← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كان الحسن البصري يقول: والله إنه ثقيل مبارك، يُثقل الله به ميزان العبد يوم القيامة (١). فالحمل ثقيل والعبد ضعيف، ومما يدلك على ضعفه: كيف لا يستطيع غض البصر، ولا ينتفع بالمنظور ويخالف الآية والخبر؟ فيعصي المولى الجليل، وفي أكثر أوقاته إلى البدع والمعاصي يميل، فلما كان طبعه الميل، قال المولى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]. فلا يزال الضعيف يقع ويميل حتى يدركه المولى الجليل، فمتى قام العبد بنفسه سقط، وإذا أقامه الحق يثبت (٢)، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وكان ﷺ يقول: «يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك» (٣). فالقلوب بيد المولى المجيد، يقلبها كيف يريد، فقلبٌ (٤) لا يصلح لخدمته؛ ابتلي بحب البدع، وصحبة العبيد كما تقدم، من لم تفتح له المنازل، رضي بالمزابل. خرجت امرأة تريد المجاورة بمكة المعظمة فزارت ورجعت، فقيل لها: لم تركت المجاورة؟ قالت: ما صلحت للخدمة. فما سمي الإنسان إنسانًا إلا لأنه يحب الأنس، فمن لم يأنس بالله تعالى، أنس بغيره. وقال قائلهم (٥): أنست بوحدتي فلزمت بيتي … فطاب الأنس لي ونما السرور

стр. 247

وأدبني الزمان فلا أبالي … هُجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيًّا … أقام الشيخ أم ركب الأمير فقد علمت أن الإنسان يحب الأنس، كما (١) قال بعضهم: وما سمي الإنسان إلا لأنسه … وما (٢) القلب إلا أنه يتقلب وقال ﷺ : «ما سمي القلب قلبًا إلا لتقلبه» (٣). وفي حديث آخر: «قلب ابن آدم أشد غليانًا من القِدْرِ إذا غلا» (٤). فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا قلَّب قلبه في الطاعة، وإن لم يرد به خيرًا قلَّب قلبه في حب البدع والغفلة والشناعة، وإذا أحب السيد عبده أيقظه، وإذا كرهه؛ قال: دعوه نائمًا. وفي الحديث: إذا أحب الله عبدًا يقول: يا جبريل، أقم فلانًا، فإني أحب أن أسمع صوته، وأنم فلانًا فإني أكره أن أسمع صوته (٥). وفي حديث آخر: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (٦). فإن قال قائل: في الناس المتيقِّظ، فما معنى قوله ﷺ : «الناس نيام»؟ أجاب المؤلف: لما كان أكثر الناس نيامًا، خرج الحديث على الغالب؛ فالغالب عليهم الغفلات، وحب الدنيا، والبدع، والشهوات. فكل

стр. 248

من انعكف على بدعة أو على قبيح يهواه؛ فهو عبد ذلك الشيء، لا عبد خالقه ومولاه. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، واسمع قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]. يحكى أن بعض الفقراء انجمع على أمير فعرضت للفقير حاجة، فقام في الليل وصلى، ثم طلب حاجته من الله تعالى، فسمع قائلًا (١) يقول له: اطلب حاجتك من إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا (٢). أي اطلب حاجتك من الأمير، فكان ذلك سبب توبة هذا الفقير. قال العلماء: عبد الدرهم والدينار من لا يؤدي الزكاة، وعبد الزوجة الذي يشتغل بزوجته عن ذكر الله تعالى وطاعته. هذا حال من شُغِل بالحلال، فكيف يكون حال من يشتغل (٣) باللعب والكذب والمحال؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] قال العلماء: مَنْ أطاع الرحمن هو (٤) عبد الرحمن، ومن أطاع الشيطان هو (٥) عبد الشيطان، ليس كل بدن يصلح لعظمة الله ولخدمته، ولا كل قلب يصلح لحكمة الله تعالى ولمعرفته. وقف رجل يصلي ورده في الليل، فلم يسمع حس أحد، فقال: يا رب، ما أقل الواقفين ببابك. فسمع قائلًا (٦) يقول: ليس ذلك من قلة

стр. 249

الأحباب، ولكن ليس كل أحد يصلح للباب (١)، قال: قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا قيل لبعض السادة: ما علامة السعادة؟ قال: أن تطيع الله، وتخاف أن تكون مردودًا. وقيل له: ما علامه الشقاوة؟ قال: أن تعصي الله، وترجو أن تكون مقبولًا (٢)، والشقي هو الذي يخرج عن سنة النبي المختار، ويطلب منازل الأخيار (٣)؛ كلاعب النرد والشطرنج والقمار. قال علي كرم الله وجهه: لاعب الشطرنج أكذب الناس؛ يقول: قتلت. وما قتل (٤). فقد تبين لك رحمك الله أن الله تعالى لم يخلق العباد للعب، ولا للكذب، وأن هذا ليس من صنعة أهل الدين، ولا هو طريق سيد المرسلين ولا الصحابة المكرمين، ولا طريق التابعين، فكيف تخرج عن طريقهم في الدنيا، وترجو أن تكون معهم في الآخرة؟ أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. أما قرأت قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]. ألم تصغ إلى قوله ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا»؟ (٥) أما بلغك أيها المغرور: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (٦).

стр. 250

فيجب على المؤمن البصير أن يتوب من جميع البدع، ويقول: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير. فمن فعل ذلك غفر الله له وعفا، وحشره مع النبي المصطفى، وصحابته أهل الخير والجود والوفا. ثم اعلم أن اللعب بالشطرنج محرم (١) عند أبي حنيفة (٢)، وهو قول علي، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وابن المسيب، وسالم، والقاسم، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومَطَرٍ الوراق، وابن سيرين، وإبراهيم، وأحمد، ومالك، وأبي جعفر، ومن تابعهم (٣). لما روى أبو هريرة ﵁، قال: مرَّ النبي ﷺ بقومٍ يلعبون بالشطرنج فقال: «ما هذه الكوبة؟ ألم أَنْهَ عن مثل هذا؟! لعن الله من فعل هذا» (٤). ذكره القاضي أبو يعلى في رؤوس مسائله. وروى أبو بكر عبد العزيز غلام أبي بكر الخلال بإسناده إلى رسول الله ﷺ ، قال: «إن لله في كل يوم ثلاث مئة وستين نظرةً، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب» (٥). ذكره الشيخ موفق الدين في «المغني»، وقال: قال أحمد: أصحُّ ما فيها قول علي كرم الله وجهه: إنها من الميسر (٦). ومرَّ علي ﵁ بقومٍ يلعبون بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» (٧)، وتارةً حثا فيها التراب، وقال تارة: لأن

стр. 251

يمسَّ جمرًا حتى تطفأ، خير من أن يَمسَّها (١)، يعني اللاعب بها. وقال لهم مرة: لولا أن تكون سُنَّة، لضربت بها وجوهكم (٢). وقال ابن عمر: إنها من الميسر. وأحرقها بالنار (٣). وسئل أبو جعفر، فقال: دعونا من هذه المجوسية؛ لا تلعبوا بها (٤). وقال إبراهيم: إنها ملعونة، فلا تلعبوا بها (٥). وكان هو وأصحابه لا يسلِّمون على من يلعب بها. وسئل عنها القاسم، فقال: ما ألهى عن ذكر الله، فهو من الميسر (٦). وقال مجاهد وأيوب: النرد والشطرنج سواء. وقد ألحقها بالنرد في التحريم، وردَّ الشهادة بها: الشَّيخُ (٧) وغيره، وأبو حنيفة (٨)، ومالك (٩). وقال ﷺ : «من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله» (١٠)،

стр. 252

وفي لفظ: «فكأنما غمس يده في لحم الخنزير» (١). رواهما أبو داود، وفي لفظ: «ودمه». وقال ﷺ : «مثل الذى يلعب بالنردشير ثم يقوم يصلي، كمثل الذى يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي، فيقول الله: لا أقبل له صلاة» (٢). وقال: «اللاعب بها قمارًا؛ يأكل لحم الخنزير، واللاعب بها غير قمار؛ كالمدَّهن بودَك الخنزير» (٣). قال بعض علماء (٤) الشافعية: «يكره لعب الشطرنج، ولا يحرم؛ لأنه يحد الخاطر ويستخرج به، ويعلِّم الحرب والكر والفرَّ والنِّزال» (٥). فكم أذهبت هذه المسألة من عُمرِ كل غافل وبطال، في البدعة والكذب والمحال، وكم ألهت عن ذكر الله الكبير المتعال. ومن قال بتحريمه يقول: نسلِّم لأنه يحد الخاطر؛ لكن يحده في القمار والسرقة والكذب والمغالطة والضلال، كما يفعله أهل الشعبذة. وقوله: يتعلم به الحرب والكر والفر والطعن والضرب؛ وهذا قياس مفسود، والصحيح أنه يبلد الخاطر، ويشغل عن الملك المعبود، وينسي طريق الحرب ويغطي خدعه. وفي الحديث:

стр. 253

«الحرب خدعة» (١). والغرض في الحرب المغالبة، والهزيمة، وقتل الملوك وأسرهم من غير إنذارهم، ولا يراعى في جميع ذلك صفات مخصوصة، فيجوز للفارس قتل عدوه حيث وجده: يمينًا أو شمالًا، خلفًا أو أمامًا، وكذلك الراجل، وراكب الفرس والفيل. فيجوز للرجل قتل جماعة في جملة واحدة، ويتخطى قومًا، ويقتل من خلفهم قومًا آخرين، وإذا استتر الملك بغيره يجوز قتله، وقتل من استتر به. وأوضاع الشطرنج ليس منه قطعة إلا وصيدها على غير طريق صيد صاحبها، فلاعب الشطرنج إذا ذهب لقتال العدو يقول: إنما تعلمت السير إلى قدام، ولا يجوز لي الضرب إلا يمينًا ويسارًا. فإن ظفر بعدوه أمامه تركه، فيقتله عدوه. فإن لم يقدر على الرجوع من خلفه، ووجد مسلكًا عن يمينه أو يساره، قال: لا يجوز لي المشي من يمين ويسار، فيدركه عدوه، ويقتل بسيف الكفار. وكذلك يقال في القِطَعِ كلِّها. ومن عادة الفيل أن يعتمد في الحرب، فيحطم كل ما يراه وهو في حكم الشطرنج أضعف مقاتل، (٢) (ومن أحسن الحيل في الحرب قتل الملوك، وأخذهم حيث وجدوا. وفي وضع الشطرنج إذا ظفر بالملك أعلمه، لإشرافه على الهلاك، وطرق له طريقًا للهروب. وهذا من أقبح ما يكون في الحروب. وهم قاسوه على النِّصال (٣). والأولى أن يقاس على النرد؛ لما فيه من اللعب والكذب والمحال. ثم لو شبه بالنِّصال، وبلعبه يتعلم الإنسان خدع الحرب، لكان مندوبًا إليه وعليه يثاب كالثقاف، واللعب بالرماح، والسباق، والرمي

стр. 254

بالنُّشَّاب. فلمَّا لم يكن كذلك بطل ما قالوه بالقياس. والله أعلم بحقيقة الأمر والالتباس. واللعب بالنرد قد لعن الله لاعبه (١)؛ لأنه يُلهي. والشطرنج ألهى وألهى؛ ولذلك كان أشد تحريمًا من لعب النرد عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى.

стр. 255

فصلٌ في الحجة والبرهان على فتيان هذا الزمان اعلموا أهل الإيمان، أن هذه الفتوة التي تعمل في هذا الزمان هي من أقبح البدع، ومما تغضب الرحمن، وترضي الشيطان. وقد ارتكب أهلها الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، وخرجوا عن السنة وما جاء به القرآن، وخالفوا في أفعالهم وأقوالهم الملك الدَّيان، ولا يفعلها إلا كل مبتدع ومتمرد وشيطان؛ لأنه لا أصل لها في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان فهم حيارى، لا هم داخلون في فعلتهم هذه في طريق نبيهم، وخرجوا عن شرع اليهود والنصارى. فتراهم يعملون: القوصرة (١)، ويجمعون الناس على شيء يقال له التَّزكرة (٢)، فيأتون بِأَمْرَدٍ سبحان من خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، فيخلع لباسه كبيرهم بين يدي من حضره ويلبسه غيره، ويشد تكته بيده، وقد حرم الشرع الشريف مسه ونظره. فتمسَّك أيها المسكين بالشرع الشريف، ودع عنك أفعال الفجرة، وأقبح من هذا فعله مع الرجل الكبير، وإنما يلبس الطفل لأجل صغره. ثم بعد ذلك يشربون ماءً وملحًا، ويضيفون هذه المصائب لآل بيت النبي ﷺ الكرام البررة ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]. لقد افتروا الكذب على أمير المؤمنين، والذي خلق الإنسان فقدره، فسبحان

стр. 256

الحليم الذى لا يعجل بالعقوبة على عبده المدْبِر، إذا خالفه فيما أمره، ويمهله ليوم يرجف قلبه ويشخص بصره. والفتيان هم الذين تركوا البدع والعصيان، واجتهدوا في الطاعة والإحسان فهم يأخذون في الزيادة، وغيرهم يأخذ في البعد والنقصان، وقد نصحتك يا أخي والنصح من الإيمان (١). ثم اعلم بأن هذه الفُتوّة تجتمع على معاصٍ كثيرة: كَذِبهم على أمير المؤمنين، والفتى لا يكذب؛ لأن كبيرهم إذا وقف يقول: وقوفي لله. ووقوفه لعله لا لله. ويقول: وفي طاعة الله. فكذب في الأول. ولا صدق في الثاني؛ لأنه وقف يدعو الناس إلى الباطل. ويقول: واللباس لفلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب. والله ما هذه أحوال من هو في الله ورسوله راغب؛ لأنه كَذَبَ في الأول ولا صَدَقَ في الثاني، وأخطأ في الثالث، وجمعهم المردان وإخوان البطالة. وهذه الأخرى من الضلالة؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يحدَّ الرجل النظر إلى الغلام الأمرد، الحسن الوجه (٢)، ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه، وأجلسه خلفه (٣)، وقال سيد البشر: «كانت خطيئة داود النظر» (٤). فمن خالف قول النبي ﷺ وفعله، فهو عبد منكوب؛ إلا أن يتوب فحينئذٍ ينال المطلوب. قال بعضهم أبيات: ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النزال ونار الحرب تشتعل لكن فتى غضَّ طرفًا أو ثنى قدمًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل فمن أطلق نظره؛ أعمى الله قلبه، وأطال أسفه. قال صلوات الله عليه وسلامه) (٥): «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» (٦).

стр. 257

فاحذر أيها الغافل فالسم قاتل، قال الشافعي ﵀ هذه الأبيات: كل الحوادث مبدأها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها … في أعين العين موقوف على الخطر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر يسر ناظره ما ساء خاطره … لا خير في لذة تأتيك بالضرر قال ﷺ : «حُرمت النار على عينٍ غضَّت عن محارم الله تعالى» (١). والبدعة الأخرى شد تكة الأمرد بين جمع من المسلمين، وهذا يوجب لهم المقت من رب العالمين. وهذه الأشياء تأتي من قلة الحياء والدين، قال ﷺ : «الحياء من الإيمان» (٢)، «من لا حياء له لا إيمان له» (٣). فمن كثر إيمانه كثر حياؤه، ومن قَلَّ إيمانه قَلَّ حياؤه، ومن لا حياء له لا إيمان له. وفي حديث آخر: «الحياء خير كله»، «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٤)، وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحى فاصنَع ما شئت» (٥). والبدعة الأخرى شربهم الماء والملح وإضافتهم هذه المصائب لأمير المؤمنين، ويقبح أن تضاف لبعض الفاسقين.

стр. 258

فيا من يدعي الفتوة، وهو تارك لطريق النبوة، يترك الجائع، ويطعم الشبعان، ويَكسو المردان، ويَترك العريان. أَفِقْ أيها الإنسان! فقد غرَّك الشيطان؛ إذ أخرجك عن طريق النبوة، فنظرك إلى الأمرد حرام وطعامك شر الطعام، وقد خرجت عن طريق نبيك ﵊، وقال ﷺ : «شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين» (١). قال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم: اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث (٢). وقد ذَمَّ الله تعالى اللوطي ولعنه. قال ﷺ : «ملعون، ملعون، ملعون، من عمل بعمل قوم لوط» (٣). والفتيان هم الذين أطاعوا الرحمن، وتركوا ما تقدم ذكره من البدع والهذيان، والزور والبهتان، ويكفيك في الفتوة هذا البيان: ليس الفتى من ضرب بالسكين، الفتى من أطعم المسكين. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] الآية. نزلت في حق علي بن أبي طالب ﵁، وهو الفتى الكبير، روي ذلك عن أهل

стр. 259

التفسير (١). فمن أطعم اليتامى وكسا الأرامل، فهو الفتى الكامل، وسيعود خير ذلك إليه في العاجل والآجل. دخل رجل على الشيخ أبي العباس الشَّاذلي رحمة الله عليه، فقال الفقراء: يا سيدي، هذا الرجل فتًى. فقال الشيخ: يا بني، ليس الفتوة الماء والملح، إنما الفتوة الإيمان والهداية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، والفتى كما قال تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]؛ هو الخليل ﵇؛ وجد أصنامًا حسِّيَّةً، فكسرها، فسماه الله تعالى فتًى، وأنت لك أصنام معنويةٌ، إن كسرتها فأنت فتى، وهي: النفس، والشيطان، والهوى، والشهوة، والدنيا. واسمع قوله: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي» (٢)، فانظر إلى هذه المدحة، وذلك لكثرة طاعته، وعلمه،

стр. 260

وشجاعته، وصدقته، وشفقته (١). وقد جاء عنه أنه سئل مسألة في الفرائض وهو يخطب فلم يتوقَّف، بل قال: صار ثمنها تسعًا، أيها الناس (٢). ومضى على خطبته. وروي أيضًا أنه ما أكل وحده، ولا منع رِفْدَه، ولا جَلَد عَبْده (٣). وكان يَصِل مَنْ قَطعه، ويُعْطِي مَنْ حرمه، ويعفو عن مَنْ ظلمه، وكان مع قوة فاقته، يُطعم الطعام، ويُديم في الحر الشديد الصيام، وكان من خلقه التواضع، والتنازل لأهل الإسلام، يبدأ من لقيه بالسلام، وكسَّر الأصنام، ونصر دين الإسلام، وكان أخًا وصهرًا، وابن عم للنبي ﵊، وكان يصلي بالختمة المطهرة في ركعة واحدة والناس نيام (٤).

стр. 261

فانظر ماذا خصَّ الله به هذا العبد المبارك من بين الأنام، فتيقظ أيها الكاذب على هذا الإمام من غفلتك، ومن هذا المنام، قبل أن يكون خصمك يوم تقف بين يدي الملك العلام، يوم لا ينفع مال ولا بنون؛ إلا من أتى الله بقلب سالم (١) من البدع والآثام، وهذا بعض أوصاف هذا الإمام، الذي كرم الله تعالى وجهه عن السجود للأصنام، فما سجد لصنم (٢)، ولا اتبع من انهزم، ولا هتك الحرم، وبلغ من شجاعته أنه رمى بنفسه في المنجنيق، وخلص بعض الصحابة من الأسر والحريق، وضُرب ﵁ يوم خيبر بسيف، فاتقاه بدرقته فعضَّت به، فألقاها ثم أخذ بابًا وترَّس به. فلما انهزم الكُفار، رمى الباب فاجتمع ثمانية من الصحابة فلم يقدروا على قلبه (٣). وضرب مِرْحَبًا على رأسه فشقه نصفين، وإذا بقائل يسمع صوته، ولا يرى شخصه: الله أكبر، لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] مدح المولى الجليل، أبانا إبراهيم الخليل (٥)؛ لأنه كسَّر الأصنام، واجتهد في خدمة الملك العلام، وكان يطعم الطعام، ويصلي بالليل والناس

стр. 262

نيام، وألقى نفسه للنيران، ووجَّه قلبه للرحمن، وسمح (١) بولده للقربان (٢)، وبنى كعبة الرحمن (٣)، وقالت له الملائكة حين زُجَّ في النار: ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: أما إليكم فلا؛ ويكفي في علمها الواحد المنان (٤)، وهذه هي الفتوة والجود والإحسان، فلا تكذب على القوم ولا تبتدع، وأفق من سكرتك أيها الإنسان. وأما فتوة سيد العباد، فقد حاز جميع ذلك وزاد؛ قام ﷺ في خدمة مولاه حتى تورمت قدماه (٥)، ووالله ما بخلت يداه، آثر بقوته، وتصدق بقميصه (٦)، فعطاؤه جزيل، وخلقه جميل، وقد مدحه المولى الجليل بقوله

стр. 263

تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وكَسَرَ الكفارُ ثَنِيَّتهُ، وشجوا جبينه، فدعا لهم واعتذر عنهم؛ وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١). وقد جعل الله تعالى لكل نبي دعوة مستجابة، فكل منهم تعجل دعوته في الدنيا، واختبأ (٢) ﷺ دعوته (٣)؛ وهي شفاعته لأمته، فآثر أمته على نفسه. والفتوة هي الإيثار، واتباع النبي ﷺ المختار، والصحابة الأخيار، والمسلمين الأبرار، فاسلك مسالكهم، وانهج مناهجهم، وألق عصاك فهذا جانب الوادي، فقد جعل الله الخير كله اتباع هؤلاء الأخيار، والنار لمن خرج عن طريق القوم وجار، بذلك نطقت الآيات وجاءت الأخبار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقد صح في الأخبار أن أمة محمد ﷺ تفترق يوم القيامة على ثلاثٍ وسبعين فرقة: فرقة ناجية، وهم التابعون للنبي المختار والصحابة الأخيار،

стр. 264

والباقي إلى النار» (١). وهؤلاء الفتيان قد خرجوا عن السنة وحكم القرآن، واتبعوا طريق المغرورين الهالكين المبعودين من رحمة رب العالمين، فخرجوا عن طريق سيد المرسلين، والصحابة المكرمين، والأئمة الراشدين، وأضافوا ما يفعلونه من القبائح ويقترفونه (٢) لأمير المؤمنين، فإن احتجوا بفعل هذه المحظورات لفعل الخيرات، كخلاص محبوس منهم أو من لزمه دين، وهذه من أفعال البر، فيمشي الكبير على أصحابه ويقول: خلصوا أخاكم في الفتوة. جوابه اسمع يا قليلَ التوفيق والمروءة: هذا من تلبيس إبليس، يريد أن يخرجك عن طريق النبوة، فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك، قال المولى الغفور: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ونادهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (٢٢)﴾ [الأعراف]. وقال المولى القدير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. انظر إلى هذا العدو المبين كيف يزين لابن آدم القبيح حتى يراه حسنًا، فيوقع المغرور في البدعة والفجور، قال بعضهم: يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجتنب (٣) الطريق الواضحا وهذا العدو يرانا ولا نراه، فهو غالب العبد بلا محالة إن لم ينصره خالقه ومولاه. نرجع إلى قولهم: إنَّ هذه الفتوة عملناها لأجل خلاص المحابيس من أصحابنا، ومن لزمه دَين منهم.

стр. 265

الجواب: قد أجمع العلماء والإجماع من أقوى الحجج أنه لا يحل لمسلم أن يسعى في خلاص مجرم، ولا يشفع في حدٍّ من حدود الله سبحانه، إذا ثبت عند الحاكم، فمن فعل ذلك فقد فعل شيئًا لم يؤمر به، وترك شيئًا أمر الله به؛ فيجب على المسلم ترك الكذب على آل بيت النبوة، والنظر إلى ما حرم الله تعالى، ولا يجب عليه السعي في خلاص المحابيس المناحيس؛ ومن بلاهم يدبرهم، فيكون مثل من يفعل ذلك كمثل امرأة تزني وتتصدق به، يقال لها: لو تركت الزنَى كان أحب (إليك و) (١) إلى الله تعالى من هذه الصدقة. قال بعضهم شعرًا يناسب هذا: بنى مسجدًا لله من غير حله … فكان (٢) بحمد الله غير موفق كمطعمة الأيتام من كَدِّ فرجها … لكِ الويل لا تزني ولا تتصدقي اسْعَ أيها المسكين في خلاص نفسك أولًا من البدعة والهوى، ثم اسع في خلاص غيرك، قال ﷺ : «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» (٣). ثم اعلم أنه لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسعى في خلاص مجرم،

стр. 266

كمن يدعي الفتوة ويكذب على آل بيت النبوة، ويفسد أولاد المسلمين؛ ويضرب بالسكين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم (١) فهؤلاء يجب حبسهم، فمن سعى في خلاص هؤلاء الأشرار، يخاف عليه أن يحبسه (٢) الله يوم القيامة في النار؛ لأنهم قد ارتكبوا الذنوب والأوزار، ونبذوا الآيات والأخبار، وخرجوا عن طريق النبي المختار، وتَقَوَّلُوا على الأخيار. فإن قالوا: إن هذه الطريقة التي نحن عليها ما أحدثناها، بل أخذها كبير عن كبير إلى الخليفة (٣). جوابه: ليس ذلك بحجة، قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٤). لم يقل (٥) بسنة الخلفاء الخارجين، فقد كان في الخلفاء الخارج عن السنة. ولا يحل لأحدٍ من خلق الله تعالى أن يطيع الخليفة، ويعصي الشريعة الشريفة، لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٦). ثم اعلم أنه يجب على ولاة الأمور أن يزيلوا من بين المسلمين ما تفعله هذه الطائفة الضالة من البدع والبهتان والزور، فردعُهم (٧) والله مثوبة

стр. 267

عظيمة تقرب للرب الغفور، وتنجي صاحبها من أهوال يوم النشور. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وليس شيء بعد الإيمان بالله تعالى أفضل من رد العبيد إلى المولى المجيد، واسمع قوله ﷺ : «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (١). فمن أمر فقد غنم، ومن لم يفعل فقد أثم. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] مدح هؤلاء لأمرهم، وذَمَّ آخرين لتركهم ذلك، بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. فالأمر بالمعروف يقرب للرب الرؤوف، ومن تركه مع القدرة، فهو عبد مذموم لمخالفته للحي القيوم. قال النعمان بن بشير: يا أيها الناس، خذوا على أيدي سفهائكم؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن قومًا ركبوا البحر في سفينة، فاقتسموها، فأصاب (٢) كل واحد منهم مكانًا، فأخذ رجل منهم الفأس، فنقر مكانه، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع فيه ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه غرق وغرقوا» (٣).

стр. 268

فخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا. وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوفٌ لتركهم الأمر بالمعروف (١). فمن عجز عن زجرهم، فلا بد من بغضهم وهجرهم؛ لقوله ﷺ : «المهاجر من هجر ما حرم الله» (٢). ورُوي: أن إبراهيم الخليل ﵇ هجر أهل حران وارتحل عنهم. وقال: إنِّي مهاجر إلى ربي سيهدين. ومن رضي بهذه الفتوة لم يرضى الله عنه، لما جاء في الحديث: «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (٣). ويخاف على من كثَّر سوادهم أن لا يبلغهم الله تعالى مرادهم؛ لقوله ﷺ : «من كَثَّرَ سواد قوم فهو منهم» (٤). ولقوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٥).

стр. 269

ومن أحبهم أبغضه الله جل ثناؤه، وحشره معهم بلا محالة، كذا جاء في الخبر عن المبعوث بالرسالة، وهو قوله ﵇: «المرء مع من أحب» (١). والعبد المبارك يوافق سيده، يحب من أحبه، ويبغض من أبغضه، ويقرِّب من قربه، ويبعد من أبعده، قال ﷺ : «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان» (٢). وقال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم (٣). وقال ﷺ : «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٤). وقال لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٥). وقال علي ﵁: لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه … فكم من جاهل أردى حليمًا حين آخاه فسيندم يوم القيامة من صحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ندمًا طويلًا. ويقول: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].

стр. 270

وإياك أن يغرك الشيطان بصحبته، لتُخلِّصه مما هو فيه؛ فتؤجر على ذلك، فيخاف عليك أن تصحبه لخلاصه. فتشتبك أنت الآخر، وذلك لقلة أدبك، ولمخالفتك لله ولرسوله، وللمؤمنين، ولسماعك (١) من الشيطان اللعين، فيكون مَثلك كمثل مَنْ (٢) يَدِلُّ بعومه فيرى غريقًا، فينزل لينشله من الغرق، فيأخذه الغريق وينزل فيغرقا (٣) جميعًا. ونسأل الله تعالى أن يصلي على سيدنا محمد النبي الكريم، وأن ينشلنا من غرق البدعة والمعصية إلى ساحل الطاعة والمتابعة وهو الإله الحليم، وهو الغفور الرحيم (٤).

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 274

فصل في رماة البندق (١) وما يبتدعون في الأفعال والأقوال والسنة الرمي بالنبال، قال ﷺ لسعد: «ارْمِ يا سعد، فداك أبي وأمي» (٢)، ولم يقل ذلك لأحد غيره، وكان سعد راميًا. وعن عبد الله بن مغفل أن رسول ﷺ نهى عن الخذف (٣)، وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» (٤). رواه البخاري ومسلم. في هذا الحديث نهي عن رمي البندق وما في معناه. قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

стр. 275

وقال ﷺ : «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (١). وقال أيضًا: «إن الله تعالى كتب الإحسان في كل شيء حتى القتل، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (٢). فقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان، فتارةً تخسف البندقة صدرها، وتارة تدخل بطنها، وتارةً (٣) تفقأ عينها، وتارة تكسر منها الرِّجل والجناح، وليس هذه الأشياء من فعل أهل الخير والدين والصلاح؛ فيعذب هذه المسكينة ويوقعها في المرض بعد العافية. ويبارز من فعل (٤) هذا من لا تخفى عليه خافية؛ وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : أنَّ الرجل إذا قتل عصفورًا عبثًا يتعلق به يوم القيامة، ويقول: يا رب، سَلْ هذا لم قتلني؟ (٥).

стр. 276

قال المؤلف: هذا السؤال يكون توبيخًا للقاتل؛ لأنه يقول: قَتَلتُه عبثًا. فيعود هذا الخارج عن طريق من ظللته الغمامة، في غاية الحسرة والندامة (١). ثم اعلم بأن النبي ﷺ أمر ذابح البهيمة أن يُحِدَّ السكين؛ لكي لا تعذب (٢). فأفق من غفلتك أيها المسكين، ثم اعلم بأن الله تعالى بعث نبيه ﷺ بالشفقة والرأفة والرحمة، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والعالمَ هو جميع مخلوقات الله ؛ ولذلك نهى ﷺ عن تعذيب الحيوان؛ رحمةً لهم، وقال ﷺ : «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء» (٣)، «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (٤).

стр. 277

وصحَّ: أن رجلًا نزل بئرًا، وأخرج ماءً وسقى كلبًا قد عطش فغفر الله له؛ لما رحم كلبًا ﵀ (١). وحكي أن ظالمًا مَرَّ على كلب كاد أن يموت من العطش والجوع والبرد، فرحمه. وقال لبعض أعوانه: احمله إلى منزلي، وَضَعْ له طعامًا. فلما أكل وشرب، عاش الكلب. فرأى الظالم في منامه قائلًا يقول له: كنت كلبًا فوهبناك لكلب (٢). فإن صح عن الرماة أن أحدهم يقسم بغير خالقه ومولاه، فقد عظمت مصيبته، وخسرت يداه. فحينئذٍ يقال لهذا المبتدع: الإلهُ واحدٌ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]. كقول بعض المخذولين: البندق يلزمني. فيحلف (٣) بالتراب، ويترك القسم برب الأرباب. وقيل: إن الرَّامي يَصدُق إذا حلف بالتُّراب، ويكذب إذا حلف برب الأرباب. فإن صح هذا عنه فهو من الفسقة الكبار الذين باءوا بغضب الجبار، وعذاب النار. قال صلوات الله عليه وسلامه: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر» (٤).

стр. 278

وقال: «من حلف بغير الله فقد كفر». وفي حديث آخر: «فقد أشرك» (١). وتبرأ ﷺ ممن حلف بالأمانة (٢)، فمن حلف بالتراب يخاف عليه أن لا يرزقه الله تعالى أمانَهُ، فمن فعل هذه البدع من الرماة، فقد بعد من رحمة خالقه ومولاه، فإن تاب؛ تابَ الله عليه وجعل الجنة مأواه. ومن البدع الملعونة، الملعون فاعلها: قبول شهادة الرجل الكافر إذا رمى الواجب، وكذلك شهادة الزاني والفاسق، وردَّ شهادة من لم يرم الواجب؛ وإن كان مؤمنًا خيِّرًا مطيعًا للسيد الخالق، فيقبلون شهادة الأشقياء، ويردون شهادة الأتقياء، فمن أحب الكفرة أو مَنْ تقدَّم ذكرهم من الفجرة، وأكرمهم وأعزهم؛ حُشر معهم، ولعنه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٣) ومن تاب عن هذه المصائب؛ تاب الله عليه ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. قال صلوات الله عليه وسلامه: «اليهود والنصارى خونة، لعن الله من ألبسهم ثوب عزٍّ» (٤). وأي عزٍّ أكبر من تصديرهم، وإكرامهم، وقبول شهادتهم.

стр. 279

اسمع يا قليل التوفيق والسعادة!: الخائف لا يقبل له شهادة، فلا ينبغي للمؤمن أن يُعزَّهم بعد أن أذلهم الله تعالى، ولا يُكرمهم بعد أن أهانهم الله ، ولا يُقرِّبهم بعد أن أبعدهم الله، ولا يؤمنهم بعد أن خونهم الله، ولا يحبهم وقد أبغضهم الله. فإن صحت هذه المصائب والبدع عن الرماة، فكل واحد منهم بعيد من رحمة خالقه ومولاه، فيجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتوب من هذه البدع وأصحابها، ولا يرافقهم ولا يوافقهم؛ فقد خرجوا عن الطريق، وذلك من قلة السعادة والتوفيق. وصحَّ أنَّ النبي ﷺ تبرأ مِنْ كل مبتدع وخارج وزنديق، ومن كل من حكم بغير حكم الله ورسوله وفعل فعلًا لا يليق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى تعظيمًا لنبيه وحبيبه وتكريمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ثم اعْلَمْ أن حُكَّام رُماة البندق وضعوا من تلقاء أنفسهم أحكامًا، صاروا بها حكامًا؛ فزادوا في الدين وخالفوا أئمة المسلمين، وضعوا الباطل في الأحكام؛ فبعدوا من رحمة الملك العلام، وخرجوا عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فاختاروا أربعة عشر صنفًا من بين الطيور لا يخرجها عن هذا الاسم موت ولا ذبح مجوسي؛ في مذهب هذا العبد المغرور، وهذه البدعة لا ترضي المولى الغفور، فمن رمى شيئًا من هذه الأطيار،

стр. 280

أدخلوه في حزبهم. وأثبتوه عندهم من الشطار؛ وإن كان الرامي مخنثًا أو كافرًا أو فاسقًا من أنحس الفجار. فإن رمى من غير هذه الأطيار شيئًا لا يؤثر عندهم، ولا يكرمون الرامي، ولا يسمونه شاطرًا (١)، ولا يسمون الطير واجبًا؛ وإن كان مذبوحًا طاهرًا. فمن رضي بهذه البدع خرج عن السُّنة وكان عبدًا فاجرًا؛ لأن في الشرع: الشاطر من أطاع الرحمن، ولم يخرج عن حكم السُّنة والقرآن. ثم إنهم أوجبوا في شرعهم على كل من رمى طيرًا لم يكن رماه من قبل: إما أن يأخذ الكبير قوسه، أو يعطيه دراهم تسمى بالسبق. وفرضوا لكل جماعة كبيرًا. وهذه الأشياء ليس لها أصل في الشرع، بل كبراؤهم ابتدعوها وزينها لهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فيأخذوا من الرامي ما فرضوه (٢) عليه طوعًا أو كرهًا، وسواء كان الرامي غنيًا أو فقيرًا أو يتيمًا فهؤلاء الأشرار ما يأكلون في بطونهم إلا النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وكل شيء لا أصل له في الشرع فهو باطل. ونهانا الحق سبحانه عن أخذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فإن لم يقدر الرامي على جُعْلِ الكبير لم يُدخله في حزبهم، ولا يشهد له، وهذا أيضًا من قلة الدين والسعادة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

стр. 281

ومن شؤم عادتهم ونحس قاعدتهم: أن حُكامهم إذا حكم أحدهم بحكم قبلوه، وإن كان مخالفًا للشرع، وإن حكم أحد من قضاة المسلمين أو من ولاة الأمراء وشهدوا عندهم بشهادة لم يقبلوا حكمهم، وردوا شهادتهم؛ وإن وافق حكمهم حكم الله وحكم رسوله ﷺ وعلى الآل والأصحاب والأقارب. وحجتهم أن هؤلاء القضاة والولاة ما رموا الواجب، فإن صح عنهم هذه المصائب؛ فقد خرجوا عن طريق المؤمنين؛ لقول رب العالمين: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فالخطأ يقبلونه من حكامهم، والصواب يردُّونه من غير حكامهم، فيقال لهؤلاء المعتدين الذين ضل سعيهم وما كانوا مهتدين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فترى أحدهم قد غرَّه الشيطان فرماه في البدع والعصيان؛ فزاد في الدين ما ليس منه، وحكم (١) (بغير حكم الرحمن، ويزعم أنه على شيء، وأنه صادق فيما ادَّعاه من الكذب والزور والبهتان، ونسأل الله لنا ولهم حسن الخاتمة، والله المستعان. قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. في مذهب الرُّماة أنَّ من رمى أربعة من الطير فمتن من غير ذبح، فإذا جيء بهن إلى حلقة الرماة فطعن في طيرين ولم يمكن التمييز، وضعوا الطيور الأربعة في وسط حلقتهم، فتحمل باللفظ لا بالأيدي؛ لأجل ما طعن في البعض، ولم يمكن التمييز، فكل منهم يقول: صرعهن ورماهن، أما الطيران الحلالان من هؤلاء الأربعة على رأسي أو عندي، أي نعتد لك بهما. وإن رمى أربعة من الطير، وهي مذكاة طاهرة، فطعن في طيرين كما تقدم، يلقونهم في حلقتهم ولا يمسونهم ولا يحملونهم، بل يقولون: الطيران الحلالان نعتد لك بهما. أي

стр. 282

والطيران الآخران حرامان على اصطلاح هؤلاء الأشرار الخارجين في أفعالهم وأقوالهم عن كتاب الله وسنة النبي المختار. ثم هذه الأشياء لا يفهمها إلا من كان عالمًا بأحكامهم، راسخًا في بدعتهم، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحله الله. فيقال لهم: أيها المعتدون، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. وهذه القبائح لا أصل لها في الشرع، ولا يفعلها إلا كل مارق وشيطان؛ لأن كبراءهم وضعوها، وما أنزل الله بها من سلطان. وهذه البدع مخالفة لطريق سيد المرسلين، والصحابة المكرمين ولعباد الله المؤمنين، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقد صحَّ أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، اسمع أيها العبد المغرور: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (١). وصحَّ أيضًا أن المسلمين تفترق يوم القيامة على ثلاث وسبعين فرقة: الواحدة ناجية وهي المتبعة للنبي المختار، والباقون (٢) إلى النار (٣). فلا تخرجوا عن (طريق النبي المختار، واعتبروا) (٤) يا أولي الأبصار؛

стр. 283

فالخوارج كلاب النار (١). كذا جاء في الأخبار، وتوبوا من هذه البدع؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢). صحَّ ذلك في الأخبار، ونسأل الله لنا ولهم وللمسلمين التوبة والمغفرة، وهو الكريم الغفار. فما أبعد هذه الطائفة عن طريق النبي ﷺ والأئمة المباركة السالفة وما أقربها إلى الطائفة الهالكة، التي هي لغير طريق نبيها وصحابته سالكة؛ وقد تشبهت هذه الطائفة فيما أحدثت بقومٍ كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون (٣). وقد فارقت فيما ابتدعت الجماعة، وخالفت صاحب المعجزات والشفاعة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من فارق الجماعة قدر شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام مِنْ عنقه» (٤). وفي حديث آخر: «لا تجتمع أمة محمد على ضلالة» (٥). وقال ﷺ : «يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار» (٦). وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (٧)، وهؤلاء القوم اتبعوا هواهم وخالفوا سيدهم ومولاهم.

стр. 284

ومن جملة بدعتهم وإدبارهم: أن أحدهم يصلي الفرض قاعدًا، ويعتذر عن القيام بتحيُّد الطير عنه. فانظر إلى دينهم! كيف يرضى بإعراض الله عنه، ولا يرضى بإعراض طير؟! ويقع في هذه المعصية (١) العظيمة لأمر خيالي يتوهم حصوله بمعصية الله، سبحانه خالقه ومولاه، فسبحان الحليم الذى لا يعجل على من خالفه وعصاه) (٢). وما أحسن قول ابن عباس ﵁ لرجل كان يصور صور الحيوان، فعرَّفه بما ورد في التصوير من النهي، فاعتذر المصور أن له عيالًا، وفعل ذلك خوفًا من ضياعهم؛ فأعرض عنه ابن عباس وسخر من قوله، وقال: هذا يزعم أنه إذا عصا الله أطعمه، وإذا أطاعه أجاعه (٣). وبدعة أخرى: أنَّهم لا يُنزلون الناس منازلهم، وهذه أيضًا أفعال ردية، مخالفة للشريعة المحمدية، وليس التقدم في شرعهم بالتقوى، ولا بالشرف، ولا بالعلم النافع، ولا بالعمل الصالح، ولا بطول الأعمار، ولا باتباع النبي المختار؛ ولكنَّ التقدم عندهم بكثرة رمي ما وجب من الأطيار المختصة باصطلاح (٤) هؤلاء الأشرار. فيتغالون في تعظيم الرامي، ويقبلون شهادته، ويتواضعون له، ويتصنتون لكلامه، ويقدمونه وإن كان الرامي فاسقًا، أو كافرًا، أو فاجرًا من

стр. 285

أنحس (١) الفجار، ومَن أنكر عليهم في ذلك قاموا عليه بأجمعهم وأخرجوه من حلقتهم ويتبرؤون (٢) منه، ولا ينظرون إليه، ومن أخطأ منهم من جهة الدين لا ينكرون عليه، فيغضب أحدهم لنفسه، ولا يغضب لربه، ويسخرون من (٣) المسلمين إذا أنكروا عليهم من جهة الدين، ويضحكون بهم، وهذه المصيبة الأخرى من صفات الكفار، ومن اتصف بهم كان معهم في النار. قال ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٤). وفي حديث آخر: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٥)، صح ذلك في الأخبار. واسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠]. ولهم مصائب أُخَر، لا يحتملها (٦) هذا المختصر، وفي هذا كفاية، لمن أراد الله له الخير والهداية.
следующие страницы →