وقد سبق مناقشة دعوى الاختصاص في مسألة سابقة عند الكلام على مسألة إذا ناب عن إمام الحي في الصلاة رجل، ثم حضر الإمام الراتب.
الدليل الخامس:
الأصل أن صلاة المأموم صحيحة، ولا يوجد دليل من نص، أو إجماع على أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام، فالمأموم قد دخل في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي، فلا يمكن أن تفسد صلاته إلا بنص شرعي.
نعم لو علم المأموم قبل الصلاة أن صلاة إمامه باطلة؛ لكونه محدثًا، بطلت صلاة المأموم، لا لأنها مرتبطة بصلاة الإمام، ولكن لأنه ائتم بمن لا تصح صلاته.
وانظر: أدلة الجمهور مستوفاة في المسألة التالية منعًا من تكرار الأدلة، والله أعلم.
* * *
стр. 3082
المبحث الثاني في الاستخلاف لعذر يبطل الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• خطأ المأموم لا يؤثر على صلاة الإمام بالاتفاق، فخطأ الإمام لا يؤثر على صلاة المأموم كذلك، فلكُلٍّ صلاته.
• جاء الدليل على صحة الصلاة بإمامين كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، وهو دليل على صحة الاستخلاف.
• كل خلاف بين الإمام والمأموم لا يترتب عليه اختلاف في الأفعال لا يخل بالائتمام، كالاختلاف في النية، بأن يصلي مفترض خلف متنفل، أو مقيم خلف مسافر.
• صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في وجوب متابعته، وعدم الاختلاف عليه في أفعاله، فبطلان صلاة الإمام ينهي المتابعة بينهما، ولا يبطل صلاة المأموم.
• يتبع المأموم إمامه في أفعاله، فيجلس المسبوق لجلوس إمامه، ولو في غير موضع جلوس المأموم.
• يحمل الإمام عن المأموم السهو، والقراءة على الصحيح.
• إذا قام الإمام إلى خامسة، ولم يرجع، وجب على المأموم مفارقته، ولم تبطل صلاته، فكذلك إذا بطلت صلاة الإمام بأي مفسد وجبت مفارقته، ولم تبطل صلاة المأموم.
• المأموم قد أذن له شرعًا بالاقتداء بالإمام، وما ترتب على المأذون فغير مضمون.
• لا يكلف المأموم صحة صلاة إمامه، بل هي أثر ناشئ عن فعل المصلي وحده إمامًا كان أو مأمومًا.
[م-٤٣٤] إذا طرأ على الإمام عذر يبطل صلاته، كما لو سبقه الحدث، أو تذكره، أو تعمده، فاختلفوا:
стр. 3083
فقيل: ليس له الاستخلاف، وهو القديم من قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: له الاستخلاف إن سبقه الحدث، فإن تعمد، أو تذكر الحدث لم يستخلف؛ لبطلان صلاة الإمام والمأموم؛ وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٢).
لأن الاستخلاف بناء الصلاة على ما مضى منها، ولم يصح ما مضى حتى يبني عليه.
وقيل: له الاستخلاف إن سبقه الحدث، أو تذكره، وخرج في الحال، فإن تعمد الحدث، أو تذكره فيها وتمادى فيها بطلت صلاة الجميع ولم يستخلف، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 3084
وقيل: له الاستخلاف مطلقًا، سواء أَسَبَقَ، أم تعمد، أم تذكر الحدث، وهذا مذهب الشافعية، وهو أوسع المذاهب (١).
قال في التنبيه: وإن أحدث الإمام، فاستخلف مأمومًا جاز في أصح القولين، إلا أنه يستخلف من لا يخالفه في ترتيب الصلاة.
• دليل من قال: لا يستخلف:
الدليل الأول:
(ح-١٠١٨) روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن،
عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه، أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (٢).
[ضعيف الإسناد] (٣).
وجه الاستدلال من الحديث:
أن النبي ﷺ لم يستخلف حين دخل في الصلاة ثم تذكر حدثه، ولو كان جائزًا لكان الأشبه أن يستخلف؛ لأن هذا هو الأيسر من أحد احتمالين: إما إبطال صلاة المأمومين بعد تلبسهم بالعبادة، أو وقوفهم منتظرين، وهم في الصلاة وقوفًا بلا ذكر أو قراءة طيلة ذهاب الإمام واغتساله وإيابه، ثم دخول الإمام في الصلاة وإمامته لهم مع تأخره عنهم في التحريمة، فلما تُرِكَ الاستخلافُ مع كونه الأيسر عُلِمَ أنه ليس مشروعًا؛ لأن من هدي النبي ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف سندًا.
стр. 3085
• ورد هذا الوجه:
بأنه إن لم يكن حجة في نفسه فهو حجة بالمجموع وقد تقوى بمجموعة من المراسيل الصحيحة، منها: مرسل ابن سيرين، وبكر المزني، وغيرهما. وسبق تخريجها في مسألة سابقة.
الوجه الثاني: ترك الاستخلاف دليل الجواز، ولم يقل أحد بوجوب الاستخلاف.
الوجه الثالث: هدي الرسول ﷺ هو في تحري الأيسر ما لم يكن في تركه جلب مصلحة أكبر، أو دفع مفسدة، ولا شك أن المصلحة ظاهرة، فانتظارهم للرسول ﷺ ؛ لتحصيل فضيلة الصلاة خلفه أحب إلى الصحابة من استخلاف غيره.
الدليل الثاني:
(ح-١٠١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث أن الإمام ضامن، وإنما يضمن لهم صحة صلاتهم، فصحة صلاة المأموم في عهدة الإمام، وفسادها مقرونة بفساد صلاته.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الحديث ضعيف
الوجه الثاني:
لا يلزم من كون الإمام ضامنًا أن تفسد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، وقد روي الحديث من مسند سهل بن سعد وجمع فيه بين ضمان الإمام وقصر إساءة
стр. 3086
الإمام على نفسه بما يدل على أن تفسير الضمان بسريان الفساد لا يصح.
(ح-١٠٢٠) فقد روى ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخو فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال:
كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله يقول: الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم.
[ضعيف] (١).
فقصر الضمان على الإمام دون المأموم يجعل العهدة على الإمام وحده إذا ارتكب مفسدًا، وأن على الإمام حفظ صلاته من المبطلات، ورعايته لشروطها وواجباتها، وأن الإخلال بشيء من ذلك بما يبطل الصلاة، أو ينقصها فالضمان عليه وحده دون المأموم، هذا ما يقتضيه كونه ضامنًا، لا أن يلقي بآثار الضمان على غيره.
الدليل الثالث:
أنها صلاة واحدة، فلا تجوز بإمامين، كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة.
• ونوقش:
جاء الدليل على صحة الصلاة بإمامين كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، والأصل التأسي.
الدليل الرابع:
أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإذا بطلت صلاة الإمام عاد ذلك بالبطلان على صلاة المأموم.
(ح-١٠٢١) فقد روى البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. ورواه مسلم (٢).
стр. 3087
ورواه أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، عن النبي، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع .... الحديث.
[حسن] (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) لفظ: (إنما) من صيغ الحصر عند أهل اللغة والأصول.
ومعنى الحصر: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه.
والمراد بالحصر: اتباع المأموم لإمامه في كل شيء، وأن التابع لا يستقل عن المتبوع.
ومقتضى ذلك: ألا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث.
وكذلك لا يخالفه في غيرها قياسًا عليها، وهو مقتضى الإمامة، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أي يأتمون بك.
ولا معنى لكون المأموم تابعًا لإمامه إلا بارتباط صلاته بصلاة إمامه، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم (٢).
لهذا رأى جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، وأنه لا يجوز مخالفته حتى في الأعمال الباطنة كالنية، فلا يصلي المفترض خلف المتنفل (٣).
стр. 3088
• ونوقش هذا الحديث من وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الحديث يدل على بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، فالإجمال في الحديث بوجوب الاقتداء به جاء مفسرًا بالحديث، وما فسره الشارع فلا استدراك عليه، فقال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فركعوا).
فعبر بالفاء التي توجب التعقيب، وهذا كاشف عن المراد من الحديث، حيث أوجب أن تكون تكبيرات المأموم وأفعاله، بعد تكبيرات الإمام وأفعاله، فلا يسبقه، ولا يتأخر عنه.
ولهذا قال في رواية: (فلا تختلفوا عليه) يعني في التكبيرات والأفعال، فإذا جلس الإمام وجب على المأموم الجلوس ولو اختل نظم صلاته، كما لو كان مسبوقًا بركعة.
وإذا قام الإمام ناسيًا، وترك التشهد الأول، وجبت متابعته.
وليس المراد الموافقة بالصحة؛ فإن هذه لا يكلف بها المأموم، بل هي أثر ناشئ عن فعل المصلي وحده إمامًا كان أو مأمومًا.
وقد يكون فعل الإمام صحيحًا حقيقة وحكمًا.
وقد يكون صحيحًا حكمًا، كما لو دخل في الصلاة ناسيًا حدثه، فيستصحب الصحة حتى يتذكر حدثه.
و ليس المراد من الحديث الموافقة بالأعمال الباطنة، كالنيات، فاختلاف نية الإمام والمأموم لا يترتب عليه اختلاف في الهيئات الظاهرة، ولا يخل بالائتمام المنصوص عليه (إذا كبر، فكبروا، وإذا ركع، فاركعوا).
ولا يكلف المأموم أن يعرف نية إمامه، وهل هو مقيم أو مسافر، وهل صلاته قضاء، أو أداء، أو إعادة؟ فكل واحد له نيته، ويصلي لنفسه.
ولهذا صحت صلاة المفترض خلف المتنفل، كما كان يصلي معاذ ﵁ فرضه مع النبي ﷺ ، ثم ينقلب، فيصلي العشاء بقومه، لهم فرض، وله نفل.
وصحت صلاة القوم خلف الصبي على الصحيح، وصلاته نفل في حقه، كما
стр. 3089
في حديث عمرو بن سلمة في البخاري.
الوجه الثاني:
نفي ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام لا يعني به انتفاء العلاقة من كل وجه، فإن بينهما علاقة بلا شك، فالإمام يتحمل القراءة عن المأموم على الصحيح، ويتحمل سجود السهو، ويترك المأموم التشهد الأول إذا تركه الإمام سهوًا، ويجلس المسبوق في غير موضع جلوسه متابعة لإمامه، وإذا صلى مسافر خلف مقيم أتم صلاته، وتأتي أفعال المأموم عقيب فعل الإمام لا قبله، ولا معه.
كل هذا يدل على وجود علاقة بين صلاة المأموم وصلاة الإمام، لكن هذا الارتباط لا يبلغ الحد الذي قالوه بإفساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام، ولا لزوم متابعة الإمام بالنية، هذا الذي لا دليل عليه، وهو المقصود بنفي الارتباط بين الصلاتين (١).
الوجه الثالث:
أن القائلين بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام قد اختلفوا في القوم يصلون خلف إمامٍ ناسٍ لِحَدَثِهِ.
فهذا الإمام مالك الذي يمنع من الاختلاف على الإمام، ولو بالنية الباطنة، يقول: إذا صلت الجماعة خلف جنب ناسيًا حدثه، فلا إعادة عليهم، وإنما الإعادة عليه وحده، وسواء أَتَذَكَّرَ قبل إتمام الصلاة، أم تذكر بعد الفراغ منها (٢)، خلافًا للحنفية والحنابلة.
وقال الحنفية والمالكية: إذا سبقه الحدث في أثناء الصلاة لم تبطل صلاة المأموم خلافًا للحنابلة، وهي مسألة بحثنا.
كل ذلك يعود بالنقض على قاعدة: ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
الوجه الرابع:
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «من رفع رأسه قبل الإمام، فإن الجمهور
стр. 3090
يرون أنه أساء، ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع، فيتبع الإمام، وذهب إلى أن صلاته تبطل للوعيد الذي جاء في ذلك».
فإذا كان على رأي الجمهور: أن مخالفة الإمام في الأفعال التي جاء النص على وجوب الاقتداء به فيها، والنهي عن مخالفته لا تبطل الصلاة، فكيف تبطل الصلاة بأمور لم يُنَصَّ عليها، وإنما ألحقت قياسًا بالمنصوص؟
فإذا كان الأصل لا يبطل على قول الجمهور، فالفرع على فرض التسليم بصحة القياس لا يبطل صلاة المأموم، والله أعلم.
الدليل الخامس:
إذا دخل الإمام في الصلاة، وهو محدث، لم تصح صلاته بالإجماع، وبصريح السنة، قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
فالاستخلاف حقيقته: هو بناء ما بقي من الصلاة على ما مضى منها، فكيف يبني المأموم على ما صلى إمامه، وهو على غير طهارة، إذا كان ما سبق من الصلاة باطلًا، فالبناء على الباطل باطل.
وأما إذا سبقه الحدث، وإن اختلف الفقهاء في بناء المحدث على ما قد صلى، وهو طاهر قبل حدثه، وله شروط يختلفون عليها، ليس هذا موضع بحثها، فالإجماع على أن الحدث قبل تمام الصلاة يبطل ما بقي، والراجح أن بطلان ما بقي من الصلاة يعود ذلك بالبطلان على أولها، وإذا بطل أولها لم يصح الاستخلاف؛ لما تقدم، من أن الاستخلاف: هو بناء ما بقي على ما مضى.
• ويناقش:
بأن هذا الكلام صحيح، ولا اعتراض عليه، إلا أنه يتوجه للإمام، فلا يصح البناء منه على ما مضى من صلاته، ولا يتوجه للمأموم؛ لأن صلاته لا ترتبط بصلاة إمامه، فما يبطل صلاة الإمام لا يلزم منه أن يبطل صلاة المأموم، والمأموم قد أذن له شرعًا بالاقتداء بالإمام، وما ترتب على المأذون فغير مضمون، والله أعلم.
стр. 3091
الدليل السادس:
(ح-١٠٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب عن أبي جابر البياضي،
عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ صلى بالناس، وهو جنب، فأعاد وأعادوا (١).
[مرسل، والبياضي متروك الحديث] (٢).
الدليل السابع:
(ث-٢٤٨) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم،
أن عمر صلى بالناس، وهو جنب، فأعاد، وأمرهم أن يعيدوا (٣).
[منكر، مخالف للصحيح الثابت عن عمر] (٤).
الدليل الثامن:
(ث-٢٤٩) ما رواه محمد بن الحسن، قال: أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عمرو بن دينار،
أن علي بن أبي طالب ﵁، قال في الرجل يصلي بالقوم جنبًا، قال: يعيد ويعيدون (٥).
[ضعيف جدًّا] (٦).
стр. 3092
• دليل من قال بالاستخلاف مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-١٠٢٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة .... فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى .... الحديث، ورواه مسلم (١).
والحديث حجة للشافعي على جواز الاستخلاف، ولو لم تبطل صلاة الإمام.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٢٤) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٢).
وجه الاستدلال من الحديث على صحة الاستخلاف:
دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر على صلاة المأموم، فإذا بطلت صلاة الإمام إما لكونه تذكر الحدث، أو سبقه وهو في الصلاة، أو تعمد البطلان، فصلاة المأموم صحيحة. وإذا كان ما مضى منها صحيحًا أمكن للمأموم أن يكمل صلاته، إما بالاستخلاف، وإما بإتمام الصلاة منفردًا، والله أعلم.
وقد ذكرت الأدلة على انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام في المسألة التي قبل هذه، فارجع إليها دفعًا للتكرار.
стр. 3093
• دليل من قال: يستخلف ولو دخل في الصلاة محدثًا:
(ث-٢٥٠) روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب، صلى بالناس، وهو جنب، فأعاد، ولم يبلُغْنا أن الناس أعادوا (١).
[صحيح عن عمر ﵁] (٢).
стр. 3094
وجه الاستدلال:
يصح الأثر دليلًا للشافعية القائلين بصحة الاستخلاف مطلقًا.
ووجهه: أن الأثر دل على أن بطلان صلاة الإمام لا يعود على صلاة المأموم بالبطلان.
ويصح دليلًا للمالكية القائلين بأنه يصح الاستخلاف ولو دخل في الصلاة محدثًا.
وجهه: أن عمر ﵁ لو تذكر حدثه وهو في الصلاة لكان ما مضى من صلاة المأموم صحيحًا، كما صحت كلها حين لم يتذكر إلا بعد انصرافه منها.
وأما ما بقي من الصلاة فيمكن للمأموم أن يكمل صلاته إما بالاستخلاف، وإما بإتمامها منفردًا.
• دليل من قال: يستخلف إذا سبقه الحدث:
(ث-٢٥١) ما رواه البخاري من طريق حصين، عن عمرو بن ميمون، وذكر قصة استشهاد عمر ﵁، وفيه: … فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه … وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه … فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة .... وذكر بقية الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن عمر ﵁ لما طعن نوى الخروج من الصلاة لعجزه، ولكلامه حيث قال: قتلني الكلب، وتَعَمُّدْ الكلام في الصلاة يبطلها فهو بمنزلة الحدث إذا سبق.
فدل الأثر بالقياس على أن الحدث إذا سبق الإمام، وهو في الصلاة، فله الاستخلاف، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
وقد فعله عمر في شهود كبار الصحابة ﵃، فكان إجماعًا سكوتيًّا، وهو حجة على الصحيح، وإن لم يكن كالإجماع القطعي.
стр. 3095
وفي الحديث رد على الحنفية الذين يشترطون للاستخلاف ألا يتكلم الإمام.
• الراجح:
أميل إلى أن مذهب الشافعية هو الراجح، وأن الاستخلاف يصح مطلقًا، إلا أنه لا يقصد إلا بسبب؛ لأن الانتقال في الصلاة من الإمامة إلى الائتمام بلا سبب أقله الكراهة؛ لأنه حركة كثيرة لا يحتاج إليها في الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 3096
المبحث الثالث في استخلاف المسبوق
المدخل إلى المسألة:
• استخلاف المسبوق، غايته أن يختل نظم صلاة المأموم مع الإمام، وهذا مغفور من أجل المتابعة، ولأنه يتكرر في الصلوات مع صلاة المسبوق، ولو لم يُسْتَخْلَف.
• ما يصليه المسبوق قبل الاستخلاف، هو أول صلاته على الصحيح، فيستصحب بعد الاستخلاف.
•مقتضى كون المُسْتَخْلَف إمامًا أن يكون متبوعًا، لا تابعًا لغيره.
•إذا أتم المأموم صلاته لم يتابع الإمام، فإن شاء المأموم انتظره وسلم معه، وإن شاء فارقه، واختلاف عدد الركعات بين الإمام والمأموم لا يوجب البطلان، كما لو اقتدى مقيم بمسافر.
[م-٤٣٥] يصح استخلاف المسبوق بشرطه، وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة (١).
стр. 3097
وقيل: لا يصح استخلاف المسبوق، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وعلى القول بالصحة: أيتم صلاة الإمام الأول، أم يبني على ترتيب نفسه؟
فقيل: عليه أن يكمل فعل الإمام الأول بأن يراعي نظم صلاته فيتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام الأول؛ لأنه قائم مقامه، فلو قُدِم من فاتته ركعة فصلى ركعة جلس؛ لأنها ثانية الإمام، وإن كانت الأولى في حقه.
وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية: إذا أتم بهم صلاة الإمام الأول فله أن يَسْتَخْلِف من يسلم بهم، ثم يقوم فيأتي بما عليه. فتكون هذه الصلاة بثلاثة أئمة.
واختار ابن القاسم من المالكية وأشهب: أنهم ينتظرونه حتى يسلم، فيسلموا بسلامه (٢).
واختار الجمهور: أن الإمام إن لم يستخلف من يسلم بهم فهم بالخيار: إن شاءوا فارقوه، وسلموا، وإن شاءوا انتظروه حتى يسلموا معه (٣).
وقيل: يخير بين ترتيب إمامه، وبين أن يبني على ترتيب نفسه، وهو رواية عن أحمد، فيجلس عقيب ركعتين من صلاته، وهي ثالثة للمأمومين، ويتابعونه في ذلك (٤).
ولو قال أحد: يلزمه أن يبني على ترتيب نفسه لكان أقوى.
لأن صلاة كل إمام ليست جزءًا من صلاة الآخر، بل كل إمام صلاته مستقلة عن صلاة الآخر.
стр. 3098
ومقتضى كون المستخلف إمامًا أن يكون متبوعًا، لا تابعًا لغيره.
ولأن ما يصليه المسبوق قبل الاستخلاف، هو أول صلاته على الصحيح، وبه قال الشافعية، فيستصحب بعد الاستخلاف.
فإن لم يعرف المسبوق نظم صلاة الإمام، ففي جواز استخلافه قولان في مذهب الشافعية، أصحهما القول بالجواز.
نقله ابن المنذر عن نص الشافعي، كما في المجموع.
وقال الخطيب: «وهو المعتمد. وقال في المهمات: وهو الصحيح».
وفرع عليه الشافعية، بأن عليه أن يراقب القوم بعد الركعة، فإن هموا بالقيام قام، وإلا قعد.
قال بعضهم: وفي هذا دليل على جواز التقليد في الركعات.
وقال الحنابلة: إن لم يعلم الخليفة كم صلى الأول بنى على اليقين، فإن سبح به المأموم رجع إليه، وهذا أقرب (١).
واختار ابن المقرئ والبلقيني منع الاستخلاف إذا لم يعرف المسبوق نظم صلاة الإمام، ورجحه النووي في الروضة (٢).
• الراجح:
صحة استخلاف المسبوق، غايته أن يختل نظم صلاة المأموم مع الإمام من أجل المتابعة، وهذا مغفور، لأنه يتكرر في الصلوات مع صلاة المسبوق، ولو لم يُسْتَخْلَفْ، واختلاف عدد الركعات بين الإمام والمأموم لا يوجب البطلان، كما لو اقتدى مقيم بمسافر، فإن عدد الركعات بين الإمام والمأموم متفاوتة، والله أعلم، ويبقى الاجتهاد: أيتم صلاة الإمام الأول، أم يبني على ترتيب صلاته لنفسه، أجد أن الثاني هو الأرجح، وهو مقتضى كونه إمامًا، والله أعلم.
* * *
стр. 3099
المبحث الرابع في استخلاف من لم يدخل معه في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• من أجاز تقدم إحرام المأموم على إمامه بلا ضرورة، أجاز استخلاف من لم يدخل معه في الصلاة.
• الانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، ولكُلٍّ صلاته، وتصح المتابعة، ولو لم يعلم الإمام؛ لأن نية الإمامة ليست شرطًا.
• صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم، كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام لحضور النبي ﷺ ، فيجوز الانتقال من إمام إلى إمام آخر.
• اختلاف نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة، لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يعرض للمصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته.
• حديث: (إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر) يدل على المنع من تقدم المأموم على إمامه في التكبيرة، ومع التسليم بهذا الأصل إلا أن ذلك لا يمنع الجواز في بعض الصور، كما يجوز تقدم المأموم بالسلام على إمامه في صلاة الخوف، وكما في استخلاف المسبوق.
[م-٤٣٦] لا يصح مطلقًا استخلاف من لم يدخل معه في الصلاة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وإمام الحرمين من الشافعية (١).
стр. 3100
وقيل: يصح مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (١).
وفي صفة صلاته، أيبتدئ الصلاة، أم يبني، أم يخير؟
اختار صاحب المنتهى أنه يبتدئ، وهو المشهور من المذهب عند المتأخرين. وقيل: يبني، وهو المنصوص عن أحمد. وقيل: يخير (٢).
وقال الشافعية: يصح استخلاف من لم يدخل معه في الصلاة بشرط أن يكون ذلك في الركعة الأولى، أو الثالثة من الرباعية، وهو مذهب الشافعية (٣).
стр. 3101
• وجه القول بعدم الصحة:
أن المستخلَفَ إذا لم يكن من جملة المصلين، فإنه يلزم منه أن يكون المأموم قد أحرم قبل إمامه، وهذا لا يصح في الصلاة، فكل من أحرم قبل إمامه، فكأنه لم يحرم.
لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا … ). متفق عليه (١)، فالفاء توجب التعقيب.
• ونوقش:
بأن الإحرام قبل الإمام موضع خلاف بين الفقهاء:
فالشافعية والحنابلة وابن حزم من الظاهرية لا يمنعونه في مثل هذه الصورة، لحديث سهل بن سعد في الصحيحين، وسبق ذكره في مسائل سابقة، وسأعيده في أدلة الحنابلة.
وقياسًا على السلام قبل الإمام:
وجه القياس: أن المأموم ممنوع من السلام قبل إمامه، ولم يمنع ذلك أن يجوز في بعض الصور، فكذلك إحرامه قبل إمامه، وإن كان الأصل فيه المنع ومع ذلك يجوز في بعض الصور، كما لو صلى الإمام ركعة من صلاة الخوف في الطائفة الأولى، فإنهم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ويبقي الإمام واقفًا في انتظار أن يكمل صلاته مع الطائفة الثانية.
وكما لو استُخْلِفَ المسبوق، فأتم صلاة الإمام الأول، فالمأموم إن شاء فارقه، وسبقه بالسلام، وإن شاء انتظر حتى يكمل صلاته، ويسلم معه.
ولأن المسبوق إذا استخلف؛ فإن إحرامه بالصلاة متأخر عن إحرام بعض المأمومين ممن دخل مع الإمام الأول من ابتداء الصلاة، وصح أن يكون خليفة للإمام الأول، مع تقدم إحرام بعض المأمومين عليه، فكذلك هنا، والله أعلم.
وإن كان قد يقال: استخلافه هنا بناء على صلاة إمامه الأول بخلاف هذا، فإنه لم يدخل مع الإمام الأول حتى يشاركه في الصلاة، والله أعلم.
• وجه اشتراط الشافعية:
أن المستخلف لم يشارك الإمام الأول بالصلاة حتى يبني على صلاته، لهذا سوف
стр. 3102
يبتدئ الصلاة من أولها، فإذا ابتدأ الصلاة لنفسه، فاستخلفه في الركعة الأولى، أو الثالثة وافق نظم صلاته صلاة الإمام الأول، فانتظمت صلاة المأموم مع صلاته فصحت.
وإن استخلفه في الركعة الثانية، أو الرابعة، فسيختل نظم الصلاة بينه وبين المأمومين، فيحصل لهم تشويش.
قال الشيرازي: «فإن استخلف من لم يكن معه في الصلاة، فإن كان في الركعة الأولى، أو الثالثة، جاز على قوله في الأم، وإن كان في الركعة الثانية، أو الرابعة لم يجز؛ لأنه لا يوافق ترتيب الأول فيشوش» (١).
• ونوقش:
بأن اختلال نظم الصلاة من أجل المتابعة لا يوجب المنع، فإن ذلك يتكرر كل يوم، فالمسبوق بركعة يختل نظم صلاته مع صلاة إمامه، ولا يضره أن يجلس معه في غير موضع الجلوس من أجل المتابعة، فكذلك هنا.
• دليل من قال: يصح استخلاف من لم يكن معه في الصلاة مطلقًا:
(ح-١٠٢٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف، قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (٢).
وروى البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه،
стр. 3103
عن سهل: وفيه: … فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًّا حتى قام في الصف الأول … الحديث (١).
ورواه البخاري من طريق أبي غسان، قال: حدثني أبو حازم به، وفيه: … ثم جاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول … (٢).
ورواه البخاري من طريق حماد، حدثني أبو حازم به، وفيه: … وجاء النبي ﷺ ، وأبو بكر في الصلاة، فشق الناس حتى قام خلف أبي بكر (٣).
ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن أبي حازم به، وفيه: ( .... فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم … ) (٤).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ دخل معهم في الصلاة إمامًا، مع كون أبي بكر، ومن صلى معه قد سبقوا النبي ﵊ بتكبيرة الإحرام، فكان النبي ﷺ مبتدئًا، والقوم متممين.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
هل دخل الرسول ﷺ مأمومًا وراء أبي بكر ﵁، ثم استخلف، فتنزل المسألة على استخلاف المسبوق، وهي صحيحة عند الأئمة الأربعة في الجملة.
أو أن الرسول ﷺ ابتدأ الصلاة إمامًا، بعد أن قطع أبو بكر إمامته برجوعه إلى الائتمام، وبقي الناس دون إمام، فتقدم الرسول ﷺ ، وابتدأ الصلاة إمامًا للصحابة؟
فعلى الاحتمال الأول لا دليل فيه على مسألتنا، بخلاف الاحتمال الثاني، والله أعلم.
وقد سبق لي أن ذكرت في مسألة سابقة أنه ليس في الحديث ما يجزم بهذا أو ذاك، بل فيه ما يؤيد هذا وذاك.
стр. 3104
فكون الرسول ﷺ شق الصفوف حتى خلص إلى أبي بكر، وقد كان من هديه ﵊ الجلوس حيث ينتهي به المجلس، كما كان ﵊ ينهى أن يقيم الرجل أخاه من مكانه ليجلس فيه، فإذا كان هذا هديه في المجلس المباح، فالعبادة أولى.
ولو جاء عالم متأخرًا فشق الصفوف إلى الصف الأول وهو يريد الائتمام لأُنْكِرَ ذلك عليه.
فهذا إشارة إلى أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك لإرادة الإمامة.
فإن قيل: إذا كان كذلك، فلماذا يأمر المصطفى ﷺ أبا بكر بالبقاء إمامًا؟
فالجواب: أراد بذلك إكرام أبي بكر والتنويه بقدره، ولو أراد إلزامه بالأمر ما وسع أبا بكر إلا طاعتُهُ، وإنما جاز مخالفة أبي بكر للنبي ﷺ لأنه علم أنه إنما أراد بذلك إكرامه، ولو أراد النبي ﷺ إلزام أبي بكر لما قبل برجوعه إلى الائتمام.
ولقد كان الرسول ﷺ خبيرًا بأصحابه، ويعرف أن أبا بكر لن يقبل بالبقاء إمامًا لهذا تقدم ﵊ مع أمره لأبي بكر بالبقاء إكرامًا له.
وهذا يؤيد احتمال أن يكون الرسول ﷺ ابتدأ الصلاة إمامًا.
وأما ما يؤيد الثاني وهو أن الرسول ﷺ دخل في الصلاة مأمومًا، أنه ﵊ عندما تراجع أبو بكر القهقرى أشار إليه إشارة بيده أن امكُثْ، ولو لم يكن في صلاة لاستخدم العبارة بدلًا من الإشارة، وهذا ما فهمه الباجي في شرح الموطأ (١).
ومع احتمال الأمرين لا يصح الجزم بأنه دليل لمسألتنا، فيطلب دليل آخر على المسألة، والله أعلم.
الوجه الثاني:
على فرض أن يكون الرسول ﷺ قد ابتدأ الصلاة إمامًا، فيرى بعض أهل العلم
стр. 3105
أن هذا خصوصية له ﵊، ونسبه ابن عبد البر إلى جماهير العلماء (١).
• الراجح:
القول بأن حديث سهل بن سعد خاص بالنبي ﷺ يحتاج إلى توقيف، فالخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل أن كل ما فعله الرسول ﷺ فإن أمته مثله فيه.
* * *
стр. 3106
المبحث الخامس في الانتقال من الائتمام إلى الانفراد
المدخل إلى المسألة:
• أطال معاذ صلاة العشاء فتأخر رجل فصلى وحده، ولم يأمر النبي ﷺ الرجل بالإعادة، ولا أنكر عليه فعله.
• إذا صح الانتقال من الائتمام إلى الإمامة والعكس صح الانتقال من الائتمام إلى الانفراد، فالانتقالات أوصاف زائدة على أصل الصلاة، لا تأثير لنيتها في صحة الصلاة، وإن كان لنيتها تأثير في تحصيل الثواب.
• إذا كانت الجماعة واجبة أثم المصلي إذا انفرد عن إمامه لغير عذر، وصحت صلاته كما لو صلى منفردًا ابتداءً، والله أعلم.
[م-٤٣٧] إذا فارق المأموم الإمام، وأتم لنفسه، والإمام ما زال في صلاته:
فقيل: تبطل مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الأقوال في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
стр. 3107
وقيل: تصح مطلقًا مع الكراهة، وهو نص الشافعي في الجديد (١).
وقيل: إن كان لعذر لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
والعذر: ما يبيح ترك الجماعة، كتطويل إمامٍ، ومرضٍ وغلبة نعاسٍ، وخوفٍ، على أهلٍ، أو مالٍ، أو شيءٍ يفسد صلاته.
• دليل القول بعدم الصحة:
الدليل الأول:
(ح-١٠٢٦) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا
стр. 3108
سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. ورواه مسلم (١).
فأمر بمتابعة الإمام، فمن خالفه فقد دخل تحت النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٢٧) ما رواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن محمد بن زياد،
حدثنا أبو هريرة قال: قال محمد ﷺ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار (٢).
فإذا كان هذا الوعيد على مخالفته بالرفع، فكيف بمن يخالفه في كل ما بقي من أفعال صلاته، فلو كان هذا جائزًا لما توعده.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٢٨) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
ورواه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري به (٣).
قال ابن حزم: «هذا نص جلي على أنه لا يحل للمأموم أن يفارق إمامه حتى تتم صلاة الإمام، ولا تتم صلاة الإمام إلا بتمام سلامه» (٤).
• ويناقش:
هذا أمر لمن قصد الصلاة يريد الائتمام، ومن أراد قطع الائتمام لعذر، فليس داخلًا في الحديث، وقد شرط الرسول ﷺ للمشي إلى الصلاة بسماع الإقامة، فهل يعتبر من مشى إلى الصلاة قبل سماع الإقامة مخالفًا للشرط؟
стр. 3109
الدليل الرابع:
الائتمام له أحكام تخالف الانفراد، فلا يجوز أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر، كما لا يجوز الانتقال من الظهر إلى العصر، فإذا ابتدأ الصلاة بنية الائتمام فقد لزمته تلك الأحكام، فإذا فارقها، واختار الانفراد بطلت، كما لو بدأ بنية الانفراد ثم نوى الائتمام.
• دليل من قال: يصح إن كان هناك عذر:
الدليل الأول:
(ح-١٠٢٩) ما رواه البخاري من طريق سليم، حدثنا عمرو بن دينار،
حدثنا جابر بن عبد الله، أن معاذ بن جبل ﵁، كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجَوَّزَ رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجلَ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ، أفتان أنت؟ ثلاثًا، اقرأ: والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها (١).
• ونوقش:
بأن الإمام مسلم رواه، قال: حدثنا محمد بن عباد، حدثنا سفيان، عن عمرو،
عن جابر قال: كان معاذ، يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه، فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف (٢).
فقوله (تجوز) وقول بعض الرواة: (تنحى) تحتمل أن يكون بنى، وتحتمل أنه قطع.
ورواية مسلم صريحة أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنف الصلاة وحده، ويحمل المحتمل على الصريح، هذه طريقة الفقه.
• وأجيب:
بأن قوله: (فسلَّم) لفظة شاذة، تفرد بها محمد بن عباد، عن سفيان (٣).
стр. 3110
وإذا رغب المصلي في قطع صلاته، لا يحتاج إلى سلام في غير موضعه لكي يتحلل من صلاته، فانصرافه عن الصلاة يقطعها، ولا وجه للسلام، وإنما السلام
стр. 3111
يكون عند تمامها، لا قبل ذلك.
وقد رواه أحمد، عن سفيان، بلفظ: (فاعتزل رجل من القوم فصلى).
ورواه الشافعي، والحميدي، وإبراهيم بن بشار، وعبد الجبار، عن سفيان بلفظ: (فتنحى).
(ح-١٠٣٠) ويؤيد هذا ما رواه أحمد والنسائي في الكبرى من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية، حدثنا عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس ﵁، قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذًا طول، تجوز في صلاته، ولحق بنخله … الحديث.
[صحيح] (١).
لهذه الروايات حمل الشافعي، وأحمد الحديث بأن الرجل قطع القدوة، ولم يقطع الصلاة، وأتم صلاته منفردًا.
وقطع الفريضة بعد الشروع فيها أقبح من انفراد المصلي بعد الائتمام؛ لأن الأول يتضمن إبطال فرض بعد التلبس فيه، والآخر لا يتجاوز تغيير وصف زائد على أصل الصلاة، وهو الاقتداء، وهو أسهل، كما سوف أوضحه في أدلة الشافعية.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٣١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات،
عمن شهد رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع، صلى صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم (٢).
стр. 3112
فهؤلاء جماعة فارقوا إمامهم، وانتقلوا من الائتمام إلى الانفراد، وساغ ذلك لوجود العذر، وهو الخوف، فكان غيره من الأعذار قياسًا عليه، والله أعلم.
• دليل من قال: يصح مطلقًا:
الدليل الأول:
حديث جابر في قصة الأنصاري مع معاذ بن جبل ﵁، وقد ذكرته بتمامه في أدلة القول السابق، قال النووي: احتج به الشافعي في الأم، والشيخ أبو حامد، وآخرون على المفارقة بغير عذر، قالوا: وتطويل القراءة ليس بعذر … » (١).
• ونوقش:
بأن النووي قد قال: إذا لم يصبر على طول القراءة لضعف، أو شغل فهل هو عذر؟ فيها وجهان: أصحهما: أنه عذر (٢).
(ح-١٠٣٢) وقد روى البخاري من طريق إسماعيل، قال: سمعت قيسًا، قال:
أخبرني أبو مسعود، أن رجلًا، قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: إن منكم مُنَفِّرِين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة. ورواه مسلم (٣).
• ويرد عليه:
بأن التأخر لا يلزم منه ترك الجماعة، وإن فَوَّت أولها تجنبًا لمشقة التطويل فإنه يدركها بإدراك ركعة من آخرها.
فقد رواه البخاري من طريق سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وفيه: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان .... الحديث (٤).
стр. 3113
الدليل الثاني:
الانتقال من الائتمام إلى الانفراد، غايته أنه ترك الجماعة، والجماعة نافلة، في حقه فلا تلزم بالشروع.
• ويناقش:
بأن هذا يأتي على أصل الشافعية بأن الجماعة سنة، وأما من يرى الجماعة واجبة، فلا يصح هذا الاستدلال عليهم.
الدليل الثالث:
أن الإمامة والائتمام والانفراد وصف زائد على أصل الصلاة، فلا تأثير لنيتها في صحة الصلاة، وإن كانت قد تؤثر في تحصيل ثواب الجماعة.
فالرجل يدخل في الصلاة منفردًا دون نية الإمامة، ثم يلحق به آخر، فيقتدي به، فينتقل من الانفراد إلى الإمامة، ولم يكن ذلك في نيته عند عقد الصلاة، ولم تبطل صلاته.
ويدخل الرجل بنية الائتمام، فيسبق الإمام حدث أو يطرأ عليه عذر، فيستخلف رجلًا من المصلين، فيتقدم، ويصلي بالناس، فينتقل من الائتمام إلى الإمامة، ولم يكن ذلك في نيته عند عقد الصلاة، ولم يؤثر ذلك في صحة صلاته.
فكذلك إذا انتقل الرجل من الائتمام إلى الانفراد لم يبطل ذلك صلاته، سواء أكان ذلك لعذر، أم لغير عذر، ولكن إن كان لعذر لم يكره؛ وإلا كره لتفويته على نفسه ثواب الجماعة.
• الراجح:
جواز الانتقال من الائتمام إلى الانفراد بعذر، وأما الانتقال بغير عذر فإنه ولم لم يبطل الصلاة، فإن المصلي قد يأثم؛ لتركه الجماعة، والله أعلم.
* * *
стр. 3114
الباب الأول في صفة الصلاة
الفصل الأول في الأحكام المرتبطة بالخروج إلى الصلاة
المبحث الأول في استحباب الخروج متطهرًا بنية الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي.
• فضائل العمل لا تثبت بالقياس.
• الخروج إلى الصلاة متطهرًا وإحسان الطهور بنية الصلاة سنة متفق عليها.
• الباعث إذا خلص لله كان أكمل، فنية الخروج إذا تمحضت خالصة لإرادة الصلاة كانت أكمل من الخروج لها ولغيرها ولو كانت نية مباحة.
[م-٤٣٨] يسن الخروج إلى الصلاة متطهرًا، والإحسان في الطهارة بنية الصلاة. وهذه السنة متفق عليها (١).
• والأدلة على هذه السنن الثلاث:
الدليل الأول:
(ح-١٠٣٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت
стр. 3115
أبا صالح، يقول:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (١).
وفي رواية لهما: ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة (٢).
وفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة).
فقوله: (وذلك أنه إذا توضأ) التقدير: وذلك لأنه إذا توضأ فتكون الجملة تعليلية للحكم السابق، فكان هذا الفضل مرتبًا على الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والخروج بنية الصلاة، والمشي إليها ليحصل له هذا الفضل من رفع الدرجات وتكفير السيئات وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه، فالأصل ألا يترتب هذا الفضل إلا لمن جمع هذه الأمور، والله أعلم (٤).
وقوله: (لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة) أي لا يحركه ولا ينهضه ولا يبعثه على الخروج إلا الصلاة، وفيه فضيلة أن تتمحض نية الخروج خالصة
стр. 3116
لإرادة الصلاة، لاستخدامه النفي والإثبات وهو دليل على الحصر، فلا يكون الباعث على نيته الصلاة وغاية أخرى معها من شغل وغيره، حتى ولو كانت هذه النية مباحة لا تؤثر في صحة الصلاة، فإن الباعث إذا خلص لله كان أكمل، وما كان أكمل استحق مزية فضل على غيره.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٣٤) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله يعني ابن عمرو (الرقي)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم الأشجعي،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة) فجملة (تطهر، ومشى، ليقضي) فعل الشرط وما عطف عليه في حكمه، وجملة (كانت خطوتاه .. ) جواب الشرط، وإذا رتب الفضل عن طريق الشرط لم يحصل إلا بحصول شرطه وهو تطهر في البيت، ثم خرج إلى المسجد ماشيًا بنية الصلاة.
قوله: (ثم مشى) ظاهر الحديث أن هذا الجزاء للماشي دون الراكب، وأن الراكب لا يحصل له هذا الفضل، ففي حديث الصحيحين قال: (لم يُخْطُ خطوة) والخطوة خاصة بالماشي، وفي لفظ مسلم، (من تطهر في بيته ثم مشى).
ويؤيد ذلك ما جاء في نفي الركوب للخروج إلى الجمعة، وهو فرد من أفراد الخروج إلى المسجد.
(ح-١٠٣٥) فقد روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني،
عن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل
стр. 3117
واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام، فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (١).
[اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها، وهذا الفضل في المشي إلى الجمعة لا يعرف في غير هذا الحديث، وهو مخالف لأحاديث الصحيحين] (٢).