← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كشف لبعض الصالحين فرأى الدنيا في صورة جيفة، ورأى إبليس في صورة كلب، وهو جاثم عليها، ومنادٍ ينادي من فوق: أنت كلبٌ من كلابي، وهذه جيفة من خلقي، وقد جعلتها نصيبك مني، فمن نازعك شيئًا منها فقد سلَّطتك عليه (١). ويفهم من قوله: من نازَعك شيئًا منها: أي من الدنيا. وأما الحاجة فليست من الدنيا؛ لما جاء في الإسرائيليات أن موسى ﷺ عرضت له حاجة، فقصد صديقًا له، فلم يقرضه شيئًا، فرجع مهمومًا، فأوحى الله إليه: كنت تطلب حاجتك مني؟ قال موسى: يا رب علمت مقتك للدنيا، فاستحييت منك أن أطلب شيئًا منها؛ فتمقتني، فأوحى الله إليه: يا موسى، الحاجة ليست من الدنيا (٢). قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، فمن أحب هذه السبعة فقد أحب الدنيا كلها، ومن أحب شيئًا منها فقد أحب بعضها، ومتى كانت الحاجة داعية إلى شيء منها فليست من الدنيا. وكان عيسى ابن مريم ﷺ والسلف الصالح يسمون الدنيا: خنزيرة! (٣) ولو وجدوا لها اسمًا شرًّا من ذلك لسموها به. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لتأتينكم من بعدي دنيا تأكل أديانكم كما تأكل النار الحطب» (٤) وفي حديث آخر: «إن لكلِّ أمةٍ فتنةً، وفتنةُ أمتي المال». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (٥)، وفي خبر آخر: «إنما

стр. 702

أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم». رواه البزَّار (١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «هلك الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة» (٢)، وهذا الحديث فيه دليل أن الدنيا إذا زادت نقصت الآخرة، وإن كان الإنسان كريمًا على الله تعالى؛ (لذلك تركها الأولياء قبل أن تتركهم) (٣)، ولا خير في دنيا تنقص الآخرة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقص الآخرة، والأكدار في طرف العصا؛ لأنها إذا دخلت أشغلت وإذا ولَّت أحزنت. ويُخاف على المسلم أيضًا من الطغيان ومن طول الحساب؛ وأن لا يبلغه الله تعالى درجة الأحباب. قال محمد بن واسع: رأيت كأني أستبق أنا وفلان إلى الجنة؛ فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (٤). وقال المؤلف: نخاف عليه من الطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]، فإن سلَّمه الله تعالى من الطغيان ومن التوبيخ والملامة، فاعلم أن العطب فيها أكثر من السلامة. قال لقمان لابنه: يا بني، الدنيا بحرٌ عميق، غرق فيه أناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيه تقوى الله تعالى لعلك تنجو (٥)، ولا أراك ناجيًا (٦).

стр. 703

فابك على نفسك أيها المغترُّ! بالدنيا، والسابق للبكاء أنا، واتَّعظ بمن هدم الموت منه أركان ما بنى؛ فأصبح في لحده مسكينًا ذليلًا؛ بعد العزِّ والجاه والغنى، واسمع ما قال بعض الفضلاء: إن لله عبادًا فُطنا … طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكَّروا فيها فلما علموا … أنها ليست لحيٍّ سكنا جعلوها لجَّةً واتخذوا … صالح الأعمال فيها سُفنا قال العلماء (١): إن ثعلبة كان فقيرًا، (وكان يصلي الصلوات) (٢) خلف النبي ﷺ فطلب (٣) الدعاء من النبي ﷺ أن يوسِّع الله سبحانه عليه الدنيا، وعاهد الله سبحانه أن يكون في غناه صالحًا متصدقًا، فلما دخلت عليه الدنيا تمكَّن حبها من قلبه؛ فترك ما عاهد الله سبحانه عليه، وطغى في أفعاله وأقواله؛ أما الأفعال: فقلَّت صلواته خلف النبي ﷺ ، ومنع الزكاة ونسي العهد. وأما في أقواله: لما سمع آية الزكاة قال: والله إنْ هي إلا أختُ الجالية (٤). فمات ثعلبة منافقًا، بعد ما كان موافقًا، وذلك في خلافة عمر ﵁. قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (٥).

стр. 704

وكذلك دخلت الدنيا على بلعام، وكان راسخًا في العلوم فأطغته الدنيا؛ فمات وهو كافر محروم (١). قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ

стр. 705

الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. أي مال إلى الدنيا، (فلما مال إليها) (١) واتبع هواه؛ جعل الله النار مثواه. كانت همته سفلية، ولذلك طلب الأدنى وترك الأعلى، قال المولى الجليل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. قيل لعلي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: هل السفلة مذكور في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، مذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩] (٢). وكان ﵁ يقول: الدنيا جيفة، من أراد شيئًا منها فليصبر على مزاحمة الكلاب (٣). قال ﷺ لبعض أصحابه: «قليل تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه» (٤). وقال: «من رضي عن الله بقليل من الرزق؛ ﵁ بقليل من العمل» (٥). وفي حديث آخر: «طوبى لمن كان عيشه كفافًا وقنع» (٦). روى البخاريُّ: أنَّ رجلًا مرَّ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده

стр. 706

جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع. قال: فسكت النبي ﷺ ، ثم مرَّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : «هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا» (١). وقال ﷺ : «إن الله يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي؛ أملأ صدرك غنًى وأسدُّ فقرك، وإلا تفعل ملأت يدك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك» (٢)، رواه الترمذي. وفي حديث آخر: «يقول الله للدنيا: يا دنيا اخدمي من خدمني، وأتعبي يا دنيا من خدمك» (٣). فمن شغل بالله تعالى، وفارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من قلبه، كان الله في شغله وآتاه الزوائد من ربه، ووكَّل به حارسًا يحرسه من عنده وجمعه في سيره، وأخذ الله تعالى بيده في جميع أموره، والزوائد زوائد العلم واليقين، يقول الله : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٤). ومن عرف الله تعالى لم يشتغل بشيء سواه. سمع سفيانُ الثوريُّ رجلًا ينشد:

стр. 707

أتوب إلى الذي أُضحي وأُمسي … وقلبي يتقيه ويرتجيه تشاغل كل مخلوق بشغلٍ … وشغلي في محبته وفيه فبكى سفيان، وقال: نِعْمَ الشُّغلُ شغلك (١). فإذا طلبتَ أيها المؤمن! أن يوسِّع الله عليك الدنيا ويطيِّبَ عيشَك فيها، فزَوَّاها (٢) عنك، ووسَّعَ عليك عملَ الآخرة، (فطيَّب عيشَك فيها؛ فما صنَعَ معكَ إلا معروفًا حسنًا) (٣)، (وارض بتدبير الله وتقديره، وألطافه إذا زوَى عنك الدُّنيا؛ لأنَّها تُشغلك عنه) (٤)، وتنقص مرتبتك عنده (٥)، (وحقيقة الدنيا ليس بشيء) (٦)، (وعيش الدنيا ليس بطيب) (٧)؛ لأنها كالظل الزائل عن أيامٍ قلائل؛ ظاهرها حسن، وحقيقتها بلاء وحزن، إن أقبلت أشغلت، وإن أدبرت أحزنت، عمرها قصير، ومحبها حقير، وخطرها كبير. كُشِف لبعض الصالحين فرأى الدنيا مزينة فاستعاذ بالله منها، فقالت: إن أردت أن يعيذك الله مني فأبغض الدرهم والدينار (٨). وفي أخبار موسى ﷺ : إن لم تلق الفقير مثل ما تلقى به الغني، فاجعل كل علم علَّمتك تحت التراب، وإذا رأيت الفقر مقبلًا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين. وإذا رأيت الغنَى مقبلًا فقلْ: ذنبٌ عُجِّلت عقوبته (٩).

стр. 708

وبلغنا أن جماعةً من الصحابة تصدقوا بجميع أموالهم (١)، وبعضهم لم يدخل في أمر من أمور الدنيا، ومنهم من عزل نفسه، ومنهم من ولي وذهب ماشيًا، ولما عُزل عاد (٢) ماشيًا، وأبو ذر ﵃ لم يقبل هدية عثمان في خلافته مع فقره وفاقته، ولم يدخل في أمرٍ من الأمور (٣). وخطب على أن يكون أميرًا فأبى، وتوَكَّلُوا على الله وانجمعوا عليه، فعرَّفهم الطريق الموصلة إليه، ووقاهم شر هذه الدنيا (٤) الغرارة، فمن صدق في توكله أخذ الله تعالى بيده وأجاره، وبلغنا ذلك عن جماعة من التابعين ﵃ أجمعين.

стр. 709

هؤلاء السادة كان لهم قلوب نَيِّرة (١)، خافوا عليها من العمى فصبروا تلك المدة اليسيرة على الجوع والعُري والظمأ، فتعجلوا عيشًا هنيًّا طيبًا، واستبشرت لقدوم أرواحهم ملائكة السماء، أنشد بعضهم: استعمل الصبر تجني بعده العسلا … وقف على الباب ليلًا تبلغ الأملا وزاحم القوم في باب الكريم تجد … بابًا عن القاصد الملهوف ما قُفِلا فالصالحون كان لهم قلوب خافوا عليها، ومن أعمى الله قلبه على أي شيءٍ يخاف؟ قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فمتى عميت القلوب التي في الصدور؛ توقفت على أربابها جميع الأمور. نظر بعض الصالحين إلى محرم وهو في الطواف، فجاءته لطمة أعمت عينه الواحدة التي نظرت، وسمع قائلًا يقول: نظرة بلطمة، وإن زدت زدناك (٢). (فإن قال قائل: فكم لي أنا من نظرة فلم أعم ولم أرمد؟ جوابه: يكفيك أيها المفتون عمى قلبك الذي تعلم أن هذا حرام وأنت تفعله على الدوام، فتخالف الله تعالى وتخرج عن طريق النبي ﵊ (٣)، والحق سبحانه يغير على عبده أن ينظر إلى غيره، ومن نور الله تعالى قلبه لا يتأسف على عمى عينه، (كما كان بعضهم يقول) (٤): إذا كنت لي ما … ضرَّني من عدمته فمن أراد أن ينور الله تعالى قلبه، ويكرمه في الدار الآخرة وهنا،

стр. 710

ويبلغه الله المقصود والمنى، فليتبع السنة، وليكن الفقر والذل أحب إليه من العز والغنى، وقد قيَّدنا الفقر باتباع السنة وبالذل؛ ليرتقي المؤمن إلى منازل السعداء، فإن لم يتبع الفقير السنة، ويكون ذليلًا مسكينًا بين يدي خالقه؛ ضل واعتدى، وتاه في ميادين الغفلة والقطيعة وما اهتدى. قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فحينئذٍ يجتمع على هذا الفقير الضالِّ فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة؛ لكبره، ولخروجه عن السنة المباركة الطاهرة، قال رسول الله ﷺ : «الدِّين ديني، والسنة سنتي، من ابتدع بدعة فعليه لعنة الله» (١). والمتكبر هو من أثقل الجماعة الخارجين عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة، وما قلنا إنه من أكبر المبتدعين إلا لقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وفي الحديث النبوي: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: أمير مُسلَّط، وذُو ثروة من المال لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور» (٢). ويكفي لمن بلاه الله بهذه المصائب والتعكيس ما جرى للَّعين إبليس، فالمتواضع محبوب عند الله تعالى وعند العباد، والمتكبر يبغضه الله تعالى ومن في السموات والأرض، وهو في قطيعة وبعاد، وهو مريض لا يعاد،

стр. 711

فمعصية يصحبها الذل والانكسار، خيرٌ من طاعةٍ يصحبها العجب والاستكبار. فانظر ماذا في الطاعات من المهالك والآفات، لا يحتاج الفاعل معها لشيء من السيئات، فإذا كان السيد عظيمًا عزيزًا، فينبغي للعبد أن يكون حقيرًا ذليلًا. قال بعضهم: إذا رمت عز الوصل ذل لمن تهوى … فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن … ذليلًا له فاقرَا السلام على الوصل وأنشد بعضهم مخبرًا عن حاله: حبيب أرتجيه وإن جفاني … ويعلم ما لقيت من الصدود ويظهر في الهوى عز المعالي (١) … فيلزمني له ذل العبيد ويكفي من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فإذا دعوت الله تعالى أيها المؤمن! بأن يطيِّب عيشك في الدنيا، ويرزقك العزَّ والجاه والغنى، ولم تجد ذلك فلا تحزن؛ لأن عيش الدنيا ليس بطيب؛ فإنَّ آخره الموت، فإذا متَّ زالت الدنيا، ومات عزُّك وجاهك، فإن أخَّر الله تعالى دعوتك إلى الآخرة ووَسَّعها عليك فقد أسبغ نعمه عليك، ونظر بعين كرمه إليك، وأقامك في مقام الأحباب، وأمَّنك (٢) من شدة الحساب، وجعل لك أسوة بنبيه وحبيبه ﷺ ، وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وكان ذلك مقدَّرًا عليك في أم الكتاب، فلا تقل: دعوت الله تعالى وما رأيت الإجابة، فقد جاء في الحديث: «كل داعٍ يجاب ولكن لا تشعرون» (٣).

стр. 712

أَتَدعُو أيها المؤمن! كريمًا ولا يجيبك؟! وترفع يديك لغني لا يخشى الفاقة ويردك خائبًا؟! لا تظنَّ في الله تعالى ذلك، ولو كنت عاصيًا والخلل في أحوالك؛ لأنَّ الله قد أجاب دعوة إبليس مع تمرده، وما كان فيه من المخالفة والتعكيس، فاسمع قوله تعالى: ﴿﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥] (١). كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: إلهي كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟! وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟! (٢) فالمؤمن الموفق إذا طلب من الله سبحانه شيئًا من الدنيا ولم يعطه ترك مراده لمراد الله تعالى، ورأى المنع عطاءً، ويقول: عسى أن يكون في التأخير مصلحة؛ لأنَّ (٣) السيد أعلم بمصلحة عبده. وقد تؤخر الإجابة (٤) لمصلحة يعلمها الله في التأخير، ويجاب أو يُدفع عن الداعي بلاءً، أو يدَّخر له عند الله سبحانه، فيكون قد طلب شيئًا فانيًا فيعطى شيئًا باقيًا فلا يقول الإنسان: دعوت وما رأيت الإجابة. لا تظنَّ بالله

стр. 713

ذلك فتلقي نفسك بسوء ظنها في البدعة والمهالك، ولا تتعرض وكن من جملة العبيد، وسلِّم لربوبيته، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد، فإذا فعلتَ ذلك أتاك من الله الخير والمزيد، ولو أعطى الحق سبحانه لكل أحدٍ ما طلب لهلكوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال الحق سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقد يزوي الإنسان عن مريضه ما يطلبه وإن كان شيئًا يسيرًا مع محبَّتِه له، فما فعل ذلك بخلًا عليه؛ ولكن خوفًا من ضرر يصل إليه. قال ضرارُ بن ضَمُرة: إنَّ عليًّا ﵁ كان غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما خَشُن، (ومن الطعام ما جَشُنَ) (١)؛ يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل (٢) وظلمته، وأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه (٣)، وغارتْ نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتمثل تمثل السليب، ويبكي بكاء الحزين، وكأنِّي أسمعه، وهو يقول: يا دنيا، يا دنيا، إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهاتَ هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعُمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قِلَّةِ الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق. قال الراوي: فذَرَفَتْ عينا معاويةَ على لحيته فَمَا تَمَلَّكَها، وقد اختنق القومُ بالبكاء (٤).

стр. 714

يُحكَى عن السيد شرف الدين الكليمي: أَنَّهُ رأى عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في منامه، فسأله عن حقيقة الفقر، فقال ﵁: قد سألني عن ذلك عبد العزيز المنُوفيُّ! قال الشريف: فما قلتَ له يا أمير المؤمنين؟ قال: قطع الأمل، قطع الأمل، قطع الأمل. قال الشريف: فلما استيقظت جئت إلى عند الشيخ عبد العزيز وقلت له: رأيتَ الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه قَطُّ؟ قال: نعم. قال: قلت: فما سألته؟ قال لي: يا بُطَيْطيلُ! جئت لتقول لي منامك، إذا خرجوا هؤلاء من عندي. وكان عنده جماعة من الجند، فلما خرجوا من عنده جئت إليه فقال: أنت لا تقدر على قطع الأمل ولا أنا، هذا مما لا يُقدر عليه (١).

стр. 715

قال المؤلف عفا الله عنه: قِصَر الأمل: ترك الدنيا، والاجتهاد في اتباع السنَّة، مع إصلاح العمل. فاغسل قلبك بماء الندم على حبِّ الدنيا، وعلى ما فاتك من الحبيب، واستدرك ما بقي؛ فكل آتٍ قريب، فيا حسرة

стр. 716

من هو عالم بقلة الإقامة، وقد لعبت به الدنيا وأذهلته عن أهوال يوم القيامة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «نجا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» (١). (حديث صحيح. قال المؤلف لهذا الكلام عفا الله عنه، وعن جميع المسلمين، وأدخلنا الجنة بسلام -) (٢): آهٍ على خلوِّ القلب من الآمال، وخلوِّ النفس من المكر والرياء والغدر والمحال، وخلوِّ اللسان من كلامٍ يسخط الملك الديان، ومن كلام الدنيا، ومن القيل والقال، وخلوِّ اليد من المال، والرضَى عن الله في كل حال، وليس ذلك بعزيز على الكبير المتعال، (فرحم الله من دعا لنا بذلك ورزقه هذه الخصال) (٣). قال الربيع بن خثيم: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله (٤). فقد تبين لك أن أعظم الطاعات لمن لم يزل الإخلاص في العمل والزهد وقصر الأمل، نسأل الله التوفيق لذلك، وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل، وما قلنا إنَّ الزهد وقصر الأمل هما أفضل الأعمال، وبهما وصل العمال، إلا لأن الله خصَّ نبيه وحبيبه محمدًا ﷺ بهما، كما تقدم أنه اختار الفقر على الغنى (٥).

стр. 717

وقال ابن عباس ﵁: كان ﷺ إذا أهريق الماء يتيمم بالتراب فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلي لا أدركه» (١)، وباع زيدٌ جملًا له إلى شهر فقال ﷺ : «ما أطول أمل زيد، والله ما وضعت قدمًا إلا وظننت أني لا أضع الآخر» (٢). وروي أنه ﷺ نام على شريط فأثر الشريط في جنبه، فبكى عمر ﵁، فقال له: «ما يبكيك؟» قال: تذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه، وأنت رسول الله وقد أثر هذا الشريط في جنبك. قال: «ثكلتك أمك يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة! ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة فسار وتركها» (٣).

стр. 718

قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة. فالفرض: الزهد في الحرام. والفضل: الزهد في الحلال. والسلامة: الزهد في الشبهات (١). ثم اعلم رحمك الله أنَّ الزهد هو أفضل الأعمال؛ لأنه طريق النبيِّ ﷺ ، ووَصَّى به لبعض أصحابه بقوله ﷺ : «ازهد في الدنيا يحبك الله» (٢). ثم اعلم أنَّ الزُّهد هو الذي ينوِّر قلب المؤمن، ويورثه قصر الأمل، ويطرد عنه التهاون في الطاعات والكسل، ويرزقه الله تعالى القوة على الطاعة والإخلاص في العمل، ويقل عليه هموم الدنيا لكثرة هموم الآخرة، وقد ملأ قلبه الرضا، لا يحزن على فقد الدنيا، ولا يحزن على مكروهٍ أصابه، ولا يتأسف على ما مضى، ما همه إلا التجهز للقاء الحبيب؛ لعلمه أنه يموت

стр. 719

عن قريب، فلا تراه قط معرِضًا. والحريص بعكس ذلك كله: قد نسي الآخرة، وأظلم قلبه من قوة (١) حرصه، فلا تراه قط أبيضًا. قال المؤلف لهذا الكتاب: كان عندي رجل من أولياء الله تعالى، وكان إذا صلى ورده في الليل ثم فرغ ينشد (هذه الأبيات ويبكي، وهي هذه الكلمات) (٢): إلى كم يراك الله يا عبدُ عاصيًا … حريصًا على الدنيا وللموت ناسيًا ودمعك لا يجري وقلبك قاسيًا … (ما ذاك إلا من عصيان نفسك) (٣) قاسيًا مَرَّ عيسى ابن مريم ﵇ برجل نائم تحت ظل شجرة، فوكزه برجله وقال له: يا هذا، قم فاعبد الله. فقال: يا نبي الله، قد عبدت الله بأفضل العبادات. قال: وما هي (٤)؟ قال: تركت الدنيا لأهلها. قال له: إذَنْ فنَمْ (٥). وفي الخبر أيضًا: أنًّ عيسى ﵇ رأى الدنيا على صورة عجوز شمطاء، (بياض شعرها يخالطه سواده) (٦)، فسألها فقالت: أنا الدنيا. فقال لها: فأين أبناؤك؟ قالت: قتلتُ البعضَ، وأنا آخذة في قتل الآخرين (٧).

стр. 720

ومر عيسى ﵇ بثلاث نفر وهم موتى، وعندهم طوبتان من ذهب، فقال عيسى لأصحابه: قتلتهم الدنيا، هؤلاء الثلاثة وجدوا هاتين الطوبتين (فدخلوا ليقتسموهما، فخرج) (١) أحدهم ليأتي بطعام فسولت له نفسه فجعل في الطعام سمًّا ليأخذ الذهب وحده، وهما أيضًا اتفقا على قتله ليأخذ كل واحدٍ طوبة، فلما أقبل بالطعام قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا (٢). كان بعضهم ينشد هذه الأبيات: قل لمن فاخر بالدنيا وحامى … قتلتْ قبلك سامًا ثم حاما ندفن الخل وما في دفننا … بعده شك ولكن نتعامى إن قدامك يومًا لو بهِ … هُدْدت شمس الضحى صارت (٣) ظلاما فانتبه من رقدة النوم وقم … وانف عن عيني تماديك المناما فالعظيم القدر لو شاهدته … لم تجد في قبره إلا عظاما قال بعض (علماء المحققين) (٤): حقيقة الزهد ترك ما سوى الله تعالى (٥). وأنشد لبعضهم (٦): لأخلعن (٧) عذاري في محبتكم … بحولكم لا بحولي لا ولا حيلي

стр. 721

(وأترك الكون حيًّا لبغيتكم) (١) … (أَنَّى أريد لذاك) (٢) الترك من قبلي الخلق خلقكم والأمر أمركم … فأي شيء أنا لا كنت من ظُلل الحق قلتم وما في الكون غيركم (٣) … أعوذ بالله من علمي ومن عملي (٤) قال المؤلف في استعاذة هذا الرجل من علمه وعمله: أي أعوذ بالله أن أُثبتَ لنفسي علمًا أو عملًا (٥)؛ لأنَّ الذي جهله الآدمي أكثر مما علمه. قال المولى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقد ذكر الحقُّ سبحانه أنَّ جميع من في السماوات ومن في الأرض ما أُعطوا من العلم إلا شيئًا يسيرًا، فماذا أخذتَ أنت وحدك يا من يدَّعي العلم؟! وأما العمل: فلو عاش المسلم ألف سنة يصوم النهار ويقوم الليل ما يساوي مكثَه في الجنة ساعة مع النبيين، ونظرةً لرب العالمين. قال رسول الله ﷺ : «لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» (٦). هذا وقد قام رسول الله ﷺ في خدمة مولاه حتى

стр. 722

تورَّمت قدماه (١). وجاهد في سبيل الله تعالى وما بخلت قط يداه (٢). قال أبو سليمان الداراني: سمعت الرَّبيع يقول: كنت مقيمًا ببيت المقدس أجمع المباحات من الجبال، وكان لي أخوان بالرملة أزورهما في كل عام مرتين، فلما كان في بعض السنين خرجت لزيارتهما، فلمَّا صرت بين الجبال والأودية على ثلاثة أميال من بيت المقدس سمعت صوتًا محزونًا، وهو يقول: ما أبعدَ الطريق على من لم تكن أنت دليله، وأوحشها على من لم تكن أنت أنيسه. فقفوت الصوت واتبعت أثره، وإذا أنا بجارية وعليها خمار من صوف ومدرعة من شعر، وفي رجليها نعل من ليف، فقلت: سبحان الله، مثلك في هذا المكان بغير مَحرم! فقالت: ما أحب من يشغلني عن طاعة ربي. قال: فَرقَّ لها قَلبِي، وكان معي دريهمات فقسمتها شطرين وناولتها أحدهما، فلما رأت لمعان الدراهم تبسمت، وقالت: يا أبا الربيع، من أين لك هذه الدراهم؟ فقلت لها: إني أجمع المباحات من جبال بيت المقدس وأبيعها في المدينة. فقالت: كسب حلال لرجل ضعيف. فقلت لها: كيف تصفيني بالضعف وأنا قوي البدن؟ فقالت: أنت ضعيف اليقين لا ضعيف البدن. فقلت: فكيف السبيل إلى القوة؟ فقالت: تضع موازين القسط على جوارحك حتى يخرج كل شيء كان لغير الله، ويبقى القلب صافيًا، فيطَّلع الحق عليه فلا يرى فيه مذكورًا ولا محبوبًا سواه؛ وإذا كنت كذلك نوديت: قف بالباب، فقد كتبناك من الأحباب، وأمرنا الخزان أن لا يعصوا لك أمرًا. قلت: فما بيان ذلك؟ فقبضت كفها في الهوى، وفتحتها ووضعت في كفي دنانير. فقلت: سبحان الله ما أحسنه من كفٍّ! فسمعت قائلًا يقول:

стр. 723

من أطاع الله مولاه أعطاه ما تمناه (١). وقد جاء في الأخبار: يقول الله : من أطاعني في كل شيء أطعته في كلِّ شيء (٢). قال أحمد بن أبي الحواري: حدثتني امرأتي رابعة فقالت: دخلت على أخت لي عاتقٍ بالموصل يقال لها: راهبة. فقالت: هل تدرين ما قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]؟ قلت: لا. قالت: القلب السليم الذي يلقى الله تعالى وليس فيه شيء غير الله تعالى. قالت: فحدثت به أبا سلمان، فقال: ليس هذا كلام راهبة، هذا كلام الأنبياء ﵈ (٣). عن محمد بن الحسين قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: كانت عزيزة امرأة أبي علي تقول: كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك، وإليك مرجعي؟! وكيف لا أحبك وما لقيت خيرًا إلا منك؟! وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك؟! وحكي عنها أنها قالت: لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كطلب قوته من حلال (٤).

стр. 724

قال سعيد المقدسي وكان من الأولياء -: خرجت من المسجد الأقصى طالبًا السياحة، فلما صرت بين الجبال رأيت امرأةً عليها ثوب من شعر وخمار من صوف، فظننت أنها راهبة، فقلت لها: أنت مسلمة؟ فقالت: يا سعيد ما هذا الكلام؟ فقلت لها: ما الذي أخرجك إلى هذا المكان؟ قالت: خوف القطيعة والأحزان. ثم رفعت طرفها إلى السماء، وقالت منشدة: يا سروري إذا عدمت سروري … أنت في سر خاطري وضميري أنت أنت الرجاء جُد لي بعفوٍ … وأجرني من حر نار السعير ثم قالت: لا اعتراض عليك، اللَّهم إن كان عذابي من رضاك فعذِّب، وإن كان العفو أحب إليك فاعف. قال: فسألتها عن مسكنها رغبةً في زيارتها. فقالت: ما لي على الأرض دار، ولا لي فيها قرار. ولو وجدت سبيلًا إلى الخروج منها ما أقمت فيها فلا خير في دار لا تدوم لذتها. فقلت لها: أوصيني بشيء أنتفع به. فقالت: يا سعيد، إن أمكنك أن تخطو إلى الآخرة خطوة فافعل، وإن نالك في ذلك مشقة، فما تُنال الدرجات إلا بالصبر على المشقات. يا سعيد، ورد في الخبر أن نبينا محمدًا ﷺ دخل على فاطمة ﵂، فوجدها تطحن، فلما رأته بكت، فقال لها: يا فاطمة ما يُنال ما عند الله إلا بالصبر على المكاره (١). ثم قالت: يا سعيد، لو باشرت الآخرة بقلبك لهان عليك ما ترى من أمور الدنيا، يا سعيد، عليك بمحبة الله والخوف من قطيعته. ثم ولت وهي تقول: يا من به وبفضله … طاب النعيم لأهله

стр. 725

كل الوصال محرمٌ … إلا إرادة وصله إن سرني فبفضله … أو ساءني فبعدله ما شاء يفعل إنني … أرضى بسائر فعله قالت رابعة بنت إسماعيل الشامية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله أطلعه الجبار على مساوئ عمله، فتشاغل به دون خلقه (١). قال أحمد بن أبي الحواري زوج رابعة: جلست لآكل، فجعلت تذكِّرني فقلت لها: دعينا، يهنينا طعامنا. فقالت: ليس أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة (٢). وقال أحمد: كان لرابعة أحوال شتى، فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف، فسمعتها تقول في حال الحب: حبيبٌ غاب عن بصري وشخصي … ولكن عن فؤادي ما يغيب وسمعتها في حال الأنس تقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانسي … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي (٣) وسمعتها في حال الخوف تقول: وزادي قليلٌ ما أراه مبلغي … أللزاد أبكي أم لطول مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى … فأين رجائي فيك أين محبتي (٤)

стр. 726

انظر رحمك الله! إلى أحوال هؤلاء النسوة، كيف آنسهم الحق به فاستوحشوا من غيره، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد تعطى المرأة ويحرم الرجل، وقد يصيب العبد ويخطئ السيد. خرج بعضهم من الإسكندرية وعبده خلفه، فجلس السيد على مصطبة وأمر عبده بأن يأتي بحاجة نسيها، وكان قد كشف لبعض الأولياء، فرأى علمًا من نور فوق رأس السيد وعبده ولم يعلم لمن هو، فلما ولى العبد ذهب النور معه (١). قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال المولى الغفور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد يناله الصغير ويحرم الكبير. كان أمير البلدة على باب حاتم الأصم، فطلب ماءً فجاؤوا له بماء بارد، فرمى لهم شيئًا من الدنيا، فوافقه أصحابه، ففرح من في البيت، وكان لحاتم ابنة فبكت، فقيل لها: ما بالك تبكي؟ فقالت: هذا مخلوق أقبل علينا فاستغنينا به، فكيف لو أقبل الخالق علينا (٢). وقالت رابعة يومًا: من يدلنا على محبوبنا؟ فقالت جاريتها: هو معنا، لكن حَجَبَنا عنه حب الدنيا (٣). وقد قلت ما اتفق لهؤلاء النسوة والجواري والأطفال؛ ليعلم الجاهل أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء، وتوبيخًا لكثير من الرجال، ولمن يدعي الأهلية وقد شغل بالدنيا والأماني والمحال، ولم يخف من شديد المحال، فمن تفرغ من حب الدنيا وهمومها؛ أقامه الحق بين يديه، ونظر بعين كرمه إليه. قال بعض المحبين: قلبٌ أحب سواك لا نال المنى … وجنت عليه يد الصدود بما جنى

стр. 727

كيف التعوض عن هواك بغيره … وبنا إليك الفقر لا عنك الغنى يا من تجلى في الوجود لناظري … فرأيته من كل شيء أحسنا سل عاشقًا هجر الكرى وجفا ال … ورى ورأى المحبة دينه فتدينا كان الشبلي ينشد على سور عسقلان: اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت (١) أنا قد وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا إن دنوت قربني … وإن بعدت عنه دنا وكان بعضهم ينشد مخبرًا عن حاله: وحقكم ليس لي في غيركم غرض … لأنني لم أجد لي عنكم عوض فحبكم جوهر في القلب مسكنه … وكل شيء سوى حبي لكم عرض ومن جنوني بكم قالوا به مرض … فقلت لا زال عني ذلك المرض وقال بعض المحبين شعرًا: قلبي يراك على بعد من الدار … وأنت في الحب في ذكري وتذكاري إن غاب شخصك عن عيني فلم أره … فإن حبك معقود بإضماري فإن تكلمت لم ألفظ بغيركم … وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري ولقد أحسن من قال: رسول أتاني مخبرًا برضاكم … عليّ وقلبي آمنٌ من جفاكم فأوجد روحي راحةً ومسرةً … وقد كان قلبي خائفًا من سطاكم أسأنا وأحسنتم إلينا تكرمًا … وخنَّا وما خنتم وبان وفاكم وما زال حسن العفو منكم سجية … يجازى به من بالذنوب أتاكم

стр. 728

إذا نحن خفناكم لجأنا إليكم … وليس لنا من نرتجيه سواكم لقد خاب من يسعى إلى باب غيركم … وفاز الذي والاكم واصطفاكم وما راق لي إلا بديع جمالكم … ولا هزني إلا نسيم هواكم وإن كان جسمي غائبًا عن خيامكم (١) … فإن فؤادي حاضرٌ في حماكم عليكم سلام الله إني لبعدكم … سقيم وما أُشفَى بغير لقاكم مر الشبلي بصغار يضربون رجلًا بالأحجار، فنهاهم، فقالوا: دعنا يا شيخ نقتله فإنه كافر بالله تعالى يزعم أنه يرى الله ويتكلم معه. فجاءه الشبلي فرآه يمسح الدم عن وجهه ويطرق، ثم يرفع طرفه نحو السماء ويقول: هذا جميل منك؛ تسلط عليَّ هؤلاء الصغار! (فقلت في نفسي: هو مجنون. فقلت له: ماذا يقول عنك الصغار؟) (٢)، فنظر إلى الشبلي وقال: ما يقولون يا شبلي؟ فلما افترسني (٣) قلت: هو والله وليُّ الله تعالى. فقلت: يقولون عنك أنك تقول: إنك ترى الله وتخاطبه (٤). فقال: والله يا شبليُّ لو احتجب عنِّي طرفة عينٍ لتقطعت من ألم البين، ثم ولَّى وهو يقول: خيالك في وهمي وذكرك في فمي … وحبك في قلبي فكيف (٥) تغيب (٦) وكان بعض المحبين لا يزال يقول: الله! الله! فوقع سهم شجَّ جبينه، فجرى الدمُ فكتب على الأرض: الله! الله! (٧).

стр. 729

قال المؤلف: رأيت رجلًا قد وَلِهَ (١) بحب الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل (٢) وصلى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل (٣) ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين

стр. 730

يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ (١) لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري (٢)، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. (قال الشيخ: لا تعطوه الخبز) (٣). فمرَّ به المفرِّقُ ولم (يدفع له خبزه، فقال الفقير) (٤): لم لا تعطوني العَلَفَ؟ قالوا: الشيخ أمرنا بذلك. قال: ولم أمركم بهذا؟ قالوا: لأنك (تذكر الله وتصرخ) (٥). قال: أعطوني خبزي وأنا من اليوم أذكر الله تعالى ولا أصرخ! ثم قال: والله أنا كنت أذكر الله تعالى في القدس أقوى من هذا الذِّكر ولم ينهوني عن ذلك. ثم جاء ثاني ليلة فمسك نفسه فلم يقدر وقال: لا إله إلا الله. رافعًا صوته، ثم أيس من الرغيفين، وقال لهم: أنتم في حِلٍّ من الرغيفين! فمن الناس من بكى لكلامه، ومنهم من ضحك. فمن عمل ذلك عامدًا يكون خارجًا عن السنة مبتدعًا، ومن غلب عليه الحال يعذَرُ، (لا يكون خارجًا عن السنة) (٦)، فصدِّق أحوالَ الرِّجال، ودع

стр. 731

عنك المراء والجدال (١). قال المؤلف: جاءني بعضُ الأصحاب وكان من المشايخ، ومعه إجازةٌ بالقراءات السَّبع، فقال لي: (سكنتُ مرةً بجانب الجامع الحاكمي بالقاهرة المعزِّية) (٢) وأنا صبيٌّ (دون البلوغ) (٣)، فانتبهت في الليل، فسمعت صوتًا يقول: الله! الله! ويمدُّ صوته، فقلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب. فلما جاء (٤) الصبح طرقتُ الباب الذي سمعت منه الصوت، فدخلت فإذا هو شيخ صالح فقلت له: يا سيدي لمَّا سمعتُك البارحة تقول: الله! الله! قلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب (٥). فصرخ الشيخ، وقال: يا بني، أنا مريض ومحب. فبينما الشيخ جالس، وإذا برسول القاضي وقد جاء وقال: يا شيخ قم كلِّم القاضي. فقد عقد لك مجلسًا؛ (لأنه بلغه أنك قلت: أنك ترى الله. فخرج) (٦) فسمع قائلًا يقول: يا شيخُ! إذا قيل لك: هل رأيت الله؟ فقل لهم: الأعمى هو الذي لا يرى الظاهر. فإن قالوا: فكيف رأيته؟ فقل لهم: الأحمق هو الذي يكيف. فلما دخل (٧) الشيخ أجلسه القاضي إلى جانبه وقال له: يا شيخ، أنت رأيت الله؟ قال الشيخ: الأعمى

стр. 732

هو الذي لا يرى الظاهر. فسكت القاضي، فقال رجل من الفقهاء: كيف رأيته؟ قال الشيخ: الأحمق هو الذي يكيِّفُ. فقام القاضي وقبَّل يدَ الشَّيخ وشيَّعه (١). وقد جاء في الحديث الصحيح: «الإحسانُ أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).

стр. 733

وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ (في كساءٍ) (١) إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة (٢) العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه! وكان ﵁ يقول: لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحدٍ … إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا ثم استترتَ عن الأبصار يا صمدُ … فكيف يعرف من بالعزَّة استترا (٣)

стр. 734

وقال بعض العارفين: لو كُلِّفت أن أرى غير الله تعالى لما استطعت (١). وقال ﵁: من ذاق شيئًا من خالص حب الله تعالى؛ ألهاه ذلك عن ما سواه (٢). قال رسول الله ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا» (٣). قال المؤلف: من رضي بالله ربًّا؛ وحَّده في الأفعال والأقوال، قال المولى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم يتوكل في جميع أموره عليه ولا ينظر إلا إليه. سُئل أبو يزيد ﵁ عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هي سنة من سنن رسول الله ﷺ ؛ ولكن اجتهد أن ترفع قلبك إلى الله تعالى فهو أولى (٤). فسبحان من رفع قلوب أوليائه إليه، ورزقهم حسن الأدب بين يديه، فهم له طالبون، وفي جناته (٥) راغبون، وعن ما سواه راحلون، وعلى باب

стр. 735

خدمته واقفون، فهم في الشدة صابرون، وفي النعمة شاكرون، وفي الصلاة خاشعون، وعن اللغو معرضون، ومن خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون، ولعظيم كبريائه متواضعون إلى الله سبحانه افتقارهم، وبه افتخارهم، وعليه اعتمادهم، فلما أعرضوا عن غيره؛ أقبل عليهم وجعلهم للعبودية أهلًا، فهو وليهم، وسيدهم، وناصرهم وعزهم، وذخرهم وفخرهم، ومعبودهم ومقصودهم، ومعلومهم ومدبرهم، وما خاب عبد كان الله له مدبرًا، ولا خذل قطُّ من كان له منتصرًا ما عرف الله سبحانه من لم يفوض أمره إليه، ولقد جهله من لم يتوكل (في جميع أموره) (١) عليه، لا تجتمع عبودية واختيار (٢)، ولا ظلم وأنوار، ولا توجه العبد لله وتوجهه للآثار، فإما الله لك، أو أنت لنفسك، فاختر على بيان، ولا تستبدل (٣) الهدى بالخسران. العجب كل العجب لمن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ولا ترحل من كون إلى كون، فمن رحل والمُضِرُّ معه ما رحل، فتكون كحمار الرحى يسير؛ والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، ولكن ارحل من الكون إلى المكون، وإلى ربك المنتهى، واسمع قوله ﷺ : «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٤)» افهم قوله ﷺ : «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وتأمل هذا الأمر إن كنت من ذوي الأفهام، واعمل على الرجوع إلى الملك العلام، فإن فاتك مقام السابقين فعسى

стр. 736

أن تكون من اللاحقين، وإلا فكن في آخر الركب، أو اتبع الأثر، ولا تكن من المنقطعين فتخالف الآية والخبر، فإن منَّ عليك بالوصلة كان، وإلا فمُتْ في الطلب فتحشر مع الطالبين، وفي زمرة المشتاقين، فتكون داخلًا في قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. فإن لم تصلح لشيء من ذلك فاقعد على الباب، فإن طردوك فاقعد قبالته. سمع ثلاثةٌ قائلًا يقول: يا زَعتَر، بَرِّي. فتواجدوا على ذلك، فأما أحدهم فكان من الواصلين، والآخر متوسط وقد طالت عليه الطريق، والآخر مبتدئ فأسمعَ الله تعالى كل واحد شيئًا ترويحًا لقلبه: فأما الواصل فسمع: ما أوسعَ بِرِّي. وسمع المتوسط: السَّعَةَ ترَى بِرِّي. وسمع المبتدئ: اسْعَ ترَى بِرِّي. فكان ذلك ترويحًا لقلوبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (١). كان بعض الصالحين يقول: والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي

стр. 737

من لقيته عواصف الشوق أسرعت به إلى منازل الحبيب، ومن عرف الحق سبحانه شاهده في كل شيء، ومن فنى به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا، إنما حجب الحق سبحانه عنك شدة قربه منك، فاحتجب لشدة ظهوره، واحتجب عن الأبصار لعظيم نوره. كان بعض الصالحين ينشد: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون سار فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار فإذا أردت أيها المؤمن! أن تعرف قدرك عند الله سبحانه، فانظر (ماذا يقيمك فيه) (١)، فإن رزقك الطاعة والغنى به عنها؛ فقد أسبغ نعمه عليكَ، وليس العارفُ من إذا أشار وجد الحقَّ أقرب من إشارته؛ بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده، وانطوائه في شهوده (٢). والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار، والرجاء ما قاربه عمل، وإلا فهو أمنية، ويخاف على من يقول: إني لأرجو الله سبحانه وأخافه، وأظن به خيرًا. وهو لا يجتهد في الأعمال الصالحات (٣)، (ونفسه غادية في جهلها ورائحة) (٤)، فيقال له: كذبت، لو كنت صادقًا فيما ادعيت، لجرَّك ذلك إلى أعمال الصالحين: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]. ومثل هذا كمثل من يدعي المحبة؛ وهو على الدوام يخالف ربه، وقد

стр. 738

استولى عليه الشح فلا تراه يسمح (١) بحبه، قال أبو الليث رحمة الله عليه (٢): تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محال في الفعال بديع لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع فمن عمل بالكتاب والسنة، فهو محب صادق خائف، قد أحسن بالله ظنه، واستوجب محبة الله والجنة. ومن لم يعمل بالكتاب والسنة خُذِل، ونُكِب، وفاته ما تقدم ذكره من الخيرات والمنة؛ لأن الكتاب والسنة من مفاتيح الجنة، فمن عمل بهما وهو خائف حزين فالجنة مقامه، وهو عند الله من الآمنين، قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين: «إن الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» (٣). فقد أخبر الله سبحانه عن أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. وقال الحي القيوم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧]. سمعتْ عائشة ﵂ قارئًا يقرأ هذه الآية فبكتْ، وقالتْ: ربِّ مُنَّ عليَّ وقني عذاب السَّموم (٤). ثم اعلم أنَّ الخالقَ سبحانه ما خوَّف عباده الصالحين إلا ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم الوقوف بين يديه. كان مالك بن دينار إذا صلى ورده في الليل يقول: اللَّهم خلقت

стр. 739

دارين، وخلقت لكل دارٍ أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرم شيبة مالك على النار (١). قال الفضيل: بكى ابني عليٌّ، فقلت: يا علي، ما يبكيك؟ قال: يا أبتي، أخاف أن لا تجمعنا القيامة (٢). وقال العلماء: لما اجتمع يعقوب بيوسف عليهما الصلاة والسلام، قال يوسف: يا أبت، بلغني أنك بكيت على فراقي حتى عميت، أما علمت أن الله تعالى يجمعنا يوم القيامة! قال يعقوب: يا بني خفت أن تموت على غير ملة آبائك فلا أجتمع بك في الدنيا ولا في الآخرة. فحينئذٍ قال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (٣). ثم اعلم بأن الخوف على قدر إيمان العبد، ومعرفته بالله ؛ ولذلك كان النبي ﷺ أعرف الناس بالله تعالى، وأكثرهم خوفًا منه، فقد روي أنه ما ضحك قهقهةً قط، بل كان ضحكه تبسمًا (٤)، وكان إذا بكى يبل الأرض من دموعه (٥).

стр. 740

قال عبد الله بن عمر: من بكى من خشية الله غفر الله له، ومن تباكى ولم يبك أعطاه الله أجر المصاب الحزين (١). وقال ﷺ : «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢)، أمرهم بالتشبُّه؛ لأن من تشبَّه بقوم فهو منهم، وفي الحديث: «من تشبه بغيرنا فليس منَّا» (٣). ليس كل أحدٍ يقدر على البكاء؛ لقساوة قلبه، ولكن يقدر على التشبه، قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال ﷺ : «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، حرمت النار على عين غضت عن محارم الله» (٤). ورُوي: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص يصلِّي وهو يبكي، وقد شبَّ القمر، إذ مرَّ به العلاء بن طارق، فوقف يسمع، فقال: ما يوقفك يا ابن أخي؟ أتعجب منِّي أن أبكي؟ فو الله إن هذا القمر يبكي من خشية الله، أما والله لو تعلمون علم اليقين، لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، وسجد حتى ينقطع صلبه (٥). قال كعب: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله ملكًا فيمسح كبده، فإذا مسح كبده بكى (٦). وقال الفضيل بن عياض: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله
следующие страницы →