تعزيز الدين إذا قامت به الأئمة، ومن أراد الزهد والجهاد وأبواب البر والمعاونة على ما يكسب الإسلام كهذا العز وهذه المفاخر، وقد نسخنا ما كان حفر على صفيحة تاج مهرب بني دومي كابل شاه، في سنة سبع وتسعين ومائة على هذا اللوح، ومن نصر دين الله نصره الله؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (١).
وكتب الحسن بن سهل، صنو ذي الرياستين في سنة مائتين:
وشخص أمير المؤمنين هارون الرشيد، من الرقة يريد الحج يوم الاثنين لسبع ليالٍ بقين من شهر رمضان سنة ست وثمانين ومائة، فلم يدخل مدينة السلام، ونزل منزلًا منها على سبعة فراسخ على شاطئ الفرات، يقال له: الدارب وقد بني له بها منزل، ثم شخص خارجًا ومعه الأمين ولي العهد محمد ابن أمير المؤمنين والمأمون ولي العهد من بعده عبد الله ابن أمير المؤمنين، ومعه جميع وزرائه وقرابته، فعدل إلى المدينة من الربذة وقدمها، فأقام بها يومين، لم يصنع الأول منهما شيئًا إلا الصلاة في المسجد والتسليم على النبي ﷺ وجلس في اليوم الثاني في المقصورة حيال المنبر، فأمر بالمقصورة فغلقت كلها، ودعا بدفاتر العطاء، فأخرج يومه ذلك لأهل العطاء ثلاثة أعطية، وبدأ بالعطاء بنفسه فبودئ باسمه ووزن له عطاؤه فجعله في كمه، ثم فعل ذلك بالأمين والمأمون، ثم ببني هاشم المبدئين في الدعوة على غيرهم، فأعطوا كذلك عشيتهم.
ثم قام إلى منزله فأصبح غاديًا من المدينة الشريفة إلى مكة المعظمة، فلما قدمها عزل العثماني صهره محمد بن عبد الله عن صلاة مكة، وولى مكانه سليمان بن جعفر بن سليمان، فلما كان قبل التروية بيوم بعد الصبح، صعد المنبر فخطب خطبة الحج، ثم فتح له باب البيت فدخله وحده ليس معه غيره، وقام مسرور على باب البيت وأجيف أحد المصراعين، فمكث فيه
стр. 212
طويلًا في جوف الكعبة، ثم دعا بالأمين محمد ولي العهد، فكلمه طويلًا في جوف الكعبة، ثم دعا بالمأمون عبد الله ففعل به مثل ذلك، ثم دعا بسليمان بن أبي جعفر، ثم دعا بالفضل بن الربيع، ثم بعيسى بن جعفر وجعفر بن جعفر وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، فدخلوا عليه جميعًا، ثم دخل بعدهم الحارث وأبان ومحمد بن خالد وعبيد بن يقطين ونظراؤهم، ودعا بيحيى بن خالد، ولم يكن حاضرًا، فأتي به معجلًا حتى دخل، ودعا بجعفر بن يحيى، ثم كتب وليا العهد، كل واحد منهما على نفسه، كتابًا لأمير المؤمنين فيما أخذ على كل واحد منهما لصاحبه، وتوكَّد فيه عليهما بخط يده (١).
وحضرت الصلاة صلاة الظهر من قبل فراغهم، فنزل أمير المؤمنين، فصلى بهم الظهر ثم عاد إلى الكعبة فكان فيها إلى أن فرغوا من الكتابين، وأحضروا الناس سوى من سمينا: قاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وأسد بن عمرو قاضي مدينة الشرقية، وبعض من حجبة البيت، ثم حضرت صلاة العصر عند فراغهم، فنزل أمير المؤمنين فصلى بهم، ثم طافوا سبعًا ثم دخل منزله من دار العجلة وأمر بحشر من حضر من الهاشميين وغيرهم ليشهدوا على الكتابين، وأرسل إلى سليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر وجعفر بن موسى وقد كانوا انصرفوا، فردوا من منازلهم فجاءوا متضجرين، وأخرج إليهم الكتابين وقد وضع عليهما الطين، وليس من الخواتيم إلا خاتما وليي العهد، فقرئا على جميع من حضر ليشهدوا عليهما (٢)، ولم يثبت في الكتابين إلا أسماء من كان في الكعبة، حيث كتب الكتابان ولم يختم غيرهم، ولم يكن الكتابان طُيِّنا ولا طُوِيا ولا خُتِما في جوف الكعبة.
стр. 213
ثم أمر أمير المؤمنين بعد أن شهدوا على الكتابين أن يعلقا في داخل الكعبة قبالة بابها مع المعاليق التي فيها حيث يراهما الناس، وضمنهما الحجبة واستحلفهم على حفظهما والقيام بهما وأن يصونوهما ويعلقوهما في وقت الحج منشورين، وصنع لهما قصبتان من ذهب فكللوهما بفصوص الياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ، ثم انصرف أمير المؤمنين بعد قضاء نسكه، فسار مقتصدًا لم يعد المراحل حتى وافى الكوفة (١).
стр. 214
نسخة الكتابين (١) اللذين كتبا في بطن الكعبة اللذين شهد عليهما، ونسخة الشرط الذي كتبه محمد بن أمير المؤمنين في بطن الكعبة:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من بدنه وعقله وجواز من أمره، طائعًا غير مكره: إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد من بعده، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعًا، وولى أخي عبد الله بن أمير المؤمنين هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي، برضاء مني وتسليم طائعًا غير مكره، وولاه خراسان بثغورها وكورها "وحربها" (٢) وجنودها وخراجها وطرزها، وبريدها وبيوت أموالها، وصدقاتها، وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها في حياته وبعد وفاته، فشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين "برضا مني وطيب نفسي أن لأخي عبد الله بن هارون" (٢) علي الوفاء، بما جعل له أمير المؤمنين هارون من البيعة والعهد، وولاية الخلافة، وأمور المسلمين بعدي، وتسليم ذلك له وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها، وما أقطعه
стр. 215
أمير المؤمنين هارون من قطيعة، وجعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه وعقده، أو ابتاع له من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جواهر أو متاع، أو كسوة أو رقيق أو منزل أو دواب أو قليل أو كثير، فهو لعبد الله ابن أمير المؤمنين موفرًا عليه مسلمًا له، وقد عرفت ذلك كله شيئًا شيئًا باسمه وأصنافه ومواضعه، أنا وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، فإن اختلفنا في شيء منه فالقول فيه قول عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، لا أتبعه بشيء من ذلك ولا آخذه منه، ولا أنتقصه صغيرًا ولا كبيرًا، ولا من ولاية خراسان ولا غيرها مما ولاه أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شيء منها، ولا أخلعه ولا أستبدل به غيره، ولا أقدم "عليه" (١) قبله في العهد والخلافة أحدًا من الناس جميعًا، ولا أدخل عليه مكروهًا في نفسه ودمه، ولا شعره ولا بشره، ولا خاص ولا عام من أمور ولايته، ولا أمواله ولا قطائعه ولا عقده، ولا أغير عليه شيئًا بسبب من الأسباب، ولا آخذه ولا أحدًا من عماله وكتابه وولاة أمره، ممن صحبه وأقام معه، لمحاسبة، ولا أتتبع شيئًا مما جرى على يديه وأيديهم في ولايته خراسان وأعمالها، وغيرها مما ولاه أمير المؤمنين في حياته وصحته، من الجباية والأموال والطرز والبريد والصدقات والعشر والعشور وغير ذلك، ولا آمر بذلك أحدًا من الناس، ولا أرخص فيه لغيري، ولا أحدث فيه نفسي بشيء أمضيه عليه، ولا ألتمس فيه قطيعته، ولا أنقص شيئًا مما جعل له هارون أمير المؤمنين، وأعطاه في حياته وخلافته وسلطانه من جميع ما سميت في كتابي هذا، وآخذ له علي وعلى جميع الناس البيعة، ولا أرخص لأحد من الناس كلهم في جميع ما ولاه، ولا في خلعه ولا في مخالفته، ولا أسمع من أحد من البرية في ذلك قولًا، ولا أرضى بذلك في سر ولا علانية، ولا أغمض عليه ولا أتغافل عليه، ولا أقبل من بر من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب،
стр. 216
ولا ناصح ولا غاش، ولا قريب ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﵇ من ذكر ولا أنثى، مشورة ولا مكيدة ولا حيلة في شيء من الأمور؛ سرها وعلانيتها، وحقها وباطلها، وباطنها وظاهرها، ولا لسبب من الأسباب، أراد بذلك إفساد شيء، مما أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسي، وأوجبت له علي وشرطت وسميت في كتابي هذا، وأراد به أحد من الناس أجمعين سوءًا أو مكروهًا أو أراد خلعه أو محاربته أو الوصول إلى نفسه ودمه أو حرمه، أو سلطانه أو ماله، أو ولايته جميعًا أو فرادى، مسرين أو مظهرين له، أن أنصره وأحوطه وأدفع عنه كما أدفع عن نفسي ومهجتي ودمي وشعري وبشري وحرمي وسلطاني، وأجهز الجنود إليه وأعينه على كل من غشه وخالفه، ولا أسلمه ولا أتخلى منه، ويكون أمري وأمره في ذلك واحدًا أبدًا ما كنت حيًّا.
وإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأنا وعبد الله بن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين أو أحدنا، أو كنا غائبين عنه جميعًا مجتمعين كنا أو متفرقين، وليس عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في ولايته بخراسان، فعلي لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان، وأسلم له ولايتها وأعمالها كلها وجنودها ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلي ولا في شيء من البلدان دون خراسان، وأعجل إشخاصه إلى خراسان واليًا عليها وعلى جميع أعمالها، منفردًا بها، مفوضًا إليه جميع أعمالها كلها، وأُشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين من قواده وجنوده، وأصحابه وكتابه، وعماله، ومواليه، وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأهليهم وأموالهم، ولا أحبس عنه أحدًا منهم، ولا أشرك معه في شيء منها أحدًا، ولا أرسل عليه أمينًا، ولا كاتبًا ولا بندارًا (١)، ولا أضرب على يديه في قليل ولا كثير.
стр. 217
وأعطيت هارون أمير المؤمنين وعبد الله بن هارون على ما شرطت لهما على نفسي من جميع ما سميت وكتبت في كتابي هذا، عهد الله وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين وذمتي، وذمم آبائي، وذمم المؤمنين، وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها، فإن أنا نقضت شيئًا مما شرطت لهارون أمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وسميت في كتابي هذا، أو حدثت نفسي أن أنقض شيئًا مما أنا عليه، أو غيرت أو بدلت أو حدثت أو غدرت أو قبلت من أحد من الناس، صغيرًا أو كبيرًا، برًّا أو فاجرًا، ذكرًا أو أنثى، جماعة أو فرادى، فبرئت من الله سبحانه، ومن ولايته، ومن دينه، ومن محمد رسول الله ﷺ ولقيت الله يوم القيامة كافرًا به مشركًا، وكل امرأة هي اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة، طالق ثلاثًا البتة طلاق الحرج، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة، نذرًا واجبًا لله تعالى في عنقي، حافيًا راجلًا، لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك، وكل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة الحرام، وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة فهم أحرار لوجه الله تعالى، وكل ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه وسميت في كتابي هذا لازمًا لي الوفاء به ولا أضمر غيره، ولا أنوي إلا إياه، فإن أضمرت أو نويت غيره فهذه العهود والمواثيق والأيمان كلها لازمة لي واجبة علي، وقواد أمير المؤمنين وجنوده وأهل الآفاق والأمصار وعوام المسلمين براء من بيعتي وخلافتي وعهدي وولايتي، وهم في حل من خلعي وإخراجي، ومن ولايتي عليهم حتى أكون سوقة من السوق، وكرجل من عرض المسلمين، لا حق لي عليهم ولا ولاية ولا تبعة لي قبلهم، ولا بيعة لي في أعناقهم، وهم في حل من الأيمان التي أعطوني، براء من تبعتها ووزرها في الدنيا والآخرة.
стр. 218
شهد سليمان بن أمير المؤمنين المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وعبد الله بن المهدي، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن عيسى بن علي، وأحمد بن إسماعيل بن علي، وسليم بن جعفر بن سليمان، وعيسى بن صالح بن علي، وداود بن عيسى بن موسى، ويحيى بن عيسى بن موسى، وداود بن سليمان بن جعفر، وخزيمة بن حازم، وهرثمة بن أعين، ويحيى بن خالد، والفضل بن يحيى، وجعفر بن يحيى، والفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين، والعباس بن الفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين، وعبد الله بن الربيع مولى أمير المؤمنين، والقاسم بن الربيع مولى أمير المؤمنين، ودقاقة بن عبد العزيز العبسي، وسليمان بن عبد الله بن الأصم، والربيع بن عبد الله الحارثي، وعبد الرحمن بن أبي السمراء الغساني، ومحمد بن عبد الرحمن قاضي مكة، وعبد الكريم بن شعيب الحجبي، وإبراهيم بن عبد الله الحجبي، وعبد الله بن شعيب الحجبي، ومحمد بن عبد الله بن عثمان الحجبي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبي، وعبد الواحد بن عبد الله الحجبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبي، وأبان مولى أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن ضبيح، والحارث مولى أمير المؤمنين، وخالد مولى أمير المؤمنين، وكتب في ذي الحجة، سنة ست وثمانين ومائة.
стр. 219
نسخة الشرط الذي كتبه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في بطن الكعبة (١):
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله وجواز من أمره وصدق نية، فيما كتب في كتابه ومعرفة ما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته ولجماعة المسلمين: إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه، بعد أخي محمد بن هارون أمير المؤمنين، وولاني في حياته وبعده ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها، من الصدقات والعشر والعشور والبريد والطرز وغير ذلك، واشترط لي على محمد بن أمير المؤمنين الوفاء بما عقد لي به من الخلافة والولاية للعباد والبلاد بعده، وولاني خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين أو ابتاع لي من الضياع والعقد والدور والرباع، أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب "والرقيق وغير ذلك، ولا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي" (٢) في سبب محاسبة، ولا يتبع لي في ذلك، ولا لأحد منهم أبدًا، ولا يدخل علي ولا على أحد ممن كان معي ومني، ولا عمالي ولا كتابي، ومن استعنت به من جميع الناس، مكروهًا في دم ولا نفس ولا شعر ولا بشر، ولا مال ولا صغير "من الأمور" (٢) ولا كبير، فأجابه إلى ذلك وأقر به، وكتب له به كتابًا وكتبه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين هارون وقبله وعرف صدق نيته، فشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين، وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد بن أمير المؤمنين وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي
стр. 220
بيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ومكانفته، وأجاهد عدوه في ناحيتي بأحسن جهاد، ما وفى لي بما شرط لي ولعبد الله هارون أمير المؤمنين، وسماه في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، ورضي به أمير المؤمنين وقبله ولم ينقص شيئًا من ذلك ولا ينقص أمرًا من الأمور التي اشترطها لي عليه هارون أمير المؤمنين.
وإن احتاج محمد بن هارون أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلي يأمرني بإشخاصهم إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو إلى عدو من أعدائه خالفه، أو أراد نقص شيء من سلطانه وسلطاني الذي أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا وولانا "إياه فعلي" (١) أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء إن كتب به إلي.
وإن أراد محمد بن أمير المؤمنين، أن يولي رجلًا من ولده العهد والخلافة من بعدي، فذلك له ما وفى لي بما جعل لي أمير المؤمنين هارون واشترط لي عليه وشرطه على نفسه في أمري، وعلي إنفاذ ذلك والوفاء له بذلك، ولا أنقض ذلك ولا أغيره ولا أبدله ولا أقدم فيه أحدًا من ولدي ولا قريبًا ولا بعيدًا من الناس أجمعين، إلا أن يولي هارون أمير المؤمنين أحدًا من ولده العهد من بعدي، فيلزمني ومحمدًا الوفاء بذلك.
وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد بن أمير المؤمنين علي الوفاء بما اشترطت وسميت في كتابي هذا ما وفى له محمد بن أمير المؤمنين، ولمحمد بن أمير المؤمنين هارون بجميع ما اشترط لي هارون أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من جميع الأشياء المسماة في الكتاب الذي كتبه له عبد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتي وذمم آبائي وذمم المؤمنين، وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، فإن نقضت شيئًا
стр. 221
مما شرطت وسميت في كتابي هذا له، أو غيرت أو بدلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله تعالى، ومن ولايته، ومن دينه، ومن محمد رسوله ﷺ ولقيت الله سبحانه يوم القيامة كافرًا مشركًا به.
وكل امرأة هي اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة، طالق ثلاثًا البتة طلاق الحرج، وكل مملوك لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله تعالى، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة نذرًا واجبًا علي وفي عنقي، حافيًا راجلًا لا يقبل الله مني إلا الوفاء به، وكل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لعبد الله هارون أمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لي، لا أضمر غيره ولا أنوي سواه، شهد تسمية الشهود في ذلك الذين شهدوا على محمد بن أمير المؤمنين.
فلم يزل الشرطان معلقين في جوف الكعبة، حتى مات هارون الرشيد أمير المؤمنين وبعدما مات بسنتين في خلافة محمد بن الرشيد، ثم كلم الفضل بن الربيع محمد بن عبد الله الحجبي أن يأتيه بهما؛ فنزعهما من الكعبة وذهب بهما إلى بغداد، فأخذهما الفضل فخرقهما وأحرقهما بالنار.
стр. 222
نسخة ما كان حفر (١) على صحيفة التاج (٢):
بسم الله الرحمن الرحيم، أمر الإمام المأمون أمير المؤمنين -أكرمه الله- بحمل هذا التاج من خراسان، وتعليقه في الموضع الذي علق فيه الشرطان في بيت الله الحرام؛ شكرًا لله على الظفر بمن غدر، وتبجيلًا للكعبة
стр. 223
إذا استخفّ بها من نكث، وحال عما أكد على نفسه فيها، ورجا الإمام عظيم الثواب من الله بسده الثلمة التي اخترمها، المخلوع في الدين، فإنه قد كان جريئًا على الغدر والاستخفاف بما أكد في بيت الله وحرمه، وتوخى الإمام تذكير من تنفعه الذكرى ليزيدهم به يقينًا في دينهم، وتعظيمًا لبيت ربهم، وتحذيرًا لمن استخفّ وتعدى، فإنما علقنا هذا التاج بعد غدر المخلوع وإخراجه الشرطين وإحراقه إياهما.
فأخرجه الله من ملكه بالسيف، وأحرق محلته بالنار عبرة وعظة وعقوبة بما كسبت يداه، وما الله بظلام للعبيد.
وبعد عقد الإمام المأمون -أكرمه الله- بخراسان لذي الرياستين الفضل بن سهل وتوليته إياه المشرق وبلوغ الراية السوداء بلاد كابل ونهر السند، وتصيير مهرب بني دومي كابل شاه سريره وتاجه على يدي ذي الرياستين إلى باب الإمام المأمون أمير المؤمنين، وإسلام كابل شاه وأهل طاعته على يدي الإمام بمرو.
فأمر الإمام -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا- الثروة (١) من الأئمة المهديين: أن يدفع السرير إلى خزانة بيت مال المسلمين بالمشرق، ويعلق التاج في بيت الله الحرام بمكة، وبعث به ذو الرياستين والي الإمام على المشرق، ومدبر خيوله، وصاحب دعوته، بعدما اجتمع المسلمون على طاعة الإمام المأمون أمير المؤمنين -أكرمه الله- ووفوا له بوفائه بعهد الله، وأطاعوه بتمسكه بطاعة الله ، وكانفوه بعمله بكتاب الله وإحيائه سنة رسول الله ﷺ وبرئوا به من المخلوع لغدره ونكثه وتبديله، فالحمد لله رب العالمين معز من أطاعه، ومذل من عصاه، ورافع من وفى، وواضع من غدر، وصلى الله
стр. 224
على محمد النبي وآله وصحبه وسلم، وكتب الحسن بن سهل صنو ذي الرياستين في سنة تسع وتسعين ومائة.
стр. 225
ذكر الجب الذي كان في الجاهلية في الكعبة، ومال الكعبة الذي يهدى لها، وما جاء في ذلك:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان في الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ﵉ حين رفعا القواعد، وكان يكون فيه ما يهدى للكعبة من حلي أو ذهب أو فضة أو طيب أو غير ذلك، وكانت الكعبة ليس لها سقف، فسرق منها على عهد جرهم مال مرة بعد مرة، وكانت جرهم ترتضي لذلك رجلًا يكون عليه يحرسه، فبينا رجل ممن ارتضوه عندها إذ سولت له نفسه فانتظر حتى إذا انتصف النهار، وقلصت الظلال، وقامت المجالس، وانقطعت الطرق، ومكة إذ ذاك شديدة الحر، فبسط رداءه، ثم نزل في البئر فأخرج ما فيها فجعله في ثوبه، فأرسل الله حجرًا من البئر فحبسه حتى راح الناس، فوجدوه فأخرجوه، وأعادوا ما وجدوا في ثوبه في البئر، فسميت تلك البئر الأخسف.
فلما أن خسف بالجرهمي وحبسه الله ، بعث الله عند ذلك ثعبانًا وأسكنه في ذلك الجب في بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة يحرس ما فيه، فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه وفتح فاه، فلا يراه أحد إلا ذعر منه، وكان ربما يشرف على جدار الكعبة، فأقام كذلك في زمن جرهم وزمن خزاعة وصدرًا من عصر قريش، حتى اجتمعت قريش في الجاهلية على هدم البيت
стр. 226
وعمارته، فحال بينهم وبين هدمه حتى دعت قريش عند المقام عليه والنبي ﷺ معهم وهو يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي بعد، فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصغير.
قال: حدثني جدي: قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها؛ فقال له أبي بن كعب: والله ما ذلك لك. فقال عمر: لم؟ فقال: إن الله قد بين موضع كل شيء، وأقره رسول الله ﷺ فقال عمر: صدقت.
حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام، فقال: جلس إلي عمر بن الخطاب ﵁ مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أترك فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها -يعني الكعبة- قال شيبة: فقلت له: إنه قد كان لك صاحبان لم يفعلاه، رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ فقال عمر: هما المرآن أقتدي بهما.
حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن رجل عن الحسين بن علي أن عمر ﵁ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: لقد هممت أن أقسم هذا المال -يعني مال الكعبة- فقال له علي: إن استطعت ذلك. فقال عمر: وما لي لا أستطيع ذلك أولا تعينني على ذلك؟ فقال علي: إن استطعت ذلك، فرددها عمر ثلاثًا، فقال علي ﵁: ليس ذلك إليك، فقال عمر: صدقت.
وحدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أشياخه، قالوا: قال عمر ﵁: لقد هممت أن لا أترك في الكعبة شيئًا إلا قسمته؛ فقال له أبي بن كعب: والله ما ذلك لك؛ قال: ولم؟ قال: قرر الله موضع كل مال
стр. 227
وأقره رسول الله ﷺ قال: صدقت.
وكان ابن عباس يقول: سمعت عمر ﵁ يقول: إن تركي هذا المال في الكعبة لا آخذه فأقسمه في سبيل الله تعالى وفي سبيل الخير، وعلي بن أبي طالب يسمع ما يقول، فقال: ما تقول يابن أبي طالب؟ أحلف بالله لئن شجعتني عليه لأفعلن. قال: فقال له علي: أتجعله فيئا وأحرى صاحبه رجل يأتي في آخر الزمان ضرب أدم طويل، فمضى عمر، قال: وذكروا أن النبي ﷺ وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت، وأن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: يا رسول الله، لو استعنت بهذا المال على حربك، فلم يحركه، ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه.
حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني بعض الحجبة في سنة ثمان وثمانين ومائة، أن ذلك المال بعينه في خزانة الكعبة، ثم لا أدري ما حاله بعد، حدثني جدي وغيره من مشيخة أهل مكة وبعض الحجبة: أن الحسين بن الحسن العلوي عمد إلى خزانة الكعبة في سنة مائتين في الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة، فأخذ مما فيها مالًا عظيمًا وانتقله إليه؛ وقال: ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعًا لا ينتفع به؟ نحن أحق به نستعين به على حربنا (١).
حدثني جدي قال: سمعت عبد الله بن زرارة بن مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان، يقول: حضرت الوفاة فتى منا من أصحابنا من الحجبة بالبوباة (٢) من قرن، فاشتد عليه الموت جدا، فمكث أيامًا ينزع نزعًا شديدًا حتى رأوا منه ما غمهم وأحزنهم من شدة كربه، فقال له أبوه: يا بني لعلك أصبت من هذا الأبرق شيئًا -يعني مال الكعبة- قال: نعم يا أبت، أربعمائة دينار، فقال أبوه: اللهم، إن هذه الأربعمائة دينار علي في أنضر
стр. 228
مالي للكعبة، ثم انحرف إلى أصحابه فقال: اشهدوا أن للكعبة علي أربعمائة دينار في أنضر مالي أؤديها إليها، قال: فسري عنه، ثم لم يلبث الفتى أن مات (١).
قال أبو الوليد: وسمعت يوسف بن إبراهيم بن محمد العطار يحدث عن عبد الله بن زرارة، أن مال الكعبة كان يدعى الأبرق ولم يخالط مالا قط إلا محقه، ولم يرزأ أحد منه قط من أصحابنا إلا بان النقص في ماله، وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت، قال: ولم يزل من مضى من مشيخة الحجبة يحذرونه أبناءهم ويخوفونهم إياه ويوصونهم بالتنزه عنه، ويقولون: لن تزالوا بخير ما دمتم أعفة عنه، وإن كان الرجل ليصيب منه الشيء فيضعه عند الناس.
حدثني مسافع بن عبد الرحمن الحجبي قال: لما بويع بمكة لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃ في الفتنة في سنة مائتين حين ظهرت المبيضة (٢) بمكة، أرسل إلى الحجبة فتسلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار، وقال: نستعين بها على أمرنا، فإذا أفاء الله علينا رددناها في مال الكعبة، فدفعوا إليه وكتبوا عليه بذلك كتابًا، وأشهدوا فيه شهودًا، فلما خلع نفسه ورفع إلى أمير المؤمنين المأمون، تقدم الحجبة واستعدوا عليه عند أمير المؤمنين، فقضاهم أمير المؤمنين المأمون عن محمد بن جعفر خمسة آلاف دينار وكتب لهم بها إلى إسحاق بن عباس بن عباد بن محمد وهو والٍ على اليمن، فقبضتها الحجبة وردوها في خزانة الكعبة.
حدثني جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا
стр. 229
أيوب بن موسى عن سعيد بن يسار الخزاعي عن ابن عمر، أنه كان في دار خالد بن أسيد بمكة، فجاءه رجل فقال: أرسل معي بحلي إلى الكعبة، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ما أحمقكم يا أهل العراق، أما فيكم مسكين؟ أما فيكم يتيم؟ أما فيكم فقير؟ إن كعبة الله لغنية عن الذهب والفضة، ولو شاء الله لجعلها ذهبًا وفضة. قال ابن يسار: فكان معي حلي بعثت بها إلى الكعبة فقلت له: وأنا مستحي، فقال: وأنت أيضًا، ثم قال لي كما قال للآخر.
стр. 230
ذكر من كسا الكعبة في الجاهلية:
حدثنا عم أبي أبو محمد قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن سب أسعد الحميري وهو تبع، وكان هو أول من كسا الكعبة.
وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني عن غير واحد من أهل العلم أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تُبَّع وهو أسعد، أرى في النوم أنه يكسوها فكساها الأنطاع، ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل ثيابا حبرة من عصب اليمن وجعل لها بابًا يغلق، وقال أسعد في ذلك:
وكسونا البيت الذي حرم اللـ … ـه ملاء معضدًا وبرودا
وأقمنا به من الشهر عشرًا … وجعلنا لبابه إقليدا
وخرجنا منه نؤم سهيلا … قد رفعنا لواءنا معقودا (١)
стр. 231
وحدثني محمد بن يحيى قال: حدثني سليم بن مسلم، عن ابن جريج أنه كان يقول: أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تبع، كساها العصب وجعل لها بابًا يغلق.
حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أفلح بن حميد، عن أبيه، عن النوار بنت مالك بن صرمة أم زيد بن ثابت قالت: رأيت على الكعبة قبل أن ألد زيد بن ثابت وأنا به نسء، مطارف خز خضراء وصفراء، وكرارًا، وأكسية من أكسية الأعراب وشقاق شعر، الكرار: الخيش الرقيق واحدها: كر.
حدثني جدي أحمد بن محمد، عن الواقدي، عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم السلمي قال: نذرت أمي بدنة تنحرها عند البيت وجللتها شقتين من شعر ووبر، فنحرت البدنة وسترت الكعبة بالشقتين والنبي ﷺ يومئذ بمكة لم يهاجر، فأنظر إلى البيت يومئذ وعليه كسًا شتى من وصائل وأنطاع وكرار وخز ونمارق عراقية -أي ميسانية- كل هذا قد رأيته عليه.
وحدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة أنه قال: بلغني أن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسا شتى، كانت البدنة تجلل الحبرة والبرود والأكسية وغير ذلك من عصب اليمن وكان هذا يهدى للكعبة سوى جلال البدن هدايا من كسا شتى خز وحبرة وأنماط فيعلق فتكسى منه الكعبة ويجعل ما بقي في خزانة الكعبة، فإذا بلي منها شيء أخلف عليها مكانه ثوب آخر ولا ينزع مما عليها شيء من ذلك، وكان يهدى إليها خلوق ومجمر، وكانت تطيب بذلك في بطنها ومن خارجها.
وحدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصي بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتجر بها
стр. 232
فأثري في المال، فقال لقريش: أنا أكسو وحدي الكعبة سنة وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتى مات، يأتي بالحبرة الجيدة من الجند (١) فيكسوها الكعبة فسمته قريش العدل؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها، فسموه إلى اليوم العدل ويقال لولده: بنو العدل.
стр. 233
ذكر كسوة الكعبة في الإسلام، وطيبها، وخدمها، وأول من فعل ذلك:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا أبي، عن خالد، عن ابن المهاجر أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عاشوراء فقال النبي ﷺ : "هذا يوم عاشوراء، يوم تنقضي فيه السنة، وتستر فيه الكعبة، وترفع فيه الأعمال، ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم".
وحدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء، إذا ذهب آخر الحاج حتى كان بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج؛ لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالا، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار.
حدثني جدي، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع قال: كان ابن عمر يكسو بدنه إذا أراد أن يحرم القباطي والحبرة، فإذا كان يوم عرفة ألبسها إياها، فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان فناطها على الكعبة.
стр. 234
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن أبيه قال: كسي البيت في الجاهلية الأنطاع، ثم كساه النبي ﷺ الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج، ويقال: أول من كساه الديباج يزيد بن معاوية، ويقال: ابن الزبير، ويقال: عبد الملك بن مروان، وأول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير، وأول من دعا على الكعبة عبد الله بن شيبة ويلقب الأعجم، فدعا لعبد الملك بن هشام وكان خليفة.
حدثني محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن حبيب بن أبي ثابت قال: كسا النبي ﷺ الكعبة، وكساها أبو بكر، وعمر ﵄.
وأخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا سليم بن مسلم، عن موسى بن عبيدة الربذي أن عمر بن الخطاب كسا الكعبة القباطي من بيت المال.
قال أبو الوليد: وحدثني جدي قال: حدثني سعيد بن سالم، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الكعبة القباطي من بيت المال، وكان يكتب فيها إلى مصر تحاك له هناك، ثم عثمان من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، وتكسى القباطي في آخر شهر رمضان للفطر، وأجرى لها معاوية وظيفة من الطيب لكل صلاة، وكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوق في الموسم وفي رجب، وأخدمها عبيدًا بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده.
وحدثني جدي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: كسوة البيت على الأمراء.
وحدثني جدي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني هشام
стр. 235
ابن عروة أن عبد الله بن الزبير كسا الكعبة الديباج.
وحدثني محمد بن يحيى، عن سليم بن مسلم، عن ابن جريج قال: كان معاوية أول من طيب الكعبة بالخلوق والمجمر، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال.
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد العزيز بن المطلب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان الناس يهدون إلى الكعبة كسوة ويهدون إليها البدن عليها الحبرات، فيبعث بالحبرات إلى البيت كسوة، فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخسرواني، فلما كان ابن الزبير اتبع أثره فكان يبعث إلى مصعب بن الزبير بالكسوة كل سنة، فكانت تكسى يوم عاشوراء.
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع قال: كان ابن عمر يجلل بدنة بالأنماط، فإذا نحرها بعث بالأنماط إلى الحجبة فيجعلونها على الكعبة قبل أن تكسى الكعبة.
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: فلما ولي عبد الملك بن مروان كان يبعث كل سنة بالديباج فيمر به على المدينة فينشر يومًا في مسجد رسول الله ﷺ على الأساطين ههنا وههنا، ثم يطوى ويبعث به إلى مكة، وكان يبعث بالطيب إليها وبالمجمر وإلى مسجد رسول الله ﷺ ثم كان أول من أخدم الكعبة يزيد بن معاوية، وهم الذين يسترون البيت.
حدثني جدي قال: كانت الكعبة تكسى في كل سنة كسوتان: كسوة ديباج، وكسوة قباطي؛ فأما الديباج فتكساه يوم التروية فيعلق عليها القميص ويدلى ولا يخاط، فإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار حتى تذهب الحجاج لئلا يخرقوه، فإذا كان العاشوراء علق عليها الإزار فوصل بالقميص فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها، حتى يوم سبعة وعشرين من شهر رمضان، فتكسى القباطي للفطر.
стр. 236
فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أن الديباج يبلى ويتخرق قبل أن يبلغ الفطر، ويرقع حتى يسمج، فسأل مباركا الطبري مولاه وهو يومئذ على بريد مكة وصوافيها: في أي الكسوة الكعبة أحسن؟ فقال له: في البياض، فأمر بكسوة من ديباج أبيض فعملت فعلقت سنة ست ومائتين وأرسل بها إلى الكعبة فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسًا: الديباج الأحمر يوم التروية، وتكسى القباطي يوم هلال رجب، وجعلت كسوة الديباج الأبيض التي أحدثها المأمون يوم سبعة وعشرين من شهر رمضان للفطر، وهي تكسى إلى اليوم ثلاث كسًا، ثم رفع إلى المأمون أيضًا أن إزار الديباج الأبيض الذي كساها يتخرق ويبلى في أيام الحج من مس الحجاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر الذي يخاط في العاشور، فبعث بفضل إزار ديباج أبيض تكساه يوم التروية أو يوم السابع فيستر به ما تخرق من الإزار الذي كسيته للفطر إلى أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر في العاشور، ثم رفع إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله أن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل هلال رجب من مس الناس وتمسحهم بالكعبة فزادها إزارين مع الإزار الأول، فأذال قميصها الديباج الأحمر وأسبله حتى بلغ الأرض؛ سئل أبو الوليد عن أذال فقال: أسبل؛ وقال الشاعر في معنى ذلك:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة … أجاد المسدى سردها فأذالها
ثم جعل فوقه في كل شهرين إزار، وذلك في سنة أربعين ومائتين لكسوة سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم نظر الحجبة فإذا الإزار الثاني لا يحتاج إليه فوضع في تابوت الكعبة وكتبوا إلى أمير المؤمنين أن إزارًا واحدًا مع ما أذيل من قمصها يجزيها، فصار يبعث بإزار واحد فتكساه بعد ثلاثة أشهر ويكون الذيل ثلاثة أشهر.
قال أبو الوليد: ثم أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله
стр. 237
بإذالة القميص القباطي، حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أطيب الكعبة أحب إلي من أن أهدي إليها ذهبًا وفضة.
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة عن عائشة ﵂ أنها قالت: طيبوا البيت؛ فإن ذلك من تطهيره.
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير خلق جوف الكعبة أجمع.
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يجمر الكعبة كل يوم برطل من مجمر، ويجمر الكعبة كل يوم جمعة برطلين من مجمر.
стр. 238
ما جاء في تجريد الكعبة، وأول من جردها:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينزع كسوة البيت في كل سنة فيقسمها على الحاج، فيستظلون بها على السمر بمكة (١).
حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي قال: سمعت ابن
стр. 239
أبي مليكة يقول: كانت على الكعبة كسًا كثيرة من كسوة أهل الجاهلية من الأنطاع والأكسية والكرار والأنماط، فكانت ركامًا بعضها فوق بعض، فلما كسيت في الإسلام من بيت المال كان يخفف عنها الشيء بعد الشيء، وكانت تكسى في خلافة عمر وعثمان ﵄ القباطي، يؤتى به من مصر، غير أن عثمان ﵁ كساها سنة برودًا يمانية أمر بعملها عامله على اليمن يعلى بن منبه، فكان أول من ظاهر لها كسوتين، فلما كان معاوية كساها الديباج مع القباطي فقال شيبة بن عثمان: لو طرح عنها ما عليها من كسا الجاهلية فخفف عنها؛ حتى لا يكون مما مسه المشركون شيء لنجاستهم (١)، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام فكتب إليه أن جردها وبعث إليه بكسوة من ديباج وقباطي وحبرة، قال: فرأيت شيبة جردها حتى لم يترك عليها شيئًا مما كان عليها، وخلق جدراتها كلها وطيبها ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها، وقسم الثياب التي كانت عليها على أهل مكة، وكان ابن عباس حاضرًا في المسجد الحرام وهم يجردونها قال: فما رأيته أنكر ذلك ولا كرهه.
حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق فخلقها وطيبها، قلت: وما تلك الثياب؟ قال: من كل نحو كرار وأنطاع وخير من ذلك، وكان شيبة يكسو منها حتى رأى على امرأة حائض من كسوته فدفنها في بيت حتى هلكت، يعني الثياب.
حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن إبراهيم بن يزيد، عن ابن أبي مليكة قال: رأيت شيبة بن عثمان جرَّد الكعبة، فرأيت عليها كسوة شتى: كرارًا وأنطاعًا ومسوحًا وخيرًا من ذلك.
стр. 240
حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار قال: قدمت مكة معتمرًا فجلست إلى ابن عباس في صفة زمزم، وشيبة بن عثمان يومئذ يجرد الكعبة. قال عطاء بن يسار: فرأيت جدارها ورأيت خلوقها وطيبها، ورأيت تلك الثياب التي أخبرني عمر بن الحكم السلمي أنه رآها في حديث نذر أمه البدنة قد وضعت بالأرض، فرأيت شيبة بن عثمان يومئذ يقسمها أو قسم بعضها فأخذت يومئذ كساء من نسج الأعراب فلم أر ابن عباس أنكر شيئًا مما صنع شيبة بن عثمان. قال عطاء بن يسار: وكانت قبل هذا لا تجرد، إنما يخفف عنها بعض كسوتها وتترك عليها، حتى كان شيبة بن عثمان أول من جردها وكشفها.
وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة أنه قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق من ثياب كان أهل الجاهلية كسوها إياها، ثم خلقها وطيبها قلت: وما كانت تلك الثياب؟ قال: من كل، كرارًا وأنطاعًا وخيرًا من ذلك، وكان شيبة يقسم تلك الثياب فرأى على امرأة حائض ثوبًا من كسوة الكعبة، فرفعه شيبة فأمسك ما بقي من الكسوة حتى هلكت، يعني الثياب.
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة أم المؤمنين أن شيبة بن عثمان دخل على عائشة فقال: يا أم المؤمنين، تجتمع عليها الثياب فتكثر فيعمد إلى بيَّار فيحفرها ويعمقها، فتدفن فيها ثياب الكعبة لكي لا تلبسها الحائض والجنب قالت عائشة: ما أصبت، وبئس ما صنعت، لا تعد لذلك فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب، ولكن بعها واجعل ثمنها في سبيل الله تعالى والمساكين وابن السبيل.
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن موسى بن ضمرة بن سعيد
стр. 241
المازني، عن عبد الرحمن بن محمد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: قال: رأيت شيبة بن عثمان يسأل ابن عباس عن ثياب الكعبة، ثم ساق مثل حديث عائشة فقال له ابن عباس مثل ما قالت عائشة ﵂.
وأخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن خالد بن إلياس، عن الأعرج عن فاطمة الخزاعية قالت: سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ عن ذلك فقالت: "إذا نزعت عنها ثيابها فلا يضرها من لبسها من الناس، من حائض أو جنب".
قال أبو الوليد: سمعت غير واحد من مشيخة أهل مكة يقول: حج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين ومائة فجرد الكعبة، وأمر بالمسجد الحرام فهدم، وزاد فيه الزيادة الأولى.
وأخبرني عبد الله بن إسحاق الحجبي، عن جدته فاطمة بنت عبد الله قالت: حج المهدي فجرد الكعبة، وطلى جدرانها من خارج بالغالية والمسك والعنبر قالت: فأخبرني جدك -تعني زوجها محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحجبي- قال: صعدنا على ظهر الكعبة بقوارير من الغالية، فجعلنا نفرغها على جدرات الكعبة من خارج من جوانبها كلها، وعبيد الكعبة قد تعلقوا بالبكرات التي تخاط عليها ثياب الكعبة، ويطلون بالغالية جدراتها من أسفلها إلى أعلاها (١)؛ قال أبو محمد الخزاعي: أنا رأيتها وقد غير الجدر الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر، وقد انفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار أصبع من دبرها ومن وجهها، وقد رهم بالجص الأبيض.
حدثني جدي قال: حج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين ومائة فرفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى إنها قد أثقلتها ويخاف على جدراتها
стр. 242
من ثقل الكسوة، فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئًا ثم ضمخها من خارجها وداخلها بالغالية والمسك والعنبر، وطلى جدراتها كلها من أسفلها إلى أعلاها من جوانبها كلها، ثم أفرغ عليها ثلاث كسا من قباطي وخز وديباج، والمهدي قاعد على ظهر المسجد مما يلي دار الندوة ينظر إليها وهي تطلى بالغالية وحين كسيت ثم لم يحرك ولم يخفف عنها من كسوتها الشيء، حتى كان سنة المائتين وكثرت الكسوة أيضًا عليها جدا، فجردها حسين بن حسن الطالبي في الفتنة وهو يومئذ قد أخذ مكة ليالي دعت المبيضة إلى أنفسها، وأخذوا مكة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئًا، قال جدي: فاستدرت بجوانبها وهي مجردة فرأيت حدات الباب الذي كان ابن الزبير جعله في ظهرها وسده الحجاج بأمر عبد الملك، فرأيت حداته وعتبه على حالها، وعددت حجارته التي سد بها فوجدتها ثمانية وعشرين حجرًا في تسعة مداميك، في كل مدماك ثلاثة أحجار إلا المدماك الأعلى، فإن فيه أربعة أحجار، رأيت الصلة التي بنى الحجاج مما يلي الحجر حين هدم ما زاد ابن الزبير قال: فرأيت تلك الصلة بينة في الجدر وهي كالمتبرية من الجدر الآخر، قال إسحاق: ورأيت جدراتها كلون العنبر الأشهب حين جردت في آخر ذي الحجة من سنة ثلاث وستين ومائتين، وأحسبه من تلك الغالية، قال: وكان تجريد الحسين بن الحسن إياها أول يوم من المحرم، يوم السبت سنة مائتين، ثم كساها حسين بن حسن كسوتين من قز رقيق، إحداهما صفراء والأخرى بيضاء، مكتوب بينهما: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأخيار، أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل محمد (١) بعمل هذه الكسوة لبيت الله الحرام (٢).
قال أبو الوليد: وابتدأت كسوتها من سنة المائتين، وعدتها إلى سنة أربع
стр. 243
وأربعين ومائتين مائة وسبعون ثوبًا. قال محمد الخزاعي: وأنا رأيتها وقد عمر الجدر الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر، فانفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار نصف أصبع من وجهها ومن دبرها وقد رهم بالجص الأبيض، وقد رأيتها حين جردت في آخر ذي الحجة سنة ثلاث وستين ومائتين، فرأيت جدراتها كلون العنبر الأشهب من تلك الغالية.
стр. 244
ما جاء في دفع النبي ﷺ المفتاح إلى عثمان بن طلحة:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن شهاب الزهري قال: دفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة فقال: "ها يا عثمان، غيبوه" قال: فخرج عثمان إلى الهجرة وخلفه شيبة فحجب.
وأخبرني جدي قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج أن النبي ﷺ قال: "خذوها يا بني أبي طلحة، خذوا ما أعطاكم الله ورسوله تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم".
وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة حين قبض النبي ﷺ مفتاح الكعبة ودخل به الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله سبحانه، لا ينزعها منكم إلا ظالم".
قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة خرج وهو يتلو هذه الآية، فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك.
стр. 245
وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا سليم بن مسلم، عن غالب بن عبيد الله أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: دفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة يوم الفتح، ثم قال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة، لا يظلمكموها إلا كافر" وسمعت غيره يقول: "إلا ظالم".
وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا سليم بن مسلم، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه قال: أنزل الله تعالى في الكعبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: انصرف رسول الله ﷺ يوم الفتح بعدما طاف على راحلته فجلس ناحية من المسجد والناس حوله، ثم أرسل بلالًا إلى عثمان بن طلحة فقال ﷺ : "قل له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تأتيه بمفتاح الكعبة" فجاء بلال إلى عثمان فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تأتيه بمفتاح الكعبة فقال عثمان: نعم، فخرج إلى أمه سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية ورجع بلال إلى النبي ﷺ فأخبره أنه قال: نعم، ثم جلس بلال مع الناس فقال عثمان لأمه، والمفتاح يومئذ عندها: يا أمت أعطيني المفتاح؛ فإن رسول الله ﷺ أرسل إلي وأمرني أن آتي به إليه، فقالت له أمه: أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب بمأثرة قومك على يديك فقال: والله لتدفعنه أو ليأتينك غيري فيأخذه منك، فأدخلته في حجرها وقالت: أي رجل يدخل يده ههنا؟ فبينما هما على ذلك إذ سمعت صوت أبي بكر وعمر ﵄ في الدار وعمر رافع صوته حين رأى إبطاء عثمان: يا عثمان اخرج، فقالت أمه: يا بني خذ المفتاح فلئن تأخذه أنت أحب إلي من أن يأخذه تيم وعدي، فأخذه عثمان فأتى به النبي ﷺ فناوله إياه، فلما ناوله إياه فتح الكعبة وأمر رسول الله ﷺ بالكعبة فغلقت عليه ومعه أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة فمكث فيها ما شاء الله وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، قال ابن عمر:
стр. 246
فسألت بلالا: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وثلاثة وراءه، قالوا: ثم خرج رسول الله ﷺ والمفتاح في يده ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عن الباب، حتى خرج رسول الله ﷺ .
حدثني جدي، عن ابن إدريس، عن الواقدي قال: حدثني علي بن محمد بن عبد الله العمري عن منصور الحجبي عن أمه صفية بنة شيبة عن برة بنة أبي تجراه قالت: أنا أنظر إلى رسول الله ﷺ حين خرج من البيت فوقف على الباب، فأخذ بعضادتي الباب، فأشرف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمه ﷺ .
وحدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: فلما أشرف رسول الله ﷺ وقد لبط بالناس حول الكعبة، خطب رسول الله ﷺ خطبته وقد كتبناها في غير هذا الموضع من كتابنا بغير هذا الإسناد، ثم نزل رسول الله ﷺ ومعه المفتاح فتنحى ناحية من المسجد فجلس وكان قد قبض السقاية من العباس، وقبض المفتاح من عثمان بن طلحة، فلما جلس بسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة والسقاية، فقال رسول الله ﷺ : "أعطيكم ما ترزءون فيه، ولا أعطيكم ما ترزءون منه" ثم قال ﷺ : "ادع لي عثمان" فقام عثمان بن عفان فقال: ادع لي عثمان، فقام عثمان بن طلحة وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة يومًا وهو بمكة يدعوه إلى الإسلام ومع عثمان المفتاح فقال ﷺ : "لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت" فقال عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ إذًا وذلت، فقال رسول الله ﷺ : "بل عزت وعمرت يومئذ يا عثمان" قال عثمان: فدعاني رسول الله ﷺ بعد أخذه المفتاح فذكرت قوله ﷺ وما كان قال لي، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلني ببشر ثم قال: "خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله
стр. 247
استأمنكم على بيته، فخذوها بأمانة الله " قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال ﷺ : "ألم يكن الذي قلت لك؟ " قال: فذكرت قوله بمكة فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله، فأعطاه المفتاح والنبي ﷺ مضطبع عليه بثوبه وقال ﵊: "غيبوه".
стр. 248
الصلاة في الكعبة، وأين صلى النبي ﷺ منها:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقة لأسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة ثم دعا بعثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح" فذهب عثمان إلى أمه فأبت أن تعطيه إياه فقال: والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي أو ظهري، قال: فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي ﷺ فدفعه إليه ففتح الباب، فدخله رسول الله ﷺ وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة فأجافوا عليهم الباب مليا ثم فتح الباب وكنت فتى قويا فبدرت فزحمت الناس، فكنت أول من دخل الكعبة، فرأيت بلالًا عند الباب فقلت له: أي بلال، أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بين العمودين المقدمين، وكانت الكعبة على ستة أعمدة، قال ابن عمر: فنسيت أسأله: كم صلى ﷺ ؟ (١)
وحدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه حين تدخل قريب من ثلاثة أذرع، فصلى وهو يتوخى المكان الذي
стр. 249
أخبره بلال أن النبي ﷺ صلى فيه، وليس على أحد بأس أن يصلي في أي جوانب البيت شاء (١).
وحدثني جدي إبراهيم بن محمد الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن البصري وطاوس أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح البيت، فصلى فيه ركعتين، ثم خرج وقد لبط بالناس حول الكعبة.
وحدثني جدي، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين العمودين.
وحدثني جدي ويوسف بن محمد بن إبراهيم العطار -يزيد أحدهما على صاحبه في اللفظ والمعنى واحد- قالا: حدثنا عبد الله بن زرارة بن مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان عن أبيه، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن أخيه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان قال: حج معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة، فاشترى دار الندوة من ابن الرهين العبدري بمائة ألف درهم، فجاء شيبة بن عثمان فقال له: إن لي فيها حقا وقد أخذتها بالشفعة، فقال له معاوية: فأحضر المال قال: أروح به إليك العشية، وكان ذلك بعدما صدر الناس من الحج، وقد كان معاوية تهيأ للخروج إلى الشام فصلى معاوية بالناس العصر، ثم دخل الطواف فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين ثم انصرف فدخل دار الندوة، فقام إليه شيبة حين أراد أن يدخل الدار فقال: يا أمير المؤمنين قد أحضرت المال قال: فاثبت حتى يأتيك رأيي (٢)، فأجيف الباب وأرخي الستر، وركب معاوية من الدار دوابه (٣) وخرج من الباب الآخر [مسافرًا] ومضى معاوية إلى المدينة [وشيبة لا يشعر
стр. 250
به] فلم يزل شيبة جالسا بالباب حتى جاء المؤذن فسلم وأذنه بصلاة المغرب، فخرج والي مكة عبد الله بن خالد بن أسيد فقام إليه شيبة فقال: أين أمير المؤمنين؟ قال: قد راح إلى الشام، قال شيبة: والله لا كلمته أبدًا (١).
فلما حج معاوية حجته الثانية بعث إلى شيبة أن يفتح له الكعبة، حتى يدخلها ويصلي فيها، قال شيبة بن جبير بن شيبة: فأرسلني جدي بالمفتاح وأنا غلام حدث وأبي شيبة بن عثمان أن يفتح له الباب ولم يأته ولم يسلم عليه قال شيبة بن جبير: فلما رآني معاوية استصغرني وقال: من أنت يا حبيب؟ قال: قلت: أنا شيبة بن جبير قال: لا بأس يابن أخي، غضب أبو عثمان شيبة مكان شيبة، ففتحت له الكعبة فلما دخل أجفت عليه الباب ولم يدخل معه الكعبة إلا حاجبه أبو يوسف الحميري، فبينا معاوية يدعو في البيت ويصلي إذا بحلقة باب الكعبة تحرك تحريكًا ضعيفًا فقال لي: يا شيبة انظر، هذا عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فإن كان إياه فأدخله، ففتحت الباب فإذا هو هو فأدخلته ثم حركت الحلقة تحريكًا هو أشد من الأول فقال: انظر هذا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فإن كان إياه فأدخله ففتحت فإذا هو هو فأدخلته، ثم قال لأبي يوسف الحميري: انظر عبد الله بن عمر، فإني رأيته آنفًا خلف المقام حتى أسأله: أين صلى النبي ﷺ من الكعبة؟ فقام أبو يوسف الحميري فجاء بعبد الله بن عمر فقال له معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلى رسول الله ﷺ عام دخلها؟ قال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك وبين الجدر ذراعين أو ثلاثة، فبينا نحن كذلك إذ رج الباب رجًّا شديدًا وحركت الحلقة تحريكًا أشد من الأول، فقال معاوية [لشيبة]: انظر هذا عبد الله بن الزبير، فإن كان إياه فأدخله فنظرت فإذا هو هو فأدخلته، فأقبل على معاوية وهو مغضب فقال: إيها يابن أبي سفيان، ترسل إلى عبد الله بن عمر تسأله عن شيء أنا أعلم به منك ومنه، حسدًا لي ونفاسة علي، فقال له