← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أن تكون من اللاحقين، وإلا فكن في آخر الركب، أو اتبع الأثر، ولا تكن من المنقطعين فتخالف الآية والخبر، فإن منَّ عليك بالوصلة كان، وإلا فمُتْ في الطلب فتحشر مع الطالبين، وفي زمرة المشتاقين، فتكون داخلًا في قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. فإن لم تصلح لشيء من ذلك فاقعد على الباب، فإن طردوك فاقعد قبالته. سمع ثلاثةٌ قائلًا يقول: يا زَعتَر، بَرِّي. فتواجدوا على ذلك، فأما أحدهم فكان من الواصلين، والآخر متوسط وقد طالت عليه الطريق، والآخر مبتدئ فأسمعَ الله تعالى كل واحد شيئًا ترويحًا لقلبه: فأما الواصل فسمع: ما أوسعَ بِرِّي. وسمع المتوسط: السَّعَةَ ترَى بِرِّي. وسمع المبتدئ: اسْعَ ترَى بِرِّي. فكان ذلك ترويحًا لقلوبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (١). كان بعض الصالحين يقول: والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي

стр. 737

من لقيته عواصف الشوق أسرعت به إلى منازل الحبيب، ومن عرف الحق سبحانه شاهده في كل شيء، ومن فنى به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا، إنما حجب الحق سبحانه عنك شدة قربه منك، فاحتجب لشدة ظهوره، واحتجب عن الأبصار لعظيم نوره. كان بعض الصالحين ينشد: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون سار فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار فإذا أردت أيها المؤمن! أن تعرف قدرك عند الله سبحانه، فانظر (ماذا يقيمك فيه) (١)، فإن رزقك الطاعة والغنى به عنها؛ فقد أسبغ نعمه عليكَ، وليس العارفُ من إذا أشار وجد الحقَّ أقرب من إشارته؛ بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده، وانطوائه في شهوده (٢). والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار، والرجاء ما قاربه عمل، وإلا فهو أمنية، ويخاف على من يقول: إني لأرجو الله سبحانه وأخافه، وأظن به خيرًا. وهو لا يجتهد في الأعمال الصالحات (٣)، (ونفسه غادية في جهلها ورائحة) (٤)، فيقال له: كذبت، لو كنت صادقًا فيما ادعيت، لجرَّك ذلك إلى أعمال الصالحين: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]. ومثل هذا كمثل من يدعي المحبة؛ وهو على الدوام يخالف ربه، وقد

стр. 738

استولى عليه الشح فلا تراه يسمح (١) بحبه، قال أبو الليث رحمة الله عليه (٢): تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محال في الفعال بديع لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع فمن عمل بالكتاب والسنة، فهو محب صادق خائف، قد أحسن بالله ظنه، واستوجب محبة الله والجنة. ومن لم يعمل بالكتاب والسنة خُذِل، ونُكِب، وفاته ما تقدم ذكره من الخيرات والمنة؛ لأن الكتاب والسنة من مفاتيح الجنة، فمن عمل بهما وهو خائف حزين فالجنة مقامه، وهو عند الله من الآمنين، قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين: «إن الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» (٣). فقد أخبر الله سبحانه عن أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. وقال الحي القيوم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧]. سمعتْ عائشة ﵂ قارئًا يقرأ هذه الآية فبكتْ، وقالتْ: ربِّ مُنَّ عليَّ وقني عذاب السَّموم (٤). ثم اعلم أنَّ الخالقَ سبحانه ما خوَّف عباده الصالحين إلا ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم الوقوف بين يديه. كان مالك بن دينار إذا صلى ورده في الليل يقول: اللَّهم خلقت

стр. 739

دارين، وخلقت لكل دارٍ أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرم شيبة مالك على النار (١). قال الفضيل: بكى ابني عليٌّ، فقلت: يا علي، ما يبكيك؟ قال: يا أبتي، أخاف أن لا تجمعنا القيامة (٢). وقال العلماء: لما اجتمع يعقوب بيوسف عليهما الصلاة والسلام، قال يوسف: يا أبت، بلغني أنك بكيت على فراقي حتى عميت، أما علمت أن الله تعالى يجمعنا يوم القيامة! قال يعقوب: يا بني خفت أن تموت على غير ملة آبائك فلا أجتمع بك في الدنيا ولا في الآخرة. فحينئذٍ قال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (٣). ثم اعلم بأن الخوف على قدر إيمان العبد، ومعرفته بالله ؛ ولذلك كان النبي ﷺ أعرف الناس بالله تعالى، وأكثرهم خوفًا منه، فقد روي أنه ما ضحك قهقهةً قط، بل كان ضحكه تبسمًا (٤)، وكان إذا بكى يبل الأرض من دموعه (٥).

стр. 740

قال عبد الله بن عمر: من بكى من خشية الله غفر الله له، ومن تباكى ولم يبك أعطاه الله أجر المصاب الحزين (١). وقال ﷺ : «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢)، أمرهم بالتشبُّه؛ لأن من تشبَّه بقوم فهو منهم، وفي الحديث: «من تشبه بغيرنا فليس منَّا» (٣). ليس كل أحدٍ يقدر على البكاء؛ لقساوة قلبه، ولكن يقدر على التشبه، قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال ﷺ : «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، حرمت النار على عين غضت عن محارم الله» (٤). ورُوي: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص يصلِّي وهو يبكي، وقد شبَّ القمر، إذ مرَّ به العلاء بن طارق، فوقف يسمع، فقال: ما يوقفك يا ابن أخي؟ أتعجب منِّي أن أبكي؟ فو الله إن هذا القمر يبكي من خشية الله، أما والله لو تعلمون علم اليقين، لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، وسجد حتى ينقطع صلبه (٥). قال كعب: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله ملكًا فيمسح كبده، فإذا مسح كبده بكى (٦). وقال الفضيل بن عياض: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله

стр. 741

يده على قلبه، وما بكت عيناه إلا من فضل رحمة الله (١). قال جارٌ لمسعر بن كدام (٢): بكى مسعر فبكت أمُّه، فقال: ما يبكيك يا أماه؟ قالت: يا بني، رأيتك تبكي فبكيت. قال: يا أماه، لمثل ما نهجم عليه غدًا فليَطُل البكاء. قالت: وما ذاك؟ فانتحب وقال: القيامة وما فيها. ثم غلب عليه البكاء فبكى، فكان إذا دخل بكى، وإذا خرج بكى، وإن صلى بكى (٣). قال مصعب بن المقداد: رأيت النبي ﷺ في المنام، وسفيان الثوري آخذٌ بيده، وهما يطوفان، فقال الثوري: يا رسول الله، مات مسعر بن كدام؟ قال: نعم، واستبشرت به أهل السماء (٤). ولما احتضر سفيان الثوري صار يجود بنفسه ويبكي فقيل له: ما يبكيك؟ عليك بالرجاء. قال له: كأني أبكي على الذنوب، والله لو علمت أني أموت على الإسلام ما باليت ما ألقاه من الذنوب (٥). قال عبد الرحمن بن مهدي: توضأ سفيان ليلة موته ستين مرة، فلما كان وجه السحر قال لي: يا ابن مهدي، ضع خدي على الأرض؛ فإني ميت يا ابن مهدي، ما أشدُّ كُرَب الموت. قال: خرجت لأُعْلِمَ حماد بن زيد وأصحابه، وإذا هم قد استقبلوني وقالوا: آجرك الله. فقلت: ومن

стр. 742

أعلمكم؟ فقالوا: ما منا من أحدٍ إلا أُتي البارحة في منامه وقيل له: ألا إن سفيان الثوري قد مات (١). عن محمد بن يوسف قال: تأملت سفيان ليلة بكى حتى أصبح، فقلت له: أبكاؤك على الذنوب؟ قال: لا، بل خوفًا أن أسلب الإيمان (٢). قال كعب الأحبار: من بكى خوفًا من الله من ذنب غفر الله له ذلك الذنب، ومن بكى اشتياقًا إلى الله تعالى أباحه النظر إليه متى شاء (٣). قال بعض المحبين: سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهن لغير هجرك ضائع وقال قائلهم: إذا غاب عن عيني يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني (٤) نصيبها وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها يا من يريد الوصول إلينا، أين بكاؤك علينا، أتريد أن تقبل بقلبك علينا، وما هو (٥) مشتاق إلينا، أتريد نزول الأنوار بغير أذكار، هل رأيت مطرًا بغير سحاب، ولو شاء لفعل ذلك رب الأرباب، لكن هكذا اقتضت حكمته، أن جعل لكل شيء سببًا، قال بعضهم: تقول رجال الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامع

стр. 743

وكيف ترى ليلى بعين ترى بها … سواها وما طهرتها بالمدامع (وتطمع منها بالحديث وقد جرى حديث سواها في خروق المسامع) (١) ثم اعلم بأن عمَّال الله تعالى على قسمين: منهم من وصل، ومنهم من هو في الطريق؛ فالواصل يبكي (خوفًا أن يصدر منه شيء) (٢) يكون بسببه من المنقطعين، والمنقطع يبكي رجاء (٣) أن يكون من جملة الواصلين. وفي الجملة: إن البكاء من خشية الله هو من طرق الأنبياء، ومن صفات الأولياء، ومن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة، والضحك مع التخليط هو طريق الأشقياء، قال بعضهم: ليس من لوح بالوصل له … كالذي سير به حتى وصل لا ولا الواصل عندي كالذي … قرع الباب وفي الدار حصل لا ولا الحاصل عندي كالذي … سارروه فهو للمسير (٤) محل لا ولا من سارروه كالذي … صار إياهم فدع عنك العلل أخذوه منه عنه فامتحى … واثبتوه فإذا هو لم يزل عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إن الله ﵎ قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى (أحبه، فإذا) (٥) أحببته كنت (٦) سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن (قبض نفس عبدي

стр. 744

المؤمن) (١)، يكره الموت وأنا أكره مساءته». رواه البخاري في صحيحه (٢). وفي «صحيح مسلم»: قال صلوات الله عليه وسلامه: «يقول الله : ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر» (٣). وفي حديث آخر: «كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا» (٤). (هذا أيضًا حديث نبوي صحيح) (٥). فانظر رحمك الله! ماذا قد منَّ الله به على عبده المؤمن المطيع حتى صار لهذه المرتبة أهلًا، ومما يدلك على عظيم قدر المؤمن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله سبحانه فيما يحكيه عنه رسوله ﷺ : «لا تسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (٦). وكان بعض الصالحين ينشد: إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى سُرُج (٧) ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس (٨) بالحجج قال بعض العارفين (٩): إن لله عبادًا كلما اشتدت ظلمة الوقت؛

стр. 745

كلما (١) قويت أنوار قلوبهم، فهم كمثل الكواكب كلما قوي ظلمة الليل قوي إشراقها، وأين أنوار الكواكب من أنوار قلوب أوليائه (٢)؟! أنوار الكواكب تتكدر، وأنوار قلوب الأولياء لا انكدار لها، وأنوار الكواكب تهدي في الدنيا، وأنوار قلوب الأولياء تهدي إلى الله تعالى (٣). قال رسول الله ﷺ : «يا عليُّ، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس». وفي حديث آخر: «خير لك من الدنيا وما فيها». وفي حديث آخر: «خير لك من حمر النعم» (٤). قال صوفي يومًا بحضرة فقيه: إن لله عبادًا هم في أوقات المحن، والمحن لا تضرهم. فقال ذلك الفقيه: هذا ما لا أفهمه. فقال الصوفي: أنا أريك مثال ذلك: الملائكة الموكلون بالنار (٥) هم في النار، والنار لا تضرهم قال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكأن من آمن بالله تعالى بصدْقٍ: جاء لعند إبراهيم (٦) ﷺ ، ولم (٧) تضرَّه النار، ومن كان كاذبًا احترق (٨). ورُوي (٩) عن المسافرين أنهم رأوا طيرًا له ريش أبيض من الثلج، وأنعم من الحرير، وهو يبيض في النار، ويخرج الفرخ فيها، والنار تقد دائمًا في بعض الجزائر بقدرة الله تعالى (بغير شيء يهيجها) (١٠)، فهذه بهيمة حرسها الله تعالى من المحن وهي في المحن، (فالحق سبحانه حفظ بهيمة؛

стр. 746

أفما يحفظ وليه؟!) (١). وفي الحديث النبوي: «يا معاذ، احفظ الله يحفظك» (٢). والأولياء ﵈ حفظوا الله تعالى فيما استودعه إياهم وفرضه عليهم؛ فحفظهم، أي حفظ قلوبهم من البدع والأغيار، ومن الركون إلى هذه الدار، وفي الآخرة من عذاب النار، وأما البدن فقد يبتلى وقد لا يبتلى، وقد فوض القوم أمرهم إلى الله تعالى؛ إن أعطاهم شكروا، وإن ابتلاهم صبروا. قال رسول الله ﷺ : «من عُوفي فشَكَر، وابتلي فصبَرَ، فقد استكمل الإيمان» (٣). ولقد ابتليت هذه الطائفة بأذى الخلق لهم خصوصًا أهل العلم الظاهر، فقلَّ أن تجد منهم من شرح الله صدره بالتصديق لوليٍّ معيَّنٍ؛ بل يقولون: نَعَمْ الأولياءُ هم موجودون، ولكن أين هم؟ (٤).

стр. 747

ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا. قال (١) له: فأنت مشتاق إليهم؟ قال: لا. (قال فقلت) (٢) له: فأنت لا صالح ولا مشتاق، فكيف تراهم؟ ثم قلت له: قال شيخنا رحمة الله عليه: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائسَ المجرمون (٣). قال بعض العلماء: نخاف على من أنكر وجود الأولياء من سوء الخاتمة (٤).

стр. 748

قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! أنا أقول لك مسألة في الفقه: ألست (١) تؤمن أن الله يشق الحائط للشيطان، ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟ قال: نعم. قلت: أفتؤمن بهذا (٢) في عدو من أعداء الله، وتستنكره (٣) في حبيبٍ من أحبابه، وتقول بكرامات الأولياء بلسانك، فإذا سمعتها أذنك أنكرها قلبك (٤). وسئل بعض العارفين عن أولياء العدد (٥) أينقصون في زمن؟ قال: لو

стр. 749

نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها (١). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. فلولا الصالحون لهلك الطالحون، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمْدَادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله سبحانه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، فإذا كان أهل الزمن معرضين عن الله تعالى، لا تنفعهم الموعظة، ولا توقظهم (٢) التذكرة، ولم يكونوا أهلًا لظهور أولياء الله فيهم. وكذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. وقد قال ﷺ : «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (٣)، فإذا كان الحق سبحانه وصّانا على لسان رسوله ﷺ أن لا نؤتي الحكمة غير أهلها، فهو أولى بهذا الخلق الجميل منا. قال صلوات الله عليه وسلامه: «إذا رأيت هوىً مطاعًا، وشحًّا متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك» (٤).

стр. 750

فسمعوا وصية رسول الله ﷺ فآثروا الخفاء، بل آثر الله لهم ذلك؛ مع أنه لا بد أن يكون منهم في الوقت أئمة ظاهرون (قائمون بالحجة) (١)؛ لقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم إلى قيام الساعة» (٢). وروى سهل بن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالًا ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٣ - ٤]» (٣). وفي حديث آخر: «في كل قرنٍ طائفة من أمتي سابقون» (٤). نرجع إلى ما كنا عليه من عظيم قدر المؤمن عند الله سبحانه: قال بعض العلماء: لو كشف لك عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما بالك بنور المؤمن الطائع (٥).

стр. 751

وإشارة الشيخ بنور العاصي والله أعلم هو نور لا إله إلا الله. (عن محمد بن علي الترمذي (١) قال: يأتي العبد يوم القيامة فلا يجد لا إله إلا الله) (٢) في ميزانه فيقول: لِمَ لا أجدها في ميزاني؟ فيقال له: إن الميزان لا يسعُها، ولا تسعها السماواتُ ولا الأرض (٣). بدليل قوله ﷺ : «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض». لأنه قال: «والحمد لله تملأ الميزان» (٤). فإذا امتلأ بالحمد لله لم يسع ما بعدها. وهي المخمِّدة لنار جهنم؛ لقوله ﷺ : «أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله» (٥). وهي

стр. 752

أيضًا توجب لقائلها الجنة، قال ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). يا من يدَّخر الفصوصَ، ومعه الكنز الأعظمُ، ولم يعرف قدْرَه، وهي: «لا إله إلا الله» التي تجدها أمامك في الشدائد عند سؤال منكرٍ ونكيرٍ، وعند اللقاء، وعند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط. فإذا طالبتك نفسك بما يبعدك من الله سبحانه فأكثر من قول: «لا إله إلا الله»، فمن قالها في موطنها ألبسه الله تعالى لباسًا يقيه من معصيته؛ لأنك قد استجرت بالله، ومن استجار بالله أجاره الله، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. وقد جاء في الخبر: أن المهدي يأتي إلى القسطنطينية العظمى ولا شك فيه فيقول: لا إله إلا الله. فينشقُّ سورها، فيدخلها ويأخذها (٢). فلا كانت الذنوب ولا ساعاتها، فماذا فيك أيها المؤمن! من الأسرار والودائع وأنت غافل؟ فلو أراد الحق استخراج ما فيك من الأنوار والأسرار لانكسف لها نور الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ولو استخرج ما فيك من

стр. 753

الكمائن (١) لاندرج في ذلك ظلمة الليل، فجعلك صندوقًا لا يعرف ما فيك، ولا فائدة في ملء الصندوق وهو مغلوق. قال بعض المريدين لشيخه: أجد بابًا يفتح في قلبي أسمع حسه، كما يسمع (باب قلعة عظيم) (٢) إذا فتح، ويدخل عليَّ منه ملَكٌ ويقول لي كذا وكذا (٣). وتصديق ذلك قوله ﷺ : «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعل له واعظًا من قلبه» (٤). فلو فتح باب قلبك لرأيت العجائب والمدائن والحصون، قال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وكُشف لبعض الأولياء فرأى شيطانًا دخل على الفقراء فخرج من صدر فقيرٍ منهم سهم من نور فأحرق الشيطان، وقد قال ﷺ : «ما سلك عمر فجًّا إلا أخذ الشيطان فجًّا آخر» (٥). وللسُّهْرَوَرْدِيِّ ﵀ (٦):

стр. 754

دواؤك فيك وما (١) تشعر … وداؤك منك وتستكثر وتزعم أنك جزء لطيف … وفيك انطوى العالم الأكبر ولا (٢) حاجة لك في خارج … وفهمك منك هو المظهر وأنت الكتاب المبين الذي … بآياته ينطق المضمر (٣) ولعبد القادر الكيلاني رحمة الله عليه (٤): انظر إلى سر أسراري تجدني فيك … واستغن عن كل شيء إنني أكفيك ترى عجائب جميع الكون أجمع فيك … أنت الحجاب فلولا أنت لم يخفيك قال المؤلف: مراد الشيخ والله أعلم في قوله: «أنت الحجاب» أي:

стр. 755

لو أخلصت عملك ومحوت نفسك لأثبتك رب الأرباب، ولأذهب عنك هذا الحجاب. وقد جاء في الحديث: «من أخلَصَ لله أربعين صباحًا تفجَّرت ينابيعُ الحكمة من قلبه فأجراها الله على لسانه» (١)، فسمع هذا الحديث بعض الناس فقال في نفسه: أنا أعبدُ الله أربعين صباحًا وأخلص في عبادتي لكي أصير حكيمًا. فأخلص في العبادة ولم يعط هذه السعادة، فقال في نفسه: يكون هذا الحديث غير صحيح. فرأى النبي ﷺ في منامه وقال له: الحديث صحيح وأنا قلته. انظر إلى لفظ الحديث: من أخلص لله، وأنت ما أخلصت لله، بل أخلصت لتكون (٢) حكيمًا (٣). قال المؤلف: لو جعل التقصير من نفسه بأنها هي الكاذبة فلو صلحت لذلك لفتح عليها وصار حكيمًا، فإن الله لا يحب أحدًا يثبت لنفسه علمًا ولا عملًا، فخير الناس من جاء إلى الله سبحانه بالذل

стр. 756

والإفلاس. وفي الخبر أنه كان في زمن بني إسرائيل من عبد الله تعالى وأخلص في عبادته أربعين سنة ظللته الغمامة (١)، فعبد رجل منهم أربعين سنة فلم (تظلله الغمامة) (٢)، فرجع يلوم نفسه بقوله: لو علم الله فيك خيرًا لظللتك الغمامة. فخرج في حاجته فظللته الغمامة، وأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لهذا العابد: توبيخه لنفسه هذه الساعة خير من عبادة أربعين سنة (٣). قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: كنت أنا وصاحب لي آوينا إلى مغارةٍ نطلب الوصول إلى الله تعالى، فكنا نقول: غدًا يفتح لنا، بعد غدٍ يفتح لنا، فدخل علينا رجلٌ له هيبة فقلنا له: من أنت؟ قال: فقال: عبد الملك. فعلمنا أنه من أولياء الله تعالى، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال: (كيف حالك؟ كيف حالك؟) (٤)، كيف حال من يقول: غدًا يفتح لي؟ بعد غدٍ يفتح لي؟ فلا وَلاية ولا فلاح يا نفس، لِمَ لا تعبدين الله لله؟ قال: فتفطَّنا من أين دخل علينا، فتبنا واستغفرنا الله تعالى ففتح لنا. وقال أيضًا: سمعت الحديث المروي عن رسول الله ﷺ : «من سكن خوفُ الفقر قلبَه قلَّ ما يُرفع له عمل» (٥)، فمكثت سنةً أظن أنه لا يرفع عملي أقول: ومَن يسلم من هذا؟ فرأيت الرسول ﷺ في المنام وهو يقول: يا مبارك، أهلكت نفسك، فرقٌ بين سكن وخطر. نرجع إلى ما كنا عليه من أحوال الصالحين، وما أعد الله سبحانه في الآخرة للبكائين: قال صلوات الله عليه وسلامه: «سبعةٌ يظلهم الله في ظله … » وذكر من جملتهم: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٦). وعن عقبة بن عامر الجهني قال: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال:

стр. 757

«أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيتك» (١). وعن عبد ربه القيسي وكان قرابةً لرياحٍ القيسيِّ، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي، وأدخل عليه بيته وهو يبكي، ورأيته في الجنازة وهو يبكي، فقلت له يومًا: أنت دهرك في مأتم؟ قال: فبكى ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا (٢). قال حمزة الأعمى: ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد، ابني هذا أحببت أن يلزمك لعل الله أن ينفعه بك. قال: فكنت أختلف إليه فقال لي يومًا: يا بُني، أَدِمِ الحُزْنَ على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات (٣) الخلوةَ لعل مولاك يطلع عليك؛ فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين. قال: فكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي، وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه. قال: فقلت له يومًا: يا أبا سعيد، إنك لتكثر من البكاء. قال: فبكى ثم قال: يا بني، ما يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني، إن البكاء داعٍ إلى الرحمة، فإن استطعت أن لا

стр. 758

تكون عمرك إلا باكيًا فافعل؛ لعله يراك على حالتك فيرحمك بها فإذا أنت قد نجوتَ من النار (١). وعن الربيع بن صبيح قال: ما دخلت على الحسن إلا وجدته مستلقيًا يبكي (٢). وعن عبد الواحد بن زيد: لو رأيت الحسن إذا أقبل لبكيت لرؤيته من قبل أن يتكلم، ومن ذا الذي كان يقدر يملك نفسه عن البكاء عند رؤيته؟ ثم بكى عبد الواحد بكاءً شديدًا (٣). وعن أبي مودود قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز قرأ ذات يوم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١]. فبكى بكاءً شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك ودخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبت ما يبكيك؟ قال: خيرًا يا بني، ودَّ أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار (٤). وعن فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثتني أختي وكانت أكبر من محمد قالت: كان لمحمد بن عبد الوهاب صديق من بني تميم، فربما زاره بكرة فيأخذان في البكاء حتى ينادى لصلاة الظهر. قالت: ربما قلت لمحمد: يزورك أخوك فتبكيان (فلا يسمع أحد منكما حديث الآخر) (٥). فيقول: ويحك اسكتي، ليست الدنيا دار سرور ولا متعة تدوم، إنما خيرها لمن اتخذها بلغةً إلى الآخرة، والله لولا البكاء فإنه راحة للقلوب لظننت أن

стр. 759

قلبي سينشق في دار الدنيا من طول غمي من كثرة التفريط. قالت: فأبكاني والله (١). وعن أبي زياد قال: اعتمَّ يحيى بن أبي مسلم البَكَّاء بعمامة وأدارها على حلقه وجعل لها طرفين، فكان يبكي وينتحب حتى يبل هذا الطرف، ثم يبكي وينتحب حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي حتى يبل العمامة بأسرها، ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه (٢). وعن سفيان قال: كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة طول دهره، فعاتبه رجل على ذلك، فبكى ثم قال: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبني على التقصير والتفريط؛ فإنهما قد استوليا عليَّ. فانصرف الرجل وتركه (٣). وعن ابن ذكوان قال: كان يزيد الرقاشي إن دخل بيته بكى، وإن شهد جنازةً بكى، وإن جلس إليه (٤) إخوانه بكى وأبكاهم. فقال ابنه يومًا: يا أبت، إلى كم تبكي؟ والله لو كانت النار خلقت لك وحدك ما زدت على هذا البكاء. فقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن؟ أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١]، أما تقرأ يا بني: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥]. قال: فجعل يبكي ويقرأ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]. قال: فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أم الفتى: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال:

стр. 760

إني والله إنما أردت أن أهوِّن عليه، لم أرد أن يقتل نفسه (١). فانظر رحمك الله تعالى! ماذا أسكن الله تعالى في قلوب هؤلاء القوم (٢) من عظمته ومخافته، ونحن نرجو أن نكون معهم في الجنة مع معصية الله تعالى ومخالفته، ومع محبة هذا القلب للدنيا وقساوته. يقال إن إبراهيم بن الحارث ما رآه أحدٌ قط رافعًا بصره إلى السماء، ولا رآه أحدٌ يخوض في أمور الدنيا (٣). هؤلاء القوم صاروا من أبناء الآخرة، ما بقي لهم غرضٌ في الدنيا. أما سمعت أن أبا حنيفة ﵀ كيف ضُرب وحُبس وأهين؟ (٤) فجاءت أمه إليه وهو في الحبس والترسيم (٥) فقالت: يا بني، ما كنا نريد هذا العلم. قال: يا أماه، عرضوا عليَّ الدنيا فأبيت. فلما (كسر كلام الخليفة في قوله للإمام: خذ القضاء. فأبى؛ فعزت نفسه وغضب، وسقاه سمًّا؛ فمات منه) (٦)، ومن عادة الملوك إن أحبوك استخدموك، وإن كرهوك قتلوك، (وجعل الخليفة قبل موته في حلٍّ، وذهب إلى الله سبحانه وهو طاهر من تخاليط الدنيا) (٧)، ومذهبه ﵁: من لا يأخذ ولا

стр. 761

يعطي خيرٌ ممن أخذ وأعطى. وسئل بعض العلماء في رجل يجتهد في جمع المال لأفعال البر، قال: تركه أبرُّ (١). قال ﷺ : «اللَّهم من أحبَّني فارزقه العفاف والكفاف» (٢). وقال: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ كفافًا» (٣). (قال المؤلف: فترى) (٤) أكثر المحبين فقراء، قد استجيبت فيهم دعوة (النبي ﷺ (٥). ولقد رأيت بعض المحبين سافر بتجارة إلى بلاد التتار، فسلَّط الله عليه بعض أمرائهم، فأخذ جميع ما معه وجعله أسيرًا، ثم خلَّصه الله تعالى منه، ودخل بيت المقدس (٦)، وعبَد الله تعالى حتى مات بها. وكان إذا فضل من إقامة صورته شيئًا آثَرَ (٧) به (خوفًا من فتنة المال، ومن تغير الحال) (٨). وكان للمؤلف أخٌ صادق في حب الله ورسوله، أخذ بعض التتار ماله، (وذلك كله في دولة الملك الظاهر ملك مصر والشام، فلما أخذ ماله) (٩)

стр. 762

وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب. قال: فخفت، فصرت أقول (في نفسي) (١): غدًا أهرب، أو بعد غدٍ أهربُ. وإذا برجلٍ دخل عليَّ وسلم وجلس، وقال لي: إن أباك كان يحسن إليَّ، وأنا أريد أعمل معك خيرًا، لا تقل: غدًا أهرب ولا بعد غد. أي وقت هربت أخذوك، فاصبر إلى حيث آتيك. وذهب، ثم جاء بعد أيام وقال لي: إن هربت الساعة نجوت، فتح الله بالطريق. قال: فتركت الخيل في الدشار (٢) وهربت. فكنت أسير في الليل، وأختبئ (٣) بالنهار في المغاير وبين الشجر، (وهذه سنة الهارب عندهم. قال) (٤): وابتليت بالجوع؛ فذهب بصري، وقلَّ سمعي، وارتخت مفاصلي وركبي. قال: فتوجهت نحو القبلة، وتشاهدت (٥) وقلت (في نفسي) (٦): ما بقي بعد هذا إلا الموت. فنمت ورأيت في منامي كأن باب السماء قد فتح،

стр. 763

ونزل منه قصعة تطماج (١)، وهي تدور في الهواء وهي نازلة، وحطَّت بين يدي. قال: فجلست وأكلت حتى شبعت، ولم أر أطيب من ذلك الطعام، فانتبهت (ورأيت بطني ملآن من ذلك الطعام، وقويت ركبي، وانفتح عيني وسمعي) (٢)، فشكرت الله تعالى (الذي جعل المنام يقظةً) (٣)، ومشيت بقوة (٤) ذلك الطعام سبعة أيام إلى أن دخلت حلب، (وأنا كل يوم أتجشأ من قوة الشبع) (٥)، فدخلت مدرسة وفي المدرسة رجلٌ صالح وهو مدرسها، فاشتغلت عليه، فجاء الجابي له بمائتي درهم، فقال المدرس وكان غريبًا، قال: ما هذه الدراهم؟ قال (الصيرفي: هذه) (٦) جامكية المدرس. فقال المدرس: هذه البلاد رخية، وأنا ما لي غير زوجة، اعزل لنا عشرة دراهم ورد الباقي إلى الناظر يصرفه في مصالح المدرسة. فعادى الشيخ بعض الناس، وأعطي لبعض الإسماعيلية دراهم لكي يقتل الشيخ، فجاء بعض المحبين وقال للشيخ: إن بعض الناس يريد قتلك. فقال: يا بني، أنا ما أخاف من القتل، (وإنما أخاف) (٧) أن يقتلوا قاتلي، فيصير أولاده يتامى، أبصر لي بهيمة تحملني (٨) إلى دمشق. وكان للإسماعيلي بهيمةً فجاء بها إلى الشيخ، (وأعطاه الشيخ) (٩) أجرته (١٠) وقال له: لا تصحب (١١) معك شيئًا من الزاد، فإن معي كفايتك (١٢).

стр. 764

فجاءه بحمار، وحمل عليه خُرجه وحوائجه، وركَّب زوجته، ومشى هو والإسماعيلي، فجاؤوا لمكان خالٍ من الناس وبعيد من البلدان، فنوى الإسماعيلي قتل الشيخ، فقال: يا سيدي، ما ننزل هاهنا نأكل شيئًا وتشرب الدابة من هذا الماء؟ فطلبه الشيخ وقال: يا بني، ما هذا موضع القتل، هذا قفل كبير جَيْ (١)، ومع التاجر مماليك بقسي ونشاب يروا قتيلًا فيقتلوك. فبهت الإسماعيلي، فبعد ساعة (أقبل القفل) (٢) كما أخبر الشيخ، فبكى الإسماعيلي (وقال للشيخ: اعرض عليَّ الإسلام) (٣). فجدد إسلامه (وأتى بالشهادتين، وعلمه الشيخ) (٤) الوضوء والصلاة، وغيَّر الله ذلك الحال ببركات الرجال، فلما دخلوا دمشق قال له الشيخ: (امض إلى) (٥) أهلك. فقال: يا سيدي أكفرٌ بعد إيمان؟! (إذا رحت لهناك أفعل ما يفعلون، وقد عاهدت الله تعالى وقت أسلمت لا أفارقك إلى الموت) (٦)، وصار خادمًا للشيخ (إلى أن مات رحمه الله تعالى) (٧) (٨)، (فلما مات الشيخ خدم قبره حتى مات، فدفن الإسماعيلي بجانب الشيخ رحمة الله عليهما. وكان صاحب المؤلف يقرأ على هذا الشيخ، وانتفع عليه، وكان يقول خلاف الأربع أئمة، وحساب الفرائض على طرف لسانه، وإذا اشترى حوائج من السوق تعجم عليه حسابهم، وكان إذا تكلم بكلامٍ من كلام الدنيا لا يفهم الكثير من كلامه، وإذا تكلم في العلم يفهم كلامه كله، وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع

стр. 765

ذلك كله صابرًا شاكرًا ذاكرًا، وهذه علامة المحبين: صبروا على ما قضى عليهم المحبوب، فأثبتهم في مقام المحبة، وبلغهم المطلوب) (١). وقد جاء في الحديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحبك. (قال للرجل) (٢): «فاعتدَّ للفقر» (٣). وقال آخر: يا رسول الله، إنِّي أحبُّ الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء» (٤). (٥) (وكان قد ابتلى الله تعالى هذا الشيخ العالم ببلاءٍ آخر، وهو شيطانٌ من الجن رد على الشيخ في قراءته، فلعنه الشيخ وكذَّبه، فأخذ الشيخ في عين المعاداة، فكان الشيطان لعنه الله إذا دخل الليل يرجف قلوبهم ويرمي عليهم الأحجار، فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته، قال: يا بني، يرمي علينا كل يوم قفتين. قال له: فكان يكسر شيئًا من الأواني أو يصيبكم أنتم؟ قال: لا، ولكن مراده أن يرجفنا. ويرميهم بالأحجار في وسط الدار، وكان للشيخ سلم، وفيه مسمار كبير، فقومه (٦) وأخرجه ورما به في وجوههم، قال الشيخ: وكان عندي صندوق مقفول وفيه كتب، ففتح الصندوق ورمى كل ما فيه في وجوهنا، وكان يأخذ الغزل من بين يدي الزوجة ويغيب، ثم يرمي به على وجوهنا. قال المؤلف: فقلت له: أنا وفلان نجيء إلى بيت سيدي ونقرأ شيئًا

стр. 766

من كتاب الله تعالى. فجئنا وقرأنا البقرة بكمالها، ثم دعونا الله سبحانه؛ فصدَّ الحقُّ الشيطانَ ببركة القرآن، وبعد ذلك ما قرب الدار) (١). وجاء في الحديث: «لو كان المؤمن بذروة جبل لقيَّض الله له شيطانًا يؤذيه» (٢). فكيف من يكون بينهم؟! ثم اعلم بأن تسلط الخلق على الأولياء في مبدأ طرقهم سنة الله في أحبابه، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقوله : ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. والآيات في هذا المعنى كثير. وأما السنة فقوله ﷺ : «ما أُوذي نبيٌّ ما أوذيتُ، وقد جعل الله تعالى لكل نبيٍّ عدوًّا من المجرمين» (٣). فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشدُّ بلاءً من الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقومٌ لما ظلموا لم يلجؤوا إلى الله ﵎ في طلب الانتقام

стр. 767

ممن ظلمهم، ولكن فوَّضوا أمرهم إلى الله تعالى فكان هو المختار لهم، وقومٌ وهي الطبقة العليا وهم الذين إذا ظُلموا رحموا من ظلمهم، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وقال : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ومن ذلك ما اتفق لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أن جنديًّا سأله عن العمران، فدلَّه إبراهيم على المقابر، فظن الجندي أن إبراهيم يهزأ به، فضربه بالدبوس فشجه، فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصت الله. فقيل للجندي: هذا إبراهيم زاهد خراسان. فأقبل على رجليه يقبلها ويعتذر إليه، فقال له إبراهيم: والله ما رفعت يدك إليَّ لتضربني إلا وأنا أسأل الله لك المغفرة؛ لأني علمت أن الله يثيبني على ما فعلت بي، فاستحييت أن يكون حظي منك الخير، وحظك مني الشر (١). قال بعض الصالحين: آذاني إنسان مرة فضقت بذلك ذرعًا، فنمت، فرأيت قائلًا يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها، ثم لا تبالي بهم (٢). فقد علم الله ما يقال في الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين، فبدأ بنفسه فقضى على قوم بالإعراض عنهم، فنسبوا إليه الزوجة (٣) والولد، وأضافوا لنبيه ﷺ الكذب والسحر والجنون، وأظهروا له العداوة والحسد، وقالوا في أزواجه الطاهرات ما قالوا، فكذَّبهم الواحد

стр. 768

الأحد، فإن قيل في وليٍّ شيئًا من ذلك فضاق منه؛ يقال له: الذي قيل فيك هو وصفك، لولا (١) حلم الله وفضله عليك. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقد قال الخلق في الخالق ما لا يستحقه جلاله. ونرجع إلى مسألة من يجمع المال لأفعال البر: قال بعض العلماء: تركه أبرُّ. فالأول هو خير، والثاني هو أفضل وخير (٢). قال المؤلف: لأن الأول ممدوح بلسان الشرع هو ودنياه، وهو قريب من سيده ومولاه. قال ﷺ : «السخيُّ قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيد من الجنة، قريبٌ من النار» (٣). لأن الكرم هو صفة من صفات الله تعالى، من اتصف بها قربه الله إليه، وأسبغ نعمه عليه، والبخل ليس هو من صفات الأخيار، ولذلك بَعُدَ صاحبه من الله تعالى ومن الناس، وقَرُبَ من النار. واعلم أنه قد جاء في الحديث أن الصدقة تدفع عن صاحبها سبعين بابًا من السوء (٤). تنوِّر قبره في الدنيا، وتكون نورًا يسعى بين يديه يوم

стр. 769

القيامة. وتثقل الميزان، وتكون ظلًّا لصاحبها يوم الطامة (١). وتكفر الذنوب (٢)، وتطفئ غضب علَّام الغيوب (٣)، وهي أفضل الأعمال (٤)، وبها نجا العُمَّال. وكان الحبيب ﷺ إذا تكلم في فضائل الأعمال يقول: «والصدقة شيء عجيب» (٥).

стр. 770

قال المؤلف: ما صارت الصدقة من أفضل الأعمال إلا لكونها نفع متعدي (١)، وتدخل السرور على قلوب الفقراء والمساكين، وهي من أخلاق الصالحين. ومما يدلك على عظيم قدر الصدقة أن الله سبحانه أفرد بابًا في الجنة يدخل منه المتصدقون يعرف بباب الصدقة، وأهل الصلاة والصيام والذكر وغيره كثيرون، وأهل الصدقة قليلون (٢)؛ لأنه إذا عظم الشيء قلَّ فاعله، والصلاة والصوم والذكر نفعه على فاعله فقط، والصدقة نفعها على فاعلها وعلى غيره. والصدقة تأتي من الرحمة والشفقة، وقد جاء في الحديث: «الرحماء يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (٣). وأهل الخير يطلبون من الله تعالى لإخوانهم الآخرة، فكيف يبخلون عليهم بهذه الدنيا الداثرة. يحكى عن بعض الصالحين (- وقد ذهب عني اسمه -) (٤) أنه كان يعمل في صنعته كل يوم بدينار يتصدق به، ويُدَرْوِز (من بابين ثلاثة) (٥) كسيرات (يتعشى بهم وينام) (٦). واعلم أن الأولياء لم يحبوا البقاء في الدنيا لأجل التمتع، بل لأجل التزود، فتزودوا بالصدقة والإيثار، (والطاعة والأذكار) (٧)، والذلِّ والانكسار؛ شوقًا إلى الله ، وخوفًا من عذاب النار، ومن شرِّ يومٍ تتقلب فيه القلوب والأبصار، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، فتمتعوا بالخلود في الجنة، وبالنظر إلى الله العزيز الغفار.

стр. 771

فمن عرف قدر هذه العطايا والامتنان؛ اجتهد في الطاعة والإحسان، وفارق الذنوب والعصيان، لكن ليس كل قلب يصلح لمعرفته، ولا كل بدن يليق لخدمته. يا من ترمد عينه ثلاثة أيام، فيسعى في علاجها، وترمد بصيرته أربعين سنة، فما (١) يعالجها، وما سبب ذلك إلا أنه ذاق لذة الدنيا، فيسرع في معالجة بصره، لكي لا يفوته النظر إلى مستحسناتها ومحرماتها، ولو ذاق طعم المعرفة ولذاتها وحلاوة النفوذ إلى الله تعالى لأسرع في معالجة بصيرته. والقلوب على ثلاثة أقسام: قلب به رمد، ونسأل الله رب الأرض والسماء أن يسلمه من العمى؛ لأنه يخاف على من تمرَّد على الله تعالى بكثرة العصيان من ذهاب الإيمان، لما جاء في الحديث: «إنَّ المعاصي بريدُ الكفر» (٢). وقلب قد قضى عليه سيد الحكماء بالقطيعة والعمى وهو قلب الكافر، وآخر قد منَّ عليه المولى الكريم، وجاء إلى الله بقلبٍ سليم هداه للإيمان، وسلمه من الكفر والفسوق والعصيان، قال في حقه المولى الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. فمن أحب الفوائد هجم على الشدائد، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن علم بقرب رحيله سعى في تحصيل الزاد؛ حياءً من الله تعالى، وخوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة يوم المعاد، ومثل الإيمان مع المؤمن العاصي كشمس مكسوفة منع نورها الكسوف، أو كسراج قد غُطِّي بصحفة، فإذا منَّ الله عليه بالعطاء زال هذا الغطاء، فلو عرف الإنسان قدر الإيمان لفارق العصيان، يا من إذا اطلع على خيانة وكيله عزله، وقد اطلعت على خيانة نفسك، فاجتهد في عزلها، وضيِّق عليها المسالك، إن أردت حسن الخاتمة والنجاة من الشدائد والمهالك.

стр. 772

(مراد المؤلف من هذا الكلام: أي لا ترضى عن من سخط الله عليه) (١). قال العلماء: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود عاد نفسك وودني (٢). ورأى بعض الصالحين الحق سبحانه في منامه، فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال: دع نفسك وتعال (٣). فمثل من كان له نفس مخالفة خائنة وهو يشهيها في المأكل والملبس، كمثل رجل له زوجة وقد اطلع على ما تفعل من الخيانة والفجور، وهو يكرمها على ممر السنين والشهور، فحينئذٍ لا يكرمه الحق سبحانه ولا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لأن الملك يغضب على عبده إذا أكرم عدوه. عدوك أيها المؤمن! معك، وجميع الأعداء يعملون على أذيتك، أو على ذهاب دنياك، والنفس تريد أن تقطعك عن سيدك ومولاك، فهي أولى بالمعاداة، فمن جعل له عدوًّا غير نفسه فهو أحمق، قال المولى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وبنوا آدم مع النفس على أربعة أقسام: القسم الأول: من استولت عليه فهي تلسعه في ليله ونهاره، وهذا حال المطرودين عن باب الله تعالى؛ لأن الحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، والنفس هي دهليز الشيطان. القسم الثاني: أرباب المجاهدة، يكرون عليها وتكر عليهم، فتارةً يغلبونها، وتارةً تغلبهم. القسم الثالث: قومٌ تمكنوا منها، فأمسكوا برأسها كما يمسك على

стр. 773

خناق الحية، وهذا حال أهل المراقبة، ولكن يخافون أن يغفلوا عنها فتهلكهم. الرابع: قومٌ مُنَّ عليهم فقتلوها، فلم يبق لها حركة، فلما مات عدوهم طاب عيشهم، قال المولى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وأي حياة أطيب ممن قد مات عدوه، فمن قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيَى الله قلبه بالطاعة والمشاهدة. والنفس لا تفارقك أبدًا، والشيطان يفارقك في رمضان؛ لأنه يُغلُّ في شهر رمضان، وقد رأينا من يسرق ويزني ويقتل في رمضان، فهذه المصائب من النفس؛ لأن الشيطان مغلول، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠]. فمن تغرَّب عن الأوطان وساح في الأرض إلى بلاد الحجاز والسند والهند واليمن وديار مصر والمغرب والشام والروم وعراق العجم ونفسه معه ما رحل؛ لأن المضر معه، والراحل (١) من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة ما أبركها؛ توصلك إلى الحبيب، ورحلة النفس هي هجران أخلاقها المشئومة وعاداتها المذمومة. واختلف أهل الطريق فيمن يخطر له الذنب، ويجاهد نفسه ولم يفعله؛ وآخر لم يخطر له الذنب أيهما أتم؟ قالوا: الأول أتم؛ لأنه جاهد نفسه فهو أكثر أجرًا، والآخر أكثر نورًا. سئل أبو سليمان الداراني عن الفقير (المتجرد المتوكل، والفقير) (٢) المتسبب أيهما أفضل؟ قال: المتوكل أكثر (٣) نورًا، والمتسبب أكثر أجرًا (٤). ففيهم الفاضل، وفيهم الأفضل، ونعم الله تعالى متفاوتة المراتب.

стр. 774

والنفس موجودة، لكن منعنا من الشهود عدم وقوفنا على الحدود، وكثرة اشتغالنا بهذا الوجود؛ لأن العروس لا تجلى على فاجر، والأمر لا يخفى على قادر. فمن تحققت ذلَّته وهب له الحق نصرته: فينصر القلب على النفس، والعقل على الهوى، والملك على الشيطان، والشرع على الطبع؛ لأن الدولة صارت للقلب، فانصلحت مدينة البدن: إذ تولاها ملك عادل، والناس على دين الملك. وإذا أراد الله تعالى بعبدٍ خيرًا أصلح قلبه، وجعل الدولة له؛ قال رسول الله ﷺ : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (١). اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا. مثل الجوارح كالغنم، والطاعة والمعصية كالمراعي، والقلب كالراعي؛ فإذا أطلقها في الطاعة فقد جنبها المرعى الرديء؛ (فيكون ذلك سبب نجاتها، ومن أطلقها في المعصية فقد سيَّبها في المرعى الرديء) (٢)، فما أسرع هلاكها إلا من رحم الله، ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]. فمثل الجوارح كالجوارح التي يصطاد بها، فمن أطلق جارحة نفسه على معصية كان كمن أطلق كلبه على خنزير، أو كمن أطلق بازه على جيفة منتنة، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كلكم راعٍ وكلكم (٣) مسؤُول عن رعيته» (٤).

стр. 775

لا تكن الدابة أفقه منك أيها الإنسان، يرجعها إلى مالكها الإحسان، وأنت لا تعرف ما فعل الله معك من الجود والامتنان، فترى الطير مع بهيميته يمسك الصيد، وينتظر مجيء صاحبه، ويرضى لنفسه بالضيق والقيد، فلو فهم قول من قال له: ما الذي أرجعك (إلى القيد) (١)؟ لكان يقول: أرجعني إحسان سيدي. ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، فلما تعلم هذا الإحسان أكل ما جرحه من الحيوان، وإن مات قبل أن يدركه الإنسان (٢). فمن الناس من رجع إلى الله تعالى شوقًا إلى دار القرار، ومنهم من يرجع إلى الله تعالى خوفًا من عذاب النار، ومنهم من أرجعه الإحسان؛ لأنه رأى نفسه لا تترك المخالفة والعصيان، والحق سبحانه لا يقطع عنه الخير والامتنان؛ فاستحيا من الكريم الوهاب، وفي التنزيل: إن من جاء ما غاب، وصار من جملة الأحباب. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. سمع بعض الصالحين قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، فاستعادها من القارئ وقال: كم أقول لها: ارجعي. فلا ترجع! وصرخ صرخةً، وخرَّ ميتًا. متى وردت إلى العبد الموارد الإلهية هانت عليه الشدائد، وهدمت ما كان عليه من العوائد؛ لأن الوارد يأتي من حضرة قهار، فما وجد من الأكدار أدمغه وأخرجه من الدار، قال الله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. واعلم أن ورود الإِمْداد على حسب الاستعداد، وإذا أراد الحق أن يخرج عبده من القطيعة والحيرة عرَّفه كيف يخرج، نسأل الله العظيم أن
следующие страницы →