وقال أصحاب الجمع: أن معنى (كبَّر) أي أراد أن يكبر، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت قراءته.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] ولا إمساك بعد انقضاء العدة، فالمراد: إذا قاربت البلوغ.
وحديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. متفق عليه (١). أي إذا أراد دخوله.
وممن ذهب إلى ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢).
وقال عياض: «معنى دخوله في الصلاة: أي للصلاة، كما قال في الرواية الأخرى: (حتى إذا قام في مصلاه)، وفي الرواية الأخرى (قام مقامه)، ثم فسر بقوله: (قبل أن يكبَّر)» (٣).
وقد نقل ابن رجب في الفتح ما يدل على أن الإمام أحمد يومئ إلى ترجيح رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأنه لم يكن كبَّر (٤).
ولا يصح دعوى التعارض إلا مع إثبات أن الواقعة واحدة، وأما مع القول بتعدد الوقائع، كما رجح ذلك ابن حبان، والنووي، وأبداه القرطبي احتمالًا (٥)، فلا حاجة إلى الترجيح أو التأويل.
стр. 3047
الجواب الثاني:
عدم النقل عن الصحابة أنهم استأنفوا التكبير ليس دليلًا صريحًا أنهم قد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فالحديث لم ينقل أنهم قد بنوا، كما لم ينقل أنهم استأنفوا.
فالراوي لم يتعرض لها في الحديث، والحديث محتمل للأمرين.
وأما الجزم بأنهم لو كبَّروا لنقل فغير مسلَّم، فالراوي لم ينقل أن الرسول ﷺ استأنف التكبير حين عاد إلى صلاته، ولا يقال: لو كان النبي ﷺ كبر لنقل، وإنما علمنا أنه يلزمه التكبير من الإجماع، وليس من الحديث.
وأبو بكرة لم ينقل أن الصحابة كبروا حين كبر النبي ﷺ للمرة الأولى، إلا ما نعلم من حال الصحابة، وحرصهم على المسارعة في المتابعة، وإلا فالحديث ورد بثلاثة ألفاظ، كلها لم ينقل في الرواية أن الصحابة قد دخلوا في الصلاة مع الرسول ﷺ .
فرواه أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة به، بلفظ: (كبر في صلاة الفجر يومًا، ثم أومأ إليهم).
ولفظ يزيد بن هارون عن حماد به، عند أحمد: (استفتح الصلاة، فكبر، ثم أومأ إليهم أَنْ مكانكم … ).
ولفظ عفان، وأبي كامل، وموسى بن إسماعيل، وحبان، وأبي عمر الضرير، كلهم عن حماد به: (دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه: أي مكانكم … ).
وهذا الذي حمل ابن الهمام، فقال في فتح القدير بعد أن ساق الحديث: «سنده صحيح، ولا يقتضي أن ذلك كان بعد شروعهم؛ لجواز كون التذكر كان عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم … » (١).
فإن كانوا لم يدخلوا في الصلاة فذاك، وإن كانوا قد كبروا مع النبي ﷺ للمرة الأولى، وترك ذكره أبو بكرة ﵁ فهو دليل على أنه لا يمكن الجزم بأن عدم النقل نقل للعدم، فما المانع أن يكون الصحابة ﵃ حين عاد النبي ﷺ ، وكبر للدخول في الصلاة، كبر معه الصحابة أيضًا، واستأنفوا صلاتهم؟ فإذا قلت: لم
стр. 3048
ينقل. قيل لك: ولم ينقل تكبير النبي ﷺ ، فعدم النقل ليس حجة، ولا يعتبر نقلًا للعدم، وإنما شاء الله قدرًا ألا ينقل الراوي ذلك؛ لتكون من مسائل الخلاف، والله أعلم (١).
نعم ورد في حديث أنس: (فكبر، وكبرنا معه)، إلا أن حديث أنس الصحيح أنه مرسل كما سيأتي، والكلام على حديث أبي بكرة.
الجواب الثالث:
أن أبا داود قد روى معلقًا في السنن، قال أبو داود: ورواه أيوب، وابن عون، وهشام، عن محمد مرسلًا، عن النبي ﷺ ، قال: فكبر، ثم أومأ بيده إلى القوم: أن اجلسوا، فذهب، فاغتسل (٢).
وقد وصله الشافعي في الأم، فرواه عن ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، واختصر لفظه (٣).
وإسناد الشافعي إسناد صحيح، إلا أنه مرسل، ومرسلات ابن سيرين من أقوى المراسيل، وكان بن سيرين لا يرى الرواية بالمعنى، وهي لا تعارض لفظ: (أن مكثوا) أو لفظ: (مكانكم).
فإن صح أمرهم بالجلوس فهو دليل على أنهم لم يكونوا في صلاة، والله أعلم.
وقد ورد في حديث أنس: (فلم نزل قيامًا حتى أتانا)، إلا أن الصحيح فيه الإرسال.
وفي حديث أبي هريرة في مسلم: (فلم نزل قيامًا ننتظره) إلا أن حديث أبي هريرة صريح في أن النبي ﷺ تذكر قبل أن يكبر، وعلى كل حال انتظار الصحابة للنبي ﷺ وهم قيام، لا يعني أنهم كانوا في صلاة، فقد يكون أراد منهم النبي ﷺ أن يستمروا على الكيفية التي تركهم عليها، وهو قيامهم في صفوفهم المعتدلة لسرعة فيئه، ولو أراد النبي ﷺ بقاءهم على إحرامهم لأمرهم بالقراءة، أو الذكر في الصلاة، بدلًا من وقوفهم في الصلاة من غير قراءة، ولا ذكر إلى أن يرجع الإمام، والله أعلم.
قال ابن حبان: «محال أن يذهب ﷺ ليغتسل، ويبقى الناس كلهم قيامًا على
стр. 3049
حالتهم من غير إمام لهم إلى أن يرجع ﷺ ، ومن احتج بهذا الخبر في إباحة البناء على الصلاة لزمه أن لا يفسد وقوف المأموم بلا إمام مقدار ما ذهب ﷺ ، فاغتسل إلى أن رجع من غير قراءة تكون منهم، ولما صح نفيهم جواز ما وصفنا صح أن البناء غير جائز في الصلاة … » (١).
الدليل الرابع:
(ح-١٠١٠) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، عن سعيد يعني: ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: دخل النبي ﵇ في صلاة، فكبر، وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا، وقد اغتسل، ورأسه يقطر ماء (٢).
[رواه عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني مرسلًا، وهو المحفوظ] (٣).
الدليل الخامس:
(ث-٢٤٦) روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن مغيرة، والأعمش، والزبير، عن إبراهيم في الرجل دخل مسجدًا يرى أنهم قد صلوا، فصلى ركعتين من المكتوبة، ثم أقيمت الصلاة قال: يدخل مع الإمام فيصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يجعل الباقيتين تطوعًا، قال الزبير: فقلت لإبراهيم: ما شعرت أن أحدًا يفعل هذا قال: إن هذا كان يصنعه من كان قبلكم (١).
[إسناده إلى إبراهيم صحيح] (٢).
فقوله: إن هذا كان يصنعه من كان قبلكم، إن قصد به الصحابة ﵃ كان حجة، وإن عنى به أكابر التابعين، فإنه مما يستأنس به.
стр. 3052
• ويناقش:
بأنه يحمل على المتيقن، وهو التابعي، ولو كان هذا من فعل الصحابة ﵃ لتوافرت الهمم لنقله، وإبراهيم النخعي لم يصح له رواية عن أحد من الصحابة، والله أعلم.
وإذا ترجح أن هذا عن التابعين فلا حجة في قولهم لو اتفقوا، وخالفهم غيرهم، فكيف والتابعون مختلفون فيما بينهم.
(ث-٢٤٧) فقد روى ابن أبي شيبة عن الشعبي والحسن وعطاء والحكم وطاوس أنه يخرج مما هو فيه، ويدخل مع الإمام في صلاته (١).
الدليل السادس:
صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة.
فإذا صح أن يصلي بعض صلاته منفردًا، ثم يصلي إمامًا بأن يجيءَ من يأتم به، جاز أن يصلي بعض صلاته منفردًا، ثم يصير مأمومًا.
• ويناقش:
بأن مثل هذا لا يلزم منه سبق الإمام بتكبيرة الإحرام، بخلاف انتقال المنفرد إلى الائتمام.
• دليل من قال: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يصح انتقاله:
يلزم من متابعة الإمام اختلاف ترتيب صلاته، وهذا مفسد لصلاته.
• ورد هذا:
بأن المسبوق بركعة يجب عليه المتابعة، وإن اختلف ترتيب صلاته، فكذلك هذا.
• الراجح:
ليس في المسألة نص، فالترجيح سيكون عمدته على القياس.
فهل يصح قياس مسألتنا على الرجل ينتقل من الانفراد إلى الإمامة بمجرد النية في أثناء الصلاة، كما في حديث ابن عباس في بياته عند خالته ميمونة، وصلاته مع
стр. 3053
الرسول ﷺ صلاة الليل؟
فإذا صح الانتقال من الانفراد إلى الإمامة؛ صح الانتقال من انفراد إلى ائتمام، غاية ما هنالك أنه في الصورة الأولى صار إمامًا، وفي الثانية صار مؤتمًا.
قد يقال: إن الإمام والمنفرد أفعالهما واحدة، ولا يلزم من هذا الانتقال سبق المأموم للإمام بالتحريمة، والتي هي سبب الفساد.
ولهذا رجحت أنه لا تشترط النية للإمامة، فيصح الاقتداء بالمنفرد واتخاذه إمامًا، ولو كان دون علمه، بخلاف الائتمام فلا يصح إلا بنية، وهذا فرق آخر.
وهل تقاس مسألتنا على صحة انتقال الإمام إلى مأموم؟
لحديث سهل بن سعد، حيث صلى أبو بكر ﵁، وحين حضر الرسول ﷺ استأخر أبو بكر، وتقدم النبي ﷺ ، وصلى بالناس، فانتقل أبو بكر من الإمامة إلى الائتمام، وقد تقدم أبو بكر على إمامه بالتحريمة.
وهذا يصح دليلًا لمسألتنا بشرط أن يثبت أن النبي ﷺ استخلف في الصلاة قبل دخوله مأمومًا فيها، والأصل في الاستخلاف أن يكون من أحد المأمومين، ولو كان مسبوقًا، أما الاستخلاف من رجل لم يدخل الصلاة، ولم يكن من جملة المصلين فهذا محل البحث، والحديث محتمل، وقد تمت مناقشته.
فأرى أن المفسد، هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة؛ لحديث: إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر.
فجمع بين الأمر والنهي. وليس المفسد مجرد الانتقال حتى يستدل على صحة انتقال المنفرد إلى إمام، أو الإمام إلى مأموم على صحة سائر الانتقالات، فالانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، واختلاف نظم صلاته من أجل المتابعة لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يحدث المصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته، كما لو دخل رجل مع الإمام في صلاة المغرب، وأدركه في التشهد الأول، وجلس مع الإمام في التشهد، فإنه سوف يصلي مع الإمام ركعة، ويجلس معه للتشهد الأخير، وهذان تشهدان في صلاته، ثم يقوم ليقضي ما فاته، فيصلي ركعة، ويجلس للتشهد، وهو
стр. 3054
الجلوس الثالث في حقه، ثم يقوم ويأتي بالركعة الثالثة، ويجلس للتشهد الأخير، وهو التشهد الرابع في حقه، ولم تفسد صلاته باختلال نظم الصلاة بسبب المتابعة.
وإنما المفسد في مسألتنا هذه هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة، ولهذا لو أن المنفرد الذي يريد الانتقال قد سبقته الجماعة في التحريمة لا أرى مانعًا من صحة الانتقال بالنية.
فلو أن رجلًا دخل المسجد، ولم يتفطن لوجود جماعة قائمة تصلي الفريضة، فأحرم منفردًا، ثم انتبه لوجود هذه الجماعة، وقد سبقته في الدخول في الصلاة لم يمنع من الانتقال إلى الائتمام بالنية؛ لأنه لم يتقدم على إمامه في مثل هذه الصورة، والله أعلم، وهو مقتضى تعليل الحنفية والمالكية الذين أبطلوا الصلاة لسبق الإمام بالتحريمة، والله أعلم.
* * *
стр. 3055
الفصل الثالث عشر في انتقال الإمام إلى منفرد
المدخل إلى المسألة:
• صلاة الإمام مستقلة عن صلاة المأموم، فليست متعلقة بها، ولا في ضمنها.
• إذا جاز للمأموم الانتقال من الائتمام إلى الانفراد، كما في المسبوق إذا سَلَّم إمامه، جاز للإمام الانتقال إلى الانفراد قياسًا عليه.
• نية الإمامة ليست بشرط على الصحيح، ولا يلزم الإمام تعيين المأموم لصحة إمامته.
• خروج المأموم من الصلاة غاية ما فيه أنها تسقط نية الإمامة، وهي ليست بشرط لصحة الإمامة.
[م-٤٣١] إذا أحرم الرجل إمامًا، ثم صار منفردًا لعذر، كما لو سبق المأموم الحدث، أو أراد المأموم الانفراد عن الإمام لعذر يبيح له الانفراد، فاختلفوا:
فقيل: تصح صلاة الإمام، وهو مذهب الجمهور، والصحيح من مذهب الحنابلة، وعليه جمهورهم (١).
стр. 3056
وقيل: تبطل مطلقًا، وهو قول أصبغ من المالكية، وذكره ابن قدامة في المغني قياس المذهب (١).
قال في الفروع: «وإذا بطلت صلاة المأموم أتمها إمامه منفردًا قطع به جماعة؛ لأنها؛ لا ضمنها، ولا متعلقة بها بدليل سهوه، وعلمه بحدثه.
وعنه تبطل، وذكره في المغني قياس المذهب» (٢).
• وجه القول بالصحة:
أن صلاة الإمام مستقلة عن صلاة المأموم، فليست متعلقة بها، ولا في ضمنها، فلكل صلاته، فلو علم الإمام بحدث المأموم لم تبطل صلاته، بخلاف العكس.
ولأن نية الإمامة ليست بشرط على الصحيح، ولا يلزم الإمام تعيين المأموم لصحة إمامته، فخروج المأموم من الصلاة غاية ما فيه أنها تسقط نية الإمامة، وهي ليست بشرط لصحة الإمامة، فلو صلى أحد وراء رجل لم ينو الإمامة به صح عند جمهور العلماء خلافًا للحنابلة.
وكما يجوز للمأموم الانتقال من الائتمام إلى الانفراد، كما في المسبوق إذا سلم إمامه فكذلك هنا.
• وجه القول بالبطلان:
أما وجه بطلانها على قول أصبغ من المالكية:
أنه ابتدأ الصلاة جماعة فوجبت عليه، ومن وجبت عليه الصلاة في جماعة فصلى فَذًّا لم تجزئه، لهذا قالوا: يقطع، ويبتدئ، ولا يجوز له أن يبني (٣).
وهذا القول ضعيف؛ لأن المسبوق يبدأ الصلاة في جماعة، ويتمها منفردًا.
ولأن المالكية قالوا: إذا سبق الإمام الحدث، ولم يستخلف، ولم يستخلفوا
стр. 3057
أتموها فرادى، فبنوا فرادى على ما بدؤوه جماعة (١).
وأما وجه بطلانها عند بعض الحنابلة:
قالوا: إنما بطلت صلاة الإمام؛ لفساد نية الإمامة بخروج المأموم من الائتمام. ومقتضاه لو كان معه غيره لم تفسد لبقاء نية الإمامة.
ولأنه لو دخل في الصلاة منفردًا، ونوى الإمامة ظانًّا حضور مأموم فلم يحضر بطلت صلاته عند الحنابلة؛ لفساد نية الإمامة، فكذلك هنا.
ولأن ارتباط صلاة الإمام بالمأموم كارتباط صلاة المأموم بالإمام، فما فَسَدَ ثَمَّ فسد ههنا وما صح ثَمَّ صح ههنا.
وهذا القول ضعيف جدًّا؛ فلا وجه لارتباط صلاة الإمام بصلاة المأموم، فلا يلزم الإمام إذا اقتدى به أحد أي حكم من جهة صلاته، فصورة صلاة الإمام والمنفرد سواء، بخلاف العكس، فالإمام لا يبني أفعاله على فعل غيره، بل المأموم هو الذي يبني أفعاله على فعل إمامه، فالمأموم إذا نوى الائتمام تحمل عنه الإمام القراءة على الصحيح، والسهو، ووجب عليه المتابعة، فلا يكبر حتى يكبر الإمام، ولا يركع حتى يركع، فالإمام هو المتبوع وليس العكس.
وإنما تنازع الجمهور مع الشافعية في دعوى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وسبق بحث هذه المسألة، والصحيح أنه لا ارتباط بين الصلاتين في الصحة والبطلان، وأن صلاة كل واحد منهما مستقلة عن الأخرى، والله أعلم.
وهذا هو الراجح، والخلاف المشهور إنما هو في عكس هذه المسألة:
لو أن الذي أحدث هو الإمام، فبقي المأموم وحده، فهل تبطل صلاته؟
فالحنفية والحنابلة الذين يقولون: بفساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه يبطلون صلاته خلافًا للمالكية والشافعية.
فإذا قلنا بالقول الراجح: إنها لا تبطل صلاة المأموم، فيتم وحده، ويبني على ما صلاه مع إمامه.
стр. 3058
وقال المالكية تفريعًا على هذه المسألة: لو أن المأموم مسافر، والإمام مقيم، فبطلت صلاة الإمام أتم المأموم صلاة مقيم.
وهذا من البناء على إحرام إمامه، فكأنه استخلفه.
وقيل: يقطع، ويبتدئ، وصوبه ابن رشد؛ وعلل ذلك بأن من ابتدأ صلاته في جماعة، فلا يتم وحده وذكرنا وجهه، وهذا تصويب لقول أصبغ خلافًا لابن القاسم (١).
• والراجح:
جوازا انتقال الإمام إلى الانفراد.
* * *
стр. 3059
الفصل الرابع عشر في انتقال الإمام إلى مأموم لحضور الإمام الراتب
المدخل إلى المسألة:
• الإمام الثاني بدل عن الإمام الأول، وصلاته امتداد لصلاته.
• الشرط ألا يسبق المأموم إمامه الذي ابتدأ الصلاة معه، لا الذي أكمل معه الصلاة؛ فإن الثاني تبع للأول، وبدل عنه.
• إن بنى الإمام الثاني على ترتيب صلاة الإمام الأول، صار الإمام الثاني بدلًا عن الأول، وإن صَلَّى لنفسه، وهو الأصل، كان ما يصليه الإمام الراتب هو أول صلاته، وعلى المأموم أن يتابعه في موقفه، واختلال نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة لا حرج فيه، ولا يؤثر ذلك في بطلان صلاته.
•الجلوس العارض للمأموم من أجل متابعة إمامه لا تأثير لها في بطلان صلاته، وإن كثرت في صلاة المأموم.
[م-٤٣٢] إذا غاب الإمام الراتب، فأقيمت الصلاة، وقام نائبه بالإمامة عنه، ثم حضر الإمام الراتب، فإن صلى الإمام الراتب مأمومًا فلا خلاف كما فعل النبي ﷺ حين صلى خلف عبد الرحمن بن عوف.
وإن أحب الإمام الراتب أن يتقدم إمامًا؛ ليكمل بهم الصلاة، ويتراجع النائب عن الإمامة إلى الائتمام، ففي ذلك خلاف:
فقيل: لا يصح مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
стр. 3060
وقيل: يصح مطلقًا، وهو أظهر القولين في مذهب الشافعية، وبه قال البخاري في صحيحه (١).
وقيل: يصح إن كان الإمام هو الراتب، فإذا صلى بهم بنى على صلاة نائبه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (٢).
وحكي عن ابن القاسم من المالكية، وإنما قاله في إمام أحدث فاسْتَخْلَف ثم أتى، فأخَّر الْمُسْتَخْلَف، وأتم الصلاة، فقال: «إن ذلك ماضٍ، واستدل بفعل أبي بكر حين تأخر، وتقدم النبي ﷺ ، قال الباجي: وذلك يدل على أنه يرى أن هذا الفعل لا يختص بالنبي ﷺ » (٣).
واشترط ابن القاسم لجواز ذلك ألا يعملوا لأنفسهم عملًا قبل عوده (٤).
وقصر ابن عبد السلام من المالكية الجواز في حق الإمام الراعف الباني دون
стр. 3061
ما يوجب قطع الصلاة كالحدث، قال ابن عرفة: وهو وهم وقصور (١).
وقد يقال: إن قول ابن القاسم وابن عبد السلام أخص من قول الحنابلة والشافعية، فهما يتكلمان عن البناء على الصلاة إذا أحدث الإمام، أو رعف في صلاته، فاستخلف، فخرج، فتوضأ، ثم عاد إلى إمامة الصلاة مرة أخرى، فاستأخر المستخلف.
فهذا جائز عند ابن القاسم سواء أكان خروجه عن الصلاة من حدث أم من رعاف.
بخلاف ابن عبد السلام فقصره على الراعف الباني، واشترطوا ألا يعمل المصلون لأنفسهم عملًا قبل عوده.
وقد لا يجيزان صورة أن يأتي رجل من خارج الصلاة، فيستخلف، ويتراجع الإمام إلى الائتمام، كما في حديث سهل بن سعد. والله أعلم (٢).
وقال ابن حزم: «لا يضره أن يكبر قبل إمامه، إذا كان تكبيره بحق» (٣).
стр. 3062
• دليل الحنفية والمالكية على أنه لا يجوز:
الدليل الأول:
(ح-١٠١١) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. ورواه مسلم (١).
ورواه أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، عن النبي، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع .... الحديث (٢).
[حسن] (٣).
فجمع بين الأمر بأن يكون التكبير عقيب الإمام، وبين النهى عن سبق الإمام بالتكبير، والأصل في النهي التحريم والفساد، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه (٤).
الدليل الثاني:
ولأنه يلزم منه أن يتقدم المأموم على إمامه بالتحريمة، وأن يكون الإمام مبتدئًا بالصلاة من وسطها (٥).
قال ابن بطال: «لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي، بناء على أصل مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون من كبر قبل إمامه» (٦).
стр. 3063
وقال ابن نجيم: «التابع لا يتقدم على المتبوع، فلا يصح تقدم المأموم على إمامه في تكبيرة الافتتاح، ولا في الأركان» (١).
فإذا دخل الإمام الراتب، فهل يبني على صلاة سلفه حتى يتم الصلاة، ثم يقضي ما فاته، أو أن ما يصليه هو أول صلاته؟
فإن قلنا: يبني على صلاة نائبه: فما شأن الركعة التي دخل فيها، وكان الإمام الأول قد قرأ فيها بفاتحة الكتاب، هل يعيد الإمام الراتب قراءة الفاتحة مرة أخرى، وإن اعْتَدَّ بقراءته، فكيف يعتد في صلاته بقراءة إمام لم يكن شاهدًا على قراءته، ولا قرئت من أجله.
وإن قلنا: إن ما يصليه الإمام الراتب هو أول صلاته، فيلزم منه أن يكون المأموم متقدمًا على إمامه لا بالتحريمة فقط، بل حتى في أفعال الصلاة.
• ويجاب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن القائلين بالجواز لا يمنعون من تقدم إحرام المأموم على إمامه.
قال ابن حجر: «جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله ﷺ وقد قدمنا أنه ظاهر الرواية» (٢).
الجواب الثاني:
أن الإمام الثاني بدل عن الإمام الأول، وصلاته امتداد لصلاته، والشرط ألا يسبق المأموم إمامه الذي ابتدأ الصلاة معه لا الذي أكمل معه الصلاة، فإن الثاني تبع للأول، وبدل عنه.
قال العيني: «إمامهم كان أبا بكر ﵁ أولًا، ولم يسبق تكبيرهم على تكبيره، ثم إن النبي ﵇ أتم صلاة أبي بكر، ولم يبتدئها من أولها حتى يلزم
стр. 3064
ما ذكره، وهذا ظاهر لمن يتكلم بالتأمل» (١).
الجواب الثالث:
حديث سهل بن سعد فيه احتمال أن يكون الرسول ﷺ دخل في الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، ثم استخلف، فأتم بالناس بقية صلاتهم، وهذا ما رجحه ابن رشد في البيان والتحصيل (٢).
واستخلاف المأموم، ولو كان مسبوقًا لا إشكال فيه؛ لأنه سيبني على صلاة إمامه، وتكون صلاته امتدادًا لسلفه، ولا يمنع من ذلك جمهور العلماء القائلون بجواز الاستخلاف، بخلاف استخلاف رجل من خارج الصلاة لم يكن له إمام يبني على صلاته (٣).
ويدل عليه أنه ﵊ عندما تراجع أبو بكر القهقرى، أشار إليه إشارة بيده أن امكث، ولو لم يكن في صلاة لاستخدم العبارة بدلًا من الإشارة.
وهذا ما فهمه الباجي في شرح الموطأ، قال فيه: «أشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، وفي ذلك دليل أن الإشارة في الصلاة للعذر والحاجة إلى ذلك لا تبطلها، ولا تنقصها؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك» (٤).
стр. 3065
الجواب الرابع:
على فرض أن يكون إمام الحي مبتدئًا للصلاة من وسطها، فما المانع منه شرعًا، فهذه الصلاة أصبح لها إمامان، وحديث سهل دليل على صحة ذلك.
فهل كان كل إمام يصلي لنفسه، أو أنه جزء من صلاة الإمام الذي قبله؟
فإن قلنا: إنه جزء من صلاة الإمام الذي قبله، فهو سوف يبني على صلاة سلفه ولا إشكال فيه، وهذا اختيار ابن القاسم والحنابلة.
قال ابن القاسم: «ولو أنه حين أخرجه -يعني خليفته- ابتدأ الصلاة لنفسه كان عليهم الإعادة، اتبعوه، أو لم يتبعوه» (١).
وقال العيني: «إن النبي ﵇ أتم صلاة أبي بكر، ولم يبتدئها من أولها حتى يلزم ما ذكره» (٢).
وجاء في كشاف القناع: «إن أحرم إمام لغيبة إمام الحي … ثم حضر إمام الحي في أثنائها أي: الصلاة فأحرم بهم … وبنى إمام الحي على ترتيب صلاة خليفته .... صح؛ لما روى سهل بن سعد» (٣).
وإن قلنا: إن الإمام يصلي لنفسه، وهو الأصل، وغيره يتبعه، والإمام لا يتبع غيره، فلا مانع من كونه يبتدئ الصلاة من وسطها، لأن ما يصليه الإمام الراتب هو أول صلاته، وهذا ما ذهب إليه ابن بطال من المالكية (٤).
فعلى المأموم أن يتابعه في موقفه، واختلال نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة لا حرج فيه، ولا يؤثر ذلك في بطلان الصلاة، كما بينت في المسألة السابقة.
فلو قدر أن الإمام السابق صلى ركعة، ثم جاء إمام الحي، فإن المأموم يصلي
стр. 3066
معه ثلاث ركعات، ولا يضر صلاته إذا وافق الإمام بالجلوس معه في غير موضع جلوس المأموم من أجل تحقيق المتابعة.
فإذا صلى معه ثلاث ركعات جلس، ولا يتابعه؛ لأن صلاة المأموم قد تمت، ويقوم الإمام وحده يصلي الركعة المتبقية عليه، فإن شاء انتظره المأموم حتى يسلم معه، وإن شاء سَلَّم.
الدليل الثالث:
لا يجوز اتخاذ إمامين في الصلاة بلا عذر يوجب الاستخلاف، كما لو سبقه الحدث في أثناء الصلاة أو حصر الإمام عن القراءة (١).
وقد فسر الحنفية حديث سهل بن سعد بأن أبا بكر حُصِر عن القراءة عند حضور النبي ﷺ ، فتقدم النبي ﷺ وتأخر أبو بكر ﵁ (٢).
وفسر بعض المالكية ما وقع للنبي ﷺ مع أبي بكر على الخصوصية (٣).
• ونوقش:
بأن العذر أوسع من طروء الحدث، فالإمام الراتب له حق في الإمامة إذا حضر ورغب في إكمال الصلاة؛ لتقدم حقه.
فلم يكن اتخاذ إمامين للصلاة دون سبب؛ وذلك لأن مطالبة صاحب الحق بحقه سبب، وعذر في جواز انتقال النائب إلى الائتمام، وكون القوم ابتدؤوا بالصلاة لا يسقط أحقية الإمام الراتب بالإمامة إذا حضر، هذا ما دل عليه حديث سهل.
نعم لو كان المطالب بالاستخلاف من جملة المصلين، ولا يفضل الإمام النائب بشيء، ورغب في التقدم فليس له الحق في هذا؛ لتساويهما، والأصل عدم الانتقال إلا لسبب.
الدليل الرابع:
منع الانتقال جاء من القول بارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه.
стр. 3067
قال القاضي عياض: «وقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به): حجة لمالك، وعامة الفقهاء في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له … » (١).
وتقدم النقل عن ابن بطال بقوله: «لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي، بناء على أصل مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون من كبر قبل إمامه» (٢).
• ونوقش:
بأن القول بارتباط صلاة المأموم بالإمام فيه خلاف، والراجح ما ذهب إليه الشافعي، ويدل عليه:
(ح-١٠١٢) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٣).
• دليل الحنابلة والشافعية على جواز تقدم إمام الحي لإكمال الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-١٠١٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى،
стр. 3068
فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (١).
وروى البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه،
عن سهل: وفيه: … فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًّا حتى قام في الصف الأول … الحديث (٢).
ورواه البخاري من طريق أبي غسان، قال: حدثني أبو حازم به، وفيه: … ثم جاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول … (٣).
ورواه البخاري من طريق حماد، حدثني أبو حازم به، وفيه: … وجاء النبي ﷺ ، وأبو بكر في الصلاة، فشقَّ الناسَ حتى قام خلف أبي بكر (٤).
ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن أبي حازم به، وفيه: .... فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم … (٥).
• وأجيب:
بأن هذا الحديث قد اختلف فيه:
هل كان خاصًّا بالنبي ﷺ فلا يقاس عليه، أو أن هذا للنبي ﷺ ولغيره؟
فقيل: هذا خاص بالنبي ﷺ ، ونسبه ابن بطال إلى كثير من العلماء، وحكاه بعض الحنابلة إلى أكثرهم، وابن عبد البر إلى الجمهور (٦).
ولأن النبي ﷺ لا يساويه أحد من المأمومين، وفضيلة الصلاة خلفه ليست كالصلاة خلف غيره.
ولأن الله تعالى أمر ألا يتقدم أحد بين يديه، وهذا على عمومه في الصلاة
стр. 3069
والفتوى وغيرها، وهو حجة أبي بكر ﵁ في الاعتذار عن امتثال أمر النبي ﷺ ، وقد أقره النبي ﷺ على قوله.
وقيل: هذا خاص بالإمام الأعظم دون غيره، وهو وجه عند الحنابلة.
وقيل: بل يشمل كل إمام راتب دون الإمام المتطوع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقد وثقت هذه عند عرض الأقوال في أول المسألة.
وقيل: لا فرق في ذلك بين الإمام الراتب وغيره، فلو حضر من هو أقرأ من الإمام فأحب أن يتراجع الإمام ويقدم الأقرأ جاز، كما هو مذهب الشافعية.
فالمتيقن أنه قد صح ذلك في حق النبي ﷺ ، وغيره محتمل، والاحتياط للصلاة هو أن نحملها على المتيقن، وهو اختصاصه بالنبي ﷺ ، وأن يترك النائب يُكْمِل صلاته، ويصلي الإمام الراتب خلفه؛ لأنه قد شرع في المقصود، وقد صلى الرسول ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو قد جمع بين الإمام الراتب، والإمام الأعظم، وكون المصلي يفعل فعلًا يجمع العلماء على صحته خير من أن يفعل فعلًا يختلف الناس في صحته، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وهو الصلاة.
• ونوقش:
بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل عليها هنا، والأصل التأسي، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٠١٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحق، عن أرقم بن شرحبيل،
عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فذكر حديثًا طويلًا … جاء فيه: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل حصر، ومتى ما لا يراك
стр. 3070
الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس؟!، فخرج أبو بكر فصلى بالناس، ووجد النبي ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناس سبحوا أبا بكر، فذهب يتأخر، فأومأ إليه، أن مكانك، فجاء النبي ﷺ حتي جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس وأخذ النبي ﷺ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر، ومات في مرضه ذاك، ﵇، وقال وكيع مرة: فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر (١).
ورواه الطبراني من طريق أسد بن موسى، حدثنا إسرائيل به، بتمامه وفيه: ( … واستفتح النبي ﷺ ، من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وأبو بكر قائم ورسول الله ﷺ جالس … ) الحديث (٢).
ورواه الطحاوي من طريق أسد بن موسى به، بتمامه وفيه: ( … فاستتم رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر ﵁ من القراءة، وأبو بكر ﵁ قائم .... ) الحديث (٣).
ورواه أحمد من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به، وذكر فيه: ( … واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر (٤).
[رجاله ثقات] (٥).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ بنى على قراءة أبي بكر، فدل على أنه الإمام الثاني بدل عن الإمام الأول، وصلاته امتداد لصلاته.
• وأجيب:
كون الإمام يبني على صلاة إمامه السابق لا إشكال؛ لأنه محمول على أن ما يصليه آخر صلاته، وما فاته سوف يقضيه كمسبوق، لكن كونه يبني على قراءة إمامه فذلك يعني أن قراءة الفاتحة أو بعضها سوف تسقط عنه؛ لأن الفاتحة أول القراءة، وكيف تسقط عنه، وهي ركن، ولو كان مأمومًا ثم استخلف كانت قراءة الإمام له قراءة، أما أن يأتي من خارج الصلاة ثم يسقط عنه ركن من الصلاة أداه عنه الإمام السابق في وقت لم يكن هو موجودًا في الصلاة، فهذا لا نظائر له.
وقد ذاكرت فيها مجموعة من الأقران لأستفيد منهم، فذكروا احتمالات لا تشفي الغليل، منها:
стр. 3074
أنه يحتمل أن النبي ﷺ قرأ الفاتحة سرًّا، واستفتح القراءة من حيث انتهى أبو بكر.
وهذا ضرب من الافتراض لا دليل عليه.
أو الإعراض عن ظاهر الحديث بالقول بأن المقصود به فيما عدا الفاتحة، مع أنه خلاف ظاهر اللفظ، لأن اللفظ صريح (استفتح القراءة من حيث انتهى أبو بكر)، مثله مثل حديث عائشة في مسلم: (قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين) (١)، وقد أخذ الفقهاء من الحديث عدم الجهر بالبسملة.
أو القول بأن في هذا دليلًا على أن الفاتحة لا تجب في كل ركعة كما هو مذهب المالكية، وهو مذهب مرجوح.
أو يقال: إن الإمام الثاني يعامل معاملة المأموم المسبوق، مع إن الإمام والمنفرد تجب عليهم القراءة بالإجماع بخلاف المأموم في أصح قولي أهل العلم.
وكل هذه تأويلات، ولا حاجة إليها إذا كان الحديث في متنه نكارة، وفي إسناده تفرد، والله أعلم.
• الراجح:
أن ذلك جائز إذا كان تأخر الإمام وانتقاله إلى الائتمام له سبب، إما لكونه إمام الحي، أو لأنه الإمام الأعظم، أو لزيادة فضل؛ لكونه أقرأ، أو أعلم، ونحوها، وأما إذا كان من عامة المصلين فلا حاجة إلى الاستخلاف مع صحة صلاة الإمام.
وإذا صلى إمامًا فإن أحب أن يكون ما يصليه الإمام الثاني أول صلاته تابعه المأموم فيما بقي للمأموم من الصلاة، ثم جلس، فإن شاء سلم المأموم، وإن شاء انتظر إمامه حتى يقضي ما عليه من الصلاة ثم يسلم معه، وهذا أحب إلي.
وإن شاء الإمام الثاني أن يبنى على صلاة إمامه السابق ليكون ما يصليه آخر صلاته، ويقضي ما فاته، فهذا جائز أيضًا، وهو مذهب الحنابلة والحنفية في المسبوق خلافًا للشافعية.
стр. 3075
وأما القراءة فيلزمه أن يقرأ بفاتحة الكتاب من حين استخلافه، فإن أحب بعد ذلك أن يبني على قراءة إمامه فلا حرج، وإن قرأ قراءة مستقلة فذلك جائز؛ لأن القراءة لا تجب فيما عدا الفاتحة.
وأما الأَوْلى والأفضل، فيقال: إن كان الإمام قد صلى ركعة، فأكثر فالأفضل أن يترك الإمام النائب يكمل صلاته خوفًا من إرباك الجماعة فيما يجب عليهم في اختلال نظم صلاتهم، فالكثير منهم قد لا يفقه كيف يتصرف.
وإن كان الإمام النائب في الركعة الأولى فالأمر واسع، فإن تركه يكمل فقد أشار النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يمكث في مكانه، وصلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف.
وإن تقدم للإمامة فقد تقدم النبي ﷺ ، وأكمل بهم الصلاة، وأحب إلي أن يحرم مأمومًا، ثم يستخلف، ليكون الحكم في استخلاف مأموم من داخل الصلاة، وليس في استخلاف رجل من خارج الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 3076
الفصل الخامس عشر في انتقال المأموم إلى الإمامة
المبحث الأول في الاستخلاف لعذر لا يبطل الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في جواز الاستخلاف حديث سهل بن سعد، أن أبا بكر صلى بالناس، فجاء رسول الله ﷺ ، والناس في الصلاة، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس.
• إذا جاز انتقال الإمام إلى مأموم جاز انتقال المأموم إلى إمام، والبناء على صلاة إمامه.
• المأموم قد دخل في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي، فالأصل أن صلاته على الصحة، ولا تبطل إلا بدليل شرعي.
• لا يوجد دليل على أن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة إمامه.
• وجوب متابعة الإمام في أفعاله، وتحمل الإمام القراءة والسهو عن المأموم لا يعني بطلان صلاة المأموم إذا طرأ عجز إمامه عن إكمال صلاته.
[م-٤٣٣] اتفق الأئمة الأربعة على أن الحصر عن القراءة الواجبة عذر يوجب الاستخلاف خلافًا لأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية.
واختلفوا في العجز بسبب مرض أو خوف.
فقال الحنفية: إذا عجز عن القيام أتم قاعدًا؛ لجواز اقتداء القائم بالقاعد فلا حاجة إلى الاستخلاف، وجوز الحنابلة ذلك مع الإمام الراتب (١).
стр. 3077
وقال المالكية: إذا أصيب الإمام بعجز أو خوف جاز له الاستخلاف مطلقًا، ولو بطلت صلاة الإمام، وهو رواية عن أحمد (١).
وقال الحنابلة: له الاستخلاف إذا أصيب بمرض أو خوف أو حصر عن واجب بشرط بقاء صلاة الإمام، فإن بطلت صلاته بطلت صلاة المأموم تبعًا له (٢).
стр. 3078
وقال الشافعية في الجديد: يصح الاستخلاف، ولو بغير عذر (١).
وقيل: لا يصح الاستخلاف مطلقًا، فإذا عجز الإمام أتم المصلون فرادى، وهو القول القديم للشافعي (٢) ..
• وسبب الخلاف:
اختلافهم في ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه.
فقال الشافعية: لا ارتباط بين صلاة المأموم وصلاة الإمام؛ لهذا جوزوا الاستخلاف، ولو بلا سبب خلافًا للجمهور.
وأما خلاف الحنفية مع المالكية والحنابلة فهو خلاف في تحقيق المناط، فالعجز عن الركوع والسجود عذر يبيح له الاستخلاف عند المالكية والحنابلة خلافًا للحنفية؛ حيث رأى الحنفية أنه يمكنه الصلاة قاعدًا؛ لجواز اقتداء القائم بالقاعد، فلم يتحقق العجز.
• دليل الشافعية على جواز الاستخلاف لغير عذر:
احتج الشافعية على قولهم بأدلة عامة وخاصة، منها:
стр. 3079
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].
هذه الآية الكريمة أصل في أنه لا يؤخذ أحد بفعل أحد، وقد احتج بها بعض أهل العلم على عدم ارتباط صلاة المأموم بإمامه (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٠١٥) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٢).
فلم يتحمل المأموم خطأ الإمام، وهذا دليل على أن صلاة المأموم لا ارتباط لها بصلاة الإمام.
وربما حمل الجمهور الحديث على الإثم، دون الصحة.
الدليل الثالث:
(ح-١٠١٦) ما رواه مسلم من طريق الوليد يعني ابن كثير، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ يومًا، ثم انصرف، فقال: يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي (٣).
فالحديث قد يحتج به على أن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام، والله أعلم (٤).
فقوله في الحديث: (يصلي لنفسه) دليل في الحديث على أصل عظيم وأن المأموم يصلي لنفسه، وأن فساد صلاة الإمام بموجب الدليل لا يسري إلى بطلان
стр. 3080
صلاة المأموم.
الدليل الرابع:
(ح-١٠١٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ ، والناس في الصلاة .... فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى .... الحديث، ورواه مسلم (١).
فالحديث مجمع على صحته:
فاحتج به الشافعية على جواز الاستخلاف ولو بلا عذر، ولا يظهر لي هذا، فالعذر لأبي بكر ﵁ قد أفصح عنه في الحديث: وهو قول أبي بكر ﵁: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ .
واحتج به الحنابلة على أن الاستخلاف يجوز بشرط ألا تبطل صلاة الإمام، فإن سبقه الحدث، أو تذكره فلا استخلاف.
وليس في الحديث دليل على أنه لا يجوز الاستخلاف في غيره.
واحتج به الحنفية بأن العجز عن إكمال الصلاة عذر يبيح الاستخلاف، وحملوا اعتذار أبي بكر بأنه حُصِر عن إكمال الصلاة؛ لحضور النبي ﷺ (٢).
وفيه نظر، فإن أبا بكر ﵁ لم يعتذر بالعجز، وإنما في عدم رغبته في التقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، وبينهما فرق، فالأول عيب، الثاني تعظيم لجناب الرسول ﷺ ، وهو الذي يليق بمقام النبي ﷺ ومقام صاحبه.
وأما المالكية وبعض الفقهاء فرأوا أن هذا خاص بالنبي (٣).
стр. 3081
وقد سبق مناقشة دعوى الاختصاص في مسألة سابقة عند الكلام على مسألة إذا ناب عن إمام الحي في الصلاة رجل، ثم حضر الإمام الراتب.
الدليل الخامس:
الأصل أن صلاة المأموم صحيحة، ولا يوجد دليل من نص، أو إجماع على أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام، فالمأموم قد دخل في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي، فلا يمكن أن تفسد صلاته إلا بنص شرعي.
نعم لو علم المأموم قبل الصلاة أن صلاة إمامه باطلة؛ لكونه محدثًا، بطلت صلاة المأموم، لا لأنها مرتبطة بصلاة الإمام، ولكن لأنه ائتم بمن لا تصح صلاته.
وانظر: أدلة الجمهور مستوفاة في المسألة التالية منعًا من تكرار الأدلة، والله أعلم.
* * *
стр. 3082
المبحث الثاني في الاستخلاف لعذر يبطل الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• خطأ المأموم لا يؤثر على صلاة الإمام بالاتفاق، فخطأ الإمام لا يؤثر على صلاة المأموم كذلك، فلكُلٍّ صلاته.
• جاء الدليل على صحة الصلاة بإمامين كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، وهو دليل على صحة الاستخلاف.
• كل خلاف بين الإمام والمأموم لا يترتب عليه اختلاف في الأفعال لا يخل بالائتمام، كالاختلاف في النية، بأن يصلي مفترض خلف متنفل، أو مقيم خلف مسافر.
• صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في وجوب متابعته، وعدم الاختلاف عليه في أفعاله، فبطلان صلاة الإمام ينهي المتابعة بينهما، ولا يبطل صلاة المأموم.
• يتبع المأموم إمامه في أفعاله، فيجلس المسبوق لجلوس إمامه، ولو في غير موضع جلوس المأموم.
• يحمل الإمام عن المأموم السهو، والقراءة على الصحيح.
• إذا قام الإمام إلى خامسة، ولم يرجع، وجب على المأموم مفارقته، ولم تبطل صلاته، فكذلك إذا بطلت صلاة الإمام بأي مفسد وجبت مفارقته، ولم تبطل صلاة المأموم.
• المأموم قد أذن له شرعًا بالاقتداء بالإمام، وما ترتب على المأذون فغير مضمون.
• لا يكلف المأموم صحة صلاة إمامه، بل هي أثر ناشئ عن فعل المصلي وحده إمامًا كان أو مأمومًا.
[م-٤٣٤] إذا طرأ على الإمام عذر يبطل صلاته، كما لو سبقه الحدث، أو تذكره، أو تعمده، فاختلفوا:
стр. 3083
فقيل: ليس له الاستخلاف، وهو القديم من قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: له الاستخلاف إن سبقه الحدث، فإن تعمد، أو تذكر الحدث لم يستخلف؛ لبطلان صلاة الإمام والمأموم؛ وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٢).
لأن الاستخلاف بناء الصلاة على ما مضى منها، ولم يصح ما مضى حتى يبني عليه.
وقيل: له الاستخلاف إن سبقه الحدث، أو تذكره، وخرج في الحال، فإن تعمد الحدث، أو تذكره فيها وتمادى فيها بطلت صلاة الجميع ولم يستخلف، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 3084
وقيل: له الاستخلاف مطلقًا، سواء أَسَبَقَ، أم تعمد، أم تذكر الحدث، وهذا مذهب الشافعية، وهو أوسع المذاهب (١).
قال في التنبيه: وإن أحدث الإمام، فاستخلف مأمومًا جاز في أصح القولين، إلا أنه يستخلف من لا يخالفه في ترتيب الصلاة.
• دليل من قال: لا يستخلف:
الدليل الأول:
(ح-١٠١٨) روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن،
عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه، أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (٢).
[ضعيف الإسناد] (٣).
وجه الاستدلال من الحديث:
أن النبي ﷺ لم يستخلف حين دخل في الصلاة ثم تذكر حدثه، ولو كان جائزًا لكان الأشبه أن يستخلف؛ لأن هذا هو الأيسر من أحد احتمالين: إما إبطال صلاة المأمومين بعد تلبسهم بالعبادة، أو وقوفهم منتظرين، وهم في الصلاة وقوفًا بلا ذكر أو قراءة طيلة ذهاب الإمام واغتساله وإيابه، ثم دخول الإمام في الصلاة وإمامته لهم مع تأخره عنهم في التحريمة، فلما تُرِكَ الاستخلافُ مع كونه الأيسر عُلِمَ أنه ليس مشروعًا؛ لأن من هدي النبي ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف سندًا.
стр. 3085
• ورد هذا الوجه:
بأنه إن لم يكن حجة في نفسه فهو حجة بالمجموع وقد تقوى بمجموعة من المراسيل الصحيحة، منها: مرسل ابن سيرين، وبكر المزني، وغيرهما. وسبق تخريجها في مسألة سابقة.
الوجه الثاني: ترك الاستخلاف دليل الجواز، ولم يقل أحد بوجوب الاستخلاف.
الوجه الثالث: هدي الرسول ﷺ هو في تحري الأيسر ما لم يكن في تركه جلب مصلحة أكبر، أو دفع مفسدة، ولا شك أن المصلحة ظاهرة، فانتظارهم للرسول ﷺ ؛ لتحصيل فضيلة الصلاة خلفه أحب إلى الصحابة من استخلاف غيره.
الدليل الثاني:
(ح-١٠١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث أن الإمام ضامن، وإنما يضمن لهم صحة صلاتهم، فصحة صلاة المأموم في عهدة الإمام، وفسادها مقرونة بفساد صلاته.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الحديث ضعيف
الوجه الثاني:
لا يلزم من كون الإمام ضامنًا أن تفسد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، وقد روي الحديث من مسند سهل بن سعد وجمع فيه بين ضمان الإمام وقصر إساءة