← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

زاد في رواية: فإن لم تستطع فمستلقيًا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وهذا الحديث قد استدل به الشافعية على وجوب الصلاة على جنب للأمر بالصلاة به إذا عجز عن الصلاة قاعدًا، وأن صلاته مستلقيًا إنما يكون عند عجزه عن الصلاة على جنب. وأجيب بأجوبة منها: الجواب الأول: قد أعلَّ الترمذي هذا الحديث بتفرد إبراهيم بن طهمان، وقد رواه أحد عشر

стр. 10257

راويًا عن حسين المعلم، فجعلوه في صلاة النافلة من غير المعذور، وقد أبان لك تخريج الحديث عن هذا الاختلاف، وقد تجنب مسلم تخريج حديث عمران بن الحصين، وأخرجه الإمام البخاري. الجواب الثاني: تفرد حسين المعلم بجعل صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد، وإنما يروى عن النبي من وجوه في صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم من غير المعذور، وهي مسألة أخرى غير مسألة الباب. الجواب الثالث: من جهة دلالة حكمه، فحديث عمران أمر بالصلاة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، والفقهاء كلهم على أن ذلك على سبيل الوجوب، ثم قال: فإن لم تستطع فعلى جنب، والجمهور على أن ذلك سبيل الاستحباب فلو صلى مستلقيًا على ظهره صحت صلاته، خلافًا للشافعية، فما الذي جعل الصلاة على جنب على سبيل الاستحباب، بينما الصلاة قائمًا وقاعدًا على سبيل الوجوب، والحديث سياقه واحد؟ الجواب الرابع: قال الكاساني: «المراد من الآية الاضطجاع، يقال: فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان مستلقيًا، وهو الجواب عن التعلق بالحديث، على أن الآية والحديث دليلنا؛ لأن كل مستلق فهو مستلق على الجنب؛ لأن الظهر متركب من الضلوع فكان له النصف من الجنبين جميعًا» (١). ونوقش هذا: جاء في القاموس: «الجَنْبُ، والجانِبُ والجَنَبَةُ مُحرَّكَةً: شِقُّ الإِنْسَانِ وغَيْرِه» (٢). وفي المصباح المنير: «جنب الإنسان ما تحت إبطه إلى كشحه، وَالْجَمْعُ جُنُوبٌ، مِثْلُ: فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَالْجَانِبُ النَّاحِيَةُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْجَنْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ

стр. 10258

نَاحِيَةٌ مِنْ الشَّخْصِ» (١). الجواب الخامس: أن عمران كان مرضه باسورًا، فكان لا يمكنه أن يستلقي على قفاه (٢). وأجيب: لا يصح حمل حديث عمران على الخصوص لأمرين: الأول: أن الأصل في أحكام الشارع أن تكون لعموم الأمة. الثاني: أن النبي ﷺ أراد من جواب عمران بيان صفة صلاة المريض على وجه العموم؛ ومع جميع أحوال المريض؛ لأن البواسير لا تمنع المصلي من الصلاة قائمًا، ولا راكعًا، ولا ساجدًا، ومع ذلك جاء الحديث بالأمر بالصلاة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، فكان الجواب أعم من السؤال. وقد ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب (٣). وترجم له ابن ماجه: باب ما جاء في صلاة المريض (٤). وقال الخطابي في شرح البخاري: «وفيه أنه أمره أن يصلي على جنب لا مستلقيًا على قفاه» (٥). الدليل الثالث: (ح-٣٥٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق حسن بن حسين العُرَني، حدثنا حسين ابن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة،

стр. 10259

فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة. [ضعيف جدًّا] (١). وجه الدلالة من الحديث: قوله: (فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا): صريح في أن صلاته مستلقيًا إنما تكون بعد عجزه عن الصلاة على جنبه. ورد هذا: بأن الحديث ضعيف جدًّا، فلا حجة فيه. دليل من قال: يستلقي على ظهره: الدليل الأول: (ح-٣٥٣١) ما رواه البخاري من طريق الحسين، عن أبي بريدة قال: حدثني عمران بن حصين، وكان مبسورًا، قال: سألت رسول الله عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد (٢). وجه الاستدلال: أنه ذكر ثلاثة أحوال في صفة الصلاة القائم، والقاعد، والنائم، وهو وإن كان ذلك في صلاة النفل مع القدرة، فالأصل أن صلاة النفل تشبه صلاة الفرض، والفرق

стр. 10260

أن هذه الأحوال تجوز في النفل مطلقًا، ولا تجوز في صلاة الفرض إلا مع العجز. وأجيب: بأن رواية ابن طهمان قد بينت صفة صلاة النائم، وأن ذلك على جنب، والمفصل قاضٍ على المجمل. الدليل الثاني: احتج الحنفية في كتبهم بما روي عن ابن عمر ﵄، عن النبي أنه قال في المريض: إن لم يستطع قاعدًا فعلى القفا يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أولى بقبول العذر. [لا يعرف له إسناد، ولا وجود له في كتب الأحاديث والآثار، والمعروف وقفه على ابن عمر كما في الأثر التالي] (١). وأجيب: لا يصح في الاستلقاء على الظهر سنة مرفوعة. الدليل الثالث: (ث-١٠٠٢) روى عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر، عن عبيد الله أبيه، عن نافع، أن ابن عمر قال: يصلي المريض مستلقيًا على قفاه تلي قدماه القبلة. [صحيح] (٢). (ث-١٠٠٣) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جبلة بن سحيم، قال: سمعت ابن عمر يسأل، أيصلي الرجل على العود، وهو مريض؟ فقال:

стр. 10261

لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثانًا، من استطاع أن يصلي قائمًا فليصلِّ قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا يومئ إيماء. [صحيح] (١). وأجيب: بأن الموقف لا يعارض به حديث عمران بن الحصين المرفوع. قال البيهقي: «وهو محمول على ما لو عجز عن الصلاة على جنبه» (٢). الدليل الرابع: قالوا: إن المصلي مستلقيًا على ظهره يكون مستقبلًا للقبلة بوجهه وبصدره وبقدميه وبجميع أعضائه التي يكون السجود عليها لو كان يطيق الصلاة قائمًا، وعلى الحال التي لو ذهبت علته وأطاق القيام في الصلاة استوى قائمًا في قبلته كهيئته بخلاف من صلى مضطجعًا إلى قبلته (٣). ولأن من صلى مستلقيًا على قفاه إذا أومأ برأسه في حالتي الركوع والسجود أومأ إلى القبلة، ومن صلى مضطجعًا على جنبه إذا أومأ برأسه أومأ إلى غير القبلة. ويجاب: الصحيح القائم: إذا ركع أو سجد صار وجهه إلى الأرض، وليس إلى القبلة ولا يعد ذلك منافيًا للتوجه إلى القبلة.

стр. 10262

الراجح: تقديم الصلاة على جنب لحديث عمران بن حصين إن سلم من تفرد إبراهيم ابن طهمان فهو حجة في وجوب الصلاة على جنب لمن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، وإلا كان الأمر واسعًا إن شاء صلى على جنبه، وإن شاء صلى على قفاه ورجلاه إلى القبلة، فكل ذلك يصدق على أنه صلى مضطجعًا؛ لتعذر الجلوس، والله أعلم.

стр. 10263

الفصل السابع صفة صلاة العاجز عن الإيماء المدخل إلى المسألة: لا يجوز إثبات هيئة في الصلاة إلا بدليل. إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه؛ لأن التكاليف تناط بالقدرة. التعويض عن الساقط لا يعرف إلا من جهة الشرع، ولم يأت قرآن ولا سنة، بالتعويض عن الإيماء بالرأس بالإيماء بالطرف، ولا بالصلاة بالقلب. الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز به الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود. [م-١١٤٣] اختلفوا في سقوطها عنه إذا عجز عن الإيماء. فقيل: تسقط الصلاة عنه، ولا يلزمه الإيماء بعينه وحاجبه، ولا بقلبه، وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (١).

стр. 10264

وكأن هذا القول يرى أن المصلي إذا عجز عن أفعال الصلاة سقطت عنه، ولا عبرة بقدرته على الأقوال ولا بقدرته على النية. وقيل: إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتًا، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال زفر والحسن بن زياد من الحنفية (١).

стр. 10265

قال القرافي: «فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينيه وقلبه» (١). فجمع بالصلاة بين الطرف والقلب، ولم يذكر صلاته بقلبه وحده. وظاهره: أنه لو عجز عن الإيماء بطرفه سقطت عنه، والإيماء بالطرف ملحق بالقدرة على الفعل، وإنما جاء ذكر القلب مع الإيماء بالطرف؛ لأن الإيماء بالطرف وحده لا يتميز به الركوع عن السجود، وأشار إليه ابن مفلح في النكت (٢). وجاء في النوادر والزيادات: «وإذا لم يقدر المريض على التكبير والقراءة بلسانه، فلا يُجْزِئُهُ أَنْ ينوي ذلك بغير حركة اللسان، بقدر ما يطيق» (٣).

стр. 10266

وقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه ونوى بقلبه» (١). ولم يذكر الصلاة بالقلب وحده، وكذلك فعل صاحب المنتهى من المتأخرين وتابعه في غاية المنتهى، خلافًا لصاحب الإقناع. وقال ابن قدامة في المغني: «وإن لم يقدر على الإيماء برأسه، أومأ بطرفه، ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله» (٢). قال ابن مفلح: «يحتمل أنه أراد: إذا عجز عن الإيماء بطرفه سقطت الصلاة، ويكون قوله: ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتًا، يعني: على الوجه المذكور، وهو قدرته على الإيماء بطرفه» (٣). وقال في المنتهى: «فإن عجز أومأ بطرفه ناويًا مستحضرًا الفعل والقول إن عجز عنه بقلبه، كأسير خائف ولا تسقط» (٤). قال البهوتي في شرح المنتهى: «(ولا تسقط) الصلاة عن مريض ما دام ثابت العقل؛ لقدرته على الإيماء بطرفه مع النية بقلبه» (٥). فعلل عدم السقوط لقدرته على الإيماء مع النية، ولم يحمل قوله: ولا تسقط: أي ينوي بقلبه وحده. ونقل ابن الهمام عن محمد بن الحسن أنه قال: «لا أشك أن الإيماء برأسه يجزئه، ولا أشك أنه بقلبه لا يجزئه، وأشك فيه بالعين» (٦). وقيل: ذكر القلب على وجه التخيير: إن شاء صلى بطرفه، وإن شاء صلى بقلبه. جاء في الإنصاف: «قال في التبصرة: صلى بقلبه أو طرفه. وقال القاضي في الخلاف وتبعه في المستوعب: أومأ بعينيه وحاجبيه، أو

стр. 10267

قلبه. وقاس على الإيماء برأسه» (١). وقال ابن مفلح في النكت: «ذكر في المستوعب أنه يومئ بطرفه أو بقلبه، وظاهره الاكتفاء بعمل القلب، ولا يجب الإيماء بالطرف، وليس ببعيد». وقال في الفروع: «وظاهر كلام جماعة: لا يلزمه الإيماء بطرفه، وهو متجه لعدم ثبوته» (٢). وقيل: يصلي بطرفه فإن عجز صلى بقلبه، وبه قال زفر من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، واقتصر ابن بشير من المالكية على الصلاة بقلبه، ولم يذكر الإيماء بطرفه، ونص عليه صاحب الإقناع (٣). قال النووي: «فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه. فإن عجز عن تحريك الأجفان، أجرى أفعال الصلاة على قلبه. فإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلًا، لا تسقط عنه الصلاة» (٤). وقال الغزالي: «إن لم يبق في أجفانه حراك فيمثل الأفعال في قلبه، حتى إن خرس لسانه يجري القراءة على قلبه، وذلك كله لقوله ﵊: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٥). قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا لم يقدر أن يصلي؟ قال: لابد من شيء إذا كان يعقل، إلا أن لا يعقل (٦). وقال في الإقناع: «فإن عجز أومأ بطرفه ونوى بقلبه … فإن عجز فبقلبه مستحضرًا القول والفعل، ولا تسقط الصلاة حينئذ مادام عقله ثابتًا» (٧).

стр. 10268

وعلى هذا القول لا تسقط الصلاة بالعجز عن الأفعال والأقوال ما دام قادرًا على الصلاة بقلبه. فصارت الأقوال فيما إذا عجز عن الإيماء أربعة: قيل: تسقط الصلاة عنه لعجزه عن الفعل. قيل: يومئ بطرفه وينوي بقلبه، فإن عجز سقطت الصلاة عنه. وقيل: يتخير، إن شاء أومأ بطرفه أو صلى بقلبه. وقيل: يومئ بطرفه، فإن عجز صلى بقلبه. والله أعلم. دليل من قال: إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٥٣٢) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (١). وجه الاستدلال: هذا أصح نص ورد في صلاة المريض على اختلاف في لفظه، وليس فيه ذكر الإيماء بالعين ولا الصلاة بالقلب، وما كان ربك نسيًا، وإذا لم يثبت الصلاة بالإيماء بالطرف والقلب سقطت الصلاة؛ لأن الأصل عدم الوجوب. الدليل الثاني: (ح-٣٥٣٣) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (٢). فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، فإذا عجز عن الأفعال سقطت، وإن كان

стр. 10269

قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال. الدليل الثالث: إذا عجز عن الواجب سقط؛ لأن التكليف مناط بالقدرة، والتعويض عن الساقط لا يعرف إلا من جهة الشرع، ولم يأت قرآن ولا سنة، بالتعويض عن الإيماء بالرأس بالإيماء بالعين ولا بالقلب. الدليل الرابع: الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز به الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، قاله شيخ الإسلام. دليل من قال: إذا عجز عن الإيماء صلى بقلبه: الدليل الأول: الصلاة أفعال وأقوال بنية، فإن عجز عن الثلاثة سقطت الصلاة، وما قدر عليه منها لم يسقط عنه، بل يجب عليه أن يأتي بما قدر عليه؛ لأن من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه أتى بما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه. فلو عجز عن الفعل أتى بالقول مصحوبًا بالنية، ولو عجز عن الفعل والقول صلى بقلبه ناويًا الفعل والقول، ولا يترك الصلاة. قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال ﵊: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) (١). وللقاعدة الفقهية: المقدور لا يسقط بالمعسور. ويجاب: النية هي القصد إلى الصلاة، وهي تتقدم الصلاة، ولا تكفي النية وحدها للدخول في الصلاة، ولو كانت النية من ماهية الصلاة لكان المصلي يشرع بالصلاة بمجرد نيتها، ويحرم عليه ما يحرم على المصلي، والإجماع أن المصلي لا يشرع بالصلاة إلا بتكبيرة الإحرام. والنية ملحقة بالشروط، وشروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود

стр. 10270

الصلاة ولا عدمها، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة. الدليل الثاني: أمر الله بالصلاة حال القتال، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فإذا أمر بالصلاة مع الخوف وحال شدة القتال، وقد لا يستطيع معه المجاهد الأذكار القولية، ولا يتمكن من الإيماء بأفعالها، فلا يبقى له من صلاته إلا نية الصلاة، فكذلك هنا. قال القرطبي: «إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه» (١). ويجاب: لم تسقط الصلاة حال الخوف لقدرة المجاهد على الإيماء؛ لأن الجهاد إذا لم يمنع المجاهد من الحركة لم يمنعه من الإيماء؛ لأنه من جملة الحركات التي يقدر عليها المجاهد حال الكر والفر. ولو فرض أن المجاهد لا يقدر على الأفعال والأقوال لم يصل بالنية وحدها بل يؤخر الصلاة إلى حين تضع الحرب أوزارها، ودليله حديث أنس في فتح تُسْتَر، فإن الصحابة أخَّروا صلاةَ الفَجر عن وقتها إلى الضُّحى حتى فَتَح اللَّهُ عليهم. وعليه يُحمل تأخير النَّبيِّ الصلاة عن وقتها يوم الخندق الصلاةَ؛ فإنَّ النبيَّ قال: شَغلونا عن الصَّلاة الوسطى، فلم يستطع أن يصلِّيَها في وقتها. وغزوة الخندق كانت في السَّنةِ الخامسة، وغزوة ذات الرِّقاع كانت في السَّنة الرَّابعة على المشهور، وقد صلَّى فيها صلاة الخوف، فتبيَّن أنَّه أخَّرها في الخندق لشدَّة الخوف. دليل من قال: يتخير بين الإيماء بالطرف مع النية بالقلب أو الصلاة بقلبه: المصلي مخير إن شاء أومأ بطرفه ونوى بقلبه؛ لأن نية القلب لا بد منها؛ لأن به يتميز الركوع من السجود، والقيام من القعود، وإن شاء اقتصر على الصلاة بقلبه؛

стр. 10271

ولم يلزمه الإيماء بطرفه، قال ابن مفلح: «وهو متجه لعدم ثبوته» (١). فلما كان الواجب هو الصلاة بالقلب، كان الإيماء بالطرف إن شاء المصلي فعله وإن شاء تركه. الراجح: إذا كان المصلي لا يلزمه الإيماء بطرفه؛ لعدم ثبوته، لم يلزمه الصلاة بقلبه؛ لأن النية ليست من ماهية الصلاة، بل من شروطها، والشروط تتقدم عليها، والله أعلم.

стр. 10272

الفصل الثامن إذا قدر على القيام والجلوس وعجز عن الركوع والسجود المدخل إلى المسألة: القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به، كالقراءة، والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه، ومثله يقال في الجلوس. لا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه. العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدل عن القيام، والإيماء بدل عن الركوع والسجود، والأذكار بدل عن العجز عن القراءة، والبدل له حكم المبدل. وإن لم يكن له بدل سقط. [م-١١٤٤] اختلف العلماء في المصلي يكون قادرًا على القيام والجلوس ويعجز عن الركوع والسجود: فقال الحنفية: إن قدر على القيام والجلوس، ولم يقدر على الركوع والسجود صلى قاعدًا يومئ إيماء، وإن صلى قائمًا أجزأه (١). وقال الجمهور: إن قدر على القيام والجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود

стр. 10273

أومأ بالركوع قائمًا، وأومأ بالسجود جالسًا، وبه قال زفر من الحنفية (١). وقال المازري: «لا يخلو القائم: أن يقدر على الجلوس ليسجد، أو لا يقدر على ذلك. فإن قدر على ذلك وعجز عن الركوع أيضًا صلى قائمًا وأومأ للركوع، ثم جلس وأومأ للسجود» (٢). وقال اللخمي: «وإذا كان بالمصلي ما يمنعه من الركوع والسجود دون القيام والجلوس؛ فإنه يستفتح الصلاة قائمًا، فيقرأ، ثم يومئ للركوع، ثم يجلس، ثم يومئ للسجود» (٣). وجاء في دقائق أولي النهى: «ومن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود، أومأ بركوع قائمًا؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه، وأومأ بسجود قاعدًا؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، وليحصل الفرق بين الإيماءين» (٤). حجة الحنفية: الحجة الأولى: أن القيام ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة؛ لما فيه من نهاية التعظيم.

стр. 10274

قال في الهداية: «وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، ويصلي قاعدًا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيه من نهاية التعظيم» (١). وقال الكاساني: «ولأن السجود أصل، وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا كان السجود معتبرًا من دون القيام، كما في سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرًا بدون السجود، بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة» (٢). الحجة الثانية: وقال ابن نجيم: «القيام ليس بركن مقصود؛ ولهذا جاز تركه في النفل من غير عذر» (٣). ولأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، فسقط فيها القيام كصلاة النافلة على الراحلة. ونوقش هذا من وجوه: الوجه الأول: أن طول القيام أفضل من كثرة السجود، وهو قول الإمام أبي حنفية، وأحد القولين عن محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره ابن رشد في التحصيل، وهو رواية عن أحمد (٤).

стр. 10275

فكيف يكون طول القيام أفضل عند الحنفية على كثرة السجود، مع قولهم: إن القيام عندهم تبع للسجود، وليس مقصودًا لذاته، وإذا لم يستطع السجود لم يلزمه القيام؟ وقد بحثت في مبحث مستقل: في تفضيل القيام على كثرة السجود، فارجع إليه إن شئت (١). الوجه الثاني: لا تلازم بين وجوب الركوع ووجوب القيام، فالنافلة يجب فيه الركوع، ولا يجب فيها القيام، وصلاة الجنازة لا سجود فيها، ويجب فيها القيام. الوجه الثالث: اختلف الفقهاء في القيام، أهو مقصود لذاته أم مقصود لغيره؟ وإذا كان مقصودًا لغيره، فما هو المقصود من القيام؟ فقال الحنفية: المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة. وقال المالكية: المقصود من القيام هو القراءة؛ ولذلك كان القيام مقدرًا بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود. وقال الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية: القيام والقراءة كل منهما ركن مقصود بذاته، وهو الراجح؛ لأن القيام جزء من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه فيجب فعله عند تعذر غيره، ولا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه. (ح-٣٥٣٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله: أفضل الصلاة طول القنوت (٢). وقد بحثت هذه المسألة على وجه الاستقلال في المجلد السابع، وبينت الراجح فيها فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (٣).

стр. 10276

قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (١). ولأن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما. دليل من قال: يلزمه القيام والسجود ويومئ بالركوع قائمًا وبالسجود جالسًا: الدليل الأول: أمر الله بالقيام فقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. الدليل الثاني: (ح-٣٥٣٥) وروى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (٢). [تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (٣). وجه الاستدلال: علق الشارع جواز الصلاة قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن السجود كما هو مذهب الحنفية، ولا بشرط العجز عن القراءة كما هو مذهب المالكية. الدليل الثالث: (ح-٣٥٣٦) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: إذا كان المريض لا يستطيع ركوعًا ولا سجودًا أو مأ برأسه في الركوع والسجود وهو يكبر.

стр. 10277

[صحيح] (١). ولأن القيام إذا كان ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه، فلا يسقط الركن بالعجز عن إدراك ركن آخر، ومثله يقال في الجلوس. وليس القيام جزءًا من القراءة حتى يسقط بالعجز عنها، ولا جزءًا من السجود حتى يسقط بالعجز عن السجود. الراجح: قول الجمهور، وأن العاجز عن الركوع والسجود فقط يلزمه القيام والسجود لقدرته عليهما، ويومئ بالركوع قائمًا، ويومئ بالسجود جالسًا، والله أعلم.

стр. 10278

الفصل العاشر [¬*] إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي المدخل إلى المسألة: لا يسقط السجود بالوجه إذا عجز عن الباقي. الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا. كل ما كان جزءًا من العبادة، وهو مشروع في نفسه، فيجب فعله مع القدرة عليه عند تعذر فعل الجميع. [م-١١٤٥] إذا قدر المصلي على السجود بالوجه، وعجز عن السجود على غيره كما لو قطعت يده، أو أصابع قدمه، فإنه يسقط عنه السجود على ذلك العضو، ولا يسقط عنه السجود بالوجه مع القدرة عليه بالاتفاق. قال الخطيب في مغني المحتاج: «محل وجوب وضع هذه الأعضاء إذا لم يتعذر وضع شيء منها، وإلا فيسقط الفرض، فلو قطعت يده من الزند لم يجب وضعه، ولا وضع رجل قطعت أصابعها لفوت محل الفرض» (١). وقال ابن قدامة: «وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء، سجد على بقيتها» (٢). وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد العاشر، فارجع إليه إن شئت (٣).

стр. 10279

مبحث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي المدخل إلى المسألة: إذا ذكر القرآن أعضاء السجود خَصَّ الوجه بالذكر، فكان دليلًا على أنه هو المقصود أصالة بالسجود، والباقي تبع. الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا. لو لزمه السجود على هذه الأعضاء كما يلزمه السجود على الجبهة للزمه الإيماء بها في حال العجز، كما لزمه الإيماء بالجبهة في حال العجز عن السجود على الوجه. الإيماء بدل عن السجود، فلو ألزم بالسجود على بقية الأعضاء لجمع فيه بين البدل والمبدل منه. [م-١١٤٦] إذا عجز عن السجود بالجبهة والأنف، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فهل يلزمه ذلك؟ أما القائلون بأن السجود على الأعضاء الأربعة مستحب، وهو قول الجمهور فلا يلزمه ذلك؛ لأنه إذا لم يلزمه في حال القدرة، ففي حال العجز من باب أولى، وأما على القول بالوجوب، فاختلفوا. فقيل: لا يلزمه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 10280

قال ابن رجب في القواعد: «المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح؛ لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا للسجود على الوجه وتكميلًا له» (١). وقيل: يلزمه ذلك، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ومال إليه الخلوتي في حاشيته على منتهى الإرادات (٢). وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد العاشر، فارجع إليه إن شئت (٣).

стр. 10281

الفصل الحادي عشر إذا طرأ العجز في أثناء الصلاة أو ارتفع في أ ثنائها المدخل إلى المسألة: ما سقط عن المكلف لا تعاد الصلاة بسببه. ما ترتب على المأذون غير مضمون. كل من أدى فرضه امتثالًا لأمر الشارع لم يطلب منه الإعادة إذا قدر، لا فرق في ذلك بين أن يكون في أثناء الصلاة أو بعدها إلا في عودة الحدث كوجود الماء للمتيمم أثناء الصلاة. الأصل عدم الإعادة إلا بدليل، ولم يثبت أمر من الشارع في الإعادة لمن صلى عاجزًا ثم قدر، ولا للعاري إذا صلى عاجزًا عن ستر العورة ثم قدر على السترة. كل من دخل في صلاته بإذن من الشارع إما لعجز، أو لاجتهادٍ سائغٍ وشَرَعَ في العبادة على وجه مأذون له فيه، ثم قدر أو تبين له الخطأ في أثناء الصلاة فإنه ينتقل، ويبني. تحول الصحابة عن القبلة وهم في الصلاة حين أخبروا بتحويل القبلة، وبنوا على صلاتهم، فكذلك المريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا أو مضطجعًا ثم قدر على القيام فإنه يتحول، ويبني على ما مضى من صلاته. إذا جاز للمصلي أن يفتتح صلاة التطوع قاعدًا ثم يقوم، ويبني على ما صلى وكان هذا جائزًا بالإجماع، جاز ذلك في المعذور إذا صلى قاعدًا، ثم زال العذر. الحكم يدور مع علته، فإن عجز صحيح أثناء الصلاة قعد، وإن صح مريض قام. [م-١١٤٧] لو افتتح الصلاة قائمًا ثم طرأ عليه مرض بنى على ما صلى، سواء صلى قاعدًا أو مضطجعًا، وبه قال الجمهور، وهو الأصح من قولي أبي حنفية (١).

стр. 10282

جاء في الأصل للشيباني: قلت: أرأيت رجلًا افتتح الصلاة، وهو صحيح قائم، ثم أصابه وجع، فلم يستطع أن يصلي إلا قاعدًا يومئ إيماء، أو مضطجعًا يومئ إيماء، أيصلي بقية صلاته بالإيماء وقد صلى بعضها قائمًا؟ قال: نعم» (١). وعلل الحنفية صحة البناء؛ لأنه من بناء الأدنى على الأعلى. ولأنه يؤدي البعض كاملًا والبعض ناقصًا، وهو أولى من أن يستقبل، فيؤدي الكل ناقصًا. هكذا قالوا، والنقص في الصورة، وإلا فلا نقص مع العذر. وعن أبي حنيفة رواية أخرى في مقابل ظاهر الرواية: أنه يستقبل إذا صار إلى الإيماء بالركوع والسجود؛ لأن تحريمته انعقدت موجبة للركوع والسجود فلا يجوز بدونهما. جاء في تحفة الفقهاء: «فأما الصحيح إذا مرض في وسط الصلاة بحيث يعجز عن القيام أو الركوع والسجود فجواب ظاهر الرواية أنه يمضي على صلاته على حسب ما يقدر عليه من الركوع والسجود قاعدًا أو بالإيماء. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يستقبل، والصحيح ظاهر الرواية» (٢). وقال الزيلعي: «والصحيح الأول؛ لأن أداء بعض صلاته بركوع وسجود، وبعضها بالإيماء أولى من أن يؤدي الكل بالإيماء» (٣). ولو افتتح الصلاة جالسًا أو مضطجعًا لعجز، ثم قدر على القيام، فاختلف الفقهاء: فقيل: يبني على ما صلى مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وبه قال زفر من الحنفية (٤).

стр. 10283

قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «العاجز عن القيام إذا ابتدأ الصلاة جالسًا، ثم قدر على القيام، فإنه يلزمه أن يقوم، ويبني على ما تقدم» (١). قال الشيرازي في المهذب: «وإن افتتح الصلاة قائمًا ثم عجز قعد، وأتم صلاته. وإن افتتحها قاعدًا ثم قدر على القيام، قام وأتم صلاته؛ لأنه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعدًا عند العجز، وجميعها قائمًا عند القدرة، فجاز أن يؤدي بعضها قاعدًا عند العجز، وبعضها قائمًا عند القدرة. وإن افتتح الصلاة قاعدًا، ثم عجز، اضطجع. وإن افتتحها مضطجعًا، ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد والتعليل ما ذكرناه» (٢). وقيل: يستقبل الصلاة مطلقًا، وإليه ذهب محمد بن الحسن (٣). جاء في كتاب الأصل للشيباني: «قلت: فإن صلى قاعدًا يسجد ويركع، وصلى ركعتين، ثم بَرَأ وصحّ؟ قال: يصلي بقية صلاته قائمًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يستقبل الصلاة» (٤). وقيل: إن صلى بإيماء ركعة ثم صَحَّ استقبل صلاته، وإن صلى قاعدًا يركع ويسجد ثم صحَّ بنى وهذا مذهب الحنفية (٥).

стр. 10284

دليل من قال: تصح مطلقا: الدليل الأول: (ح-٣٥٣٧) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (١). فإذا صح التحول في أثناء الصلاة، وقد بنى الصحابة على ما مضى من صلاتهم إلى بيت المقدس، دل ذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه، وبنى على ما مضى من صلاته. قال ابن رجب: «فيدخل في ذلك الأمة إذا عتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس، والسترة قريبة، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبًا، وقدر على الطهارة به، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا ثم قدر على القيام» (٢). الدليل الثاني: (ح-٣٥٣٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أم المؤمنين أنها أخبرته: أنها لم تر رسول الله يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، أو أربعين آية، ثم ركع. ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام به (٣). وجه الاستدلال: إذا جاز للمصلي أن يفتتح صلاة التطوع قاعدًا ثم يقوم، ويبني على ما صلى وكان هذا جائزًا بالإجماع، جاز ذلك في المعذور إذا صلى قاعدًا، ثم زال العذر، بجامع أن كلًّا منهما كان الجلوس في أول صلاته مأذونًا له فيه.

стр. 10285

الدليل الثالث: إذا جاز أن يؤدِّي جميع صلاته قاعدًا أو مضطجعًا عند العجز، وجميعها قائمًا عند القدرة، جاز أن يؤدِّي بعضها قاعدًا أو مضطجعًا عند العجز، وبعضها قائمًا عند القدرة، والله أعلم. لأنه إذا جاز الانتقال والبناء من القيام إلى القعود أو الاضطجاع عند العجز مع أنه انتقال من كمال إلى نقص، فأولى أن يبني إذا صلى عاجزًا ثم قدر؛ لأنه انتقال من نقص إلى كمال، والتعليل بالنقص والكمال جريًا على قواعد الحنفية، وإلا فإن صلاة المعذور قاعدًا أو مضطجعًا لا نقص فيها، وأجره كأجر الصحيح. ولأن ما مضى من صلاته كان جائزاً على حسب قدرته، فوجب أن لا تبطل بتغير حاله، كما لو قدر على القيام ثم عجز عنه في بعض الصلاة فقعد. ولأن دخوله في البدل كان مأذونًا له فيه فإذا قدر على المبدل وجب ألا تبطل صلاته (١). ومثله لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميًّا، فيدخل في الصلاة ويلقن آية من القرآن لزمه أن يقرأ، ومثله لو كان عاجزًا عن ستر عورته، فاستفتح الصلاة، ثم قدر على السترة في أثنائها، لزمها أن يسترها، ويبني. دليل من قال: لا تصح مطلقًا: قاس محمد بن الحسن قوله هذا على قوله في الاقتداء، فعنده أن القائم لا يقتدي بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه، وعندهما -يعني: أبا حنفية وأبا يوسف- القائم يقتدي بالقاعد إذا كان القاعد يركع ويسجد، فكذلك يبني في حق نفسه (٢). وعلل المنع بقوله: إن حال القائم أقوى من حال القاعد، فلا يجوز بناء القوي على الضعيف، فكذلك في البناء في حق نفسه، فإنه إذا افتتح الصلاة قاعدًا لم يبن؛ لأن القوي لا يبنى على الضعيف.

стр. 10286

ويناقش: بأن هذا نظر في مقابل النصف، فيكون فاسدًا، فالأصل المقيس عليه مخالف للنصوص، فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه قاعدًا حين سقط من فرسه، والحديث في الصحيحين من حديث أنس، وعائشة، وكذلك في مرض موته على أحد الأقوال. دليل من فرق بين من يومئ بالركوع والسجود وبين أن يركع ويسجد: قاسوا أحكام البناء على صلاته لنفسه على قولهم في الاقتداء، فقالوا: لا يجوز الاقتداء بالإمام القاعد إلا إذا كان يركع ويسجد فإن كان يؤمئ بهما لم يصح الاقتداء فكذا البناء، وكان القياس ألا يصح اقتداء القائم بالقاعد، وإنما تركناه استحسانًا لورود النص، فالنبي ﷺ صلى، وهو قاعد، والقوم قيام. ولأنه ليس من شرط صحة الاقتداء مشاركة المأموم للإمام في القيام، بدلالة أنه لو أدرك الإمام في الركوع كبر قائمًا، وركع، واعتد بتلك الركعة، ولم يشاركه في القيام. وأما الدليل على اشتراط أن يكون الإمام قادرًا على الركوع والسجود، فذلك لأن في اقتداء القائم بالرَّاكع استواء النِّصف الأسفل، وفي اقتداء القائم بالقاعد استواء النِّصف الأعلى، فتقع المشاركة بين المأموم وإمامه، فيجوز، بخلاف المومئ بالركوع والسجود، فلا مشاركة بينه وبين إمامه، فما جاز فيه الاقتداء جاز في البناء على فعل نفسه، وما امتنع فيه الاقتداء امتنع فيه البناء على فعل نفسه. جاء في تحفة الفقهاء: «ولو أن المريض إذا قدر على القيام أو على الركوع والسجود بعدما شرع في الصلاة قاعدًا وبالإيماء، ينظر: إن شرع قاعدًا بركوع وسجود فإنه يبني على تلك الصلاة ويتمها قائمًا بركوع وسجود عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن من أصلهما أن اقتداء القائم بالقاعد الذي يصلي بركوع وسجود جائز في الابتداء فكذلك يجوز في البناء. وعلى قول محمد: لا يبني بل يستقبل؛ لأن عنده لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد فكذا لا يجوز البناء.

стр. 10287

وأما إذا كان يصلي بالإيماء قاعدًا أو مستلقيًا فلا يبني إذا قدر على القيام أو الركوع والسجود عندنا. وعلى قول زفر يبني. والصحيح: قولنا، وهو أن الصلاة بالإيماء ليست صلاة حقيقية، لكن جعلت صلاة في حق المومئ بطريق الضرورة، فيظهر في حقه لا في حق غيره، فلا يجوز الاقتداء به إلا من الذي هو مثله بخلاف القائم مع القاعد، فإن القاعد مصلٍّ بالركوع والسجود على ما عرف» (١). ولا أعلم علة جامعة بين أحكام الاقتداء، وأحكام البناء على فعل نفسه. والراجح: قول الجمهور بلا شك.

стр. 10288

الفصل الثاني عشر في الرجل إن صلى منفردًا قام أو جماعة جلس المدخل إلى المسألة: القيام ركن بالاتفاق والجماعة مختلف في وجوبها، والأئمة الأربعة على عدم وجوبها في المسجد. قال في حديث أبي هريرة: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. رواه البخاري. مراعاة الواجب في العبادة أولى من مراعاة الواجب لها، هذا على القول بأن الجماعة في المسجد واجب. الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها. تركت الجماعة لحضور الطعام، ولشهوة أكل الكراث والبصل، فالمريض أولى بالعذر إذا ترك الجماعة لمصلحة ركن القيام. من ترك الجماعة معذورًا، حسب له الأجر كاملًا، فكيف إذا كان ذلك أيضًا لمصلحة ركن من أركان الصلاة. [م-١١٤٨] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى منفردًا صلى قائمًا، وإن صلى في جماعة صلى جالسًا، فأيهما يقدم؟ فقيل: يصلي منفردًا وجوبًا، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، واختاره بعض الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة، قدمه أبو المعالي، وصوبه في الإنصاف، قال في التنقيح: وهو أظهر (١).

стр. 10289

وقال مالك: لا يعجبني أن يصلي في المسجد، وظاهر العبارة تفضيل الانفراد (١). وقال الشافعي: إن قدر أن يصلي قائمًا منفردًا، وإذا صلى مع جماعة قعد في بعضها جاز له إيقاعها في جماعة، ولكن الانفراد أفضل (٢). وهل قوله: (قعد في بعضها) قيد بحيث لو قعد في كلها مع الجماعة وجب أن يصليها كلها قائمًا منفردًا، فيه احتمال. وقد جاء في كفاية النبيه: «إذا قدر على أن يصلي قائمًا منفردًا، وإن صلى في

стр. 10290

جماعة قعد، قال الشافعي: أمرته أن يصلي منفردًا» (١). وأخشى أن يكون ابن الرفعة نقل قول الشافعي بالمعنى. وقال ابن مفلح في النكت على المحرر: «وإطلاق كلامه أيضًا يقتضي: أنه إن أمكنه الصلاة قائمًا منفردًا، وفي الجماعة جالسًا أنه يصلي قائمًا منفردًا، وقدمه الشيخ وجيه الدين» (٢). وقيل: يصلي قاعدًا جماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: يخير بينهما، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤). جاء في الإنصاف: «لو قدر على الصلاة قائمًا منفردًا، وجالسًا في الجماعة: خير بينهما، على الصحيح من المذهب» (٥). فصارت الأقوال إلى أربعة أقوال تؤول إلى ثلاثة: يصلي قائمًا منفردًا، على خلاف في وجوبه. وقيل: يصلي جالسًا جماعة. وقيل: يتخير بينهما. والله أعلم. دليل من قال: يصلي قائمًا منفردًا: الدليل الأول: أن القيام ركن بالاتفاق؛ وجزء من ماهية الصلاة؛ لقول النبي: (صلِّ قائمًا). وأما أداء الصلاة جماعة فالجمهور على أن ذلك سنة خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد. وعلى القول بوجوب الجماعة فإنه لا يجب فعلها في المسجد، وهو قول الأئمة الأربعة، حتى أوجب الحنابلة الصلاة في البيت جماعة على الصلاة منفردًا

стр. 10291

في المسجد؛ لأن الجماعة واجبة عندهم، وفعلها في المسجد سنة في أصح الروايتين، لقوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ) متفق عليه، وقوله: (رجل) نكرة في سياق الشرط فتعم كل رجل، فذًّا كان أو جماعة، ولم يقيد ذلك على عدم إمكان فعلها في مسجد. وقال ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ) متفق عليه، اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة في أي مكان، ولو لم يكن مسجد، فله أن يصلي إلا ما استثني بدليل، كالمقبرة، والحمام، وأعطان الإبل. ولأن قوله: (فصلِّ) أمر، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، ومن قال: لا تصل إلا في المسجد ففيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث المتفق على صحتها. وقد قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، متفق عليه، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره. فإذا كان المريض يستطيع الصلاة جماعة في البيت قائمًا وإذا ذهب إلى المسجد صلى جالسًا فإنه يصلي في البيت، لأنه لا يمكن أن تقدم فضيلة المكان على ركن من أركان الصلاة، وقد بحثت في المجلد الخامس عشر حكم صلاة الجماعة، وحكم وجوبها في المسجد، فارجع إليهما إن شئت. وعلى التنزل أن الصلاة جماعة واجبة في المسجد، فيقدم تحصيل القيام على تحصيل الجماعة؛ لأن القيام فرض فيها، فلو تركه مع القدرة عليه بطلت صلاته، والجماعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فلو تركه مع القدرة عليه لم تبطل صلاته، وما وجب فيها مقدم على ما وجب لها، والفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها. الدليل الثاني: (ح-٣٥٣٩) ما رواه الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال:

стр. 10292

فما رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (١). غضب النبي كان موجهًا للإمام، وليس للمتخلف، وكان من قبل أن يسأل المصلي المتأخر، أكانت إطالة الإمام موافقة للسنة أم مخالفة لها؟ وإذا كانت الزيادة مخالفة للسنة، أكانت كثيرة شاقة أم يسيرة محتملة، فإذا أقر النبي الرجل على تركه الجماعة للمشقة، ولم يعاتبه على تأخره، ولم يطلب منه تحمل مثل ذلك طلبًا للأجر، فالمريض الذي يشق عليه الذهاب إلى المسجد حتى يحمله ذلك على الصلاة جالسًا إذا سعى إليها، وإن صلى في بيته بقيت له من قوته ما يقدر معه على الصلاة قائمًا هذا الرجل المريض أولى بالمراعاة من ذلك الصحيح الذي ترك الجماعة لإطالة الإمام. دليل من قال: يصلي جالسًا جماعة: الدليل الأول: (ح-٣٥٤٠) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (٢). وجه الاستدلال: قوله: (أتسمع النداء) فهذا الرجل مأمور بإجابة النداء، والنداء سابق على الصلاة، فيأتي بالسابق، فإذا وصل إلى المسجد، فإن قدر صلّى قائمًا، وإلا فلا، وقد يظن أنه إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، ثم يمده الله بنشاط ويستطيع القيام. وأجيب: بأن الحديث معلٌّ متنًا وسندًا.

стр. 10293

أما المتن، فالأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (١). وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟! ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وأن بينه وبين المسجد شجرًا ونخلًا جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم، فليس البحث في العمى، أهو عذر بنفسه في إسقاط الجماعة أم لا، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، ولكن البحث في أعمى لا قائد له، فأصبح غير قادر، لا بنفسه، ولا بغيره إلا بمشقة وأذى قد يتعرض له. والنبي ﷺ رخص للمبصر إذا أقيمت الصلاة وقُدِّمَ العَشاءُ أن يبدأ بالعشاء، ولو فاتته الجماعة، ولم يشترط لتقديم العشاء على الصلاة غلبة الجوع، ولا الخوف على الطعام من الفساد لو أخره إلى ما بعد الصلاة، ورخص في المطر للمؤذن أن ينادي: (صلوا في رحالكم) عند جمهور أهل العلم، والمطر ليس مخوفًا على الحياة كالسباع والهوام، بل وأسقط الشارع الجماعة لشهوة أكل كراث، أو بصل، أو ثوم، فإذا اشتهى الرجل أَكْلَ شيء منها، فله أكله، ويدع الجماعة، أيكون أولئك أولى بالعذر من الرجل المريض الذي ترك الجماعة لمصلحة ركن من أركان الصلاة وهو القيام، أو يكون هؤلاء أولى من الأعمى الذي لا قائد له يقوده إلى المسجد،

стр. 10294

ويخشى على نفسه من السباع، وبينه وبين المسجد نخل وشجر يخشى أن يتعثر فيها. وهذا ما جعل الجوزجاني يقول فيما نقله الحافظ ابن رجب عنه وأقرَّه: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره، بمعنى: لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن مكتوم. والله أعلم» (١). ولو كان الاعتراض على الحديث من جهة المتن فحسب لكنت كرهت هذا الاعتراض على الحديث، خشية أن يقدم النظر على النص، ولكن حين يجتمع الإعلال بالحديث سندًا ومتنًا، فإن هذه علة قادحة في صحة الحديث. أما الإسناد، فقد سبق تخريج الحديث في المجلد الخامس عشر، وأنه لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، وهذا أصح إسناد روي فيه هذا الحديث، وما عداه مما روي مسندًا فلا يصح، وأكثرها لا يصلح للاعتبار. وعبيد الله بن عبد الله ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب، مقبول. والحديث غريب من حديث أبي هريرة، وأبو هريرة له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين كبار أصحابه عن هذا الحديث المهم، والذي يتعلق بأهم العبادات، وهي الصلاة، والسلف لهم عناية بأحاديث الصلاة، فأين سعيد بن المسيب، وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة، ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة.

стр. 10295

الدليل الثاني: (ح-٣٥٤١) ما رواه الإمام مسلم من طريق أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن حتى قال: … ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (١). ونوقش هذا: هذا الخطاب من ابن مسعود ﵁ في مقام الترغيب في صلاة الجماعة، ويظهر أنه رأى في التابعين من يصلي في بيته، ويتخلف عن صلاة الجماعة، والظاهر أيضًا أن هذا الفعل من آحاد الصحابة وليس من غالبهم، بدليل أن النبي وهو القدوة قد سقط من فرسه حتى جحش شقه، وصلى بالبيت، والظاهر أنه لم يبلغ به المرض حتى لا يستطيع أن يأتي إلى الجماعة يهادى بين رجلين، ولم يذكر ابن مسعود ﵁ أن النبي قد رأى هذا الرجل المريض وأقرَّه، وغايته أن يدل على تفضيل الجماعة، ولا يؤخذ منه وجوبها؛ لأن مثل هذا الرجل لا تجب عليه الجماعة بالإجماع، كما يظهر من حالته أنه سوف يصلي جالسًا إن صلى في بيته أو صلى في المسجد، فخرج من الاستدلال به في هذه المسألة، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الرجل إذا جاء المسجد، ثم افتتح الصلاة قائمًا قدر استطاعته امتثالًا لقوله: في حديث عمران بن الحصين: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، فإذا شعر بالضعف شرع له الجلوس، وكتب له العمل قائمًا؛ لأنه إنما جلس للعذر، فحصل له فضيلتان: أجر القيام، وأجر الجماعة، وإذا صلى في بيته جالسًا لم يحصل له أجر الجماعة. ونوقش هذا: بأن الرجل الذي صلى في بيته منفردًا للعذر يحسب له أجر الجماعة أيضًا؛
следующие страницы →