مقدمة الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين حمدًا يكافئ نعمه قديمها وحديثها، تليدها وطريفها، ظاهرها وباطنها، حمدًا يوافي مننه، ويوجب مزيده.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
وأصلي وأسلم على خاتم رسله المبعوث رحمة للعالمين، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. أما بعد.
فإن الاشتغال بالعلم الشرعي فضل عظيم من الله ، يهبه لمن يشاء من عباده.
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥].
وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠].
قال تعالى: ﴿قُلْ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
وقال ﷺ : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. متفق عليه (١).
وقال الإمام أحمد: العلم مواهب من الله. ليس كل أحد يناله (٢).
وما وهبه الله فلا راد لفضله. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
وإذا كان العلم من فضائل الله التي لا تحصى، ومن أياديه التي لا تستقصى
стр. 2
كان واجبًا على طالب العلم القيام بحقه، والعمل بمقتضاه، والتمسك بما تدل عليه النصوص من كتاب وسنة، وعدم معارضتها بآراء العقول، وتقليد الرجال.
فلا هداية إلا بالاتباع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ونفى الله الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي ﷺ ولم يرض به، ولم يسلم له تسليمًا.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وحذر من مخالفة أمره، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وإذا كان الله قد أمر رسوله بأن يقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [يونس: ١٥] باستخدام النفي والإثبات.
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
فالأصل أن ما كان فرضًا في حق النبي ﷺ ، فهو فرض في حق أتباعه من باب أولى إلا بدليل يدل على الاختصاص.
والنص حاكم على الخلاف، وليس العكس قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
والخلاف إنما عقد للوصول إلى حكم الله قطعًا أو ظنًّا، وليس للتخير بين أقوال الرجال، ولا بتقديم الأيسر من الأقوال.
فلا يجوز أن يكون الخلاف حجة للتفلت من استحقاق النص؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
فقوله: (في شيء) نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء من كبار المسائل
стр. 3
وصغارها مما لم يقع عليها إجماع. والآية تعطي الخلاف شرعية؛ لعدم النهي عن التنازع المشروع، وترسم المنهج الشرعي في التعامل معه، وذلك بالرد إلى النص من كتاب أو سنة، إلا أن وجود النص الشرعي لا يستلزم ثبوته، فقد يوجد النص، ولا يصح، وثبوته لا يعني التسليم بدلالته على الحكم، فالاختلاف في دلالة النص من أكثر أسباب الخلف فيه، وكلا المتنازعين قد رد إلى النص بحسب فهمه واجتهاده.
فالنص: خطاب الشارع من كتاب وسنة.
ودلالة النص: عمل المجتهد، والنص معصوم، والفهم غير معصوم، وهناك من لا يستطيع أن يفرق بينهما، ويعتقد أن فهمه: هو خطاب الشارع، ويقول لك: هل ابن عمر معصوم؟ وهل الإمام أحمد معصوم؟
ويقال له: وهل فهمك للنص معصوم؟ فإن كانت المقاربة بالرجال فنحن أوثق لديننا بتقديم فهم ابن عمر وفهم الإمام أحمد للنص على فهم بعض المعاصرين، فلا تجعلوا فهمكم حجة بمنزلة النص.
فحديث: (لا صلاة بحضرة طعام) لا نزاع في ثبوته.
ومثله حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
والحديثان دلالتهما اللغوية واحدة، فالظاهرية لا يفرقون بين الدلالتين، ويسوون بينهما في الحكم، ويحكمون ببطلان الصلاة بحضرة الطعام، وترك القراءة.
والجمهور فرقوا في الدلالة، فصححوا الصلاة بحضرة الطعام، بخلاف ترك القراءة خاصة للمنفرد والإمام.
ولا يصح للظاهرية أن يتهموا جمهور الفقهاء بأنهم لم يأخذوا بدلالة النص.
وحين ترى دلالة ما أنها مرجوحة، وفي نفس الوقت ترى أن هذه الدلالة قد توافق عليها عالمٌ في أقصى المشرق مع عالم في أقصى المغرب دون مواطأة، فهذا يعني أن هذه الدلالة محتملة، وترجيحك لضعفها لا يلغي احتمال صوابها، فكيف إذا وجدت أن هذا الفهم قد تكرر من المجتهدين على اختلاف أماكنهم، وتعاقب دهورهم؟ وهؤلاء لا يختلف أحد في إمامتهم، ولا في امتلاكهم لأدوات الاجتهاد، ولا في تعظيمهم للنصوص.
стр. 4
ومما يدل على أن هذه الأقوال الخلافية محتملة أنك تجد أحيانًا أن الإمام أحمد أو الإمام مالكًا قد روي عنه أنه قال بجميع هذه الأقوال في المسألة، فلولا أن هذه الأقوال تحتملها الأدلة لما تنقل إمام واحد بينها حتى رويت عنه كلها، وليس هذا يعني أن الحق فيها كلها؛ فإن الصواب واحد، وما عداه خطأ.
ولا يعني ذلك: أننا نتخير منها ما نشاء بلا مرجح، وليس من المرجحات طلب الأيسر على المكلف؛ لكونه أيسر، ولكن لاحتمال الأدلة لكل قول من هذه الأقوال حفظ عن الإمام أنه قال بكل قول منها في مدة من اجتهاده، ثم انتقل عنه لغيره، ورجوع الإمام عنه لا يستلزم ضعفه، فقد ينتقل من الراجح إلى المرجوح أو العكس، وتقديم أصحاب الإمام بعض الروايات على بعض لا يلزم أن يكون هو المقدم في حكم الله تعالى، والأصح أن احتمال هذه الأدلة لهذه الأقوال كان سببًا في الأخذ بها من المجتهد حتى حفظ عنه أنه رويت عنه كل هذه الأقوال المختلفة.
ومما يدل على أن هذه الأقوال تحتملها الأدلة: أن المسائل الخلافية أكثر مسائل الفقه، وهي تعد بالآلاف، والصواب في كل مسألة منها واحد على الصحيح، وما عداه من الأقوال فهو في حكم الله خطأ، وذلك يعني: أن الأئمة وقعوا في آلاف الأخطاء، فلو كانت هذه الأخطاء لا تحتملها الأدلة، أو تركوا في كل هذه المسائل الالتزام بالنص لحط ذلك من قدرهم، ولنال ذلك من إمامتهم، ولكن حين كان القطع بالصواب غير ممكن التمس العذر للمخطئ منهم، وكان المجتهد مكلفًا بالأخذ بما يراه راجحًا، وتقديره يختلف من مجتهد لآخر، وكان ما يجب على أحد المجتهدين يخالف ما يجب على المجتهد الآخر إذا بذل وسعه وتحرى إصابة الحق.
أردت أن يكون هذا التنبيه بين يدي الكتاب حتى يلتمس طالب العلم العذر في بعض المسائل الخلافية إذا كان الترجيح فيها لم يكن موافقًا لما يراه أو يتمناه، أو مخالفًا لما أخذه عن شيخه، أو لكونه مخالفًا لما جرى عليه العمل وألفه في بلده منذ نعومة أظفاره، فالعمل ليس من أدلة الشرع، والعمل في مكان يعارضه العمل في مكان آخر، فلا يمكن أن يكون العمل مرجعًا للرد إليه، والعمل الذي جرى فيه الخلاف في الاحتجاج به هو عمل أهل المدينة زمن التابعين، والجمهور لا يعدونه حجة،
стр. 5
والاحتجاج به عند أصحاب الإمام مالك مشروط فيما سبيله النقل، وليس الاجتهاد، كمسألة الأذان، والصاع، وعدم وجوب الزكاة في الخضراوات (١).
وغالب الترجيحات في هذا الكتاب موافقة لما عليه جمهور الفقهاء من غير أن يكون ذلك سببَ الترجيح، وإنما الترجيح يعود إلى قوة الدليل حسب ظن الباحث، وعلى كل حال إذا رأيت أننا خالفنا رأيك فالتمس العذر بأننا وافقنا جماهير العلماء في كثير من مسائل الكتاب، ولئن خالفناك من غير قصد فقد وافقناك في المنهج باتباع الدليل، وهذا هو الأَسَدُّ. والله أعلم.
ومسائل العلم: منها ما يتعذر على العلماء كلهم الوصول إلى مراد الله منها بالاجتهاد، فيحتاج الأمر إلى توقيف، فهذه قد تولى الله بيانها أو رسوله من خلال النصوص، فلا يترك الله عباده دون أن يبين لهم ما يتقون.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالأول كالمواريث، ودلالتها نصية. والثاني: كعدد الركعات في الصلوات الخمس فقد بينت السنة ما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
ومنها ما يكون بالإمكان الوصول إلى مراد الله منها، فهذه قد ترك الله الاجتهاد فيها للعلماء؛ ليتوصلوا إلى مراد الله منها، وكانت دلالة النصوص فيها ليست قطعية لحكم إلهية، من أجل بذل الجهد والتعبد في معرفة مقصود الشارع، وليرفع الله بها درجات بعض العلماء على بعض، وليخص الله بعضهم بالفتح من عنده بحسب الجد والإخلاص، فيفيض الله على بعض العلماء ما لا يفتح به على آخرين؛ رحمة وفضلًا وتوسعة وتيسيرًا على الخلق، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر، ولتتمحص العبودية لله والاتباع لرسوله على ما تشتهيه النفس أو تنزع له من شدة أو تفلت، أو تقديم لقول شيخ أو إمام أو سلطان أو عمل بلد،
стр. 6
وقد يمتحن الله بعض الناس إذا خالف إمامهم سنة من السنن، أيتبعون إمامهم، أم يتبعون السنة؟ كما قال عمار عن عائشة: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم؛ لتتبعوه أو إياها. رواه البخاري (١).
وقد يترك العالم النص الصحيح الصريح لوجود ما يراه معارضًا له من نصوص أخرى صحيحة، والآخر قد لا يسلم له هذه المعارضة، فإذا ترك العالم النص الصحيح الصريح لمعارض يراه لم يكن ذلك خروجًا عن الرد إلى النص.
وقد عقد الأصوليون بابًا في منهج التعامل مع الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وقد يكون النص عامًّا، فيأخذ عالم بعمومه، ويأتي عالم آخر فيخصصه بعمل بعض فقهاء الصحابة إذا لم يعارضه صحابي آخر، ولا يعد هذا التخصيص خروجًا عن الرد إلى النص، فالعام مظنة للتخصيص، وهناك عمومات في الكتاب والسنة كثيرة لا يراد عمومها أصلًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
فليس المراد في الآية عموم الكافرين، وإنما من سبق له في علم الله الشقاء.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فظاهر الآية: ولم يلبسوا إيمانهم بأي ظلم؛ لأن قوله: (بظلم) نكرة في سياق النفي فيعم، وقد فهم الصحابة من الآية العموم، فقالوا كما في الصحيح: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فبين النبي ﷺ أن عموم الآية ليس مرادًا، وقال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك.
كما أن فهم الصحابة للنص مقدم على فهم غيرهم.
قالت أم عطية كما في الصحيحين: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) (٢).
فقول أم عطية: (ولم يعزم علينا) هذا الفهم الذي تتحدث عنه أم عطية ﵂ خارج الدلالة اللفظية، ولا يحيط به إلا من شاهد التنزيل، وسمع الخطاب من النبي ﷺ ، فالصحابة رضوان الله عليهم أعلم من غيرهم بدلالات الألفاظ،
стр. 7
حيث تلقوا الأوامر الشرعية من النبي ﷺ ، بلا واسطة، وهي منقبة للصحابة وحدهم، بخلاف غيرهم فهو يتعامل مع النص بحسب ما تقتضيه الدلالة اللفظية فقط، وشتان بين هذا وذاك، وقد تجد بعض الجدليين يناقشك بالمثال: في حكم اتباع النساء للجنائز، وينسى التقعيد، وهو الأهم.
يقول الطاهر بن عاشور في توكيد هذا الأصل: «يقصر بعض العلماء ويتوحّل في خضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يقلَّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لُبَّه، ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق، وإنّ أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع، وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرّفات الرسول ﷺ ولا على استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول ﷺ وأعماله وعمل الصحابة، ومن صحبهم من التابعين. هنالك يتبيّن لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعًا لمعرفة الحكم والمقاصد. وفي هذا المقام ظهر تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين المقتصرين في التَفَقُّه على الأخبار» (١).
ولا أريد أن أستعرض أسباب الخلاف بين العلماء فقد ألفت فيها كتب، المهم أن المسائل التي حفظ فيها الخلاف من لدن السلف لا يصح حمل الناس فيها على قول واحد، ووجود الخلاف فيها ليس مسوغًا للتخير بينها تخير تشهٍ، بلا مرجح شرعي، فالخلاف ليس من أدلة الشرع.
قال ابن عبد البر في التمهيد «وقد أجمع المسلمون أن الخلاف ليس بحجة، وأن عنده يلزم طلب الدليل والحجة؛ ليبين الحق منه» (٢).
وقال أيضًا في جامع بيان العلم وفضله: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد
стр. 8
علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده» (١).
وهناك من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف؛ لأن الإنكار يختص بالمنكر، ولا منكر في المسائل الخلافية؛ إذ كيف يكون المخالف قد ارتكب منكرًا، وهو يجب عليه شرعًا التزام ما يراه راجحًا، ولو خالفه كان مستحقًا للإثم، وهل يرد الوجوب والتحريم على شيء واحد، فيكون المجتهد مأمورًا باتباع اجتهاده، ويكون غيره مأمورًا بإنكار ذلك عليه؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفتٍ وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى اللَّه ما استطاع، كان هذا هو الذي كلفه اللَّه إياه، وهو مطيع للَّه مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه اللَّه البتة … وهو مصيب؛ بمعنى: أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه» (٢).
وهذا لا يفتح باب الإعذار للمجتهد ليتكلم ويرجح قبل أن يبحث، وينظر في الأدلة، ويتحرى طاقته للوقوف على أقرب الأقوال إلى الحق، فالأمر خطير جد خطير (٣).
وهناك من يقول يشرع الإنكار في مسائل الخلاف؛ إلا أنه يقول مع ذلك: إن المنكر عليه لا إثم عليه فيما فعله، ولا تضييق عليه في اجتهاده.
وظاهر هذا القول تشريع الإنكار في كل مسائل الخلاف، فإن كان هذا الظاهر
стр. 9
مرادًا -ولا إخاله- فإنه لا يختص بأحد المخالفين بل يجب عليه ما يجب على مخالفه، وتصبح كل مسائل الاجتهاد موضعًا للإنكار من الطرفين، فأنكر عليك، وتنكر عليَّ.
وأحسب أنهم يقصرون الإنكار على من يرونه قد خالف نصًّا صريحًا، أو إجماعًا، أو قاعدة شرعية مُسَلَّمة، بمعنى: حصر الإنكار على القول الضعيف البيِّن الضعف، وإنكار مثل هذا قد يحتمل.
على أنه قد يتوجه سؤال: من هو المؤهل ليكون حكمًا على اجتهادات طلبة العلم، ليقول: إن هذا القول ظاهر الضعف يجب إنكاره، وذاك قوي لا يجوز إنكاره، والمسألة خلافية بين الأئمة المتقدمين؟
فالعوام لا دخل لهم بهذا، بل ولا كثير من الخواص، كيف وأنت ترى بعض الخاصة ينكرون أقوالًا يراها الأئمة الأربعة؛ لاعتقادهم أنها مخالفة للنص، وهو وحده الذي يرى أن اجتهاداته لا تخرج عن النص.
والناس ثلاثة: مفرط متساهل يتطلب الأيسر؛ لكونه أيسر، وهذا لا اعتبار به.
ومتشدد يحمل الناس على الأشق في كل خلاف؛ لمجرد كونه أفضل أو أحوط، وحمل الناس على العزيمة فيما لهم فيه رخصة ليس من حق المجتهد. ودعوى أن الناس قد يتساهلون، فإذا كان الله قد وسع على عباده فلماذا أنت تضيق عليهم باسم المصلحة المتوهمة، فهذا القسم من الناس أيضًا ملحق بالأول.
وبينهما وسط، يفرق بين الاختيار للنفس: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)، وبين الاختيار للخلق: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف).
ولحديث عائشة: (ما خيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا). متفق عليه (١).
يقول قتادة بن دعامة: «﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، قال: هؤلاء أصحاب نبيِّ الله ﷺ ، لو أطاعهم نبيُّ الله ﷺ في
стр. 10
كثير من الأمر لعَنِتوا، فأنتم -واللهِ- أسخف قلوبًا، وأطيش عقولًا، فاتّهَم رجلٌ رأيَه، وانتصح كتاب الله؛ فإنّ كتاب الله ثِقة لِمَنْ أخذ به وانتهى إليه، وإنّ ما سوى كتاب الله تغرير» (١). اه
وإذا كان هذا في حق أفضل البشر بعد الأنبياء، وأكملهم ديانة، وفقهًا، وورعًا، ورأيًا، وحرصًا، لو يطيعهم رسول الله ﷺ في كثير من اجتهادهم، ليس في مسألة أو مسألتين لعنتوا، والعنت المشقة والإثم، وإذا كان هذا في حق من حبب الله لهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فما بالك ببعض صالحي عصرنا، ولقد كنت أعاني من بعض الأميين لا أقوال العوام، ممن لا يعرف الكتابة ينتقد ويصوب لطلبة العلم، ولو أن طالب العلم نزل عند رغبتهم، والتمس موافقتهم في كل ما يكتب، لوقعنا فيما حذرت منه الآية: سنة الله، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، فالله المستعان.
ملحوظة:
أنجز من المشروع الفقهي ٤٨ مجلدًا، تفصيلها كالتالي:
بلغت مسائل مشروع الصلاة ١١٥٠ مسألة في ١٠٤٤٦ صفحة، في ثمانية عشر مجلدًا.
وبلغت مسائل مشروع المعاملات المالية: ٢١٣٣ مسألة في ١١٨٥٥ صفحة، في عشرين مجلدًا.
وبلغت مسائل مشروع كتاب موسوعة أحكام الطهارة ٩٣٢ مسألة في ٥٥٧٠ صفحة، في عشرة مجلدات.
ليكون المجموع: ٤٢١٥ مسألة في ٢٧٨٧١ صفحة، ولله الحمد، وهذا القدر من المشروع ربما يبلغ نصف المشروع الفقهي.
стр. 11
فإذا علمت أن مسائل زاد المستقنع أشهر متون الحنابلة المختصرة تبلغ ٢٤٠٠ مسألة (١).
فإن ذلك يعني أن ما يعادل نصف المشروع تقريبًا يزيد على مسائل الزاد بما يقارب الضعف، ولله الحمد، وقد ذهب التعب، ومضت الأيام بقدرها.
وإنما حرصت في نهاية هذه المقدمة أن أختمها بذكر عدد المسائل والصفحات ليعذر المطلع فإذا وقع على وهم، أو على خطأ هنا أو هناك، فإن مشروعًا بهذا العدد يقوم به شخص واحد بحثًا وصفًّا وطباعة لعمل مكلف جدًّا ويصعب معه التحفظ من عدم السهو والخطأ إن لم يكن ذلك مستحيلًا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فمع تنوع مادة المشروع من فقه وحديث وأصول وقواعد وتراجم في عمر يمتد لسبعة وعشرين عامًا فلا بد من الوقوع في السهو والخطأ، وربما بحثت المسألة أكثر من مرة، وربما ترجمت للراوي أكثر من مرة لأكتشف بعد ذلك أني قد بحثته فلطول العهد لا أذكر ذلك، وربما وجدت البحث القديم أَسَدُّ من الجديد، وأحيانًا العكس؛ ليعلم الإنسان قدر ضعفه، والمحب يعذر، والشانئ يفجر، وليت الذي لا يرى في هذا المشروع إلا ما يكره قد شمر عن ساعد الجد، وقدم للأمة ما هو أحسن وأسد لنشكره عليه، وندعو به له، وإنك تجد في البلد في كل زاوية منه من يصلح سيارتك، ولا تجد في بلاد كثيرة من يصنعها، فليس كل من أحسن التنقير لو تعرض للتأليف أحسن التدبير، والناقد بصير، فإذا كان المضمون سمينًا، فلا يضيرك الشكل، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ولو طبق ميزانهم على جميع الكتب قديمها وحديثها لن يرضى عنها بعض الناس؛ لأنه ما من كتاب إلا وتجد عليه بعض الملحوظات إلا كتاب الله ، ولو جرب هذا التأليف لعلم ما يكابده المؤلف، وما أهون تصور الشيء، وما أصعب تطبيقه.
لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده … ولا الصبابةَ إلا من يعانيها!
стр. 12
ولقد كان أحد الإخوة يشكو إليَّ من بعض الأخطاء المطبعية، فكتب مطوية فأعياه تدقيقها، فعذر بعد ما جرب. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو دفعت بالكتب إلى دور النشر لجوَّدوه، ولحملوا عني مؤنة صفه وتدقيقه، ولكنهم ليسوا جمعية خيرية، وأنا أتطلب بيع الكتاب بأقل من سعر التكلفة عن طريق بعض المحسنين، وأبادر بنشر الكتاب على الشبكة، وعلى البرامج الحاسوبية؛ ليصل إلى من يستفيد منه ممن لا يصل إليهم الكتاب، وقد أوقفت جميع حقوقي في جميع كتبي.
وعلى من ضيع وقته أن يستدركه فيما بقي، فالأيام وعاء، ولا عزاء للنوَّم، ولا لمن آثر السمر في الاستراحات، وقطع بالثرثرة أعز الأوقات، حتى مضى عمره عليه حسرات، فلما سُقِطَ في يديه أصبح يقلب من الحسرة كفيه، وهيهات هيهات أن يتدارك ما فات.
وإياك والنصائح المضللة أن تفت في عضدك، فهناك من يقول لك: لا تكتب إلا بعد الخمسين حتى تبلغ في العلم مبلغ الراسخين، فتكون كتابتك أنفع، وعلمك أشمل، ووهمك أقل، وليس للرسوخ في العلم مكيال يعرف به مقداره، ولا تقدم العمر وحده هو من يبلغك مناله، بل هذا الناصح لم ينتبه أنه ربما تربص بك إلى بداية الضعف والوهن، وما عساك أن تنجز فيما بقي من عمرك، بل اكتب في شبابك وقوتك فالكتابة دربة كلما أكثرت منها رسخ قلمك، وتراكمت خبرتك، ولا مانع من عدم التسرع في الطبع، ولكن لا تترك الكتابة إن كانت الكتابة من همك ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
وقد بدا الوهن يدب إلى عظامي، ويوشك زيت التجلد أن ينفد، فالظهر والركب كلها تشتكي من طول الجلوس على البحث، وأصبحت العوائق مخوفة، وأصبحت لا أهوي جالسًا ولا أقوم منه واقفًا إلا ويقوم منه شاهد على ضعف البدن، وكلها إشارات بتصرم القوة، وخور العزم، وهذا أمر متوقع وما حدث في أوانه لا يستغرب، وأسأل الله لي وللقارئ الكريم حسن الخاتمة.
وقد أرسلت نموذجًا من المشروع في بدايته إلى أحد الفضلاء ممن أثق بعقله،
стр. 13
وأطمئن إلى نصحه؛ كراهة الندم إذا استبد المرء برأيه، ولم يستشر إخوانه.
فكتب لي كتابًا كان نقده تعريضًا لا تصريحًا، وكان مشفقًا علي من شرط الكتاب، وخائفًا علي من الانقطاع وأن يكون حالي كالمنبت لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع، وأختار لك من خطابه.
(بسم الله الرحمن الرحيم. عافاك الله أيها الفحل الهمام. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته، من المولع بحبك، العائش على أمل المؤانسة والمجالسة وما وراءهما …
ما سطرته براعتك هو عين التحقيق، وغاية التدقيق، سلمت براجمك، وحفظ الله لك سائر قواك … والحمد لله الذي جعل بيننا من تلين له صعاب المسائل، ويعبد له فيها عسيرات المسالك … أيها الشيخ الحبيب النابغة لو أكملت شرح الزاد على هذا المنول [كان الشيخ يعتقد أن النموذج شرح لزاد المستقنع] لكان فتحًا علميًا لا يكاد يوجد له نظير، ولدار حوله الطلبة والباحثون وأطافوا به إطافة العطاش بالماء المنير، على أنه سيكون كثير الأجزاء، واسع الأرجاء، وهذا يمكن تذليله وتطويعه على كل حال، ثم إن عيب مثل هذه الأعمال الموسوعية هو طول النفس في أولها، ثم ينقطع أو يتخفف من التزاماته العلمية بعد ذلك، ولا يخفى عليك الأمثلة … إلخ خطابه).
وأريد أن أقول للشيخ: إن آخر هذا المشروع أوسع من أوله، فكان مشروع المعاملات المالية ٢١٣٣ مسألة في عشرين مجلدًا، بينما مشروع الصلاة نصف هذه المسائل في ثمانية عشر مجلدًا.
والهدف من عرض هذه النصائح لعلها تنفع شابًا ذا همة عالية، طوقه التردد، وحبسه خوف النقد، واحتقار النفس، فمنعه من اقتحام الكتابة مع شوقه الشديد، واستعداده لبذل كل ما يستطيع بذله من مال وصحة وراحة في سبيل الوصول إلى غايته. وربما جاءني شاب يحمل وريقات من نموذج بحثه، فأفصل في حسناته، وأجمل في عثراته خشية أن يصده نقدي عن مأربه، وطمعًا أن يكون وراء هذه الوريقات عبقرية فذه حبسها عن الظهور ضعف البدايات فما إن يلج العلم من بابه، ويتبين له معالمه، ويهتدي إلى مصطلحاته، ويكتسب ملكة لغته، حتى يبز أقرانه،
стр. 14
ويظهر نبوغه على كثير من شيوخه هذا ما تحدثني به نفسي إذا قدم لي من يظن في أخيه أنه قد يرشده ويسدده.
وعلى كل حال فاعلم أيها الشاب أنه لا عمل كامل، وكل خطأ ارتكبته فهو وسيلة لمعرفة الصواب، وسينفع الله بك العباد، فلا تحقرن نفسك، وكل كبارنا اليوم كانوا بالأمس في سن الشباب، يرجون ما ترجوه، ويحذرون ما تحذره، وصبروا على النصب والتعب، وأخلصوا لله في الطلب، وكان سعيهم بين نجاح وإخفاق حتى أصبحوا بيننا اليوم علامات كالنجوم يهتدي بها السائرون.
يقول هشام بن عروة بن الزبير: كان أبي يجمعنا فيقول: يا بني، كنا صغار قوم وإنَّا اليوم كباره، وإنكم اليوم صغار، وستكونون كباره إن بقيتم، وإنه لا خير في كبير لا علم له. والله أعلم.
стр. 15
التمهيد
المبحث الأول في تعريف الأذان
تعريف الأذان اصطلاحًا (١):
عرف الحنفية الأذان بقولهم: «إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة بألفاظ مخصوصة» (٢).
فقولهم: (في أوقات مخصوصة) هذا ليس بقيد، وإنما باعتبار الأغلب؛ لأن الأذان للفائتة ليس له وقت مخصوص، ولهذا بعض الحنفية لم يذكر هذا القيد (٣).
стр. 16
ولأن الإعلام تارة يكون للوقت، كما في الصلاة المؤداة في الحضر، وتارة يكون للصلاة كما في حال الأذان في السفر، ولهذا حين أراد بلال أن يؤذن في السفر، قال له الرسول ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، فكان الأذان للصلاة، لا للإعلام بدخول وقتها.
• فالأذان في الحضر له ثلاث وظائف:
الأولى: وظيفة الوقت، أي الإعلام بدخول الوقت لعامة المصلين، حتى لمن لا يحضر الصلاة، كالمريض، والمرأة، ونحوهما.
الثانية: وظيفة الصلاة، أي الدعوة إلى الاجتماع لفعلها، وهو معنى قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
جاء في شرح غريب ألفاظ المدونة: «(حي على الصلاة) قال أهل الفقه فيها وشيوخ الحديث: هلمَّ إلى، وليس كذلك، وإنما معناها: جِئْ حثيثًا: أي سريعًا، ومن قلت له: هلمَّ إلي، فجاء مبطئًا، أو مسرعًا فقد أطاعك، ومن قلت له: حي إِلَيَّ فجاء مبطئًا فقد عصاك، فليس المعنى إلا جِئْ حثيثًا» (١).
وفي الحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، فهناك منادٍ، وهو المؤذن، وهناك مُنَادَى يجيب نداء المؤذن، وهو المصلي.
الثالثة: إظهار شعار الإسلام، والتعريف بأن الدار دار إسلام.
وأما الأذان في السفر، وفي الفائتة فليس له إلا وظيفة واحدة، وهو حق الصلاة، ويلحق بالمسافرين الجماعات المعدودة، والتي لا تنتظر غيرها، والمجتمعة خارج المدن.
ولهذا قال الماوردي في الحاوي في تعريف الأذان: إعلام بدخول وقتها، وحضور فعلها (٢)، إشارة منه لوظيفتي الأذان.
والأذان في التنزيل نداء للصلاة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩].
стр. 17
وقوله: (بألفاظ مخصوصة) فالأذان ذكر مقيد، لا يجوز الزيادة عليه، ولا إبدال ألفاظه بألفاظ أخرى، حتى ولو كانت بمعناه، أو أحسن.
ومنه تعرف أن زيادة: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله محدثة، واستدراك على الشرع، واتهام للصحابة رضوان الله عليهم بأنهم لم يتأدبوا مع رسول الله ﷺ ، وكذا كل زيادة تزاد على الأذان معه، أو قبله، أو بعده مما لا يجوز فعله، وسوف يأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وعرَّف الأذانَ بعضُ المالكية والشافعية:
بأنه الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة (١).
زاد الزركشي من شخص مخصوص (٢).
إشارة إلى اشتراط أن يكون المؤذن مسلمًا، ذكرًا، بالغًا، عدلًا، لا كافرًا، ولا صَبِيًّا، ولا امرأةً، ولا فاسقًا، وسوف يأتي بيان الخلاف في بعض هذه الشروط إن شاء الله تعالى.
وعرَّف الحنابلة الأذان:
بأنه إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه لفجر، بذكر مخصوص (٣).
فقوله: (أو قربه) ليدخل في ذلك الأذان الأول لصلاة الصبح، مع ما قيل فيه أكان للصلاة، أم لإيقاظ النائم، ورجوع القائم؟ فلما كان النداء لغير الصلوات المفروضة كالأذان لصلاة الكسوف له صفة مخصوصة، لا تشبه أذان الصلوات المفروضة، وكان الأذان قبل الفجر موافقًا في صفته لأذان الصلوات المفروضة مشتملًا على دعوة الناس لفعل الصلاة بقوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، وقع الخلاف بين أهل العلم في صحة الأذان للصبح قبل الوقت، وسيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 18
والتعريف المختار أن يقال: الأذان: هو التعبد لله بالإعلام بألفاظ مخصوصة على أمر مخصوص.
فقولي: (التعبد لله): إشارة إلى أن الأذان عبادة من العبادات، لا تصح من الكافر.
وقولي: (على أمر مخصوص): يشمل الإعلام بدخول الوقت إن كانت الصلاة مؤداة في الحضر، أو الإعلام بالصلاة لفعلها إن كانت الصلاة مقضية أو في السفر، لهذا فضلت أن يقال: على أمر مخصوص ليسع الأمرين، الوقت والصلاة، والله أعلم.
стр. 19
المبحث الثاني في تعريف الإقامة
تعريف الإقامة اصطلاحًا (١):
تطلق الإقامة على الأذان الثاني؛ لكونها سببًا لقيام الناس إلى الصلاة؛ لأن الناس يقومون للصلاة بسببها، وألفاظها هي ألفاظ الأذان بعينها؛ إلا أنه لما زيد فيها جملة: (قد قامت الصلاة)، وكانت لا تشرع إلا عند القيام للصلاة غلب عليها لفظ الإقامة (٢).
وقد عرفها بعض المالكية: بأنها ألفاظ مخصوصة تذكر على وجه مخصوص عند الشروع في الصلاة المفروضة ذات الركوع والسجود (٣).
وعَرَّفَ الإقامةَ بعضُ الشافعية: بأنها ألفاظ مخصوصة، تقال لاستنهاض الحاضرين لفعل الصلاة (٤).
стр. 20
وعرفها بعض الحنابلة: بأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة بألفاظ مخصوصة (١).
وكل هذه التعريفات معناها واحد.
ويطلق الأذان على الإقامة تغليبًا.
(ح-١) فقد روى البخاري من طريق الجُرَيْرِيِّ، عن ابن بريدة،
عن عبد الله بن مغفل المُزَنِيِّ: أن رسول الله ﷺ قال: بين كل أذانين صلاة، ثلاثًا، لمن شاء (٢).
ويقصد الأذان والإقامة.
стр. 21
المبحث الثالث في بدء مشروعية الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• كان تشريع الأذان متأخرًا عن تشريع الصلاة.
• الصلاة في العهد المكي لم يكن لها أذان، فالأذان تشريع مدني.
• كل الروايات التي تقول: إن الأذان شرع في ليلة الإسراء، أو في مكة، فهي روايات باطلة.
• إشراك عامة المسلمين في الشأن العام حيث كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في كيفية الإعلام للصلاة.
• أراد الله قدرًا أن يكون تشريع الأذان عن طريق رؤيا يراها بعض الصحابة ممن لم يعرف بكثرة الرواية، ولا الفقه، ويقره الوحي ويرتضيه النبي ﷺ ، ويأمر به.
[م-١] الكلام في تاريخ مشروعية الأذان يدخل في تاريخ تشريع الأحكام، وقد تكلم الفقهاء عن تاريخ تشريع بعض الأحكام، كقولهم في الصلاة: متى شرعت؟ وقولهم في باب الزكاة: متى شرعت الزكاة؟ والكلام نفسه يقال في باب الصيام والحج، والجهاد، وهو كلام مفرق على أبواب الفقه، ولا أعلم كتابًا خَاصًّا يجمع تاريخ تشريع الأحكام من بداية نزول الوحي إلى حين اكتمال التشريع، إلا ما أُلِّفَ في أسباب النزول، وبيان المكي والمدني من السور، وكذا ما أُلِّفَ في الناسخ والمنسوخ من الأحكام، وكان البحث في تاريخها مدفوعًا بالعلم بالمتأخر والمتقدم منها، ليكون المتأخر ناسخًا للمتقدم.
ولا نزاع بين العلماء أن الصلاة شرعت في مكة قبل الهجرة، وارتبط تشريعها مع واقعة الإسراء والمعراج.
стр. 22
وكان تشريع الأذان متأخرًا عن تشريع الصلاة.
وقد تعرض الصحيحان لقصة تشريع الأذان من حديث أنس، وابن عمر ﵃، وهما أصح ما في الباب، وهما صريحان بأن تشريع الأذان كان في المدينة.
فالصلاة في العهد المكي لم يكن لها أذان، بل لم يكن للصلاة أماكن معلومة يدعى الناس إلى الاجتماع فيها لفعل الصلاة، بل إن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي ﷺ المدينة.
(ح-٢) فقد روى البخاري من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحَذَّاء، عن أَبِي قِلَابَةَ،
عن أنس بن مالك، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يُعْلِموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يُورُوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يُوتِر الإقامة. ورواه مسلم بنحوه (١).
وقوله: (لما كثر الناس) دليل على أن الأذان تأخر عن أوَّل قدوم النبي ﷺ المدينة حتى كثر الناس، وانتشروا في المدينة وما حولها، واشتد عليهم حينئذٍ إعلامهم بالصلاة، فاحتاجوا إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة (٢).
فهذه إحدى روايتي الصحيح في تاريخ مشروعية الأذان، وهي تذكر أن الأذان كان عن مشاورة، وأنهم ذكروا النار والناقوس، وكل هذا واضح أنها كانت آراء طرحت في مجلس التشاور، ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى خلاصة ما اتفقوا عليه بقوله: (فأُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة)، فلم يتعرض الحديث كيف اهتدوا إلى الأذان، ولا كيف اتفقوا عليه حتى أُمِرَ بلالٌ أن يجعله شفعًا وأن يوتر الإقامة.
كما أن الحديث صريح بأن الأذان شرع في المدينة.
стр. 23
وكل الروايات التي تقول: إن الأذان شرع في ليلة الإسراء، أو في مكة فهي أحاديث باطلة، من ذلك:
(ح-٣) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق أحمد بن محمد بن ماهان، حدثني أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، أن النبي ﷺ لما أسري به إلى السماء أوحي إليه بالأذان، فنزل به، فعلمه جبريل.
قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، ولا عن يونس إلا طلحة بن زيد، تفرد به محمد بن ماهان الواسطي (١).
[موضوع] (٢).
(ح-٤) ومنها ما رواه البزار من طريق زياد بن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده،
عن علي لما أراد الله ﵎ أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل صلى الله عليهما بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها جبريل: اسكني فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد ﷺ ، قال: فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن ﵎، قال: فبينما هو كذلك، إذ خرج ملك من الحجاب، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل! من هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر … فذكر الأذان فقال: ثم أخذ الملك بيد محمد- ﷺ فقدمه، فأم أهل السماء، فيهم آدم ونوح.
قال الطبراني: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد.
стр. 24
وزياد بن المنذر فيه شيعية، وقد روى عنه مروان بن معاوية وغيره (١).
[موضوع] (٢).
(ح-٥) ومنها ما رواه ابن شاهين، قال: حدثنا جعفر بن نصير، قال: حدثنا علي بن أحمد السواق، قال: حدثنا محمد بن حماد بن زيد الحارثي، قال: حدثنا عائذ بن حبيب بَيَّاع الهرويُّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : لما أسري بي إلى السماء، أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت بالملائكة (٣).
[منكر] (٤).
قال الحافظ ابن حجر: «والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ -كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث ابن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد» (٥).
(ح-٦) وأما ما رواه ابن سعد بسنده إلى نافع بن جبير، وعروة بن الزبير،
стр. 25
وزيد بن أسلم، وسعيد بن الْمُسَيِّبِ، قَالُوا: كان الناس في عهد النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي ﷺ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان …
فهذه المراسيل تذكر أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، إلا أنها كلها رواها ابن سعد عن شيخه الواقدي، وهو رجل أخباري متروك، ولو صح فإن هذا يعني أن الصحابة مكثوا في المدينة ما يقرب من ستة عشر شهرًا لم يكن يؤذن فيهم للصلاة، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ -صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا.
وسوف أذكر مرسل سعيد بن المسيب بتمامه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى عند الكلام كيف شرع الأذان.
قال ابن رجب في الفتح: «ففي هذه الرواية: أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية» (١).
(ح-٧) وروى أحمد من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب،
عن علي، قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان النبي ﷺ -يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله ﷺ إلى بدر .... فلما طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله، فجاء الناس من تحت الشجر، والحجف، فصلى بنا رسول الله، وحرض على القتال … الحديث (٢).
[صحيح إن سلم من تغير أبي إسحاق] (٣).
стр. 26
وهذا يعني أن تشريع الأذان بعد غزوة بدر.
فهذه النصوص التي يمكن من خلالها أن يتلمس الباحث متى شرع الأذان، وأمَّا كيف شرع الأذان؟ فتكشف عنه الرواية الثانية في الصحيحين:
(ح-٨) فقد رواها الشيخان من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع،
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فَيَتَحَيَّنُونَ الصلاة ليس يُنَادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النصارى، وقال بعضهم: بل بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فقال عمر: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فَنَادِ بالصلاة (١).
هذه رواية ابن عمر لقصة مشروعية ابتداء الأذان.
قال الشوكاني: «هذا أصح ما ورد في تعيين ابتداء وقت الأذان» (٢).
ومنه قول عمر ﵁: (أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قُمْ فَنَادِ بالصلاة).
[م-٣] وقد اختلف العلماء بهذا النداء الذي أشار به عمر ﵁، أهو
стр. 27
الأذان المعروف، ويكون هذا من إلهام عمر ﵁، وتكون الرؤيا جاءت توكيدًا وتأييدًا لرأي عمر ﵁، فأمر به الرسول- ﷺ أمر تشريع بعد الرؤيا؟
أم أن المراد برأي عمر هو مطلق الإعلام بالصلاة، دون التقيد بلفظ مخصوص؟
فاختار كثير من الفقهاء أن الأذان لم يكن بالكلمات المعروفة، بل أراد عمر مطلق الإعلام، منهم القاضي عياض، والنووي وغيرهما (١).
القول الثاني: أن الذي أشار به عمر هو النداء المعروف.
واستظهره ابن رجب في شرحه للبخاري (٢)، ومال إليه القرطبي.
جاء في الفتح لابن حجر: «قال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبي ﷺ بادر عمر، فقال: أو لا تبعثون رجلًا ينادي؟ أي يؤذن للرؤيا المذكورة، فقال النبي- ﷺ : قم يا بلال، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد فجاء إلى النبي- ﷺ ، فقص عليه فصدقه، فقال عمر» (٣).
وتعقب ذلك ابن حجر قائلًا: «سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه: أنه لما قص رؤياه على النبي- ﷺ ، فقال له: ألقها على بلال، فليؤذن بها، قال: فسمع عمر الصوت، فخرج، فأتى النبي- ﷺ ، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى،
стр. 28
فدل على أن عمر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك والله أعلم» (١).
وإذا كان عمر مسبوقًا بالأذان المعروف، كان النداء الذي سبق إليه عمر إنما هو بالدعوة إلى الصلاة بالإعلام المطلق، وليس بالصفة المعروفة (٢).
стр. 29
فمن خلال رواية أنس وابن عمر نستطيع أن نُجْمِل المراحل التي مر بها الأذان:
المرحلة الأولى: ما قاله ابن عمر في الرواية السابقة، أنهم كانوا يجتمعون فيتحينون للصلاة، ليس ينادَى لها.
المرحلة الثانية: النداء بمطلق الإعلام للصلاة، وبه أشار عمر ﵁، ولا يعلم له لفظ مخصوص،
وما أشار به عمر ﵁ كان قد همَّ به الرسول ﷺ قبل عمر.
(ح-٩) فقد روى أبو داود من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة،
سمعت ابن أبي ليلى، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، قال: وحدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين - أو قال - المؤمنين، واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالًا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالًا يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة، حتى نَقَسُوا، أو كادوا أن يَنْقُسُوا، قال: فجاء رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، إني لِمَا رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلًا كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد، فأذن، ثم قعد قعدة، ثم قام، فقال مثلها، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة … الحديث (١).
стр. 30
والحديث فيه اختلاف كثير في وصله وإرساله (١).
(ح-١٠) وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن مُحَمَّدِ بْنِ يحيى الْقُطَعِي، أخبرنَا رَوْحُ بن عطاء بن أبي ميمونة، حدثنا خالد الْحَذَّاءُ، عَنْ أبي قِلَابَةَ، عَنْ أنس ابن مالك، قال:
كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله ﷺ سعى رجل فنادى: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، فَاشْتَدَّ ذلك على الناس، فقالوا يا رسول الله لو اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا. قال: ذلك للنصارى. قالوا: فلو اتخذنا بُوقًا. قال: ذلك لليهود. قال: فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة (٢).
وقد رواه الطبراني في الأوسط، وقال عقبه: «لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن خالد الحذاء إلا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، تفرد به محمد بن يحيى القطعي» (٣).
стр. 31
وقد روي أن النداء للصلاة قبل الأذان كان ينادى بالصلاة جامعة، ولا يصح.
(ح-١١) فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى، قال:
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا سليمان بن سليم القاري، عن سليمان ابن سحيم، عن نافع بن جبير.
قال: وحدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير.
قال: وحدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم.
قال: وحدثنا معمر بن راشد، عن الزهري،
عن سعيد بن المسيب، قالوا: كان الناس في عهد النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي ﷺ : الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أُمِر بالأذان، وكان رسول الله ﷺ قد أهمه أمر الأذان، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: البوق وقال بعضهم: الناقوس فبينا هم على ذلك إذ نام عبد الله بن زيد الخزرجي، فَأُرِي في النوم أن رجلًا مرَّ، وعليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس، قال: فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت:
стр. 32
أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك تقول: … وذكر الأذان.
[هذه المراسيل جاءت من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك] (١).
المرحلة الثالثة: النداء بالأذان المعروف، وبه استقر تشريع الإعلام بالصلاة.
وهذه المرحلة الثالثة يكشف عنها حديث عبد الله بن زيد ﵁،
(ح-١٢) فقد روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فَأَلْقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حديث حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق بإسناده، وثبت سماع محمد بن
стр. 33
عبد الله بن زيد من أبيه] (١).
وهذه الأحاديث السابقة هي التي تعرضت لكيفية تشريع الأذان فهل بين أحاديث الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد تعارض؟
وقد جمع بينها ابن العربي المالكي، فقال: «وجه الجمع بينهما أن النبيَّ ﷺ تشاور مع أصحابه كيف يتحيَّنون وقت الصلاة، فقال بعضهم: نتخذ قرنًا مثل قرن اليهود، وقال بعضهم: نتخذ ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: أوقدوا نارًا، وقال عمر، ﵁: نادوا بالصلاة كأنه يقول: الصلاة الصلاة، لا تفصيل الأذان وكيفيته. فتوقف النبيُّ ﷺ ينظر في ذلك (٢)، فرأى عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب، ﵄، الرؤيا فيه، وسبق عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فأعلمه، وأمر رسول الله ﷺ بذلك وقال: إن هذه الرؤيا حق، وسمع عمر الأمر فأخبر برؤياه، فَحَمِدَ اللهَ رسولُ اللهِ على ما كان من الإرشاد إلى الحق، وألهم إليه من انتظام الأمر» (٣). والله أعلم.
وجاء في رواية أن الشهادة بالرسالة في الأذان كانت من اقتراح عمر، وأقرَّ ذلك رسول الله ﷺ .
(ح-١٣) قال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا بندار، بخبر غريب غريب، أخبرنا أبو بكر -يعني الحنفي- أخبرنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر:
أن بلالًا كان يقول أول ما أذن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة. فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمَّدًا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : قل كما أمرك عمر.
وهذا حديث ضعيف جدًّا (٤).
стр. 34
ثم أُضِيفَ إلى الأذان جملتان:
الأولى منهما: التثويب في صلاة الصبح، ولا يعلم تاريخ معين متى اعتمد الثويب في الأذان.
والثانية: الترجيع، وهذا أضيف إلى الأذان بعد فتح مكة، وسوف أعقد فصلين مستقلين للتثويب والترجيع في صفة الأذان إن شاء الله تعالى.
وهذا ما يتعلق بالجواب على سؤال كيف شرع الأذان.
стр. 35
المبحث الرابع
في فضل الأذان
المدخل إلى المسألة:
• الفضائل لا تثبت بالقياس.
• عظم فضل النداء لاشتماله على الإيمان بالله وتوحيده، وإثبات صفات الكمال له سبحانه، والإيمان برسالة محمد ﷺ ، والدعوة لأعظم العبادات بعد التوحيد.
• ينبغي التزاحم والتنافس على الفوز بالقيام بالعبادات الفاضلة كالأذان.
[م-٤] فضل الأذان يرجع إلى أمرين:
أحدهما: في دلالة ألفاظه.
والثاني: في الأحاديث الواردة في فضله.
أما بيان الأول فيكفي أن تقارن بينه وبين ما اتخذه النصارى واليهود لتعرف ما مَنَّ الله به على هذه الأمة.
فقد اتخذ النصارى الناقوسَ إيذانًا بحلول وقت الصلاة، والناقوس: جرس معمول من حديد مجوف على شكل كوب كبير مقلوب، بداخله قضيب من معدن يحدث صوتًا عند تحريكه بواسطة حبل أو سلسلة.
واتخذ اليهود البوق: وهي أداة مجوفة تشبه قرن الوعل، ينفخ فيها علامةً على وقت الصلاة. وكل هذه أصوات خالية من أي معنى، لا حياة فيها إلا ما اصطلح عليه أهلها.
وهدى الله هذه الأمة لهذا النداء، ولم يكن هذا النداء قائمًا على الدعوة إلى الصلاة فقط، بل اشتمل على الإيمان بالله، وتوحيده، والإيمان برسالة محمد ﷺ .
فكانت كلماتُ الأذان جامعةً لعقيدة الإيمان، فالمؤذن يستفتح أذانه بجملة:
стр. 36
الله أكبر، الدالة على إثبات الذات وما تستحقه من صفات الكمال، والتنزيه عن أضدادها. وحذف المفضل منه للإطلاق: أي أن الله أكبر من كل شيء.
ومن قال: إن أفعل التفضيل ليس على بابه، وأن المراد الله الكبير فلم يصب، قال ذلك تحاشيًا من المفاضلة بين صفات الله وصفات خلقه، وحَمَلَ هذه الصيغة على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فقالوا معناه: وهو هين عليه.
والصحيح أن أفعل التفضيل على بابه في الموضعين، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يخرج عنه إلا لمعارض، ولا معارض.
وبعد أن أثبت الذات وصفات الكمال لله سبحانه، بقوله: الله أكبر من كل شيء، انتقل إلى الإيمان به بتوحيده، فمن كانت هذه صفته فإنه أهل لتوحيده بالعبادة، ولهذا ثنى المؤذن بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه الشهادة عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين.
ثم انتقل إلى شهادة أخرى، وهي متممة للشهادة الأولى، وذلك بقوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، وبها ينال الإيمان بنبوة محمد ﷺ وبرسالته، ولا تقبل الشهادة الأولى من دون الشهادة الثانية، إلا أنها تأتي بعد الإيمان بالله وبوحدانيته، وهاتان الشهادتان يدخل بهما الإنسان الإسلام، وينال بهما العصمة، عصمة الدم، والمال، والعرض. وهي أول ما يدعى إليهما الخلق كما في حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، فإن النبي ﷺ قال له: يا معاذ إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة. الحديث.
وبعد الإقرار بالشهادتين تأتي الدعوة إلى الصلاة، وإنما جاءت الدعوة إلى الصلاة عقب الشهادتين؛ لأن الصلاة لا تقبل ولا يقبل غيرها من الأعمال إلا بعد الإقرار بالشهادتين.
ثم يدعو بعد ذلك إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار
стр. 37
بأمور الآخرة من البعث والجزاء، ثم ختم الأذان بتعظيم الله وتوحيده، فكان آخر الأذان كأوله فأين أصوات الجرس والنفخ بالبوق من هذا، فلله الحمد أن هدانا لهذا الدين.
فدلالة ألفاظ الأذان ناطقة بفضله.
وأما فضل الأذان من حيث الأحاديث التي ترغب فيه، وتتكلم عن فضله فهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب أختار بعضها، وأكتفي بالصحيح منها، من ذلك:
(ح-١٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه،
أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (١).
(ح-١٥) ومنها ما رواه البخاري من طريق مَالِك، عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوًا (٢).
إشارة إلى أنه ينبغي التنافس فيه، والتزاحم عليه ولو بوسيلة الاقتراع على استحقاقه لعظم ثوابه.
(ح-١٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعرج،
عَنْ أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا نُودِيَ للصلاة أَدْبَرَ الشيطان، وله ضُرَاطٌ، حتى لا يسمع التَّأْذِينَ، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أدبر،
стр. 38
حتى إذا قضى التَّثْوِيبَ أقبل، حتى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلَّى (١).
(ح- ١٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق عَبْدَة، عن طلحة بن يحيى،
عن عمه، قَالَ: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة.
وقد اختلف العلماء في معناه:
فقيل: أطول الناس أعناقًا على الحقيقة لا مجاز فيه.
قال النضر بن شميل: إذا ألجم الناسَ العرقُ يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق، وعلى هذا يكون طول العنق على حقيقته، فهم يزيدون على الخلق بطول العنق حتى يظهر أمرهم وفخرهم.
وقيل: معناه على المجاز، واختلفوا في تأويله.
فقيل: معناه أكثر الناس تشوفًا إلى رحمة الله تعالى؛ لأن المتشوف يطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه قال النبي ﷺ : لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فتطاول لها أصحاب محمد أيهم يعطاها. وفي ضده قال الله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
وقيل: معناه أنهم آمنون لا يخافون، فهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق.
وقيل: معناه أكثر أتباعًا، وقيل: أكثر الناس أعمالًا.
ورُوِي إعناقًا، بكسر الهمزة ضربًا من السير، أي سراعًا إلى الجنة غير متثاقلين (٢).
وفي الباب أحاديث أخرى أرجئ ذكرها للمبحث التالي إن شاء الله تعالى.
стр. 39
المبحث الخامس في التفضيل بين الأذان والإمامة
مدخل إلى المسألة:
• التماس الفضل مبني على عظم الأجر، أو على عظم الأثر.
• لم يؤذن رسول الله ﷺ قط، ولا خلفاؤه الراشدون.
• شروط الإمامة أعلى من شروط الأذان.
• استُدِلَ على استخلاف أبي بكر ﵁ في الصلاة على إمامته للمسلمين.
• شرف النداء من شرف المنادى لها.
• الإمامة من المقاصد، والأذان من الوسائل.
[م-٥] اختلف العلماء في التفضيل بين الأذان والإمامة:
فقيل: الإمامة أفضل من الأذان، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية، رجحه الرافعي، ورواية عند الحنابلة (١).
وقيل: الأذان أفضل، اختاره بعض الحنفية، وبعض المالكية، وهو الراجح عند الشافعية، وصححه النووي، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٢).
стр. 40
وقيل: الأذان والإمامة سواء، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، ووجه عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان، قاله جمع من الشافعية، منهم أبو علي الطبري، والقاضي حسين (٢).
• حجة من قال: الإمامة أفضل:
الدليل الأول:
(ح-١٨) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (٣).
(ح-١٩) وروى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٤).