← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 10291–10314 · переход к 10296.

стр. 10291

في المسجد؛ لأن الجماعة واجبة عندهم، وفعلها في المسجد سنة في أصح الروايتين، لقوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ) متفق عليه، وقوله: (رجل) نكرة في سياق الشرط فتعم كل رجل، فذًّا كان أو جماعة، ولم يقيد ذلك على عدم إمكان فعلها في مسجد. وقال ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ) متفق عليه، اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة في أي مكان، ولو لم يكن مسجد، فله أن يصلي إلا ما استثني بدليل، كالمقبرة، والحمام، وأعطان الإبل. ولأن قوله: (فصلِّ) أمر، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، ومن قال: لا تصل إلا في المسجد ففيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث المتفق على صحتها. وقد قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، متفق عليه، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره. فإذا كان المريض يستطيع الصلاة جماعة في البيت قائمًا وإذا ذهب إلى المسجد صلى جالسًا فإنه يصلي في البيت، لأنه لا يمكن أن تقدم فضيلة المكان على ركن من أركان الصلاة، وقد بحثت في المجلد الخامس عشر حكم صلاة الجماعة، وحكم وجوبها في المسجد، فارجع إليهما إن شئت. وعلى التنزل أن الصلاة جماعة واجبة في المسجد، فيقدم تحصيل القيام على تحصيل الجماعة؛ لأن القيام فرض فيها، فلو تركه مع القدرة عليه بطلت صلاته، والجماعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فلو تركه مع القدرة عليه لم تبطل صلاته، وما وجب فيها مقدم على ما وجب لها، والفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها. الدليل الثاني: (ح-٣٥٣٩) ما رواه الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال:

стр. 10292

فما رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (١). غضب النبي كان موجهًا للإمام، وليس للمتخلف، وكان من قبل أن يسأل المصلي المتأخر، أكانت إطالة الإمام موافقة للسنة أم مخالفة لها؟ وإذا كانت الزيادة مخالفة للسنة، أكانت كثيرة شاقة أم يسيرة محتملة، فإذا أقر النبي الرجل على تركه الجماعة للمشقة، ولم يعاتبه على تأخره، ولم يطلب منه تحمل مثل ذلك طلبًا للأجر، فالمريض الذي يشق عليه الذهاب إلى المسجد حتى يحمله ذلك على الصلاة جالسًا إذا سعى إليها، وإن صلى في بيته بقيت له من قوته ما يقدر معه على الصلاة قائمًا هذا الرجل المريض أولى بالمراعاة من ذلك الصحيح الذي ترك الجماعة لإطالة الإمام. دليل من قال: يصلي جالسًا جماعة: الدليل الأول: (ح-٣٥٤٠) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (٢). وجه الاستدلال: قوله: (أتسمع النداء) فهذا الرجل مأمور بإجابة النداء، والنداء سابق على الصلاة، فيأتي بالسابق، فإذا وصل إلى المسجد، فإن قدر صلّى قائمًا، وإلا فلا، وقد يظن أنه إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، ثم يمده الله بنشاط ويستطيع القيام. وأجيب: بأن الحديث معلٌّ متنًا وسندًا.

стр. 10293

أما المتن، فالأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (١). وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟! ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وأن بينه وبين المسجد شجرًا ونخلًا جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم، فليس البحث في العمى، أهو عذر بنفسه في إسقاط الجماعة أم لا، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، ولكن البحث في أعمى لا قائد له، فأصبح غير قادر، لا بنفسه، ولا بغيره إلا بمشقة وأذى قد يتعرض له. والنبي ﷺ رخص للمبصر إذا أقيمت الصلاة وقُدِّمَ العَشاءُ أن يبدأ بالعشاء، ولو فاتته الجماعة، ولم يشترط لتقديم العشاء على الصلاة غلبة الجوع، ولا الخوف على الطعام من الفساد لو أخره إلى ما بعد الصلاة، ورخص في المطر للمؤذن أن ينادي: (صلوا في رحالكم) عند جمهور أهل العلم، والمطر ليس مخوفًا على الحياة كالسباع والهوام، بل وأسقط الشارع الجماعة لشهوة أكل كراث، أو بصل، أو ثوم، فإذا اشتهى الرجل أَكْلَ شيء منها، فله أكله، ويدع الجماعة، أيكون أولئك أولى بالعذر من الرجل المريض الذي ترك الجماعة لمصلحة ركن من أركان الصلاة وهو القيام، أو يكون هؤلاء أولى من الأعمى الذي لا قائد له يقوده إلى المسجد،

стр. 10294

ويخشى على نفسه من السباع، وبينه وبين المسجد نخل وشجر يخشى أن يتعثر فيها. وهذا ما جعل الجوزجاني يقول فيما نقله الحافظ ابن رجب عنه وأقرَّه: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره، بمعنى: لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن مكتوم. والله أعلم» (١). ولو كان الاعتراض على الحديث من جهة المتن فحسب لكنت كرهت هذا الاعتراض على الحديث، خشية أن يقدم النظر على النص، ولكن حين يجتمع الإعلال بالحديث سندًا ومتنًا، فإن هذه علة قادحة في صحة الحديث. أما الإسناد، فقد سبق تخريج الحديث في المجلد الخامس عشر، وأنه لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، وهذا أصح إسناد روي فيه هذا الحديث، وما عداه مما روي مسندًا فلا يصح، وأكثرها لا يصلح للاعتبار. وعبيد الله بن عبد الله ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب، مقبول. والحديث غريب من حديث أبي هريرة، وأبو هريرة له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين كبار أصحابه عن هذا الحديث المهم، والذي يتعلق بأهم العبادات، وهي الصلاة، والسلف لهم عناية بأحاديث الصلاة، فأين سعيد بن المسيب، وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة، ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة.

стр. 10295

الدليل الثاني: (ح-٣٥٤١) ما رواه الإمام مسلم من طريق أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن حتى قال: … ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (١). ونوقش هذا: هذا الخطاب من ابن مسعود ﵁ في مقام الترغيب في صلاة الجماعة، ويظهر أنه رأى في التابعين من يصلي في بيته، ويتخلف عن صلاة الجماعة، والظاهر أيضًا أن هذا الفعل من آحاد الصحابة وليس من غالبهم، بدليل أن النبي وهو القدوة قد سقط من فرسه حتى جحش شقه، وصلى بالبيت، والظاهر أنه لم يبلغ به المرض حتى لا يستطيع أن يأتي إلى الجماعة يهادى بين رجلين، ولم يذكر ابن مسعود ﵁ أن النبي قد رأى هذا الرجل المريض وأقرَّه، وغايته أن يدل على تفضيل الجماعة، ولا يؤخذ منه وجوبها؛ لأن مثل هذا الرجل لا تجب عليه الجماعة بالإجماع، كما يظهر من حالته أنه سوف يصلي جالسًا إن صلى في بيته أو صلى في المسجد، فخرج من الاستدلال به في هذه المسألة، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الرجل إذا جاء المسجد، ثم افتتح الصلاة قائمًا قدر استطاعته امتثالًا لقوله: في حديث عمران بن الحصين: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، فإذا شعر بالضعف شرع له الجلوس، وكتب له العمل قائمًا؛ لأنه إنما جلس للعذر، فحصل له فضيلتان: أجر القيام، وأجر الجماعة، وإذا صلى في بيته جالسًا لم يحصل له أجر الجماعة. ونوقش هذا: بأن الرجل الذي صلى في بيته منفردًا للعذر يحسب له أجر الجماعة أيضًا؛

стр. 10296

لأنه إنما ترك الجماعة من أجل العذر. ثم إن هذا الكلام متوجه في حق رجل لا يشق عليه المشي إلى الصلاة، فإذا جاء إلى المسجد كان فيه بعض القوة ليصلي بعض الصلاة قائمًا وبعضها جالسًا، أما إذا كان المشي إلى المسجد يشق عليه حتى يتسبب له في افتتاح الصلاة قاعدًا خلف الإمام لا يتوجه له القول بالجمع بين القيام والجلوس في الصلاة، فيصلي في البيت قائمًا أولى من صلاته في المسجد جالسًا. جاء في الذخيرة للقرافي: «قد رأينا من يطيق المشي، ولا يطيق القيام، فيصلي هذا جالسًا، فإن كان يطيقه إلا أن الإمام يطول صلى وحده؛ لأن القيام فرض والجماعة سنة» (١). فجعل القرافي المرضى على قسمين: أحدهما: لا يشق عليه المشي، ويشق عليه القيام، فهذا يصلي جماعة جالسًا؛ لأنه إن صلى في البيت أو صلى في المسجد سوف يصلي جالسًا. والثاني: رجل يطيق القيام إلا أن الإمام يطول حتى يشق عليه القيام، فيضطر إلى الصلاة جالسًا، فهذا عند الإمام القرافي يصلى وحده. الدليل الرابع: الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام: فصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. وصلاة الجماعة: تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وفي رواية بخمس وعشرين درجة، فكانت المضاعفة بالجماعة أكثر. ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: القيام فرض بالإجماع، وما تقرب العبد إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه، بخلاف الجماعة، وقد تقدم لك في أدلة القول الأول وجوه ترجيح القيام.

стр. 10297

الوجه الثاني: أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم إنما يكون هذا بشرطين: أن يكون ذلك في صلاة النافلة، وأن يكون مع القدرة على القيام، وأما في الفرض فلا تصح الصلاة قاعدًا بلا عذر، ومع العذر فإن له الأجر كاملًا لا فرق بين الفرض والنفل. دليل من قال: يخير بينهما: تعارض هنا واجبان: واجب الجماعة، وواجب القيام، وليس أحدهما أولى بالترجيح من الآخر، ولأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا، فاستويا. الراجح: أن المصلي يلزمه مراعاة القيام على مراعاة الجماعة في المسجد.

стр. 10298

الفصل الثالث عشر في الرجل إن صلى قائمًا أحدث أو جالسًا لم يحدث المدخل إلى المسألة: شروط العبادة ليست أولى بالمراعاة من العبادة نفسها. العبادة تتكون من مجموعة أركانها، فالعبادة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة إليها، والغايات مقدمة على الوسائل. المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة. الطهارة إذا فعلت لا تبطل بالسلس كالمستحاضة؛ لبقاء حكمها. الجلوس يفعله المصلي باختياره مع قدرته على القيام فيؤاخذ بذلك، والريح يخرج من المصلي مغلوبًا، فليس من كسبه، فلا يُؤَاخَذُ به. [م-١١٤٩] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى قائمًا لم يتحكم بالريح، فتنتقض طهارته، وإنْ صلى جالسًا أمكن مقعدته، فحافظ على شرط الطهارة، أيراعي الركن فيصلي قائمًا، أم يراعي شرط الطهارة، فيصلي جالسًا؟ للعلماء فيها قولان، هما قولان في مذهب المالكية. فقيل: يصلي قاعدًا، اختاره ابن عبد الحكم، وهو المعتمد في مذهب المالكية. وقيل: يصلي قائمًا، اختاره سند من المالكية. وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد السابع، فارجع إليه إن شئت.

стр. 10299

الفصل الرابع عشر إذا قدر على القيام والركوع والسجود لكن إن سجد لم ينهض المدخل إلى المسألة: المكلف مأمور أولًا بما يقدر عليه، ولا ينتقل عنه حتى يتحقق عجزه. الإيماء بالسجود قائمًا مع قدرته عليه؛ لما يتوقع من عجز إن سجد من باب تقديم المظنون على المقطوع، وهذا لا يصح. الحكم في الصلاة لحظة الأداء، وهو في الركعة الأولى قادر على الأركان كلها، وما يحدث في الركعة الثانية غيب. [م-١١٥٠] اختلف العلماء في الرجل يستطيع القيام والركوع والسجود، لكنه إن سجد لم يستطع النهوض للقيام على قولين هما قولان في مذهب المالكية: فقيل: يركع ويسجد في الأولى، ثم يتم صلاته جالسًا، وهذا قول اللخمي وابن يونس والتونسي (١). وقيل: يصلي قائمًا ويركع، ويومئ بالسجود في الثلاث الأول من الرباعية، ثم يركع ويسجد في الرابعة (٢). دليل من قال: يركع ويسجد في الأولى ثم يتم صلاته جالسًا: الدليل الأول: (ح-٣٥٤٢) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني

стр. 10300

الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (١). [تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (٢). فالمكلف مأمور أولًا بما يقدر عليه، ولا ينتقل عنه حتى يتحقق عجزه، فهو في الركعة الأولى قادر على جميع الأركان، من قيام، وركوع، وجلوس، وسجود، فالإيماء بالسجود قائمًا مع قدرته على السجود؛ لما يتوقع من عجز إن سجد من باب تقديم المظنون على المقطوع. الدليل الثاني: قالوا: تقديم القيام للاتفاق على فرضيته، هكذا علل به ابن شاس (٣). ونوقش: بأن السجود في الصلاة ركن بالاتفاق أيضًا، لا تتم الصلاة إلا به، راجع حكم السجود في المجلد العاشر. الدليل الثالث: ولأن تقديم السجود على القيام من ثلاث جهات: الجهة الأولى: السجود لا يقع إلا عبادة بخلاف القيام، فمنه ما هو عبادة، ومنها ما هو عبادة. ونوقش: كون السجود لا يقع إلا عبادة، بخلاف القيام لا يقتضي تفضيل السجود؛ فإن التسبيح والتهليل والذكر لا يقع إلا عبادة، والقيام بالصلاة أفضل منه. الجهة الثانية: من جهة العدد، تفويت ثلاث قيامات يحصل بهن المحافظة

стр. 10301

على ست سجدات كما في الصلاة الرباعية، فيكون السجود أولى بالمراعاة. ويناقش: يضاف إلى الإخلال بثلاث قيامات الإخلال بثلاث ركوعات، فيكون مراعاة ركنين القيام والركوع أولى من مراعاة ركن واحد، وهو السجود. الجهة الثالثة: من جهة الفضل والثواب، فالسجود أفضل من القيام؛ لما في السجود من الخضوع والتذلل لله، وكونه عبادة لا تصرف إلا لله. وقد ورد آيات وأحاديث في فضل السجود، فكان أولى بالتقديم، من ذلك: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. وقال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، فقدم السجود. (ح-٣٥٤٣) وروى الشيخان من طريق عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة من حديث طويل في صفة البعث والشفاعة، وفيه: (كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود). الحديث. (ح-٣٥٤٤) وروى مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. فهذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود. (ح-٣٥٤٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة

стр. 10302

اليعمري، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة. قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان. فدل على أن السجود من أعظم أسباب نيل المطلوب وهو رفع الدرجات، وفي زوال المرهوب، وهو تكفير السيئات. (ح-٣٥٤٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء. فالمصلي قريبٌ من الله في كل حالاته وأقرب ما يكون، وهو ساجد، وفي هذا دليل على فضل السجود لله . ونوقش: بأن المفاضلة بين طول القيام وكثرة السجود مسألة خلافية، وقد سبق بحثها في المجلد العاشر، وفي كل منهما فضل يتميز به عن الآخر، فالقيام خُصَّ بالقراءة، والركوع بتعظيم الرب، والسجود بكثرة الدعاء، فالقيام أفضل من السجود بذكره، والسجود أفضل بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة المنفكة عن الفاعل. دليل من قال: يصلي قائمًا ويركع ويومئ بالسجود: اعتمد أصحاب هذا القول على تفضيل القيام على السجود، (ح-٣٥٤٧) بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله: أفضل الصلاة طول القنوت (١).

стр. 10303

قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (١). ولأن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما. وقد قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. الراجح: أن المصلي يأخذ حكم القادر حتى يتحقق العجز.

стр. 10304

الفصل الخامس عشر ترك القيام أو السجود مع القدرة عليه لإخبار الطبيب المدخل إلى المسألة: خبر الطبيب أمر خاص يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره، فإذا انْضَمَّ إليه غلبة الظن بصدقه قبل قوله. لم يأمر الله برد خبر الفاسق ولا تكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبين، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله. خبر الطبيب الفاسق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب. خبر الطبيب ليس من قبيل الشهادة فيتطلب العدالة والعدد، ولا من قبيل الرواية، فيشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها. إذا كان خبر الطبيب أدنى من الشهادة والرواية لم يتشدد في قبول خبره مع الظن بصدقه. قال تعالى: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير المسلمين، فإذا قبلت شهادة الكافر إذا كان لا يوجد غيره قبل خبره من باب أولى. لا يشترط أن يخبر الطبيب عن يقين، بل يكفي غلبة الظن؛ لتعذر اليقين. قد يتخلف خبر الطبيب ولا يكون ذلك من جهته، ولكن لاختلاف تقبل الأجسام للعلاج، فقد يعتل اثنان بمرض واحد، ويأخذان علاجًا واحدًا، ويشفى أحدهما دون الآخر. العلوم الطبية قائمة على أمرين: البحث والتجربة، والثاني يصدق الأول أو يكذبه، فإذا أخبر شخص عن تجربة قبل خبره ولو لم يكن طبيبًا. إذا قبل المريض تجربة غيره قبل تجربة نفسه من باب أولى. إذا أفطر الصائم بخبر الطبيب، إذا كان الصيام يضره، فكذلك يترك القيام أو السجود ولو كان قادرًا على فعله إذا كان يلحق الضرر به، أو يتسبب في داوم علته.

стр. 10305

[م-١١٥١] إذا أصابه وجع في عينه فأمره طبيب بترك القيام أو السجود، أو ترك الماء، أو أمره بالفطر، فهل له أن يعمل بخبره؟ فقيل: لا يجوز ترك القيام مع القدرة عليه، ولو أخبره طبيب عدل، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية (١). وقيل: له العمل بخبره إذا كان حاذقًا، وأخبر عن علم أو ظن، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في اشتراط إسلامه، وعدالته، وكون الخبر من اثنين، وفي قبول تجربته أو تجربة غيره (٢). ففي اشترط إسلامه: قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون مسلمًا حاذقًا عدلًا، قال الحنفية: ولو ظاهرًا، قال ابن مفلح في النكت: ينبغي أن يكتفى بمستور الحال (٣).

стр. 10306

جاء في كشاف القناع: «وإذا قال طبيب سمي بذلك لفطنته وحذقه مسلم ثقة -أي: عدل ضابط- فلا يقبل خبر كافر ولا فاسق» (١). وقال المالكية: يقبل خبر الطبيب الكافر إذا لم يوجد مسلم، وقال به بعض الشافعية: إذا غلب على ظنه صدقه (٢). وقيل: يقبل خبر المسلم، ولو كان فاسقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣). ولا يشترط أن يخبر عن يقين، بل يكفي غلبة الظن؛ لتعذر اليقين، وهو مذهب الجمهور (٤). جاء في غاية المنتهى: «ولمريض وأرمد يطيق قيامًا الصلاة مستلقيًا لمداواة بقول طبيب مسلم ثقة حاذق فطن، ويكفي منه غلبة ظن» (٥).

стр. 10307

وقيل: عن يقين، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). وفي قبول خبر غير الطبيب: ألحق الحنفية والمالكية والشافعية بالطبيب غلبة ظن المريض باجتهاد عن أمارة أو تجربة، وظاهر كلام الحنابلة أنه لا بد من طبيب (٢). قال المالكية: إذا استند إلى سبب كتجربة في نفسه أو إلى خبر غيره، ولو لم يكن طبيبًا إذا كان موافقًا له في المزاج، أو إلى خبر عارف بالطب، ولو كافرًا عند عدم المسلم العارف به إذا أخبره يقينًا أو ظنًّا، لا شكًّا عمل بقوله (٣). وقال النووي: «ويشترط خبر طبيب مسلم، أو معرفة المتداوي إن عرف» (٤). وقال الرملي: «إن أخبره بكونه … مخوفًا طبيب مقبول الرواية، ولو عبدًا أو

стр. 10308

امرأة، أو عرف هو ذلك من نفسه» (١). فقوله: (مقبول الرواية) إشارة إلى اشتراط إسلامه وعدالته. وجاء في مغني المحتاج: «لو قال طبيب ثقة لمن بعينه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك فله ترك القيام على الأصح» (٢). وقال بعض الشافعية: المعتمد أن تجربة نفسه لا يعول عليها في الأحكام (٣). وفي اشتراط العدد: قيل: يكفي خبر الطبيب ولو كان واحدًا، وهو مذهب الجمهور، والصحيح من مذهب الحنابلة. جاء في الإنصاف: الصحيح من المذهب: جواز فعل ذلك بقول مسلم ثقة، إذا كان طبيبًا حاذقًا فطنًا، وعليه أكثر الأصحاب (٤). وقيل: يشترط أن يكون القول من اثنين فأكثر، وهو ظاهر عبارة ابن قدامة في المغني والكافي والمقنع (٥).

стр. 10309

جاء في معونة أولي النهى: «وقيل: لا بد من اثنين. وعبر جماعة بلفظ الجمع منهم الشيخ في المقنع» (١). هذا تفصيل الخلاف في المسألة، وخلاصة الخلاف يتفرع على النحو التالي: فقيل: ليس له أن يدع القيام مع القدرة عليه، ولو استند ذلك إلى خبر طبيب. وقيل: له ذلك بإخبار طبيب، أو بغلبة ظن بأمارة أو تجربة من نفسه أو من غيره. وهل يشترط إسلام وعدالة المخبر؟ على قولين: فقيل: يشترط إسلامه وعدالته، ولو ظاهرًا. وقيل: يقبل خبر الفاسق إذا غلب على الظن صدقه. وقيل: يقبل قول الكافر، قال المالكية: إذا لم يوجد مسلم، وقال بعض الشافعية: إذا غلب على ظنه صدقه. وقيل: يكفي خبر الطبيب الواحد، وقيل: لا بد من اثنين كالشهادة. وفي قبول غير الطبيب كالاعتماد على مجرب، أو على تجربة نفسه، فيه قولان: أحدهما: يقبل بأمارة أو غلبة ظن. والثاني: لا يعتمد على تجربة نفسه، اختاره بعض الشافعية. هذا ملخص الأقوال في المسألة، والله أعلم. دليل من قال: لا يشترط إسلامه إذا كان ثقة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وجه الاستدلال: قوله: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي من غير المسلمين.

стр. 10310

فإذا قبلت شهادة الكافر إذا كان لا يوجد غيره قبل خبره من باب أولى، ومثله الطبيب قد يتعذر الوقوف على خبره من جهة غيره، فيقبل قوله. الدليل الثاني: (ح-٣٥٤٨) ما رواه البخاري من طريق عروة. عن عائشة ﵂ زوج النبي قالت: واستأجر رسول الله رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (١). الدليل الثالث: خبر الطبيب ليس خبرًا دينيًّا محضًا كالأذان، ودخول شهر رمضان حتى يتطلب العدالة، وإنما المطلوب أن يكون حاذقًا، وأن يغلب على الظن صدقه. دليل من قال: يقبل خبر الفاسق إذا غلب على الظن صدقه: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. فلم يأمر الله سبحانه برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبَيُّن، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله. الدليل الثاني: إذا جاز الأخذ بالظن إذا تعذر العلم كما في الاجتهاد في القبلة، جاز اعتماد خبر الفاسق عند تعذر خبر العدل. الدليل الثالث: خبر الطبيب الفاسق وغيره من الفساق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب، وكثير من الفساق يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه لضعفه أمام بعض الشهوات، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق،

стр. 10311

وبه قال ابن القيم ﵀ (١). ولو أخبر جماعة من الفساق بلا مواطأة قبل خبرهم؛ لأن العدد قرينة تقوي جانب الصدق (٢). دليل من قال: يشترط أن يكون الطبيب مسلمًا عدلًا: من شروط قبول الخبر: العدالة، فلا يقبل خبر الفاسق؛ فضلًا عن الكافر؛ لأنه ليس من أهل الرواية، ولا من أهل الشهادة، ولا يقبل خبر مستور الحال؛ لأنه مجهول الحال. ولأن الخبر أمانة، والفاسق تتطرق له التهمة، فقد لا يتحرز من الكذب. دليل من قال: يقبل خبر مستور الحال: أمرنا الله بالتبين من خبر الفاسق، والمستور ليس بمحَقَّقِ الفسق؛ والمقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق، وليس المراد ثبوت العدالة المطلقة، فكل من لم يثبت جرحه، ولو لم تُعْلَمْ عدالته الباطنة يقبل خبره. ولا يقاس خبر الطبيب على الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها، ما لا يحتاط لغيرها. دليل من قال: لا بد من خبر اثنين: قاسوا خبر الطبيب على الشهادة، ولأن الأمر يتعلق بإسقاط بعض أركان الصلاة مع القدرة عليها، فيتطلب الاحتياط لأعظم أركان الإسلام العملية تقليلًا للوهم. دليل من قال: يكفي الطبيب الواحد: ما يذكره الطبيب من قبيل الإخبار، وليس من قبيل الشهادة حتى يتطلب العدد، فهو أشبه بالرواية، والتي يقبل فيها خبر الواحد، ذكرًا كان أم أنثى بل إن خبر الطبيب أدنى من الرواية؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة بخلاف خبر الطبيب.

стр. 10312

دليل من قال: لا يترك الركن في الصلاة مع القدرة عليه لخبر الطبيب: (ث-١٠٠٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس قال: لما كف بصره أتاه رجل، فقال له: إن صبرت لي سبعًا، لا تصلي إلا مستلقيًا داويتك ورجوت أن تبرأ عينك. قال: فأرسل ابن عباس إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب محمد ﷺ ، قال: فكلهم يقولون: أرأيت إن مت في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فترك عينه، فلم يداوها. [رجاله ثقات إلا أن المسيب لم يسمع من ابن عباس] (١). وأجيب عن هذا الأثر أجوبة منها: الجواب الأول: إن صح الأثر فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، ولا بد من جزم الطبيب بذلك. ونوقش هذا: الطب والعلاج قائم كله على الظن، وطلب اليقين متعذر، وغالب مسائل الفقه هي ظنية، ومع ذلك لم يمنع الشرع من التزام دلالتها من وجوب أو تحريم أو كراهة أو استحباب. الجواب الثاني: يحتمل أنه لم يقبل خبره لكونه واحدًا، ولا بد من اثنين.

стр. 10313

ورد بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن الأثر معلل بقولهما: (أرأيت إن مت في هذه السبع) فخوفاه بالموت في أثناء العلاج، وليس لما اعترض به، والتعليل بالموت في أثناء العلاج، هل هذا القيد له مفهوم، بمعنى أنه إذا لم يمت في مدة العلاج فلا مانع من الصلاة مستلقيًا، فكأنهما يريان أن عليه القضاء إذا انتهت مدة العلاج، أو يكون ذكر الموت في أثناء العلاج للموعظة بأنك قد تركت أركان الصلاة مع القدرة عليها بقصد التمتع بنعمة الإبصار، وباغتك الموت، فلم تحصل على ما تريد. وفي كلا التفسيرين لا يمنع هذا من تعاطي العلاج، فقد يعيش المريض ويموت الصحيح، وترك طلب الاستشفاء لخوف الموت ضعيف جدًّا، والراجح أيضًا أنه إذا مات في أثناء العلاج فلا قضاء عليه، ولو قيل عليه القضاء فقد مات قبل التمكن منه، فبرئت ذمته. الجواب الثاني: يحتمل أنهما لم يقبلا خبره لكون الطبيب واحدًا، ولا بد فيه من اثنين. ورد هذا: بأن هذا التعليل ضعيف من جهتين: من جهة أنه لم يذكر في الأثر، فالتعليل به تعليل لما لم يذكر، وإعراض عن التعليل الذي ذكر، وهو خوف الموت في أثناء العلاج. وضعيف أيضًا من جهة الفقه؛ لأن خبر الطبيب ليس من قبيل الشهادة التي تتطلب شهادة عدلين اثنين، بل هي من قبيل الإخبار، وإذا كانت الرواية والتي تتعلق بالتشريع العام لعموم المسلمين، وعلى وجه التعبد، ويحتاط لها؛ صونًا للدين أن يزاد فيه ما ليس منه يقبل فيه خبر الواحد رجلًا كان أو امرأة فما بالك بخبر الطبيب؟ الجواب الثالث: يحتمل أنهما لم يقبلا خبره لكونه مجهول الحال.

стр. 10314

ورد هذا: بأن هذا التعليل بعيد؛ لأن الفاسق المتحقق الفسق أمرنا الله بالتبين من خبره، ولم يأمرنا برده، فما بالك بالمستور، والذي ليس بمحَقَّقِ الفسق؛ فالمقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق، وليس المراد ثبوت العدالة المطلقة، فكل من لم يثبت جرحه، ولو لم تُعْلَمْ عدالته الباطنة يقبل خبره، وإذا كان يقبل خبر المؤذن مستور الحال، وهو يتعلق بركنين من أركان الإسلام: الصلاة والإفطار، فما بالك بخبر الطبيب. الجواب الرابع: يحتمل أنهما لم يقبلا خبره؛ لقصور علمه. ورد هذا: لو كان هذا هو سبب الرد لطلب تعزيزًا لخبره من طبيب آخر، ولم يعللاه بالموت في أثناء العلاج. وكل هذه الأجوبة والردود عليها هي في افتراض صحة الأثر، ولم يصح. الراجح: جواز قبول خبر الطبيب إذا كان موثوقًا بعلمه، ولم يجرب عليه كذبًا، والتداوي عند جمهور أهل العلم من العمل المباح، غير محظور، وقد كرهه بعض السلف، فأخذه لا ينافي التوكل، وتركه لا يعد من ترك الأسباب؛ لأن الإنسان قد يشفى بلا دواء، وقد يأخذ الدواء، ولا يشفى، ولو كان من الأسباب لما تخلف، وحكم التداوي مسألة أخرى لا أريد أن أخوض فيها في كتاب الصلاة، والله أعلم. تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه، في تاريخ ٧/ ١١/ ١٤٤٥ هـ