← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال أيضًا: «أكثركم شبعًا في الدنيا، أكثركم جوعًا يوم القيامة» (١). فجوَّعْ نفسك أيها المؤمنُ! لوليمة الآخرة، وتشبَّه بعباد الله الصالحين، لكي لا تنسى الجائعين، واجلس على الطعام بأدبٍ، ولا تتجشأ منه؛ فإنك تودُّ بعد أكله لو خلَّصك الله منه، فمن أكل بغير مقدار، فقد تشبَّه بالثور والحمار، وخرج عن طريق الأولياء والأخيار، وخالف القرآن العظيم والأخبار، فترى بعض المترفين يتجشأ منه، فيثقل الطعام على معدته، فيسعى في حطِّ حمله بالمعاجين والسفوف (٢) وما هذه صفات من يخشى المولى الرؤوف، فإذا أكل الإنسان؛ يحمد الله تعالى، ويسأله أن لا يؤاخذه بجائعي أمة محمد ﷺ ، ويدعو الله سبحانه أن يهديه ويقويه، حتى يصرف رزق الله تعالى في طاعته، وفيما يرضيه، فيكون شاكرًا لإنعامه وأياديه، والفاجر من حمد الله تعالى عَقِيبَ أكله، ثم صرف الطعام في مخالفة الله سبحانه ومعاصيه. قال المولى الغفور: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقد بيَّنت الشاكر والفاجر، وذكرت في هذا الباب شيئًا من البدع ومما عليه يثاب، وأما آداب الأكل ومنافعه فلا يحتمله هذا الكتاب. وقد جمع الطب كلَّه في ثلاث كلمات: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوِّدوا كلَّ جسدٍ بما اعتاد (٣).

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

فصل: فيما يبتدعه العباد في المآتم والأعياد والمواسم والجُمع والأيام من أكل وشرب وعقر شيء من الأنعام عند قبور موتاهم وهذه البدعة توافق الجاهلية، وتخالف الإسلام؛ صحَّ في الأخبار أن الجاهلية كانوا يعقرون الإبل عند قبر ميتهم (١)، ويقولون: تكون مطعمًا للميت بعد مماته؛ فإنه كان يطعمها للأضياف قبل مماته، ومنهم من كان يذهب في ذلك أنه إذا عُقرت راحلته عند قبره، حشر يوم القيامة راكبًا، ومن لم يُعقر عنه حُشِر راجلًا، وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: «لا عقر في الإسلام» (٢).

стр. 424

والعقر للإبل، والذبح لغيره، وإن عكس جاز مع الكراهية لخروجه عن السنة. رأى الحسن البصري رجلًا يأكل في المقبرة فقال لأصحابه: هذا رجل منافق، الموت بين عينيه، وهو يشتهي الطعام (١). وفي يومنا هذا قد جعلوا زيارة القبور ملعبة ومنزهة ضد المقصود، وشؤم (٢) ذلك عليهم يعود؛ لاختلاط الرجال بالنساء، ولرقصهم وضربهم بالطَّار والعود، ولنسيانهم للموت، ولقلة تفكرهم لأهوال القيامة واليوم الموعود، فمن أطلق زوجته أو كريمته أو جاريته في هذه الأوقات فهو شريكهم في السيئات؛ لقلة غيرته، ولخروجه عن طريق السادات (٣). والمعاصي في القبور لا يفعلها إلا كل عبدٍ معتدٍ مغرور، قد نسي الموت والقيامة والنشور؛ لأن المقبرة تذكر الآخرة، ولا يُمكِّن أيضًا الرجلُ

стр. 425

ولدَه من الخروج للفرج وحده، إن كان له حسن ظاهر كي لا (١) يعبث به الرجل الفاجر، وهذه النصيحة لمن كان له غيرة (٢)، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان ﷺ إذا مرَّ بمقبرة بكى (٣)، وكذا السلف الصالح، وكان لا يعرف صاحب الجنازة من غيره لكثرة البكائين. ومن البدع: كتب القرآن أو شيئًا من أسماء الله تعالى على القبور، ونشر المصاحف عليها، وتزيينها بالياسمين والرياحين، وإطلاق العود والبخور، وأما إيقاد الشمع عليها بالنهار أو السرج بالليل، فهو إسراف بلا خلاف. وهذه النفقة معصية غير مخلوفة، ووقع (٤) الفاعلون لها في أمور مخيفة؛ لخروجهم عن الشريعة الشريفة، فإن أنفق الوصي من التركة ضمنه، فإن أوصى الميت بذلك لم تقبل وصيته؛ لأنها معصية، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٥). لأن الميت لا ينتفع بشيء من ذلك؛ فيضيع المال في غير مصلحة. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (٦)، وعن البذخ (٧) في الطعام (٨). فمثل من يَقِدُ السراج على القبر كمثل من يقِدُ (٩) السراج على سطح

стр. 426

بيته؛ لأن النور لا ينزل إلى البيت، كذلك لا يدخل إلى القبر ولا ينتفع الميت بشيء من المشموم؛ إلا بالصدقة للسائل والمسكين والمحروم، أو بدعاء ولد، أو ما قدمه هو لنفسه من الأعمال الصالحة لينجو بها من عذاب جهنم ومن الأحزان والهموم، أو أن يقرأ له شيء من كلام الحي القيوم. وكذلك لا ينتفع الميت بظلِّ خيمةٍ ولا قُبَّةٍ، وإنما يُظِلُّ الميتَ عملُه. ومن البدع أن يُعمل على القبر مسجدٌ؛ لقوله ﷺ : «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). ونهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة (٢)، وقال: «اللهم لا تجعل

стр. 427

قبري وثنًا يُعبد» (١). واختلف العلماء في الصلاة في المقبرة، فتكره عند جماعةٍ، وتحرم عند آخرين (٢)، فإن عمل أحد على القبر بناءً؛ هو من المسرفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال ﷺ : «شر المال ما ذهب في الماء والطين» (٣)، ولأن الميت لا ينتفع بالبناء، فإن وصى الميت بشيء مما تقدم ذكره فيعذب، وإلا فالإثم على من يفعلها وحده، وإن كان برضاهما يأثمان جميعًا. ومن أوصى بنياحة عليه يصل شؤمها ووبالها إليه، وإلا فالإثم على النائحة، وعلى من كان السبب، وعلى المستمعين، قال ﷺ : «النائحة ومن حولها من المستمعين، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٤).

стр. 428

وفي «صحيح مسلم»: «إن النائحةَ تُكسى يوم القيامة سربالًا من قَطَران ودرعًا من جرب» (١). والنوح هو من دعوى الجاهلية، وقد تبرأ من فاعله خير البرية، فقال ﷺ : «ليس منَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢). وفي حديث آخر: «ليس منَّا من حلق ومن صلق» (٣). ومن البدع ما يفعل بين يدي الميت من قراءة وذكر، وحمل خبز وخرفان، الكل لا يرضي الواحد الديَّان. وكذلك ما يفعل خلفها من تغيير الزي: كسواد الوجه، ولطم الخد، وقطع الثياب (٤)، وكشف الرأس، والمشي حفاة، وحل الضفائر، كل ذلك بدعٌ لا ترضي السيد الغافر؛ لأنهم تشبهوا بقوم قد سخطوا بقضاء الله تعالى، وترك التسليم لأمره. وفي الحديث: «إنَّ من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (٥).

стр. 429

وقد تجرؤوا على الحق سبحانه) (١) بأقوالهم وأفعالهم: كسَبِّ الموت، ولعن الساعة واليوم، وكسر الأواني، ورشِّ التِّبن، وما يشبه ذلك من أنواع الخزي. وأما المؤمن الصالح فقد رضي عن الله في كل شيء، والله تعالى راضٍ عنه، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقال ﷺ : «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (٢). لمَّا مات علي بن الفضيل تبسَّم أبوه فقيل له: ما رأيناك ضاحكًا قط، فكيف الآن؟! قال: إن الله سبحانه أحب شيئًا فأحببته (٣). متى يلحق البطَّال بهؤلاء الأبطال؟ لا في الشدة صابرًا، ولا في النعمة شاكرًا، ولا في الطاعة مخلصًا حاضرًا، ولا في المعصية تائبًا نادمًا معتذرًا؛ كالعبد المدبر أينما يوجهه سيده لا يأت بخير، فيجب على المسلم الرضى بالقضاء. قال ابن عباس ﵁: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ: إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وشكر لنعمائي، وصبر على بلائي؛ كتبته في اللوح المحفوظ صديقًا، وبعثته يوم القيامة مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ويشكر لنعمائي، ويصبر على بلائي، فليخرج من بين أرضي وسمائي، وليتخذ إلهًا سواي (٤). فمن فاته درجة الرضى عن الله تعالى فعليه بالصبر، قال ربُّ الأرباب:

стр. 430

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وفي الحديث: «إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (١). وقال ﷺ : «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، ورزقه خلفًا صالحًا يرضاه» (٢). والاسترجاع قول العبد عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال المولى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. ثم اعلم بأن الجزع والنوح حرام، والبكاء مباح، والجزع ليس هو أن لا يجد الإنسان مرارة وحزنًا، بل الجزع إظهار ما لا ينبغي إظهاره من قول وفعل. قيل لبعض الحكماء وقد دخل عليه الهمُّ والحزن: أَخرج هذا الهمَّ من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل! (٣) وصحَّ أن النبي ﷺ بكى عند موت ولده إبراهيم ﵁؛ وقال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب تعالى» (٤).

стр. 431

فمتى فقد الإنسان الصبر وابتدع في أقواله وأفعاله، كما تقدم ذكره، فتتشعب المصيبة ببقاء مصائب موت النساء أو الرجال، وذهاب المال وقلة الأجر. ومن السنة المشي خلف الجنازة للرجال دون النساء (١)؛ لأن خروجهن فتنة، وهُنَّ وأصواتهنَّ عورة (٢)، وصحَّ أن النبي ﷺ لعن زُوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (٣)، وفي حديث آخر قال لزوَّارات

стр. 432

القبور: «ارجعن مأزورات لا مأجورات؛ تفتنَّ الأحياء، وتؤذين الأموات» (١). فإن قيل: قد جاء في الحديث: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (٢)؟! قال العلماء: هذا الخطاب للرجال (٣). ولأنَّ النبي ﷺ لم يأمر النساء بالخروج لصلاة الجماعة، وهي من أفضل الأعمال، فكيف يأمرهن بالخروج إلى المقابر؟ وقال الشيخ الإمام صاحبُ كتاب «الأحكام»: «تستحبُّ زيارة القبور للرجال دون النساء» (٤).

стр. 433

ومن البدع ما يفعله أهل القرى من تشييع ميتهم إلى قبره بالنياحة والطار، فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين، ويلعنهم الواحد القهار. ومن السُّنة إسراع الميت إلى قبره في الليل والنهار، ليكون العبد الضعيف نزيلًا لسيده اللطيف. قال ﷺ : «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوءً (١)؛ فشرًّا تضعونه عن رقابكم» (٢).

стр. 434

ومن السنة أن لا يجلس أحد حتى تحط الجنازة إكرامًا لها (١)، وكان في ابتداء الإسلام يقام لها، ثم نسخ فصار آخر الأمر أن لا يقوم لها إلا من يريد أن يشهدها أو يصلي عليها، أو يحضر دفنها (٢). ثم اعلم أن تشييع الجنازة من فروض الكفاية (٣)، إذا قام به البعض سقط عن الباقين فصار مستحبًّا، فإن تبع الجنازة لا ينقلب (٤) المستحب هنا واجبًا، وكذلك يستحب صلاة التطوع، وصيام التطوع، ما لم يشرع فيهما، فإذا شرع انقلب واجبًا يجب عليه القضاء إذا أفسده؛ لأن الإنسان إذا دخل في عمل صالح لا يبطله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة. ومذهب الشافعي بعكس ذلك: لا يجب القضاء بل يستحب (٥).

стр. 435

قال ﷺ : «من صلى على جنازةٍ فله قيراط من الأجر، فإن شهد دفنها فله قيراطان أصغرهما كأُحُد» (١). فإن أراد الإنسان الرجوع من المصلى لضرورة رجع بإذن صاحب الجنازة، وهذه المسائل الشريفة على قاعدة مذهب الإمام أبي حنيفة، ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب (الآجال، وبعَّد الآمال) (٢). قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ إذا أراد أن يهريق الماء، تيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلِّي لا أدركه» (٣).

стр. 436

قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لَنَا ندعو الله تعالى ولا نرى الإجابة؟! قال: لأنكم عرفتم الله تعالى فلم تطيعوه، وعرفتم النبي ﷺ فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بأحكامه، وأكلتم نِعَمَ الله تعالى ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم عداوة (١) الشيطان ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس (٢). وليس للإنسان أنفع من الصبر لمصالح الدنيا والآخرة، وما فُجع المؤمن وخرج عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة إلا لفقد صبر ساعة. ولما توفي رسول الله ﷺ سمعوا قائلًا يقول: إنَّ في الله تعالى لعزاءً من كلِّ مصيبةٍ، وخَلَفًا مِنْ كلِّ هالكٍ، ودَركًا من كل فائتٍ؛ فبالله ثِقُوا، وإياه فارجوا فإنَّ المصاب مَنْ حُرِم الثَّواب (٣).

стр. 437

ومن السُّنة أنَ يُقال عند رُؤية الجنازة: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا (١). ويُكْثِر خلف الجنازة مِنْ ذكر الله تعالى والدعاء لها، ولا يرفع صوته، ويترك الضحك وكلام الدنيا خلفها. ويُستحب أن يُكبِّر ويقول: أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء (٢). جاء في السِّير: أن بعض الخلفاء بنى قبةً في وسط لجة ماء، وأحكمها (٣) المهندسون، فصار الماء يصعد إلى رأس القبة ويتفجر من أعلاها، فلمَّا فرغت دخلها فأخذته (٤) سنة من النوم، فسمع قائلًا يقول: أتبني بناء الخالدين وإنما … مقامك فيها لو عقلت قليل لقد كان في ظل الأراك كفايةً … لمن كل يوم يعتريه رحيل فمات الخليفة بعد جمعة (٥).

стр. 438

ويوضع الميت نحو القبلة، ويقول الواضع: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم هذا عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، وخلَّف الدنيا خلف ظهره، اللهم اجعل ما قدم عليه خيرًا مما خلَّفه وراء ظهره، وألحقه بنبيك ﷺ . وهذا مستحبٌ (١). ويستحب أيضًا لمن يحثو عليه التراب أنْ يدعو له بالمغفرة والرِّضوان ويقرأ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، ويتلو: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. ويستحبُ عند رؤية المقابر أن يقرأ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ثم يقول: أشهد أن الله يحيى ويميت، أعوذ بالله من شر ما بعد الموت. قال وهب: مَنْ قالهن كُتب له بعدد كل ميت في الأرض حسنة (٢). ومن السُّنة أن لا يذكر الميت إلا بخير (٣)، ويخلع الزَّائر نعله بين

стр. 439

المقابر إكرامًا للموتى (١). وفي الخبر أنه يثاب المسلم لإكرام الموتى، ويغفر لمن شهد جنازته (٢)، ومَن صلَّى عليه أربعون رجلًا شفَّعهم الله فيه (٣)، ومَن صلَّى عليه مئةُ رجل غفر الله له (٤)؛ صحَّ ذلك كله في الحديث. ومن البدع: بوس القبر والتمسح به، وسواء كان القبرُ لنبيٍّ أو لوليٍّ، ولا يسجدُ لقبرٍ (٥).

стр. 440

والصبحة ليست بسنة، فمن لم يقل بأنها سنةٌ وفعلها جبرًا للمؤمنين؛ يُجبر إن شاء الله رب العالمين (١).

стр. 441

قال مالك بن دينار (١): أتيت القبور وقلت فيها بيتين، وهي: أتيت القبور فناديتها … أين المعظم والمحتقر وأين المذل بسلطانه … وأين العزيز إذا ما افتخر قال: فنوديت من بينهم أسمع صوتًا ولا أرى شخصًا يقول: تفانوا جميعًا ولا مخبر … وماتوا جميعًا وهذا الخبر فصاروا إلى ملكٍ قاهرٍ … عزيزٍ مطاعٍ إذا ما أمر تروح وتغدو بنات الثرى … فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناسٍ مضوا … أما لك فيما مضى (٢) معتبر وهذه الأشياء هي من كرامات الأولياء؛ لأن الله تعالى إذا أحب عبدًا كان له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، كما جاء في الحديث الصحيح (٣).

стр. 442

والتعزية سُنَّة ولا حجر في لفظها. عزَّى الشافعي (١) رجلًا فكتب إليه: إني معزيك (٢) لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سنة الدين فلا المعزي بباقٍ بعد ميته … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين ولما مات ابن الشافعي (٣) رحمهما الله أنشد: وما للدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيب روي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبانات، أترحَّم (٤) على أهل القبور (٥) وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتًا لا يتكلمون، وجيرانًا لا يتزاورون (٦)، وقد صار لهم من بطن الأرض وِطَاءً، ومن ظهرها غطاء، وأنادي: يا أهل القبور، محيت من الدنيا آثاركم، وما محيت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم. قال: ثم يبكي بكاءً شديدًا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر، فينام في ظلها، قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر فإذا أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه، والسلسلة في عنقه: وقد ازرقت عيناه واسود وجهه، وهو يقول: يا ويلي، ماذا حلَّ بي؟ لو رآني أهل الدنيا، ما ركبوا معاصي الله أبدًا، طولبت والله باللذات فأوثقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافعٍ أو مخبرٍ أهلي بأمري؟ قال الحارث: فاستيقظت مرعوبًا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما

стр. 443

رأيت، فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي وأنا متفكر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعوني أعود إلى الموضع لعلي أجد به أحدًا من زوار القبور، فأعلمه بالذي رأيت. قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أرَ أحدًا فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حلَّ بي؟ ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليَّ رب الأرباب. فالويل لي إن لم يرحمني ربي. قال الحارث: فاستيقظت وقد تولَّه عقلي مما رأيت وسمعت، فمشيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر لعلي أجد أحدًا من زوار القبور فأعلمه بما رأيت، ثم نمت فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول: ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليَّ العذاب، وتقطعت عني الحيل والأسباب، وغضب علي ربُّ الأرباب، وغلَّق في وجهي كل باب؛ فالويل لي إن لم يرحمني العزيز الوهاب. قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبًا وهممت بالانصراف، وإذا بثلاث جوارٍ قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر، وقالت: السلام عليك يا أبتاه، كيف هدوؤك في مضجعك، وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك. ثم بكت بكاءً شديدًا. ثم تقدمت الابنتان فسلمتا على القبر وقالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه، ونقمته؛ يا أبتاه جرت بعدك أمور لو عاينتها لأهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترتها. قال الحارث: فلما سمعت كلامهن بكيت، ثم قمت مسرعًا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيها الجوار إنما الأعمال ربَّما قُبلت وربَّما رُدَّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكما المخلد في هذا القبر الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني. قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن عن وجوههن، وقلن: أيها

стр. 444

العبد الصالح، وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام أختلف إلى هذا القبر أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه. قال: فلما سمعن ذلك مني. قلن لي: بشارة ما أضرَّها، ومصيبة ما أحزنها. ونحن نقضي الأوطار، ونعمِّر الدِّيار، وأبونا يُحرق بالنَّار؛ فوالله لا قرَّ (١) بنا قرار، ولا ضمنا للذة العيش دار، بل (٢) نتضرع للجبار لعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار. ثم مضين يتعثرن في أذيالهن. قال الحارث: فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، فجلست عنده، فغلبني النَّوم، فإذا أنا بصاحب القبر له حُسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حورٌ وغلمان. قال الحارث: فسلَّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ فقال: أنا الرجل الذي عاينت من أمره ما أحزنك، واطلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرًا؛ فما أيمن طلعتك عليَّ. فقلت له: وكيف حالك؟ فقال: لما اطَّلعت عليَّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي؛ أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن (٣)، وتضرعن لمولاهن، ومرغن خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبنني من العزيز الوهاب؛ فغفر لي الذنوب والأوزار، وأنقذني من النار، وأسكنني دار القرار بجوار محمد النبي المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري وما كان من قصتي ليزول عنهن روعهن، ويفارقن حزنهن. قال الحارث: فاستيقظت فرحًا مسرورًا لمَا رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر (٤) فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن، فقد رأيت أباكن في خير

стр. 445

عظيم وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى قد أجاب دعاءكن ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن؛ فاشكرنه على ما أولاكن. قال: فقالت الصغرى: يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ أمل المطلوب، قد علمت ما كان من مسألتي، ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقامتي من زلتي، وتنصُّلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي، والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم غربتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت فيما (١) أمرتني، وركنت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك؟ وعلى أي نعمك أشكرك؟ ضاق بكثرتها تضرعي (٢)، فيا أكرم الأكرمين، ويا غاية الطالبين، ويا مالك يوم الدين، الذي يعلم ما يخفى (٣) في الضمير، وتدبَّر من الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك إنك (٤) على كل شيء قدير. ثم صرخت صرحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها. قال: ثم قامت الثانية، فنادت بأعلى صوتها: يا رب، يا رب، فرِّج كربتي، وخلِّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلَّني من حيرتي، وأعانني في شدتي؛ إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بأختي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها. قال: ثم قامت (٥) الثالثة، ونادت بأعلى صوتها: اللَّهم أيها الجبار

стр. 446

الأعظم، والملك الأكرم المكرم، والعالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم، والملك القديم، والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم من أحرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم، ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، وباسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء، وعلى الجبال (١) فدكدكت، وعلى الرياح فهبت (٢)، وعلى السماوات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللَّهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بصويحباتي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، تغمدها الله برحمته وإيانا ووالدينا برحمته وجميع المسلمين (٣). نختم هذا الباب بمسائل (٤) من السنة والكتاب: يجوز للمؤمن أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً كان، أو صيامًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةً، أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه (٥)، وأحمد بن حنبل (٦) ومن تابعهم من المسلمين. رُوي في «البخاري ومسلم»: أنَّ النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين:

стр. 447

أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته؛ أي جعل ثوابه لأمته (١). وذكر عبد الحق صاحب «الأحكام» في «العاقبة» قال: روي عن النبي ﷺ قال: «الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه (٢) من ابنه أو أخيه، أو صديق له؛ فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها» (٣). روى الدارقطني عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: «من مرَّ على المقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أُعطي من الأجر بعدد الأموات» (٤). وروى الحافظ من «شرح السنة» عن أبي هريرة ﵁ قال: يموت الرجل ويدع ولدًا، ترفع له درجة، فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقول:

стр. 448

استغفار ولدك لك (١). وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] يفهم من هذا أن استغفارهم مفيد للمؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية [الحشر: ١٠] دلَّ أن هذا الدعاء ينفعهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فقد اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: أحدها: أنها منسوخة. قاله ابن عباس، منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. أدخل الأبناءُ الجنةَ بصلاح الآباء. وقال بعض العلماء: المراد بالإنسان هاهنا الكافر، أما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. قاله الربيع. وقال الحسن بن الفضيل (٢): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

стр. 449

[النجم: ٣٩] عن طريق العدل، وأما من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا تفضلًا من عند الله، وطريق العدل أن ليس للإنسان إلا ما سعى؛ إلا أن الله سبحانه يتفضل على عبده بما لا يستحقه: كتب له بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مئة ضعف، إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة ألفي ألف حسنة» (١)، وهذا من فضل الله تعالى، وقد تفضل الحق سبحانه على الأطفال والمجانين بإدخالهما الجنة بغير عمل. والقول الآخر: ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة سعيه في تحصيل ولد أو صديق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببًا حصل له بسعيه. حكى هذين القولين أبو الفرج ابن الجوزي (٢).

стр. 450

قوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» (١)، لا يدل انقطاع عمله أنه ينقطع عمل غيره عنه، ولهذا أجمع العلماء على وصول (٢) الحج والصدقة إليه، وقضاء الدين عنه، قال ﷺ : «الآن بردت جلدته» (٣). ثم إن حقيقة الثواب لا فرق بين أن يكون ثواب حجٍّ، أو صدقة، أو وقف، أو صلاة، أو استغفار، أو قراءة القرآن (٤)، أو قضاء دين، فقدرة الله تعالى صالحة للرجل من غير فرق لمن أنصف، وتطابق الأحاديث التي رويت تدل دلالة ظاهرة على ذلك، والذي جاء في «الصحيحين» أن النبي ﷺ مرَّ بقبرين وشقَّ عسيبًا رطبًا، وجعل على هذا نصفًا، ووضع على القبر الآخر نصفًا، وقال: «إنَّه يهوِّن عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء» (٥). قال العلماء: إن الأشياء ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها تسبح الله تعالى حتى تجف رطوبتها وتزول خضرتها.

стр. 451

ويستفاد من الحديث عند القبر غرس الأشجار وقراءة القرآن، فإذا خفف عنهم بالأشجار فما بالك (١) بقراءة المؤمن القرآنَ، أيخفف عن المؤمن إذا وضع على قبره الجريدُ، ولا يخفف (بقراءة كلام) (٢) المولى المجيد؟! (٣).

стр. 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 455

وأجمع العلماء أنَّ المسلم يؤجر على الأمراض والأعراض حتى الشوكة يشاكها، يرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، وهذا ليس من سعيه، وقد حصل له الأجر. قال بعضهم: مات أخ لي، فرأيته في المنام، فسألته عن حاله، فقال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار، فلولا أن داعٍ دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. وحكي: أن رجلًا مرَّ بمقبرة فصلى على النبي ﷺ ، وكان في المقبرة جماعة في العذاب، فرُفِعَ عنهم.

стр. 456

فصل فيما يبتدع في القراءة والخطب عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] من هم؟» قالت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم أصحاب الأهواء والبدع ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني برآء» (١). وقال علي كرم الله وجهه: أرجو التوبة للفاسق، ولا أرجوها للمبتدع؛ لأن الفاسق مضرته قاصرة على نفسه، والمبتدع مضرته على دين الله تعالى (٢).

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 459

وأهل الأهواء هم قومٌ استعملوا أهواءهم، فمالت بهم عن الحق كلما استحلوا شيئًا اتخذوه دينًا: كالروافض، والقدرية، والجهمية وأشباههم، ساروا شيعًا وأحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]. وأهل البدع هم قومٌ تركوا طرق أنبيائهم، واتبعوا طرق أشياخهم، وجدوهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون. ثم اعلم بأن في الخطب ما يبتدع فعله، وفيه ما يسن، وعليه يثاب، وفيه شيء افترضه الكريم الوهاب، وهي خطبة الجمعة، والسنة هي خطبة العيدين، وفي الاستسقاء والخسوف والكسوف خلاف. وفي الحج ثلاث خطب: إحداهن قبل التروية بمكة بعد الظهر؛ خطبة واحدة لا يجلس فيها. وخطبة يوم عرفة بعد الزوال، قبل الصلاة يخطب خطبتين يجلس بينهما جلسة خفيفة كخطبة الجمعة إذا فرغ المؤذنون خطب؛ لأنها مقدمة على صلاة الظهر، كما يصلي بعد خطبة يوم الجمعة، والخطبتان الأخريان لا يجلس فيهما؛ لأنهما للتعليم، ليس عقبهما صلاة، فصارتا كخطبة العيدين، وكسائر الخطب التي تخطب للحوادث. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 460

والخطبة الثالثة بعد يوم النحر بيوم بمنى: يعلمهم كيف النفر، وطواف الصدر، ولا يحتاج الناس يوم النحر إلى خطبة يعلمهم بما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة (١)، ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة. وخطبة النكاح سنة باتفاق العلماء، وقال بعضهم بوجوبها، ولا معتبر بقوله (٢). والذي يبتدع فيه هو نصب المنابر والكراسي عند الختم في رمضان؛ كرهه جماعة من العلماء خوفًا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة، ولو كانت سنة يثاب عليها لحرض النبي ﷺ عليها كما بيَّن قيام رمضان وتلاوة القرآن فيه. وكثير من الناس يظنون أن الخطبة مشروعة فيه؛ لما فشت بينهم، ولم يفعلها النبي ﷺ ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا حرض على فعلها أحد من العلماء. فإن قال قائل: إن هذا ذِكْر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه، ودعاء، واجتماع المسلمين على طاعة رب العالمين، وإظهار شعائر المؤمنين، فيستحب، كقيام شهر رمضان. فالجواب: أن الذكر والثناء على الله تعالى يستحب إذا لم يخالف السنة، ألا ترى أن قراءة القرآن عبادة عظيمة؟ وفي مواضع كثيرة لا يؤجر عليها كمن يقرأ في ركوعه وسجوده وتشهده. ولا يؤجر المسلم بقراءة القرآن في الطريق والأسواق والمزابل والحمامات، كما يفعله بعض المترفين أو أحد من صعاليك المسلمين، فيقرؤون خلف الجنائز، وفي الأسواق، وفي الأزقة، وباب الدار؛ لينالوا
следующие страницы →