← Книги сунны

Книги сунны · id 30062

أخبار مكة - الأزرقي - ت علي عمر

الأزرقي

Полный текст (665 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق: لا نعرف عن بدايات التأليف في تاريخ مكة -وخاصة المؤلفات التي أفاد منها اللاحقون- سوى مؤلف في تاريخ مكة للحسن بن يسار البصري المتوفى سنة ١١٠ هـ، الذي كتب رسالة عن "فضائل مكة المشرفة" كانت فيما بعد أحد المصادر الرئيسية لمؤرخي مكة. ومؤلف آخر في تاريخ مكة لعثمان بن ساج المتوفى سنة ١٨٠ هـ، ويرجح أن كتابه في تاريخ مكة كان أحد مصادر الأزرقي المتوفى نحو ٢٥٠ هـ، في كتابه الذي نقدم له اليوم. ثم جاء الوليد الأزرقي فكتب في "أخبار مكة" وقد استقى كثيرًا من معلوماته الواردة في كتابه عن عبد الله بن عباس وتلاميذه، حيث كان لديهم معلومات وفيرة عن مكة. ويبدو أن الأزرقي كان مولعًا بمعرفة الأخبار التاريخية وروايتها، كما أن اسمه يظهر كمصدر للمعلومات عن تاريخ مكة القديم، وكذلك فيما يتعلق بتاريخها الإسلامي وما صاحبه من أحداث. وقد استغرق ثلاثة أرباع كتابه ذكر قصص كانت قد نمت في الجاهلية حول حرم مكة، ووصف الشعائر ذات الصلة بمكة. أما الربع الباقي فيبحث في الأماكن المقدسة الأخرى من مكة، بالإضافة إلى الحديث عن رسول الله ﷺ ومعاصريه من المكيين، وعن خطط مكة وأطرافها.

стр. 2

وقد حظيت مرويات الأزرقي باهتمامات المؤرخين اللاحقين في العهود التي تلته. هذا، وقد استندت في تحقيق كتاب أخبار مكة إلى ما يلي: ١ - مخطوطة مصورة من معهد المخطوطات بالقاهرة برقم ٢١٨٦ تاريخ عن النسخة الروسية رقم ٦٠٧ B، وهي نسخة نفيسة كتبت بقلم نسخ قديم فيه ضبط، من القرن الخامس الهجري تقديرًا، وبأولها قراءة هذا الكتاب لأبي الوليد الباجي بخطه على شيخه أبي الحجاج يوسف بن فتوح، وإجازة من الشيخ الباجي بجميع مصنفاته ومروياته وبجميع ما يجوز له روايته من منقول ومسموع بشرطه، وبآخرها مقابلتان: الأولى مقابلة على أصل مصنفه وقرئ عليه مرات، والثانية قوبلت على نسخة صحيحة مكتتبة من نسخة المؤلف تجاه الكعبة عام ٦٣٣ هـ، وقد جعلت هذه النسخة أصلًا. ٢ - النسخة التي طبعت في أوروبا بعناية وستنفيلد ١٨٥٨ م، وقد رمزت إليها بالحرف "أ". ٣ - نسخة بتحقيق رشدي الصالح ملحس، وقد رمزت إليها بالحرف "ب". وقد أشرت إليها جميعًا في تعليقاتي بـ"الأصول". وكان حرصي على سلامة النص أكثر من حرصي على التعريف بالأعلام والبلاد، والإسراف في الشرح والتعليق؛ إذ كان ذلك أهم ما يحتاج إليه العلماء والباحثون عند الرجوع إلى الكتب المحققة. كما قمت في آخر الكتاب بعمل الفهارس المتنوعة التي تقرب نفعه، وتدني جناه. القاهرة في رجب سنة ١٤٢٤ هـ سبتمبر سنة ٢٠٠٣ م د. علي عمر

стр. 3

صفحة عنوان المخطوطة

стр. 4

الصفحة الأولى من المخطوطة

стр. 5

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلم كثيرا ذكر ما كانت الكعبة الشريفة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، وما جاء في ذلك: أخبرني والدي الفقيه الإمام المحدث صدر الدين بقية المشايخ أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميانشي رحمة الله عليه، قال: حدثنا القاضي الإمام أبو المظفر محمد بن علي بن الحسين الشيباني الطبري، عن جده الشيخ الإمام الحسين وعن الشيخ أبي الحسن علي بن خلف الشامي، عن أبي القاسم خلف بن هبة الله الشامي، عن أبي محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس، عن أبي الحسن محمد بن نافع الخزاعي، عن أبي محمد إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع الخزاعي، عن أبي الوليد محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني الأزرقي قال: حدثنا جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب قال: قال كعب الأحبار: كانت الكعبة غُثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بأربعين سنة، ومنها دُحيت الأرض. قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا أبو أيوب البصري، عن هشام عن حميد قال: سمعت مجاهدًا يقول: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين. قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي عن سعيد بن سالم، عن

стр. 7

طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بعث الله تعالى ريحًا هَفَّافة فصَفَقَت الماء فأبرزت عن حَشْقة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله الأرضين من تحتها فمادت، ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قُبَيْس؛ فلذلك سميت مكة أم القرى (١). قال: وحدثني يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن إبراهيم الجبيري، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن هشام، عن مجاهد قال: لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وان قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.

стр. 8

ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل خلق آدم، ومبتدأ الطواف كيف كان: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني علي بن هارون بن مسلم العجلي، عن أبيه قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال: حدثني محمد بن علي بن الحسين قال: كنت مع أبي علي بن الحسين بمكة فبينما هو يطوف بالبيت وأنا وراءه، إذ جاءه رجل شَرْجَع من الرجال يقول: طويل فوضع يده على ظهر أبي، فالتفت أبي إليه فقال الرجل: السلام عليك يابن بنت رسول الله، إني أريد أن أسألك فسكت أبي وأنا والرجل خلفه، حتى فرغ من أسبوعه فدخل الحجر فقام تحت الميزاب فقمت أنا والرجل خلفه ليصلي ركعتي أسبوعه، ثم استوى قاعدًا فالتفت إلي فقمت فجلست إلى جنبه فقال: يا محمد، فأين هذا السائل؟ فأومأت إلى الرجل فجاء فجلس بين يدي أبي فقال له أبي: عم تسأل؟ قال: أسألك عن بدء هذا الطواف

стр. 9

بهذا البيت لم كان وأنى كان؟ وحيث كان وكيف كان؟ فقال له أبي: نعم من أين أنت؟ قال: من أهل الشام قال: أين مسكنك؟ قال: في بيت المقدس قال: فهل قرأت الكتابين، يعني: التوراة والإنجيل؟ قال الرجل: نعم قال أبي: يا أخا أهل الشام احفظ ولا تروين عني إلا حقا، أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله ﵎ قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة: أي رب أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها، ويسفك الدماء، ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتباغون؟! أي رب اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتباغض، ولا نتحاسد، ولا نتباغى، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك، ونطيعك ولا نعصيك فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم ، وأنه قد غضب من قولهم فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون، ويبكون إشفاقًا لغضبه وطافوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر الله إليهم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله تعالى تحت العرش بيتًا على أربع أساطين من زبرجد وغشاهن بياقوتة حمراء، وسمي ذلك البيت الضُّرَاح (١). ثم قال الله تعالى للملائكة: "طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش" قال: فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش وصار أهون عليهم وهو البيت المعمور الذي ذكره الله يدخله في كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدًا. ثم إن الله بعث ملائكة فقال لهم: "ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله وقدره" فأمر الله سبحانه من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، فقال الرجل: صدقت يابن بنت رسول الله ﷺ هكذا كان.

стр. 10

ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا عمر بن بكار، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، أن جبريل ﵇ وقف على رسول الله ﷺ وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا الغبار أرى على عصابتك أيها الروح الأمين؟ " قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها. وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني عثمان بن يسار قال: بلغني -والله أعلم- أن الله تعالى إذا أراد أن يبعث ملكًا من الملائكة لبعض أموره في الأرض، استأذنه ذلك الملك في الطواف بالبيت، فهبط الملك مُهِلّا (١). وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه نحو هذا إلا أنه قال: ويصلي في البيت ركعتين. وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني عباد بن كثير (٢)، عن ليث بن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا البيت خامس خمسة عشر بيتًا، سبعة منها في السماء إلى العرش، وسبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى، وأعلاها الذي يلي العرش البيت المعمور، لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من

стр. 11

يعمره كما يعمر هذا البيت". حدثني أبو الوليد، قال: وحدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن عثمان، عن وهب بن منبه، أن ابن عباس أخبره أن جبريل وقف على رسول الله ﷺ وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار فقال رسول الله ﷺ : "ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك أيها الروح الأمين؟ " قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها.

стр. 12

ذكر هبوط آدم إلى الأرض، وبنائه الكعبة، وحجه، وطوافه بالبيت: حدثنا أبو الوليد، حدثنا جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض من الجنة، كان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته، قال: فطأطأ الله منه إلى ستين ذراعا، فقال: يا رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم؟ قال: "خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتًا فطف به واذكرني حوله، كنحو ما رأيتَ الملائكة تصنع حول عرشي" قال: فأقبل آدم ﵇ يتخطى فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز، فصارت كل مفازة يمر بها خطوة وقبض له ما كان من مخاض ماء، أو بحر فجعل له خطوة. ولم تقع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام، وإن جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى، فقذفت فيه الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلًا.

стр. 13

وإنه بناه من خمسة أجبل من لبنان، وطور زَيْتا، وطور سينا، والجودي، وحراء حتى استوى على وجه الأرض. قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم ﵇ حتى بعث الله الطوفان قال: وكان غضبًا ورجسًا قال: فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم ﵇ قال: ولم يقرب الطوفان أرض السند والهند. قال: فدَرَس موضع البيت في الطوفان، حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل، فرفعا قواعده وأعلامه وبنته قريش بعد ذلك، وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط ما سقط إلا عليه (١). حدثنا أبو الوليد، حدثنا مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه أن الله تعالى لما تاب على آدم ﵇ أمره أن يسير إلى مكة، فطوى له الأرض وقبض له المفاوز، فصار كل مفازة يمر بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر، فجعله له خطوة، فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة، حتى انتهى إلى مكة. وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة، حتى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكي لبكائه، فعزاه الله تعالى بخيمة من خيام الجنة، ووضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها الركن وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة، وكان كرسيا لآدم ﵇ يجلس عليه، فلما صار آدم بمكة وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها ويذودون عنها ساكن الأرض.

стр. 14

وساكنها يومئذ الجن والشياطين، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة؛ لأنه من نظر إلى شيء من الجنة وجبت له، والأرض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس، ولم تسفك فيها الدماء، ولم يعمل فيها بالخطايا؛ فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الله الليل، والنهار لا يفترون. وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفًّا واحدًا مستديرين بالحرم الشريف كله، الحل من خلفهم والحرم كله من أمامهم فلا يجوزهم جن ولا شيطان، ومن أجل مقام الملائكة حُرم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم ﵇ من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قبضت. وإن آدم ﵇ كان إذا أراد لقاءها ليلم بها للولد، خرج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم ﵇ مكانها حتى قبض الله آدم، ورفعها الله تعالى. وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانها بيتًا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا يعمره من بعدهم حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق وخفي مكانه. فلما بعث الله تعالى إبراهيم خليله ﵇ طلب الاساس، فلما وصل إليه ظلل الله تعالى له مكان البيت بغمامة، فكانت حفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم وتهديه مكان القواعد حتى رفع الله القواعد قامة. ثم انكشفت الغمامة، فذلك قول الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] أي: الغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد، فلم يزل بحمد الله منذ رفعه الله معمورًا. قال وهب بن منبه: وقرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه أمر

стр. 15

الكعبة فوجد فيه أن ليس من ملك من الملائكة بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت، فينقض من عند العرش محرمًا ملبيًا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعًا بالبيت ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد. وحدثني محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن عبد الله بن لبيد قال: بلغني أن ابن عباس قال: لما أهبط الله سبحانه آدم ﵇ إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام وهو مثل الفلك من رعدته، ثم أنزل عليه الحجر الأسود -يعني الركن- وهو يتلألأ من شدة بياضه، فأخذه آدم ﵇ فضمه إليه أنسًا به ثم نزلت عليه العصا، فقيل له: تخط يا آدم فتخطى فإذا هو بأرض الهند والسند، فمكث بذلك ما شاء الله ثم استوحش إلى الركن، فقيل له: احجج قال: فحج فلقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام (١). وحدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: بلغني أن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض حزن على ما فاته مما كان يرى ويسمع في الجنة من عبادة الله ، فبوأ الله له البيت الحرام وأمره بالسير إليه، فسار إليه لا ينزل منزلًا إلا فجر الله له ماء معينا، حتى انتهى إلى مكة فأقام بها يعبد الله عند ذلك البيت ويطوف به، فلم تزل داره حتى قبضه الله بها (٢). حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب: يا كعب، أخبرني عن البيت الحرام قال كعب: أنزله الله تعالى من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم ﵇ فقال له: "يا آدم، إن هذا بيتي أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى حوله كما يصلى حول عرشي" ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من

стр. 16

حجارة، ثم وضع البيت عليه فكان آدم ﵇ يطوف حوله كما يطاف حول العرش، ويصلي عنده كما يصلى عند العرش، فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله إلى السماء، وبقيت قواعده (١). حدثني جدي، قال: وحدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن أبان بن أبي عياش قال: بلغنا عن أصحاب النبي ﷺ أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل كعبًا، ثم نسق مثل الحديث الأول. وحدثني جدي، قال: وحدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس -رضوان الله عليه- قال: كان آدم ﵇ أول من أسس البيت، وصلى فيه حتى بعث الله الطوفان (٢). حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر عن أبان أن البيت أهبط ياقوتة لآدم ﵇ أو درة واحدة. وحدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه قال: كان البيت الذي بوأه الله تعالى لآدم ﵇ يومئذ ياقوتة من يواقيت الجنة حمراء تلتهب، لها بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، وكان فيه قناديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة وهو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض، والركن يومئذ نجم من نجومه، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء (٣). حدثنا جدي، قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال: حدثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء بن أبي رباح قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة أمر العمال أن يبلغوا في الأرض، فبلغوا صخرًا أمثال الإبل الخلف قال: فقالوا: إنا قد بلغنا صخرًا معمولًا أمثال الإبل الخلف قال: قال: زيدوا فاحفروا، فلما

стр. 17

زادوا بلغوا هواء من نار يلقاهم فقال: ما لكم؟ قالوا: لسنا نستطيع أن نزيد، رأينا أمرًا عظيمًا فلا نستطيع. فقال لهم: ابنوا عليه، قال: فسمعت عطاء يقول: يرون أن ذلك الصخر مما بنى آدم ﵇. وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، خر آدم ساجدًا يبكي فهتف به هاتف فقال: "ما يبكيك يا آدم؟ " قال: أبكاني أنه حيل بيني وبين تسبيح ملائكتك وتقديس قدسك، فقيل له: "يا آدم، قم إلى البيت الحرام" فخرج إلى مكة فكان حيث يضع قدميه يفجر عيونًا، وعمرانًا، ومدائن وما بين قدميه الخراب والمعاطش، فبلغني أن آدم ﵇ تذكر الجنة فبكى، فلو عدل بكاء الخلق ببكاء آدم حين أخرج من الجنة ما عدله، ولو عدل بكاء الخلق وبكاء آدم ﵇ ببكاء داود حين أصاب الخطيئة ما عدله. حدثني جدي قال: أخبرنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه أن آدم ﵇ اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه، ولتبكي لبكائه قال: فعزاه الله بخيمة من خيام الجنة وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة وفيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، فلما صار آدم ﵇ إلى مكة وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، فكانوا يحرسونه ويذودون عنها سكان الأرض، وسكانها يومئذ الجن والشياطين، ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة؛ لأنه من نظر إلى شيء منها وجبت له، والأرض يومئذ نقية طاهرة طيبة لم تنجس ولم تسفك فيها الدماء، ولم يعمل فيها بالخطايا؛ فلذلك جعلها الله يومئذ مستقر الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل والنهار لا يفترون، قال: فلم تزل تلك الخيمة مكانها حتى قبض الله آدم ﵇ ثم رفعها إليه.

стр. 18

حدثني مهدي بن أبي المهدي، عن عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر عن قتادة في قوله ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم ﵇ فأهبط الله تعالى آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فقبض إلى ستين ذراعًا فحزن آدم ﵇ إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله تعالى: "يا آدم، إني أهبطت معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي" فانطلق إليه فخرج آدم ﵇ ومد له في خطوه فكان خطوتان أو بين خطوتين مفازة، فلم يزل على ذلك، فأتى آدم ﵇ البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء. حدثني محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران، عن عمر بن أبي معروف، عن عبد الله بن أبي زياد أنه قال: لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ من الجنة قال: "يا آدم، ابن لي بيتًا بحذاء بيتي الذي في السماء، تتعبد فيه أنت وولدك كما تتعبد ملائكتي حول عرشي" فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذفت الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم ﵇ بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض، فوضعها على الأساس فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق، فرفعها الله سبحانه (١).

стр. 19

ما جاء في حج آدم ﵇ ودعائه لذريته: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: حُدثت أن آدم ﵇ خرج حتى قدم مكة فبنى البيت، فلما فرغ من بنائه قال: أي رب، إن لكل أجير أجرًا وإن لي أجرًا، قال: "نعم،

стр. 20

فاسألني" قال: أي رب، تردني من حيث أخرجتني، قال: "نعم ذلك لك" قال: أي رب، ومن خرج إلى هذا البيت من ذريتي يقر على نفسه بمثل الذي قررت به من ذنوبي أن تغفر له قال: "نعم ذلك لك" (١). حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي المليح أنه قال: كان أبو هريرة يقول: حج آدم ﵇ فقضى المناسك فلما حج قال: يا رب إن لكل عامل أجرًا قال الله تعالى: "أما أنت يا آدم فقد غفرت لك، وأما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه غفرت له". فحج آدم ﵇ فاستقبلته الملائكة بالرحمة فقالت: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر قال: فكان آدم ﵇ إذا طاف بالبيت يقول هؤلاء الكلمات، وكان طواف آدم ﵇ سبعة أسابيع بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار. قال نافع: كان ابن عمر ﵀ يفعل ذلك. حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي، عن عبد الله بن أبي سليمان مولى بني مخزوم أنه قال: طاف آدم ﵇ سبعًا بالبيت حين نزل، ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنوبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قضيت علي. قال: فأوحى الله تعالى إليه: "يا آدم، قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك،

стр. 21

ولن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت غمومه وهمومه، وكففت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغناء بين عينيه، وتجرت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها". قال: فمذ طاف آدم ﵇ كانت سنة الطواف.

стр. 22

"سنة الطواف": حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: حدثني موسى بن عبيد، عن محمد بن المنكدر قال: كان أول شيء عمله آدم ﵇ حين أهبط من السماء، طاف بالبيت فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك يا آدم، طفنا بهذا البيت قبلك بألفي سنة. حدثني جدي، عن سفيان بن عيينة، عن الحرام بن أبي لبيد المدني قال: حج آدم ﵇ فلقيته الملائكة فقالوا: يا آدم بر حجك، قد حججنا قبلك بألفي عام. حدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني سعيد أن آدم ﵇ حج على رجليه سبعين حجة ماشيًا، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: بر حجك يا آدم، أما إنا قد حججنا قبلك بألفي عام. حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵁ قال: حج آدم ﵇ وطاف بالبيت سبعًا، فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا: بر حجك يا آدم، أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال آدم ﵇: فزيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: فزادت الملائكة فيها ذلك.

стр. 23

قال: ثم حج إبراهيم ﵇ بعد بنيانه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه فقال لهم إبراهيم: ماذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فأعلمناه ذلك فقال آدم ﵇: زيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم: زيدوا فيها: العلي العظيم قال: ففعلت الملائكة ذلك.

стр. 24

ذكر وحشة آدم في الأرض حين نزلها، وفضل البيت الحرام والحرم: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه قال: إن آدم ﵇ لما هبط إلى الأرض استوحش فيها؛ لما رأى من سعتها ولم ير فيها أحدًا غيره فقال: يا رب، أما لأرضك هذه عامر، يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟ قال: "إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري ويسبحني فيها خلقي، وسأبوئك فيها بيتًا أختاره لنفسي وأختصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي، فأسميه بيتي وأنطقه بعظمتي، وأجوزه بحرماتي، وأجعله أحق بيوت الأرض كلها وأولاها بذكري، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، وقبل ذلك قد كان بغيتي فهو صفوتي من البيوت، ولست أسكنه وليس ينبغي لي أن أسكن البيوت ولا ينبغي لها أن تسعني، ولكن على كرسي الكبرياء والجبروت وهو الذي استقل بعزتي، وعليه وضعت عظمتي وجلالي، وهنالك استقر قراري، ثم هو بعد ضعيف عني لولا قوتي، ثم أنا بعد ذلك ملء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ومحيط بكل شيء، وأمام كل شيء، وخلف كل شيء، ليس ينبغي لشيء أن

стр. 25

يعلم علمي، ولا يقدر قدرتي، ولا يبلغ كنه شأني. أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرمًا وأمنًا، أحرم بحرماته ما فوقه، وما تحته، وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرماتي، ومن أحله فقد أباح حرماتي، ومن أمن أهله فقد استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد أخفرني في ذمتي، ومن عظم شأنه عظم في عيني، ومن تهاون به صغر في عيني ولكل ملك حيازة ما حواليه، وبطن مكة خيرتي وحيازتي وجيران بيتي وعمارها وزوارها وفدي وأضيافي في كنفي وأفنيتي ضامنون علي في ذمتي وجواري، فأجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجًا شعثًا غبرًا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجًا ويرجون بالتلبية رجيجًا وينتحبون بالبكاء نحيبًا، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني ووفد إلي ونزل بي، ومن نزل بي فحقيق علي أن أتحفه بكرامتي وحق الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء، أمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، ونبي بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك وهو خاتم النبيين، فأجعله من عماره، وسكانه، وحماته، وولاته، وسقاته يكون أميني عليه ما كان حيا، فإذا انقلب إلي وجدني قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به للقربة مني والوسيلة إلي، وأفضل المنازل في دار المقام. وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له: إبراهيم أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتًا لي قائمًا بأمري داعيًا إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وينذر لي فيفي، ويعدني فينجز، وأستجيب له في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم فأجعلهم

стр. 26

أهل ذلك البيت، وولاته، وحماته، وخدامه، وسدانه، وخزانه، وحجابه حتى يبتدعوا ويغيروا. فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء، أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت، وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن، يطئون فيها آثاره، ويتبعون فيها سنته، ويقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره واستكمل نسكه، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيّع نسكه وأخطأ بغيته. فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموفين بنذورهم المستكملين مناسكهم المبتهلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون. وليس هذا الخلق ولا هذا الأمر الذي قصصت عليك شأنه يا آدم بزائد في ملكي، ولا عظمتي، ولا سلطاني، ولا شيء مما عندي إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر (١) تمدها من بعدها سبعة أبحر (١) لا تحصى، بل القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شيء مما عندي ولو لم أخلقه لم ينقص شيئًا من ملكي ولا عظمتي ولا مما عندي من الغناء والسعة إلا كما نقصت الأرض ذرة وقعت من جميع ترابها، وجبالها، وحصاها، ورمالها، وأشجارها، بل الذرة أنقص في الأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه لشيء مما عندي، وبعد هذا من هذا مثلًا للعزيز الحكيم". حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه بنحوه.

стр. 27

ما جاء في البيت المعمور: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه قال: أخبرني أبو سعيد عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به قال: "سمي البيت المعمور؛ لأنه يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، ثم ينزلون إذا أمسوا فيطوفون بالكعبة، ثم يسلمون على النبي ﷺ ثم ينصرفون فلا تنالهم النوبة حتى تقوم الساعة". حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة بيتًا في السماء بحيال الكعبة فوق قبتها، اسمه الضراح وهو البيت المعمور، يرده كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبدًا. حدثني جدي، عن سعيد بن سالم قال: أخبرني ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "البيت الذي في السماء يقال له: الضراح، وهو مثل بناء هذا البيت الحرام ولو سقط لسقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدًا". وحدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن السائب الكلبي قال: بلغني -والله أعلم- أن بيتًا في السماء يقال له: الضراح بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الملائكة ما دخلوه قط قبلها. حدثني جدي قال: حدثني سفيان بن عيينة، عن ابن أبي حسين، عن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليًّا ﵁: ما البيت المعمور؟ قال: هو الضراح، وهو حذاء هذا البيت، وهو في السماء السادسة يدخله كل يوم

стр. 28

سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدًا. حدثني أبو محمد قال: حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا سفيان بن عيينة بنحوه، إلا أنه قال: في السماء السابعة، وقال: لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني قال: حدثنا معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا ﵁ وهو يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما منه آية إلا وأنا أعلم أنها (١) بليل نزلت أم بنهار، أم بسهل نزلت أم بجبل. فقام ابن الكواء وأنا بينه وبين علي ﵁ وهو خلفي قال: أفرأيت البيت المعمور ما هو؟ قال: ذاك الضراح فوق سبع سموات تحت العرش، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة.

стр. 29

ما جاء في رفع البيت المعمور زمن الغرق، وما جاء فيه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن مجاهد قال: بلغني انه لما خلق الله السموات والأرض كان أول شيء وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء، لها بابان: أحدهما شرقي والآخر غربي، فجعله مستقبل البيت المعمور.

стр. 30

فلما كان زمن الغرق رفع في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة، واستودع الله الركن أبا قبيس قال: وقال ابن عباس: كان ذهبًا فرفع زمان الغرق، وهو في السماء. وقال ابن جريج: قال جويبر: كان بمكة البيت المعمور، فرفع زمان الغرق فهو في السماء. حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني أبو سعيد عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به: "أن آدم ﵇ قال: أي رب، إني أعرف شقوتي، إني لا أرى شيئًا من نورك يعبد، فأنزل الله عليه البيت المعمور على عرض البيت في موضعه من ياقوتة حمراء، ولكن طوله كما بين السماء والأرض، وأمره أن يطوف به، فأذهب الله عنه الغم الذي كان يجده قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح ﵇".

стр. 31

ذكر بناء ولد آدم البيت الحرام بعد موت آدم ﵇: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن وهب بن منبه أنه قال: لما رفعت الخيمة التي عزّى الله بها آدم من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت، ومات آدم ﵇، فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتًا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا يعمرونه هم ومن بعدهم حتى كان زمن نوح ﵇، فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بوئ لإبراهيم ﵇.

стр. 32

ما جاء في طواف سفينة نوح ﵇ زمن الغرق بالبيت الحرام: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا بشر بن السرى البصري، عن داود بن أبي الفرات الكندي، عن علباء بن أحمر اليشكري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا أقاموا في السفينة مائة وخمسين يومًا، وإن الله تعالى وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يومًا، ثم وجهها الله تعالى إلى الجودي فاستقرت عليه. فبعث نوح ﵇ الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف وأبطأ عنه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها: ثمانين. فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربية، قال: فكان لا يفقه بعضهم عن بعض، وكان نوح ﵇ يعبر (١) عنهم.

стр. 33

أمر الكعبة بين نوح وإبرهيم ﵉ حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدى، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد، أنه قال: كان موضع الكعبة قد خفى ودرس من الغرق فيما بين نوح وإبراهيم ﵉، قال: وكان موضعه أكمة حمراء مَدَرة

стр. 34

لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك، ولا يثبت موضعه. وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض، ويدعو عنده المكروب، فقل من دعا هنالك إلا استجيب له. وكان الناس يحجون إلى موضع البيت، حتى بوأ الله مكانه لابراهيم ﵇ لما أراد من عمارة بيته وإظهار دينه وشرائعه، فلم يزل منذ أهبط الله آدم ﵇ إلى الأرض معظمًا محرمًا بيته تتناسخه الأمم والملل، أمة بعد أمة وملة بعد ملة، قال: وقد كانت الملائكة تحجه قبل آدم ﵇.

стр. 35

ما ذكر من تخير إبراهيم ﵇ موضع البيت الحرام من الأرض: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: بلغني -والله أعلم- أن إبراهيم خليل الله تعالى عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة فقالت له الملائكة: يا خليل الله، اخترت حرم الله تعالى في الأرض، قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل قال: ويقولون: خمسة، وكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال.

стр. 36

باب ما جاء في إسكان إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه هاجر في بدء أمره عند البيت الحرام كيف كان: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن الله تعالى لما بوأ لإبراهيم مكان البيت، خرج إليه من الشام وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحُملوا فيما يحدثني على البراق. قال عثمان بن ساج: وحدثنا عن الحسن البصري أنه كان يقول في صفة البراق عن النبي ﷺ قال: "إنه أتاني جبريل بدابة بين الحمار والبغل، لها جناحان في فخذيها تحفزانها، تضع حافرها في منتهى طرفها". قال عثمان: قال محمد بن إسحاق: ومعه جبريل ﵇ يدله على موضع البيت ومعالم الحرم قال: فخرج وخرج معه لا يمر إبراهيم بقرية من القرى إلا قال: يا جبريل أبهذه أمرت؟ فيقول له جبريل ﵇: امضه، حتى قدم مكة وهي آنذاك عضاه من سلم وسمر وبها ناس يقال لهم: العماليق، خارجًا من مكة فيما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة. فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم! قال: فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. ثم انصرف إلى الشام وتركهما عند البيت الحرام. وحدثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن سعيد بن جبير قال: حدثنا عبد الله بن عباس أنه حين كان بين أم إسماعيل بن إبراهيم وبين

стр. 37

سارة امرأة إبراهيم ما كان، أقبل إبراهيم ﵇ بأم إسماعيل وإسماعيل وهو صغير ترضعه، حتى قدم بهما مكة، ومع أم إسماعيل شنة فيها ماء تشرب منها وتدر على ابنها، وليس معها زاد. يقول سعيد بن جبير: قال ابن عباس: فعمد بهما إلى دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد -يشير لنا بين البئر وبين الصفة- يقول: فوضعهما تحتها، ثم توجه إبراهيم خارجًا على دابته واتبعت أم إسماعيل أثره حتى أوفى إبراهيم بكدا. يقول ابن عباس: فقالت له أم إسماعيل: إلى من تتركها وابنها؟ قال: إلى الله قالت: رضيت بالله. فرجعت أم إسماعيل تحمل ابنها حتى قعدت تحت الدوحة فوضعت ابنها إلى جنبها، وعلقت شنتها تشرب منها وتدر على ابنها حتى فني ماء شنتها فانقطع درها، فجاع ابنها فاشتد جوعه حتى نظرت إليه أمه يتشحط قال: فحسبت أم إسماعيل أنه يموت فأحزنها. يقول ابن عباس: قالت أم إسماعيل: لو تغيبت عنه حتى لا أرى موته، يقول ابن عباس: فعمدت أم إسماعيل إلى الصفا حين رأته مشرفًا تستوضح عليه -أي: ترى أحدًا بالوادي- ثم نظرت إلى المروة ثم قالت: لو مشيت بين هذين الجبلين تعللت، حتى يموت الصبي ولا أراه. قال ابن عباس: فمشت بينهما أم إسماعيل ثلاث مرات أو أربعا، ولا تجيز بطن الوادي في ذلك إلا رملًا. يقول ابن عباس: ثم رجعت أم إسماعيل إلى ابنها فوجدته ينشغ (١) كما تركته فأحزنها، فعادت إلى الصفا تتعلل حتى يموت ولا تراه، فمشت بين الصفا والمروة كما مشت أول مرة.

стр. 38

يقول ابن عباس: حتى كان مشيها بينهما سبع مرات، قال ابن عباس: قال أبو القاسم ﷺ : "فلذلك طاف الناس بين الصفا والمروة". قال: فرجعت أم إسماعيل تطالع ابنها فوجدته كما تركته ينشغ، فسمعت صوتًا فراث (١) عليها ولم يكن معها أحد غيرها، فقالت: قد أسمع صوتك فأغثني إن كان عندك خير. قال: فخرج لها جبريل ﵇ فاتبعته حتى ضرب برجله مكان البئر -يعني: زمزم- فظهر ماء فوق الأرض حيث فحص جبريل. يقول ابن عباس: قال أبو القاسم ﷺ : "فحاضته أم إسماعيل بتراب ترده؛ خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها، فاستقت وشربت ودرت على ابنها". حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: بلغني أن ملكًا أتى هاجر أم إسماعيل حين أنزلها إبراهيم بمكة قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأشار لها إلى البيت وهو ربوة حمراء مدرة فقال لها: هذا أول بيت وضع للناس في الأرض وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه للناس. قال ابن جريج: وبلغني أن جبريل ﵇ حين هزم (٢) بعقبه (٣) في موضع زمزم، قال لأم إسماعيل، وأشار لها إلى موضع البيت: هذا أول بيت وضع للناس، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه للناس ويعمرانه فلا يزال معمورًا محرمًا مكرمًا إلى يوم القيامة.

стр. 39

قال ابن جريج: فماتت أم إسماعيل قبل أن يرفعه إبراهيم وإسماعيل، ودفنت في موضع الحجر. حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني علي بن عبد الله بن الوازع، عن أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن الملك الذي أخرج زمزم لهاجر قال لها: وسيأتي أبو هذا الغلام فيبني بيتًا هذا مكانه، وأشار لها إلى موضع البيت ثم انطلق الملك.

стр. 40

ما ذكر من نزول جرهم مع أم إسماعيل في الحرم: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج الله ماء زمزم لأم إسماعيل فبينا هي على ذلك إذ مر ركب من جرهم، قافلين من الشام في الطريق السفلى، فرأى الركب الطير على الماء فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس!. يقول ابن عباس: فأرسلوا جريين (١) لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها ثم رجعا إلى ركبهما، فأخبراهم بمكانها. قال: فرجع الركب كلهم حتى حيوها فردت عليهم وقالوا: لمن هذا الماء؟ قالت أم إسماعيل: هو لي، قالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل معك عليه؟ قالت: نعم. يقول ابن عباس: قال أبو القاسم ﷺ : "ألفى (٢) ذلك أم إسماعيل وقد
следующие страницы →