأس به. وفيه توفي الشيخ حافظ العجمي المقري وكان لا بأس به. وفيه أنعم السلطان على أربعة من خاصكيته بأمريات عشرة منهم برد بك بن بير على الذي كان بقي مقدم ألف وخرج إلى مكة المشرفة بعد كائنة أقبردي الدوادار، وأمّر أيضا قيت الرحبي الذي تولى الأتابكية فيما بعد، وأمّر أيضا مصرباي الذي تولى الدوادارية الكبرى فيما بعد، وأمّر أيضا كمشبغاي الذي تولى نيابة الإسكندرية ومات بها. ***** وفي صفر أنعم السلطان علي جانم الذي كان نائب قلعة حلب بتقدمة ألف، وقد تعينت له قبل أن يحضر إلى القاهرة، فأقام جانم في هذه التقدمة نحوا من سنة ومات بالطاعون في السنة الآتية. وفيه قدم الشهابي أحمد بن فرفور من دمشق وأشيع عنه بين الناس أنه جاء يسعى في كتابة السر، فما وافق السلطان على ذلك. فأقام في مصر مدة ثم عاد إلى دمشق. وفيه جلس السلطان لتفرقة الجامكية فقطع في ذلك اليوم عدة جوامك من جماعة الجند نحوا من ثمانين إنسانا من الشيوخ والعواجز والضعفاء، فكثر عليه الدعاء من الناس في ذلك اليوم بسبب ذلك. ***** وفي ربيع الأول خلع السلطان على الشيخ عبد الغني بن تقي وقرره في قضاء المالكية عوضا عن أخيه محيي الدين بحكم وفاته. وفيه رسم السلطان للأتابكي أزبك بأن يتوجه إلى شبرمنت بنواحي الجيزة بسبب عمارة القناطر التي هناك، فصرف عليها السلطان نحوا من خمسة آلاف دينار بسبب ترميمها، فجاءت من أحسن البناء. وبنى هناك رصيفا به نفع للمسافرين في أيام النيل، وبنى هناك لنفسه منظرة وغيطا على بركة هناك، فجاء ذلك غاية في الحسن من أجل المتنزهات وهو باق إلى الآن. وفيه من الحوادث المهولة أنه في أثناء الشهر المذكور توجه السلطان إلى قبة يشبك الدوادار كان، التي هي في رأس دور الحسينية فجلس هناك وأرسل خلف القضاة الأربعة

стр. 785

فحضر القاضي الشافعي زين الدين زكريا، والقاضي الحنفي ناصر الدين بن الأخميمي، والقاضي المالكي عبد الغني بن تقي، والقاضي الحنبلي بدر الدين محمد السعدي. فلما تكامل المجلس شرع السلطان في التكلم معهم فذكر لهم أن ابن عثمان ليس براجع عن محاربة عسكر مصر، وأن أحوال البلاد الحلبية قد فسدت آلت إلى الخراب، وأن التجار منعوا ما كان يجلب إلى مصر من الأصناف، وأن المماليك الجلبان يرومون مني نفقة، وإن لم أنفق عليهم شيئا نهبوا مصر والقاهرة، وحرقوا البيوت، ومتى رجع عسكر ابن عثمان إلى البلاد الحلبية لا يخرج العسكر من مصر حتى أنفق عليهم … ثم شرع يقسم بالله تعالى أنه ما بقي في الخزائن شيء من المال لا كثير ولا قليل. والقصد أن أفرض على الأوقاف والأملاك التي بمصر والقاهرة من أماكن وغيطان وحمامات وطواحين وأفران ومراكب وغير ذلك أجرة سنة كاملة أستعين بها على خروج التجريدة. فسكت المجلس ساعة. ثم قال القاضي الشافعي: "لعل الله تعالى يكفيكم مؤنة ذلك". وقال القاضي المالكي: "إن أجرة سنة كاملة تثقل على الناس ولا يطيقون لك، فإن كان ولا بد من ذلك فلنفرض عليهم أجرة خمسة أشهر، وقبل ذلك فرض عليهم أجرة شهرين، فهذه سبعة أشهر وما يطيق الناس أكثر من ذلك". فتوقف السلطان، ثم آل الأمر إلى ما قاله قاضي القضاة المالكي، وانفض المجلس على ذلك فلما بلغ الناس ما وقع، اضطربت الأحوال وكثر القال والقيل في ذلك، وأشيع عن السلطان أنه يفرض على الجماجم من كل ذكر وأنثى من كبير وصغير على كل راس دينارين ذهبا، وتكلموا من هذا النمط بأشياء كثيرة. ثم بعد أيام رسم السلطان لتغري بردي الأستادار بأن يكون متكلما في جباية الأملاك. من باب زويله إلى دير الطين. ورسم لابن الصابوني ناظر الخاص بأن يكون متكلما في جباية الأملاك من باب زويلة إلى خارج الحسينية. فعند ذلك اضطربت الأحوال وتزايدت الأهوال، وتوجهت الرسل الغلاظ الشداد، ولم يراعوا الوداد، وأكثر الناس صاروا رسلا. وطلبوا أعيان الناس، وانقطع الرجاء بالياس، وصار الإنسان يخرج من داره فيرى أربعة من الرسل في استنظاره. فيكون نهاره أعبر، ويخرج وهو في أذياله يتعثر، فيقدحون فيه الزناد، ولا يرى له من اعتماد، وقد قال بعض الموالة في هذا المعنى: غرمت شهرين عن أجرة مكاني أمس … وأصبحت مغموس في بحر المغارم غمس أقسم برب الخلايق والقمر والشمس … ما طقت شهرين كيف أقدر أطيق الخمس

стр. 786

وقد جرى في هذه الواقعة أمور عجيبة، وحكايات غريبة، فمن ذلك أن بعض الرسل توجه نحو الحسينية، فأتى امرأة ساكنة في حوش ولم يجد عندها شيئا من متاع الدنيا، فطالبها ذلك الرسول بأجرة الحوش الذي هي ساكنة فيه، فجاء عليها من الأجرة عشرون نصفا عن مدة خمسة أشهر، فلم تجد شيئا تعطيه للرسول فأغلظ عليها وخرج منه الحد. فلما رأت منه ذلك وكان عندها شجرة نبق في الحوش، فقالت له اقطع هذه الشجرة وبعها وخذ ثمنها في نظير ما جاء على … فأحضر القطاعين وقطع تلك السدرة وحملها ومضى. وقد حصل للمرأة غاية الضرر لقطع شجرتها التي كانت تستظل تحتها في أيام الصيف. وكانت هذه الحادثة من أشنع الحوادث في دولة قايتباي. وياليته صرف هذا المال في شيء عاد نفعه على الناس، ولكن صرفه في غير مستحقه وراح في البطال ولم ينتفع به كما سيأتي ذكر ذلك. وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا. وفيه كانت مصادرة المهتار رمضان، فضيق عليه السلطان حتى أخذ منه ستين ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. وكان المهتار متحصله في كل يوم فوق الأربعين دينارا خارجا عن جهاته وحماياته، وغير ذلك. وكان متحدثا في نظر الكسوة وغير ذلك من الجهات السلطانية، ورأى من العز والعظمة ما لم يره غيره من المهاترة السلطانية. ***** وفي ربيع الآخر ثارت المماليك الجلبان على السلطان، فطلبوا منه نفقة بسبب هذه النصرة التي وقعت لهم. فلما رأى منهم عين الجد أنفق عليهم على العادة، كما تقدم شرح ذلك. وفيه عين السلطان قرقماش أمير أخور ثاني ليتوجه إلى دمشق بسبب جباية أملاك دمشق عن خمسة أشهر، كما وقع بمصر. وعين قاصدا أيضا إلى ثغر الإسكندرية ودمياط، وكانت هذه المصيبة عامة على الناس، حتى أخذ من أوقاف البيمارستان خمسة أشهر، وانقطع معلوم الأيتام الضعفاء في رواتبهم مدة خمسة أشهر، وكذلك سائر أوقاف الجوامع والمدارس والترب. وقطع معلوم الصوفية والصدقات الجارية. فلما توجه قرقماس المذكور إلى دمشق أظهر بها من المظالم أشياء كثيرة لم يفعلها هناد في زمانه. وقرقماس هذا هو الذي تولى نيابة حلب فيما بعد، وقبض عليه طومان باي الدوادار لما خرج إلى الشام بسبب عصيان قصروه نائب الشام. فسجن قرقماس هذا بقلعة دمشق ثم عاد إلى مصر، وقد تولى الأتابكية. *****

стр. 787

وفي جمادى الأولى خلع السلطان علي تاني بك الجمالي وقرره في امرية مجلس عوضا عن برسباي قرا المحمدي بحكم وفاته في حلب. وكانت امرية مجلس شاغرة مدة طويلة. وكان تاني بك الجمالي متكلما فيها بغير تقرير. وفيه انتهت عمارة ابن الجيعان أبو البقاء من تجديد ما عمره في الزاوية الحمراء التي عند قناطر الأوز، وصارت من جملة متفرجات القاهرة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء: عجبت لجامع قد زاد حسنا … وأبدع في التزخرف والبناء به الأنهار تجري في جنان … وقصر شاهق لأبي البقاء وصنع هناك جامعا بخطبة وجاء من أحسن البناء. وفيه انفصل علي باي عن نيابة ثغر الإسكندرية وأتى إلى مصر معزولا. وفيه قدم اقبردي الدوادار وكان مسافرا إلى جهة نابلس فأهلك الحرث والنسل في هذه السفرة وحضر صحبته أركماس بن ولي الدين دوادار السلطان بدمشق، وقد كثرت فيه الشكاوى فاستجار بالأمير أقبردي وحضر صحبته. وفيه جاءت الأخبار من بلاد الكرك بأنه ظهر بها في قبيلة بني لام رجل من بني آدم ذقنه قدر غربال القمح، وكان يأكل اللحم التي بعظمه، ويأكل الجيف من على الكيمان، وربما افترس من بني آدم جماعة، وكان يفترس البقر والغنم، وكانوا يخرجون إليه جماعة من بني لام ويرمونه بالنشاب، فلا يؤثر ذلك فيه ولو ضربوه بالسيوف وكان إذا صرخ تسقط منه الحوامل. فلما قوى تسلطه على ذلك المكان رحل عنه بنو لام وتركوه له. وقد أعيان الناس أمره … وهذه الواقعة مشهورة بين الناس، وقد وصل مطالعة إلى السلطان بمعنى ذلك. وفيه أرسل السلطان مراسيم إلى نائب الشام بأن يجمع أعيان التجار بها ومساتير الناس، ويفرض عليهم الأموال الجزيلة كل واحد على قدر مقامه مساعدة للسلطان على خروج التجريدة، كما فعل بمصر. وكتب بمعنى ذلك مراسيم إلى الإسكندرية ودمياط. وأشيع بين الناس أن السلطان يخرج هذه المرة بنفسه. وقد قويت الإشاعات بذلك. ***** وفي جمادي الآخرة وقعت بالقاهرة زلزلة خفيفة وماجت الناس، ثم سكنت بعد أن ماجت منها الأرض بعد المغرب.

стр. 788

وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة قاصد من عند ابن عثمان، صحبة ماماي الخاصكي، الذي توجه قبل تاريخه إلى ابن عثمان. وكان هذا القاصد الذي حضر من أجل قضاة ابن عثمان. وكان متوليا القضاء بمدينة بروسة، وهو شخص من أهل العلم يقال له الشيخ علي جلبي. فلما صعد إلى القلعة أكرمه السلطان وبالغ في تعظيمه جدا، وأحضر على يديه مفاتيح القلاع التي كان ابن عثمان قد استولى عليها فسلمها إلى السلطان. وأشيع أمر الصلح فنزل القاصد في مكان عدله وهو في غاية الإكرام. ثم إن السلطان أطلق إسكندر بن ميخال الذي كان أسر وسجن كما تقدم، وأقام مدة طويلة، فلما أطلقه السلطان أحسن إليه وكساه، وكذلك أطلق الأسراء الذين كانوا مأسورين من عسكر ابن عثمان وكساهم وأحسن إليهم. وتوجهوا إلى بلادهم صحبة القاصد لما سافر … وهذا ما كان من ملخص أمر الصلح بين السلطان وبين ابن عثمان. وفيه أمر السلطان بضرب أبي يزيد الصعير أحد البجمقدارية، وكان من خواصه، ولكن ضربه لأمر أوجب ذلك. وأبو يزيد هذا هو الذي صار رأس نوبة ثاني فيما بعد، وقبض عليه العادل طومان باي وسجنه بقلعة دمشق لما توجه إلى هناك وتسلطن. وفيه كسفت الشمس كسوفا تاما ودامت في الكسوف نحوا من ثلاثين درجة وعاودت الزلزلة التي كانت بالأمس وكانت خفيفة جدا. ***** وفي رجب طلع القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر وحضر قاصد ابن عثمان فعرض السلطان في ذلك اليوم كسوة الكعبة ومقام إبراهيم ﵇، وزف معهما المحمل الشريف، وكان يوما مشهودا. وفيه توفي بركات الصالحي وكيل بيت المال وكان من أعيان الموقعين، وهو بركات محمد بن محمد بن أبي بكر القاهري الشافعي الصالحي. وكان غير محمود السيرة في أفعاله كثير الظلم والعسف. ومولده سنة إحدى وثمانمائة. وكان اعتراه آكلة في رجله فاستمر بها إلى أن مات. وفيه يقول بعض الشعراء مداعبة لطيفة: بركات زاد الظلم في أيامه … وعلى الورى قد جار في توكيله وبرجله كان الهلاك بعاهة … فمشى إلى نار الجحيم برجله

стр. 789

وهو الذي كان سببا لايقاف جماعة قاضي القضاة زين الدين زكريا الشافعي، واستمر الشيخ برهان الدين القلقشندي في التوكل به حتى مات بركات الصالحي، فأفرج عنه بعد أن غرم أموالا لها صورة. وفيه كان انتهاء العمل من جامع السلطان الذي أنشأه بالروضة وجاء في غاية الحسن، وكان البدري حسن بن الطولوني معلم المعلمين يصنع في كل ليلة رابع عشر الشهر ليلة حافلة بالجامع، ويسمونها البدرية وينصب على شاطئ البحر قدام الجامع من الخيام ما لا يحصى، وتجتمع المراكب هناك حتى تسد البحر، ويجتمع الجم الغفير من العالم يوقد بالجامع وقدة عظيمة. ويحضر هناك قراء البلد قاطبة والوعاظ، وتكون ليلة حافلة لم يسمع بمثلها فيما تقدم. واستمر الحال على ذلك مدة ثم بطل هذا الأمر. وفيه أشيع بين الناس أن الشيخ جلال الدين الأسيوطي أفتى بأنه لا يجوز البناء على ساحل الروضة. لأن الإجماع منعقد على منع البناء في شطوط الأنهار الجارية. وأما ذكر أن ذلك يجوز في مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه فباطل وليس له صحة في كتب الشافعية قاطبة. وفيه خرج جان بلاط بن يشبك قاصدا من عند السلطان إلى ابن عثمان، فخرج في تجمل زائد وموكب حافل. وجان بلاط هذا هو الذي تولى السلطنة فيما بعد بعشر سنين. ***** وفي شعبان قرر السلطان كرتباي بن مصطفى المعروف بالأحمر في حجوبية الحجاب بطرابلس، ونظر جيشها وغير ذلك من الوظائف بها. وفيه ظهرت أعجوبة، وهي أنه ولد مولود لستة أشهر، فلما نظروا إليه وجدوا في وجهة لحية وعلى فمه شارب، وقد دارت لحيته في وجهه، وفي فمه أسنان مفلجة وكان عليه بشاعة، فعاش ثلاثة أيام ومات. ***** وفي رمضان خلع السلطان علي يشبك بن حيدر الذي كان والي القاهرة وصار مقدم ألف، وقرره في نيابة حماه عوضا عن أينال الخسيف في تقدمة ألف بمصر فيما بعد. وفيه تغير خاطر السلطان علي أزدمر المسرطن أحد مقدمي الألوف بمصر وقرره في نيابة صفد عوضا عن يلباي المؤيدي بحكم وفاته عنها. وكان أزدمر هذا من خواص السلطان، وكان عنده من المقربين وكان أغات أقبردي الدوادار، ثم وقع بينه وبين

стр. 790

السلطان في الباطن، فمقته وولاه نيابة صفد عوضا عن يلباي المؤيدي بحكم وفاته، واستمر بها إلى أن مات. وفيه وقع الرخاء بالديار المصرية في سائر البضائع حتى بيع كل ثلاثة أرادب قمح بدينار، ورخص سائر الغلال جدا. ***** وفي شوال ليلة عيد الفطر كان وفاء النيل المبارك فأخر السلطان فتح السد في ذلك اليوم، وفتح في اليوم الثاني من شوال. ووافق ذلك خامس عشر مسرى القبطي فصار العيد عيدين، فعد ذلك من النوادر. وفي هذه الواقعة يقول شيخنا جلال الدين الأسيوطي هذه الأبيات: يوم عيد الفطر وافى … بهناء وسعادة ختم الصوم وأوفى … النيل في أحسن عاده يا له من يوم عيد … فيه حسني وزياده وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل الأمير أزدمر تمساح. ***** وفي ذي القعدة توفي تقي الدين بن نصر الله وكان رئيسا حشما من ذوي البيوت لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار من حلب بوقوع فتنة كبيرة بين نائب حلب وبين جماعة من أهلها، وقتل في هذه المعركة من مماليك أزدمر نائب حلب سبعة عشر مملوكا، وقتل من أهل حلب نحو من خمسين إنسانا، وأحرقوا جماعة من حاشية النائب بالنار، وكادت حلب أن تخرب عن آخرها، ولولا أن قانصوه الغوري حاجب الحجاب بحلب قام في اخماد هذه الفتنة حتى سكنت ما كان يحصل خير في هذه الحركة. فلما سمع السلطان بذلك تنكد جدا، وعين ماماي الخاصكي بأن يتوجه إلى حلب ليكشف عن هذه الفتنة، وأخذ في أسباب السفر إلى حلب. ***** وفي ذي الحجة كان ابتداء الفتنة بين قانصوه خمسمائة أمير أخور كبير، وبين أقبردي الدوادار وقد وقع بينهما بسبب نوتي واستمرت الفتن تتزايد بينهما حتى كان من أمرهما ما سنذكره في موضعه.

стр. 791

وفيه جاءت الأخبار من بلاد الشرق بوقوع فتنة كبيرة بين ملوك الشرق، وأن يعقوب بن حسن الطويل قد قتل أخاه، ووقع أيضا فتنة بين خليل الصوفي وسليمان ماجان، واستمرت الفتن قائمة هناك في جهات متعددة، ووقعت أيضا فتنة كبيرة في طرابلس الغرب، وقتل شاسي بن أبي النصر بن رجاء الخير قائد طرابلس، وكان من خيار أعيان بلاد الغرب. سنة سبع وتسعين وثمانمائة (١٤٩١ م): فيها، في المحرم، كان دخول المحمل إلى القاهرة وحجت في تلك السنة زوجة أقبردي الدوادار، وهي بنت العلائي علي بن خاص بك أخت خوند زوجة السلطان قايتباي، وكان طريق الحجاز في تلك السنة مخوفا بسبب فساد العربان. وفيه تغير خاطر السلطان على مجد الدين إسماعيل الناصري، قاضي قضاة الحنفية بدمشق، فلما أحضر ضرب بين يديه ضربا مؤلما، وقيل بل ضرب بالمقارع نحوا من عشرين شبيبا. ***** وفي صفر توفي نور الدين علي بن محمد بن عبد المؤمن البتنوني الشافعي ناظر الجوالي، وكان رئيسا حشما لا بأس به. وفيه توفي يشبك حبيب بن ططخ الظاهري جقمق أحد الأمراء الطبلخانات رأس نوبة كبير، وكان لا بأس به، وقد جاوز السبعين سنة من العمر. ***** وفي ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي على العادة وكان حافلا. وفيه قرر الناصري محمد بن جرباش في مشيخة المدرسة الظاهرية التي بين القصرين. وفيه توفي تاج الدين بن الجيعان، وهو عبد اللطيف بن عبد الغني بن علم الدين شاكر، وكان متحدثا في كتابة السر، وكان شابا حسنا محمود السيرة في أفعاله. مات وهو في عشر الثلاثين. وفيه توفي أبو يزيد قصيعا الظاهري جقمق وكان من الأمراء العشراوات. *****

стр. 792

وفي ربيع الآخر تزايدت الأقوال بوقوع الطاعون حتى حكى أن شخصا من الأتراك رأى في منامه ملك الموت ﵇، فقال له: "من أنت؟ " قال: "أنا ملك الموت جئت إلى أخذ أرواح الكثير من الناس، فإن الطاعون قد دخل إلى مصر". فقال له ذلك الجندي: "فهل تقبض روحي في هذا الوباء؟ " فقال له: "قد بقي من عمرك سبعة أيام". فانتبه الجندي من المنام وهو مرعوب. فلما أصبح كتب وصية، ثم أنه في اليوم السابع مات كما رأى. فعد ذلك من النوادر الغريبة. وفيه جاءت الأخبار بأن مملكة حسن بك الطويل في اضطراب، وأن ابن عثمان قد أشرف على أخذ بلاد حسن الطويل من يد أولاده، فلما بلغ السلطان ذلك قصد أن يخرج تجريدة صحبة حسين بن أعزلو بن حسن الطويل الذي كان مقيما بالقاهرة. ثم آل الأمر إلى إهمال خروج التجريدة. ومات حسين فيما بعد لما حج، ودفن بالمدينة الشريفة. ***** وفي جمادى الأولى قويت الإشاعات بوقوع الطاعون، وزعموا أن إنسانا رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: "إن الطاعون كان واقعا عليكم، فشفعت فيكم، عند ربي، وقل للناس يصومون سبعة أيام متوالية" فصار الكثير من الناس يصوم سبعة أيام متوالية فلم يفد ذلك شيئا، ووقع الطاعون بالديار المصرية. وكان طاعونا مهولا. "قلت" ولم يقع الطاعون بمصر من سنة إحدى وثمانين وثمانمائة إلا في هذه السنة. وقد غاب الطاعون ست عشرة سنة لم يدخل مصر، وكان هذا الطاعون من الطواعين المشهورة بموجب إبطائه هذه المدة، وهو الطاعون الثالث الذي وقع في دولة الأشرف قايتباي وكان مبدأ هذا الطاعون من حلب، وكان في مدة انقطاعه عن مصر كثر بها الزنا واللواط وشرب الخمر وأكل الربا وجور المماليك في حق الناس وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء". قال العلامة شهاب الدين بن حجر: والحكمة في ذلك أن الزنا حده ازهاق الروح في المحصن، فإذا لم يقم فيه الحد يسلط الله عليهم الجن فيقتلونهم. ولما كان الزنا يقع من بني آدم سرا سلط الله عليهم الجن يقتلونهم سرا من حيث لا يرونهم. وقاعدة العذاب أنه إذا نزل يعم المستحق له وغيره … والرحمة لا تكون إلا مخصوصة. ثم يوم القيامة يبعثون على قدر نياتهم. وقال ابن مسعود ﵁: "إذا بخس المكيال حبس القطر، وإذا كثر الزنا وقع الطاعون، وإذا كثر الكذب وقع الهرج". *****

стр. 793

وفي جمادي الآخرة هجم الطاعون بالقاهرة، وفشا جملة واحدة، وفتك في الناس فتكا ذريعا، وكانت قوة عمله في المماليك والعبيد والجواري والأطفال والغرباء، ووقع في هذا الطاعون أمور غريبة وحكايات عجيبة، منها أن الكمثري بيعت كل رطل بأشرفيين ولا توجد، وبيعت الواحدة منها باثني عشر نصفا. ومنها أن إنسانا كان معه خمسة أولاد فطعن الخمسة في يوم واحد وماتوا في يوم واحد. ومن العجائب أن جماعة كثيرة فروا من الطاعون لما دخل إلى مصر، فتوجهوا إلى أماكن عديدة، فلما ارتفع الطاعون عادوا إلى مصر، ولم يفقد منهم ولا من أولادهم أحد، فسبحان القادر على كل شيء. ولما كثر الموت عز وجود البعلبكي، وأضر ذلك بحال الناس، وكفنوا موتاهم في الخام والملحم، وغير ذلك. وفيه توفي برسباي الخازندار أحد خواص السلطان والمتكلم على أوقافه، وكان شابا رئيسا حشما لا بأس به. وفيه توفي مغلباي الشريفي ابن الطويل، وكان لا بأس به، وهو أحد مقدمي الألوف، وأصله من مماليك الأشرف قايتباي. وفيه توفي جانم بن مصطفى الذي كان نائب قلعة حلب، ثم بقي مقدم ألف بمصر. وفيه توفي قيت الساقي أحد العشراوات ووالي القاهرة، وكان لا بأس به. وفيه توفي مغلباي الأشرفي أحد الأمراء العشراوات، وأصله من مماليك قايتباي. وفيه توفيت بنت أزبك الأمير الكبير زوجة الأمير قانصوه خمسمائة أمير أخور كبير، وكانت شابة جميلة. وفيه توفيت أختها بعدها بأيام وكانت بكرا. وفيه توفي نامق المؤيدي أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به. ***** وفي رجب توفيت بنت السلطان قايتباي وكانت تسمى ست الجراكسة، وكانت شابة جميلة مستحقة للزواج، وكانت من سريته، فماتت هي وأمها في يوم واحد، وأخرجت قدام نعش ابنتها، وكانت جنازة بنت السلطان حافلة، وأخرجت في بشخانة زركش وقدامها كفارة، وكان يوما مشهودا. وفيه أنعم السلطان على مملوكه جان بلاط بن يشبك بتقدمة ألف، وبعث إليه باليلب. وجان بلاط هذا هو الذي تسلطن فيما بعد. وأنعم أيضا على مملوكه شاد بك بن مصطفى الخوخ الدوادار الثاني بتقدمة ألف، ثم حضر جانم المعروف بالمصبغة من الشام إلى

стр. 794

مصر، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف بمصر، وأنعم على كرتباي قريبه بتقدمة ألف، وقرر ماماي الخاصكي في الدوادارية الثانية عوضا عن شاد بك الخوخ بحكم انتقاله إلى التقدمة، وقرر قيت الرحبي في ولاية القاهرة عوضا عن قيت الساقي بحكم وفاته بالطاعون. وفيه كانت وفاة الشاب الفاضل علي باي بن برقوق نائب الشام، وكان شابا رئيسا حشما دينا خيرا، وله اشتغال بالعلم، وكان له نظم جيد. ومولده سنة ست وستين وثمانمائة. ومن شعره الرقيق قوله: عود خيار شنبر … قد جاءنا بالعجب أزهاره أبدت لنا … شمارخا من ذهب ومما مدحه به المنصوري قوله: محيا علي باي بن برقوق مشرق … كطرة وسني ليس بينهما فرق فإن يك سباقا إلى الفضل والندى … فلا تعجبوا منه فوالده برقو (ق) ومن النكت اللطيفة، قيل وقع بين الشهاب أحمد ابن الشيخ على المقري وبين سيدي على باي هذا بعض وحشة، فسطا على سيدي علي باي وسماه زلابية مضافا إلى اسم شخص من الأتراك كان مضحكا تعبث به الناس، ويقولون له زلابية فيرجمهم، فلما أشيع ذلك بين الناس أخذ بعض شعراء العصر هذا المعنى وعمل في ذلك مداعبة، وقال: قد شبهوه بمن يدعى زلابية … وصح تشبيههم والأب برقوق لكنهم فاتهم في الوز نسبته … فإن اسم أبيه نصفه قوق ***** وفيه توفي جكم كاشف منف، وشاد بك كاشف قليوب، ومن الخشقدمية جماعة كثيرة منهم: قان بردي الظريف، وكسباي المحمدي، واقباي الطويل، وقانصوه قمر، واينال الأشقر، وغير ذلك جماعة كثيرة من مماليك السلطان والأمراء. ومات من العبيد والجواري والأطفال والغرباء ما لا يحصى عددهم … وفي أواخر الشهر المذكور تناقص أمر الطاعون وخف بالنسبة لما كان عليه بعد ما جرف الناس جرفا وأخلى الدور من

стр. 795

أهلها. وقيل أحصي من مات في هذا الطاعون بمصر، وورد اسمه لديوان المواريث خارجا عن الغرباء ومن لم يرد اسمه إلى الديوان، فكانوا زيادة عن مائتي ألف، فمن ذلك بنات بكر اثنا عشر ألف بنت من مصر والقاهرة والضواحي. وقد قال القائل في المعنى: زالت محاسن مصر في … عيني من هم ودهش كادت بنو نعش بها … أن يلحقوا ببنات نعش وقال الشيخ بدر الدين الزيتوني العوفي هذا الزجل يرثي به أهل مصر لما وقع الطاعون بها وهو: وحد ومن قد حكم بالموت … ونفد حكمه بما بختار واحتجب عن العيون سبحان … جل من لا تدركو الأبصار *** بالممات رب البشر لما … قد حكم في الكاينات بأجمع اختفوا في ذا الوجود وأضحوا … ما لهم من ذا القضا مدفع جا أخذ منهم ملاح كانوا … شبه أقمار البدور طلع *** فاندبوا يا أهل الحمى وابكوا … واجعلوا دمع العيون مدرار واحزنوا على الذين ماتوا … واختفوا عن أعين النظار *** كنت أجد أقمار بدور طلع … وشموس تشرق على الأطلال حسنهم سما وقد كانوا … في هنا بالجاه وكنز المال جا الممات سرعه وعاندهم … اختفوا حين عاينوا الأهوال *** وبقوا تحت الثرى غياب … بعد ما كانوا يروا أجهار يا أسف قلبي وطول حزني … عني قد غابت شموس وأقمار *** حين أتى كأس الممات للناس … وبقي ما بينهم دابر وسقاهم في المقام شربه … حتى صار في سرهم ساير أصبحوا في حضرتو غياب … بعد ما كان كل أحد حاضر *** سكروا في حضرة الساقي … لما كاس الموت عليهم دار وبقوا ندمان وقد غابوا … من شراب ما هو خمر خمار ***

стр. 796

ركب الطاعون وقد طلب … وحمل فيّ عسكر الأطفال كم جرح قلوب وكم أفنى … من جموع لما عليهم مال كم ترك مطعون بقي مطروح … كم كسر شجعان وكم أبطال *** كم رأيت مقتول بذي الوقعة … بعد كسرو ما يجد أجبار والقضا فرق جموع الناس … كنّ كان في أيدي القضا بتار *** كم رأيت ملسوع بسم الموت … قد لسع ولا يجد ترياق كم رأيت منصاب من أفعالو … جت إليه آفة بلا تنساق كم رأيت ثكلى وهي حية … شعرها ناشر من الأشواق *** كم رأيت فارس بقي ملقى … بعد ما كان في الوجود سيار كم رأيت من دار خلاها الموت … ما ترك فيها ولا ديار *** يا فهيم انظر لدى الدنيا … كيف بقت تحكي لنا بستان والبشر قد أصبحوا فيها … كأنهم أثمار على الأغصان ومليك الموت بأمر الله … قد بقي فيها شبيه جنان *** كلما انتهى إلى واحد … وبلغ حدو إلى المقدار جا إليه بأمر الذي أنشاه … قطعوا من بين دي الأثمار *** نسألك يا رب يا رحمن … يا الله يا أول ويا آخر يا لطيف بالخلق يا حافظ … يا عليم بالذنب يا غافر يا بصير يا فرد يا واحد … يا سميع يا حق يا قادر *** ارفع الطاعون بجاه أحمد … الممجد صاحب الأنوار وانزل الرحمة ومتعنا … بالرضا والعفو يا ستار *** وأنا العوفي ولي أزجال … من نظام تحكي عقود جوهر كلما كررته ل

стр. 797

وحدوا من قد حكم بالموت … ونفذ حكمه بما يختار واحتجب عن العيون سبحان … جل من لا تدركوا الأبصار ***** وفي شعبان ارتفع الطاعون عن مصر والقاهرة جملة واحدة ومشى نحو بلاد الصعيد. وفيه توفيّ الشيخ شمس الدين الحمصاني محمد بن أبي بكر بن محمد القاهري الشافعي الكاتب المجيد، وكان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع. وكان إمام جامع ابن طولون، وكان خيرا دينا لا بأس به، ومولده سنة عشر وثمانمائة. وفيه توفي محمد العجمي الذي كان مقيما بجامع كراي وكان من أولياء الله تعالى مشهورا بالصلاح. وفيه جاءت الأخبار من بلاد المغرب بأن الفنش صاحب قشتيلة الفرنجي قد ملك غرناطة التي هي دار مملكة الأندلس. وكانت هذه الواقعة من أعظم الوقائع المهولة في الإسلام. ***** وفي رمضان قرر ناصر الدين محمد الصفدي في وكالة بيت المال وحصل منه الظلم والعسف في الناس. وفيه ثارت فتنة بين المماليك الجلبان بسبب تفرقة الأقاطيع التي توفرت عن المماليك الذين ماتوا بالطاعون. ***** وفي شوال خرج المحمل من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل تاني بك الجمالي أمير مجلس، وبالأول كرتباي قريب السلطان. وفيه تغير خاطر السلطان على الصاحب قاسم فعزله، وكان يومئذ ناظر الدولة، فلما صرف عنها قرر بها عبد القادر الطويل عوضا عن قاسم شغيته. ***** وفي ذي القعدة ابتدأ السلطان بتفرقة الأقاطيع المتوفرة عمن مات بالطاعون في السنة المذكورة فصار يفرق أقطاع كل من توفي من الطباق لأهل طبقته، ولا يخرج من ذلك شيئا لغير أهل طبقته. وكانت أغوات الأطباق والمماليك الجلبان يتراصون مع بعضهم بالنوبة ويحضرون ويعرضون ذلك على السلطان فينعم لهم بذلك، فمنهم من يكون طبقته

стр. 798

فيها أقطاعات كثيرة متوفرة، ومنهم من يكون فيها شيء قليل فتأخر من المماليك الجلبان جماعة بلا أقاطيع. وذلك إلى آخر خرج المماليك في السنة المذكورة سنة سبع فعرضهم السلطان فيما بعد وأخرج لهم أقاطيع كانت متوفرة في الذخيرة، ففرقها على المماليك الذين لم يخصهم شيء من الإقطاعات المتوفرة من الطاعون … وصار الديوان يستدعيهم بأسمائهم، والسلطان يعطيهم، ويكتب حتى لم يبق من جلبان قايتباي أحد بلا أقطاع إلا الذين استجدوا من بعد الفصل، وكانت الأقطاعات التي فرقت أكثرها ثلاثون ألفا وأقلها خمسة عشر ألف درهم. والأقطاعات التي توفرت من جماعة المماليك الأينالية فرقها على خشداشينهم الأينالية فوق أقطاعاتهم، والتي توفرت من الخشقدمية أعطاها لخشداشينهم من الخشقدمية. وأعطى لبعض خشداشينه وبعض أولاد الناس ممن كان منزلا بالديوان وهو بالطبقة، أقطاعات خفيفة. واستمرت تفرقة الإقطاعات مدة ثلاثة أشهر. وفيه أمر السلطان بتجديد عمارة الميدان الناصري، وكان أزبك أمير كبير شادا على العمارة حتى انتهى منه العمل. وفيه كان وفاء النيل المبارك ونزل أزبك أمير كبير وفتح السد على العادة. وفيه اختفى تغري بردي الأستادار وقد تغير خاطر السلطان عليه. فلما طال اختفاؤه خلع السلطان على الأمير أقبردي الدوادار وقرره في الاستادارية عوضا عن المذكور، مضافا لما بيده. وفيه فرق السلطان على جميع العسكر من القرانصة والجلبان وأعطى لكل واحد منهم فرسا وديعة من موجود الذين ماتوا بالطاعون، وذلك لأجل كثرة الخيول وقلة الغلمان لخدمتها. ***** وفي ذي الحجة جاءت الأخبار من مكة المشرفة بوفاة الخواجا شمس الدين بن الزمن، وكان من مشاهير التجار في سعة من المال، وله بر معروف. وهو صاحب المدرسة التي ببولاق عند الرصيف، وكان دينا خيرا وكان لا بأس به. وفيه توفي شيخ جبل نابلسي يونس بن إسماعيل وتوفي يوسف بن برد بك العجمي، وكان شابا حسنا لا بأس به، وتوفي علي بن الجمجمة الذي كان مقيما بمصر واختتن مع ابن السلطان.

стр. 799

سنة ثمان وتسعين وثمانمائة (١٤٩٢ م): فيها، في المحرم، لم يحضر مبشر الحاج وصار الناس في قلق بسبب ذلك، وكان المبشر في السنة المذكورة تاني بك الأبح أحد المماليك السلطانية، فاعترضه بعض العربان في أثناء الطريق، وأعاقوه عندهم أياما. وفيه توفي برهان الدين بن النعمان المحدث، وكان إنسانا حسنا لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار من ثغر دمياط بأنه نزل برد تحت الليل فكان قدر كل بردة مثل بيضة النعام، ونزل بها بردة كبيرة فكانت زنتها خمسة وسبعين رطلا بالمصري، فقتل بسبب ذلك بهائم وطيور وغير ذلك، وكان أمرا مهولا. ***** وفي صفر خرج الأمير أقبردي الدوادار إلى جهة نابلس، وخرجت تجريدة إلى جهة البحيرة، وكان الباش عليها الأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة النوب وعدة وافرة من الأمراء العشراوات والجند. وفيه عاد الطاعون إلى القاهرة ثانيا لكنه كان خفيفا بالنسبة لما قبل ذلك. ومات به جماعة من المماليك والأطفال، ومن كان فر - قبل دخول الطاعون - من القاهرة في السنة الماضية. وفيه أنعم السلطان على مملوكه قاني باي قرا الرماح بامرية عشرة، ثم بعد ذلك بمدة يسيرة قرره في نيابة صهيون. وقد سعى في ذلك بمال له صورة وقاني باي هذا هو الذي بقي أميرا آخور كبير فيما بعد. ***** وفي ربيع الأول أنعم السلطان على مملوكه كسباي الشريفي بامرية عشرة. وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا على العادة وحضر القضاة الأربعة والأمراء. ***** وفي ربيع الآخر عين قانصوه خمسمائة أمير آخور كبير في امرية الحاج بركب المحمل، وعين الناصري محمد بن أزبك أمير كبير بالركب الأول. وفيه جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بأنه في ليلة تاسع عشر صفر سقطت صاعقة عظيمة في المسجد الشريف، فأحرقت منه جانبا وتساقطت في تلك الليلة عدة

стр. 800

صواعق خارج المدينة الشريفة، فلما بلغ السلطان ذلك أمر بإصلاح ما فسد من المسجد الشريف. ***** وفي جمادى الأولى توفي بركات بن الظريف المقري وكان علامة في قراءات الرياسة بالجوق. وفيه توفي الناصري محمد بن برد بك، وهو سبط الأشرف اينال، وكان رئيسا حشما من أعيان أولاد الناس، وكان مفرطا في السمن جدا، وكان لا بأس به. وفيه توفي الخواجا عمر بن غازي وكان رئيسا حشما في سعة من المال، وكان لا بأس به. ***** وفي جمادى الآخرة خسف جرم القمر جميعه. وفيه توفي الشهابي أحمد بن برقوق نائب الشام، وهو أخو سيدي علي باي بن نائب الشام، فكان بينه وبين موت أخيه دون السنة، وكان شابا حسنا جميلا لم يلتح بعد. ***** وفي رجب ثار جماعة من المماليك الجلبان على السلطان ووقفوا بالرميلة ومنعوا الأمراء من الطلوع إلى القلعة، وآل الأمر إلى طلب نفقة من السلطان. فمشى بعض الأمراء بينهم وبين السلطان في ذلك فوعدهم بالنفقة بعد مضي شهر، فسكن الحال قليلا، ولكن استمرت الدكاكين مغلقة، وكذلك الأسواق … حتى نودي لهم بعد أيام بالأمان والاطمئنان. وفيه وصل قاصد من عند رستم بن قرا ملك صاحب العراقين، وكان ملك العراقين بعد أمور يطول شرحها. وفيه توفي القاضي نور الدين علي بن قاسم أحد نواب الحكم الشريف المالكي وكان عالما فاضلا لا بأس به. وفيه توفي صندل الحبشي نائب المقدم. وفيه توفي برسباي أمير جندار وكان قد طعن في السن. ***** وفي شعبان توفي شاد بك الأشقر المحمدي الظاهري جقمق، أحد الأمراء العشراوات ونائب ثغر دمياط وشاد الحجر، وكان لا بأس به.

стр. 801

وفيه عين السلطان قانصوه المحمدي المعروف بالبرجي أحد الأمراء العشراوات بأن يتوجه قاصدا من السلطان إلى ملك الشرق رستم أحد أولاد حسن الطويل متولي العراقين. وقد جرى بينه وبين إخوته ما لا خير فيه. حتى ولى بعد أمور وقعت له، فخرج قانصوه المذكور بعد أيام في تجمل زائد. وفيه جاءت الأخبار من دمشق بأن أهلها قد رجموا النائب قانصوه اليحياوي، وقد ثارت بدمشق فتنة كبيرة. ***** وفي رمضان نودي بالصوم بعد ضحوة النهار، وقد ثبت الهلال بعد طلوع الشمس بثلاثين درجة. وقد أكل غالب الناس في ذلك اليوم، ولا سيما العوام، فثقل عليهم الإمساك في ذلك اليوم بعد الإفطار. وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة سودون الطويل الأينالي أحد الأمراء المقدمين بدمشق، وكان لا بأس به. وفيه كان ختم البخاري بالقلعة. فخلع على القضاة ومشايخ العلم، وفرقت الصرر على الفقهاء، ووقع في ذلك اليوم بحث بين البرهان الدميري أحد نواب المالكية وبين بعض الطلبة، فأنكروا على البرهان الدميري بما أجاب به في المسألة، وكان الختم حافلا جدا. ***** وفي شوال كان وفاء النيل المبارك ووافق ذلك ثاني عشر مسرى القبطي، وتوجه أزبك أمير كبير وفتح السد على العادة. وفيه خرج الأمير قانصوه خمسمائة بركب المحمل، والناصري محمد بن أزبك أمير كبير بالركب الأول، فكان لهما بالقاهرة يوم مشهود. وطلب الأمير قانصوه ذلك الطلب الذي تقدم ذكره في التجريدة. ومن غريب الاتفاق أن النيل أوفى وغالب الناس في بركة الحاج مشغولون بالحجاج. فلما بلغ أزبك وفاء النيل حضر تحت الليل حتى فتح السد وعاد. ***** وفي ذي القعدة جاءت الأخبار بوفاة الشيخ المحدث الواعظ برهان الدين إبراهيم بن الحموي ﵀ ورضي عنه، مات بطريق الحجاز قبل وصوله إلى العقبة ودفن هناك. وكان عالما فاضلا محدثا بارعا في الحديث، وكان دينا خيرا من أهل الصلاح، ومولده بعد الثلاثين والثمانمائة.

стр. 802

وفيه خلع السلطان علي داود بن سليمان من أولاد ابن عمر أمير عربان هوارة، وقرره في امرية الوجه القبلي ببلاد الصعيد. ***** وفي ذي الحجة توفي ابن العبيسي ناظر الأحباس وهو عبد العزيز بن محمد بن محمد بن أحمد العبيسي الشافعي، وكان رئيسا حشما محمود السيرة لا بأس به، وتوفي السيد محمد الشريف القادري أخو زين العابدين، وكان لا بأس به. سنة تسع وتسعين وثمانمائة (١٤٩٣ م): فيها، في المحرم، صعد القضاة إلى القلعة للتهنئة بالعام الجديد، وصعد أيضا الشيخ جلال الدين الأسيوطي. فلما جلس سأله السلطان عن أي سنة سنها رسول الله ﷺ ، ولم يفعلها، فلم يجبه الشيخ جلال الدين عن ذلك بشيء مع غزارة علمه وقوة اطلاعه. وكان السلطان عنده كتاب يسمى حيرة الفقهاء، ثم أجاب الشيخ جلال الدين بعد ذلك بجواب حسن كاف في هذه المسألة بأنه قصد بذلك بجواب حسن كاف في هذه المسألة بأنه قصد بذلك الأذان فإنه سنه ولم يفعله، والأصح أنه أذن في وقت وورد في ذلك حديث. وعمل في هذه المسألة كراسا مطولا، وذكر فيه أشياء كثيرة مما سنه النبي ﷺ ولم يفعله. وفيه أنعم السلطان على جماعة من مماليكه بامريات عشرة، منهم ماماي جوشن ومصرباي أخو مغلباي وبرسباي العلائي واسنباي الأصم وآخرون. وفيه وصل الحجاج ولم يثنوا على قانصوه جميلا ولا حمدت سيرته في هذه السفرة، وحكوا عنه أمورا غير صالحة، فإنه رمى الناس وأخذ جمالهم، وترك جماعة منهم بالينبع، حتى أتوا من البحر الملح فيما بعد. وشال له الحجاج راية سوداء وهم داخلون البركة. وما لاقى الحجاج في السنة المذكورة خيرا. وكانت سنة صعبة على الناس من الغلاء، وموت الجمال، واستمر قانصوه خمسمائة في عكس، ولم ينجح أمره من بعد ذلك، حتى كان من أمره ما سنذكره. وفيه توفي الشيخ جمال الدين يوسف بن جاهين الكركي سبط الحافظ ابن حجر القاهري الشافعي، وكان عالما فاضلا محدثا رئيسا حشما لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار بأن العربان تغلبوا على الكرك والشوبك، وحصل هناك فتن مهولة. *****

стр. 803

وفي صفر نزل ابن السلطان من القلعة في موكب حافل وتوجه إلى داره التي أنشأها له السلطان على بركة الفيل فأقام بها ساعة ثم عاد إلى القلعة. وهذا أول ظهوره للناس ونزوله إلى المدينة. وكان معه أقبردي الدوادار والجم الغفير من الجند. وكان نزوله سببا للإنفاق على الجند لكل واحد منهم خمسون دينارا، وسموها نفقة نزول ابن السلطان. وكان قاصد ابن عثمان حاضرا لكي يشاع ذلك بحضرته. وفيه جاءت الأخبار بوفاة أزدمر المسرطن نائب صفد الظاهري جقمق، وكان من أعيان الأمراء جليلا سليم الفطرة ومات وهو في عشر الستين. وفيه جاءت الأخبار من حلب بوفاة أزدمر نائب حلب قريب السلطان وكان إنسانا حسنا لا بأس به. وتولى عدة وظائف سنية، منها نيابة طرابلس، ونيابة صفد ونيابة حلب، وامرية مجلس بمصر، وغير ذلك من الوظائف والنيابات، ومات وهو في عشر الستين. وكان في أوائل عمره في قلة وخمول، وأقام على ذلك دهرا طويلا. فلما تسلطن السلطان قايتباي ظهر أنه من قرابته، فجاءت إليه السعادة بغتة فأقام فيها مدة ومات. وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وهو أزدمر بن مزيد. ثم بعد موته أرسل السلطان خلعة إلى اينال السلحدار نائب طرابلس، ونقله إلى نيابة حلب عوضا عن قريبه أزدمر بحكم وفاته. وكان اينال هذا تولي نيابة صفد أيضا بعد أزدمر المسرطن وقتل في واقعة أقبردي الدوادار لما سافر إلى حلب. ***** وفي ربيع الأول توفيت خوند بنج زوجة الأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة كبير وكانت زوجة تنم المؤيدي نائب الشام وكانت من مشاهير الخوندات وهي والدة سيدي فرج الماضي ذكر وفاته، وكانت لا بأس بها، وكانت تقرب للملك الظاهر جقمق. وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا. وفيه توفي الشيخ أحمد بن زروق المغربي المالكي وكان من أهل الصلاح والدين. وفيه قبض السلطان على بدر الدين الأينالي كاتب جيش الشام فضربه بالمقارع بين يديه وأمر بقطع لسانه حتى شفع فيه بعض الأمراء فعوفي من ذلك، ولم يكن له ذهب يوجب ذلك ولكن خرج خلق السلطان في ذلك اليوم جدا. *****

стр. 804

وفي ربيع الآخر توفي القاضي تاج الدين ابن الإمام وهو محمد بن أحمد بن محمد الإمام، وكان أحد نواب الحكم من الحنفية، وكان غير مشكور في قضائه وعنده خفة ورهج كما قال فيه الشهاب المنصوري: قالوا علا التاج وهو قاض … فقلت يا ضيعة الحقوق غايته أنه تويج … ملقى على مفرق الطريق وفيه جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأنه سقط بها ثلج حتى عم الأسطحة والشوارع مثل ثلج الشام، فعد ذلك من النوادر. وفيه عين السلطان أزدمر تمساح أمير حاج ركب المحمل، وعين الناصري محمد بن العلائي علي ابن خاص بك أمير الركب الأول، وعين يشبك الأشقر باش المجاورين بمكة المشرفة. وفيه عين السلطان الأمير ماماي بن خداد الدوادار الثاني بأن يتوجه رسولا إلى ابن عثمان، وقد توجه قبل ذلك مرة أو مرتين، وهذا آخر قصاد السلطان إلى ابن عثمان، فشرع ماماي في عمل برق عظيم وصنع له دركا ببركة الرطلي في زمن الشتاء، وصار يوقد في كل ليلة هناك وقدة حافلة، وهرعت الناس إلى هناك بسبب الفرجة، وعمل الجسر، وسكن به الناس أياما في قلب الشتاء، حتى عد ذلك من النوادر. وكان يعمل هناك في كل ليلة خيال ظل، ومغاني عرب، أو ابن رحاب المغني، أو جوق المحبطين، وكانت ليالي مشهودة في القصف والفرجة، حتى خرج الناس في ذلك عن الحد، وأقاموا على ذلك نحوا من عشرين يوما، ثم سافر الأمير ماماي، وخرج في تجمل زائد، وموكب حافر فتوجه إلى بلاد ابن عثمان. وفيه تغير خاطر السلطان على فيروز الطواشي الزمام وأمر بسجنه فسجن في البرج الذي بالقلعة أياما حتى شفع فيه وأطلق، وسبب ذلك أن شهاب الدين الكخيتي رافع فيه عند السلطان فتغيظ عليه. ***** وفي جمادى الأولى أمر السلطان بتجديد عمارة باب القرافة فعمره، وأنشأ هناك الربوع والسبل وجاء من أحسن البناء، ثم بعد مدة يسيرة أنشأ جامعا بخطبة خارج باب القرافة فعمره، فجاء في غاية الحسن، وحصل به النفع للناس.

стр. 805

وفيه قرر برد بك الطويل في دوادارية السلطان بدمشق، وقرر برسباي الصغير في الحجوبية الثانية. وفيه توفي القاضي محيي الدين بن مظفر، وهو عبد القادر بن محمد بن أحمد بن علي بن مظفر أحد نواب الحكم الشافعي وكان عالما فاضلا رئيسا حشما محمود السيرة في قضائه وكان لا بأس به. وفيه توفي الشيخ الصالح سيدي علي الجبرتي، مقيماف بالجامع الأزهر، مات فجأة وهو بالحمام وكان رجلا مباركا. ***** وفي جمادى الآخرة كان الحريق المهول بالقلعة في حواصل السلطان التي عند قاعة البحرة، وكان فيها خيام كثيرة فاحترق غالبها، ولعبت فيها النار ولم يسلم منها شيء سوى خيمة المولد الشريف فقط، فقومت الخيام التي احترقت فكانت نحوا من مائتي ألف دينار، وقيل بل أكثر من ذلك، ولم يعلم سبب وقوع النار هناك، فقام السلطان بنفسه وبقي يطفيء الحريق مع المماليك، فأقامت النار تعمل هناك ثلاثة أيام، فلما طلع النهار صعد الأمراء إلى القلعة وصاروا يسلمون على السلطان بسبب ذلك الحريق، وقد تأثر السلطان لذلك، وشق عليه حرق تلك الخيام، وشرع كل من طلع إليه من الأمراء يشكو له بأنه لم يبق عنده من الخيام شيء. فصارت الأمراء كل من كان عنده شيء من الخيام الجدد يقدمه للسلطان، ففعل ذلك الكثير من الأمراء والمباشرين، ثم أشيع بعد ذلك أن النار كانت من مطبخ بيت الخليفة، وكان الخليفة ساكنا بالقلعة داخل الحوش بجوار قاعة البحرة، فعند ذلك رسم السلطان للخليفة بأن ينزل من القلعة ويسكن بالمدينة. وما حصل للخليفة خير بسبب ذلك، ونزل هو وعياله من القلعة وسكن بالقاعة التي بطريق السيدة نفيسة ﵂ ورحمها. وكانت إشاعة النار بأنها من مطبخ الخليفة باطلة ليس لها صحة، وإنما ذلك كلام الأعداء في حق الخليفة. وفيه خسف جرم القمر خسوفا تاما حتى أظلمت الدنيا وأقام في الخسوف نحوا من ثلاثين درجة. وفيه جاءت الأخبار من مكة المشرفة بأنه وقع الغلاء المهول حتى مات من أهلها نحو من ألفين وخمسمائة إنسان من شدة الجوع، وأكلوا الجيف والميتات. وفيه أمر أزبك الأمير الكبير بتجديد عمارة المدرسة المنصورية التي بدهليز البيمارستان وعمل على الفسقية التي بها قبة، وجدد بها منبرا، وأقام بها خطبة ولم يعهد

стр. 806

قبل ذلك أن أحدا من الأتابكية قبله أقام بها خطبة، فعد ذلك من النوادر. ولقد رام الأتابكي أيتمش البجاسي في دولة الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتين وثمانمائة أن يفعل ذلك فتعذر عليه وأفتاه بعض العلماء بأنه لا يجوز له ذلك وأن فيه مخالفة لشرط الواقف. فرجع عن ذلك فلما تولى الأتابكية تمراز الشمسي بعد أزبك أبطل الخطبة منها. فلما قتل تمراز وأعيد أزبك إلى الأتابكية ثانيا أعاد بها الخطبة، واستمرت إلى الآن. وفيه ثارت ريح مزعجة حتى ارتاع الناس منها، فلما أصبح الناس اجتاز بعض الناس بالكيمان التي خلف المجراة فرأى في الأرض أثر قدم إنسان فكان طوله فوق الذراع، وقد أثر ذلك في التراب خلف المجراة، فأشيع ذلك بين الناس ولا يعلم ما سبب ذلك. ***** وفي رجب كانت وفاة الشيخ صلاح الدين الطرابلسي، وهو محمد بن محمد بن يوسف الحنفي، وكان عالما فاضلا مفتيا بارعا في مذهبه، وتولى عدة مدارس، ثم تولى مشيخة المدرسة الأشرفية التي تجاه سوق الوراقين، ومات وهو في عشر الستين، وكان لا بأس به. وفيه قدم شخص من ماردين يقال له نور على وقد فر من رسم صاحب العراقين لذنب أوجب ذلك، فانتمى إلى سلطان مصر، فلما حضر أكرمه السلطان ورتب له ما يكفيه. وأقام بمصر مدة طويلة حتى توفي الأشرف قايتباي ففر إلى بلاده. وفيه توفي يشبك قرقماس الحسيني الأشرفي برسباي أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به. ***** وفي شعبان أعيدت مشيخة المدرسة الأشرفية لبرهان الدين الكركي الإمام عوضا عن الصلاح الطرابلسي بحكم وفاته. وفيه كانت وليمة عرس الأمير جان بلاط على ابنة القاضي كاتب السر ابن مزهر، وهي أخت البدري كاتب السر ابن مزهر وكان مهما حافلا. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب تونس ومدينة إفريقية وهو زكريا بن يحيى بن محمد بن عثمان بن محمد بن أبي فارس الحفصي، مات بالطاعون، فلما توفي قرر ولده عمر في مملكة إفريقية عوضا عن أبيه زكريا. *****

стр. 807

وفي رمضان رخص سعر البطيخ العبدلي حتى بيع كل حمل بنصفين فضة، ولولا المكس لبيع كل حمل بأقل من ذلك، وبيع في الحوانيت كل قنطار بنصفين فضة. وفيه كانت وفاة العلائي علي بن خاص بك صهر السلطان، وهو علي بن خليل بن حسن خاص بك التركي الأصل، وكان رئيسا حشما دينا خيرا من أعيان أولاد الناس، وقد كبر سنه وشاخ، ومولده قبل الثلاثين والثمانمائة، وكانت جنازته حافلة وأخرج بكفارة، ونزل السلطان وصلى عليه في سبيل المؤمنين، ومشت قدامه او مراء للتربة، وكان له اشتغال بالعلم وكان ينظم الشعر وله شعر جيد فمن ذلك قوله في مؤذن: ومؤذن في حسنه … أنا مغرم لا أصبر لما طلبت وصاله … أضحى علي يكبر وفيه أنعم السلطان بامرية عشرة على جماعة من الخاصكية، منهم طوغان باي الثور وتمر القصير الذي بقي زردكاش، ثم بقي مقدم ألف، وقايتباي الأشقر، وآخرون. ***** وفي شوال كان عيد الفطر يوم الجمعة، ولهج غالب الناس بزوال السلطان عن قريب، وما ذاك إلا أن العيد كان يوم الجمعة ويخطب في ذلك اليوم خطبتان، ويدعى للسلطان في ذلك اليوم مرتين، فلهج الناس بأن فيه كمال سعد السلطان، وهو وجه العلة في هذه المسألة وقد جاء في أيام الأشرف قايتباي خمسة أعياد بالجمعة ولم يضره ذلك. ومكث هذه المدة الطويلة ولم يؤثر فيه ذلك شيئا. فمن ذلك كان عيد الفطر بالجمعة سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، وعيد فطر بالجمعة أيضا سنة ست وثمانين وثمانمائة، وعيد نحر بالجمعة سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وعيد نحر بالجمعة سنة ست وتسعين وثمانمائة، فهذه خمسة أعياد قد مرت عليه وهي الجمعة وهو ثابت في مملكته لم يتزحزح عن ملكه منذ ثلاثين سنة إلا أياما وأشهرا، فكان كما يقال: لا ترقب النجم في أمر تحاوله … فالله يفعل … لا جدي ولا حمل مع السعادة ما للنجم من أثر … فلا يضرك مريخ ولا زحل وفيه توفي الأديب الفاضل محمد بن شادي خجا المحمدي، وكان شاعرا ماهرا وله نظم جيد فائق في المعاني. ومن شعره الرقيق قوله:

стр. 808

ما حيلتي فيمن بني في الحشا … بيننا من الحب لواش وشي رشا له لحظ إذا مارنا … أنساك فيه الغي عين الرشا (١) ومولده بعد الخمسين والثمانمائة، ومما قاله فيه الشهاب المنصوري من المديح وأجاد: أنت شاد بنعمة الشحرور … في رياض المنظوم والمنثور وادكاري بالعنبر الرطب منه … ضائع عند طيب ذاك العبير عجبا لي مكاتب ورقيق … مع أني أحتاج للتدبير يا ابن شاد مذ صار مدحك ذكري … قلت إني من حسنه في قصور وفيه خرج المحمل من القاهرة وكان أزدمر تمساح بالمحمل واينال الفقيه بالأول. وفيه توفي تاني بك الخازندار، وكان من خواص السلطان لا بأس به. وفيه قرر في قضاء الحنابلة بمكة المشرفة الشيشي، وهو قاضي قضاة الحنبلية الآن بمصر. وفيه توفي جاني بك المحمودي الظاهري جقمق خشداش السلطان. وكان من الأمراء العشراوات، ورأى غاية العز في أيام السلطان قايتباي، وكان لا بأس به. وفيه توفي الشيخ أبو الكرم المغربي، وكان فضلا في علم الفلك ومعرفة أحواله. ***** وفي ذي القعدة توقف النيل عن الزيادة أياما حتى قلق الناس لذلك وارتفع سعر الغلال، وتكالب الناس على شراء القمح والشعير وغير ذلك من الغلال، واستمر النيل واقفا وربما نقص الذي كان زاده. ثم بعث الله تعالى بالزيادة واستمر حتى كان الوفاء، وفي هذه الواقعة يقول الناصري محمد بن قانصوه وهو قول ابن صادق: قلعت أصابع نيلنا … عين الذي خزن الغلال وغدت تقول النقص كان … على الوفا قطعا وزال

стр. 809

وقال شيخنا عبد الباسط الحنفي: النيل وفي ووفى … مبشرا بالمنافع وخازن القوت عينيه … قلعت بالأصابع وفيه كان الوفاء في آخره، وحصل للناس غاية الجبر بكسره، بعد أن كان قد نقص وأيس الناس من طلوعه في السنة المذكورة، فتوجه أمير كبير أزبك وفتح السد على العادة، وكان يوما مشهودا. وفيه توفي عبد العظيم أحد كتاب المماليك، وكان لا بأس به. وفيه جاءت الأخبار بوفاة يشبك بن حيدر نائب حماة، وكان أصله من مماليك الأشرف اينال، وتولى عدة وظائف سنية منها ولاية القاهرة والأمير آخورية الثانية، ثم بقي مقدم ألف بمصر ثم بقي نائب حماة وكان لا بأس به، ومات وهو نائب حماة ودفن بها. فلما مات يشبك خلع السلطان علي أقباي الطويل وقرره في نيابة حماة عوضا عن يشبك بن حيدر بحكم وفاته. وفيه من الحوادث أنه وقع واقع وهو مقطع بالجبل المقطم على جماعة من الحجارين فماتوا تحته، ومن المماليك ثلاثة أنفار كانوا هناك بسبب النقارة. ومات تحت الواقع عدة جمال وحمير كانت هناك لأجل حمل النقارة. وكان وقع على حين غفلة وكان أمرا مهولا. ومن العجائب أن شخصا من المماليك الذين كانوا هناك ووقع الواقع عليهم تصلب عليه شيء من الأحجار فأقام تحت الردم ثلاثة أيام، فعمل له نقب وخلصوه وهو فيه الروح وعاش بعد ذلك مدة طويلة. ***** وفي ذي الحجة فتح الأتابكي أزبك سد بركة الأزبكية وكان يوما مشهودا. ثم بعد أيام صنع وقدة حافلة وحراقة نفط، وعزم علي ابن السلطان، فنزل إليه وبات عنده في القصر المطل على البركة، ومد له أسمطة حافلة، وقدم له تقادم حافلة ما بين مماليك وخيول وقماش وغير ذلك، ثم طلع ابن السلطان إلى القلعة في اليوم الثاني أواخر النهار، ولم يشق ابن السلطان من المدينة سوى ذلك اليوم منذ نشأ، وكان مقيما بالقلعة لم ير البحر قط. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب سمرقند وهو الملك المعظم أحمد بن أبي سعيد، فلما مات تولى على سمرقند بعده أخوه محمود صاحب بلخشان. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب فرغانة من بلاد المشرق وهو عمر بن أبي سعيد، وكان فيه الخير والعدل في الرعية، ولما مات تولى من بعده على مدينة فرغانة أخوه أحمد.

стр. 810

سنة تسعمائة (١٤٩٤): فيها، في المحرم، صعدت القضاة الأربعة إلى القلعة للتهنئة بالعام الجديد، فلما جلسوا أمر السلطان بعقد مجلس في المدرسة الصالحية بسبب شمس الدين ابن الطواي المغربي القاضي المالكي بدمشق، وكان قد حضر إلى القاهرة لأمر أوجب ذلك. وفيه انتهى العمل من تجديد عمارة الجامع الأزهر، وقد جدده الخواجا مصطفى بن محمود ابن رستم الرومي وصرف عليه من ماله نحوا من خمسة عشر ألف دينار، وجاء غاية في الحسن وهو على ما جدده به الآن. وفيه تغير خاطر السلطان على شخص يقال له شمس الدين محمد بن عمران المقدسي، وكان رفيقا لأحمد الحسيني فضرب بين يديه ضربا مؤلما فما أطاق ذلك ومات بعد أيام قلائل. ***** وفي صفر جاءت الأخبار بوفاة يونس الأشرفي حاجب دمشق، فلما مات قرر في حجوبية دمشق قاني بك نائب غزة عوضا عن يونس المذكور. وفيه جاءت الأخبار من دمشق بأن الحج الشامي لما رجع إلى الشام خرج عليهم في أثناء الطريق طائفة من عربان بني لام فاحتاطوا على الركب جميعه، وسبوا الحريم، ونهبوا الأموال وأسروا أمير الركب أركماس، وكان أمرا مهولا، فتنكد السلطان وانزعج لذلك. وفيه توفي كسباي بن أزبك الساقي أحد الأمراء العشراوات، وكان لا بأس به. ***** وفي ربيع الأول توفي القاضي نور الدين الصوفي الحنفي أحد نواب الحنفية. وكان رئيسا حشما لا بأس به، وكان من أعيان الناس. وفيه عمل السلطان المولد النبوي، وكان حافلا على العادة. وفيه هجم المنسر على سوق باب اللوق وأخذ منه أشياء كثيرة من القماش والأمتعة، وقتل تحت الليل جماعة من أرباب الدرك. وفيه توفي يشبك بن قصروه المعروف يبشبك سحاب، وكان من الأمراء العشراوات، وكان رئيسا حشما لا بأس به. *****
следующие страницы →