رآها ناظري فصبا إليها … وشبه الشيء منجذب إليه (١)
وقال أيضا:
اقتطف السوداء من لمتى … أخذًا مع البيضاء إذ تشرف
فتخلف البيضاء أمثالها … وتغضب السّودا فلا تخلف
حماقة السودان من هاهنا … يعرفها من كان لا يعرف
وقال أيضًا:
وبقلبي من الهموم مديد … وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالمًا بذاك إلى أن … قطع القلب بالفراق الخليل
وقوله:
لحا الله هذا الزمان الذي … يفرق ما بين أحبابنا
ينيك الأنام بأزبابهم … ونحن ننيك بأجفاننا (٢)
ولما صودر بنو الفقيه نصر في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، سُلّم البرهان لشمائل المقدم، وكان في نفسه من البرهان، وإن شمائل كان يصبغ لحيته، وكان البرهان قد نظم فيه بيتين، منهما قوله:
يصبغ بالوشمة عرنينه … كفاه أن يكذب في لحيته
стр. 72
فضربه حتى قتله، وشقّ على الصالح، وأنكر على شمائل.
وكانت وفاته بمصر، في ليلة الثلاثاء، الثاني من جمادى الأولى، سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ومولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وكان والده نصر رئيسًا وجيهًا، توفي بمصر في رابع عشرين شوال سنة سبع وخمسين وست مئة.
١٦ - إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد الأمْيُوطيّ (١)، المكنى بأبي إسحاق، الفقيه الشافعي (٢).
برع في الفقه وتصدَّى للفتوى، ودرّس بالجامع الظافري بالقاهرة، وتولى القضاء ببعض أقاليم مصر، وكان كريمًا يؤثر مع الفاقة، وفيه لطافة.
وله نظم، حدّث بشيء من شعره.
سمع منه الشريف أبو العباس أحمد النقيب (٣)، وذكره في "وفياته" (٤).
ولد سنة سبعين وخمس مئة تقديرًا، وتوفي بالقاهرة في سابع عشر ذي القعدة سنة ست وخمسين وست مئة.
стр. 73
١٧ - إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله، من أهل المرية، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن قُرْقُول (١).
باللام، وَوُجِد بخَطِّه بالنون، كذا ذكر الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير.
وكان محدثًا جليلًا فاضلًا.
خرج في شبيبته إلى تلمسان، وأخذ بها عن جماعة، ثم رجع إلى الأندلس، وأكثر من السماع ولقاء الشيوخ، ورأَسَ في العلم.
وروى عن القاضي أبي بكر ابن العربي، وعياض بن موسى، وشريح بن محمد، وأبي مروان، وروى أيضًا عن أبي عبد الله ابن الحاج التُّجِيبي الشهيد، وجمعٍ كثيرٍ من الشيوخ، وأجاز له أبو عبد الله المازري، وغيره.
وكان من جلة الشيوخ، وأفراد المحدثين، روى عنه جمع كثير، وعَالَمٌ من أهل العدوة والأندلس.
وصنّف تصانيف، ومن تصانيفه كتابه المسمّى "مطالع الأنوار" (٢)، كثير الفوائد، وتُكلّم فيه بسببه، ونُسب إلى أنه استعار كتاب "مشارق الأنوار" تصنيف القاضي عياض، واختصره، ونسبه إلى نفسه.
стр. 74
فقال الأستاذ ابن الزبير: لم يصحّ عندنا من وَجْه يُعْتَمد أنه نسبه إلى نفسه.
وُلد ابن قُرْقُول بالمرية، في صفر سنة خمس وخمس مئة، وتوفي بفاس، في يوم الجمعة سادس شعبان سنة تسع وستين وخمس مئة.
١٨ - إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دَهَّاق الدّوسي أبو إسحاق، المعروف بابن المرأة (١).
ذكره الأستاذ أبو جعفر في "تاريخه" (٢)، وقال: كان متقدمًا في علم الكلام، ذاكرًا للتفسير والحديث والفقه والتاريخ، وغير ذلك، وكان الكلام غالبًا عليه، حافظًا لمذاهب المتكلمين، وغيرهم.
وقال ابن مَسْدي: كان قد لقي بتلمسان ابن الشّودي، فأخذ عنه علم الكلام، وذكر أنه سمع الحديث من أبي عبد الله ابن الرمَّامة (٣)، وغيره.
قال ابن الزبير: كان أبو إسحاق متنقلًا في البلاد الأندلسية والعدوية، لا يكاد يستقر ببلد، ولا تعلم بلده الذي أصله منه.
وله تواليف حسنة نافعة في أبوابها، منها "شرحه الإرشاد" (٤)، الذي صنفه إمام
стр. 75
الحرمين عبد الملك بن يوسف الجويني، كان يمليه من لفظه ويكتبه من حفظه، و"شرح الأسماء الحسنى"، و"كتاب في إجماع الفقهاء"، و"شرح محاسن المجالس"، تصنيف أبي العباس ابن العريف (١)، وغير ذلك.
وكان فصيح اللسان والقلم، ذاكر المذاهب الصوفية، يطرِّف مجالسه بأخبارهم، حسن التفهم لما يُلقيه، مطبوعًا محببًا إلى العامة، مؤثرًا للخمول، متظاهرًا بالإعراض عن الدنيا، قريبًا من كلِّ أحد، حسن العشيرة، مؤثرًا بما لديه.
وأقام بجامع مالقة دهرًا طويلًا يحلِّق فيه، ويتّجر فيها بسوق الغزل، يتحرَّف بذلك، ويسافر في بعض الأحيان عنها ويعود إليها، وما زال كذلك إلى أن استدعاه الفقيه الجليل أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي الفضل المرسي (٢)، وشيخنا القاضي أبو بكر ابن محرز (٣)، وطائفة إلى مرسية، فأقام بها بقية عمره.
ولم يكن في ظاهره ما ينكره إلا من اختصّ به، فإنه كان يكمن داءً دفينًا، ويتأبط بلاءً مبينًا، فنافره من دعاه بمرسية، ونعوذ بالله من سوء ذلك الحال، فظهر حاله بعد موته في ألزم أصحابه له وأجلهم، وهو ابن أحلى (٤)، وكان من حذاق من أدركناهم ممن لقي ابن دهاق، يذكره ببعض ما ظهر به بعد موته في ابن أحلى.
стр. 76
وكان ابن دهاق صاحب حيل متطرفة، مطلعًا على أشياء غريبة من الخواص وغيرها، وبذلك فتن بعض الجهلة، ولولا شهرته وكبر صيته لأضربت عنه ولم أذكره.
وكانت وفاته بعد العشرين وست مئة، ودفن بجبل إيالة (١).
١٩ - أحمد بن إبراهيم الغَسَّاني أبو العباس (٢).
ذكره أبو الحسن ابن سعيد، وقال: كاتب مذكور وشاعر مشهور، بدر الحلك ونادرة الفلك، والبحر الزاخر في الرواية، والروض الناضر في المعرفة والدراية، وإن أخذ في الإيراد والإنشاد، فكأنما ردَّ الحياة إلى الجماد.
وله نثر ونظم، ومن شعره ما كتب به إلى صديق له، وهو قوله:
بكِّر فديتك في غدٍ … إذ كان موعدنا الخميس
فالرّوض موشىُّ الحلى … والقُضْبُ في حلل تميس
وأجلُّ كافات الشتاء … وخيرها كأس وكيس
قال: وكتب إلى أبي القاسم ابن يامن بقوله:
شيمة الخلف عادة الأيام … فغريب إذا وفت بمرام
وعجيب من الليالي رباحٌ … وسماحٌ لشملنا بانتظام
ربَّ برق أبدى مخيلة صدق … بتوالي تألقٍ وابتسام
وتصدى يكرر الومض حتى … أطمع الرَّوض في انسكاب الغمام
стр. 77
فسرى دجنةُ ولم يسرِ عنه … ما كسا وجه بشره من قتام
وعزيز إن بت ليل سليم … ذا ارتقاب لطارق الأحلام
وارتقاب الخيال غير مفيد … لجفون لم تكتحل بمنام
من تمام الوعود قد خفت نقصًا … كانتقاص البدور عند التمام
٢٠ - أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السّروجي قاضي القضاة، شمس الدين الحنفي (١).
كان فاضلًا بارعًا في مذهبه، له مشاركة جيدة في النحو والتصريف، وله معرفة بالأصول، وكان كريمًا.
ولي قضاء الديار المصرية مدّة، ودرّس بالمدرسة الصالحية، والناصرية، والسيوفية، والأركشية، والجامع الطولوني، و"شرح كتاب الهداية في مذهبه" (٢)، شرحًا كبيرًا مفيدًا،
стр. 78
ولم يكمله، وكانت طلاب العدالة تنتفع به، ولم يُسْمَع عنه رشوة في ذلك، ولا في غيره مع كثرة تعديله.
وكان قويّ الهمة نافذ الكلمة، ماضي العزيمة، حضر مرّة إلى القاهرة أبو عبد الله الفاسي (١)، وكان منتسبًا إلى الصلاح، وتُعتَقد بركته، وله وجاهة، وقام في قضيته شخص وقع في شيءٍ، وأساء القاضي على قاضي القضاة زين الدين ابن مخلوف المالكي (٢)، بمحضر من القضاة والأمراء، فكلمه السّروجي، وانزعج عليه، ونَهَر الأمراء، وقال: أنتم الذين تُطمعون هذا وأمثاله.
وانزعج مرة أخرى على محتسب القاهرة، حيث تعرَّض لبعض موقعيه، وقال له: أنت ولايتك على فامي وخبّاز، مالك تعرض على العدول.
ومواقعه كثيرة، وعُزل عن القضاء وولي الحسام، ثم أعيد، واستمرّ في الحكم إلى أن عاد السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون من الكرك واستقرّ له الملك، وكان قد حصل في نفسه من القضاة، بسبب أن السلطان لمّا توجّه إلى الكرك وأقام به، وكتب إلى الأمراء بقلعة مصر باستقراره، عقد مجلس بالقلعة وادَّعى مدَّع أن السلطان ترك الملك وخلع نفسه، وجرى في ذلك ما يقتضي أن يرتب الملك المظفر ركن الدين بيْبرس ملكًا، فلما قدم السلطان الناصر أقام من شوال سنة تسع وسبع مئة إلى صفر سنة عشر، وعزل الشافعي والحنفي، فتألم الحنفي وأظهر الألم، وولي
стр. 79
مكانه قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري (١)، فطمعت نفس السروجي بتدريس الصالحية والإقامة بها، فتكلّم ابن الحريري في ذلك وأرسل إليه نقباء، فخرج منها، وزاد به الألم، وأفضى به إلى العدم، والعزل مؤذي والقهر مردي، فلم يُقم إلا أيامًا لطيفة، وأتاه أجله ووافاه عمله.
وكانت وفاته بالقاهرة، في يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر، من شهور سنة عشر وسبع مئة، ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وعفا عنه.
٢١ - أحمد بن إبراهيم بن حيدَرة القرشي القاهري، علم الدين ابن القماح (٢).
سمع الحديث من جماعة من أصحاب السِّلفي، منهم العلامة ابن بنت الجُمَّيْزيّ (٣)، وسمع من الحافظ عبد العظيم المنذري، والعلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي الفضل المرسي، وغيرهم.
كان أديبًا شاعرًا، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، ودرس بالمدرسة المعروفة بمصر بزَيْن التجار، وصحب علم الدين سنجر الشجاعي (٤)، وصارت له وجاهة ورئاسة، تتردّد إليه العلماء والأعيان.
стр. 80
ولما درّس بمصر تعصَّب عليه جماعة، ونفوا عنه الأهلية، فقال: معي أجائز، فقالوا: أنت حاضر نتكلم معك، ففوَّض الأمر إلى قاضي القضاة أبي عبد الله ابن جماعة، وعقد مجلس، وكتب له قاضي القضاة ثلاثين مسألة تفصيلية، والعلم إذا لم يكن ملكة لصاحبه، ظفر معاديه بمعايبه، فظهر عجزه، واختفى عزُّه، وصُرف عن تدريس مذهب ابن إدريس، ونفر عنه الأنيس، وكان ممن قام عليه وجاهره: نور الدين علي الونائي، وكان يمرُّ بالقرافة كثيرًا، فعلَّم العلم عليه الوالي، فضربه ضربًا مؤلمًا.
وللعَلَم شعر حدّث بشيء منه، روى عنه جماعة من الفضلاء شيئًا منه.
أنشدني الشيخان العالمان شيخنا أثير الدين أبو حيّان، وشمس الدين محمد بن علم الدين المذكور، قالا: أنشدنا لنفسه قوله:
رفقًا بها فشوقها قد ساقها … يا حبّذا الوادي الذي قد شاقها
حجازها جنَّبها شامها … وفي هوى نجدٍ جفت عراقها
لمّا بدت من طيبة أعلامها … حنَّت ومدَّت طربًا أعناقها
يا أهل نجدٍ مهجتي في حبّكم … أسيرةٌ لا أبتغي طلاقها
مالي أرى صبري عليكم خانني … وأدمعي قد نقضت ميثاقها
حشاشتي لديغة الهجر وما … أحسب غير وصلكم دِرْيَاقَهَا
أحبابنا لا تسألوا عن مهجةٍ … أيقنتُ مُذْ فارقتكم فراقها
يا لوعةً حملتُها لو عرضت … يومًا على رضوى لما أطاقها
لو تفهم الوِرقُ حنيني نحوكم … حنَّت معي ومزَّقت أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي … صبا معي لكنه ما ذاقها
стр. 81
أقسمت ما أعجبت قلبي غيركم … ومقلتي سواكم ما راقها
وأنشدني الشيخ أبو حيّان أيضًا، قال: أنشدني علم الدين المذكور لنفسه ﵀، قوله:
أنت أوزعتني ثناءً وشكرًا … حيث أوزعتني عطاءًا وبرا
فتحوَّلت من أياديك سحبًا … وتنوّلت من عطائك بحرا
فمن السحب صار حظيَ روضًا … ومن البحر صار لفظي درًّا
وأنشدني ابنه شمس الدين الذكور قال: أنشدني والدي ﵀ لنفسه، قوله:
إذا ما قصدت جناب الحبيب … مشوقًا لتقبيل آثاره
وكابدت في السّير أهوالَه … ومارست أصعب أخطاره
نسيت المواضي من المؤلمات … عند وصولي إلى داره
ولد في شهر رمضان سنة ثلاثين وست مئة، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين منها، في ما أخبرني به ابنه الشيخ شمس الدين، ﵁.
٢٢ - أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي الجيّاني (١).
стр. 82
الأستاذ أبو جعفر، العلامة المقرئ، المحدث النحوي، المؤرّخ الأديب، صاحب العلم الذي علمه فيه منشور، والمشتري الآخرة بالدنيا، يرجو تجارةً لن تبور، والسّاعي في مرضات الله، وذلك هو السّعي المشكور، تصدَّى للاشتغال عليه، فسارع طلاب الفضائل إليه، فتخرج به سادات أنجاب، أولو فضائل وآداب، ومنهم شيخنا الأستاذ أبو حيّان، نخبة جيّان وتحفة الزمان، وهو الذي أبقى له ذكرًا مخلدًا، وثناءً على تقادم السنين مجدّدًا، وفيه يقول شعرًا من المسموع المنقول، من قصيدة طرَّزها بمعاليه، وزيَّنها بلآليه، منها قوله:
جزى الله خيرًا شيخنا وإمامنا … وأستاذنا الخير الذي عمّ فائده
لقد أطلعت جيّان أوحدَ عصره … فللغرب فخرٌ أعجز الشرقَ خالده
مؤرِّخه نحويِّه وإمامُه … محدِّثه جلَّت وصحَّت مسانده
إذا جاهلٌ يغشاه فهو مفيده … وإن آملٌ يعشو إليه فرافده
قرأ الأستاذ أبو جعفر القراءات على الأستاذ المقرئ النحوي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الطّائي (١)، ثم على الشيخين علي بن محمد الغافقي (٢)، والأستاذ أبي
стр. 83
الوليد إسماعيل بن يحيى العطّار (١)، وأخذ النحو عن الطّائي المذكور، وأبي جعفر أحمد بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن خديجة (٢)، ثم قرأ على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد الأبدّي (٣)، فلم يعجبه إقراؤه وتوجّه إلى ابن الصّائغ، وكان قد تُرِك، فرغَّبه وأحضره، وقرأ عليه.
وسمع الحديث الكثير من القاضي أبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السكوني، والكاتب أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن عامر الهمداني الطَّوسي، بفتح الطاء المهملة، وجمع كثير، وأجاز له جماعة منهم: ابن السراج، وابن فرتون، وبرَّز في فنون عدّة.
وكان ديِّنًا ثقة، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قامعًا لأهل البدع، سافر إلى جهة بعيدة، حتى شهد على بعض المبتدعة بما أريق به دمه، وله مع الملوك بإقليمه وقائع، حتى حُبس في منزله وجُعل سجنًا له.
وكان معظمًا عند الخاصّة والعامة، وكان كثير الفكر ملازمًا للصمت، غزير الدمعة، حسن التعليم، ناصحًا قوّالًا للحق، محبَّبًا إلى الخلق.
وصنّف تصانيف في أصول الفقه وغيره، وعلَّق عنه "تعليقة على كتاب سيبويه"، وألف "برنامجًا"، و"تاريخًا" (٤)، جامعًا لعلماء الأندلس، كثير الفوائد، وقفت عليه ونقلت منه.
стр. 84
وله نظم حدَّث بشيء منه، وكان مع جلالته وورعه وعدالته لا يخلو من انطباع ولطافة طباعٍ، ومقامته القيرانية شاهدة بلطفه، قاضية بظرفه، ومعرفته بعلم النغم والطرب، ناطقة بأنه داخل الضَّرب.
ومن شعره ما أنشدني تلميذه شيخنا الأستاذ أثير الدّين أبو حيّان، قال: أنشدني لنفسه قوله: شعر
مالي وللتساؤل لا أُمَّ لي … إن سَلْتُ منْ يُعزل أو من يَلي
حسبي ذنوب أثقلت كاهلي … ما أنْ أرى غماءها تنجلي
مولده في سنة سبع وعشرين وست مئة.
وتوفي بغرناطة، صُبحة يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبع مئة، ودفن عشيّة ذلك اليوم.
وحضر جنازته الأمير أبو الجيوش نصر ابن السلطان أبي عبد الله أحمد بن محمد بن الأحمر، وشقّ موته على النّاس، ورثاه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي حبل المعافري الأندلسي (١)، بقصيدة طويلة، أولها قوله:
عزيزٌ على الإسلام والعلم ما جرى … فكيف لعيني أن يلم بها الكرى
وما للمآقي لا تفيض شؤونها … نجيعًا على قدر المصيبة أحمرا
стр. 85
فوالله ما تقضي المدامع بعض ما … يحقُّ ولو فاضت سيولًا وأبحرا
حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا … وفرض على الأكباد أن تتفطرا
وإن كان للصَّبر الجميل رجاحةٌ … فربَّ مصاب صيَّر الحزن أعذرا
أخِلّايَّ قد كان التصبُّر شيمتي … وعارٌ عليَّ اليوم أن أتصبَّرا
أصبرًا وها ركن الديانة قد وهى … وذا مربع التدريس أصبح مقفرا
تحوَّلت الدنيا بعينيَّ إذ رأت … كواكبها حُطَّت إلى طبق الثرى
وضاقت عليَّ الأرض حتَّى كأنني … قد أودعت منها مسلكًا متوعّرا
وحِرْتُ فلا أدري أيقظانُ مدركٌ … أنا الآن أم في النوم ويحيى ما جرى
وما الخطب إلا فوق ذلك كله … فما لي لا أفنى أسىً وتحسُّرا
أبعد حلول ابن الزبير برمسه … نقيم دليلًا أو نؤمل مظهرا
إمامٌ سرى في الغرب والشرق ذكره … بأذكى من المسك الفتيق وأعطرا
وطودٌ رسا بالعلم والحلم والتقى … فضعضع منه ما رسا وتقرَّرا
مبلَّغُ وحي الله عن خير خلقه … وموضحه لفظًا ومعنى محرّرا
وناشرُ آثار الرّسول ومقتفي … مآثره الحسنى ورودًا ومصدرا
ودامغ أهل الزيغ بالحجج التي … جَلاهَا صباحا للبصائر مسفرا
مقر جلال فاق علما وسؤددا … كما قد زكا طبعًا وذاتًا وعنصرا
ترى منه بحرًا للمعارف زاخرًا … وتلقى به جمعًا غناءً ومخبرا
стр. 86
تحرَّى كتاب الله شغلًا فلم يزل … مقيمًا عليه رائحًا ومبكرا
متى جئته ألفيته متلبسًا … به تاليًا أو مقرئًا أو مفسرا
ودوَّن من شتى العلوم فوائدًا … تفيد الورى علمًا وتقوىً ميسرا
وربَّ مُكِنٍّ للشريعة بغضه … ومبتدعٍ غطَّى الحقيقة وافترى
ثنى نحوه عن باعث الدّين نعته … وناضله حتى انثنى متكسرا
وكم مشكلٍ لولاه أعوز فهمه … وأضحى على من رامه متعذرا
فوا أسفًا للعلم ضاعت فنونه … وأضحى من التحقيق منفصم العرى
ويا حسرةً للطالبين تفرَّقوا … فلستَ ترى إلا حزينًا منفَّرا
خبت سرج قد طال ما زهرت به … وردَّ مطايًا شدَّها شكت السرى
وأخفق مسعى الراحلين وعُطِّلت … مجالسُ كانت للملائك محضرا
أمولاي إن أهلك عليك صبابة … أجدني على ما تستحق مقصّرا
ولم لا وقد ألبستني خلع الرضى … وأطلعت لي صبح الهداية نيّرا
وأنقذتني من حيرة الجهل والعمى … فصيرت فكري من بيانك مبصرا
وسوَّغت لي جدوى الإفادة أمترى … متى شئت من جدواه أنجع ممترى
وكنتَ لمن يلقاك أنصحَ من أبٍ … وأشفقَ من أمٍّ عليه وأصبرا
وما كنت إلا للأنام ذخيرةً … ونورًا مبينًا للقلوب منوِّرا
تُقرِّر إيمانًا وتوضح سنةً … وترفع شكًّا في القلوب محيِّرا
стр. 87
فجوزيت خيرًا من إمام ورحمة … ونلت من الله الثواب موفَّرا
وجاورت خير الخلق ذا السنن التي … حُييت عليها حافظًا متبصِّرا
ذهبت ولم تذهب علوم أفدتها … تدوم بها طول الزمان معمِّرا
لئن كنت مطويًا بقاع قرارةٍ … لصيتك منشورًا بألسنة الورى
وإن تك مفقودًا لعينىَّ رؤيةً … فإنك موجودٌ بقلبي تصوُّرا
ولو كنت تفدى لافتدتك مساجد … وأندية كانت لأجلك تُعترى
ولو يُشترى بالمال عمرٌ لفاضلٍ … لكان لكم بالمال والنفس يُشترى
هنيئا لك الدّار التي كنت عاملًا … عليها فما الدنيا بدارٍ لمن درى
وبشراك لا همٌّ هناك ولا عنىً … فنم في مهاد المكرمين موفَّرا
ويا ويح من خلفت بين ضلوعه … لهيبًا من الفقد الأليم مسعَّرا
يروح ويغدو حيث كنت فلا يرى … سوى طلل قد ساءَ بعدك منظرا
ليبكك مني ما بقيت مرزءًا … قديم وداد فيك لن يتغيرا
عليك سلام الله ما بقي الثنا … عليك ودام العلم عنك مسطَّرا
ولا برحت تَسقى ثراكَ غمامةٌ … وتخضل من مثواك روضًا معطَّرا
حكى لنا الشيخ أبو حيان قال: لمّا حبس الأستاذ أردت أن أقرأ على غيره، فقال لي: ما يهون عليَّ أن أتعب عليك أربع سنين وتُنسَب إلى غيري، وأنت قد بقيت، أين الكتب؟ طالعها وما تحتاج إلى أحد، قال: ولما أردت الرحلة إلى الشرق، قال لي: هُم بالمشرق يشتغلون بسماع الأجزاء، فعليك بسماع الكُتُب الكبار، وإذا ذُكر الله قُل: جلَّ الله ولا تزد، وكذلك إذا ذُكر النبي ﷺ ، قل ولا تتكلّم في شيء يؤخذ عليك فيه.
стр. 88
وكان شيخنا أبو حيّان حسن الاعتقاد فيه، مُعظِّمًا له، بحيث يقول: لو قال لي أني طرت لصدَّقته، ويقول: الذين رأيتهم واعتقدت فيهم الصلاح أربعة، ويذكرهُ منهم.
قال: وقال لي بعض الأعيان: نحن إذا لم نُسْقَ استقينا بشيخك.
وكان ينظر في مصالح طلبته ويشتهي لهم الخير، وذَكر أنه كان بغرناطة أبو عبد الله التُّطِيلّي شاعر الأندلس، فنظمت شعرًا وذكرته له، فسخَّف عليَّ، فذكرت ذلك للأستاذ، فقال: لا ترجع إليه وانظم واعرض عليَّ، واختار لي من شعر أبي تمّام ثمان مئة بيت، وقال: احفظها، فحفظتها وصرت أنظم وأعرض عليه، حتى مدحت السلطان ابن الأحمر بقصيدة أولها قوله:
هو الملك لا تحميه إلا القواضبُ … وبأسٌ كما عاف الهزبر المغاضبُ
فقال لي: أنشدها للتُّطيلي، فمررت عليه وهو متكيءٌ، فأنشدته القصيدة فجلس، وقال: هذا نفسُ حَبِيب (١)، درستَ شيئًا من شعره؟ فقلت: نعم.
وهو أحد من عمّ نفعه وانتشرت تلامذته، ولنا منه نسبة، فإنه شيخ شيخنا، فرحمه الله تعالى برحمته الواسعة.
٢٣ - أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن جعفر بن أحمد بن هشام الأموي القِمّنيّ، ينعت علم الدين الفقيه الشافعي (٢).
كان فاضلًا مفتيًا، وكان ضريرًا يُكتَب عنه إذا اسْتُفْتي.
стр. 89
وأعاد بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، وكان ذكيّا جدًّا، قوته الحافظة قوية جدًا، يحفظ القصيدة والخطبة من سماع واحد.
سمع الحديث من العلامة أبي الحسن علي بن بنت الجُمَّيْزيّ، وابن الحباب (١).
حكى لي الشيخ تقي الدين محمد الشهير بابن الصّائغ المقرئ (٢)، ﵀، قال: كنت أصلي القيام بمكان، فعُمِلَت خطبة لشخص يختم في رمضان، فأعجبتني، فطلبت من ذلك الشخص أن يكتبها لي، فلم يرض، فذكرت ذلك للشيخ علم الدين، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده وجعلته في المكان الذي يختم ذلك الشخص فيه بالقرب منه، فذكر ذلك الشخص الخطبة فحفظها الشيخ، فأملاها علي، فكتبتها، وله في ذلك حكايات، لكنه لا يستمر له ما يحفظه، بل ينساه.
وكان متديِّنًا، ومضى على جميل.
ومولده سنة عشرين وست مئة، وتوفي بالقاهرة يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين منها.
٢٤ - أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن بَلين، المنعوت بالشهاب، المعروف بالقرافي (٣).
стр. 90
نسبه إلى قرافة، فإنه كان يتردّد إليها، الصنهاجي المحتِد، البهبشيميّ المولد، وبهبشيم بباء موحدة ثاني الحروف وهاء وباء ثانية وشين معجمة وياء آخر الحروف وميم، قرية من عمل البهنسا، ولد بها ونشأ فيها، وكان يحرس القصب بدنديل (١).
وقال لي شيخنا أثير الدين أبو حيّان: رأيت ناطورة هناك، وقالوا لي: هذه ناطورته التي كان يحرس فيها.
واشتغل هناك بالفقه على مذهب مالك، وقدم مصر، فاشتغل بالأصولين على الشيخ شرف الدين الكركي (٢)، وحضر عند الإمام أبي محمد ابن عبد السلام مدّة، وبرع في الفقه والأصول، وشارك في نحو وطبٍّ وفنونٍ ونثرٍ ونظمٍ، ودرَّس بالمدرسة الصّالحية بالقاهرة، وتصدّى لإفادة الطلبة، قرأ عليه الفضلاء.
وصنّف تصانيف في الفقه وأصولها، منها … (٣)
[أدِّلةُ وجدي عن غرامي تترجم … ونص حديثي ظاهرٌ وهو محكم
ومسند أخبار صحيح ومن يثق … بنقل أحاديث الهوى فهو مسلم
ولي جسدٌ كالجوهر الفرد رقةً … من السقم حتى إنه ليس يقسم
стр. 91
خذوا مذهبَ العشاق عني فإنني … بمكنون أسرار المحبين أعلم
فجملة قولي قد كفى عن فصوله … ومشْكِلُه عن سرِّ معناه مفهم
ووجدي وسلواني محالٌ وواجبٌ … وفي النوم منعٌ والسهاد مسلم
وأجمع أهل العصر أن جماله … غريب وإني بالغريب لمغرم
وقاسوا عليه البدر من غير جامع … وفارقه ذاك الجمال المعظم
ولست بسالٍ ما حييت وإن أمت … فإني إلى يوم النشور متيم] (١)
٢٥ - [أحمد بن خليل البزاعي (٢).
ماذا على طيفكم لو زار في السحر … متيَّمًا بات يجلو الليل بالفكر
تطوي وتنشر أحشاه على الشرر … ودمعه بين منهلٍّ ومنهمر
وجفنه عائم في لجة السهر
حرَّان حيران والأشواق تقلقه … والوجد يحرقه والدمع يغرقه
لا يستفيق أسىً مما يؤرقه … ولا خيال خلال السهر يطرقه
وقد ظما بين ورد اليأس والصدر
العبد عبدكمُ والصبُّ صبكمُ … سيان بعدكمُ عنه وقربكمُ
стр. 92
إن تبخلوا في ثنائيكم بكتبكمُ … أو تمنعوا طرفه عنكم بحجبكمُ
فالعشق للقلب لا للسمع والبصر
من بعدكم ما رقا دمعي ولا هجعت … عيني ولا راقها حسن ولا سمعت
أدنى حديث سواكم لا ولا قنعت … روحي بغيركم كلا ولا طمعت
في سلوة عن سواكم مدة العمر
كم وقفة لي في الأطلال أندبها … وعبرة بالبكا والنوح أسكبها
ولوعة زاد في الأحشا تلهبها … وللمطامع آمالٌ أكذبها
تعلل القلب بعد العين بالأثر (١)]
٢٦ - [أحمد بن سعيد الأثير، كاتب الإنشاء (٢).
أتتني أياديك التي لو تصورت … محاسنها كانت من الأنجم الزهر] (٣)
هي البحر إلا أن فيها مشابهًا … من الروض موشيًا وما ذاك في البحر
هي الدرُّ إلا أن فيها لطافةً … ترقُّ حواشيها وما ذاك في الدر
стр. 93
تكاد معانيها تدور حلاوة … وتجري مع الماء الزلال الذي يجري
فناشدت فكري أن يمنَّ بمدحة … تماثل ما أهدى إليَّ من البرّ
فوالله ما أَلوى عليَّ ولا رنا … إليّ ولم يسمح بعرف ولا نُكْر
وكنت إذا استنجدته اختلفت له … وفود المعاني من عوان ومن بكر
فواعجبًا من جفوة الحظ لم تدع … معينًا على الأيام حتى ولا فكري
توعَّك بدمشق، وتوجَّه صحبة الملك الأشرف خليل، فتوفي بغزَّة في يوم الخميس سابع عشر (١) شهر شوّال سنة إحدى وتسعين وست مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
٢٧ - أحمد بن طلحة أبو جعفر الشقري (٢).
من جزيرة شقر، من عمل بلنسية.
كان كاتبًا أديبًا شاعرًا.
كتب لوُلاة بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود حين تغلَّب على الأندلس، وربّما استوزره في بعض الأحيان.
قال ابن سعيد: وكان والدي يكثر مجالسته، وكان كثير التهور كثير الطَّيش، ذاهبًا بنفسه كل مذهب.
قال: وكنت أجالسه كثيرًا، سمعته مرة وهو في محفل يقول: يقيمون القيامة بحبيب
стр. 94
والمتنبّي والبحتري، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لا اهتدوا إليه، فقال له شخص فيه قحةٌ وإقدام: يا أبا جعفر ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، فقال: فأرنا برهان ذلك، فقال: ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبَّه له متقدِّم ولا يهتدي لمثله متأخر، ثم أنشد شعر:
يا هل ترى أظرف من يومنا … قلَّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانه … مرقصة كل قضيب وريق
والشمس لا تشرب خمر النّدى … في الأرض إلا بكؤوس الرحيق
قال: فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ إلى أضيق مكان، فقلت له: يا سيّدي هذا هو السّحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النّمط، فأنشد وقال قوله: شعر
أدِرْهَا فالسَّماء بدت عروسًا … مضمّخةً الملابس بالغوالي
وخدُّ الرَّوض حمرته أصيل … وجفن النَّهر كُحِّل بالظلال
وجيد الرَّوض يشرق في لآلٍ … تضيءُ بهنّ أكناف الليالي
فقلت له: زد وعد، فعاد والارتياح قد ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، وأنشد: شعر
لله نهرٌ عندما زرته … عاين طرفي منه سحرًا حلال
إذ أصبح الطّل به ليلة … وجال في الغصن شبيه الخيال
فقلت: زدنا، فأنشد وقال: شعر
ولمّا ماج بحر اللَّيل بيني … وبينكم وقد جدَّدت ذكرا
стр. 95
أراد لقاكمُ إنسان عيني … فمدَّ له المنام عليه جسرا
فقلت: إيه، فأنشد وقال: شعر
ولما أن رأى إنسان عيني … بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرًا … كما مدَّ الظلام على الضياء
فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني فما تقوم بحقِّها، وأنشد وقال: شعر
هات المدام إذا رأيت شبيهها … في الأفق يا فردًا بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله … فغدت تخاصمه الحمائم فيه
قال: وكان قد تهتك في علج لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربّما انهزم مع العلج، وفيه يقول: شعر
ألفتُ الحرب حتّى علمتني … مُقارعة الحوادث والخطوب
ولم أر عالمًا وأبيك حربًا … بغير لواحظ الرشأ الرّبيب
فها أنا بين تلك وبين هذي … مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب
ولما هرب بالعلج إلى سبتة، أحسن إليه القائم بها أبو العبّاس السبتي، فلم يقنع بذلك الإحسان، وصار يأتي بما يوغر صدره، فقال أبو العباس يومًا في مجلسه: أنا رميت مرّة بقوس فبلغ السّهم كذا، وذكر أمدًا بعيدًا، فقال ابن طلحة لشخص بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ كذا، فشعر به أبو العبّاس، فأسرّها في نفسه، ثم بلغ أنه هجاه بقوله، شعر:
стр. 96
سمعنا بالموفق فارتحلنا … وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدًا أقَبّلها وأخرى … أعيش بنيلها أبدًا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه … يدٌ شلا وأمرٌ لا يتم
فزاد أبو العبّاس في حنقه، وصار مترصّدًا له الغوائل، فحُفِظَت عنه أبيات قالها وهو على حالة استهتار في رمضان، وهي قوله، شعر:
يقول أخو الفضول وقد رأى بي … على الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصّوم هلّا … حماهُ منكم عقل ودين
فقلت اصحب سوانا نحن قومٌ … زنادقةٌ مذاهبنا فنون
نُدين بكل دين غير دين الرّ … عاع فما به أبدًا ندين
بحيِّ على الصبوح الدّهر ندعوا … وإبليس يقول لنا آمين
فيا شهر الصيّام إليك عنّا … إليك ففيك أكفر ما نكون
فأرسل أبو العبّاس من هجم عليه وهو على هذه الحالة، وأظهر أنه يرضي العامة بقتلِه، فقتَلَه، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وست مئة، والله أعلم بحاله.
٢٨ - أحمد بن عبد الدّائم بن يوسف بن قاسم بن عبد الله بن عبد الخالق الشّارمساحي، المنعوت شهاب الدين، المكنى بأبي يوسف (١).
كان شاعرًا مجيدًا، وفيه عروبية ومكرمة، وكان كثير الهجو، وبسببه حصل له التعب.
стр. 97
وحدّث بشيء من شعره، سمع منه الفضلاء: شيخنا أثير الدين أبو حيّان، والشيخ فتح الدين ابن سيّد الناس، وجماعة.
وكان متنقلًا في البلاد، قاصدًا غير طرق الرّشاد، والله لا يحب الفساد.
أنشدني الشيخ أبو حيّان، أنشدني الشارمساحي لنفسه بثغر دمياط قصيدة يمدح فيها، منها قوله، شعر:
محجّبةٌ بين الترائب والحشا … فدمعي لها طلقٌ وقلبي بها رهن
وحال الهوى ما ليس يدرك كنهه … وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكه بالطرف سهلٌ وإنما … له منهج أعيا القلوب به حَزن
لديه الأماني بالمنايا مشوبةٌ … وفيه الرجا واليأس والخوف والأمن
وكم مهلك فيه يقين لعاشق … ومطلبه من دونه في الورى ضنُّ
به عرف المعروف والجود والسخا … وفيه إذا ظن الحيا يصدق الظن
به ثغر دمياط تبسم فرحة … وإن كان في محل بسكانه حُزن
ومن عجب أن يوجد المحل فيهم … وفيهم جوادٌ دون أندائه المزن
أيا حرمًا للأنس فيه معرِّسٌ … مقامٌ له المسعى وللملتجي ركن
تطوف به الآمال في طلب الصفا … فزمزمه عذب وجناته عدن
مشتّت شمل المال جودًا ابن لنا … أبينكما قد كان في ما مضى ضغن
وكفُّك بحرٌ والمكارم موجه … وقد لجَّجت فيه لآمالنا سفن
قال الشيخ: وأنشدني أيضًا لنفسه بشارمساح من أبيات شعر:
стр. 98
تخشى الظِبى والظُبا من فتك ناظره … وإن تثنَّى فلا تسأل عن الأسل
لا واخذ الله عينيه فقد نشطت … إلى تلافي وفيها غاية الكسل
ترمى القلوب فما تدري أقام بها … هاروت أم ذاك رامٍ من بني ثعل (١)
هذا الغزال الذي راقت محاسنه … فلا عجيب عليه رقة الغزل
لما تواليت من وجدٍ ومن شغفٍ … تحقّق الناس أني مغرم بعلي
وأنشدنا أيضًا لنفسه في فتح عكّا، قوله شعر:
لا تعجبوا للمناجيق التي رشقت … عكّا بنارٍ وهدّتها بأحجار
بل أعجبوا بلسان النار قائلة … هذي منازل أهل النار في النار
قال: وأنشدنا لنفسه يهجو، قوله شعر:
رأيت الشهاب وقد ظل في … قفا الفتح من طرب نازلا
وما برح البحر من دأبه … طوال المدى يلطم السّاحلا
وله القصيدة العدلانية المشهورة، وشُكِي بسببها إلى أمير موسى بن الصّالح، فأحضره، وأنشد القصيدة بحضرة المهجوّ، فضربه، وشاعت بذلك الإنشاد، واشتهرت بذلك الضرب في البلاد.
وله القصيدة السّينية التي أولها:
ترى يسمع السلطان شكوى المدارس … وأوقافها ما بين عافٍ ودارس
стр. 99
وليس فيها جيّد إلا أولها، وقيل: إنه شاركه فيها جماعة، وحاصلها قحة وفجور وبهتان وزور، دلّاه الشيطان على نظمها بغرور، فصارت حالته بعدها مذمومة، ولحوم العلماء مسمومة.
وطُلِب، فهجَّ بهجوه إلى منفلوط، ولو طالت إقامته لحصل له ما يشبه عذاب قوم لوط، ولكن عاجلته بها المنية، وانقطعت منه الأمنية في حدود العشرين وسبع مئة.
٢٩ - أحمد بن عبد الرحمن، وانتسابه إلى سليم الدِّمَشْقي، ينعت شمس الدين (١).
كان عند السلطان صلاح الدين يوسف في عداد رؤساء الأجناد. وكان مفوّهًا أديبًا شاعرًا.
ذكره ابن الرّبيب (٢)، والشهاب القوصي (٣)، ومدَّ الباع في مدحه.
وتولّى الصعيد في أيَّام العادل، فنظم هذه الأبيات، قوله شعر:
غرامي ودمعي سائقٌ وشهيدُ … وقلبي وطرفي شائق وسهيد
أحنُّ إليكم والمهامة بيننا … فودِّي قريب والمزار بعيد
أحبابنا ما باختياري تركتم … ومالي عن حكم الزمان محيد
стр. 100
عسى طيب أيام الوصال يعود لي … ومُمرض جسمي بالفراق يعود
ألا مبلغ جيرون عنِّيَ لوعتي … وهل لي إلى باب البريد بريد
مراتع لهوي بيت لهيا وسهمها … ونَيِّرُها لا حاجرٌ وزرود
يثير غرامي ماءُ ثورا تذكرا … كما يحوى قلبي من يزيد يزيدُ
وإنيَّ مذ فارقتها لمتيَّم … فجلَّق ماء والصعيد صعيد
وكان قد فهم من الصاحب صفي الدين ابن شكر (١) تقصيرًا، فدخل عليه وأنشده قوله، شعر:
أيا من مودَّته لم تزل … إذا ما ارتقى رتبة أو ولي
أعيذك من غفلة تعتري … جلالك عن خادم أو ولي
إذا لم تردني على رتبتي … أعدني إلى حالي الأول
وكان القاضي الفاضل عبد الرّحيم البيساني (٢) قد مرض مرّة، ثم عوفي فكتب إليه الشمس بهذه الأبيات، وهي قوله: شعر
قد عوفي الفاضل مما شكا … وصحّ من سائر آلامه
وذاك أن السّقم لمّا أتى … إليه في جملة خدَّامه
стр. 101
أجلَّه أن يعتري جسمه … معرفة منه بإعظامه
ورام توديعًا له فانثنى … يرغب في تقبيل أقدامه
فقال له الفاضل: أبياتك يا شمس الدين (١) أحسن من العافية.
ولد بدمشق في المحرّم سنة إحدى وأربعين وخمس مئة.
وتوفي بها سنة إحدى وست مئة.
٣٠ - أحمد بن عبد الرحمن المقرني (٢).
نسبه إلى مقرنية التي يضاف إليها أحد أبواب إشبيلية، ويعرف هذا بالكَسَاد.
وذكره ابن سعيد، وقال: قال صاحب المتلمّس: كان من شعراء إشبيلية المشهورين.
ولُقّب بالكساد لقوله: شعر
لقد أمسيت في حمص مضاعًا … وذكري طائرٌ في كل ناد
وما شغلي سوى سكرٍ وعشقٍ … وبيع الشعر في سوق الكساد
قال: وكان قد ابْتليَ بعشق موسى بن عبد الصمد (٣)، وكان كلما شكا إليه حبَّه دفع إليه ما ينفقه، ويقول له: هذا الذي يحصل لك مني، وأما غيره فلا سبيل إليه، فقال في ذلك شعر:
стр. 102
لي حبيب فاق البرية حسنًا … وهو إن كان محسنًا لي ظالم
كلّما جئته لبث همومي … لم يُجِدْ لي بغير بذل الدراهم
وغرامي لا يستطبُّ بمالٍ … بل بميل من قدِّه وهو ناعم
آه لو جاد لي بلثم لماه … كنت أنسى لجوده جود حاتم
وكان موسى هذا مليحًا محبوبًا، فلما مات رثاه شعراء إشبيلية، وفضل عليهم الكساد بقوله:
هتف النّاعي بشجو الأبد … إذ نعى موسى بن عبد الصمد
ما عليهم ويحهم لو دفنوا … في فؤادي قطعة من كبدي
وقال أيضًا فيه شعر:
ردّوا إلى الجنة حوريّها … وارتفع الحسن من الأرض
وأصبح العشّاق في مأتم … بعضهم يبكي على بعض
وقال أيضًا فيه شعر:
يا طائرًا ناح في الأراك … هل أنت مثلي عليه باكي
ما ناح بالبيد فيه إلا … وهو بشكواي فيه شاكي
قال ابن سعيد: توفي سنة أربع وست مئة، ﵀.
стр. 103
٣١ - أحمد بن عبد الرحمن بن الصّقر الأنصاري المريّي، المكنّى بأبي العباس (١).
وأبوه من سرقسطة.
ذكره أبو عبد الله الأبّار الحافظ، وقال: كان فقيهًا على مذهب مالك، أديبًا، وتولى القضاء بإشبيلية.
وله نظم، منه قوله:
لله إخوان تناءت دارهم … حفظوا الودّ على النوى أو خانوا
يهدي لنا طيب الثناء بعادهم … كالندّ يهدي الطيب وهو دخان
وله:
إرضِ العدوَّ بظاهرٍ متصنع … إن كنت مضطرا إلى إرضائه
كم من فتى ألقى بوجه بَاسم … وجوانحي تنقدّ من بغضائه
توفي بمراكش، في جمادى الأولى سنة تسع وستّين وخمس مئة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
٣٢ - أحمد بن عبد الرحمن المراغي، مراغة إخميم، يكنى أبا القاسم (٢).
كان من المشهورين بالولاية والمعروفين بأن له من الله عناية، مذكورٌ بالكرامات وعلوّ المقامات.
стр. 104
صَحِب الشيخ أبا الحسن الصبّاغ (١) بِقَنَا زمانًا طويلًا، وشفى به غليلًا، وكان يعرف بين الفقراء بأبي القاسم الصّغير، فنقلوا أن الشيخ قال: هو عبد الله كبير.
سمع الحديث من الحافظ المنذري، وروى عن شيخه جزءًا من كلامه، سمعه منه البدر الفارقي (٢)، سمعته منه.
ونقلوا عنه أنه حضر سماعًا، فقرأ القارئ قبل السماع على عادة الصوفية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية (٣)، ثم ابتدأ القوّال فقال: لمن الأزمة بالقطار الأول، فقال أبو القاسم: للذين سبقت لهم منّا الحسنى، وصاح فخرجت عينه، أخبرني جماعة أنهم رأوه بهذه الحالة.
وقال لي بعض أصحابنا: إنه كان كثيرًا ما ينشد شعرًا:
غرست غروسًا رمت أجني ثمارها … فلا ذنب لي إن حنظلت شجراتها
وجئتم سعاةً للمعالي طوالعًا … ذروها لتسعى للمعالي سعاتها
توفي بقرافة مصر، ليلة الجمعة ثالث عشرين ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وست مئة، وقد علت سنّه وارتعش.
ورأيت ولدهُ عليًا (٤).
стр. 105
وكان عليه سمت الصّالحين متقشفًا يضفر الخوص، وحكى لي عنه جماعة كرامات.
وسمع الحديث من الحافظ المنذري.
وتوفي بإخميم في سنة ست عشرة وسبع مئة، ﵁.
٣٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الكناني الجياني أبو جعفر الوقشيّ (١).
قال الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: كان الوقّشي من الأدباء الجلة، والكتاب البلغاء من ذوي الانطباع في النظم والنثر، كتب بجيّان لأبي إسحاق ابن همشك، وخرج من جيّان عند موته، فأقام بمالقة يسيرًا، ثم قصد مراكش، ومدح بها الأمير أبا يعقوب (٢) بقصيدة مستحسنة طويلة، وعرّض فيها بذكر الأندلس، فأبدع فيها.
ومن نظمه يصف حجرة ضيّقة، قوله: شعر
ولي حجرة ضاقت عليّ فأصبحت … كسم خيّاط في المثال لذي النّهى
إذا اشتاق طرفي للسّماء رمقتها … فلم أر منها غير حاشية السّها
ولما مرّ بمالقة، خرج متنزّهًا بسفح الجبل الذي بفاره، فأعجبه فقال: ما أظن ببلاد الأندلس أنزه من هذا الموضع، وددت لو دُفنت فيه، فلما رجع إلى مالقة لم يقم بها إلا يومين ومات، ودفن في ذلك الموضع، وحضر جنازته والصلاة عليه السيّد أبو محمد
стр. 106
عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن (١).
وكانت وفاته في آخر يوم من المحرم سنة أربع وسبعين و [خمس] مئة (٢)، ﵁.
٣٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي المكنى بأبي العبّاس وأبي جعفر (٣).
كان فقيهًا على مذهب أهل الظاهر، وكان قاضي الجماعة.
ترجمه أبو جعفر ابن الزبير فقال: أحد من خُتمت به المئة السّادسة من أفراد العلماء، روى عن القاضي أبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله محمد بن أصبغ، وأبي عبد الله محمد بن معمر المالقي، وأبي عبد الله ابن أبي الخصال، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى ابن وضّاح المريني، وأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية، وأبي الفضل عياض، وخلائق.
ورحل إلى ابن الرمال (٤)، وأخذ عنه كتاب سيبويه تفقهًا، وسمع جملة من كتب
стр. 107
النحو كالإيضاح والجمل (١)، وغيرهما، ومن كتب الأدب واللغة ما لا يحصى كثرة، وتقدم في علم العربية، واعتنى بكتاب سيبويه، وله في النحو اختيارات ومذاهب وآراء، شذّ عن مألوف أهلها في كثير من التعاليل التقديرية.
وصنّف تصانيف، منها كتاب سمّاه: "تنزيه القرآن عمّا لا يليق بالبيان"، وكتاب "المشرق في النحو"، كتاب لطيف، وردّ على النحاة في جزء متوسط سمّاه: كتاب "الزّهو في الردّ على أئمة النحو" (٢)، وردّ عليه ابن خروف ردّه (٣).
وولي قضاء فاس وقضاء الحضرة، فأحسن السيرة، فعظم عند أولي الأمر قدره وشأنه، وأعملت الرحلة إليه، واعتمد في كثير من المأخذ عليه.
وروى عنه القاضي أبو محمد ابن حوط الله (٤)، وأخوه أبو سليمان (٥)، والحافظ أبو محمد ابن القرطبي (٦) في آخرين، ومضى على جميل.
стр. 108
ومولده بقرطبة، ليلة الفطر، عام ثلاث عشرة وخمس مئة.
وتوفي بإشبيلية، في سابع عشر جمادى الأولى، سنة اثنتين وتسعين منها.
٣٥ - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي الحنبلي، المنعوت شهاب الدين، ويكنّى بأبي العباس، معبّر المنامات (١).
سمع الحديث، وحدّث عن السّاوي، وابن رواج (٢)، والسّبط (٣)، وأبي الحسن علي بن سلامة الفقيه الشافعي، وروى عن عمّه يوسف، ومحيي الدين ابن الجوزي.
وكان إمامًا في تعبير الرؤيا (٤)، وتقع له فيه غرائب شبيهة بالمكاشفات، أخبرني بها جماعة.
وأخبرني شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، قال: رأيت رؤيا فقصصتها عليه، فذكر لي فيها أشياء، وذكر منها أن الزّوجة حامل، وأنها تلد ذَكَرًا، فسألت الزوجة عن الحمل فلم تعرفه، ثم تبيّن حملها، وولدت عبد الله.
стр. 109
وُلِد أبو العباس بنابلس ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وست مئة، وتوفي بدمشق في يوم الأحد تاسع عشرين ذي القعدة سنة سبع وتسعين (١) … (٢)
٣٦ - [أحمد بن عبد العزيز بن محمد أبو الطيب المقدسي الفقيه الواعظ (٣).
يا ناظري ناظري وقف على السهر … ويا فؤادي فؤادي مسكن الضرر
ويا حياتي حياتي غير طيبة … وهل تطيب لفقد السمع والبصر
ويا سروري سروري قد ذهبت به … وإن تبقى قليلا فهو في الأثر
والعين بعدك يا عيني مدامعها … تسقي مغانيك ما يغني عن المطر
والقلب بعدك يا قلبي تقلبه … بالنار أيدي الأسى من شدة الفكر
لم يبك مثلي على ما نابه أحد … في الناس كلهم إلا أبو البشر
٣٧ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري (٤).
стр. 110
مريضٌ من صدودك لا يعاد … به ألم لغيرك لا يعاد
وقد ألف التداوي بالتداني … فهل أيام وصلكم تعاد
لحا الله العواذل كم يلحوا … وكم عذلوا فما أصغى وعادوا
ولو لمحوا من الأحباب معنىً … لما أبدوا هناك ولا أعادوا
ولا والله لا أسلوا ولكن … أزيد جوىً إذا في العدل جاروا
أريد وصالها وتريد بعدي … فما أشقى مريدٍ لا يراد
وما زالت ليالي الوصل بيضًا … وليل الهجر يغشاه السواد
٣٨ - أحمد بن عبد المحسن بن أحمد الدِّمْيَاطيّ، المنعوت زين الدين] (١).
واصرفوا عني الهموم بصرف … هي ريحان راحتي وارتياحي
واتركوني بباب حاني طريحًا … ساجدًا نحو قبلة الأقداح
وندامى الغبوق حولي قيامًا … لتؤدي فريضة الاصطباح
يا نديمي وما سواك نديمي … هات راحي وليس عندك راحي