حرف الهمزة
١ - إبراهيم بن سَعْد الله بن جَمَاعة بن علي بن جَماعة بن حَازم بن صَخْر الكِنَانِي الحَمَوِي، المنعوت برهان الدِّين، الفقيه الشافعي الصوفي (١).
سمع الحديث من الفخر ابن عَسَاكِر، ودرّس بحَمَاة (٢).
ولزم الورع والعبادة، واتّصف بالزهد والزهادة، ولازم سلوك الطرق التي تشهد لسالكها بالسعد والسعادة، وواظب على الأعمال الصالحة والخير عادة، فتجلت له الحقائق، ولاحت له من عوارف المعارف بوارق أرباب الرقائق، فكان له بالكرامات تخلُّقٌ، وبالمكاشفات تحققٌ وتعلقٌ وتبصرٌ، وبالإلهامات الربانية، فصار من جملة مشايخ طائفة البَيَانِيَّة (٣)، فأينعت زهراته وطابت مغارسه، فجُنيت ثمراته وتفرعت منه فروع، أصبحَت في العلوم أصولًا، فقررت في التقوى قواعد، ومَهَّدت للهدى فصولًا، ورامت أهل الفضائل لحاقهم، فلم تستطع سبيلًا، ولا وجدت للوصول إليهم وصولًا، وعمّت سيادتهم ورئاستهم أرجاء شامها ومصرها، وعَلَت على أبناء جنسها،
стр. 37
فما داناها مدانٍ في عصرها، والسّعادة الأبدية قد فرغ منها، والمقادير الإلاهية لا محيدَ عنها، فقلت: شعر
تأمَّلِ في الدُّنيا جميعًا فَما تَرَى مَثِيلًا … لَهُم في ما حَوَوْهُ من الفضلِ
وقِس بِهم مَن قَد رَأيْتَ مِنَ الوَرَى … يَلُح لَك حال الفَرْق في القَول والفِعْل
ألَم تَر أنَّ المرْءَ يُعرَفُ قَدرُه … بأمْثَالِه وَالشَّكْلُ يُعرَف بِالشَّكْلِ
واستيعاب معالي [الآباء] (١) والجدود تحوج إلى أن تخرج عن الاختصار المقصود.
سمعتُ شيخنا قاضي القضاة أبا عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين المترجم، ﵀، يحكي أنه رأى شخصًا عليه ثياب بيض قصار، وعمامته ملمَّسة بعذبة لطيفة طائرًا، فحكى ذلك لوالده، فقال له: هذا من عبَّاد مصر، ولما قصد الشيخ برهان الدِّين التوجه إلى بيت المقدس ودَّع أهله وداع من لا يعود إليهم، وأعلمهم أنه لا يقدم بعد ذلك عليهم، ثم توجَّه إلى القدس الشريف، فانقضت به مدَّته وكانت به تُربَتُه، بعدما أقام به مدَّة، وهو على العبادة قد أكبَّ، إلى أن أتته منيَّته كما أحبَّ.
وكانت وفاته في يوم الأضحى سنة خمس وسبعين وست مئة، ومولده بحماة في يوم الاثنين منتصف شهر الله رجب الأصم، من شهور سنة ست وتسعين وخمس مئة.
٢ - إبراهيم بن سَهْل الإسرائيلي الأسْلَمِي الأندلسي، الأديب الشاعر الماهر الناظم الناثر (٢).
стр. 38
كان يهوديا وأسلم، والله تعالى أعلم.
قرأ النحو على الأستاذين أبي علي الشَّلَوْبِين (١)، وأبي الحسن الدَبَّاج (٢).
وعانى الأدب فبلغ منه غاية الأرب، وفاق في الشعر على شعراء بلدته وهو في عنفوان شبابه وجدّته.
وقد ترجمه صاحبه الأديب الفاضل المؤرخ أبو الحسن علي ابن سعيد الأندلسي (٣) في "تاريخه الصغير"، فقال عنه: إنه لم يشتهر بإشبيلية بعد ابن الصَّابوني (٤) شاعرٌ اشتهارَه، ولا حاز انطباعه في الشعر واقتداره، هذا وما بلغ عمره العشرين، وخلقته بها تقتحمه عيون المحبّين والمبغضين، إذ صيغ في صورة ابن الصَّائغ (٥)، وعيف كما يُعَاف سُؤرُ الكلب الوالغ.
قال: وكنت ممن قد قرأت معهُ على الأستاذ أبي الحسن الدَبَّاج زمانًا، وبادرنا أنواع اللذات ميدانًا وميدانًا، وكان مهوى هوانا، ومجمع لذاتنا ومنانا، لا نكاد نخلو من التفرج في تلك الأدواح والقصور، وظلّ الشباب ممدود، وهوى النفس مقصور، ومعنا
стр. 39
من الوجوه الفَتَّانة ما يعين القرائح، ويأتي من البدائع بكل غادٍ ورائح، وعارض ذلك البلد الزاهي لم تشبه الشوائب، ولا عضّته أنياب النوائب، والعيش غضّ والزمان غلام، والدنيا تحية وسلام، وقال فيه:
وَلَا لَحظَ إلا راتِعٌ في خَميلَةٍ … وَنَهرٍ وَخَدٍّ بِالحَياء موَرَّدِ
وَلَا سَمعَ إلا سامِعٌ مَا يُرِيدُه … حَدِيثُ حَبيبٍ أَو أَغارِيدُ مُنْشِدِ
قال: وقُلتُ له يومًا في مجلس أُنْس وانشراح وسرور وأفراح: بحُرمَة ما بَيْننا من الودِّ إلا ما أَزَلت عني شَكَّ النَّاس فِيكَ وصَدَقْتني، هل أنت على دين الإسلام أو أنت على دين الأسلاف؟ فقال: للناس ما ظهر ولله ما استتر، وبعد فهذا أخلاق ما نحن فيه.
قال ابن سعيد: شعر
وَإنِّي لَأرْجو أن تَكُونَ وَفَاتُه … عَلَى مِلَّة الإسْلَام كَي مَا يُسَلَّما
وَألقاهُ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخَلَّدًا … فَلَيْسَ بأَهْلٍ أَن يَحُلَّ جَهَنَّما
ولابن سهل "ديوان" (١) شعر، وقفت عليه ونقلت منه، ومن نظمه قوله: شعر
الأرضُ قَد لَبسَتْ رِدَاءًا خَضِرَا … وَالطلُّ يَنثُرُ في رُباهَا جَوْهَرَا
هاجَت فَخِلتُ الزَّهرَ كَافُورًا بها … وَحَسبتُ فيها التُّربَ مِسْكًا أذْفَرا
وَكَأنَّ سوسَنَها يُصافح وَرْدَها … ثَغرٌ يُقبِّل مِنهُ خَدًّا أَحْمرَا
خُذُوا القَلبَ يَا رَكْبَ الحِجَاز فَإنَّهُ … ثَوَى الجِسمَ في أسْر البِطَالَة كَانِعا (١)
وَلا تَصْرفُوه إن قَفِلتُم فَإنَّه … أَمَانَتكُم أنْ لَا تَرُدُّوا الوَدَائِعا
مَعَ الجمَرَات ارمُوا فُؤَادِي فَإنَّه … حَصَاةٌ تَلقَّتْ مِن يَد الشَّوقِ صَادِعَا
تَخلّصَ أَقْوَامٌ وَأسْلَمَنِي الهَوَى … إلَى عِلَلٍ سَدَّت عَليَّ المطَامِعَا
وَحُطُّوا رَجَائي في رَجَا مَاء زَمْزَمٍ … وَخَلُّو المنَى تَجمَعْ عَلِيلًا وَنَافِعَا
وَهَذَا مَعِينُ النُّصْحِ إن كُنتَ وَارِدًا … وَهَذا دَلِيلُ الفَوزِ إن كُنتَ تَابِعَا
وقال أيضًا من نظمه ﵀:
يَقُولونَ لَو قَبَّلتَه لَاشْتَفَى الجَوَى … أَيَطمَعُ في التَّقبِيل مَن يَعشَقُ البَدْرَا
وَلَو غَفَلَ الوَاشِي لقبَّلْت نَعلَه … أنَزِّهُه أن أذكُر النَّحرَ والثَّغرَا
وَمَن لِي بِوَعْدٍ مِنهُ أَشْكُو مُخلِفَه (٢) … وَمَن لي بِعَهْد مِنهُ أشْكُو بِه الغَدْرَا
وَمَا أنا ممّن يَسْتَحملُ الرِّيحُ سِرَّهُ … أَغَار حِفَاظًا أن أُبيحَ لَها سِرّا
يَقُول لي اللَّاحي وقد لجَّ في الهَوَى … لَيُلهِمُني في سَوء تَقرِيرِه الصَّبرَا
ألَم تَروِ: قد أصبر لكل مُلمةٍ … فقلتُ: أمَا تَروي لَعلَّ لَهُ عُذْرَا
إذَا فِئَة العذَّال جَاءَت بِسحرِهَا … فَفِي وَجْهِ مُوسَى آيَةٌ تُبطِلُ السِّحْرا
وقال أيضًا في موسى:
стр. 44
كَأنَّ الخَالَ في وَجَنَاتِ مُوسَى … سَوادُ العَتْبِ في نُورِ الوِدَادِ
وَخَطَّ بِصُدغِه للحُسْنِ نُونًا … فَنُقطَةُ خَدّه بَعْضُ المدَادِ
لَوَاحِظُه محُيّرَةٌ وَلَكِن … بِهَا اهْتَدَت الشُّجُونُ إلى فُؤَادِي
وقال فيه أيضًا:
صُعِقْتُ وَقَد نَاجَيتُ موسَى بِخَاطِري … فَأصبَحَ طَورُ الصَّبرِ من هَجْرِه دَكَا
وَقَالوا اسْلُ عَنهُ أو تَبدَّل بِه هَوىً … أبَعْدَ الهوى أبْغِي الجُحُودَ أو الشِّركَا
أنِفتُ لِذَاك الحُسنِ أن يَهجُرَ الحُلَى … فَنظَّمتُ مِن شِعرِي وَمِن أدْمعِي سِلكَا
جَلَا الجالُ في كَافُور خَدِّكِ مِسْكَه … فَنَمَّ بأشْوَاقِي مُنَمنِمُها الأذكَى
فَجُد لي بمسْكِ الخالِ يَا ظَبْي إنَّنِي … عَهِدتُ ظِبَاءَ المِسْك لَا تمسِّك المِسْكَا
وله فيه:
لاموا فلما لاح موضع صبوتي … قالوا لقد جئت الهدى من بابه
شرقت بدمعي وجنتي شوقًا إلى … ذي وجنةٍ شرقت بماء شبابه
حلو الكلام كأنما ألفاظه … يشربن عند النطق شهد رضابه
بالله يا موسى لقد لذَّ الهوى … أجهز ولا تبق الجريح لما به
هاروت أودع في لحاظك سحره … فأصاب قلبي منك مثل عذابه
صَحَّحت يأسي من وصالك مثلَ ما … قد صحَّ يأس الحرف من إعرابه
وهَوَى بعد موسى شابًا اسمه محمد، فسُئِل عن تركه موسى، فقال ما أنشدنا شيخنا
стр. 45
أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، قال: أنشدنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي، قال: أنشدنا إبراهيم بن سهل، وقد سألناه عن تركه موسى وحبّه محمدًا، فقال: شعر
تركت هوى موسى لحب محمدٍ … ولولا هَدَى الرحمن ما كنت أهتدي
وما عن قِلىً مني تركت وإنما … شريعة موسى عُطِّلَتْ بمحمد
وهذان البيتان لغيره، ووقع فيهما تغيير.
قال الحافظ أبو عبد الله الأبار في كتابه "تحفة القادم": حدثني أبو سليمان ابن حَوط الله وغيره، عن الأستاذ أبي القاسم ابن غالب، قال: أنشدني أبو زيد عبد الرحمن السالمي (١) الشاعر بقرطبة: / لنفسه، وقد ترك فتى اسمه عيسى وهوى فتىً اسمه محمد: شعر
تَسَلّيتُ عَن عِيسَى بحُبّ مُحمَّدٍ … هُدِيتُ وَلَولَا الله مَا كُنتُ أهْتَدِي (٢)
وذكر البيت الثاني كما قدمته، وله الموشحة المشهورة، وهي قوله:
يَا لحظات للفتن … في كرّها أوفى نصيب
ترمي وكلي مقتل … وكلها سهم مصيب
اللّوم للّاحي مباح … أما قبوله فلا
стр. 46
علقتها وجه صباح … ريق طلا عيني طلا
كالظبي ثغره أقاح … ممّا ارتعاه في الفلا
يا ظبي خذ قلبي وطن … فأنت في الحسن غريب
وارتع فدمعي سلسل … ومهجتي مرعىً خصيب
بين الَّلمَى والحَوَر … منها الحياة والأجل
شقّ رياض الخفر … من خدّها وجه الخجل
زرعته بالنظر … وأجتنيه بالأمل
بطرفها الساجي وسن … أسهر أجفان الكئيب
والردف فيه ثقل … خفَّ له عقل اللّبيب
أهدت إلى نار العتاب … برد اللَّمى وقد وقد
فلو لثمته لذاب … من زفرتي ذاك البرد
ثم لوت جيد كعاب … ما خلته إلا الغَيَد
في ترعة الظبي الأغن … وهزّة الغصن الرطيب
يجري لدمع جدول … وينثني منها قضيب
أأنت حورا أرسلك … رضوان صدقًا للخبر
قطعت القلوب لك … وقيل ما هذا بشر
أم الصفا مضنى هلك … من النوى أم الكدر
стр. 47
حتى تزكيه المحن … أمر الهوى أمر عجيب
كأن حبي مندل … زاد بنار الهجر طيب
أغربت في الحسن البديع … فصار دمعي مغربا
شمل الهوى عندي جميع … وأدمعي أيدي سبا
فاستمعي عبدًا مطيع … غنى لبعض الرُّقبا
هذا الرقيب ما أسواه بظنّ … أيش لو كان الإنسان مريب
يا منيتي قم نعمل … ذاك الذي ظن الرّقيب
وله أشياء حسنة، وكل نظمه بديع.
توفي غريقًا في المركب التي غَرق فيها ابن خَلَّاص (١)، ليلة الجمعة، سابع عشر جمادى الأولى، سنة خمس وأربعين وست مئة، وقيل: تسع وخمسين وست مئة.
٣ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سِبَاع الفَزَاري الدِّمَشْقي، المنعوت بُرْهَان الدين، الشهير بابن الفِرْكَاح الفقيه الشافعي (٢).
стр. 48
كان فقيهًا أصوليًا متدينًا ثقةً، انتهت إليه رئاسة مذهب الشافعي بإقليمه، وتصدَّى للإقراء، وانْتُفِعَ به، وتخرَّج به جماعة من الفضلاء.
وصنَّف تصانيف، منها: "تعليق على التنبيه، في مجلدات، وتعليق على المنهاج (١)، في جزء لطيف.
وسمع الحديث من ابن عبد الدائم وغيره، وتفقه بأبيه، وولي الخطابة بدمشق، ثم تركها ووُلّي القضاء بدمشق فلم يقبل.
وقال ما أنشدنيه عنه الشيخ الفقيه العالم أمين الدين محمد بن علي الأَنَفِي (٢)، قال: أنشدني لنفسه: قوله
وإني لأستحيي من الله كلَّما … وقفتُ خطيبًا واعظًا فوق منبري
ولست بريئًا بينهم فأفيدهم … ألا إنما تشفي المواعظ من بري
وعُرِض عليه وكالة بيت المال بالشام فلم يُجِب إليها ولا عَوَّل عليها.
ودرّس بالمدرسة البَادْرَائية (٣)، ومازال مشتغلًا بما يعنيه، تاركًا للمناصب وإن حصَّل فيها ما يغنيه، إلى أن مضى على جميل، متبوعًا بالثناء الجزيل.
стр. 49
ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ستين وست مئة، وتوفي بها في يوم الجمعة، في سابع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
٤ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يحيى أبو إسحاق (١)، من أهل نهر القلائين، النَّقَّاش.
من بيت قضاء وعدالة، ويعرفون ببيت الشَّطَوِي (٢).
كان أبو إسحاق هذا شيخًا فاضلًا، وله كلام على طريقة الصوفية، وشعر جيد ونثر حسن، وجمع من نثره ونظمه كتابًا كبيرًا في رقاع.
قال الحافظ أبو عبد الله ابن النجار: ما أظنه نقل كتابه إلى مبيضة، لاشتغاله بالكسب في نقش الصُّفْر (٣).
قال: وقد كَتَبتُ عنه شيئًا من شعره، ورأيته شيخًا حسنًا، له سمت، وهو محمود الأفعال يرجع إلى صلاح وديانة (٤).
قال: ومما كتبته عنه من شعره، قوله:
وكم في هوى ليلى قتيلُ صبابةٍ … ومجنونها المغرى بها العلمُ الفرد
وما كلُّ من ذاق الهوى تاه صبوةً … ولا كلُّ من رام اللقا حثَّه الوجد
وللحب في البلوى شروطٌ عزيزةٌ … يقوم بها في حلبة الوله الأُسد
стр. 50
وقال أيضًا:
ومن لم يبت والدمع يسهر جفنه … إذا ضحك الواشون أصبح باكيا
وكيف ينام الليل من طَعِم الهوى … وما انفك مهجورًا وما كان ساليا
وعن وجده تروي بلابلُ قلبه … أحاديثَ من أمسى لظى الحب صاليا
قال: وسألته عن مولده، فقال: وُلِدت بدمشق سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، ونشأت بها، ودخلت بغداد سنة ستين، واستوطنها إلى حين وفاته في يوم عرفة، سنة أربع وعشرين وست مئة، ﵁.
٥ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن جعفر بن عبد الرحمن بن جعفر التَّنُوخِي المكنى بأبي السّمح، الفقيه الحنفي المعَرِّي (١).
روى عنه عبد الواحد بن محمد بن الحسن الكَفَرْطَابِي (٢)، روى عنه أحمد بن عبد العزيز بن محمد أبو الطيب المقدسي (٣)، وكان أبو السمح فاضلًا شاعرًا أديبًا زاهدًا ورعًا.
له شعر كثير مُطَوَّل، وقدم بغداد، ومدح الخليفة المقتدي بأمر الله، ومدح غيره.
стр. 51
ونظم قصيدة مدح بها خَوَاجا بَزُرْك (١)، أولها وهي هذه الأبيات، قوله:
أهلًا وسهلًا بالخيال الزّائر … منح الوصال من الحبيب الهاجر
يا مرحبا بخياله الوافي ويا … لهفي على ذاك الغزال الغادر
أما الجفون فقد وفت بهواكم … يا نائمين عن المعنَّى الساهر
جرتم فأنصفها الخيال وليتكم … أنصفتمُ وبدالها كالحائر
أوليتكم تلقون زائرَ طيفنا … لقيا ابن إسحاق ببرّ الزائر
لما رأيت بني العلاء تتابعوا … في شأوهم من أولٍ أو آخر
أجريت طرف المجد في سند العلى … متصاعدًا كالكوكب المتحادر
وأخذ في المدح.
وقال أيضا:
يا ماء دجلة ما أراك تلذلي … طيبا كماء معرّة النعمان
أتراك مملوحًا بماء مدامعي … نثرته منه غمائم الأجفان
أم هل ترى ظمأ الفؤاد لمائها … يومًا يعود وليس بالظمآن
وقال أيضا:
стр. 52
فإن تنكروا شيبًا برأسي فإنه … شعاع تبدَّى في متون يمان
وإن شباب الرّمح ليس بكامل … إذا لم يلمَّع فيه شيب عنان
توفي بشَيْزَر (١) سنة ثلاث وخمس مئة، ﵁ بفضله وكرمه.
٦ - إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن محمد بن فاتك ابن محمد الهمداني الحموي أبو إسحاق المعروف بابن أبي الدم، الفقيه الشافعي القاضي الأديب المؤرخ الشاعر (٢).
دخل بغداد، وسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة (٣)، وغيره، وحدث بحلب وحماة والقاهرة، وولي قضاء حماة، وترسل عن صاحبها.
وكان وافر العقل حسن الأخلاق، بارعًا في الفقه، صنّف فيه تعليقًا على الوسيط، وفيه أشياء حسنة ونقول غريبة، وكتاب أدب القضاء (٤)، وهو أجود من تعليقه على
стр. 53
الوسيط، وكتاب كبير في التاريخ (١)، وله شعر.
ومولده بحماة في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وتوفي بها منتصف جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
ومن مفرداته في ما علمت قوله: إن الشاهد إذا كان في مستنده في شهادته الاستفاضة حيث جازت الشهادة بها، فبيَّن الشاهد ذلك، وقال: مستندي الاستفاضة، فقال: لا تسمع شهادته على الأصح، ولم أره لغيره، وقد قال الرافعي وغيره في باب الجرح: إذا جازت الشهادة فيه بالاستفاضة أن الشاهد يبين ذلك، فيقول: سمعت الناس يقولون فيه كذا، لكن ذكر الرافعي في الشهادة بالملك، أنه تجوز الشهادة فيه بالاستصحاب، فلو بيَّن ذلك فقال: أشهد له بالملك استصحابًا، فقطع القاضي بالقبول والغزالي بالمنع، فلعل ابن أبي الدم نقل هذا الخلاف إلى ثم، والله تعالى أعلم.
٧ - إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محفوظ السُّلمي الآمدي الفقيه الشافعي المقرئ (٢).
تفقه بأبي سعد الميهني (٣)، ومحمد بن يحيى النيسابوري (٤)، وعلق عنه الخلاف.
стр. 54
وكان حسن الكلام في الخلاف، عارفًا بالأصول والجدل، فاضلًا في الفقه والأدب، مليح المحاورة، كثير المحفوظات في الأشعار والحكايات.
قرأ القراءات على أبي عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الدبّاس (١)، وأبي محمد عبد الله بن علي الخياط (٢)، وسمع الحديث من أبي البركات هبة الله بن محمد ابن البخاري (٣)، وأبي القاسم ابن الحصين (٤)، وأبي العز ابن كادش (٥).
وحدث ببغداد بصحيح مسلم عن الفراوي (٦)، وسمع منه المبارك بن كامل (٧)، وأخرج عنه، وهو أكبر منه سنًّا، وأبو الحسن ابن القطيعي (٨).
قال الحافظ ابن النجار: كان مشهورًا باختلاق الحكايات المستحسنة في المجالس والمحافل (٩).
стр. 55
ونظم في كوسج قوله:
وأقسم ما قلَّ النبات بوجهه … وعارضه إلا لقلة مائه (١)
سئل عن مولده فقال: في منتصف شعبان سنة أربع وخمس مئة.
وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شهر المحرم سنة خمس وسبعين، ﵀.
٨ - إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أغلب الخولاني الأَصْطَبِّي (٢) المكنى بأبي إسحاق، المعروف بالزَّوَالي، ويقال فيه أيضًا الزَّوِيلي (٣).
كان مقرئًا أديبًا شاعرًا مؤرخًا راويةً، روى عن أبي مروان ابن قزمان، ولازمه كثيرًا، وكان أقعد الناس به، وروى عن أبي الحسن ابن هذيل، وجماعة كثيرة، وأخذ الناس عنه لعلوِّه بابن قزمان، وهو آخر من حدث عنه بالسماع، وسمع منه ابن عَسَاكِر، وأبو إسحاق ابن عبيد الله الخطيب.
قال شيخ شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: كان ثقة، وكان كثير الأخبار والتاريخ (٤).
قال: ومن نظمه في فتح قَفْصَة: شعر
стр. 56
سائل بقفصة هل كان الشقي لها … بعلًا وكانت له حمالة الحطب
لا كان من كافرٍ بالله ألهبها … فكان بالكافر الأشقى أبا لهب (١)
لما زنت وهي تحت الكفر محصنة … حصبتموها اتباعَ الشرع بالحصب
وذكره الحافظ أبو بكر ابن مَسْدِي، وقال: أخذ القراءات عن أبي محمد قاسم بن محمد بن الزَّقَّاق بسبتة، وكان أبوه نزلها واتخذها دارًا، وأصله من زَوِيلة المهدية (٢)، من عمل إفريقية، ومولده في شهر رمضان سنة أربعين وخمس مئة، وتوفي بمراكش سنة ست عشرة وست مئة.
٩ - إبراهيم بن عيسى بن أصبغ الأزدي القرطبي المكنى بأبي إسحاق (٣).
كان فقيهًا أديبًا شاعرًا، روى عنه شيئًا من شعره الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن، وتولى قضاء دانية، ثم سجلماسة.
ذكره ابن الأبار في "تحفة القادم"، وأورد من شعره شيئا:
وزائرٍ زارني ليلا (٤) فقلت له … أنَّى اهتديت وسجف الليل مسدول
стр. 57
فقال آنست نارًا من جوانحكم … أضاء منها لدى الساري قناديل
فقلت نار الهوى معنىً وليس لها … نورٌ يبين فماذا منك مقبول
فقال نِسْبَتُنا في ذاك واحدةٌ … أنا الخيال ونار الحب تخييل (١)
توفي بسجلماسة، سنة سبع عشرة وست مئة، ﵁
١٠ - إبراهيم بن قاسم البَطَلْيَوْسِي المكنى بأبي إسحاق المعروف بالأَعْلَم النحوي الأديب الشاعر (٢).
أخذ النحو عن الأستاذ هذيل، وبرع فيه.
قال أبو الحسن علي ابن سعيد: قرأت عليه بإشبيلية ما شاء الله من كُتُب الأدب، وصنف تصانيف، زعم أنه لم يُصَنَّف مثلها في كلام العرب، وله كتاب "تاريخ بطليوس" في مجلدين، وكتاب جمع فيه بين "صحاح الجوهري" و"الغريب المصنف".
وذُكِر عنه أنه كان صعب الخلق، يطير الذباب فيغضب، وأما من تبسم من أدنى حركاته فلا بد أنه كان يغضب ثم يضرب.
وأورد من نظمه شيئا، وهي التي قالها هجوًا في حمص: شعر
يا حمص لا زلت دارا … لكل بؤس وساحة
ما فيك موضع راحة … إلا وما فيه راحة (٣)
стр. 58
وقوله:
دع الأيام تنصف من أناسٍ … إذا صارت لهم حقروا الكراما
ونكِّب عن مصارعهن حُرًّا … ولا تحفظ لمذمومٍ ذِماما
صحبت الناس جيلًا بعد جيلٍ … فلم أرَ من أودُّ له مقاما
وذكر ابن سعيد في "تاريخه الصغير": أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وست مئة (١).
وقال في كتاب آخر: سنة ست وأربعين وست مئة، ﵁.
١١ - إبراهيم بن محمد بن مرشد بن مسلم الجُهَنِي الحَمَوِي المنعوت ظهير الدين، المعروف بابن البَارِزِي الأديب الشاعر الصوفي (٢).
حدَّث بشيء من شعره، كتب عنه شيخنا أثير الدين، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وجماعة بالقاهرة سنة أربع وسبع مئة.
أنشدنا الشيخ أثير الدين أبو حيان، قال: أنشدني الظهير لنفسه، ﵁: شعر
يذكرني نوح الحمام إذا غنَّى … لأنَّا كلانا في الهوى نندب الغصنا
ولكن إذا غنى أجبت بأنَّةٍ … وكم بين من غنا كثيبا ومن أنّى
تجول عيون في الرياض لتجتلي … محاسنكم منها إذا غبتم عنا
وما وردها والنرجس الغض نائيًا … عن الوجنة الحمرا أو المقلة الوسنى
فأعرب دمعي بالذي أنا كاتم … وقد رجَّعت في الروض أطياره اللحنا
стр. 59
وقال عدوٌّ لي وهو أجهل قائل … رويدك لا تفنى ومن لي بأن أفنى
ولو أن بيضَ الهند مما يردني … وسمرَ القنا عنه يمانعني طعنا
لقبلت حدَّ السيف حبًا لطرفه … وعانقت من شوقي له الأسمر اللدنا
وخضت عجاج الموت والموت طيب … إذا كان ما يرضي أحبتنا منا
حفظنا على حكم الوفاء وضيعوا … وحالوا بحكم الغدر عنا وما حُلنا
وضنوا على المضنى ببذل تحية … ولو سألوا بذل الحياة لما ضَنَّا (١)
وقوله:
لئن فتكت ألحاظه بحشاشتي … وساعدها بالهجر واغتر بالحسن
فلا بد أن تقتص لي منه ذقنه … وتذبحه قهرًا من الأذن للأذن
وله ﵁:
غدا أسودًا بالشعر أبيض وجهه … فأصبح من بعد التنعم في ضنك
على وجنة أضحى بخطّي عذاره … تناديهما عيناه حزنًا قفا نبك
وله:
ونهر باتت الأنواء تبكي … عليه وهو جار كالهزيم
تجرِّحه سيوف من بروقٍ … فتشكو بالخرير إلى النسيم
стр. 60
وله:
محالٌ أن أميل عن الحميَّا … وأتركها وساقيها الحبيبُ
وللمنثور كفٌّ ظلّ يدعو … بروض الزهر أني لا أتوب
وله:
إن مصرًا لأطيب الأرض طرًا … عن يقينٍ ما فيه عندي التباس
وإذا قستها بأرضٍ سواها … كان بيني وبينك المقياس
وأنشدني هذين البيتين، الفقيه الفاضل بدر الدين محمد بن الحَبَّال (١)، قال: أنشدنيهما لنفسه الزين المقاماتي.
سُئِل عن مولده فقال: ولِدتُ بحماة، في سابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وست مئة.
وتوفي سنة عشرة وسبع مئة أو ما يقاربها، ﵁.
١٢ - إبراهيم بن محمد الجَيَّاني المكنى بأبي إسحاق (٢).
ذكره ابن سعيد في "تاريخه الصغير".
وقال: هو قائد بن قائد، جمع بين الطريف والتالد، وكان أبوه بجيّان بمنزلة إنسان العين من الإنسان، إن هطل السحاب فسحابه، أو اضطرم الكفاح فشهابه،
стр. 61
وهو ممدوح مَدغلِّيس في أزجاله.
وقد وصف محاسن أفعاله، وابنه إسحاق المذكور نشأ لبّاس أردية الملوك، وسالب مجد الشمس عند الدلوك.
قال: وقد اجتمعت به، وأنشدني من شعره، وهو قوله: شعر
لا تكن تعشق إلا … أملح العالم طرا
فإذا متَّ غرامًا … وهوىً ألفيت عذرا
عجبي ممن يرى الشمسَ … ويصطفي بالحب بدرا
ثم إن شئت حياةً … تَرتضي لا تَصْحُ سكرا
واقطع الدنيا بلهوٍ … ودع اللذَّات تترى
لا تكن أعدى عدوٍّ … قاتلًا نفسك صبرا (١)
وذكر أنه توفي سنة ثلاث وأربعين وست مئة، ﵁ وعفا عنه.
١٣ - إبراهيم بن محمد الذّكوني (٢) الكانِمِي (٣).
نسبه إلى كَانِم (٤) مما يلي صعيد مصر، هكذا ذكره الأبَّار، وكناه بأبي إسحاق.
стр. 62
وقال: ورد الغرب وسكن مراكش، وقرأ بها الأدب.
قال: وبلغني أنه دخل الأندلس، وأن أبا زيد الفازازي (١) كان يُفَضِّله على جميع شعراء عصره، وكان أمره غريبًا (٢).
وأورد الأبار في كتابه "التحفة" من شعر الكانمي شيئا، وهو قوله: شعر
طوت أرض كانم أسرارها … فلا تسمع الأذن أخبارها
فيا ليت شعري إلى أوبة … تقاضي بها النفس أوطارها
وهل لي غدوٌ إلى أيكة … تناغي القماريُّ أطيارها
كأن أفانينها بالصّبا … عذارى تسرّح أشعارها
عجبت لكوني بها ظامئا … وعيني تلاحظ أنهارها
وتجري السيول وبي غلة … فتسقي حصاها وأحجارها (٣)
وقوله ﵁: شعر
أضفت إلى قومي وبيني وبينهم … من البون ما بين الثرى والنعائم
стр. 63
فأدركني عند الإضافة حالة … تمرُّ بأطراف الجموع السّوائم
ذكاء بني ذكوان يأتي بعد لكم … فلا يجزم المرفوع من غير جازم
وما للفتى إلا التحلي بنوركم … وإن جاء مكسوًّا شعار الأعاجم
عراكم غريبًا من بلادٍ بعيدةٍ … فجودوا حنانيكم بنظرة راحم
ومن جانبت حوباؤه جانب الخنى … فما ضرّه إن جاء من أرض كانم
وما أن يبالي الحرُّ إن طاب خيمةً … أباهلة تؤويه أم آل هاشم
وقوله: شعر
لا تشهدنَّ لغربيب ولا يققٍ … حتى تشاهد فضلا غير مردود
بكلِّ لونٍ ينال الحرُّ سؤدده … مهما تجرَّد من أخلاقه السود
والناس لفظ كلفظ العود مشتركٌ … لكن يرجَّح بين العود والعود (١)
وقال أبو عبد الله الفازازي: أنشدنا لنفسه، وهي قوله: شعر
أفي الموت شكٌ يا أخي وهو برهانُ … ففيم هجوع الخلق والموت يقظانُ
أتفعل فعل الطير تلقط حبها … وفي الأرض أشراكٌ وفي الجو عِقْبَانُ (٢)
وفي كل يوم زمرةٌ بعد زمرةٍ … تروح إلى الأجداث شيبٌ وولدان
وهل أحدٌ إلا وقد دَسَّ في الثرى … أناسيَّ فيهم أصفياءٌ وأقران
стр. 64
توفي سنة ثمان أو تسع وست مئة، في ما ذكره ابن الأبار في "تحفته" (١)، ﵁.
١٤ - إبراهيم بن مِعْضَاد بن شدَّاد بن ماجد الجَعْبَرِي (٢).
الشيخ المشهور بالصلاح والمكاشفات.
تفقه على مذهب الشافعي، وشارك في الطبِّ، وسمع الحديث من العلامة أبي الحسن السّخاوي (٣).
وقدم القاهرة، وحدث بها، سمع من الشيخ علم الدين ابن البرزالي (٤)، وشيخنا أثير الدين أبي حيّان، وغيرهما، وجلس للناس يعظهم ويذكرهم.
وصحبه جماعة وانتفعوا به، منهم الشيخ كمال الدين علي ابن عبد الظاهر القوصي (٥)، واغترف من معارفه واعترف بعوارفه، وضياء الدين أحمد بن الخطيب الإسنائي (٦).
стр. 65
وحُكِيَ عنه كرامات، وكان يعنِّف في وعظه، ويشتم، ويكشف رأسه، ويتكلم على طريقة الصوفية، وتقع منه ألفاظ تنكرها الفقهاء، وينفر منها أهل الشرع.
كما أخبرنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن جماعة، أنه حضر عنده فتكلم على عادته إلى أن ذكر آدم ﵇، وذكر قصته، ثم قال عن الله تعالى: يا آدم خلقتك بيدي، وأسجدت لك ملائكتي، وأسكنتك جنتي: عصيتني، اهبط.
وما حكاه شيخنا أثير الدين، أنه صلّى مرّة فقرأ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، فقال الجعبري: ولا قليلا، ثم كبَّر وركع، وأمثال ذلك.
وبسبب ذلك وقع بينه وبين جماعة من الفقهاء، ومنعه قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين (٢) من الكلام، وجرى له مجلس مع الخوّييّ، وعقد له مجلس، ولم يزل ممنوعًا من الكلام حتى توفي ابن رزين.
قال شيخنا أثير الدين: قدمت القاهرة سنة تسع وتسعين، وهو ممنوع من الكلام، وكان العلامة أبو العباس القرافي قد استعمل سكينًا ليقتله بها إذا ظفر به، ولما توفي القرافي، ترحَّم عليه الجعبري، وقال: كان يبغضني في الله.
والصوفية تسمي ما يصدر من ذلك شطحة، ويدعون أنها تحصل في حال غيبة، فلا يؤاخذون بها.
وأخبرني بعض أصحابنا، أن شخصا مصريًا حضر مجلسه، فتكلَّم الجعبري، ثم كشف رأسه، فكشف الحاضرون رؤوسهم، إلا ذاك المصري، فقال الجعبري: قال الله
стр. 66
تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (١)، هذا به مرض الرئاسة التياسة التعاسة الخساسة.
وحكى الفاضل الأديب شرف الدين النّصيبي (٢)، أنه سأله مرّة عن قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ (٣)، فهل للغُرَاب خصوصية، فقال لشخص: خذ هذا وروُّح به للوالي يضربه، وقال: لو بعث الله تعالى حدأة، قلت: كذا ودبسى، قلت: كذا.
فأخبرني شيخنا أبو حيان قال: جاء بي نجم الدين بن مَلِيّ (٤)، وقال لي: قم نُبصر الجعبري، فقلت: يشتمنا، فقال: قم، فقمت معه، قال: فحضرنا عنده وكنتُ شابًا وابن ملي شيخًا، فجلسنا في الحلقة، فقال: شيخ بخسٌ وصبي نحسٌ، فقلت لابن مَلِيّ: كاشفنا، ثم قال: قوموا اخرجوا، وألحَّ، قلت له: هذا شيخ من أهل العلم، فقال: هذا ابن مَلِىّ، فقلت: ما يدريك، فقال: كان عندي الطواشي فلان وأخبرني بقدومه، فلما ذكرته لي توسَّمته، ثم أخذ بيده وأجلسه إلى جانبه، وتكلم كلامًا حسنًا، وقال له: ما تتكلم حتى نسمع من فوائدك، فقال ابن مَلِىّ: نحن مسلِّمون لا معترضون، ثم خرجنا فقلت لابن مَلِىّ: ما تقول فيه؟ فشتمه.
وبلغني أنه حضر مع جماعة ممن تمشيخ، ونزلوا مكانًا، ثم صلّوا الصبح، وزيّقوا (٥)، وصار كل منهم يرفع رأسه فيسأل عن حاله، فيذكر شيئًا، فسُئِلَ الجعبري؟ فقال: دقيت قام ذكرى.
стр. 67
وحكاياته في مثل ذلك كثيرة، والله تعالى يعلم العلانية والسريرة.
وله نظم، حدث بشيء منه.
أنشدنا الشيخ أثير الدين أبو حيان، أنشدني كيدغدي بن عبد الله (١)، أنشدني الجعبري لنفسه، وهو قوله ﵁ وعفا عنه:
وأفاضل الناس الكرام أبوة … وفتوة ممن أحب وتاها
عشقوا الجمال مجردًا بمجرّد … الروح الزكية عشق من زكّاها
متجردين عن الطباع ولؤمها … متلبسين عفافها وتقاها
كتمثل الروح الأمين لدحية … إذ باليتيم له تمثل طه
وهما هما في مجتلى دار العلى … فوق الملا متوطنان علاها
هذا هو العجب العجيب لآهلٍ … والغاية القصوى البعيد مداها
لا كالذي يهوى الطباع بطبعه … ومرامه صلصالها وحماها
ويظن جهلا أن تلك محبة … بل شهوة داعي الهموم دعاها
فلإن تألف فانيًا كتألف الأنعام … ما عكفت على مرعاها
بل هم أضلُّ لأنهم جعلوا لهم … في الحب أبناءَ التقى أشباها
قاموا على أحوالهم أحوالهم … سحقًا لأنفسهم فما أشقاها
روض وروث هل يخير روثة … بشرٌ وأهمل روضةً وشذاها
стр. 68
وله أمثال ذلك.
وذكر ابن الخطيب الإسنائي أنه ودّعه ليتوجَّه إلى قبلي، فقال له: قل لابن عبد الطاهر بإِخْميم (١): قال لك الجعبري: ماتت الحمارة، قال: فلما وصلت إلى إِخْميم، قلت له: فقال: وانقطعت الزيارة، الشيخ يموت، فمات بعد أيام لطيفة.
واشتهر عنه أنه قبيل وفاته ركب دابة، وجاء إلى موضع يدفن فيه، وقال: قُبير جاءك دُبير.
وتوفي عقيب ذلك يوم السبت، رابع عشرين المحرم، سنة سبع وثمانين وست مئة.
ومولده بجَعْبَر (٢)، في يوم الجمعة، سابع عشر ذي الحجة، سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وقد تباينت فيه الآراء، واختلفت الأهواء، وادّعت كل طائفة أمرًا، وأقامت بيِّنة على صحة الدعوى، وسيحكم بينهم العلي العظيم، ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
стр. 69
١٥ - إبراهيم بن نصر بن ظافرٍ (١) الحموي الأصل، المنعوت برهان الدين، المعروف بابن الفقيه نصر، الفقيه الشافعي الأديب (٢).
كان رئيسًا وجيهًا.
أجاز له ابن الجوزي، وجماعة من الشاميّين، وحدّث بشيء من شعره.
سمع منه الحافظ عبد العظيم المنذري، وغيره.
وولي نظر الأحباس بالديار المصرية، وتولى نظر الديوان بالأعمال القوصية، وله بها أهل وذرية، وتولى عدة ولايات.
وله نثر حسن، وترسّل، ونظم جيد.
ومدح الملك الظاهر بقصيدة أولها:
إليك وإلا دلِّني كيف أصنعُ … وفيك وإلا فالثناء مضيعُ
ومنك استفدنا كلَّ مجدٍ وسؤددٍ … وعنك أحاديث المكارم تسمع
تركنا جميع الناس شرقًا ومغربًا … ولذنا بركن منك لا يتزعزع
قصيدة مطولة.
ورأيت بخط بعض الفضلاء هذين البيتين له، وهما قوله:
стр. 70
لا تلمني على السُّهاد إذا ما … دارت الكأس والحبيب أمامي
لذةُ الدهر أبرزت بعد مطلٍ … أتراني مُضِيعَها بمنامي
ونقلت من خط شيخنا تاج الدين محمد بن أحمد الدَّشْنَاوي (١)، أنشدني الشيخ تقي الدين محمد القُشَيْري، أنشدنا البرهان لنفسه، يرثي محيي الدين يحيى بن شكر، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، قوله:
قلت وقد زرتُ قبر يحيى … ذخري ومن كان لي ملاذا
والعين كالعين ذاتُ سحٍّ … يا ليتني متُّ قبل هذا
وله:
يا زماني كلما … حاولت أمرًا تتمنع
إن تعصبت فإني … باصطباري أتقنع
وله:
أشكو إليك وأنت أرحم … من شكوت إليه حالي
ضاقت علي ثلاثةٌ … رزقي وصدري واحتمالي
وعدمت حبس ثلاثة … جَلَدي وصبري واحتيالي
وقال في سوداء:
وسوداء الأديم تريك وجهًا … ترى ماء النعيم جرى عليه
стр. 71
رآها ناظري فصبا إليها … وشبه الشيء منجذب إليه (١)
وقال أيضا:
اقتطف السوداء من لمتى … أخذًا مع البيضاء إذ تشرف
فتخلف البيضاء أمثالها … وتغضب السّودا فلا تخلف
حماقة السودان من هاهنا … يعرفها من كان لا يعرف
وقال أيضًا:
وبقلبي من الهموم مديد … وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالمًا بذاك إلى أن … قطع القلب بالفراق الخليل
وقوله:
لحا الله هذا الزمان الذي … يفرق ما بين أحبابنا
ينيك الأنام بأزبابهم … ونحن ننيك بأجفاننا (٢)
ولما صودر بنو الفقيه نصر في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، سُلّم البرهان لشمائل المقدم، وكان في نفسه من البرهان، وإن شمائل كان يصبغ لحيته، وكان البرهان قد نظم فيه بيتين، منهما قوله:
يصبغ بالوشمة عرنينه … كفاه أن يكذب في لحيته
стр. 72
فضربه حتى قتله، وشقّ على الصالح، وأنكر على شمائل.
وكانت وفاته بمصر، في ليلة الثلاثاء، الثاني من جمادى الأولى، سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ومولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وكان والده نصر رئيسًا وجيهًا، توفي بمصر في رابع عشرين شوال سنة سبع وخمسين وست مئة.
١٦ - إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد الأمْيُوطيّ (١)، المكنى بأبي إسحاق، الفقيه الشافعي (٢).
برع في الفقه وتصدَّى للفتوى، ودرّس بالجامع الظافري بالقاهرة، وتولى القضاء ببعض أقاليم مصر، وكان كريمًا يؤثر مع الفاقة، وفيه لطافة.
وله نظم، حدّث بشيء من شعره.
سمع منه الشريف أبو العباس أحمد النقيب (٣)، وذكره في "وفياته" (٤).
ولد سنة سبعين وخمس مئة تقديرًا، وتوفي بالقاهرة في سابع عشر ذي القعدة سنة ست وخمسين وست مئة.
стр. 73
١٧ - إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله، من أهل المرية، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن قُرْقُول (١).
باللام، وَوُجِد بخَطِّه بالنون، كذا ذكر الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير.
وكان محدثًا جليلًا فاضلًا.
خرج في شبيبته إلى تلمسان، وأخذ بها عن جماعة، ثم رجع إلى الأندلس، وأكثر من السماع ولقاء الشيوخ، ورأَسَ في العلم.
وروى عن القاضي أبي بكر ابن العربي، وعياض بن موسى، وشريح بن محمد، وأبي مروان، وروى أيضًا عن أبي عبد الله ابن الحاج التُّجِيبي الشهيد، وجمعٍ كثيرٍ من الشيوخ، وأجاز له أبو عبد الله المازري، وغيره.
وكان من جلة الشيوخ، وأفراد المحدثين، روى عنه جمع كثير، وعَالَمٌ من أهل العدوة والأندلس.
وصنّف تصانيف، ومن تصانيفه كتابه المسمّى "مطالع الأنوار" (٢)، كثير الفوائد، وتُكلّم فيه بسببه، ونُسب إلى أنه استعار كتاب "مشارق الأنوار" تصنيف القاضي عياض، واختصره، ونسبه إلى نفسه.
стр. 74
فقال الأستاذ ابن الزبير: لم يصحّ عندنا من وَجْه يُعْتَمد أنه نسبه إلى نفسه.
وُلد ابن قُرْقُول بالمرية، في صفر سنة خمس وخمس مئة، وتوفي بفاس، في يوم الجمعة سادس شعبان سنة تسع وستين وخمس مئة.
١٨ - إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دَهَّاق الدّوسي أبو إسحاق، المعروف بابن المرأة (١).
ذكره الأستاذ أبو جعفر في "تاريخه" (٢)، وقال: كان متقدمًا في علم الكلام، ذاكرًا للتفسير والحديث والفقه والتاريخ، وغير ذلك، وكان الكلام غالبًا عليه، حافظًا لمذاهب المتكلمين، وغيرهم.
وقال ابن مَسْدي: كان قد لقي بتلمسان ابن الشّودي، فأخذ عنه علم الكلام، وذكر أنه سمع الحديث من أبي عبد الله ابن الرمَّامة (٣)، وغيره.
قال ابن الزبير: كان أبو إسحاق متنقلًا في البلاد الأندلسية والعدوية، لا يكاد يستقر ببلد، ولا تعلم بلده الذي أصله منه.
وله تواليف حسنة نافعة في أبوابها، منها "شرحه الإرشاد" (٤)، الذي صنفه إمام
стр. 75
الحرمين عبد الملك بن يوسف الجويني، كان يمليه من لفظه ويكتبه من حفظه، و"شرح الأسماء الحسنى"، و"كتاب في إجماع الفقهاء"، و"شرح محاسن المجالس"، تصنيف أبي العباس ابن العريف (١)، وغير ذلك.
وكان فصيح اللسان والقلم، ذاكر المذاهب الصوفية، يطرِّف مجالسه بأخبارهم، حسن التفهم لما يُلقيه، مطبوعًا محببًا إلى العامة، مؤثرًا للخمول، متظاهرًا بالإعراض عن الدنيا، قريبًا من كلِّ أحد، حسن العشيرة، مؤثرًا بما لديه.
وأقام بجامع مالقة دهرًا طويلًا يحلِّق فيه، ويتّجر فيها بسوق الغزل، يتحرَّف بذلك، ويسافر في بعض الأحيان عنها ويعود إليها، وما زال كذلك إلى أن استدعاه الفقيه الجليل أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي الفضل المرسي (٢)، وشيخنا القاضي أبو بكر ابن محرز (٣)، وطائفة إلى مرسية، فأقام بها بقية عمره.
ولم يكن في ظاهره ما ينكره إلا من اختصّ به، فإنه كان يكمن داءً دفينًا، ويتأبط بلاءً مبينًا، فنافره من دعاه بمرسية، ونعوذ بالله من سوء ذلك الحال، فظهر حاله بعد موته في ألزم أصحابه له وأجلهم، وهو ابن أحلى (٤)، وكان من حذاق من أدركناهم ممن لقي ابن دهاق، يذكره ببعض ما ظهر به بعد موته في ابن أحلى.