← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تَقْدِيم الْأَمِين الْعَام الحمد لله المتفرد بالبقاء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، نبينا محمد وعلى آله وصحبه النُّجَباء، ومن سار على هديه واستنّ بسنته من الصلحاء. أما بعد: فإن فنّ التراجم من الفنون التي أبدع فيها علماء الإسلام؛ فأكثروا من وضع التصانيف الخاصة والعامة في التعريف بأعلام علماء الأمة، ونُبلائها، وصُلَحائها، وذكرِ أخبارهم، وأحوالهم، ومآثرهم، ومناقبهم، ولا شكّ أن من جملة الدوافع التي حفّزتهم إلى تدوينها ما جُبِلوا عليه من الوفاء لشيوخهم وأسلافهم، وما تقرّر لديهم من ضرورة نشر فضائلهم بين الناس، وتخليد ذِكْرهم والدعاء لهم بالخير في الأجيال اللّاحقة من أبناء الأمة. ومن فوائد التصنيف في فنّ التراجم: أخذُ العبرة والعظة، وحسنُ الاقتداء بمن مضى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ومنها الاطلاع على مراتبهم في العلم والفضل، فنَأْمَنَ من تقديم الأَدْنَى على الأعلى؛ لا سيما عند تعارض أقوالهم وآرائهم، ومنها الاطلاع على مواليدهم ووفياتهم، ومعرفة أزمانهم وطبقاتهم؛ فنستطيع تمييز من تشابهت أسماؤهم، ونأمن من جعل المتقدم متأخرًا، والمتأخر متقدمًا.

стр. 2

وتظهر أهمية كتب التراجم في كونها تتكامل مع كتب التاريخ؛ فمعظم كتب التاريخ لا نكاد نجد فيها سوى أخبار الحروب والثورات والجوائح؛ بينما تحفل كتب التراجم بمعلومات قَيِّمَة عن تاريخ أمتنا الفكري والاجتماعي والإداري والحضاري. وفي هذا الإطار يَزُفُّ مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بمؤسسة الرابطة المحمدية للعلماء إلى عموم الباحثين والمهتمين بعلم التاريخ والتراجم كتاب: "البدر السَّافر عن أُنْسِ المسافِر"، لمؤلفه الإمام الفقيه المؤرخ الأديب كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأُدْفُوِي (ت ٧٤٨ هـ)، صاحب التصانيف المفيدة النافعة، مثل كتاب: "الطَّالع السَّعيد الجامع أسماء نُجَباء الصَّعيد"، وكتاب: "الإمتاع في أحكام السَّماع"، وكتاب: "الموفي بمعرفة التصوّف والصوفي"، وغيرها. ويُعدّ كتاب البدر السافر من الأعلاق النادرة، والدواوين النفيسة في فنّ التراجم؛ فهو يشتمل على ما يُقَارب ستمائة عَلَم من أعيان المائة السابعة، وكذلك تضمَّن جملة وافرة من تراجم أهل القرن الخامس والسادس والثامن؛ ممَّن عُرفوا بفنّ من الفنون، أو كانت لهم كرامة أو مزية، والكتاب مُرتب على حروف المعجم، ولم يقتصر فيه مصنفه على التراجم المشرقية، بل شملت عنايته أيضًا تراجم أعلام المغرب والأندلس؛ من علماء، وفقهاء، ووزراء، وأطباء، وقضاة، وكُتَّاب، وشعراء، وأدباء، وغيرهم، وقد قاربت تراجمهم الرّبع من مجموع الأعلام المترجم لهم في هذا الكتاب.

стр. 3

ومَيَاسِمُ نفاسة هذا العِلق الثمين عديدة، لعلّ أبرزها حِفظه لتراجم جملة من الأعيان على اختلاف انتماءاتهم العقدية والمعرفية؛ انتقى المؤلف مادّتهم من مصادر غميسة لم تزل في حكم المفقود، فحفظ لنا بذلك أسماء العديد من المصادر الضائعة، كاشفًا عن ملامحها من خلال نقوله واقتباساته منها؛ مثل: وفيات أبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي (ت ٦١١ هـ)، والتاريخ الكبير، لأبي الفضل التِّيفاشي (ت ٦٥١ هـ)، ونسيم البان، لأبي محمد عبد اللَّه بن عمر الوزان الأنصاري (ت ٦٧٧ هـ)، وتاريخ القدس، لشمس الدين الكِنْجي (ت ٦٨٢ هـ)، وتاريخ الإسكندرية، لابن العِمادية (ت ٦٧٣ هـ)، وتاريخ مصر لعبد العظيم المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، والنجوم الدرية في الشعراء العصرية، لابن نشوان المصري (ت ٦٩٢ هـ)، وغيرها. ومما يُميز الكتاب أيضًا اشتماله على تراجم موسعة لأعيان القرن الثامن، لا سيما شيوخ المؤلف وأقرانه؛ كما هو الحال في ترجمة شيخه أثير الدين أبي حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ)، فقد استغرقت ترجمته تسع ورقات من مخطوطة الجزء الثاني. ومن فرائد الكتاب حفظه لأشعار غزيرة، وأجناس أدبية متنوعة، كالمُكَفِّر والدُّوبَيت والبُلَّيْقة وغيرها من أنواع الموشح والزَّجل، لا تكاد تجدها في مصدر غيره.

стр. 4

وما زاد الكتاب أهمية وقيمة اعتناء أحد شوامخ المحققين في عصرنا الحاضر بتحقيقه؛ ألا وهو الأستاذ البحّاثة المحقق - خبير علم الاكتناه العربي الإسلامي - الدكتور قاسم السامرائي حفظه اللَّه، بالاشتراك مع الدكتور طارق طاطمي - وهو واحد من الباحثين الشباب النوابغ العاملين بمركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث - فجزاهما اللَّه خيرًا على جهودهما القيّمة في إحياء هذا الكتاب، وإعداده للنشر وتيسيره للمهتمين بعلم التاريخ والتراجم، في هذه الحُلَّة الموثقة المتميّزة. ولا يفوتني أن أُنَوِّه بجميع الأساتذة الذين أسهموا من قريب أو بعيد في إعداد هذا الكتاب للنشر وأخصّ بالذكر الدكتور بوشعيب شبون، والأستاذ محمد فوزار، والعالم البحاثة الدكتور عبد اللطيف الجيلاني - رئيس المركز - الذي اقترح نشر الكتاب، وتولَّى تصوير بعض نسخه الخطية، وحَرَص على متابعة جميع مراحل إنجازه. وإذ أسعد بتقديم هذا الديوان الماتع للقراء الكرام؛ فإنني أسأل الله أن يجعله في سجلّ حسنات مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيَّده وأعزّ أمره، والله الموفق لا ربّ سواه وهو يهدي إلى سواء السبيل. الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور أحمد عبادة

стр. 5

تقديم بسم اللَّه، والحمد لله، حمدًا يوافي نِعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على رسول اللَّه محمد ﷺ ، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فبين يدي القارئ الكريم كتاب "البدرُ السافر عن أُنْس المسافر"، وهو مصدر فريد وديوان عزيز في علم التراجم، ظلّ سنين عديدة دفين الخزائن، فيسّر اللَّه تعالى وأعان على جمع نسخه وإخراجه في حلة قشيبة تليق بمكانته ومكانة مؤلفه، فنأمل أن يساهم هذا الكتاب في إثراء معلومات المهتمين بكتب التاريخ والتراجم قبله وبعده، ويسدّ ثغرة كانت ولم تزل في كتب الرجال والتراجم، وهو بعدُ قمينٌ بالنشر والإذاعة. أما مؤلِّفُه فهو كمال الدين، أبو الفضل، وَعْد اللَّه، جعفر (١) بن ثعلب (٢) بن جعفر بن علي بن المطهر بن نوفل الأُدْفُوِيّ (٣). _________ (١) قال الإسنوي في طبقاته: (١/ ٨٦): "وهذه الأربعة كانت أعلامًا عليه بوضع والده، وكان يُعرف بكل منها، ولا يُعلم أحدٌ من العصريين وقع له مثل ذلك". (٢) اختلفت المصادر المخطوطة والمطبوعة في ضبط هذا الاسم، ما بين ثعلب وتغلب، ورجحنا "ثعلب" لعدة اعتبارات حرّر معظمها الأستاذ سعد محمد حسن في تقديمه لكتاب الطالع السعيد، فلينظر. (٣) انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات: (١١/ ٧٧ - ٧٨)، أعيان العصر: (٢/ ١٥٢ - ١٥٥)، طبقات الشافعية الكبرى: (٩/ ٤٠٧)، طبقات الإسنوي: (١/ ٨٦)، الوفيات لابن رافع: (٢/ ٤٣)، لحظ الألحاظ: (٨١)، السلوك للمقريزي: (٤/ ٩٥)، المقفى الكبير: (٣/ ٣٦)، الدرر الكامنة: (٢/ ٨٤ - ٨٥)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٣/ ٢٠ - ٢١)، النجوم الزاهرة: (١٠/ ٢٣٧)، وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام: (١/ ٩٤ - ٩٥)، حسن المحاضرة: (١/ ٥٥٦)، البدر الطالع: (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، كشف الظنون: (١/ ١٦٧، ٢٣٠) و (٢/ ١٠٩١)، شذرات الذهب: (٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، ديوان الإسلام: (١/ ٩٤)، الأنوار الساطعة: (١٦٢)، التنبيه والإيقاظ: (٥٢)، تاج العروس: (٢٣/ ١٠) و (٣٥/ ١٤)، مواهب الجليل: (٤/ ٦)، إيقاظ الهمم: (٣٩)، الحطة في ذكر الصحاح الستة: (٤٦)، معجم =

стр. 6

يُنْسَب إلى أُدْفُو (١): بضم الهمزة، وسكون الدال والواو، وضم الفاء، وضَبَط الصّفدي نسبته بتشديد الواو، والرّاجح تخفيفها كما ذكر الزَّبيدي، ويقال: أذفو، بذال معجمة، أو أتفو، بتاء مثناة من فوق؛ وهي مدينة جنوب مصر بالصعيد الأعلى، بين أسوان وقوص. وتعد اليوم ثاني أكبر مدينة بمحافظة أسوان، تقع جنوب الأقصر، وتتبعها عدة قرى، وبها ولد المؤلف في منتصف شعبان سنة ٦٨٥ هـ. قال عنه الصفدي: "كان فقيهًا ذكيًّا، فاضلًا زكيًّا، يَعرف النحو، وتُشرق شمسه فيه في يوم صحو، يغلب على ابن ثعلب الأدب، ولا يفتر عما له فيه من الطلب، وحظه من التاريخ موفر، وجيشه إذا غزا فيه مظفر، ضحوكُ السن دائم البشر، لا يلقاه أحد إلا عاطر النشر، حلو الملق عند الملقى، يروق من يحادثه خلقا وخلقا، لطيف الذات، متوسع النفس في اللذات، لم يزل على حاله إلى أن جاءه ساقي المنايا، واستخرج الدمع عليه من الخبايا" (٢). توفي، ﵀، بعد رجوعه من الحج، يوم الثلاثاء سابع عشر صفر، سنة ٧٤٨ هـ (٣)، قبيل الطاعون الكبير، وقيل في السنة الآتية، وعمره ما بين الستين والسبعين، ودفن بمقابر الصوفية. _________ = المطبوعات: (٢/ ٤١٦ - ٤١٧)، هدية العارفين: (١/ ٢٥٤)، الأعلام: (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، معجم المؤلفين: (٣/ ١٣٦)، معجم التراث الإسلامي: (١/ ٧٦٣ - ٧٦٤). (١) انظر معجم البلدان: (١/ ١٢٦) أدفو، وتاج العروس: (٢٣/ ٩) أدف. (٢) أعيان العصر: (٢/ ١٥٢ - ١٥٣). (٣) ويستشكل هذا التاريخ بما ذكره المؤلف في الطالع السعيد: (٢٤٨) في ترجمة الزبير بن علي بن أبي شيخة الأسواني، قال: "وتوفي بالمدينة ليلة الجمعة رابع شهر ربيع الأول، وصلّيَ عليه صبيحة يوم الجمعة سنة ٧٤٨ هـ".

стр. 7

وخلّف، ﵀، تراثًا علميًا يُنبئ عن مكانة علمية رفيعة، ومشاركة أدبية وتاريخية بديعة، ومما أحصيناه من تصانيفه: ١ - الإسعاف (كتاب في التصوف). ٢ - الإمتاع في أحكام السماع (١)، ويسمى أيضًا: كشف القناع، لخصه أبو حامد المقدسي في كتاب سماه "تشنيف الأسماع". ٣ - البدر السافر عن أنس المسافر، وهو الكتاب الذي يسعدنا تحقيقه وتقديمه للمهتمين. ٤ - تخريج جزء حديثي. ٥ - الطالع السّعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد (٢). ٦ - الغرر المأثورة والدرر المنظومة والمنثورة. ٧ - فرائد الفوائد ومقاصد القواعد، في الفرائض (٣). ٨ - كتب على مقدمة شرح المهذب أشياء حسنة مفيدة. ٩ - الموفي بمعرفة التصوّف والصوفي (٤). ١٠ - الوصايا المهذبة. _________ (١) حقق بجامعة ابن زهر للآداب بأكادير - المغرب سنة ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م، تحقيق: محمد عفيف، عبد الرحيم ببعلي، بلعيد سواخ، بإشراف: عبد الواحد جهداني. (٢) طبع سنة ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م بمطبعة الجمالية بحارة الروم - مصر، على نفقة عبد الرحمن علي قريط، تصحيح: أمين عبد العزيز، ثم طبع سنة ١٩٦٦ م بالدار المصرية للتأليف والترجمة، تحقيق: سعد محمد حسن، ومراجعة طه الحجري. (٣) منه نسخة بمكتبة جوتا بألمانيا رقم ١٠٥. (٤) طبع بدار العروبة بالكويت سنة ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م، تحقيق: محمد عيسى صالحية.

стр. 8

أهمية كتاب البدر السافر بين كتب التراجم في عصره: مما لا شك فيه أن القرن الثامن الهجري يعدّ من أزهى القرون وأكثرها تصنيفًا في علم التراجم والرجال، ويقاربه في ذلك القرن السابع، أبدعت خلاله قرائح العلماء تصانيف شتى في هذا العلم على اختلاف شرط وضعها، من تراجم عامة، وخاصة. ومن أبرز العلماء المبدعين والمشاركين في هذا القرن: ابن عبد الملك المراكشي (ت ٧٠٣ هـ)، وابن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ)، والغِبْريني (ت ٧١٤ هـ)، واليونيني (ت ٧٢٩ هـ)، وعماد الدين أبو الفداء (٧٣٢ هـ)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ)، والمزي (ت ٧٤٢ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن الوردي (ت ٧٤٩ هـ)، ومُغُلْطاي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ هـ)، والصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، والحسيني (ت ٧٦٥ هـ)، واليافعي (ت ٧٦٨ هـ)، والسُّبكي (ت ٧٧١ هـ)، والإسنوي (ت ٧٧٢ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وابن رافع السَّلامي (ت ٧٧٤ هـ)، ومحيي الدين القرشي (ت ٧٧٥ هـ)، ولسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦ هـ)، وابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، وابن فرحون (ت ٧٩٩ هـ)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ)، وغيرهم ممن يعسر عدّهم. وأدلى الإمام الأُدْفُوِيّ (ت ٧٤٨ هـ) دلوَه ضمن هذه الكوكبة النيِّرة من الأعلام، من خلال عملين جليلين في التراجم، وهما كتاب "الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد" بمجموع ٥٩٤ ترجمة، وكتاب "البدر السافر عن أنس المسافر" بمجموع ٥٩٦ ترجمة، هذا الأخير شكّل حلقة وصل وإسهام في هذا العلم. وتتجلّى أهميته بالأساس في حفظه لتراجم جملة من الأعيان في مختلف الفنون المعرفية، ويرجع الفضل في ذلك إلى وقوف المؤلف على مصادر غميسة لا زالت عندنا اليوم في حكم المفقود، فحفظ لنا بذلك أسماء مصادر ونقول مهمة عنها، يتكشف من

стр. 9

خلالها للباحثين صورة عامة عن المصدر الذي وُجد منه أجزاء أو هو في حكم المفقود، مثل وفيات ابن المفضل القدسي، وتاج المجامع والمعاجم لشهاب الدين القوصي، والتاريخ الكبير لأبي الفضل التيفاشي، ونسيم البان للوزان الأنصاري، وتاريخ القدس لشمس الدين الكنجي، وتاريخ الإسكندرية لابن العمادية، وتاريخ مصر للمنذري، وتاريخ ابن النجار، وتاريخ ابن السمعاني، والنجوم الدرية في الشعراء العصرية لابن نشوان المصري، وغيرها. إضافة إلى هذا كله فقد حفظ الكتاب مادة شعرية غزيرة، لا تكاد تجدها إلا فيه، انتقاها المؤلف من مصادره الأدبية المتنوعة، خاصة كتب ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٥ هـ)، وقلّما تجد ترجمة في الكتاب تخلو من ذكر أبيات منسوبة لصاحب الترجمة، مما يضفي على الكتاب صبغة يمكن تسميتها بكتب التراجم الأدبية، على شاكلة كتب ابن سعيد الأندلسي، مثل الغصون اليانعة، والمغرب في حلى المغرب، وكتب ابن الخطيب الغرناطي (ت ٧٧٦ هـ)، مثل الكتيبة الكامنة، وغيرها. ومما يميز الكتاب أيضًا اشتماله على تراجم موسعة لأعيان القرن الثامن، لا سيما شيوخ المؤلف وأقرانه، كما هو الحال في ترجمة شيخه أثير الدِّين أبو حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ)، فقد استغرقت ترجمته تسع ورقات من مخطوطة الجزء الثاني. ولأهمية الكتاب أصبح مصدرًا رئيسًا لعدد كبير ممن أرخ هذه الفترة، فهذا معاصره صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) يُصرّح بالنقل عنه في كتابه الوافي بالوفيات ما يربو على تسعين نقلًا، وفي أعيان العصر وأعوان النصر ما ينيف على سبعين نقلًا، والراجح أن نسخة من الكتاب كانت بحوزته، أو اطّلع عليها، وكذلك ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) نقل عنه في كتابه الدرر الكامنة في أزيد من ستين موضعًا، بعضها من كتابه الطالع السعيد، وأغلبها من البدر السافر، وممن أكثر النقل عنه أيضًا

стр. 10

السبكي (ت ٧٧١ هـ) في طبقات الشافعية الكبرى، وابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) في ذيل طبقات الحنابلة، والمقريزي (ت ٨٠٥ هـ) في السلوك، وفي المواعظ والاعتبار، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) في طبقات الشافعية، وابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ) في المنهل الصافي، والنجوم الزاهرة، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ) في شذرات الذهب، والشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في البدر الطالع. أما عن عنوان الكتاب؛ فقد اختلفت المصادر في إيراده، فلم تتفق إلا على الشطر الأول منه: "البدر السافر"، لكنها اختلفت في الشطر الثاني من التسمية على صيغ خمس مختلفة، هي: الأولى: البدر السافر وأنس المسافر. ذُكر بهذه العنوان في مخطوطة محمد الفاتح، وذكره رزق اللَّه شيخو (١). الثانية: البدر السافر عن أنس المسافر. ورد بهذه التسمية في مخطوطة الفاتيكان، ومخطوطة برنستون. الثالثة: البدر السافر وتحفة المسافر. ذكره حاجي خليفة (٢)، وإسماعيل البغدادي (٣)، والزركلي (٤). الرابعة: البدر السافر في تحفة المسافر. _________ (١) شعراء النصرانية: (٩/ ٣٥٣). (٢) كشف الظنون: (١/ ٢٣٠). (٣) هدية العارفين: (١/ ٢٥٤). (٤) الأعلام: (٢/ ١٢٣).

стр. 11

ذكره بهذه التسمية الصفدي (١)، وابن حجر (٢)، وابن قاضي شهبة (٣)، والسخاوي (٤)، وابن العماد الحنبلي (٥)، والشوكاني (٦)، وسركيس (٧)، وكحالة (٨). الخامسة: أنس المسافر. أورده المؤلف في ترجمة "إبراهيم بن محمد الأسواني" في كتاب الطالع السعيد، فقال: "في مجموعي: أنس المسافر" (٩). إن هذه الاختلافات المتباينة في عنوان الكتاب جعلنا نرجِّح أن المؤلف قد أخرج الكتاب أكثر من إخراجة فتباين عنوان الكتاب، ولكن الثابت عندنا أن البدر السافر ألَّفه الأُدْفُوِي قبل الطالع السعيد، وهو لهذا سمَّاه فيه: أنس المسافر ولم يقل البدر السافر مما يوحي بأنه أبدل العنوان فصار: البدر السافر وتحفة المسافر أو البدر السافر في تحفة المسافر في إخراجة أخرى لم تصل إلينا بعد. ولما كانت المخطوطات التي وصلت إلينا من الكتاب تحمل العنوان: البدر السافر في أنس المسافر أو البدر السافر عن أنس المسافر فإننا نميل إلى أن حرفي الجر: "في" و"عن" قد يكونان مصحفين من "و"، أو أن الناسخ تصرَّف في التغيير؛ لأنه ذكر "في أنس _________ (١) أعيان العصر: (٢/ ١٥٣). (٢) الدرر الكامنة: (٢/ ٨٥). (٣) طبقات الفقهاء الشافعية: (٩/ ٢١). (٤) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام: (١/ ٩٥). (٥) شذرات الذهب: (٨/ ٢٦٤) نقلًا عن الصفدي. (٦) البدر الطالع: (١/ ١٨٢). (٧) معجم المطبوعات: (٢/ ٤١٧). (٨) معجم المؤلفين: (٣/ ١٣٦). (٩) الطالع السعيد: (٦٥).

стр. 12

المسافر" في نسخة الفاتح، وذكر "عن أنس المسافر" في نسخة الفاتيكان وهو ناسخ واحد نسخ الاثنين في تاريخ واحد، إضافة إلى كل ذلك فإن الأُدْفُوِي ذكر في مقدمة البدر السافر: "وآنس به في السفر". وقد ارتأينا أن يكون عنوان الكتاب: "البدر السافر عن أنس المسافر"؛ لوجوده في بعض النسخ التي وصلت إلينا، ولأن مخطوطة الفاتح ومخطوطة الفاتيكان هما أقرب زمنًا إلى المؤلف، إذ نسختا في سنة تسعين وسبع مئة؛ أي بعد إحدى وأربعين سنة من وفاة المؤلف، فلعلهما نُسختا من نسخة المؤلف، فتصرَّف الناسخ في عنوان الكتاب. وبخصوص منهج المؤلف؛ فقد صرح به في مقدمة الكتاب، فقال: "وكنتُ قد كتبت تراجم انْتَقَيْتها في أثناء الطالعة، وعلّقت أشياء انتخبتها من التواريخ المتتابعة، وجعلتها في جذاذات لأجدها عند المراجعة، ثم خشيت من فقدها فيبقى في القلب حزازات متتابعة، فعمدت إلى جمع مفترقها في هذا المجموع؛ ليحفظ وتراعى وتلحظ، وآنس به في السفر، وأحاضر به في الحضر من حضر، وأسرح الطرف في أزاهره، وأطرب السمع بما يسمع من مزاهره، وألهو به عمن لا يرضى، وسمير عن ما يفرط مني لا يغضى، وأقصر الخطى عن من يضن عليَّ، وأعز نفسي عن السير إلى من لا ينظر إليَّ، لا سيما وقد دُفعنا إلى زمن صفوه تكدّر، ودهر وجود جواد فيه عزّ أو تعذّر، وذي وفاء قلّ أو تعسّر … وقصدي في هذا التصنيف: الاقتصار على ذكر جماعة من المتأخرين، والاختصار على من كان في المئة الخامسة، وما بعدها من السنين، والاختصاص بمن عَرَف فَنًّا من الفنون، وله كرامة ترقى الأخبار بها إلى أعلى مراتب الظنون، مرتبًا له على ترتيب حروف المعجم، ليدرك المأمول منه بسهولة ويُعْلَم". وهنا يمكننا أن نُلخِّص منهجه وفق العناصر الآتية: - ترجم لأعيان المئة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، وأكثر من ترجم لهم من أهل المئة السابعة، ورتب تراجمهم على حروف المعجم.

стр. 13

- اقتصر في منهجه على التعريف بالأعيان؛ ممن عرفوا بفن من الفنون، أو امتازوا عن غيرهم بقرضهم للشعر أو نظمه. - وقد أدرك ابن قاضي شهبة ما أراد الأُدْفُوِي في كتابه فقال: "وكتابه البدر السافر في مجلدين؛ فيه تراجم على أسلوب وفيات ابن خلكان، وغالب من ترجم فيه من كان في المئة السابعة، وفيه تراجم كثيرة ممن كان في المئة السادسة، وبعض من كان في الخامسة، وفيه فوائد وغرائب" (١). - انتقى مادته العلمية من مصادره التي يصرّح بها، إلا أنه كان يختصر النصوص المقتبسة اختصارًا شديدًا قد يُخِلُّ أحيانًا بالمعنى الذي أراده المؤلف الذي اقتبس منه أو اعتمد عليه، وقد حاولنا أن نعزو كل اقتباس إلى مصدره ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. - ولا يخلو الكتاب من تعقيبات للمؤلف وتوجيهات واختيارات تعكس مقامه العلمي. واعتمد الأُدْفُوِي في جمع مادة كتابه على مصادر متنوعة لعلماء متقدمين عن زمنه وآخرين معاصرين له، فكان منها المفقود ومنها الموجود، وهي تشمل كتب التاريخ والتراجم والمشيخات والمعاجم والأدب، وغيرها من الدواوين الوثيقة الصلة بالمقصود، وغالبًا ما يصرّح بمصادره، ونذكر من هذه المصادر ما يأتي: كتب ابن سعيد المغربي، وتشمل: * كتاب المغرب في حلى المغرب، والتاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، والمرقصات والمطربات، والغصون اليانعة، ورايات المبرزين. * تاج المجامع والمعاجم للشهاب القوصي. _________ (١) طبقات الشافعية: (٣/ ٢١).

стр. 14

* خريدة القصر وذيلها للعماد الأصبهاني. * نسيم البان في شعراء الزمان للوزان الأنصاري. * أخبار الروضتين لأبي شامة والذيل على الروضتين له. * وفيات ابن المفضل المقدسي. * كتاب تحفة القادم وكتاب التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار. * التكملة لوفيات النقلة للمنذري، وتاريخ مصر له. * صلة التكملة لوفيات النقلة للحسيني. * وفيات الأعيان لابن خلكان. * تاريخ البرزالي (المقتفي على الروضتين). * سير أعلام النبلاء للذهبي. * تاريخ ابن الزبير الغرناطي. * تاريخ إربل لابن المستوفي. * تاريخ الإسكندرية لابن العمادية. * تاريخ ابن الربيب الموصلي. * تاريخ حلب لابن العديم. * تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. * تاريخ مصر لابن ميسر. * تاريخ القدس للكنجي. * التاريخ الكبير لأبي الفضل التيفاشي. * معجم شيوخ ابن مسدي. * معجم شيوخ ابن كامل الخفاف. * معجم شيوخ عبد المؤمن الدمياطي.

стр. 15

وصف النسخ المعتمدة في التحقيق اعتمدنا في تحقيق الكتاب على مصورات أربع نسخ خطية وهي: ١ - نسخة مكتبة الفاتيكان: وهي محفوظة تحت رقم: (١٦٨ Arabo، Borg)، وتقع في ١٨٣ ورقة، وبمعدل سبعة عشر سطرًا في الصفحة الواحدة، وثلاث عشرة كلمة في السطر، إضافة إلى صفحتين في أولها كتبها مفهرسها باللغة الإيطالية مع عنوان المخطوطة أثناء وصفه لها: "بدر السافر أنس المسافر" بخط عربي ضعيف. كتب الناسخ أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن علي بن محمد الأصفهاني الشافعي القادري الداودي، نصها بالمداد الزاجي العفصي الأسود بخط النسخ المشرقي الوراقي الواضح، وكتب أسماء المترجم لهم بخط ثخين بارز، بتاريخ الاثنين سابع شهر ربيع الأول من سنة تسعين وسبع مئة، أي بعد إحدى وأربعين سنة من وفاة المؤلف. وتضم هذه النسخة الجزء الأول من الكتاب كاملًا ومشكولًا، لكن تخللها سقط بعض أوراقها واضطراب في ترتيب الأوراق، إضافة الى أخطاء نحوية وإملائية من الناسخ، وطمس متعمد لبعض الأبيات فيها، ويظهر في حواشيها بعض الإلحاقات وعلامة المقابلة "صح" وتصحيحات بعض الألفاظ مما يظهر أنها قوبلت على الأصل الذي انتسخت منه. ومع مقدرة الناسخ البارعة في الخط إلا أنه لم يكن بارعًا في نقله للنص. وقد استعنّا بنسخة جامعة برنستون لإكمال ما حدث في هذه النسخة من سقط من الأبيات الشعرية واسم المُتَرجَم له دون ترجمة الأعلام؛ لأن نسخة برنستون احتوت على الأبيات الشعرية المختارة فقط. تظهر في صفحة العنوان جملة من تقييدات التملك مما يوحي بأن النسخة كانت في دمشق حتى القرن الثاني عشر للهجرة، وفي ما يأتي أهمها:

стр. 16

١) في نوبة محمد بن يوسف الحلبي. ٢) ثم في نوبة العبد المقر بالتقصير فضل الله بن عزيز السكندري لطف الله به بالابتياع الشرعي من سوق الكتب بدمشق المحروسة في شهور سنة سبع وتسع مئة من جزأين. ٣) إبراهيم بن أبي النمر بن عبد الرحمن في سنة ١٠٠٨. ٤) أبو بكر بن محمد بن الفرفور الحنفي الدمشقي ١٠٠٨. ويظهر في آخرها تقييد مطالعة بعد تقييد الختام، ونصه: "أنهاه مطالعة فقير الفيض الصمداني موسى بن محمد الحسيني الحمداني، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعا له بالمغفرة، ولجميع المسلمين، وذلك يوم الجمعة المبارك ثامن عشر شهر صفر الخير من شهور سنة ثمان وخمسين وألف والحمد لله وحده". وفي الصفحة المقابلة لصفحة تقييد الختام جاء التقييد الآتي: "نظر فيه متمثلا زبد معانيه محمد بن الحاج أحمد الاعزاز، وذلك في سنة ١١٣٠". الغريب في تقييد ختام هذه النسخة الفاتيكانية، كما هو موضح في الأنموذج الملحق، أن عبارات الصلاة على النبي ﷺ قد طمست مرتين عمدًا بقلم القسيس الإيطالي الذي قام بفهرستها، وقد حاولنا قراءة المطموس فظهر لنا ما يأتي: "والحمد لله وحده وصلواته ....................... ". وهو في نسخة فاتح: والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم. وفي نهاية المخطوطة: "والحمد لله وحده عدد عفوه عن خلقه وصلى [الله على أشرف المرسلين محمد .......................... ] أجمعين والحمد لله رب العالمين".

стр. 17

وهذا المطموس عمدًا يظهر كاملًا في نسخة الفاتح وهو: والحمد لله وحده عدد عفوه عن خلقه وصلّى الله على أشرف المرسلين محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. ٢ - مصورة نسخة مكتبة محمد الفاتح بإستنبول: وهي محفوظة تحت رقم (٤٢٠١)، وتقع في ٢٦٠ ورقة، بمعدل سبعة عشر سطرًا للصفحة، وثلاث عشرة كلمة في السطر. كتبها الناسخ أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي الأصفهاني البغدادي الشافعي، بتاريخ بكرة السبت ثالث عشرين جمادى الأولى من سنة تسعين وسبع مئة، بخط النسخ الشرقي الوراقي الواضح، بالمداد الزاجي العفصي الأسود، ما عدا اسم المؤلف وأول الكتاب فقد كتبهما بالمداد الأحمر، وكُتبت أسماء المترجم لهم بخط ثخين بارز، وهو ناسخ الجزء الأول نفسه المحفوظ بمكتبة الفاتيكان. وتشتمل النسخة على الجزء الثاني من الكتاب كاملًا ومشكولا، وبها العديد من الإلحاقات وعلامات المقابلة والتصحيحات، وعدة تملكات على صفحة العنوان، أهمها: ١) وقف مرحوم جلبي زاده. ٢) مما استعاره الزمان لدى الحقير الفقير المقر بالتقصير محمد .... بابن الحلبي عفى عنه في محروسة دمشق. ٣) في نوبة محمد بن يوسف الحلبي. ٤) ثم في نوبة العبد المعترف بالتقصير فضل الله السكندري، عامله الله بلطفه بالابتياع الشرعي من سوق الكتبيين بدمشق المحروسة في شهور سنة ست وتسع مئة.

стр. 18

٥) من كتب عمر بن محمد المارديني. ٦) كتبه الفقير محمد بن جعفر بن الحاج حسن. ٧) وفي صفحة العنوان طغراء باسم مصطفى خان. ٨) ويظهر في حاشية الورقة (٢٠١ أ) أبيات شعر وتحتها: وكتبه محمد بن يوسف الحلبي. ٩) ويظهر أيضًا في حاشية الورقة (٢٨٨ أ) تعليق على أبيات وفي آخره: وكتبه خليل الصفدي، وهو المؤرخ الأديب المشهور صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، ونرجّح أن تكون النسخة المعتمدة منقولة عن نسخة كانت عند الصّفدي أو اطّلع عليها، فنقل الناسخ ما كان فيها. ٣ - مصورة نسخة المكتبة الوطنية النمساوية بفيينا: وهي محفوظة تحت رقم (١١٦٩)، وتقع في ٣١٤ ورقة، بمعدل سبعة عشر سطرًا في الصفحة، وعشر كلمات في السطر الواحد. وتشتمل هذه النسخة على الجزء الثاني من الكتاب كاملًا، إلا أن النص فيها غير مشكول، وهي منقولة عن نسخة محمد الفاتح، بيد أن نصها يحتوي على الكثير من الأخطاء النحوية والإملائية، وعلى بعض الإلحاقات والتصحيحات القليلة جدًا، وكتب الناسخ النص بكامله داخل جداول مزدوجة، وكتب الأشعار داخل جداول خاصة بها، فَصَل بها بين أشطارها وأعجازها. كتبها الناسخ بخط النسخ المشرقي الوراقي الواضح، بالمداد الأسود، وكتب أسماء المترجم لهم بخط ثخين بارز، ويظهر اسم الناسخ في آخر المخطوطة: "محمد يوسف في علية إسلامبول"، وهي خالية من تاريخ النسخ، فلعل الناسخ هذا هو محمد بن يوسف الحلبي الذي يظهر تقييد تملكه في صفحة عنوان نسخة الفاتيكان.

стр. 19

لا تحتوي هذه النسخة على صفحة العنوان وقد أضيفت إليها بخط التعليق التركي: "المجلد الثاني من كتاب البدر السافر من تأليف جعفر بن تغلب بن جعفر بن علي عدد صحايف دو بست وشصت عدد سطور صحايف دهفده" مع قسم من ترجمة علي بن أحمد بن أبي فوة الأزدي. وزيَّن الناسخ أولها بطرة جميلة على ما يبدو في المصورة استعمل في تزويقها جملة من الأحبار الملونة حيث رسم صورًا لورود وأزهار وأغصان متشعبة منها، بيد أن هذه الأحبار الملونة لا تظهر في النسخة المصورة، وكتب في قاعدتها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رب يسر وبه نستعين". ٤ - مصورة نسخة مكتبة جامعة برنستون بأمريكا: وهي محفوظة ضمن مجموعة برقم: (٨٥ H)، وتقع في ٦٢ ورقة، بمعدل سبعة عشر سطرًا في الصفحة، وعشر كلمات في السطر. كتبها الناسخ بخط النسخ المشرقي التدويني، بالمداد الأسود، أما أسماء المترجم لهم وتقديمات الأشعار فيبدو من خلال المصورة أنها كُتبت بلون مغاير، والنسخة بعد خالية من اسم الناسخ أو تاريخ النسخ. تحتوي النسخة على نصوص شعرية منتخبة من الجزء الأول للكتارب فقط، وقد أفادتنا في استدراك السقط الحاصل في نسخة الفاتيكان، ومع هذا فإن الناسخ لم يلتزم فيها بالترتيب الذي وضعه المؤلف للمترجم لهم، بل يبدأ بذكر اسم المترجم له بلون مختلف ويورد نماذج من شعره كيف ما اتفق له. أولها: "أما بعد، فهذه مجموعة شعرية منتخبة من الكتاب المشهور المسمى البدر السافر عن أنس المسافر، المتضمن سير القوم وظرافاتهم وتسمية مؤلفاتهم ورقيق نظمهم ونثرهم"، ثم أورد المنتخب أبياتًا غير مذكورة في الكتاب الأصل، وهي لأبي الحسن علي بن محمد التهامي (المتوفى في سنة ٤١٦ هـ)، ومطلعها:

стр. 20

حكم المنيّة في البريّة جار … ما هذه الدّنيا بدار قرار ثم يستهل الانتخاب بترجمة إبراهيم بن محمد بن مرشد الحموي المعروف بابن البارزي، وتنتهي النسخة بإيراد أبيات شعرية من ترجمة شبيب بن الحسين بن عبيد الله أبي المظفر القاضي. وذكر الناسخ في أولها عبارة: "يدعى مختصر البدر السافر عن أنس المسافر … وآخره بخطه عفا الله عنه". وتحفل حاشية هذه النسخة بتعاليق متنوعة، بعضها عناوين لمضامين الأشعار المنتخبة، وبعضها إعجاب بمتون الأشعار، مثل قوله في الورقة ١٧/ ب: "وهذه القصيدة تلتذ بإنشادها الأسماع، وتنقطع عن الإتيان بمثلها، فينبغي للأريب أن يستكثر منها، وللأديب أن لا يخلي مجموعه عنها".

стр. 21

منهجنا في التحقيق: وقد سرنا في تحقيق الكتاب وفق المنهجية الآتية: * نسخنا الكتاب اعتمادًا على مصورات المخطوطات المذكورة آنفًا، وضبطناه وفق قواعد الإملاء الحديث، ثم قابلنا بين المنسوخ وأصله المخطوط، وأثبتنا في النص ما ورد من تصحيحات في الحاشية، حتى اطمأننا إلى سلامة النص، وعلّقنا في الحاشية ما ظهر لنا من ملاحظات مهمة قد تفيد القارئ. * حدّدنا بداية اللَّوحات، وذلك بوضع خط مائل قبل الكلمة التي تبدأ بها اللوحة، وأشرنا إلى رقم الصفحة في الحاشية، مع وضع (أ) للصفحة اليمنى، و (ب) للصفحة اليسرى، واعتمدنا ترقيمًا موحدًا يجمع نسختي الفاتيكان والفاتح، على اعتبار أنهما لناسخ واحد. * أحلنا على أهم المصادر التي ترجمت لكل علم عرّف به المصنف دون إسهاب أو تقصير، وتركنا المشهورين منهم، أمثال الخطيب البغدادي، وعرّفنا ببعض الأعلام الواردين في ثنايا التراجم باختصار. * وثقنا النقول من مصادرها، وخرّجنا الأحاديث من مظانها. * اجتهدنا في ضبط الأسماء والكنى والألقاب والأنساب، وبيّنا ما بها من إبهام أو اشتباه وما تصحف منها. * عرّفنا بأهم المواضع والأماكن حسب ما هو معروف اليوم، وأحلنا على المصادر الأصلية التي عرفت بها. * قدَّمنا للكتاب بترجمة موجزة للمؤلف لشهرته أولًا ولإسهاب من حقق بعض كتبه في ترجمته ثانيًا مثل كتاب الطالع السعيد، وبيّنا أهم القضايا المرتبطة بالكتاب،

стр. 22

وذيلناه بفهارس علمية مختلفة، كشفنا فيها عن الآيات القرآنية، والأحاديث والآثار، والأعلام، والكتب، والأماكن، والأشعار، والقبائل والأمم، والطوائف والمذاهب، والمدارس والمساجد والمعاهد والمشاهد، والمصادر والمراجع، وختمنا الفهارس بموضوعات الكتاب التي حوت كافة المترجم لهم وفق ترتيب المؤلف، واعتمدنا في كافة الفهارس على الإحالة إلى المجلد ورقم الترجمة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. المحققان

стр. 23

نماذج مصورة من النسخ المعتمدة في التحقيق

стр. 24

الورقة الأولى من مصورة الفاتيكان

стр. 25

الورقة الأخيرة من مصورة الفاتيكان

стр. 26

الورقة الأولى من مصورة مكتبة فاتح

стр. 27

الورقة الأخيرة من مصورة مكتبة فاتح

стр. 28

الورقة الأولى من مصورة المكتبة الوطنية النمساوية بفيينا

стр. 29

الورقة الأخيرة من مصورة المكتبة الوطنية النمساوية بفيينا

стр. 30

الورقة الأولى من مصورة مكتبة جامعة برنستون

стр. 31

الورقة الأخيرة من مصورة مكتبة جامعة برنستون

стр. 32

النص المحقق البدر السافر عن أنس المسافر تصنيف كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي (المتوفى ٧٤٨ هـ) [الجزء الأول]

стр. 33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه نستعين الحمد لله الأول فلا يَسبق وجوده عدم، الآخرُ فكل شيء هالك إلا وجهه، جرى بهلاكهم القلم، أوجدَ خلقه، ثم يميتهم، ثم يحييهم، فسبحان محيي الرمم وباعث الأمم، أشقى وأسعد، والشقاء والسعادة من القِدَم، وقضى على العباد بالفناء، فلا رادّ لحكمه ولا مُعَقّب لما حَكَم، أحمده على ما أولى من النّعم، وأشكُره على ما مَنَح من النِّعم. وأُصَلّي على نبيّه الموصوف بمحاسن الشيم، ورسوله المشرَّف بالحياء والكرم، صلى الله عليه ما لاح بارقٌ ونَطق ناطقٌ وسبّح له، وعلى آله وأصحابه الذين لهم في الفضل سابقة قدم، وفي التقوى رسوخ قدم، وفي العلم علم أوضح للسارين من علم. وبعد، فالأدب جليسٌ لطيف، تنشرح به الصّدور وتسرّ النفوس، ونوعٌ ظريف تتزين به المحافل، وتتطرز الطروس، وفنٌّ خفيف يُتلقَّى بالأيدي فيحمل على الرؤوس، وعلمٌ ظريف تحيا به المعالم بعد الدروس، يؤنس في الغربة، ويميل إليه الرئيس والمرؤوس. ولله درّ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد البَيْهَقي ﵁ (١)، حيث قال فأحسن في المقال: إنَّ الجَواهِر دُرُّها ونُضارُها … هنَّ الفداءُ لجوهَر الآدابِ فَإذا كَنَزت وادَّخَرْتَ دَخيرَةً … تَسْموا بِزينَتِها عَلَى الأتْرابِ فَعلَيْكَ بِالأَدبِ المُزيِّنِ أَهلهُ … كي ما تفوزَ ببَهْجةٍ وَثَوابِ _________ (١) هو أبو إسحاق البيهقي المغيثي الأديب، صاحب كتاب المحاسن والمساوئ، توفي نحو سنة ٣٢٠ هـ. تاريخ بيهق: (٢٩١ - ٢٩٦).

стр. 34

فَلَرُبَّ ذي مالٍ تَراهُ مُبعَّدًا … كَالكلبِ يَنبحُ مِن وَراء البابِ وَتَرَى الأديبَ وإن دَهَتْهُ خَصاصَةٌ … لَا يُستَخفُّ بِه عَلَى الأبْواب (١) وركنه الذي يستند إليه، وعماده المعتمد عليه، التاريخ المترجم من تقدَّم في الزمان، والمعرّف بأحوال من له في الشرف علو مكان، والمظهر سيرة من سلف ومضى، والمبيّن صفة من وُجد وانقضى، والمميّز الخبيث الفاسق من الطيّب الرضى، والموضح ما سمحت به القرائح، والمعين من الفضائل ما حمله كل غاد ورائح، والموصل إلينا ما أتت به الفضلاء من اللطائف المبتدعة، والمعاني المخترعة، والطرف التي هي بقوة الأفكار منتزعة. وكنتُ ممن تعلَّق من الأدب بأهدابه، وقصد الدخول إليه من بابه، ليعدّ من أربابه، فحصل لي منه نصيب وقسم، وسما لي فيه ذكرٌ واسم، ولما عدمت الصدقة الجارية وفقدت الولد، أخذت في التصنيف خشية أن يكمل لي في انقطاع العمل العدد، وأحببت أن أضرب في التأليف بسهم، فأُذْكَر وأُعرَف بما آتي به من المعارف فلا أُنكَر، ورحم الله أبا الفتح البستي (٢) حيث يقول: يَقولونَ ذِكرُ المَرْءِ يَحيا بنَسْلهِ … وَلَيْسَ لهُ ذِكرٌ إذا لَم يَكن نَسْلُ فَقُلتُ لهم نَسْلي بَدائِعُ حِكمَتِي … فَإن فَاتنا نَسلٌ فَإنَّا بِه نَسْلوا (٣) وكنتُ قد كتبت تراجم انْتَقَيْتها في أثناء المطالعة، وعلّقت أشياء انتخبتها من _________ (١) الأبيات من إنشاد أبي حاتم سهل بن يحيى السجستاني، كما في أدب الإملاء والاستملاء: (٢)، ومعجم البلدان: (١/ ٤٤). (٢) هو أبو الفتح علي بن محمد بن الحسن البستي العميد الكاتب النحرير، توفي سنة ٤٠١ هـ. يتيمة الدهر: (٤/ ٣٤٥ - ٣٨٣)، تاريخ دمشق: (٤٣/ ١٦١ - ١٧١). (٣) انظر يتيمة الدهر: (٤/ ٣٨٠)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (٢/ ٢٨٠).

стр. 35

التواريخ المتتابعة، وجعلتها في جذاذات لأجدها عند المراجعة، ثم خشيت من فقدها فيبقى في القلب حزازات متتابعة، فعمدت إلى جمع مفترقها في هذا المجموع؛ ليحفظ وتراعى وتلحظ، وآنس به في السفر، وأحاضر به في الحضر من حضر، وأسرِّح الطرف في أزاهره، وأُطرب السمع بما يسمع من مزاهره، وألهو به عمن لا يرضى، وسمير عمَّا يفرط مني لا يغضى، وأقصر الخطى عن من يضَنُّ عليَّ، وأعزُّ نفسي عن السير إلى من لا ينظر إليَّ، لا سيما وقد دُفعنا إلى زمن صفوه تكدَّر، ودهر وجود جواد فيه عزَّ أو تعذَّر، وذي وفاء قلَّ أو تعسَّر، وفي ذلك أقول: شعر مُذ صارَ صَفْو الوَرى إلى كَدرٍ … وَمَنزِلُ الجودِ في الوجودِ عَفا وَلَيسَ لي مُسْعِد على إرْبِي … وَلَا صَديقٌ أَنالُ مِنهُ وَفَا فارَقتُ صَحْبِي وَمَن أَنِسْتُ بِه … وَقُلتُ حَسْبي مِن قُرْبِهم وكَفَى فَلَيْسَ لي مُؤنِسٌ سِوَى صُحفٍ … يُنْشَر فِيها حَدِيثُ مَن سَلَفا تُهدي إلى السَّمع مِنهُم تُحفًا … وَينظر الطَّرفُ مِنهُم طُرفًا وقصدي في هذا التصنيف: الاقتصار على ذكر جماعة من المتأخرين، والاختصار على من كان في المئة الخامسة، وما بعدها من السنين، والاختصاص بمن عَرَف فَنًّا من الفنون، وله كرامة ترقى الأخبار بها إلى أعلى مراتب الظنون، مرتبًا له على ترتيب حروف المعجم، ليدرك المأمول منه بسهولة ويُعْلَم. والله أسأل أن يشيد معالمه، ويقرّر مغانمه، ويحسن فيه المبدأ والخاتمة، وهذا حين الشروع فيه، والإتيان بما يقضي به الوضع الاصطلاحي ويقتضيه.

стр. 36

حرف الهمزة ١ - إبراهيم بن سَعْد الله بن جَمَاعة بن علي بن جَماعة بن حَازم بن صَخْر الكِنَانِي الحَمَوِي، المنعوت برهان الدِّين، الفقيه الشافعي الصوفي (١). سمع الحديث من الفخر ابن عَسَاكِر، ودرّس بحَمَاة (٢). ولزم الورع والعبادة، واتّصف بالزهد والزهادة، ولازم سلوك الطرق التي تشهد لسالكها بالسعد والسعادة، وواظب على الأعمال الصالحة والخير عادة، فتجلت له الحقائق، ولاحت له من عوارف المعارف بوارق أرباب الرقائق، فكان له بالكرامات تخلُّقٌ، وبالمكاشفات تحققٌ وتعلقٌ وتبصرٌ، وبالإلهامات الربانية، فصار من جملة مشايخ طائفة البَيَانِيَّة (٣)، فأينعت زهراته وطابت مغارسه، فجُنيت ثمراته وتفرعت منه فروع، أصبحَت في العلوم أصولًا، فقررت في التقوى قواعد، ومَهَّدت للهدى فصولًا، ورامت أهل الفضائل لحاقهم، فلم تستطع سبيلًا، ولا وجدت للوصول إليهم وصولًا، وعمّت سيادتهم ورئاستهم أرجاء شامها ومصرها، وعَلَت على أبناء جنسها،

стр. 37

فما داناها مدانٍ في عصرها، والسّعادة الأبدية قد فرغ منها، والمقادير الإلاهية لا محيدَ عنها، فقلت: شعر تأمَّلِ في الدُّنيا جميعًا فَما تَرَى مَثِيلًا … لَهُم في ما حَوَوْهُ من الفضلِ وقِس بِهم مَن قَد رَأيْتَ مِنَ الوَرَى … يَلُح لَك حال الفَرْق في القَول والفِعْل ألَم تَر أنَّ المرْءَ يُعرَفُ قَدرُه … بأمْثَالِه وَالشَّكْلُ يُعرَف بِالشَّكْلِ واستيعاب معالي [الآباء] (١) والجدود تحوج إلى أن تخرج عن الاختصار المقصود. سمعتُ شيخنا قاضي القضاة أبا عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين المترجم، ﵀، يحكي أنه رأى شخصًا عليه ثياب بيض قصار، وعمامته ملمَّسة بعذبة لطيفة طائرًا، فحكى ذلك لوالده، فقال له: هذا من عبَّاد مصر، ولما قصد الشيخ برهان الدِّين التوجه إلى بيت المقدس ودَّع أهله وداع من لا يعود إليهم، وأعلمهم أنه لا يقدم بعد ذلك عليهم، ثم توجَّه إلى القدس الشريف، فانقضت به مدَّته وكانت به تُربَتُه، بعدما أقام به مدَّة، وهو على العبادة قد أكبَّ، إلى أن أتته منيَّته كما أحبَّ. وكانت وفاته في يوم الأضحى سنة خمس وسبعين وست مئة، ومولده بحماة في يوم الاثنين منتصف شهر الله رجب الأصم، من شهور سنة ست وتسعين وخمس مئة. ٢ - إبراهيم بن سَهْل الإسرائيلي الأسْلَمِي الأندلسي، الأديب الشاعر الماهر الناظم الناثر (٢).

стр. 38

كان يهوديا وأسلم، والله تعالى أعلم. قرأ النحو على الأستاذين أبي علي الشَّلَوْبِين (١)، وأبي الحسن الدَبَّاج (٢). وعانى الأدب فبلغ منه غاية الأرب، وفاق في الشعر على شعراء بلدته وهو في عنفوان شبابه وجدّته. وقد ترجمه صاحبه الأديب الفاضل المؤرخ أبو الحسن علي ابن سعيد الأندلسي (٣) في "تاريخه الصغير"، فقال عنه: إنه لم يشتهر بإشبيلية بعد ابن الصَّابوني (٤) شاعرٌ اشتهارَه، ولا حاز انطباعه في الشعر واقتداره، هذا وما بلغ عمره العشرين، وخلقته بها تقتحمه عيون المحبّين والمبغضين، إذ صيغ في صورة ابن الصَّائغ (٥)، وعيف كما يُعَاف سُؤرُ الكلب الوالغ. قال: وكنت ممن قد قرأت معهُ على الأستاذ أبي الحسن الدَبَّاج زمانًا، وبادرنا أنواع اللذات ميدانًا وميدانًا، وكان مهوى هوانا، ومجمع لذاتنا ومنانا، لا نكاد نخلو من التفرج في تلك الأدواح والقصور، وظلّ الشباب ممدود، وهوى النفس مقصور، ومعنا

стр. 39

من الوجوه الفَتَّانة ما يعين القرائح، ويأتي من البدائع بكل غادٍ ورائح، وعارض ذلك البلد الزاهي لم تشبه الشوائب، ولا عضّته أنياب النوائب، والعيش غضّ والزمان غلام، والدنيا تحية وسلام، وقال فيه: وَلَا لَحظَ إلا راتِعٌ في خَميلَةٍ … وَنَهرٍ وَخَدٍّ بِالحَياء موَرَّدِ وَلَا سَمعَ إلا سامِعٌ مَا يُرِيدُه … حَدِيثُ حَبيبٍ أَو أَغارِيدُ مُنْشِدِ قال: وقُلتُ له يومًا في مجلس أُنْس وانشراح وسرور وأفراح: بحُرمَة ما بَيْننا من الودِّ إلا ما أَزَلت عني شَكَّ النَّاس فِيكَ وصَدَقْتني، هل أنت على دين الإسلام أو أنت على دين الأسلاف؟ فقال: للناس ما ظهر ولله ما استتر، وبعد فهذا أخلاق ما نحن فيه. قال ابن سعيد: شعر وَإنِّي لَأرْجو أن تَكُونَ وَفَاتُه … عَلَى مِلَّة الإسْلَام كَي مَا يُسَلَّما وَألقاهُ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخَلَّدًا … فَلَيْسَ بأَهْلٍ أَن يَحُلَّ جَهَنَّما ولابن سهل "ديوان" (١) شعر، وقفت عليه ونقلت منه، ومن نظمه قوله: شعر الأرضُ قَد لَبسَتْ رِدَاءًا خَضِرَا … وَالطلُّ يَنثُرُ في رُباهَا جَوْهَرَا هاجَت فَخِلتُ الزَّهرَ كَافُورًا بها … وَحَسبتُ فيها التُّربَ مِسْكًا أذْفَرا وَكَأنَّ سوسَنَها يُصافح وَرْدَها … ثَغرٌ يُقبِّل مِنهُ خَدًّا أَحْمرَا

стр. 40

وَالنَّهرُ مَا بَينَ الريّاض تَخالُه … سَيفًا تعلق مِن بِجاد أَخْضَرَا وَجَرَت بِصَفحَتِه الرُّبَى فَحَسِبْتُهَا … كَفًّا تُنَمِّقُ في الصَّحِيفَة أَسْطُرَا وَكَأنَّهُ إذ لاحَ ناصِعُ فِضَّة … جَعَلتهُ كفُّ الشَمسِ تِبرًا أصْفَرا أو كَالخدُودِ بَدَت لَنَا مُبْيضَّةً … فَأرَتْكَ بالخَجَل البَياضَ مُعَصْفَرا وَالطَيرُ قَد قامَت عَلَيه خَطِيبَةً … لَم تَتَّخِذْ إلا الأَراكَةَ مِنْبَرا وقال أيضًا: حُثَّ الكُؤوسَ وَلا تُطِع مَن لَاما … فَالأرض قَد سَقَت الرِيّاضَ غَمامَا (١) رقّ الغَمامُ لما بها إذْ أمحلَتْ … فَغَدا يُرِيقُ لَها الدُّمُوعَ سِجامَا وَالبَرْقُ سَيفٌ والسَّحابُ كَتَائِبُ … يُبدِي لِوَقع غِرَارِهِ إحْجامَا وَالدَّوح مَيَّادُ الغُصُونِ كَأنَّما … شَرِبَ النَّبَاتُ مِن الغَمَام مُدَامَا والزَّهرُ يَرْنُو عن نَوَاظِرَ سَدَّدَت … لحَظَاتهِنَّ إلى الشُّجُونِ سِهَامَا هُنَّ الكَوَاكِبُ غَيرَ أنْ لَم تَستَطِع … شَمسُ النَّهار لِضَوْئِهَا إبْهَامَا تَثْنِي عَلى كَرَم الولَيِّ بنَفحَة … عَن مِسْك دَارين (٢) تَفُضُّ خِتَامَا
следующие страницы →