← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإلى أين تذهب أيها الطالب وخير الهدي هدي النبي ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؟ فبهداه اقتده، ولا تتبع كل خارج ومبتدع وهارب؛ فإن اقتديت اهتديت، وبلَّغك الله سبحانه المأمول والمطالب، فالخروج عن الطريق هو من عدم التوفيق؛ لأنه كلما اجتهد المبتدع وسار، بعد عن الأوطان والديار. كان في عصر (١) الحسن البصري شاب متعبد فأتاه الحسن وقال له: يا بني، القوم سبقونا على خيل دُهم وبقينا بعدهم على حمر دبرة. فقال الشاب: يا سيدي إن كنا نتبع أثرهم فما أسرع اللحوق بهم، وإن كنا لم نقف أثرهم فلا نلحق بهم (٢). قال المؤلف: هذه الحكاية فيها شبه لقول الصحابة للنبي ﷺ : إنا نحب القوم ولما نلحق بهم. فقال: «المرء مع من أحب» (٣)، معناه: أي إذا سعيتم في أثرهم (ألحقكم الله بهم ببركة المحبة لهم أو السعي في أثرهم) (٤)، وإن كان عملكم قليلًا، ولا يدخل في حديث خير البرية المبتدع ولا من يترك العمل بالكلية، أمَّا المبتدع فلأجل بدعته، وأمَّا تارك العمل فلتعرضه لسخط الله ومخالفته؛ لأن الله سبحانه يحب الطائع المتبع، ويبغض العاصي والمبتدع، وإذا أحب الله عبدًا جعل صغير حسناته كبيرًا، وقليله كثيرًا، وإذا أبغضه لم يقبل منه شيئًا.

стр. 142

وقد ثبت عند المحققين أن كل عمل لا يوافق الكتاب والسنة فهو موافق لهوى النفس التي ترى القبيح حسنًا. قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. وقال ﷺ : «من أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» (١)، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبًا فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا (٢). وكان اسم أبي الدرداء عويمر، وكان من أكابر الصحابة وعلمائها، وكان قاضي المسلمين بدمشق في خلافة عثمان ﵄ وعن جميع المسلمين، وحضر فتح قبرص، وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة، فلما قتل المسلمون الكفار بقبرص بكى أبو الدرداء فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم، هذا يوم عيد؟ قال: يا هذا، ما أهون الخلق على الله إذا لم يطيعوا أمره (٣). فأنكر هذا السيد أكثر أفعال أهل عصره، وهو الصدر الأول، فما بالك بزماننا هذا؟ وكان قد ولاه القضاء بدمشق عمر بن الخطاب ﵁ فقال يومًا لأهل دمشق: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، وأراكم قد أقبلتم على ما تُكُفِّلَ لكم به وتركتم ما أُمرتم به، ألا إن قومًا بنوا شديدًا، وجمعوا كثيرًا، وأملوا بعيدًا، فأصبح بنيانهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وجمعهم بورًا، ألا فتعلموا وعلموا، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء. ولا خير في الناس بعدهما (٤).

стр. 143

وقال ﵁: اغد عالمًا أو متعلمًا أو متبعًا، ولا تكن الرابع فتهلك. قيل للحسن: ما الرابع؟ قال: المبتدع (١). ونزل به ضيف في ليلة شاتية فأرسل إليهم الطعام، ولم يرسل إليهم بلحف، فعمد أحد الأضياف إليه ليلومه، فرآه جالسًا وامرأته ما عليهما من الثياب إلا ما يستر العورة، فرجع الرجل وقال لأبي الدرداء: ما أراك إلا بت بنحو ما بتنا به؟ فقال ﵁: إن لنا دارًا ننتقل إليه قدَّمْنا لحفنا وفرشنا إليها، ولو كان عندنا منه شيء لأرسلناه إليكم، وإنَّ بين أيدينا عقبةً كؤُدًا، المخِفُّ فيها خير من المثقل، أفهمت ما أقول؟ قال: نعم (٢). وقيل له في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجد قلبي مطمئنًا بالإيمان. قالوا: فما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: نأتيك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني (٣). وقال عند وفاته: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم قرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (٤) فقالت زوجته: اللهم زوجنيه في الجنة. فقال لها: فلا تتزوجي بعدي. قالت: فإن احتجت بعدك آكل الصدقة؟ قال: لا، اعملي وكلي، ولما مات ﵁ وجدوا في ثوبه أربعين رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف درهم. قالت: فإن ضعفت عن العمل؟ قال: التقطي الحب والسنبل وكلي. فلما توفي ووافتْ زوجته العدة خطبها معاوية فأبت، وكان لها حظ من الجمال (٥).

стр. 144

فانظر رحمك الله ما كان أحسن مقاصد القوم، وما قلت طرفًا من مكارم أخلاق هذا السيد إلا ليعرف قدره من جهله، وتبركًا للكتاب، ولنزول الرحمة على القائل والسامع من خزائن الكريم الوهاب. قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد أضيعت (١). وكان ﵁ من بعض خدام النبي ﷺ فخدمه سنين، فلم يقل له في شيء فعله لم فعلته، ولا في شيء تركه لم تركته؟ (٢). قال: وما رأيت رسول الله ﷺ فارغًا قطُّ، إما يخيط ثوبًا لأرملة، أو نعلًا لمسكين (٣). ودعا النبي ﷺ لأنس عند وفاته بالبركة في عمره وولده وماله (٤)، فعاش مدة طويلة، وصلى خلف أبي بكر في خلافته وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الخلفاء ﵃ أجمعين. وأخرج الله تعالى من ظهره مئة وثلاثين ولدًا، وكثرت الأموال والأولاد، وكان المسلمون يشدون له

стр. 145

الرِّحال للزيارة، ولطلب الحديث والعلم والسؤال، وكان السادات يقبلون أقدامه ويقولون: أنت سيدنا وخادم سيدنا، ومات من أولاده في طاعونٍ واحدٍ ثمانون ولدًا (١)، فذهبت الأموال والأولاد فقال ﵁: أهلًا بحبيبٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم (٢). فانظر إلى حسن صفات القوم. لو مات ميت في وقتنا هذا لأحاطت به البدع من كل مكان، وبالله التوفيق وبه المستعان، وسنذكر له بابًا في موضعه إن شاء الله تعالى. ودعا أنس لرجل عطشت أرضه فجاءت سحابة فروت أرض الرجل وصهريجه ولم تسق أرض غيره (٣). وهذا السيد أيضًا أنكر أفعال أهل زمانه وجلس يبكي رحمةً لهم. وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء؟ ولو أن رجلًا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئًا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه (٤). فانظر وتأمل قوله؛ فإنه من العلماء العاملين، ومن كبار التابعين؛ فإذا كان الباطل قد ظهر في زمانه حتى ما بقي يعرف من الأمر (٥) الذي كان عليه السادة إلا القبلة والشهادة، فما ظنك بأوقاتك هذه؟ فلو رأينا القوم لقلنا مجانين، ولو رأونا لقالوا شياطين. وقال ﷺ : «أنا في خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،

стр. 146

ثم الذين يلونهم» (١)، وقال: «كل عام ترذلون» (٢). وعن ابن عباس ﵄: ما من عام إلا وتظهر فيه بدعة وتموت سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن. وزماننا هذا قد ظهر فيه البدع، والمتمسك (٣) فيه بالسنة (٤) له شأن عظيم عند الله سبحانه؛ لقوله ﷺ : «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد» (٥). فالسنيُّ في الدنيا رشيد، وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد. وقال المبعوث بالرسالة: «كلُّ بدعةٍ ضلالة» (٦)، فاحذر أيها المؤمن أن تخرج نفسك من نور السنة وتدخلها في ظلم الضلالة، فتكون من الهالكين بلا محالة. أتخرج أيها المؤمن من طريق سيد الأنبياء، وتدخل في طريق الأشقياء؟ أما سمعت قوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٧) وقال: «إن الله خلق الخلق نصفين، فجعلني في خيرهم، ثم جعلني في خير

стр. 147

الفريقين، ثم جعل القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعل البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا» (١). وقال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢). «إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (٣). ومن فضله الجامع: تأخُّرُ الأنبياء يوم القيامة، ويتقدم ﷺ ويقول: «أنا الشافع». ومن علو مرتبته أن الله تعالى نادى كل نبي باسمه، فقال تعالى: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧]، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. ودعا الحق سبحانه نبيه ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،

стр. 148

﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]. كل هذه أسماء لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم (١). وسماه أيضًا باسمين من أسمائه ليظهر للبشر ما خصَّه به من التعظيم وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢). ومن التعظيم والكرامة أن قَرَن اسمه باسمه في الأذان والأقامة إلى يوم القيامة. ولا خلاف بين الأنام أن السيد إذا دعا عبده بأفضل أسمائه، كان ذلك مبالغةً في التعظيم والاحترام. ويكون أفضل من عبيد دعاهم بأسمائهم الأعلام. (وأنشد لبعضهم: يا قوم ثأري عند زهراء … يعرفه الحاضر والنائي) (٣)

стр. 149

لا تَدْعُنِي إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي ومن التعظيم أن الله سبحانه أقسم بحياته، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. والقسم بحياة المُقْسَم به يدل على شرف (جاهه، وعلى شرف) (١) حياته، وعزتها عند المقسم، ولم يثبت هذا لغيره (٢). ولأجل حله بمكة المشرفة قال الواحد الأحد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، والمعنى: أقسم (٣).

стр. 150

ومما يدلُّك على عظيم فضل الله عليه أن الله تعالى نهى أصحابه عن التقدُّم بين يديه، وأن لا يرفع أحد صوته عليه. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣]. وفي فضله ﷺ من هذا كثير. وله من المعجزات، ومكارم الأخلاق، ما لا تحصره الكتب والأوراق. فكيف يفلح من يخرج عن سنته، أو يجعل له شرعًا غير شريعته؟ وقد قرن الحق سبحانه في اتباعه الهداية والفلاح، صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأتباعه ما غاب نجم ولاح. قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن أراد الخير والفلاح، فعليه باتباع النبي ﷺ وأصحابه ذوي الوجوه الملاح. فمن تبعهم بدَّل ليلَه بصباح. وأثبت أنه من أهل الدين والخير والصلاح. أي بُدل ليل المعصية بنهار الطاعة، قال بعضهم: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون (١) ساري والناس في سُدف الظلام … ونحن في ضوء النهار

стр. 151

فمن سلك طريق القوم أحياه الله تعالى حياةً طبيِّةً في الدنيا والآخرة، وحشره معهم في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وأي حياة أطيب من اتباع النبي ﷺ ، وسلوك طريقه وطريق أصحابه، ولكن حتى تكتحل البصائر بنور الهدى. وقد جعل الله تعالى لنا ميزانًا نزن به أعمالنا. وهو ما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وما شرحه (١) النبي صلى الله وعليه وسلم في سنته. قال بعضهم: وللشرع (٢) ميزان فلا تك طاغيًا … فيه ولا تك تخسر الميزانا (٣). فزن نفسك بميزان السنة والقرآن، ولكي يتبيَّن لك الزيادة من النقصان. قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقال خير البرية: «تركتُها بيضاءَ نقيَّةً» (٤)، فحُكَّ (٥) نفسك على محكِّ الشرع، فإن كنت خبيثًا

стр. 152

ظهر (١) خبثك، والطيب لا يظهر منه إلا طيب؛ فالجنة طيبة لا يدخلها خبيث. قال المولى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ومرادنا بالطيب المتبع، والخبيث هو المبتدع. فإذا قرأت القرآن تبين لك هل أنت من أهل الخير واليقظة والإحسان؟ أم من أهل الشر والغفلة والطغيان؟ فقد وصف قومًا بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، وأثنى الحق سبحانه على قوم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. اعلم رحمك الله أن الخير والفلاح موقوف على الدين والصلاح. قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] فمدح هؤلاء وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. ووصف قومًا بمكارم الأخلاق، وقومًا بالكفر والنفاق. فقال تعالى في حق الأولى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، وقال في حق الثانية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، وقال الواحد القهار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. قال رب العالمين: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقال في حق المبتدعين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى

стр. 153

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والنار جزاء لمن ظلم، وإن كان مسلمًا من خير الأمم، قال المولى إخبارًا عن قول قابيل، لما أراد قتل هابيل (١): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]. والمبتدع هو ظالم لخروجه عن الطريقة المحمدية، ودخوله في البدعة الرَّدية، فقد تعدى الحدود، وأسخط المعبود، وشؤم ذلك عليه يعود، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا يجزي والد عن مولود، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] فظلمها الذي أوجب عليها غضب الجبار، وعذاب النار وذلك لعدوله عن الآيات والأخبار، ولخروجه عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمسلمين الأبرار، فصار الظلم (٢) على أقسام: الكافر ظالم، والمنافق ظالم، والمبتدع والعاصي ظالم، والكل يذهب بالتوبة. وظلم آخر يحتاج الظالم أن يرضي المظلوم في الدنيا: كضرب، وسب، وغيبة، وقتل مسلم بغير حق، وشهادة الزور، ونميمة، وبهتان، وما يشبه ذلك ويقاربه لا بد من التحلل من المظلوم، والمظلوم مرحوم، والظالم ملعون. وهذا حال من ظلم الناس لنفسه؛ وأنحس منه من ظلم الناس لغيره؛ لأن الأول أخرب آخرته لأجل دنياه، والثاني أخرب آخرته (٣) لأجل دنيا غيره، فصار أكبر إثمًا وأكثر بعدًا عن (٤) خالقه ومولاه، وكلا الطرفين ذميم. والذي أعتقده أن الحق سبحانه متى رضي عن عبدٍ، أرضى عنه خصومه، ونسأل الله العدل، والاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، فمن عدل عدل به إلى الجنة، ومن جار فله النار.

стр. 154

ومراد المؤلف بالاستقامة: الاتباع لمن ظللته الغمامة؛ لأن الحق سبحانه قد لطف بالمتَّبِع، فعمل بكتاب الله تعالى وعلى السُّنة أقام فاستوجب محبة الله تعالى والجنة له مقام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ذهب أكثر المفسرين إلى أن الاستقامة لزوم الكتاب والسنة. فاعرض أيها العامل أفعالك وأقولك، على سنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين فإن حصلت الموافقة لهم، فأنت من المهتدين. وإن عكست فأنت من المعتدين. قال ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم» (١)؛ فهي الفرقة الناجية التي (٢) أمرنا أن نعض عليها (٣) بالنواجذ، لننجو غدًا من الشدائد. فعليك أيها المؤمن بإماتة البدع، وإحياء السنة؛ فقد جاء في الحديث: أن من أحيى سنته كان معه في الجنة (٤). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أمات بدعة أحيَى الله قلبه» (٥). وفي حديث آخر: «إذا مات صاحب بدعة، كان فتحًا في الإسلام» (٦)، وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أعرض عن صاحب بدعة بغضًا له في الله ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا؛ ومن انتهر صاحب بدعة، رفع الله له في الجنة مئة درجة، ومن سلَّم على صاحب

стр. 155

بدعة أو لقيه بالبشرى واستقبله بما يسره فقد استخف بما أُنزل على محمد ﷺ » (١). وقال: «من مشى إلى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام» (٢). وفي حديث آخر: «من أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر» (٣). وقال سفيان: من اتبع جنازةَ مبتدعٍ لم يزل في سخط الله حتى يرجع (٤). وقال ﷺ : «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

стр. 156

قالوا: يا رسول الله، وما غِشُ أمتك؟ قال: «أن تبتدع بدعة تحمل الناس عليها» (١). وروي أن رجلًا دعا ابن مسعود ﵁ إلى وليمةٍ فلما بلغ المنزل سمع عندهم لهوًا فرجع فتبعه صاحب المنزل وقال: يا صاحب رسول الله، ما بالك رجعت؟ قال: سمعت عندكم (٢) لهوًا، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن أحب عمل قومٍ خيرًا كان أو شرًّا كان كمن عمله أو كان شريكًا له» (٣) فلما اجتمع القوم على بدعة تركهم وسار. وكان سيدًا جليلًا عارفًا بالتفسير والأخبار. وصح أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤). وتبرأ من الصالقة والحالقة والشَّاقة (٥).

стр. 157

وقال ﷺ : «أهل البدع هم شرُّ الخلق والخليقة» (١). وفي حديث آخر: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٢). فانظر رحمك الله إلى هذا التوكيد وشدة الوعيد لمن خالطهم أو واكلهم أو سلَّم عليهم، أو وقَّرهم واستبشر في وجوههم. فكيف يكون حال من فعل بفعلهم، أو صار في بدعة يقتدي الجاهل (٣) به؟ وكيف حال من دعا الناس إلى بدعته وحثَّهم عليها وحسَّنها لهم؟ وكيف من زعم أنها قربة إلى الله تعالى ويثاب عليها؟ كل هذه درجات بعضها أسفل من بعض، وظلمات بعضها فوق بعض، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، وأن يرزقنا اتباع السنة، ويجنبنا البدعة والردى. وإذا شاء الله تعالى وفَّق الجاهل وخذل العالم، وإن شاء عكس، وإن شاء وفقهم جميعًا، وإن شاء خذلهما جميعًا، والقدرة صالحة لكل شيء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. والجهل مصيبة في الدين؛ لقول رب العالمين لسيد المرسلين: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

стр. 158

وأكثر ما يقع العباد في البدع من جهلهم وقلة علمهم، فيدخل عليهم الشيطان -لعنه الله- من جهة الجهل، فيغويهم ويضلهم. قال علي بن أبي طالب ﵁: قصم ظهري رجلان: جاهل ناسك، وعالم فاسق (١). قال المؤلف: فالعالم الفاسق ينفر الناس عن (٢) علمه، ويكون حجة عليه، يوم يوقفه الحق بين يديه، ويقال: إذا ضلَّ عالِمٌ ضلَّ العالَم. والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر، كما تقدم ذكره في القرآن والخبر. والجاهل الناسك يُضل الناس لجهله ولخلوه من نور العلم، فمثله كالأعمى، والأعمى لا يهدي نفسه إلى الطريق، فكيف يهدي غيره؟ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، فيأمر الناس بجهل فيَضل ويُضل. ألا ترى ما يفعله بعض المبتدعين تبعًا لأشياخهم فيحلقون ذقونهم ويوصلون شعورهم، ويكوون أبدانهم ويوشمونها، فينقش عليها (٣) اسم المحبوب، ثم يدخل السقاية بهذا المكتوب (٤). ولقد رأيت فقيرًا بمكة قد وشم على ساعده آية الكرسي بكمالها، ثم يدخل بها المستراح هذا القليل الدين والصلاح، فكلما مسّ آية الكرسي بغير وضوء أثم، وإذا مسه وهو جنب يكون (٥) ملعونًا آثمًا، وترى بعضهم يثقب أذنه، وآخر يثقب إحليله، ومنهم من يتكبل بالسلاسل والحديد، فيدخلون في البدع ويخالفون المولى المجيد، وبعضهم يعملون في رقابهم الأطواق، وهي صفات أهل النار في النار، ولا ترضي الواحد الخلاق، قال الله

стр. 159

تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]، ورأى النبي ﷺ رجلًا في إصبعه خاتم حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حلة (١) أهل النار؟» (٢). وبعض المبتدعة يُلَبِّدُ شعره فلا يزال جنبًا؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وقد أمرنا الشرع (٣) بإيصال الماء إلى أصول الشعر، ومن وصل من المبتدعة شعره قطعه الله من رحمته، وأدخله في لعنته. قال ﷺ : «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة» (٤). فإذا لعنت المرأة لأجل ما وصلت، أو وشمت زينةً لزوجها؛ فكيف من يفعل ذلك من الرجال بطرًا وعبثًا؟! فيكون ملعونًا بطريق الأولى. فهؤلاء الأشقياء اتصفوا بصفات الأولياء، وزعموا أنهم فقراء، فقنعوا بالاسم، وما نالوا منه وطرًا، فصار الاسم على غير المسمى، وكان ذلك عليهم مقدورًا مقدرًا، وبه القلم في اللوح المحفوظ جرى. والحق سبحانه يقبل من جاء منهم تائبًا معتذرًا. ونعوذ بالله من كل البدع والطغيان، ومن أُخوَّة النسوان، ومرافقة المردان، والاشتغال عن الذكر والقرآن، بشيء من اللهو والهذيان؛ كالرقص على ضرب الدف والكف والغناء والألحان، وتضييع الوقت والعمر فيما يرضي الشيطان، فلو كان هؤلاء المبتدعون الذين تقدم ذكرهم ممن

стр. 160

يدعي الفقر والدين، عملوا بحديث سيد المرسلين الصادق الأمين، ﷺ وعلى أصحابه أجمعين، ما وقعوا في شيء من البدع وهو قوله: «تفقهوا ثم اعتزلوا» (١). كمن مضى من مشايخنا وسادتنا ﵃ أجمعين، تفقهوا ثم دخلوا في العبادة، فوقفوا للعلم والعمل والزهد في الدنيا، فاستراحوا وأراحوا، واهتدوا بنور العلم وهُدوا، فكان قولهم يصدع القلوب، وزيارتهم تذكر بالله (٢) علام الغيوب. وأهل البدع لما فاتهم نور العلم، وقعوا في ظلام الجهل، ففاتهم نور السنة ووقعوا في ظلام البدعة؛ فضلُّوا وأضلُّوا، وبجهلهم استدلوا، وقال هؤلاء المعتدون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وجدوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون، فلو سمع أحدهم ألف حديث وكل آية، لم يخرجوا عن طريق آبائهم ومشايخهم إلا من أدركه الله برحمته، وأنقذه من البدعة والضلالة بقدرته، لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ولأن البدع قد رسخت وطبعت على قلوبهم، وألفتها واستحسنتها نفوسهم. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. كما قال بعضهم: يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجتنب الطريق الواضحا قال المولى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فقد استحسنت البدع هذه الطائفة، ليس لها من دون الله كاشفة.

стр. 161

وإذا أراد الله أن يخرج عبده من الضلالة عرَّفه كيف يخرج. فإن قيل لأحدهم من جهة التذكرة والنصح والأمر بالمعروف: إن هذه الطريقة التي أنت سالكها ما هي طريق نبيك، ولا طريق أصحابه، ولا طريق التابعين؛ فإن خرج عنها فهو صديق، وإن لم يخرج عنها فهو قليل التوفيق. وإن جحد السنة فهو زنديق؛ وقد تشبه بالكفار. ومن تشبه بهم في الدنيا، حُشر معهم يوم القيامة في النار؛ ولأجل ذلك تبرأ منه النبي المختار صلى الله عليه صلاةً دائمة إلى يوم القرار بقوله: «من تشبَّه بغيرنا فليس منَّا» (١) فاعتبروا يا أولي الأبصار. فلما عرَّفهم الأنبياء ﵈ الطرق التي توصلهم إلى الله ، وكان عليها المؤمنون وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. فعجل الله تعالى دمارهم وخرب ديارهم؛ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. وما انتشرت وتولدت هذه الآفات والبدع، وأمثالها في الملة المحمدية إلا لقلة إنكارها، ولتخلية أولي الأمر هذه البدع من شهورها لسنيها، ومن غدوها لأبكارها، فلو قاموا بما أمروا به من إزالة المنكر، وجاهدوا بسيف الصدق لما شاعت هذه المصائب وأمثالها؛ ولأسرع تلاشيها وزوالها، والله سبحانه أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد شهد العليم الفتاح لمن يأمر بالمعروف بالخير والفلاح، فقال المولى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الملك الغفور: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ربكم تعالى يقول: إياكم والتظالم،

стр. 162

وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تسألوني فلا أطيعكم، وتدعوني فلا أستجيب لكم وتستنصروني فلا أنصركم» (١). وتمثيل النبي ﷺ بالقوم الذين استهموا في السفينة معروف (٢). وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوف لتركهم الأمر بالمعروف (٣). ثم اعلم بأن الأمر بالمعروف هو من قواعد الدين، وطريق سيد المرسلين ويقرب لرب العالمين، فمن ترك الأمر بالمعروف مع القدرة فقد خالف الرب الرؤوف، ووقع في أمر مخوف. قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف على ثلاثة أقسام: باليد للأمراء، وباللسان للعلماء، وبالقلب للعوام. وهذا قول حسن؛ لأن العوام لا يعرفون العلم فيقولون باللسان، ولا يقدرون على إزالة المنكر بالسيف والسنان، وهذا أضعف الإيمان.

стр. 163

وقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل من قدر عليه. فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد أحيَى السنة. ومن أحياها غفر الله له وأدخل مع النبي ﷺ الجنة. وقد تقدَّم شيءٌ في مدح الأمرين. وقد ذم الله تعالى قومًا آخرين بقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. وقال أهل التفسير: إن طائفةً من بني إسرائيل مسخت قردة وخنازير لخروجهم عن طريق نبيهم ولمخالفتهم للمولى القدير: الشباب صاروا قردة، والشيوخ خنازير، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. ثم إن بني إسرائيل افترقت على فرقتين: الفرقة الواحدة أَمَرت، والثانية لم تأمر، فأنجى الله تعالى الطائفة الآمرة، وأهلك التي لم تأمر بقدرته القاهرة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقد جاء في مواضع كثيرة في القرآن والخبر في مدح من أمر بالمعروف، وفي ذم من لم يأمر به، ما لا يحتمله هذا المختصر، وفي هذا كفاية لمن رزقه الله تعالى التوفيق والهداية. قال المفسرون: لما أراد الله تعالى أن يُهلك من قوم يوشع ﵇ ستين ألفًا من أشرارهم، وأربعين ألفًا من أخيارهم، قال يوشع ﵇: يا رب هذا للأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله سبحانه إليه: يا يوشع؛ لأن الأخيار لم يغضبوا لغضبي، وواكلوهم وشاربوهم

стр. 164

وجالسوهم (١). وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية تضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (٢). قال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا ظهرت المعاصي ولم ينكروها استحق القوم جميعًا العقوبة (٣). وقال نبي الله ﷺ : «من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤)، رواه مسلم. فقد تبيَّن (٥) أن من ترك الأمر بالمعروف مع القدرة عاصٍ مبتدع، والبدعة في الدين خطر عظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ

стр. 165

سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]؛ فمعناه: أي حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، فأرسل الله عليهم رجزًا من السماء وظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، وذلك لقلة أدبهم واستخفافهم بأمر الله تعالى. وابتدعوا بزيادتهم حرفًا في الكلمة فعرفهم أن الزيادة في الدين والابتداع في الشرع خطر عظيم، وهذه البدعة هي في القول، وتارةً تكون البدعة في الفعل، وكلا الطرفين ذميم. وقد كثر في زماننا هذا البدع في الأفعال والأقوال. ونسأل الله الإقالة، وهو القدير المتعال. فصار السنيُّ بين الناس كالغريب، ولا عليه بعدما صار معروفًا عند الحبيب، كما قال بعضهم: إذا رضيتْ عنِّي كرام عشيرتي … فلا برحت غضبَى عليَّ لئامها عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» (١). ولمسلم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». معنى الحديث: أنه لما جاء الله تعالى بالإسلام فكان الرجل إذا أسلم في حيه وقبيلته فهو غريب بينهم مستخفٍ بإسلامه، قد جفاه الأهل والأصحاب، واتصل لرب الأرباب كما قال بعضهم: إذا كنتَ لي … ما ضرَّني من عدمته

стр. 166

فكان يكون بينهم ذليلًا حقيرًا خائفًا يتجرَّع (١) جرع الأذى والجفاء محبة في دين النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الخير والجود والوفا، فيعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم من قلة الأنصار وكثرة الفجار. وقد تقدم في حديث العرباض قوله ﷺ : «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا (٢)، فعليكم بسنتي» (٣) الحديث، رواه البخاري في «صحيحه» (٤) عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي ﷺ قِبَل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها ينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم رسول الله ﷺ : «الله أكبر. هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لتركبن سنن من كان قبلكم» (٥). فانظر رحمك الله أي مكان وجدت سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون أمرها، ويرون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط، فإن قدرت فاقطعها يصلك الله تعالى به، فجميع العبادات القولية والفعلية لا يثاب العبد عليها إلا إذا كانت موافقة للسنة والكتاب؛ فاعتبروا يا أولي الألباب.

стр. 167

ألا ترى أن الإنسان كيف يصوم وهو من الأجر محروم؛ كصيام يوم الشك، ويوم الجمعة فقط، وصوم يوم السبت وحده، وصوم العيدين وأيام التشريق. روى مسلم في «صحيحه»: أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة، وعن قيام ليلتهم، فقال: «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام» (١). وروى البخاري أيضًا: أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده (٢). والحديث: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام». هو حجة على قوم يجتمعون لصلاة الرغائب لورود النهي. وقد روى الغزاليُّ حديثًا في صلاة الرغائب (٣)، وهو غير صحيح، اقترأه (٤) لا افتراه. والحديث الضعيف لا

стр. 168

ينسخ الحديث الصحيح، ولا قول اللطيف وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال ﷺ : «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (١). قال بعض العلماء: يأثم الإنسان بفعلها كالنَّفل بعد الصبح، وبعد العصر بلا سبب. فإن قال قائل: أيعاقب المسلم على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعاقبُ لمخالفته للحديث. ولا يثاب العبد على عبادةٍ قط إلا أن تكون موافقة للكتاب والسنة، ألا ترى لو وقف واحد بعرفة في غير يوم عرفة واجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس، ثم نفر إلى المشعر الحرام، وصلى الفجر بغلس، ووقف ودعا، ثم جاء لمنًى (٢)، ورمى الجمرة كما فعل النبي ﷺ ، ثم جاء وطاف بالبيت الحرام وسعى، وأتى بجميع المناسك، فهو عاصٍ لله ولرسوله، وليس بناسك؛ لأنه شرع في الدين ما ليس منه. وهو عبدٌ مخالف للسنة هالك؛ لأن النبي ﷺ ما فعل هذه الأشياء إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص. فلا بدَّ من الزمان والمكان، لذلك لو طاف طائف بغير مكة المشرفة، أو سعى أو رمى الجمرات في غير أشهر الحج لم يؤجر وعليه السيئات، كرجل يصلي الخمس صلوات قبل دخول الأوقات فلا تقبل منه، ولا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ لأن استباق الخيرات وضع الأشياء في محلها. وتكلم العلماء في قوله ﷺ : «من سبَّح عقيب كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين، وكبره ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله

стр. 169

إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معط لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، حطت خطاياه ولو كانت مثل زَبَد البحر» (١)، قالوا: يعطى المسلم هذا الأجر إذا فعل هذا، لا يزيد عليه ولا ينقص. فلو سبَّح الله تعالى مئة، وحمده مئة، وكبره مئة. قال جماعة من العلماء ومنهم: ابنُ المرحِّلِ شيخٌ راسخٌ في علوم الإسلام، والقاضي ابنُ عبد السلام سيِّد العلماء ومفتي الأنام (٢): يحرم هذا الأجر العظيم؛ لقلة عمله بحديث النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى لا يعظم الأعمال لكثرتها إذا لم تكن (٣) موافقة للسنة. وقال المولى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، الملك: ٢]، ولم يقل (٤): أكثر عملًا. والعمل الحسن ما كان موافقًا للسنة. وجاء في الحديث: «عملٌ قليل في سنة، خير من كثير في بدعة» (٥)، وليس قدر من أهدى الملك جوهرتين كقدر من

стр. 170

أهدى له حمل تين (١) أو ماء تين (٢). ولا ينبغي أن يهدي الإنسان لمبتدع أو ظالم هدية لإكرامهما، أو لما يؤمل منهما من العطية، وله أن يكرمهما خوفًا أن يصيبه من جهتهما مصيبة أو بلية. فإن لم يخف يعرض عنهما؛ لأن الله تعالى قد أعرض عنهما لخروجهما عن طريق خير البرية، ولدخولهما في الأفعال الردية. كان لبعضهم شجرة تين تطرح التين في غير أوانه، فعبَّى طبق تين، وأهداه لبعض الظلمة، وجلس على بابه ينتظر شيئًا من عطائه، وإذا بنائب ذلك الظالم جاء له بجماعة يضرب رقابهم. فعدوهم عند الباب فنقص منهم واحد. فربطوا صاحب التين مكانه، فلما دخلوا بهم على الأمير وطلب السيف، صرخ صاحب التين وقال: أنا صاحب التين. فقال: ما حملكم على مسك (٣) هذا؟ قال: هرب من الجماعة واحد فكملناهم به خوفًا منك. فأمر بإطلاقه وقال لصاحب التين: تمنَّ عليَّ. قال: أريد ثلاثة دراهم. فقال: ويحك تمن. قال: ما أريد غيرها، ولو كنت أملكها ما طلبت منك شيئًا. فقال: وما تصنع بالثلاثة؟ قال: أشتري به ما أقطع به الشجرة التي كانت السبب في معرفتي لك. ودخل متولي المدينة على حاتم الأصم وقال له: يا شيخ تمنَّ عليَّ! قال الشيخ: أتمنى عليك أن لا تراني ولا أراك. وقال الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فالنار لمن جالسهم. فكيف يكون حالهم هم؟ وله باب في غير هذا المكان، وبالله المستعان.

стр. 171

فصل فيما يبتدع في قراءة القرآن اعلم رحمك الله تعالى أنَّ قراءة القرآن العظيم عبادة، وهي من جملة التوفيق والسعادة؛ لأن القارئ حبيب لعالم الغيب والشهادة. وقد أدرجت النبوة بين كتفيه، إلا أنه لا يوحى إليه، ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ! فيصعد إلى أعلى الدرجات، وله بقراءة كل حرف عشر حسنات، فيحصل له هذا الخير والمنة، إذا كانت قراءته موافقة للكتاب والسنة، فإن قرأه جُنُبًا، أو زاد فيه، فهذه القراءة تخرجه عن السنة، وفي جهنَّم تهويه (١)، كمدِّ بعض جهلة القراء (٢) في مكانٍ لا مدَّ فيه، فيزيد في كلام الخالق؛ فينقص عند الله هذا الجاهل الفاسق، فإن رضي بهذه البدعة الحاضرون فكلهم في الإثم واقعون، وعن الشرع الشريف خارجون، والتكرار يسقطهم من عين الواحد القهار إلا أن يكون بخشوع وتدبر، وبغير زيادة عن المقدار، فحينئذٍ يبلغ العبد بقراءته إلى منازل الأخيار، ويكون من أهل الله تعالى وخاصته، كما جاء في الأخبار عن النبي المختار الكامل الأنوار، صلوات الله تعالى عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار.

стр. 172

ومن جملة البدع ما يفعله بعض الإخوان من ترك القرآن قبل تمام السورة، ثم يأخذون في تجديد الأحزان بنشدهم (١) الأشعار، وبروايتهم الأخبار. كل ذلك لأجل حطام هذه الدار: [أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار]؛ وذلك لخروجهم عن طريق النبيِّ المختار، والصحابة الأخيار، ومن تابعهم من المؤمنين الأبرار. والنار لمن ابتدع وجار، وقد صحَّ أن النبي ﷺ نهى عن تجديد الأحزان (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان. ثم اعلم بأنه يجوز ترك القراءة قبل تمام السورة، إذا سأل العبد ربه الجنة عند ذكر الجنة، وكذلك التعوذ من النار، وأن يدخله في شفاعة النبي المختار. وله أن يسأل الله تعالى الاستقامة، وأن يؤمنه من فزع يوم القيامة، وهذا ما يناسبه له أصل في الشرع، فإن قرأ رجل بصوت حسن فقال جاهل: والله طيبٌ. ما مراده إلا الصوت والأنغام، وعليهما يطرب العوام،

стр. 173

فإن كانت القراءة خارجة عن السنة والسامع عالمٌ بذلك، ثم قال: والله طيبٌ! فيفسق القارئ والسامع. فإن كانت القراءة ملحونة (١) مبدَّلة فقال السامعُ: والله طيبٌ. وهو عالم بذلك اختلف العلماء في السامع، وقال بعضهم: يكفُر ويكفُر القارئ أيضًا، إذا تعمَّد اللحن والتبديل. والله سبحانه أعلم بالجملة والتفصيل. وأشد تحريمًا ممن تقدم ذكرهم من الإخوان: إجلاس الأمرد الحسن الوجه والنغم في صدر المكان، ثم يجلس الرجال حوله فيقرءون القرآن، ويزيدون في كلام الرحمن، ويساعدون الصبي في طلوعه ونزوله وينظرون إليه، فيشاركون في الإثم والعدوان: الصبي ومن تابعه، ومن نظر إليه بعين شهوة، ومن كان السبب في جمعهم، ومن حضر من المستمعين في ذلك المكان، والقراءة إذا كانت على هذه الصفة تحيط بها البدع ولا تصل إلى الميت، ولا يؤجر القارئ والسامع، ويخاف على من أصر على هذه البدع وجعلها له عادةً أن يحرم عند الموت الخير والشهادة. ومن البدع المخالفة للسنة والكتاب، القراءة بين يدي الجنازة، وفي الأسواق، وعلى الأبواب، وكذلك الجهر بالقراءة في الطريق، والحمام، وفي مجالس الفُسَّاق، وعند قومٍ لا يستمعون كلام الواحد الخلاق. وأكثر ما يقال في هذا الكتاب (٢) هو من البدع المستجدة مما شاهدناه، وما شَهِدنا إلا بما علمنا، والزمان باقٍ والتكليف قائم، وأيُّ قرنٍ أو عصرٍ يخلو بلا بدع؟ وقد قال ﷺ لأصحابه: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا» (٣). وقال: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيد» (٤).

стр. 174

وفي حديث آخر: «يأتي على أمتي زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» (١). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا ظهرت فيكم البدع، وعمل بها حتى يربُو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويسلم فيها الأعاجم، حتى يعمل الرجل بالسنة فيقال بدعة. قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وتفقه لغير الدين، وأبيعت الدنيا بعمل الآخرة (٢). فيجب على المسلم أن يتبرأ من أصحاب البدع؛ لأن النبي ﷺ تبرأ منهم. قال يونسُ بن عبد الأعلى: قلت للشافعيِّ: إنَّ الليث بن سعد يقول: لو رأيتُ صاحبَ بدعة يمشي على الماء ما قَبِلته. فقال الشافعي: قَصَّرَ، لو رأيتُه يمشي على الهواء ما قَبِلته (٣).

стр. 175

وقال الشيخ أبو مدين (١) ﵃ أجمعين: مخالطة أهل البدع تُميت القلب؛ من كان فيه أدنى بدعة، احذر مجالسته لكي لا يعود شؤمها عليك ولو بعد حين. وقال ﷺ لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيٌّ» (٢). وأهل البدع هم أشقياء لا أتقياء، فسيندم من صحبهم يوم القيامة ندمًا طويلًا، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]. وقال ﷺ : «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٣). وفي حديث آخر: «إذا أراد الله بعبد خيرًا رزقه الله جليسًا صالحًا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» (٤).

стр. 176

والآدمي ضعيف، ويصحب شيطانًا من شياطين الإنس، فيزين له القبيح ظاهرًا، وشيطان الجن باطنًا، فيوقعانه في البدع والمخالفة، فيبعده الله من رحمته فتهلك هذه النفس الخبيثة التالفة؛ لأن النفس خبيثة، ثقيلة. ولذلك يعصي الله تعالى ويخالف أوامره الجليلة، فيصحب ثقيلًا آخر، فتصير نفسه فاجرة، وينسى الله تعالى والدار الآخرة. قال بعض العلماء: اطلعت على ثمانية آلاف عيب في نفس ابن آدم، فهي مأوى كل شرٍّ، مشُومة (١) في الطاعة، فكيف إذا عصت؟ كثيرة الخداع والتلون، تفرحك بالطاعة في أول النهار، وتحزنك بالمعصية في آخره، تراها في وقت رجعت إلى الله تعالى تائبةً، وفي وقت قد أعرضت مدبرةً هاربةً؛ كثيرة الألوان، أكثر تلونًا من حرباء. وأروغ من ثعلب، وأنوم من فهد، وأدْخَس (٢) من حمار، هذا بعض صفاتها، ولا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى الواحد القهار، خالقها وموجدها (٣). وقد أخبر عنها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. تجرها للطاعة تجرك للمعصية، تحب ما يبغضه الله تعالى وتكره ما يحبه الله، وهي قرينة الشيطان؛ تتكاسل في الطاعة، وتسارع في العصيان. تراها في الشبع كالسبع الكثيف، وفي الجوع كالطفل الضعيف. وفي الغضب مثل الملوك والجبابرة. وفي الشهوة مثل البهيمة، وفي الخوف مثل الهرة، وفي الأمن مثل النمر والأسد. ومن سوء عادتها تخاف الفقر ولا تخاف الله تعالى وأليم عذابه، وهي مسخرة

стр. 177

للشيطان (١)، ولها أعوانٌ وأنصار؛ مثل الدنيا وزهرتها والهوى والشيطان. ولكل واحد من أعوانها جنود ووفود، وخيل وحشم من زينة الحياة الدنيا؛ مثل كثرة النوم والأكل والضحك وحكايات أبناء الدنيا وسلاطينها، وأفعال عشاقها وشياطينها، وحب الغنى والدنيا والكبر، والحسد والغيبة والنميمة، والعداوة والمدح لهذه النفس اللئيمة (٢)، وارتكاب المعاصي والملاهي، والاشتغال بكل ما لا يعنيها، وبجمع المال، وطول الأمل، والتهاون في صالح العمل، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقلة الحياء من المولى الرؤوف، والتمنِّي والغرور، واللهو والسرور، وشهادة الزور، ونسيان الموت والقيامة والنشور، والعادات (٣) والتجارات، وتحسين القبيح، وهتك الستر، ومجاوزة الحدِّ، وإنكار الحق، وتعظيم أبناء الدنيا، وتحقير أبناء الآخرة. هذه الأشياء من بعض صفات النفس الأمارة بالسوء. فمن أراد الله تعالى له بخير بصره بعيوبها، وأعانه على تسخيرها، ومعرفة مكايدها، فيلجمها بلجام الورع والتقوى، ويقيدها بسلاسل الذل والانكسار، وتكليفات الشرع، واتباع النبي المختار ﷺ آناء الليل وأطراف النهار، ويسلط عليها الجوع والعطش والسهر، ويخالفها في كل شيء إلا في الطاعة. ويقتلها بسيف المجاهدة لكي يحيي الله تعالى قلبه بالمشاهدة، ويذمها في جميع أحوالها، ولا يغفل أبدًا عن تأديبها ورياضتها إلى الموت؛ فإنها مشومة إذا أقبلت، فكيف إذا أدبرت؟ ويجعل العقل عقالها والشرع سجنها، والعبادة سجانها، وذكر الموت طعامها وشرابها، وبعد هذا الاحتياط يتضرع العبد المسكين إلى خالقها وموجدها أن يعيذه من كيدها وسوء عاداتها، وغلبتها على عقله. ومثل العقل والنفس كمثل عدوين، وبيد كل واحد منهما سيف مجرد ينتظر غفلة صاحبه ليقتله، ومَن غُلب سُلب.

стр. 178

وقد تقدَّم أن من قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيى الله تعالى قلبه بالمشاهدة، فينجو من شرها وكيدها وخداعها. قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، والظلم عليها منعها من الشهوات الفاسدة، واللذات الفانية، والأماني الباطلة، والآمال الكاذبة، وحب العلو والشرف والمال، ويكرهها على اتباع الكتاب والسنة، ويحرضها على ذكر الموت وحب الآخرة، ويخاف من مكرها في الزهد والعبادة. فإن خداعها في الطاعة أكثر من المعصية. وإن لها في الطاعات لشربًا وعيشًا طيبًا، أحب إليها من ركوب المعاصي؛ مثل تزيين الطاعة، ورؤية العبادة، وقيمة العمل، والرياء والنفاق، وحب إقبال الخلق والزيارة (١)، وتقبيل اليد والتبرك، وحسن الصيت، وثناء الخلق، ورغبة الملوك، وتردد أبناء الدنيا، وحضور السماع، وتخريق الخرق والتصنع، وإظهار الصوم والصلاة، وقلة الأكل لرؤية الناس، والبكاء الكاذب، وتحريك الشفة، والإشارة بالعين، والتخشع بلا خشوع القلب، ورؤيا المنامات، ولبس المرقعات، والمؤاخاة (٢)، والحكم على الماضي والمستقبل، والمبالغة في الطاعات عند رؤية العاجزين؛ وإذا خلا توانى في خدمة رب العالمين، والترفع والتصدر في المجالس، وأن يقام بين يديه وهو جالس وكثرة أصحاب الإرادة، وأكل الأطعمة اللذيذة. ويرضى في حالِهِ بنطِّه (٣) في السَّماع؛ بحضور المردان، ونظارة النسوان. ونعوذ بالله من شر النفس والشيطان؛ لأن هذه الأشياء في الحقيقة أشر من شرب الخمر.

стр. 179

فأفق من سكرتك أيها الإنسان، واعلم أن أهل السماع نزهوه عن حضور الفسقة والنسوان (١) والمردان. وشرطوا له المكان والإمكان والإخوان، وجميع هذه الأقوال والأفعال ليس لها أصل في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان. فلا تستبدل الهوى بالضلالة، والطاعة بالمعاصي والخسران، ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ومن تسويل النفس والشيطان. فانظر رحمك الله تعالى إلى بعض أوصاف النفس الأمارة، ومن أصلح الله نفسه لا يفعل شيئًا يكرهه الشرع، ولا يختاره، ولا يسعى في رضى نفسه، ويخالف نبيه ﵇ وأخباره (٢)، فمن أرضى نفسه أسخط خالقه؛ لرضاه عنها مع فعلها الأشياء التي هي غير لائقة. ثم اعلم رحمك الله أن أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]؛ ولأن يصحب الإنسان جاهلًا لا يرضى عن نفسه، خيرٌ له من أن يصحب عالمًا يرضى عن نفسه. وأي جهل لعبد لا يرضى عن نفسه؟ وأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟ اخرجْ -رحمك الله تعالى- من أوصاف البشرية، عن كل وصف يناقض العبودية لتكون لنداء الحق مجيبًا، من حضرته قريبًا، أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، عادِ نفسك وودَّني (٣). وينبغي أن لا يركن المؤمن لنفسه أبدًا على طول المدى، ولا يغتر بصيامها وقيامها وتكمشها. فهي كالحية إذا أرادت أن تلسع أحدًا تكمشت. فعدوك معك، فكن على حذر، اسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، فليس على العبد المؤمن أضر من نفسه، تراه يجتهدُ في خدمتها

стр. 180

وتشهِّيها في المأكل والملبس، ومن كل ما تريد؛ مع علمه لمخالفتها للمولى المجيد، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوه؟ أما سمعت قوله ﷺ : «إن الله يبغض الحبر السمين» (١). نرجع إلى مقصود الكتاب وهو ما ابتدع في القرآن من التطريب والألحان؛ لأنه يشبه الغناء. قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يعني فصِّله تفصيلًا وبيِّنه تبيينًا، وقد روي أن قراءة سيدنا رسول الله ﷺ كانت مرتلة مبينة حرفًا حرفًا (٢). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرؤوه حذرًا، مرتلًا، وبحزن (٣). وقال عبد الله بن عمر: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما
следующие страницы →