← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وقيل: التسليمة الأولى واجبة، والثانية سنة، وهو قول في مذهب الحنابلة، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (١). قال في المغني: «والواجب تسليمة واحدة، والثانية سنة … وليس نص أحمد بصريح بوجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول الله ﷺ وحديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه. ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية والاستحباب دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيره وقد دل عليه قوله في رواية مهنا: أعجب إليَّ التسليمتان» (٢). فخلص لنا من الخلاف كالتالي: الخروج من الصلاة بلفظ السلام ركن من أركان الصلاة عند الجمهور، وقال الحنفية وأحمد في رواية رجحها ابن قدامة واجب. واختلفوا في التسليمة الثانية. فقيل: واجبة، وهو مذهب الحنفية. وقيل: ركن في الفريضة دون النوافل والجنازة، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: سنة، وهو مذهب المالكية والشافعية وقول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة. والخلاف في المسألة راجع إلى مسألتين: الأولى: قوله: (وتحليلها التسليم) التسليم أهو جزء من الصلاة، أم هو فعل منافٍ للصلاة، يخاطب به المصلي غيره بالسلام، فهو إطلاق من محظور: وهو المنع من الكلام. فإن قلنا: هو جزء من الصلاة تعين التسليم للخروج من الصلاة، وإن قلنا: إن التسليم إطلاق من محظور، وهو مخاطبة المصلين أو الملائكة بالسلام وقد كان الكلام ممنوعًا فتكلم المصلي بالسلام قاصدًا غيره؛ لكونه منافيًا للصلاة، ليخرج به من الصلاة، فإن ذلك يعني أن التسليم لا يتعين التسليم للخروج منها،

стр. 5567

فكل قول أو فعل ينافي الصلاة يمكن أن يخرج به المصلي من الصلاة. المسألة الثانية: الخلاف في (أل) في قولك: (وتحليلها التسليم) هل أل للعهد، أم هي للجنس، فإن قلنا: للعهد، كان لابد من التسليمتين، لأنه المعهود من صلاة النبي ﷺ ، وإن قلنا: إن (أل) للجنس، كفى تسليمة واحدة، بل يكفي قولك: (السلام عليكم) ولو لم تقل ورحمة الله وبركاته؛ لأنه يصدق على ذلك لفظ التسليم، إذا عرفنا مرجع الخلاف نأتي إلى الأدلة. • دليل من قال: الخروج من الصلاة بلفظ السلام ليس بفرض: الدليل الأول: (ح-٢٠٠٩) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ … وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وقد مر معنا في مسائل سابقة جواب المخالفين على الاستدلال بحديث المسيء صلاته، وأنهم يفترضون إما أن النبي ﷺ ربما علمه ما أساء فيه فقط، وهذا لا يظهر، لأنه علمه الوضوء، وبعض الأفعال لا يمكن افتراضها، كالقول بأنه أساء في تكبيرة الإحرام دون تكبيرات الانتقال، وهي كلها من جنس واحد. وإما أن بعض الواجبات لم تكن واجبة حين خاطب النبي ﷺ المسيء في صلاته، ثم وجبت بعد ذلك، أو أنه وكل أمر تعليمه إلى غيره، وهذا أبعدها. الدليل الثاني: (ح-٢٠١٠) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة

стр. 5568

ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (١). [قوله: (إذا شئت أن تقوم فقم … ) صحيح من قول ابن مسعود وروي مرفوعًا ولا يصح] (٢). فهذا أثر صحيح عن ابن مسعود ﵁ يرى أنه إذا تشهد المصلي فإن شاء أن يقوم قام، وإن شاء أن يقعد قعد، ولم يشترط التسليم للخروج من الصلاة. • وأجيب: بأن قول ابن مسعود موقوف عليه، والحجة إنما هو المرفوع إلى النبي ﷺ . أو يحمل قوله: (فقد قضيت ما عليك)، القضاء هنا بمعنى الإتمام، ويراد به: إما أنه قارب التمام، كما قال النبي ﷺ : من وقف بعرفة فقد تم حجه وقضى تفثه. أو يراد به أنه قضى ما عليه، ولم يبق عليه إلا الانصراف من الصلاة بالتسليم. الدليل الثالث: (ح-٢٠١١) ما رواه الترمذي من طريق ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة، أخبراه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أحدث، يعني الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته (٣).

стр. 5569

[ضعيف وقد اضطرب فيه عبد الرحمن بن زياد] (١).

стр. 5570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5571

الدليل الرابع: أن السلام يقصد به المصلي مخاطبة من بجواره من المصلين، فهو ارتكاب ما ينافي الصلاة للخروج منها، فهو إطلاق من محظور، فلفظ السلام ليس فرضًا للخروج منها. (ح-٢٠١٢) فقد روى مسلم من طريق مسعر، حدثني عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال رسول الله ﷺ : … إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله (١). فقوله: (ثم يسلم على أخيه) إشارة إلى أن المصلي خرج من الصلاة بتكليم أخيه، فأي كلام تكلم به المصلي حصل المقصود، لأن الغرض هو إعلان الخروج من الحال التي كان يحرم فيها الكلام إلى ضدها، فأي فعل أو قول منافٍ للصلاة من صنع المصلي فإنه يخرج به المصلي من الصلاة، بل ذهب جماعة من السلف بأنه يخرج من الصلاة إذا جلس مقدار التشهد عند من لا يرى وجوب التشهد، وبعضهم يقول: إذا تشهد. • دليل من قال: التسليمة الأولى فرض: الدليل الأول: (ح-٢٠١٣) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي، عن النبي ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (٢). [حسن] (٣). وجه الاستدلال: قوله: (تحليلها التسليم) يفيد الحصر وأنه لا تحليل لها غيره، لأنه حصر

стр. 5572

المبتدأ في الخبر وهما معرفتان، ولأن كلمة (تحليل) مضافة إلى معرفة، فتعم، فكأنه قال: جميع تحليل الصلاة هو التسليم، وإذا كان التسليم هو ما يتحلل به لم يكن لها تحليل غيره. قال القرطبي: «وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما، كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسمًا من أسماء الله ، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه، وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. وحسبك به» (١). الدليل الثاني: (ح-٢٠١٤) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، ب الحمد لله رب العالمين .... وكان يختم الصلاة بالتسليم (٢). وجه الاستدلال: قوله (يختم الصلاة بالتسليم) ف (أل) بالتسليم للعهد، وليست للجنس، وقد سبق لك التفريق بينهما. • دليل من قال: التسليمتان فرض: الدليل الأول: (ح-٢٠١٥) ما رواه مسلم من طريق مسعر، حدثني عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام

стр. 5573

عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله (١). الدليل الثاني: (ح-٢٠١٦) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم. وجه الاستدلال: قوله: (حين يقضي تسليمه) قال ابن رجب، فإن هذا الكلام مشعر بأنه كان يسلم تسليمتين، فإذا قضاهما قام النساء، فإنه لا يقال: (قضى) بمعنى الفراغ منه إلا فيما له أجزاء متعددة تنقضي شيئًا فشيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقول النبي ﷺ في الشيطان، وهربه من الأذان والتثويب به: (فإذا قضي الأذان -وإذا قضي التثويب- أقبل). ولا يكاد يقال لمن سَلَّم على قوم مرَّة: قضى سلامه، بمعنى: فرغ، ولا لمن كبر للإحرام قضى تكبيره، ولا لمن عطس فحمد الله: قضى حمده» (٢). وقد يقال: هذا فعل، وهو يدل على مشروعية التسليمة الثانية، ولا يدل على وجوبها فضلًا عن ركنيتها. الدليل الثالث: (ح-٢٠١٧) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد،

стр. 5574

عن أبيه، قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه، وعن يساره، حتى أرى بياض خده (١). وفي الباب حديث ابن مسعود ﵁، وهو حديث صحيح (٢). • دليل من قال: التسليمة الأولى واجبة: استدل صاحب هذا القول بأن النبي ﷺ قد واظب على التسليمتين، ولم يصح حديث واحد بأن النبي ﷺ اقتصر على تسليمة واحدة، كما استدل كذلك بأدلة القول السابق، إلا أنه رأى دلالتها على الوجوب أظهر من دلالتها على الركنية؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليلين: إما الإجماع على ركنيتها كالإجماع على ركنية تكبيرة الإحرام. وإما أن يوجد في الأدلة ما يدل على انعدام الصلاة بانعدام التسليم، كما وجد ما يدل على انعدام الصلاة بانعدام الطمأنينة كما في حديث المسيء صلاته، حيث قال له النبي ﷺ (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ). ولا يوجد في التسليم أحد هذين الأمرين، فلا إجماع على ركنية التسليم، ولا يوجد في الأدلة ما يدل على بطلان الصلاة بترك التسليم، فكان القول بالوجوب وسطًا بين القول بالركنية، وبين القول بالسنية، والله أعلم. • دليل من قال: التسليمة الثانية سنة: الدليل الأول: (ح-٢٠١٨) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، - قال شعبة: رفعه مرة - أن أميرًا أو رجلًا سلم تسليمتين، فقال عبد الله: أنى علقها؟ (٣).

стр. 5575

رواه مسلم مرفوعًا وموقوفًا. وجه الاستدلال: هذا الحديث دليل على أن التسليمة الثانية ليست بفرض؛ إذ لو كانت فرضًا لم يتعجب منه ابن مسعود؛ لأن الفرائض يتساوى الناس في فعلها. الدليل الثاني: (ح-٢٠١٩) ما رواه إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، نحو حديث معمر وزاد قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس، فيذكر الله، ويدعو ثم يسلم تسليمة يسمعنا … الحديث (١). [المحفوظ: ثم يسلم تسليمًا يسمعنا] (٢).

стр. 5576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5578

• وأجيب: قال ابن القيم في الهدي: «أجود ما فيه -يعني في التسليمة الواحدة- حديث عائشة ﵂ … وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل، والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل، على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تَنْفِ الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصح» (١). الدليل الثالث: (ح-٢٠٢٠) ما رواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق يزيد بن عبد ربه الجرجسي، عن بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ابن عمر، أن النبي ﷺ : سلم تسليمة (٢). [لم يروه عن الزبيدي إلا بقية، وقد اختلف عليه، وضعفه الأئمة] (٣). الدليل الرابع: (ح-٢٠٢١) ما رواه الترمذي في سننه من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن

стр. 5579

زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، «أن رسول الله ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئًا (١). [ضعيف] (٢).

стр. 5580

الدليل الخامس: (ح-٢٠٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا أبو حمزة يعني السكري، عن إبراهيم يعني الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها (١).

стр. 5581

الدليل السادس: (ح-٢٠٢٣) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه (١). [ضعيف جدًّا] (٢). وفي الباب أحاديث ضعيفة تركتها اقتصارًا، واختصارًا. قال ابن رجب: «قد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء، قاله ابن المديني، والأثرم، والعقيلي، وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري، عن النبي ﷺ . اه قال ابن رجب: ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل، وأضعفها» (٣).

стр. 5582

وقال العقيلي في الضعفاء: « .... لا يصح في التسليمة شيء» (١). وقال النووي «وليس في الاقتصار على تسليمة واحدة: شيء ثابت» (٢). الدليل السابع: من الآثار. (ث-٤٨١) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن ابن جريج قال: أخبرني نافع، وسألته: كيف كان ابن عمر يسلم إذا كان إمامكم؟ قال: «عن يمينه واحدة السلام عليكم (٣). [صحيح] (٤). (ث-٤٨٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، قال: كان أنس، يسلم واحدة (٥). [حسن موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٦).

стр. 5583

(ث-٤٨٣) وصح عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلم تسليمة واحدة (١). فهؤلاء ثلاثة من الصحابة ﵃ صح عنهم الاكتفاء بتسليمة واحدة، ولا شك أن هؤلاء الصحابة كانوا من طول الملازمة للنبي ﷺ ، والمعرفة بسنته، والحرص على اتباعها، ومن أهل الفتوى والفقه مما يجعل توافقهم على جواز التسليمة الواحدة في منزلة المرفوع، لأني لا أظن بهم أنهم أخذوا المسألة من قبيل الرأي المحض في أمر عظيم كالصلاة، فالظن بهم أنهم علموا هذا الحكم من النبي ﷺ ، وهو يدل على جواز الاكتفاء بتسليمة واحدة، واستحباب التسليمتين. وقد احتج المالكية بعمل أهل المدينة، قال مالك: ما أدركنا الأئمة إلا على تسليمة (٢). والخلاف في الاحتجاج بعمل أهل المدينة مشهور بين أهل الأصول. قال ابن عبد البر: «والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارًا، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضًا، وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، ولذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام

стр. 5584

ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة، ولا إنكار التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف، وإن كان اختيار بعضهم فيه التسليمة الواحدة وبعضهم التسليمتين على حسب ما غلب على البلد من عمل أهله، إلا أن الأعم والأكثر بالمدينة التسليمة الواحدة، والأكثر والأشهر بالعراق التسليمتان: السلام عليكم ورحمة الله على اليمين، السلام عليكم ورحمة الله على اليسار» (١). وقال في التمهيد:: «والقول عندي في التسليمة الواحدة وفي التسليمتين: أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهو ولا الغلط في مثل ذلك، معمولٌ به عملًا مستفيضًا بالحجاز التسليمة الواحدة، وبالعراق التسليمتان، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لتواتر النقل كافة عن كافة في ذلك، ومثله لا ينسى ولا مدخل فيه للوهم؛ لأنه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات، فصح أن ذلك من المباح والسعة والتخيير، كالأذان، وكالوضوء ثلاثًا واثنين وواحدة .... » (٢). الدليل الثامن: قال ابن المنذر في الإجماع: «وأجمعوا على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة» (٣). ولابد من معرفة ماذا يقصد ابن المنذر بالإجماع، أيريد الأكثر، أم يريد الصدر الأول، ولا يعتبر بخلاف المتأخر، أم يريد الإجماع بمصطلح أهل الأصول، فالأخير لا يتحقق في كثير من الإجماعات التي ينقلها، ومنها هذه المسألة، فإن الحنفية يرون في الأصح أنها واجبة، ويرى الحنابلة التسليمة الثانية ركنًا، وإن أنكر ابن قدامة صحة هذا القول عن الإمام أحمد، والله أعلم.

стр. 5585

• الراجح: استحباب التسليمة الثانية، وأما الأولى فالقول بوجوبها أقوى من القول بركنيتها، والله أعلم.

стр. 5586

الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم المدخل إلى المسألة: • لا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية. • (أل) في التسليم قوله ﷺ (وتحليلها التسليم) للجنس، وليست للعهد، بدليل اقتصار بعض الصحابة على تسليمة واحدة، وإذا كانت للجنس جاز الاقتصار على قوله: (السلام عليكم) لدلالته على التسليم. • الاحتجاج بعمل أهل المدينة سائغ فيما لا نص فيه، وكان الأصل فيه النقل الحسي، لا الاجتهاد، وقد ترك أهل المدينة زمن التابعين بعض السنن الثابتة كالتكبيرات الأربع في الأذان، وهو معروف من أذان بلال في المدينة، وترك أهل المدينة الاستفتاح، وهو معروف بين الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب، وهو من أهل المدينة. [م-٧١١] اختلف العلماء في حكم قول: (ورحمة الله) في السلام من الصلاة: فقيل: ليست بسنة مطلقًا، لا في نافلة، ولا فريضة، ولا يضر زيادتها، وإن كان الأولى تركها، وبه قال المالكية، والليث بن سعد (١). وقيل: حكمها ركن في الصلاة، فمن لم يَأْتِ بها لم تصح صلاته، وهو المذهب عند الحنابلة، قال المرداوي: وهو من المفردات (٢).

стр. 5587

وقيل: قولها سنة، وتصح الصلاة من دونها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى وأبو البركات من الحنابلة (١). • دليل من قال بالركنية: الدليل الأول: (ح-٢٠٢٤) روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال: حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (٢). فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي، فتبين من هذا أن ألفاظ العبادة توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها، وقد واظب النبي ﷺ في صلاته على لفظ (ورحمة الله) ولم ينقل عنه ﷺ أنها تركها ولو مرة واحدة، فوجب لزومها. الدليل الثاني: أن التسليم ركن في الصلاة، وسبق بحثه، وما كان جزءًا من الركن فهو ركن مثله، ولأنه سلام في الصلاة ورد مقرونًا بالرحمة، فلم يجز بدونها كالسلام على النبي ﷺ في التشهد مقرونة بالرحمة، ولا يصح من دونها.

стр. 5588

• ويناقش: بأن ركنية التسليم فيها خلاف، وعلى القول بالركنية لا يلزم منه أن يكون كل جزء من التسليم ركنًا وحده، ولهذا قال الجمهور بجواز الاقتصار على تسليمة واحدة، فلم يكن حكم التسليمتين واحدًا، وقال الحنفية بركنية الطواف في النسك، وإذا طاف أربعة أشواط وترك الثلاثة جاز وجبره بدم إذا فات تداركه، وقال المالكية بركنية الفاتحة، ولو ترك بعضها سهوًا جبرها بسجود السهو، فلا يلزم من القول بركنية التسليم ركنية كل جزء منه هذا على التسليم بأن التسليم ركن. الدليل الثالث: (ح-٢٠٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بَيَاضُ وجهه، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله من كلا الجانبين (١). [صحيح] (٢).

стр. 5589

• دليل من قال: يجوز الاقتصار على السلام عليكم: الدليل الأول: لا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية. الدليل الثاني: (ح-٢٠٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا بهز بن حكيم، وقال مرة: أخبرنا قال: سمعت زرارة بن أوفى، يقول: سئلت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت كان يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم ينام، فإذا استيقظ وعنده وضوءه مغطى، وسواكه استاك، ثم توضأ، فقام فصلى ثماني ركعات، يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن، وقال مرة: ما شاء الله من القرآن، فلا يقعد في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعد فيها، فيتشهد ثم يقوم، ولا يسلم فيصلي ركعة واحدة، ثم يجلس فيتشهد، ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته، حتى يوقظنا ثم يكبر (١). [هذا إسناده منقطع، زرارة لم يسمعه من عائشة، والمتصل كما في رواية مسلم

стр. 5590

وغيره (يسلم تسليمًا يسمعنا)] (١). • ويجاب: من خلال تخريج حديث عائشة تبين لي أن المحفوظ: (يسلم تسليمًا يسمعنا) وأن مقصود عائشة من قولها هو رفع النبي ﷺ صوته بالتسليم لإيقاظ أهله، ولم يكن مقصودها من الحديث نقل صفة التسليم، ولا عدد التسليمات، فمن قال: يسلم تسليمة، أو قال: (السلام عليكم) فقد قصر في النقل. الدليل الثالث: (ح-٢٠٢٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ … وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (٢). وجه الاستدلال: إذا لم يذكر التسليم في حديث المسيء في صلاته، فمن باب أولى جواز ترك (ورحمة الله) من لفظ التسليم. الدليل الرابع: من أجاز الاقتصار على (السلام عليكم)، حمل (أل) في قوله: (وتحليلها التسليم) على الجنس، وليس العهد بدليل أن بعض الصحابة ﵃ اقتصروا على تسليمة واحدة، ولو كانت للعهد لوجبت التسليمتان؛ لأنه التسليم المعهود.

стр. 5591

• دليل من قال: زيادة ورحمة الله ليست سنة: المالكية لا ينكرون النصوص الشرعية في زيادة (ورحمة الله) إلا أنهم تركوها لأصل عندهم، وهو عمل أهل المدينة، فالعمل المتوارث في المدينة عندهم أقوى من خبر الآحاد؛ والعهد بالصحابة قريب، والنقل يعتمد على الحس، وليس على الفقه، والصلاة نقلت بالتواتر جيلًا عن جيل، مما يحصل به العلم، وينقطع به العذر، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله. فكون كافة أهل المدينة من التابعين ممن أدركهم الإمام مالك يقتصرون في لفظ التسليم على لفظ (السلام عليكم) فهذا دليل على أن هذا هو المشروع، فمثل هذا لولا أنهم أخذوه من الصحابة رضوان الله عليهم ما فعلوه. وقد ناقشت الاحتجاج بعمل أهل المدينة في مسألة سابقة، والمهم أن نعرف كيف استدل المالكية على اختيارهم، وهذا القول من مفرداتهم، حتى كره بعضهم زيادة (ورحمة الله) وبعضهم رأى أنها زيادة لا تضر، وأنها من قبل المباح لوقوعها خارج الصلاة، فالمصلي عندهم يخرج من الصلاة حين يقول: (السلام عليكم) فكلمة ورحمة الله وقعت عندهم خارج الصلاة، وكذلك التسليمة الثانية تقع عندهم خارج الصلاة، فلا تضر زيادتها. • الراجح من الخلاف: أرى أن القول بأنها سنة قول وسط بين قول الحنابلة بالركنية، وهي لم تذكر في حديث المسيء في صلاته، وبين القول بأنها ليست مشروعة، أو من قبيل المباح كقول المالكية، والتزامها أحوط، والله أعلم.

стр. 5592

الباب السادس عشر في السنن المشروعة بعد الفراغ من الصلاة الفصل الأول في مقدار لبث الإمام في مصلاه مستقبل القبلة المدخل إلى المسألة: • التعبد باستقبال القبلة أو باستدبارها توقيفي، فقد يكون شرطًا كالصلاة، وقد يكون مستحبًا كالدعاء، وقد يكون محرمًا أو مكروهًا كما في حال قضاء الحاجة، وقد يستحب الاستدبار كما في حال خطبة الجمعة، وبعد الفراغ من الصلاة. • المشروع للإمام إذا فرغ من صلاة الفريضة ألا يجلس إلا قدر ما يقول: اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام … إلخ إلا أن يتحول عن القبلة. • الاتفاق على أن الإمام إذا فرغ من الصلاة المفروضة لا يبقى على حاله مستقبل القبلة. • حديث: (كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)، ف (صلاة) نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الصلوات، سواء أكان بعدها نافلة أم لا. [م-٧١٢) إذا فرغ من صلاته فلا يمكث مستقبل القبلة، وهذه سنة متفق عليها. (ح-٢٠٢٨) فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله ابن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام.

стр. 5593

وفي رواية لمسلم: يا ذا الجلال والإكرام (١). فقوله: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول … ). فيه دليل على أن الإمام لا يبقى على حاله في مصلاه مستقبل القبلة. وجاء في التوضيح لابن الملقن نقلًا من الذخيرة: «إذا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع الصلوات في ذلك سواء .. » (٢). وقال أبو داود: سمعتُ أحمدَ، وسئل عن تفسير حديث النبيِّ ﷺ لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما يقول: اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام. يعني: في مقعده حتَّى ينحرفَ؟ قال: لا أدري (٣). [م-٧١٣] واختلفوا في الأفضل في حق الإمام أيقوم أم يستقبل بوجهه جموع المصلين: فقال الشافعي: يستحب له أن يقوم من مصلاه إذا فرغ من صلاته إن لم يكن خلفه نساء، وبه قال بعض السلف (٤). جاء في المجموع: «قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في المختصر، واتفق عليه الأصحاب … » (٥). وجاء في المدونة: قال ابن وهب: عن يونس بن يزيد، أن أبا الزناد أخبره، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يعيب على الأئمة قعودهم بعد التسليم، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تنقلع من مكانها. قال ابن وهب: «وبلغني عن ابن شهاب أنها السنة» (٦). وقال الحنفية: إن كان بعد الصلاة تطوع لم يجلس إلا قدر ما يقول: اللهم

стр. 5594

أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيقوم من مقامه ليصلي النافلة، ولا يؤخرها عن أداء الفريضة. وإن كانت الفريضة لا تطوع بعدها كالفجر والعصر إن شاء الإمام قام، وإن شاء قعد في مكانه، إلا أنه يكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة. وقال نحوه النخعي وأبو مجلز لاحق بن حميد، وأحمد في رواية، وبه قال الماوردي من الشافعية (١). واستثنى بعض المتأخرين من الحنفية صلاة المغرب، فاستحب له أن يقول بعدها، وهو ثانٍ رجليه، لا إله إلا الله وحده لا شريك له … إلى آخره عشرًا (٢). ونقل ابن رجب في شرح البخاري عن أحمد أنه إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس، فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يستحب بعد غيرها. قال: وروى الخلال بإسناده عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلاه بعد صلاة يصلي بعدها، فإذا كانت صلاة لا يصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس (٣). وقال المالكية: يكره للإمام وحده جلوسه في مصلاه بعد سلامه مستقبل القبلة، ويخرج من الكراهة إما بقيامه من مكانه، أو بتحوله عن القبلة بحيث يقبل

стр. 5595

على الناس بوجهه من غير فرق بين الصلوات (١). وقال الحنابلة: يكره مكثه كثيرًا بعد المكتوبة مستقبل القبلة، وليس ثم نساء، أو حاجة، فإن صلى معه نساء مكث هو والرجال حتى ينصرف النساء (٢). قال الدردير: «وكره تنفله أي الإمام بمحرابه … وكذا جلوسه به على هيئته في الصلاة، ويخرج من الكراهة بتغيير هيئته لخبر: كان إذا صلى ﵊ صلاة أقبل على الناس بوجهه» (٣). وجاء في الفروع: «فإن مكث كثيرًا -يعني الإمام- وعنه قليلًا، وليس ثم نساء، ولا حاجة كره» (٤). فصار الخلاف في المسألة يتلخص في ثلاثة أقوال: أحدها: السنة إذا فرغ من صلاته أن يقوم من مجلسه مطلقًا، وهذا قول الشافعي، وأظنه قولًا مهجورًا في وقتنا، فقد صليت في مساجد شافعية في مصر، فلم أر الأئمة يفعلون ذلك. الثاني: إن كانت الصلاة لها سنة بعدية قام، وإلا انفتل عن القبلة واستقبل جموع المصلين، وهذا قول الحنفية ورواية عن أحمد. الثالث: يقوم أو ينفتل عن القبلة، من غير فرق بين الصلوات، وهذا مذهب المالكية والمعتمد في مذهب الحنابلة. وإذا عرفنا أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، فتعال ننظر في أدلتهم.

стр. 5596

• دليل من قال: يقوم من مجلسه مطلقًا: الدليل الأول: حديث عائشة المتقدم. الدليل الثاني: (ح-٢٠٢٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم. ورواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن سعد به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: «فنرى والله أعلم لكي ينفذ من ينصرف من النساء» (١). ورواه الطيالسي عن إبراهيم بن سعد به، ولفظه:: كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصلاة لم يلبث في مقعده إلا قليلًا حتى يقوم (٢). ففي هذا الحديث دليل على أنه كان يفارق مكانه، ولا يصح حمله على تغير هيئة الجلوس بالانصراف عن القبلة، لقولها ﵂ كما في رواية البخاري: (قبل أن يقوم). ولأن من غير هيئة جلوسه فقط يصدق عليه أنه ما زال ماكثًا في مكانه. وقوله: (كان إذا سلم) دليل على أن هذا حاله دائمًا أو كثيرًا. الدليل الثالث: (ح-٢٠٣٠) ما رواه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن فروخ، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر، فكان إذا سلَّم وثب مكانه كأنه يقوم عن رَضْفةٍ.

стр. 5597

قال ابن خزيمة: «هذا حديث غريب لم يروه غير عبد الله بن فروخ» (١). [منكر] (٢). الدليل الرابع: (ث-٤٨٤) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، والثوري، عن حماد، وجابر، وأبي الضحى، عن مسروق، أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم انفتل ساعتئذٍ كأنما كان جالسًا على الرَّضَف (٣).

стр. 5598

[أخشى أن تكون رواية مسروق عن أبي بكر مرسلة] (١). (ث-٤٨٥) وروى عبد الرزاق عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قلت لابن عمر: إذا سلم الإمام انْصَرَفَ؟ قال: كان الإمام إذا سلم انْكَفَتَ وَانْكَفَتْنَا معه (٢). [صحيح] (٣). (ث-٤٨٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن ليث، عن مجاهد، قال: قال عمر: جلوس الإمام بعد التسليم بدعة (٤). [ضعيف] (٥). (ث-٤٨٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن أبي حصين، قال: كان أبو عبيدة بن الجراح، إذا سلم كأنه على الرضف حتى يقوم (٦).

стр. 5599

[أبو حصين لم يسمع من أبي عبيدة] (١). • دليل من قال: يقوم إن كانت بعد الصلاة سنة وإلا استقبل جموع المصلين: (ح-٢٠٣١) استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه، من طريق شعبة وأبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس (٢). ورواه مسلم من طريق زهير، عن سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم (٣). فالحنفية حملوا حديث عائشة: (كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام). وحديث أم سلمة: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم)، على صلاة الظهر والمغرب والعشاء؛ لأن هذه الفرائض يسن أن يصلي بعدها سنة، ولا يستحبون تأخير النافلة عن الفريضة. وحديث جابر بن سمرة ومكوثه في مصلاه بعد انصرافه عن القبلة جاء في صلاة الفجر، ولا سنة بعدها، والعصر مقيسة عليها. • دليل من قال: يكره جلوسه إلا أن يقوم أو يتحول عن القبلة: الدليل الأول: (ح-٢٠٣٢) ما رواه البخاري من طريق جرير بن حازم، حدثنا أبو رجاء،

стр. 5600

عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (١). فقوله: (إذا صلى صلاة) ف (صلاة) نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الصلوات، سواء أكان بعدها نافلة أم لا. قال ابن رجب: «فيه دليل على أن عادة النبي ﷺ الإقبال على الناس بوجهه بعد الصلاة». فحملوا حديث عائشة (لم يقعد إلا مقدار اللهم أنت السلام … إلخ) على نفي قعوده مستقبل القبلة. وحملوا حديث جابر بن سمرة، وسمرة بن جندب على إثبات جلوسه في مصلاه بعد انفتاله عن القبلة، واستقباله جموع المصلين بوجهه، من غير فرق بين الصلوات، وهذا أقرب من جمع الحنفية. (ث-٤٨٨) ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم، وإما أن ينحرف (٢). [صحيح] (٣). فقوله: (إذا قضى الصلاة) ف (أل) في الصلاة للعموم، فيشمل جميع الصلوات المكتوبة. (ث-٤٨٩) ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق به، ولفظه: إذا سلم الإمام فليقم، وإلا فلينحرف عن مجلسه. قلت: فيجزيه أن

стр. 5601

ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف أن يُغَرِّبَ أَوْ يُشَرِّقَ عن غير واحد (١). قال ابن رجب: المسئول معمر (٢). ورواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به، ولفظه: أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه، أو انحرف مشرِّقًا أو مغرِّبًا (٣). الدليل الثاني: (ح-٢٠٣٣) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: أخر رسول الله ﷺ ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة (٤). وقد أخرجه الشيخان من طريق قرة بن خالد، عن الحسن، عن أنس بنحوه (٥). ورواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بنحوه (٦). فقد استقبل الناس بوجهه في صلاة العشاء، ولها سنة بعدية. الدليل الثالث: (ح-٢٠٣٤) ما رواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (٧).

стр. 5602

[انفرد به ابن البراء عن أبيه، وقد رواه غيره في أذكار النوم، وهو المحفوظ] (١). فقوله: (إذا صلينا) عام في كل الصلوات. • وأجيب عن الحديث بجوابين: الأول: الاختلاف على مسعر في ذكر (يقبل علينا بوجهه) فقد رواه مسلم من طريق وكيع، عن مسعر بهذا الإسناد، ولم يذكر: (يقبل علينا بوجهه). وانظر تخريج حديث البراء بالمسألة التالية. الثاني: قال القاضي عياض عن دلالة الحديث: «يُحتمل لهذا، ويحتمل للتيامن عند التسليم، وهو أظهر من الأول، وإلا فإذا انصرف عن يمينه أو شماله فقد كانت عادته ﵇ أن يستقبل جميعهم بوجهه على ما جاء في حديث سمرة وأنس وغيرهما» (٢). الدليل الرابع: الأحاديث الواردة في الأذكار المشروعة في دبر الصلاة، وسوف أتعرض لها في مبحث مستقل إن شاء الله، فإن مجموعها يدل على أن المصلي يشرع له بعد المكتوبة أن يشرع في الأذكار دبر الصلوات، وإطلاق الدبر يعني اتصالها بالصلاة وقتًا بما يعني استحبابها قبل صلاة النافلة البعدية، وهل يعني اتصالها بالصلاة مكانًا أي قبل مفارقة مكان الصلاة؟ قد يقال ذلك؛ لأنه إذا فارق مكان الصلاة كان هناك فاصل بين مكان الصلاة ومكان هذه الأذكار، فانفصلت عن الصلاة، وكانت أشبه بالأذكار المطلقة، فلم يصدق عليها أنها وقعت دبر الصلاة. وقد يقال: إن الدبر المقصود به مباشرة هذه الأذكار في الوقت دون المكان. قال ابن حجر: «اختلف فيه: هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور، ثم يتطوع، وهذا الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفية: يبدأ بالتطوع … ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار

стр. 5603

الصحيحة بدبر الصلاة .... وإن كانت الصلاة مما لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا» (١). • الراجح: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، وأن الإمام مخير بين أن يقوم من مقامه أو يتحول عن القبلة، وذلك في جميع الصلوات، وتحوله عن القبلة أولى ليأتي بالأذكار المشروعة قبل مفارقة مكان الصلاة، فإن قام لحاجة أتى بالأذكار، ولو كان ماشيًا، والله أعلم. وقد اختلف الفقهاء في الحكمة من التحول عن القبلة: أهو لحق المأموم؛ لأن استدباره كان من أجل تحقيق شرط الصلاة من استقبال القبلة، فإذا فرغ من صلاته كان استدبار المأموم من الجفاء، والترفع، ولأن موضع الإمام موضع ولاية، فإذا فرغ من صلاته انتهت ولايته. أم هو لحق الداخل من أجل أن يعرف انقضاء الصلاة، إذ لو استمر الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد، فيقتدي به، فيفسد اقتداؤه، وبه قال المالكية، ولهذا قالوا: لا يلزمه الانحراف لو كان إمامًا في فنائه أو في سفر (٢). ولا مانع أن يكون ذلك من أجلهما، وتعدد العلة أو الحكمة غير مدفوع.

стр. 5604

الفصل الثاني في مشروعية استقبال الإمام لجموع المصلين المدخل إلى المسألة: • حديث كان يعجبه التيمن … في شأنه كله، أي لا في شأن غيره، فلا يدخل في الحديث استقبال الإمام لأيمن الصف. • الإمام إمام لجميع المصلين، فإذا استدبر القبلة شرع له استقبالهم جميعًا، كما أنه إذا تقدمهم كان المشروع له أن يقف في وسط الصف عدلًا بين جهتي الصف. (ح-٢٠٣٥) روى الإمام مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (١). [انفرد ابن البراء بجعل هذا الذكر من أذكار الصلاة، ورواه غيره فجعله من أذكار النوم، وهو المحفوظ] (٢). (ح-٢٠٣٦) وروى البخاري من طريق جرير بن حازم، حدثنا أبو رجاء، عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٣). وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديثان لأنس، وحديث لزيد بن خالد الجهني، وآخر لابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عن الجميع، وسآتي على تخريجها بإذن الله.

стр. 5605

فحديث البراء: ظاهره أنه يستقبل يمين الصف، بحيث تكون القبلة عن يساره. وحديث سمرة وغيره: يدل على أنه يقبل على جميع المصلين بوجهه ويستدبر القبلة. [م-٧١٤] واختلفوا في الأفضل: فقيل: يتخير الإمام في الاستقبال كما يتخير في الانصراف، فإن شاء استقبل يمين الصف، أو يساره، أو استقبل جموع المصلين، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية اختاره إمام الحرمين، وبه قال الإمام إسحاق بن راهويه (١). وبه قال الحنفية إلا أنهم قالوا: لا يستقبل الناس بوجهه إن كان أمامه من يصلي (٢). وقيل: يستحب أن يكون يساره إلى القبلة، ويمينه إلى الناس، وهو الأصح عند الشافعية، وبعض الحنفية (٣). قال النووي: «الأصح يدخل يساره إلى المحراب، ويمينه إلى القوم، ويجلس يسار المحراب» (٤). وذلك يعني أن يستقبل يمين الصف. وقيل: عكسه، وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (٥). وقيل: ينحرف عن القبلة يمينًا أو شمالًا، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها،
следующие страницы →