← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والآدمي ضعيف، ويصحب شيطانًا من شياطين الإنس، فيزين له القبيح ظاهرًا، وشيطان الجن باطنًا، فيوقعانه في البدع والمخالفة، فيبعده الله من رحمته فتهلك هذه النفس الخبيثة التالفة؛ لأن النفس خبيثة، ثقيلة. ولذلك يعصي الله تعالى ويخالف أوامره الجليلة، فيصحب ثقيلًا آخر، فتصير نفسه فاجرة، وينسى الله تعالى والدار الآخرة. قال بعض العلماء: اطلعت على ثمانية آلاف عيب في نفس ابن آدم، فهي مأوى كل شرٍّ، مشُومة (١) في الطاعة، فكيف إذا عصت؟ كثيرة الخداع والتلون، تفرحك بالطاعة في أول النهار، وتحزنك بالمعصية في آخره، تراها في وقت رجعت إلى الله تعالى تائبةً، وفي وقت قد أعرضت مدبرةً هاربةً؛ كثيرة الألوان، أكثر تلونًا من حرباء. وأروغ من ثعلب، وأنوم من فهد، وأدْخَس (٢) من حمار، هذا بعض صفاتها، ولا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى الواحد القهار، خالقها وموجدها (٣). وقد أخبر عنها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. تجرها للطاعة تجرك للمعصية، تحب ما يبغضه الله تعالى وتكره ما يحبه الله، وهي قرينة الشيطان؛ تتكاسل في الطاعة، وتسارع في العصيان. تراها في الشبع كالسبع الكثيف، وفي الجوع كالطفل الضعيف. وفي الغضب مثل الملوك والجبابرة. وفي الشهوة مثل البهيمة، وفي الخوف مثل الهرة، وفي الأمن مثل النمر والأسد. ومن سوء عادتها تخاف الفقر ولا تخاف الله تعالى وأليم عذابه، وهي مسخرة

стр. 177

للشيطان (١)، ولها أعوانٌ وأنصار؛ مثل الدنيا وزهرتها والهوى والشيطان. ولكل واحد من أعوانها جنود ووفود، وخيل وحشم من زينة الحياة الدنيا؛ مثل كثرة النوم والأكل والضحك وحكايات أبناء الدنيا وسلاطينها، وأفعال عشاقها وشياطينها، وحب الغنى والدنيا والكبر، والحسد والغيبة والنميمة، والعداوة والمدح لهذه النفس اللئيمة (٢)، وارتكاب المعاصي والملاهي، والاشتغال بكل ما لا يعنيها، وبجمع المال، وطول الأمل، والتهاون في صالح العمل، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقلة الحياء من المولى الرؤوف، والتمنِّي والغرور، واللهو والسرور، وشهادة الزور، ونسيان الموت والقيامة والنشور، والعادات (٣) والتجارات، وتحسين القبيح، وهتك الستر، ومجاوزة الحدِّ، وإنكار الحق، وتعظيم أبناء الدنيا، وتحقير أبناء الآخرة. هذه الأشياء من بعض صفات النفس الأمارة بالسوء. فمن أراد الله تعالى له بخير بصره بعيوبها، وأعانه على تسخيرها، ومعرفة مكايدها، فيلجمها بلجام الورع والتقوى، ويقيدها بسلاسل الذل والانكسار، وتكليفات الشرع، واتباع النبي المختار ﷺ آناء الليل وأطراف النهار، ويسلط عليها الجوع والعطش والسهر، ويخالفها في كل شيء إلا في الطاعة. ويقتلها بسيف المجاهدة لكي يحيي الله تعالى قلبه بالمشاهدة، ويذمها في جميع أحوالها، ولا يغفل أبدًا عن تأديبها ورياضتها إلى الموت؛ فإنها مشومة إذا أقبلت، فكيف إذا أدبرت؟ ويجعل العقل عقالها والشرع سجنها، والعبادة سجانها، وذكر الموت طعامها وشرابها، وبعد هذا الاحتياط يتضرع العبد المسكين إلى خالقها وموجدها أن يعيذه من كيدها وسوء عاداتها، وغلبتها على عقله. ومثل العقل والنفس كمثل عدوين، وبيد كل واحد منهما سيف مجرد ينتظر غفلة صاحبه ليقتله، ومَن غُلب سُلب.

стр. 178

وقد تقدَّم أن من قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيى الله تعالى قلبه بالمشاهدة، فينجو من شرها وكيدها وخداعها. قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، والظلم عليها منعها من الشهوات الفاسدة، واللذات الفانية، والأماني الباطلة، والآمال الكاذبة، وحب العلو والشرف والمال، ويكرهها على اتباع الكتاب والسنة، ويحرضها على ذكر الموت وحب الآخرة، ويخاف من مكرها في الزهد والعبادة. فإن خداعها في الطاعة أكثر من المعصية. وإن لها في الطاعات لشربًا وعيشًا طيبًا، أحب إليها من ركوب المعاصي؛ مثل تزيين الطاعة، ورؤية العبادة، وقيمة العمل، والرياء والنفاق، وحب إقبال الخلق والزيارة (١)، وتقبيل اليد والتبرك، وحسن الصيت، وثناء الخلق، ورغبة الملوك، وتردد أبناء الدنيا، وحضور السماع، وتخريق الخرق والتصنع، وإظهار الصوم والصلاة، وقلة الأكل لرؤية الناس، والبكاء الكاذب، وتحريك الشفة، والإشارة بالعين، والتخشع بلا خشوع القلب، ورؤيا المنامات، ولبس المرقعات، والمؤاخاة (٢)، والحكم على الماضي والمستقبل، والمبالغة في الطاعات عند رؤية العاجزين؛ وإذا خلا توانى في خدمة رب العالمين، والترفع والتصدر في المجالس، وأن يقام بين يديه وهو جالس وكثرة أصحاب الإرادة، وأكل الأطعمة اللذيذة. ويرضى في حالِهِ بنطِّه (٣) في السَّماع؛ بحضور المردان، ونظارة النسوان. ونعوذ بالله من شر النفس والشيطان؛ لأن هذه الأشياء في الحقيقة أشر من شرب الخمر.

стр. 179

فأفق من سكرتك أيها الإنسان، واعلم أن أهل السماع نزهوه عن حضور الفسقة والنسوان (١) والمردان. وشرطوا له المكان والإمكان والإخوان، وجميع هذه الأقوال والأفعال ليس لها أصل في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان. فلا تستبدل الهوى بالضلالة، والطاعة بالمعاصي والخسران، ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ومن تسويل النفس والشيطان. فانظر رحمك الله تعالى إلى بعض أوصاف النفس الأمارة، ومن أصلح الله نفسه لا يفعل شيئًا يكرهه الشرع، ولا يختاره، ولا يسعى في رضى نفسه، ويخالف نبيه ﵇ وأخباره (٢)، فمن أرضى نفسه أسخط خالقه؛ لرضاه عنها مع فعلها الأشياء التي هي غير لائقة. ثم اعلم رحمك الله أن أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]؛ ولأن يصحب الإنسان جاهلًا لا يرضى عن نفسه، خيرٌ له من أن يصحب عالمًا يرضى عن نفسه. وأي جهل لعبد لا يرضى عن نفسه؟ وأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟ اخرجْ -رحمك الله تعالى- من أوصاف البشرية، عن كل وصف يناقض العبودية لتكون لنداء الحق مجيبًا، من حضرته قريبًا، أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، عادِ نفسك وودَّني (٣). وينبغي أن لا يركن المؤمن لنفسه أبدًا على طول المدى، ولا يغتر بصيامها وقيامها وتكمشها. فهي كالحية إذا أرادت أن تلسع أحدًا تكمشت. فعدوك معك، فكن على حذر، اسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، فليس على العبد المؤمن أضر من نفسه، تراه يجتهدُ في خدمتها

стр. 180

وتشهِّيها في المأكل والملبس، ومن كل ما تريد؛ مع علمه لمخالفتها للمولى المجيد، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوه؟ أما سمعت قوله ﷺ : «إن الله يبغض الحبر السمين» (١). نرجع إلى مقصود الكتاب وهو ما ابتدع في القرآن من التطريب والألحان؛ لأنه يشبه الغناء. قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يعني فصِّله تفصيلًا وبيِّنه تبيينًا، وقد روي أن قراءة سيدنا رسول الله ﷺ كانت مرتلة مبينة حرفًا حرفًا (٢). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرؤوه حذرًا، مرتلًا، وبحزن (٣). وقال عبد الله بن عمر: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما

стр. 181

كنت ترتل في الدنيا (١). وقال حذيفة ﵃ أجمعين: إذا قرأتم القرآن فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلًا (٢). وقال محمد بن سيرين: أصوات القرآن محدثة (٣). وقال أبو داود: سمعتُ رسول الله ﷺ يتخوَّف على أمته قومًا يتخذون

стр. 182

القرآن مزامير، يقدِّمون الرجلَ يؤمهم، ليس بأفقههم، ليس إلا ليغنِّيهم (١). وقال سليمان: خطبنا علي ﵁ فذكر خطبة له طويلة وذكر فيها فتنة وقال فيها: تضيع حقوق الرحمن، ويتغنَّى بالقرآن ذو الطرب والألحان (٢). فهذه الأشياء ابتدعوها وما أنزل الله بها من سلطان. فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه. من أمر، أو نهى، أو وعد ووعيد، وما يخوفهم ويقربهم للمولى المجيد. بل يقصدون اللذة والطرب، والنغمات والألحان كنقر الأوتار، وأصوات المزامير، وبالله المستعان. وأولياء الله تعالى يسمعون كلام الله سبحانه بالتدبر، والخشوع، والخوف، والوجل، لكي يؤجروا، وليرزقهم الله سبحانه حسن الخاتمة عند فروغ الأجل. قال ربُّ الأرباب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال الواحد المنان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وهذه الآيات تمنع أن يقرأ الإنسان بما يشبه الأغاني المطربة، والألحان؛ لأن ذلك يثمر ضد (٣)

стр. 183

الخشوع والخوف والوجل، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، بكوا لما عرفوا من معانيه، لا من نغمات القارئ، وإياك أن تغتر بقوله ﷺ : «ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن» (١). تفسيره: الاستغناء. هكذا رواه البخاري. وقال سفيان (٢)، وأبو عبيدة (٣): وهو من الاستغناء يستغنى به. وكذا جاء في اللغة، وإنه لكنز عظيم، يغني صاحبه يوم القيامة غنى لا فقر بعده، وينجيه من عذابٍ أليم. وقال ﷺ : «حسنوا أصواتكم بالقرآن» (٤). وتفسيره: إقرؤوه ترتيلًا (٥) مبينًا، بلا زيادة ولا نقصان. وهذا لا حجة فيه لمن يقول بالنغمات والألحان، فيستحب تحسين الصوت وهو الترتيل والخوف والتحرز مما تقدم ذكره؛ لما روي قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يمد مدًّا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد

стр. 184

باسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (١). فيجب على القارئ أن يتبع هذا النبي الكريم، ويقرأ بالترتيل والتعظيم، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بمتشابهه. قال بعض أهل العلم والصلاح: والله ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (٢). وقال الحسن البصري: لقد قرأ هذا القرآنَ عبيدٌ وصبيان لا علم لهم بتأويله، وحفظوا حروفه، وأضاعوا حدوده. يقول أحدهم: لقد قرأت القرآن كله ما وَضَعتُ منه حرفًا واحدًا. ولقد وضعه كلَّه، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وإقامتها: فهم معانيها، والعمل بما فيها. فمَثَل من يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه، ولا يعمل بما فيه، كمثل حمار يحمل أسفارًا (٣).

стр. 185

وقراءة آية يتدبرها الإنسان ويعمل بها، خير له من قراءة ختمة بغير تدبر ولا عمل، وقد شبه الواحد القهار هذا القارئ وأمثاله بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب والأسفار. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. ونسأل الله سبحانه أن لا يجعلنا ممن رضي بالعلم دون العمل، وبالقول دون الفعل. فالعلم بغير عمل كقوس حسن بغير وتر، أو كسحاب كثير بغير مطر، أو كشجر غزير بغير ثمر. والقول بغير فعل أشد بلاءً، وصاحبه على خطر. ونسأل الله تعالى اللطف فيما قدره، وأن يجعلنا ممن ينزجر بزواجر القرآن ويتبع أوامره. فالنفوس قد ترامت على البدع، وهي عن السنة نافرة، والقلوب غافلة غير حاضرة، والأعين لا تعتبر، وللحرام ناظرة، والألسن قد شغلت بكلام الدنيا وعيوب أهلها، وليست بذاكرة، والأبدان لا شاكرة ولا صابرة، ولا عاملة على رضى مَنْ هي إليه صائرة. فالأذن لا تسمع، والقلب لا يخشع، والعين لا تدمع، والبطن لا تشبع، والسلعة بائرة، والأحوال قد حرمت الاستقامة؛ وهي حائرةٌ. وكذلك الأفعال والأقوال قد خالفت السنة المباركة الطاهرة، ونسأل الله العظيم الاستقامة والخاتمة بقدرته القاهرة، وما ذلك بعزيز على من يحيي العظام الداثرة. ثم اعلم بأن فضل القرآن ومن تعلمه، وعلمه بغير منة ولا ملالة، لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» (١). وفي

стр. 186

حديث آخر: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (١). وهو حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا تحصى غرائبه: من قال به صدق، ومن عمل به أجر. ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، ومن سنة القراءة أن يكون عزم القارئ إيناس وحشة البلوى، وجلاء كربة الدنيا، والشوق للقاء المولى، ومعرفة أحكام العبودية، وضبط آداب الخدمة، فمن قرأه كذلك كان إمامه وشفيعه وحجة له، ومن أعرض عن هذه المواجب وتركه خلفه ساقه إلى النار؛ وكان حجة عليه يوم يوقفه الحق بين يديه؛ لأن القرآن العظيم لم ينزل إلا لتدبر آياته ومعانيه، والعمل بجميع ما فيه. قال قتادة ﵁: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى الله قضاءً: جعله شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا (٢). وفي الحديث: «إن الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق فله أجران» (٣) وَ: «مَنْ استظْهَرَ القرآنَ منزلتُه في أعلى الجِنان،

стр. 187

ويخَفَّف عن والديه العذابُ، ولو كانا مشركينَ» (١). ومن السنة أن يميز القارئ من بين أشكاله وأمثاله وأخلاقه وأفعاله، بحمل الأذى وترك الردى، ووجود الراحة. وكان القارئ يعرف بين الصحابة بصفرة لونه، ونحول جسمه، وكثرة بكائه، يبكي إذا الناس يضحكون، ويحزن إذا الناس يفرحون، ويصوم إذا الناس يفطرون، للناس حالٌ وله حالٌ (٢). ومن أدب القراءة أن يتخلَّل القارئ ويستاك، ويتجمل بثيابه ويتطيب، ويستقبل القبلة، ولا يقرأ متكئًا ولا مستندًا، ولا ممدود الرجل، ويمسك عن القراءة إذا تثاءب، وإذا بدأ بقراءة سورة لم يقطعها حتى يختمها، ولتكن أطرافه وسماعه عند القراءة ساكنة، لا يضرب فخذه، ولا يمزق ثوبه، ولا

стр. 188

يصيح، ولا يلطم خده؛ فقد كانت الصحابة أخشع الناس قلوبًا، وأرق أفئدة، ولم ينقل عنهم أنهم فعلوا شيئًا من ذلك. وليفرغ القارئ قلبه ليتدبر آياته، وللوقوف على معانيه، ويرى كأنه يتلى عليه الوحي، أو كأنه سمعه من رب العالمين كفاحًا، أو يقرؤه على حال من يراه الله تعالى. فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ليكن القارئ طاهرًا من الحدث، ويزين القرآن بصوته، فإن حلية القرآن الصوت الحسن، وحسنه أن يرى السامع له أنه يخشى الله تعالى بغير زيادة حرف ولا نقصان حرف؛ لكي لا يخرج عن سنة النبي ﷺ ، وهو بإجماع المسلمين حرام. ويقرأ بحزن ووجد، فإن لم يكن له حزن فليتشبه بالحزين وبالباكي؛ قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال ﷺ : «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (١)، أمرهم بالتشبه لأن من تشبه بقومٍ حشر معهم، وكذلك قال ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٢). ويجتنب الإنسان أصوات الفسقة الذين يحرفون القرآن، ويدخلون فيه الزيادة والنقصان؛ لأن ذلك فتنة على القارئ والسامع، ولا يصل إلى الميت. ويستعيذ القارئ بالله تعالى أن لا يلقى في قراءته شرًّا وفتنة. ثم يستعيذ من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويستعين به على حفظ معانيه،

стр. 189

ورعاية حقوقه، والقيام بموجبه، ولا يرفع صوته جدًّا، وخفض الصوت أولى لخشوع القلب، ولجمع السِّر والعقل، ولبعد الرِّياء والسُّمعة. وقد ورد في الحديث الصحيح: «المُسِرُّ بالقرآن كالمُسرِّ بالصدقة» (١). وروي أنَّ صدقة السِّر تضاعف على صدقة العلانية بسبعين ضعفًا (٢). فإن لم يخف الرِّياء والسُّمعة فالجهر أفضل عند بعضهم بشرط (٣) أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم، أو طائف. واستدل بأن الجهر أكثر عملًا؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه وسمعه إليه، ويطرد نومه وينشطه، ويوقظ غيره من نائم وغافل متى حصل في النية هذا وأمثاله، فالجهر أفضل، ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ به عند آية العذاب، ويسبح الله تعالى عند ذكر جلاله وعظمته وكبريائه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٤).

стр. 190

ويعرب القرآن؛ ففي الحديث: «من أعرب القرآن كان له بكل حرف عشر حسنات» (١). وإعرابُه: أن يبين حروفه، ويفصل بين الكلمات، ولا يبهمه، وله أن يكرر بعض الآي لتحريك فكره لفهم معانيه، وتنبيه قلبه لاقتباس أنواره، فقد كان النبي ﷺ يكرر آية واحدة في ليلته (٢). ومن السنة أن يتعاهد القرآن لكي لا ينساه (٣). وقيل: ما نسى المؤمن شيئًا من القرآن إلا بذنبٍ جناه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. قال ﷺ : «عرضتْ عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها شيئًا أعظم ممن حفظ القرآن ثم نسيه» (٤).

стр. 191

وفي حديث آخر: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم» (١). واسمع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] (٢). ومن البدعة ما يعمل عند القرآن من الحركة والتخبط والاضطراب وضرب الصدر، وجر اللحية، وتخريق الثياب. لا يفعله العقلاء ولا أولوا الألباب لمخالفة السنة والكتاب. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [الحشر: ٢١]. أي: ذليلًا خاضعًا متضرعًا (٣)، أي: خائفًا. وقال المولى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فلين القلب بالمحبة والأشواق. ولين الجسد بالطاعة والإنفاق (٤). والاقشعرار (٥) هو شيء يحرك القلب فيصل تأثيره إلى الجلود، وهو

стр. 192

خدمة الملك المعبود، فيضطرب الجسد من الخوف. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. قال العلماء: حقيقة الوجل سكون الجوارح من خوف الله، وهو أن يدخل القلب من أنوار الذكر، فتندرج فيه الأعضاء والجوارح، وتسكن في خلو ذلك النور، فلا يحس جليسه باضطرابه، وهكذا كانت الصحابة عند سماع القرآن، وكذلك التابعون لهم بإحسان. وافهم قول عرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة، زَرَفَتْ منها العيون، ووجلت منها القلوب (١). ولم يقل: صرخنا من موعظته، ولا رقصنا، ولا ضربنا بأيدينا، ولا بصدورنا، ولا شققنا ثيابنا، ولا جبذنا لحانا، ولا أطرقنا برؤوسنا؛ لأن الخشوع هو في القلب، لا في الرأس. فمن تخشع بقالبه دون قلبه، هو منافق لا موافق. قال أبو الدرداء ﵁: تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يخشع الجسد والقلب ليس بخاشع (٢). كما يفعله الجاهلون والمبتدعون، فيصرخون عند المواعظ وقراءة القرآن، ويتخبطون ويتغاشون، وهذه الأشياء وما يقربها من الشيطان.

стр. 193

وصح في الحديث أن للموسوسين شيطانًا يضحك بهم، يقال له الولهان (١). روي أن ابن عمر ﵄ مر برجل من أهل العراق وهو ساقط. فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: إنه إذا سمع القرآن وذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله ولا نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صُنع (٢) أصحاب رسول الله ﷺ (٣). فلو كان هذا حقًّا أو يثاب فاعله، لشاع في السابقين المتشرعين؛ كما فشا في المتأخرين المبتدعين: فقد علمت أن قراءة القرآن بالتدبر والتفكر والخشوع، مع سكون الجوارح والأركان، يورث القارئ رضى الرحمن، والفوز بالجنان. ولا تكن من الخارجين فتسقط من عين رب العالمين. وانظر ماذا مَنَّ الله عليك به بقدرته القاهرة بأن ورثك كنزًا من كنوز الآخرة. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. فإذا فرح المغرور بما ورث من درهم ودينار، افرح أنت بما ورثك الله

стр. 194

تعالى من الآيات والأذكار، واقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. فافرح أيها المملوكُ بهدايا الملوك، وقل: ما آتاني الله خير مما آتاكم. أعطاهم شيئًا فانيًا، وخصك بما يبقى. ثم اعلم بأن الله تعالى شبه القرآن العظيم بالميراث؛ ألا ترى أن بعضهم يرث من ميته جميع ماله، ومنهم من يرث النصف، ومنهم من يأخذ الربع، وآخر نصيبه الثلث، ومنهم من يرث السدس، وآخر يأخذ الشيء اليسير، وبذلك كله حكم المولى القدير، ومنهم من لا يأخذ شيئًا. كذلك القرآن العظيم؛ فلو تعلم القارئ أحكام القرآن ما وقع في ظلمات الجهل وكان حبيب الباري. فإن احتج أحدٌ من هؤلاء المبتدعين الذين يتواجدون (١) عند ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه؛ فيقومون ويصرخون ويتمايلون أو يرقصون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [السجدة: ١٩١]، يقال لهم: جهلتم تفسير الآية، ليس هذا الدليل يرضي المولى الجليل. وتفسيرها قوله ﷺ لعمران بن حصين، وكان به بواسير فسأل النبي ﷺ فقال: «صلِّ

стр. 195

قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (١). فإن قالوا: حال يعترينا. يقال لهم: الحال ينقسم إلى قسمين: حال رباني وحال شيطاني، ولكل منهما قرينة. فأما الحال الرباني فاستغراق الشخص الإنساني، وغيابه في شهود المعاني، بحيث لا يعرف القاصي من الداني، ولا يظهر منه ما يخالف الشرع، وقواعد المباني (٢). وأما الحال الشيطاني فإنه يظهر التخبط والرقص، وما تقدم ذكره من الهذيان والدعاوي وهو واعي. وكذلك التواجد على النغمات والألحان، هو استماع معلول؛ لأنه استمع على الصوت المطرب، لا على حقيقة القول، وهذا يدل على فراغ القلب من خوف الله تعالى، وفيه أيضًا تشبه بالكفرة، ولم ينقل مثل هذا عن السادة البررة. قال الله تعالى في صفة أعدائه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. قال علماء التفسير: كانوا يطوفون بالكعبة ويصفقون ويرقصون (٣).

стр. 196

ويخاف على من خرج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، وتشبه بالكفار أن يلقى معهم في النار. ومثل أحدهم كالكوز الفارغ الذي يتدحرج يمينًا وشمالًا فارغًا من التقوى والورع والإخلاص. ولو كان هذا ملآن لكان ثابت الأركان، فقد تبين أن هذه الأشياء ما هي من صفات الخائفين، ولا طريق عباد الله الصالحين. قال بهز بن حكيم: صليت خلف زرارة بن أوفى فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فخر ميتًا، فكنت ممن حمله إلى منزله (١). وسمع عمر بن الخطاب ﵁ آيةً من رجل يقرؤها، فخر مغشيًّا عليه، ومرض شهرًا (٢). فهذه صفة الأولياء لما كانت القلوب واعيةً أثَّر فيها القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. أي قلب واعٍ (٣)، فاسلك مسالكهم، وانهج مناهجهم، والق عصاك فهذا جانب الوادي. فإن قال قائل: من أين لي اللحوق بهؤلاء الأقوياء وأنا ضعيف، يقال له: فلا تخرج عن طريقهم تقع وتقوم وأنت تقفو الأثر. فتلحق بهم كما جاء في الخبر؛ وهو قول بعض الصحابة: يا رسول الله إنا نحب القومَ ولمَّا

стр. 197

نلحق بهم. قال: «المرء مع من أحب» (١). فإن قالوا: إن هذا الأمر قد شاع بين العباد في جميع الأماكن والبلاد! جوابُه: شيوع البدع وانتشارها، وقلة إنكارها لا يدل على جوازها، كما أن كتمها لا يدل على منعها، ألا ترى أن إسبال الثوب للرجل تحت الكعبين حرام، وقد شاعَ في جميع بلاد الإسلام، وكذلك الطيلسان بغير عذرٍ يكره لكلِّ إنسان (٢).

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 199

ومثل هذه البدعة كثير، لا يحتمله هذا المختصر فلا يحتج به ولا يعتبر. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت الملائكة عليه حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلَّت

стр. 200

عليه الملائكة حتى يمسي (١). وكان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا (٢). وروي في «الصحيح»: أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن (٣)؛ فيستحب (٤) الدعاء عَقِيب الختم استحبابًا (٥) مؤكدًا. وروي أنَّ مَنْ قرأ القرآنَ ثم دعا أمَّن على دعائه أربعةُ ألف ملك (٦). وينبغي أن يلح في الدعاء بالأمور المهمة من مصالح الدنيا والآخرة له وللمسلمين. ويستحب إذا فرغ من الختم شرع في أخرى متصلًا؛ لما جاء في

стр. 201

الحديث: «إن خير الأعمال الحل والرحلة». قيل: وما هما؟ قال: «افتتاح القرآن وختمه» (١). ومن حصل له التدبر والفكر، وجمع القلب بقراءته من حفظه فهو أفضل من قراءته في المصحف بغير تدبر وجمع. وإن حصل ما تقدم ذكره من جمع القلب والتدبر في قراءته من المصحف فهو أفضل، وإن استويا فالقراءة من المصحف أفضل. قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمواهب والمعارف إبراهيم الخوَّاص ﵁: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (٢).

стр. 202

فصل فيما يُبتدع من السماع والذي يحصل بسببه الخير والانتفاع (١) أما ما يبتدع من السماع، فقد انتشر في جميع الأقطار، فترى أهله يتواجدون على سماع الأشعار، ويطربون على ذكر الخدِّ والقدِّ والعِذَار (٢)، ويرقصون على ضرب الكفِّ والقُضُبِ (٣) والطَّار (٤). فتُضَرُّ المساجد والزوايا لنَطِّهم، وتتلاشى الحُصُرُ وينكسر البلاط والأحجار، فيخرجون بقولهم وفعلهم عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار والتابعين الأبرار.

стр. 203

وقد حرم هذا السماع أبو حنيفة، وأحمد، ومالك (١)، فلا تلق نفسك أيها الراقص في البدعة والمهالك فتهلك هذه النفس المسكينة لخراب المساجد، ولخروجها عن طريق صاحب المعجزات والسكينة. وقال الشافعي في كتاب «أدب القضاء»: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال. من استكثر منه فهو سفيه. وقال أيضًا: أكره من جهة الخبر اللعب بالنَّرْد، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وأكره كل ما يلعب به الناس؛ لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة (٢). وكان ﵁ يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعته الزنادقة، واشتغلوا به عن القرآن (٣).

стр. 204

وقد ذمَّ الله تعالى قومًا اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ولقد أحسن مَنْ قال: النَّقرُ بالطَّار والتشبيب بالقصب … شيئان قد عُرفا للهو واللعب والمطربون فلا تسمع لقولهم … فالشرع قد حرَّم الإصغاء للطرب إن حركوا الطَّار أمسوا يرقصون له … شِبْهَ الذباب، ألا سُحقًا لمرتكب قوم لقد أحدثوا في ديننا بدعًا … وخالفوا الحقَّ دين الهاشمي العربي تبًّا لمن أحدثوا في الدين وابتدعوا … ما ليس منه بلا علم ولا أدب ويدعي الصدق في التصويف جاهلهم … ويربط الناس بالبهتان والكذب يا مدعي الزور يا شر الورى خَلَفًا … هل أنزل الله نقر الطار في الكتب أو أرسل الله صدِّيقًا بطقطقة … على الوسادة إنْ تابعتهم تخب ما صفَّق القوم يومًا، لا ولا رقصوا … وما لهم في الغنا والرقص من أرب بل كان القوم في خوفٍ وفي وجل … ما بين باكٍ وأوَّاهٍ ومنتحِب فاتَّبِع القومَ أيها العابدُ لتحشر معهم (١)، وتنجوَ من الكرب

стр. 205

والشدائد واجتنب الأكل الزائد، ودع النطَّ والتمايل والتواجد، ولا تخرب بنطِّك الزوايا والمساجد. واعلم أن طريق الآخرة لا تنقطع بالنطِّ، وقد ندب الحق تعالى عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه، بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طريق الأهواء والبدع، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلكم وصَّاكم به﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقد بين ﷺ الصراط المستقيم بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (١). وهذه الأشياء بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ وسنة صحابته، وسنة السلف الصالح من أمته، وكل بدعة ضلالة، وشر الأمور محدثاتها؛ لقوله ﷺ في حديثٍ آخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢). وقال ﷺ : «لستُ من دَدٍ، ولا الدَّدُ منِّي» (٣). والدد في اللغة والددن والددأ هو اللعب واللهو (٤). ولا يقبل في ذلك عذر من اعتذر بأن الحامل على هذه الحالة محبة الله تعالى، وذلك لوجهين؛ أحدهما: من جهة النقل، والثاني: من جهة العقل. أما الأول: فإن الحق سبحانه جعل عنوان محبته في اتباع نبيه ﷺ

стр. 206

فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فمن لم يتبع النبي ﷺ في أفعاله وأقواله لا يصح منه دعوى المحبة، فإذا انتفت المحبة الرَّبانية تعيَّن أن تكون هذه الأفعال من حظوظ النفس وتسويل الشيطان وتمويهه؛ لأن علامة المحبة المبادرة إلى طاعة المحبوب، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، والتَّحرز من أسباب سخطه. وأمَّا من جهة العقل: فإنَّ أحدهم لو لم يكن محجوبًا بالهوى لاستفتى قلبه، وراجع عقله، ولو فعل لظهر له ببديهة عقله أن هذا الرَّقص الموزون، الموافق لتوقيعات الألحان، وآلات الطرب، ومراعاة التصنع في الحركات، يستقبح من النساء وأهل المجانة، فكيف يستحسن من أهل الزهد والمحبة والدِّيانة. فنعوذ بالله من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول. وأما فِعْل ذلك في المساجد فأشدُّ بلاءً؛ لما فيه من إظهار البدعة في بيوت الله تعالى؛ لأن المساجد ما بنيت إلا للصلاة ولذكر الله؛ قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وقد وجب تنزيهها من المباحات كالبيع والشراء، ونشدان الضالة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردَّها الله» (١). فتنزيهها من البدع المستنكرة وإعلان المعصية بطريق الأولى.

стр. 207

وأما فعل ذلك في البيوت فإن كان بإذن أربابها فقد شاركهم الإذن في الإثم وسقط الضمان؛ لما أخربوه (١) من السقف والحيطان، وإن كان بغير إذن فحرام انضم إلى حرام، ويجب ضمان الناقص بفعل الراقص. فعليك أيها المؤمن بالسماع، الذي يحصل به الخير والانتفاع، وهو القرآن العظيم، سماع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والعارفين. سمع صوفيٌّ قارئًا يقرأ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] فاستعادها من القارئ. وقال: كم أقول لها ارجعي ولا ترجع، وصرخ صرخةً خرجت فيها روحه. فانظر إلى قلوب أوليائه، لما كانت واعية أثَّر فيها القرآن، طهَّروا قلوبهم من الأغيار؛ فصلحت لنزول الأنوار، طهِّر المنزلَ لشَرَفِ مَنْ يَنزلُ (٢)؛ يقول الله : «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (٣). ومن حصل له الساكن، طابت له المساكن، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل، وكان بعضهم يقول: إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السُّرُج ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج وكان الشبلي ينشد على سور عسقلان (٤): اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت أنا قد (٥) وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا

стр. 208

إن دنوت قرَّبني … أو بعدت عنه دنا قال بعض الصالحين: البيت إذا خلا من الساكن خربَ، والقلب إذا خلا من خوف الله خرب. وقد أجمع العلماء والإجماع من أقوى الحجج؛ لقول المبعوث بالرسالة: «لا تجتمع أمَّتى على ضلالة» (١) أجمعوا على مدح من يقبل على سماع كتاب الله تعالى وعلى ذم من أعرض عنه، كما يفعله بعض المفتونين وقت اجتماعهم لسماعهم ورقصهم، فيقرأ القارئ العشر فإنْ طوَّله، لوَّحوا له أنْ قَصِّر (٢). وبعضهم يصرخ ويقول: طوَّلت علينا. ويقول بعض المخذولين: اقرأ عُشر المسافرين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. فيا خيبة قوم يستثقلون القرآن، ويستريحون بالرقص والغناء والألحان. هؤلاء والله من حزب الشيطان، ومن أعداء الرحمن؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» [الزمر: ٢٢]. وقال ﷺ : «من لم يشفه القرآن لا شفاه الله» (٣). فهذه قلوب كادها باريها، وهي غافلة غير حاضرة. والويل لمن يجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥٠]. وقال المولى: ﴿ومن أظلم

стр. 209

ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]. أفٍّ لقوم يعرضون عن كلام الرحمن، ويقبلون ويطربون على مزامير الشيطان، وهذا دليل على الطرد والحرمان، وهذه الأشياء تأتي من حظوظ النفس وتسويل الشيطان؛ لأنه أول من ناح، وأول من غنى. لو اتبع السنة المريد، لانتفع وحصل له ما يريد. وما فاته الوصول، إلا لتضييعه الأصول، وهو طريق الرسول. فإنْ قال أحدهم: إن هذا السماع جعلناه شبكة نصطاد به قلوب الغافلين! (١) صدق الشيخ في قوله؛ لأن جماعة منهم جعلوه شبكة لأجل أكل التراث وجمع الحطام؛ موافقة لليهود عليهم اللعنة من الملك العلام قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه في قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]: نزلت في اليهود ومَن كان من فقراء هذا الزمان مُؤْثرًا للسماع بهواه، آكلًا مما حرَّمه مولاه، فهي نزعة يهوديةٌ؛ لأنَّ القوَّالَ يذكُر العشقَ وما هو بعاشق، ويذكر المحبةَ وما هو بمُحبٍّ، والوَجدَ وما هو بمتواجد. فالقوَّال يقول الكذبَ، والمستمعُ سمَّاعٌ له. ومن أكل من الفقراء طعامَ الظَّلَمة حين يُدعَى إلى السَّماع؛ فهو ممن يَصْدُق عليه قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] (٢). فمن قال: إنا جعلنا السَّماع شبكةً!

стр. 210

يُقال له: شبكةٌ مخرَّقةٌ يخرج منها الصيد، وهي رَديَّة، عليك أيها المؤمن بالشبكة الصحيحة المحمدية، الموصلة إلى خير الدنيا والآخرة، وإلى الحضرة الصمدية. فمن ترك هذه الشبكة المباركة، ثم دخل في شبكة الطائفة الهالكة، فقد خرج عن السنة وعصى مالكه، وقد نصحتك يا أخي! والدين هو النصيحة، فاترك هذه البدع والفضيحة، واسمع ما أقول لكي لا تندم يوم القيامة ندمًا لا آخر بعده، وتقول: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]. فالخير كله في السنة، وهو مفتاح الجنة. والأولياء ﵈ ما جعلوا حركاتهم إلا في شيء يثابون عليه، مثل أداء الفرائض، والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] ﴿ … يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ﴿ … يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿ … تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿ … يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وفي القرآن مثل هذا كثير، وفي هذا كفاية للمؤمن المتبع البصير. كان داود الطائي (١) وهو تلميذ أبي حنيفة ﵀ كان من التابعين، أي من التابعين للحق وما أمر به الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، ولم يكن من التابعين الذين رأوا الصحابة، ورووا عنهم الحديث على اصطلاح المحدثين من التابعين ومن المُتَّبَعِين، وكان من كثرة اجتهاده لا يأكل خبزًا، بل يسكب على فتيت ماء ويشربه إذا احتاج

стр. 211

إليه، فقيل له: نفسك ما تشتهى الخبزَ؟ فقال: إنَّ بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية (١). وصحَّ عن بعض الأئمة، وعن بعض مشايخ «الرِّسالة»، أنهم صلَّوا بوضوء العشاء الصبحَ أربعين سنة (٢)

стр. 212

متى تلحق بهؤلاء الأبطال يا بطَّال؟ تمحو عمرك في الأكل والرقص والنوم، وتتصف بصفات القوم. تعمل عمل الفجار، وتطلب منازل الأخيار، أما سمعت قوله ﷺ : «الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله» (١). كان بعض الصالحين يقول عند النزع: اللَّهم إنك تعلم، ما كنت أحب البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، لكن لظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء في حلق الذِّكْر (٢). أين هذا من فقير يأكل بالنهار، ويرقص بالليل، ويزاحم الجهال في خراب المساجد. قال الجنيد ﵀: إذا رأيت المريد يطلب السماع، فاعلم أن فيه بقية من البطالة (٣). والله لا يحبُّ الرجل (٤) البطال.

стр. 213

اسمع يا من دُهِي في عمره، وجعل صنعته في الأكل الزائد، والنط في الزوايا والمساجد؛ متى تلحق بقوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع: عندَ الصَّباح يَحمَدُ القومُ السُّرَي ولكن من لم يستحِ يعمل (١) ما يشتهي، قال صلوات الله عليه وسلامه: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٢)، وفي حديث آخر: «الحياء من الإيمان» (٣).

стр. 214

وقالوا فيمن هذه حرفتهم: أيا جيلَ التصوفِ شرَّ جيل … لقد جئتم بشيء مستحيلِ أفي القرآن قال لكم إلهي … كلوا أكلَ البهائم وارقصوا لي (١) قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: سألت أستاذي عن السماع فأجابني بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠]. وقال السيد الجليل المحتَرِقُ البصريُّ: رأيتُ إبليس لعنه الله في المنام، فقلت له: كيف رأيتنا عزفنا عن الدُّنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريقٌ؟ فقال: كيف رأيتم ما استجلبت به قلوبكم؟ استجلبتها باستماع

стр. 215

السماع، ومعاشرة الأحداث (١). ومن ابتلاه الله تعالى بشيء من ذلك، فهو عبدٌ أهانه الله سبحانه وخذله، بإجماع أهل الطريق الذي شغله بغيره. كان بعض الصالحين يقول: أتوب إلى أضحى وأمسى … وقلبي يتَّقيه ويرتجيه تشاغل كل مخلوق بشغلٍ … وشغلي في محبته وفيه فلما سمعه سفيان بكى، وقال: نعم، الشغل شغلك (٢). وأصعب ما تقدم ذكره تهوين ذلك: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. فمن ارتكب هذه المحظورات، وزعم أن النظر إلى المردان استدلال على صنعة الواحد الديان، وهذا أيضًا زور وبهتان، فقد خرج فاعله عن السنة والقرآن. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال ﷺ : «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» (٣). فاحذر أيها الغافل! لأن السُّم قاتل. ثم يتعامى أحدهم عن قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، وإلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
следующие страницы →