← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال العلماء: إن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا أراد الاغتسال دخل بيتًا وأغلق بابه وشد المئزر في وسطه، وكان يمنعه الحياء أن يقيم صلبه (١). ويجوز الاغتسال بغير مئزرٍ للرجل والمرأة إذا خلا المكان عن أعين الناظرين؛ لأن النبي ﷺ اغتسل هو وعائشة بغير مئزر في إناءٍ واحدٍ (٢). فبان بذلك أن الإنسان يجوز له الاغتسال بغير مئزرٍ إذا خلا عن أعين الناظرين (٣). والثاني: يجوز للرجل أن ينظر لجميع بدن زوجته وجاريته، وهما (٤) أيضًا كذلك (٥). وفي الحديث: إن أحدًا ما رأى فَرْجَ رسول الله ﷺ (٦)، ولا شيئًا من

стр. 387

غائطه، بل كانت الأرض تنشق وتبلعه (١)، ولم يترك الصحابة شيئًا من وضوئه ولا ما يتفله يقع على الأرض، بل كانوا يتمسحون به تبركًا (٢)، واحتجم مرةً فابتلع دمه بعض أصحابه، عمل ذلك لوجع كان في بطنه فأذهب الله تعالى وجعه (٣). والثالث: أن الماء لا يستعمل إذا أدخل الجنب يده فيه. والسترة أفضل؛ لأن الله تعالى معك حيث كنت وأين كنت. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. وعمل ﷺ ما ذكرته بيانًا للجواز (٤). قال العلماء: كان موسى ﵇ إذا أراد الاغتسال أبعد عن أعين

стр. 388

بني إسرائيل، حتى ظنوا أنه يفعل ذلك لسوء في بدنه، فخرج يومًا للاغتسال وحط حجرًا على ثوبه، فسار الحجر بثوبه نحو بني إسرائيل فخرج من الماء، وأسرع في سعيه، فلم يلحق ثوبه، فصار يقول: حجر ثوبي. فأنطق الله سبحانه الحجر إذ أنه مأمور بذلك؛ فلما لحقه أخذ يضرب الحجر فأوحى الله تعالى إليه: لا تضربه وأكرمه، فإن الله برَّأك بذلك من العيب، وأمره الله تعالى بحمل الحجر، فحمله موسى، وهو الحجر الذي كان يتفجر منه الأنهار حين وقع بنو إسرائيل في التيه. فرأى بنو إسرائيل جسد موسى ﵇، وليس فيه عيب. قال الله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فعلم بنو إسرائيل أنَّ بعده عن أعينهم لشدَّة (١) حيائه لا من عيب في جسده (٢). فقد علمت أن الحياء من سنن المرسلين، ومن شعائر الصالحين، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. فمن حرم هذا التوفيق فليس هو لأنبياء الله تعالى وأوليائه برفيق، فمن كشف عورته (بمرأى من) (٣) الناس أو بالحمام، فقد ارتكب الذنوب والآثام، وخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلا يخرج عن الشرع الشريف إلا كل عبد معتدٍ كثيف.

стр. 389

دخل أبو حنيفة يومًا الحمام، فرأى رجلًا مكشوف العورة، فغمض الإمام عينيه حتى ظن (الرجل أن) (١) الإمام قد عمي، فقال لأبي حنيفة ﵀: متى عميت يا إمام؟ فقال له: منذ هتك الله تعالى سترك (٢). ودخل (إنسان إلى حمام) (٣) في وسط سوق فرأى رجلًا مكشوف العورة، فحمله ورمى به على باب الحمام. فقال: أما تستحي ترميني بين هؤلاء الناس؟ قال له: والذي في الحمام (ما هم بأناس) (٤)؟! ودخل المؤلف يومًا الحمامَ، فجاء رجل وجلس على جُرْنِ الحمام (٥)، والناس تحته ينظرون إليه، فرمى الفوطة مِنْ وسطه، فقال مؤلف هذا الكتاب له: يا أخي، قال ﷺ : «الحياء من الإيمان» (٦) فلم يلتفت لقوله ولم يصلِّ على النبي ﷺ ؛ فأخذ المؤلف الفوطة وستر عورته فأخذها بغيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن. ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة (حتى شهد) (٧) المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته (في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله

стр. 390

عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها) (١).

стр. 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 394

قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] فمن غضَّ بصره حياء من المولى الغفور، فهو عبد مؤمن مأجور، وفي الخبر: «لُعنَ النَّاظرُ والمنظور» (١). والناس في النظر المحرَّم على أقسام: منهم من غضَّ بصره حياءً من الخلائق، فإذا خلا بنفسه، ولم يكن إلا الله تعالى مدَّ بصره؛ وهذا فعل غير لائقٍ. قال الله تعالى فيمن هذه صفته: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. وهذا عبد محقور لتعظيمه نظر مخلوق مثله، ولم يفعل ذلك مع المولى الغفور. قال ﷺ : «من لم يكن له ورعٌ يَحجُزُه عن محارم الله إذا خلا؛ لم يعبأ الله بشيء من عمله» (٢). يقول الله في بعض كتبه المنزلة: «يا عبادي، إن كنتم تعلمون أني لا أراكم فالخلل في دينكم، وإن كنتم تعلمون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!» (٣).

стр. 395

والثاني: غضَّ بصره حياءً من الله لا من غيره. وآخر: جهر بهذا النظر، ففسق عن أمر ربه، وخالف القرآن والخبر. وأكثر ما يقع في هذه المصائب الجالس بغير حاجة على الطريق والأسواق والمصاطب، ويخاف على هذا المبتدع المواظب من كثرة فتح عينيه إلى ما حرم الله عليه، أن لا يُلْحِقه الله بنبيه ﷺ ؛ لخروجه عن طريقه، فيفوته الخير والمطالب. قال ﷺ : «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا بكت من خشية الله تعالى، أو عينًا سهرت في سبيل الله، أو عينًا غضت عن محارم الله» (١). فكل عين نظرت إلى غير ربها العمى أولى بها، كما قال بعضهم شعرًا: إذا غاب عن عينيَّ يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني نصيبها وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها فمن شغل بالنظر إلى حلاله عن خدمة ربه وجلاله فلا بد أن يعود شؤم ذلك عليه ووباله، فما بالك بمن شغل قلبه بحرام؟! يقول الله في بعض كتبه المنزلة: «حرام على قلب يسكنه غيري أن يسكنه حُبِّي» (٢). وإياك أنْ يغرَّك الشيطان بتسويله أن هذا ذنب صغير، فقد جاء في الأخبار: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» (٣).

стр. 396

والشيطان لعنه الله ما مراده بوسوسته لابن آدم: هذا ذنب صغير نصحًا له، بل ليهوِّنه عليه؛ لكي يعمي الله قلب فاعله، ويُسقط جاهه حين يوقفه بين يديه، والصغير بالمداومة يصير كبيرًا، وقد جاء في الخبر: أنَّ زنَى العين النظر (١). فمن تعمد النظر إلى عورات المسلمين، أو إلى محاسن امرأة أجنبية، أو إلى غلام أجنبي، فهو عبد ممقوت؛ لمخالفته للحي الذي لا يموت، وأشد مقتًا وأكثر إثمًا النظر إلى أحد من المحارم بشهوة؛ وهو من فعل المجوس، ولا يفعله إلا كل عبد متعوس، ولا ينبغي للمؤمنين الأخيار أن يتصفوا بصفات الفجار وأهل النار. قال الفضيل: خمس من علامات الشقاء: قسوة (٢) القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل (٣). وقال ابن عثمان: من تكلم في الحياء، ولم يستحي من الله تعالى فهو عبد مستدرَجٌ (٤). قال علماء التفسير: إن آصف بن يرخيا كان وزيرًا لسليمان ﵇، وكان مسرفًا على نفسه في حضرة النبوة حتى تعلم أن أحدًا لا ينقذ أحدًا، قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فنزل جبريل ﵇ على سليمان وقال له: ربك يسلم عليك، ويقول لك: قل لوزيرك آصف: إلى متى خيري عليه وارد،

стр. 397

وشره إليَّ صاعد. إن لم يخف عقوبتي أما يستحيي من إلاهيتي؟ فلما أخبره سليمان بذلك خرج من عنده ذليلًا خائفًا، فأتى إلى مزابل المدينة، فترجل عن جواده وصار يحثو التراب على رأسه، ثم يبكي ويقول: إلهي، أنت أنت، وأنا أنا، وكلٌّ يعمل على شاكلته، يا رب قد تبت إليك فخذ بيدي، فليس لي من ينقذني مما أنا فيه غيرك، وإن لم تأخذ بيدي لأعودن ولأعودن. فلما فعل ذلك تاب الله عليه، وقربه إليه، وعلمه الاسم الأعظم (١). روي عن ابن عباس ﵄؛ أنه هو الذي دعا إلى الله تعالى باسمه الأعظم، فجاء بعرش بلقيس إلى بين يدي سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه (٢). قال ابن عباس: خرج عرش بلقيس من تحت كرسي سليمان ﵇ من ساعته؛ كرامةً له ومعجزةً لنبيه ﵇، قال: وكان العرش ثلاثين ذراعًا في ثلاثين، وطوله في الهواء ثلاثون، فتعجب سليمان وقال: رب، وعدتني بملك لا ينبغي لأحد من بعدي، وهذا وزيري عمل شيئًا لا أقدر عليه. فأوحى الله تعالى إليه: أليس هو في خدمتك؟! فانظر رحمك الله، إلى بركة التوبة، فما توقفت الأشياء علينا إلا لتوقفنا نحن. كان حبيب العجمي يقول: نعم الربُّ ربُّنا، لو أطعناه ما عصانا (٣).

стр. 398

فمن أعرض أعرض الله عنه، ومن جاء فما غاب، وصار من جملة الأحباب، بكل ذلك جاءت السنة والكتاب، فينبغي للمعرض عن الله تعالى أن يبكي على نقصان حظه من الإيمان، فمن كثر إيمانه قلَّ عصيانه، وكان بعضهم يبكي ويقول: إلهي، لا أبكي لوجود المعصية، إني لا أصلح لها؛ بل أبكي الذي كان هذا حظي منك (١). فيا من يكثر الطاعة ولا يجد لعبادته حلاوةً في قلبه، وما ذلك إلا لإصراره على الذنوب، ولقلة حيائه من علام الغيوب؛ لأن العاصي قد علت (٢) على أرض قلبه سباخ البدعة والسيئات، فلا ينتج فيه النبات ولا يفلح فيه أبدًا. قال المولى جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. فتضرع أيها المؤمن إلى الله سبحانه، فليس لها إلا هو، ولن ينقذ أحدٌ أحدًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. قال بعضهم: نزلت بي ضرورة وفاقة، فكلما هممت بالدعاء تفكرت قبح حالي، فرددت يدي حياءً من الله تعالى، فأقمت على ذلك مدة، فدخلت يومًا إلى مجلس عبد الواحد بن زيد، فسمعته يقول: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه أن قل لعبادي يستغفروني فإني غفور رحيم، ولا يبارزوني بالمعاصي فإن عذابي عظيم، ولا يتأخروا عن مسألتي فإني غني كريم، أنا المعروف بالمعروف. قال: فما قمت حتى دعوت ربي ففرج عني (٣). أحرم بعض الصالحين فلم يلب ولم يدع الله تعالى، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن أقول: لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك. فقيل له: لا بد لك من التلبية لأن التلبية سنةٌ في مذهب الشافعي، وعند أبي

стр. 399

حنيفة واجبة (١) فلما لبَّى خرَّ مغشيًّا عليه (٢). وقف الشيخ ابن الموفق بعرفة وقال: اللهم إن كان في هذا الموقف من لم تقبل حجته فاجعل حجتي له. فلما عاد إلى المزدلفة رأى الحق سبحانه يقول له في منامه: يا ابن الموفق. قال: لبيك. قال: علينا تتسخى وتتكرم وأنا أكرم الأكرمين، أيقف أحد في الموقف ولا أغفر له ولذريته ولأهله ولعشيرته؟ أما علمت أني أهل التقوى وأهل المغفرة؟! (٣).

стр. 400

حجَّ ﵁ ستين حجة، في آخرها جلس تجاه الكعبة يفكر في أمره هل قبل أم لا؟ وقال بعض الصالحين في مِنًى: اللهم إن الناس قد تقربوا إليك بقربانهم، ولا أملك اليوم إلا نفسي فاقبلها منِّي، فخرَّ ميتًا (١). حجَّ رجلٌ تكروريٌّ وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرفة هو وعياله فجاء التكروريُّ إلى إمام المالكية بمكة، وقال له: اجعلني في حلٍّ. وقال: قيل لي: إن الله سبحانه غفر لأهل الموقف لأجلك، ومن علامة ذلك أنك تموت في غدٍ. فأصبح ميتًا، تغمدنا الله وجميع المسلمين برحمته. فانظر إلى خوف هؤلاء السَّادة مع ما سبق لهم من الخير والعبادة، وأَمْنِنَا (٢) وقد خالفنا عالم الغيب والشهادة، كان همهم الآخرة، فصرف عنهم همَّ الدنيا والآخرة. قال عمر بن الخطاب ﵁: إنْ كنت أعول همًّا غير همِّ يوم القيامة لا أمَّنني الله منه (٣). دخل رجل على زوجته مهمومًا، وكانت عارفةً بالله، فقالت: اللهم إن كان همه الدنيا فاصرفه عنه، وإن كان همه الآخرة، فزده همًّا إلى همه. ثم اعلم بأنَّ العبد إذا كان خاملًا في الدنيا خيرٌ له من أن يكون خاملًا (٤) في الآخرة، ويُبس كسْرتك خير من يُبس قلبك، لا تكن كالطفل يشترط فيبكي، والكبير يتجرع المرارة ويصبر لعلمه بالمنفعة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقصان الآخرة، والأكدار في طرف العصا.

стр. 401

فصل فيما يبتدعه بعض الإخوان عند مَدِّ الخِوانِ (١) فيعصون بسبب ذلك الواحد المنان، ويخرجون عن طريق أهل الخير والإيمان، ويعملون المحرمات على المائدة، ووبالها عليهم عائدة، فيأكلون في آنية الذهب والفضة وما هو من جنسهما من الملاعق، وقد حرَّمه الشرع، وفعله غير لائق. ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار على المائدة: من ضرب قِنْزٍ (٢) وطار، أو ربابة ومزمار، ونشدهم الأشعار، الكل خرجوا عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار.

стр. 402

وأكثر ما تستعمل هذه البدع عند من أعمى الله قلبه من الأمراء والسلاطين؛ فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين. وقد أجمع العلماء أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء (١)، وكذلك التطيب والادهان والاكتحال (٢). فاترك الكل وخف من شديد المحال، فمن ترك ما حُرم عليه عوضه الله سبحانه ما هو خير منه من الحلال، وهذا الطعام هو شر الطعام؛ لما فيه من البدع والآثام. ولا ينبغي لمن يدعي الإسلام أن يحضرهم، ولا يجيب دعوتهم؛ لخروجهم عن طريق النبي ﷺ ، وعن طريق أصحابه الكرام؛ لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣). ثم اعلم بأن الطعام على أقسام: منه ما يفترض وهو طلب الحلال، وهو من أعظم الأحوال، وبه قوام الدين والبدن، وقبول الأعمال، وبوجوده وصل العمَّال، فعلمه يقدَّم على كل حال.

стр. 403

قال بعض المتقدمين: أدركت الناس، وما يتعلمون إلا الورع، وإنهم ليتعلمون اليوم الكلام (١). قال عبد الله بن عمر ﵁: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ما تقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز (٢). وقال يحيى بن معاذ: لو علمت العلم، وزهدت، وصحبت الأبدال، وكتبت السنن، لم تدخل بستان القوم حتى تعرف من أين الكسرة (٣). وقيل لداود الطائي: أوصني. قال: اقرأ القرآن، تريد به وجه الله تعالى؛ وانظر خبزَك من أين هو؟ (٤). وقال الفضيل: من عرف ما يدخل بطنه كان صدِّيقًا (٥). وقال: إذا أحب الله عبدًا طيَّب له مطعمه (٦). وقال أيضًا: ما تزيَّن المؤمن بأفضل من الصدق وطلب الحلال (٧).

стр. 404

وقال السَّريُّ: طريق النجاة أن يكون معك ثلاث خصال هنَّ سبيل الهدى، وهن: الطهارة من البدع، وكمال التقوى، وطيب الغذاء (١). وقيل لبشر الحافي: كيف الطريق إلى الله؟ قال: الصوم والصلاة، ومن أين تأكل (٢). سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت: مَنْ المؤمن يا رسول الله؟ قال: «مَنْ حاسَبَ نفسه من أين يدخل قرصاه» (٣). فمن حاسب نفسه في الدنيا لم يُحاسب في الآخرة. وجاء في حديث آخر: «استحيوا من الله حقَّ الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا لنفعل (٤)، إنا لنستحيي. قال: «ليس كذلك، من استحيَى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن ما وعى، ومن طلب الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء» (٥).

стр. 405

فمن استحيا من الله تعالى استحيا الله منه. نبَّه ﷺ بهذه الوصية النافعة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة على الجوارح الظاهرة: فالرأس وما حوى ظاهر، والبطن وما وعى عبَّر به عن الباطن؛ ليحفظ المؤمن قلبه عن العقائد الفاسدات، ويصونه عن الوساوس المذمومة والغفلات، ولا يدخل جوفه شيئًا من المحرمات، ويحفظه أيضًا من الشبهات. قال أبو جحيفة: كنت عند رسول الله ﷺ فتجاشأتُ، فقال: «أقصر عنَّا جشَأَك، فإن أطول الناس جوعًا يوم القيامة أكثرهم شبعًا في الدنيا». قال: فما شبعت بعد (١). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين». فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدَّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذِّي بالحرام؛ فأنَّى يستجاب لذلك؟! (٢).

стр. 406

وفي حديث آخر: «لا يدخل الجنة لحم نبت (١) من سحت» (٢). وقال إبراهيم بن أدهم: ما نَبُل منَّا مَنْ نَبُل بكثرة حجٍّ ولا جهاد، إنما نَبل مَنْ كان يعقِلُ ما يدخل جوفه -يعني الرغيفين- من الحلال. فبكى من كان حوله من الحاضرين، وكان يقول: لقمة من جريش الملح آكلها … ألذ من تمرة تحشى بزنبور (٣) وقال: أطب مطعمك، ولا عليك أن تقوم الليل، ولا تصوم النهار (٤). وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: بخير، إذا لم يحمل مؤنتي غيري (٥). وكان يأكل من عمل يده ﵀. وقال ﷺ : «أحل ما أكل المؤمن من كسب يمينه، وإن داود نبي الله كان يأكل من كسب يمينه» (٦).

стр. 407

ومن البدع الأكل من غير جوع، وهو إسراف، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الخبر: أن ثلاثة يمقتهم الله تعالى: الأكول، والمتكبر، والضاحك خلف الجنازة (١). فمن ضحك في المقابر فهو مبتدع جائر؛ لأن الموت بين عينيه وهو يضحك. وكان ﷺ إذا رأى المقبرة بكى، وكان يقول: «هي أول منزل من منازل الآخرة» (٢). وكذلك الضحك عند قراءة القرآن والذكر والأذان، ومن ضحك عند المفجوع بالمصيبة فهو عبد مفتون. والضحك من غير عَجَبٍ نوع من الجنون، وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة الضحك، ومجالسة الجهال» (٣). وكان ابنُ كثيرٍ أحد القراء السبعة يقول عن نفسه:

стр. 408

بُنَيُّ كثيرٍ أَكولٌ نؤومٌ (١) … وما هذه صفاتُ (٢) من خافَ ربَّه بُنَيُّ كثيرٍ يُعلِّمُ علمًا (٣) … لقد أعجز الصوفُ مَنْ جَزَّ كلبَه بُنَيُّ كثيرٍ دَهَتْهُ اثنتان: … رياءٌ وعُجبٌ يخالطنَ قلبَه (٤) ثم اعلم بأن الشِّبع الزائد أولُّ بدعة أُحدثت في الإسلام، فقد كانوا يجوعون من غير عوز؛ لما يرون فيه من اتباع النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وفيه مصالح الدنيا والآخرة، أما من جهة الدنيا فصحة الجسد،

стр. 409

وقلة علله، وتوفير المال، ومن جهة الآخرة رقة القلب، وكسر النفس، والقوة على الطاعة، وخوف الرحمن، وتضييق مسالك الشيطان، والمحافظة على الطهارة، وحياة القلب ومحبة الرب؛ لأن الله تعالى يبغض الأكول، ويحب من يتبع الرسول، ويصفو عقله، ويروق ذهنه، ويورثه الحكمة؛ لأن الحكمة كالعروس تحب البيت الخالي، فترى الحكيم يحمل الحكمة، والحمار يحمل العلف. وقال خالد بن معدان: إن لقمة السمين تطفئ نور حكمة الحكيم. وكان يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (١). وقال ابن عباس ﵁: ليأتين على الناس زمان يكون هَمُّ أحدهم بطنه، ودينه هواه (٢). ليس العجب (من بني إسرائيل حين تاهوا في قدر نصف ميل أربعين سنة، إنما العجب) (٣) فيمن تاه الأربعين والخمسين سنة (٤) في قدر شبرٍ؛ وهو بطنه! فأي مكان عُرف (٥) بالمأكل الكثير (عمل إليه) (٦) بالمسير، وليس ذلك فعل ولي ولا فقير، ويقبح على الرِّجال (٧) أن يشدوا لمثل ذلك (٨) الرِّحال؛

стр. 410

قال ﷺ : «لا تشدُّ الرحال إلا لثلاث: لبيت الله الحرام، ولمسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١). دخل رجل على النبي ﷺ وشرع يصف كثرة (ما يأكل في) (٢) بلده من اللحم واللبن وغيره، فقال له: «إلى ماذا يذهب» (٣) قال: إلى ما تعلم يا رسول الله. قال: «فذلك (٤) مثل الدنيا» (٥).

стр. 411

فما وصل إلى الله تعالى العمال إلا بأفضل الأعمال وهو الصدق والزهد، وحمل المؤنة عن الناس، واتباع السنة، والرضى عن الله تعالى في كل حال، فنرى بعض الناس يقدمون على رجل ضعيف الحال، فيقدم لهم ما حصل وقدر عليه من الطعام، فلا يرضون به، ويغلظون عليه الكلام، ليأتي لهم بأطيب من ذلك الطعام، فيسخطون بذلك الملك العلام، ويخرجون عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فهؤلاء المبعودون قد اتصفوا بصفات الصالحين، ولم يبلغوا إلى منازل العوام؛ فالله بريء منهم، والنبي ﵊ وجميع الإسلام. قال صلوات الله عليه وسلامه: «أنا وأمَّتي بُرآءُ من التَّكلُّف» (١). فاتصف هؤلاء القوم بزي الفقراء، وما نالوا منهم (٢) وطرًا، والحق سبحانه ما ينظر للحسن البديع، ولا للثوب الرفيع، ولا لمرقعة مبتدع ورقيع. كما قال في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى لباسكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٣). فإذا وجد القلب خاليًا من البدع والأكدار ملئ من الخير والحكمة والأنوار. كان بعض الصالحين يقول عند النَّزع: «اللَّهم إنك تعلم ما كنت

стр. 412

أحب البقاء في الدنيا لبطنٍ، ولا لفرجٍ» (١)، فقد علمتَ أن في المأكل اليسير الخيرَ الكثير، والمتابعة للبشير النذير، والأكُول متَّبع للبهائم والكفار والحمير. وقد جمع الحق سبحانه في آية واحدة الطب كله، وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] فالأمراض المختلفة والتُّخم والعلل والأسقام أصلها من الإسراف بلا خلاف؛ لأن الشِّبَع المفرط أصل كل داء حتى قال بعض الحكماء: من أكل الطعام بغير إسراف لم يعتل إلا علة الموت، وهو أن يأكل بعد الجوع، ويرفع قبل الشبع عملًا بالحديث، يعمل بطنه على ثلاثة أقسام: ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس (٢). والدرجة العليا أنْ يأكل الإنسانُ أكلَ المريض، وينام نوم الغريق (٣). ومن السُّنة غسل اليدين قبل الطعام وبعده (٤)، وتسمية الله تعالى في

стр. 413

الابتداء (١)، ويحمده في الانتهاء (٢)، فإن نسي التسميةَ في ابتداء الأكل يسمِّي في أثنائه أو بعد فراغه فيقول: بسم الله أوله وآخره (٣). فلو كانت الدنيا لقمة وقال آكِلُها: الحمد لله. لأدَّى شكرَها. ويكرم الخبزَ فإنه قوام الدين والدنيا، وما يصير الرغيف رغيفًا حتى يعمل فيه ثلاث مئة وستون صانعًا: أولهم ميكائيل، وآخرهم الخبَّاز، ومن إكرامه أن لا يرفع على الخبز شيئًا، ويلتقط ما سقط منه، وإن قلَّ (٤). ورأى ابن عمر ﵄ كسرة في الطريق فقال لغلامه: ارفعها.

стр. 414

فلما غربت الشمس طلبها، فقال الغلام: أكلتها. فأعتقه، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من رفع كسرةً من الأرض وأكلها غُفر له»؛ وأنا لا أستخدم من غُفر له (١). فقد علمت أن) (٢) الشِّبع المفرط مضرة في الدنيا والدين، ويعد فاعله من المسرفين.

стр. 415

ومن البدع قطع الخبز بالسكين (١)، فأقلل من الأكل تنتفع أيها المسكين، ولا تعد من المسرفين؛ لأنه إذا كثر الأكل قلَّ الخوف، ومات القلب، وعاشت النفس، وإن كان المأكل من حلال، والحرام قليله وكثيره يعمي القلوب، ويبعد عن علام الغيوب، وفي الأخبار: إن تصدق به لم يؤجر عليه، وإن أنفقه لم يبارك فيه، وإن تركه خلفه، كان زاده إلى النار (٢). وكان ﷺ يربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع (٣)، ولو سأل الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنَّة لفعل، وكان أكثر أكل البشير النذير الخبز الشعير (٤)، وهو سنة الأنبياء ﵈. مرَّ أنس بن مالك ﵁ على جماعة يأكلون لحمًا سميطًا،

стр. 416

وخبزًا مرققًا، فعزموا عليه، فقال: كلوا فما رأيت رسول الله ﷺ أكل لحمًا سميطًا، ولا خبزًا مرققًا، ولا شبع من خبز شعير حتى لقي الله تعالى (١). ويحرم على المسلم أن يدخل من غير دعوى؛ لقوله ﷺ : «من دخَل من غير دعوًى دخل سارقًا، وخرج مُغيرًا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٢). ويحرم على المؤمن أيضًا أن يفرق الطعام بغير دستور صاحبه، فإنه دُعِيَ ليأكل (مَا دُعِي لأجل التَّفرقة) (٣). ويحرم (على الإنسان) (٤) أن يخطف اللحم من بين أيدي الآكلين؛ لأنهم فيه مشتركون، وفيه تشبُّهٌ بمن ينتهب، قال ﷺ : «من انتهَبَ فليس منَّا» (٥). ومن أباح طعامًا له أو متاعًا للناهبين جاز لهم ذلك، وكذلك ما ينثر في الأعراس والولائم من الذهب والفضة والسكر وغيره، يجوز أخذه من الأرض، ولا يجوز أخذ الطبق من يد حامله قبل نثره، ولا يبسط ثوبه ولا رداءه لنزول الطبق فيه.

стр. 417

وأما النثر على ولاة الأمر كالقضاة والولاة لا يجوز للإنسان أن ينتهب منه؛ لأنه بمنزلة الرشوة، وهدية الأمراء مكروهة إلا للمضطرين، ولأهل السجون، وكذلك من ذبح شيئًا لأجل الأمراء والوزراء يكره أن يأخذ الإنسان من ذلك اللحم شيئًا (١). ولا ينتهب من نهبة العساكر، ومن كان أكثر ماله من حلال يجوز قبول هديته، وإن كان أكثره حرامًا فلا يجوز، ومن أتاه شيء بغير سؤال وردَّه فكأنما ردَّه على الله، بهذه المسائل أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين. وأول بدعة أحدثت في الملة الإسلامية الأكل الزائد، والمناخل، وغسل البر وهو يذهب ببركته (٢) وأكل الدسومات، والمرق السمين يورث ما تقدم ذكره من القسوة والمقت، وانتشار الشهوة، ونسيان الآخرة، ولا يترك بالكلية لكي لا يضعف البدن عن القيام لخدمة خالق البرية. قال السيد الجليل، صاحب المواهب والكرامات: سهل بن عبد الله التستري: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل في الشبع الجهل والمعصية، وجعل في الجوع العلم والحكمة (٣). وكان عبد الله بن عمر ﵁ يقول: ليت أن الله جعل رزقي في مصِّ حصاة، فقد استحييت من الله من كثرة اختلافي إلى الحُشِّ (٤). والحش هو المرحاض.

стр. 418

وروى أبو نعيم في «الحلية» (١) وذكر ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢): أن بعض السلف كان يأكل في كل ستة أشهر أكلة، فعجب بعض الناس من ذلك المدد الذي أمده الله تعالى به، فقال لهم: من أي شيء تعجبون؟ سألت الله سبحانه أن يكفيني مؤنة بطني ففعل. وسأل بعض مشايخ «الرسالة» أن يُمدَّه الله ويُغنيَه عن هذه المآكل، وكان إذا جاع قويَ، وإذا شبع ضعف (٣). وهذه من كرامات الأولياء، ولا ينكرها إلا من نكب من الأشقياء؛ فإنه مقام الصالحين، وأجر الإيمان بكرامات أهل اليقين، وقد صحَّ أن أبا ذر ﵁ مكث بزمزم ثلاثين يومًا لم يستطعم طعامًا (٤) غير ماء زمزم، فسمن على الماء. رواه البخاري ومسلم في إسلام أبي ذر (٥). دخل رجل إلى زمزم يريد ماءً، فوجد رجلًا ومعه ركوة وقد ملأها، فقال: يا سيدي، اسقني. فسقاه، فوجد سُويقًا مذابًا بسكر، فقال له: بالله

стр. 419

من أنت؟ قال: وتكتم؟ قال: نعم. قال: أنا سفيان الثوري (١). ومن الإسراف أن يأكل العبد كل ما تشتهيه نفسه. (٢) (قال يحيى الوراق: من أرضى الجوارحَ بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجرة الندامات (٣). وقال الثوري: إذا عصتك نفسك فيما تأمر، فلا تطعها (٤) فيما تشتهي (٥).

стр. 420

وقالت امرأة العزيز: إن الحرص والشهوة صَّيرا الملوك عبيدًا، وإن الصبر والتقى صيَّرا العبيد ملوكًا (١). والعبد المذموم هو المشغول بهذه الهموم عن خدمة الحي القيوم، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. والمؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، همُّه الطاعة لا تقرُّ عينه إلا بها، وقرة عين المنافق في الزينة؛ فترى هذا العبد المتعوس، المخالف للملك القدوس، العالم بما في النفوس، يتحلى بلبس الذهب والحرير، ويتزين كما تتزين العروس، وقرة عين الحمار في العلف، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]. وإياك أيها المؤمن! أن تترك طريق نبيك ﵊، وتتشبه بالمنافقين، أو تتصف (٢) بصفات الكفار والأنعام، وتنسى ما مَنَّ عليك به من الخيرات والإنعام، فتخالف الملك العلام على ممر الشهور والأعوام، فإذًا يخاف عليك عند الموت من تغير الأحوال؛ لإعراضك عن الرب الباقي، ولإقبالك على هذه الطلول الفانية والأعلام. ثم اعلم بأن النبي ﷺ وصف المؤمن ووصف الكافر؛ فقال: «حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه» (٣). وقال: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة معاء» (٤).

стр. 421

وقال أيضًا: «أكثركم شبعًا في الدنيا، أكثركم جوعًا يوم القيامة» (١). فجوَّعْ نفسك أيها المؤمنُ! لوليمة الآخرة، وتشبَّه بعباد الله الصالحين، لكي لا تنسى الجائعين، واجلس على الطعام بأدبٍ، ولا تتجشأ منه؛ فإنك تودُّ بعد أكله لو خلَّصك الله منه، فمن أكل بغير مقدار، فقد تشبَّه بالثور والحمار، وخرج عن طريق الأولياء والأخيار، وخالف القرآن العظيم والأخبار، فترى بعض المترفين يتجشأ منه، فيثقل الطعام على معدته، فيسعى في حطِّ حمله بالمعاجين والسفوف (٢) وما هذه صفات من يخشى المولى الرؤوف، فإذا أكل الإنسان؛ يحمد الله تعالى، ويسأله أن لا يؤاخذه بجائعي أمة محمد ﷺ ، ويدعو الله سبحانه أن يهديه ويقويه، حتى يصرف رزق الله تعالى في طاعته، وفيما يرضيه، فيكون شاكرًا لإنعامه وأياديه، والفاجر من حمد الله تعالى عَقِيبَ أكله، ثم صرف الطعام في مخالفة الله سبحانه ومعاصيه. قال المولى الغفور: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقد بيَّنت الشاكر والفاجر، وذكرت في هذا الباب شيئًا من البدع ومما عليه يثاب، وأما آداب الأكل ومنافعه فلا يحتمله هذا الكتاب. وقد جمع الطب كلَّه في ثلاث كلمات: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوِّدوا كلَّ جسدٍ بما اعتاد (٣).

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

فصل: فيما يبتدعه العباد في المآتم والأعياد والمواسم والجُمع والأيام من أكل وشرب وعقر شيء من الأنعام عند قبور موتاهم وهذه البدعة توافق الجاهلية، وتخالف الإسلام؛ صحَّ في الأخبار أن الجاهلية كانوا يعقرون الإبل عند قبر ميتهم (١)، ويقولون: تكون مطعمًا للميت بعد مماته؛ فإنه كان يطعمها للأضياف قبل مماته، ومنهم من كان يذهب في ذلك أنه إذا عُقرت راحلته عند قبره، حشر يوم القيامة راكبًا، ومن لم يُعقر عنه حُشِر راجلًا، وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: «لا عقر في الإسلام» (٢).

стр. 424

والعقر للإبل، والذبح لغيره، وإن عكس جاز مع الكراهية لخروجه عن السنة. رأى الحسن البصري رجلًا يأكل في المقبرة فقال لأصحابه: هذا رجل منافق، الموت بين عينيه، وهو يشتهي الطعام (١). وفي يومنا هذا قد جعلوا زيارة القبور ملعبة ومنزهة ضد المقصود، وشؤم (٢) ذلك عليهم يعود؛ لاختلاط الرجال بالنساء، ولرقصهم وضربهم بالطَّار والعود، ولنسيانهم للموت، ولقلة تفكرهم لأهوال القيامة واليوم الموعود، فمن أطلق زوجته أو كريمته أو جاريته في هذه الأوقات فهو شريكهم في السيئات؛ لقلة غيرته، ولخروجه عن طريق السادات (٣). والمعاصي في القبور لا يفعلها إلا كل عبدٍ معتدٍ مغرور، قد نسي الموت والقيامة والنشور؛ لأن المقبرة تذكر الآخرة، ولا يُمكِّن أيضًا الرجلُ

стр. 425

ولدَه من الخروج للفرج وحده، إن كان له حسن ظاهر كي لا (١) يعبث به الرجل الفاجر، وهذه النصيحة لمن كان له غيرة (٢)، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان ﷺ إذا مرَّ بمقبرة بكى (٣)، وكذا السلف الصالح، وكان لا يعرف صاحب الجنازة من غيره لكثرة البكائين. ومن البدع: كتب القرآن أو شيئًا من أسماء الله تعالى على القبور، ونشر المصاحف عليها، وتزيينها بالياسمين والرياحين، وإطلاق العود والبخور، وأما إيقاد الشمع عليها بالنهار أو السرج بالليل، فهو إسراف بلا خلاف. وهذه النفقة معصية غير مخلوفة، ووقع (٤) الفاعلون لها في أمور مخيفة؛ لخروجهم عن الشريعة الشريفة، فإن أنفق الوصي من التركة ضمنه، فإن أوصى الميت بذلك لم تقبل وصيته؛ لأنها معصية، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٥). لأن الميت لا ينتفع بشيء من ذلك؛ فيضيع المال في غير مصلحة. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (٦)، وعن البذخ (٧) في الطعام (٨). فمثل من يَقِدُ السراج على القبر كمثل من يقِدُ (٩) السراج على سطح
следующие страницы →