← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف أن يُغَرِّبَ أَوْ يُشَرِّقَ عن غير واحد (١). قال ابن رجب: المسئول معمر (٢). ورواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به، ولفظه: أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه، أو انحرف مشرِّقًا أو مغرِّبًا (٣). الدليل الثاني: (ح-٢٠٣٣) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: أخر رسول الله ﷺ ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة (٤). وقد أخرجه الشيخان من طريق قرة بن خالد، عن الحسن، عن أنس بنحوه (٥). ورواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بنحوه (٦). فقد استقبل الناس بوجهه في صلاة العشاء، ولها سنة بعدية. الدليل الثالث: (ح-٢٠٣٤) ما رواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (٧).

стр. 5602

[انفرد به ابن البراء عن أبيه، وقد رواه غيره في أذكار النوم، وهو المحفوظ] (١). فقوله: (إذا صلينا) عام في كل الصلوات. • وأجيب عن الحديث بجوابين: الأول: الاختلاف على مسعر في ذكر (يقبل علينا بوجهه) فقد رواه مسلم من طريق وكيع، عن مسعر بهذا الإسناد، ولم يذكر: (يقبل علينا بوجهه). وانظر تخريج حديث البراء بالمسألة التالية. الثاني: قال القاضي عياض عن دلالة الحديث: «يُحتمل لهذا، ويحتمل للتيامن عند التسليم، وهو أظهر من الأول، وإلا فإذا انصرف عن يمينه أو شماله فقد كانت عادته ﵇ أن يستقبل جميعهم بوجهه على ما جاء في حديث سمرة وأنس وغيرهما» (٢). الدليل الرابع: الأحاديث الواردة في الأذكار المشروعة في دبر الصلاة، وسوف أتعرض لها في مبحث مستقل إن شاء الله، فإن مجموعها يدل على أن المصلي يشرع له بعد المكتوبة أن يشرع في الأذكار دبر الصلوات، وإطلاق الدبر يعني اتصالها بالصلاة وقتًا بما يعني استحبابها قبل صلاة النافلة البعدية، وهل يعني اتصالها بالصلاة مكانًا أي قبل مفارقة مكان الصلاة؟ قد يقال ذلك؛ لأنه إذا فارق مكان الصلاة كان هناك فاصل بين مكان الصلاة ومكان هذه الأذكار، فانفصلت عن الصلاة، وكانت أشبه بالأذكار المطلقة، فلم يصدق عليها أنها وقعت دبر الصلاة. وقد يقال: إن الدبر المقصود به مباشرة هذه الأذكار في الوقت دون المكان. قال ابن حجر: «اختلف فيه: هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور، ثم يتطوع، وهذا الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفية: يبدأ بالتطوع … ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار

стр. 5603

الصحيحة بدبر الصلاة .... وإن كانت الصلاة مما لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا» (١). • الراجح: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، وأن الإمام مخير بين أن يقوم من مقامه أو يتحول عن القبلة، وذلك في جميع الصلوات، وتحوله عن القبلة أولى ليأتي بالأذكار المشروعة قبل مفارقة مكان الصلاة، فإن قام لحاجة أتى بالأذكار، ولو كان ماشيًا، والله أعلم. وقد اختلف الفقهاء في الحكمة من التحول عن القبلة: أهو لحق المأموم؛ لأن استدباره كان من أجل تحقيق شرط الصلاة من استقبال القبلة، فإذا فرغ من صلاته كان استدبار المأموم من الجفاء، والترفع، ولأن موضع الإمام موضع ولاية، فإذا فرغ من صلاته انتهت ولايته. أم هو لحق الداخل من أجل أن يعرف انقضاء الصلاة، إذ لو استمر الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد، فيقتدي به، فيفسد اقتداؤه، وبه قال المالكية، ولهذا قالوا: لا يلزمه الانحراف لو كان إمامًا في فنائه أو في سفر (٢). ولا مانع أن يكون ذلك من أجلهما، وتعدد العلة أو الحكمة غير مدفوع.

стр. 5604

الفصل الثاني في مشروعية استقبال الإمام لجموع المصلين المدخل إلى المسألة: • حديث كان يعجبه التيمن … في شأنه كله، أي لا في شأن غيره، فلا يدخل في الحديث استقبال الإمام لأيمن الصف. • الإمام إمام لجميع المصلين، فإذا استدبر القبلة شرع له استقبالهم جميعًا، كما أنه إذا تقدمهم كان المشروع له أن يقف في وسط الصف عدلًا بين جهتي الصف. (ح-٢٠٣٥) روى الإمام مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (١). [انفرد ابن البراء بجعل هذا الذكر من أذكار الصلاة، ورواه غيره فجعله من أذكار النوم، وهو المحفوظ] (٢). (ح-٢٠٣٦) وروى البخاري من طريق جرير بن حازم، حدثنا أبو رجاء، عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٣). وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديثان لأنس، وحديث لزيد بن خالد الجهني، وآخر لابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عن الجميع، وسآتي على تخريجها بإذن الله.

стр. 5605

فحديث البراء: ظاهره أنه يستقبل يمين الصف، بحيث تكون القبلة عن يساره. وحديث سمرة وغيره: يدل على أنه يقبل على جميع المصلين بوجهه ويستدبر القبلة. [م-٧١٤] واختلفوا في الأفضل: فقيل: يتخير الإمام في الاستقبال كما يتخير في الانصراف، فإن شاء استقبل يمين الصف، أو يساره، أو استقبل جموع المصلين، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية اختاره إمام الحرمين، وبه قال الإمام إسحاق بن راهويه (١). وبه قال الحنفية إلا أنهم قالوا: لا يستقبل الناس بوجهه إن كان أمامه من يصلي (٢). وقيل: يستحب أن يكون يساره إلى القبلة، ويمينه إلى الناس، وهو الأصح عند الشافعية، وبعض الحنفية (٣). قال النووي: «الأصح يدخل يساره إلى المحراب، ويمينه إلى القوم، ويجلس يسار المحراب» (٤). وذلك يعني أن يستقبل يمين الصف. وقيل: عكسه، وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (٥). وقيل: ينحرف عن القبلة يمينًا أو شمالًا، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها،

стр. 5606

اختاره بعض المالكية، وحكي عن سعيد بن جبير (١). وقيل: يستقبل بوجهه جميع المصلين، وهو اختيار القاضي عياض من المالكية، واختاره الصيمري من الشافعية، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٢). قال القاضي عياض: « … إذا انصرف عن يمينه أو شماله فقد كانت عادته ﵇ أن يستقبل جميعهم بوجهه على ما جاء في حديث سمرة وأنس وغيرهما» (٣). وقيل: يحرم جلوسه بالمحراب، اختاره ابن العماد من الشافعية، وهو قول شاذ (٤). فصار الخلاف في المسألة على خمسة أقوال: الأول: يتخير، إن شاء انحرف يمينًا، أو شمالًا، أو استقبل جموع المصلين. الثاني: يستقبل يمين الصف، بحيث تكون القبلة إلى يساره. الثالث: يكره استدبار القبلة، فيستحب الانحراف يمينًا أو شمالًا. الرابع: يستقبل المصلين بوجهه. الخامس: يحرم مكثه في مصلاه. • دليل من قال: يستقبل الناس بوجهه: الدليل الأول: استدلوا بحديث سمرة بن جندب المتقدم في البخاري: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٥). فالقول بأن المراد (أقبل علينا بوجهه) أي: أقبل على بعضنا تأويل، لا حاجة

стр. 5607

إليه والأصل عدمه، وهو أصرح من حديث البراء في الدلالة، وأصح منه حيث لم يختلف الرواة في إسناده، ولا في لفظه. الدليل الثاني: (ح-٢٠٣٧) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: أخر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة (١). ورواه مسلم من طريق قرة بن خالد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: نظرنا رسول الله ﷺ ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة (٢). الشاهد قوله: (فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه) وعبر ب (ثم)؛ لأن الإقبال على المصلين لا يقع بعد السلام مباشرة، كما بينت ذلك في المسألة السابقة. الدليل الثالث: (ح-٢٠٣٨) ما رواه مسلم من طريق المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي .... الحديث (٣). الدليل الرابع: (ح-٢٠٣٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله: صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا

стр. 5608

وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني … الحديث (١). الشاهد قوله: (ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: … إلخ)، وفيه أن الخطبة الإرشادية تقدم على أذكار الصلاة. الدليل الخامس: (ح-٢٠٤٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب (٢). الدليل السادس: العلماء متفقون على أن الإمام إذا فرغ من الصلاة المفروضة يكره له البقاء على حاله مستقبل القبلة، وإذا كره استقبال القبلة بعد الفراغ من الصلاة أبيح له أحد أضدادها، ومنه الاستدبار. ولأن استقبال القبلة، منه ما هو شرط لصحة العبادة، كالصلاة. ومنه ما هو مستحب كاستقبال القبلة في الدعاء، خاصة ما ورد فيه نص. ومنه ما هو مكروه أو محرم، كاستقبال القبلة ببول أو غائط. ومنه ما هو مكروه كاستدامة استقبالها بعد الفراغ من الصلاة. ومنه ما يستحب استدبارها كاستدبارها من الإمام حال خطبة الجمعة. ومنه ما يباح استدبارها، وهو الأصل، وحال الفراغ من الصلاة فرد منه.

стр. 5609

وأجابوا عن حديث البراء بأجوبة منها: الأول: الاختلاف في إسناده. فقيل: عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، ورواية الأكثر بإبهام ابن البراء، واختلف بعض الرواة في تسمية المبهم: فسماه وكيع وابن عيينة يزيد بن البراء. وسماه أبو أحمد الزبيري وأحمد بن عبدة الضبي عبيد بن البراء، ورجح ذلك المزي في تهذيب الكمال، وابن أبي خيثمة في تاريخه. وقيل: عن ثابت بن عبيد، عن البراء، بإسقاط الواسطة. والثاني: الاختلاف في لفظه، فبعضهم يذكر حرف (يقبل علينا بوجهه) علة في تفضيل يمين الصف وهي رواية الأكثر. وبعضهم لا يذكر هذا الحرف مثل وكيع. كما أن سفيان بن عيينة رواه بلفظ: كان يبدأ بالسلام على يمينه، فجعله في هيئة السلام، وليس في هيئة استقبال يمين الصف. الثالث: أن ابن البراء قد انفرد بذكر هذا الدعاء من أذكار الصلاة، وقد خالفه اثنان: أبو إسحاق السبيعي، وربيع بن لوط بن البراء، فروياه عن البراء، وجعلا هذا الدعاء في أذكار النوم، وهذا هو المحفوظ (١).

стр. 5610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5616

• دليل من قال: ينحرف يمينًا أو شمالًا، ولا يستدبر القبلة: الدليل الأول: (ث-٤٩٠) رواه ابن أي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم، وإما أن ينحرف (١). ورواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به، ولفظ: أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه، أو انحرف مشرِّقًا أو مغرِّبًا (٢). وإذا غرب أو شرق لم يستدبر القبلة. قوله: [مشرقًا أو مغربًا من كلام بعض الرواة، فَسَّر فيه قول ابن مسعود (فلينحرف) وأدرجه إسرائيل]. فقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق به، بلفظ: إذا سلم الإمام فليقم، وإلا فلينحرف عن مجلسه. قلت: فيجزيه أن ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف أن يُغَرِّبَ أَوْ يُشَرِّقَ عن غير واحد (٣).

стр. 5617

قال ابن رجب: المسئول معمر (١). ولا يفهم من الانحراف النهي عن الاستدبار، فكل انحراف عن استقبال القبلة بما فيه استدبار القبلة يحقق المطلوب، وكراهية استدبار القبلة في غير حال قضاء الحاجة لا أصل له. الدليل الثاني: دلت النصوص على تعظيم القبلة، وتوقيرها، (ح-٢٠٤١) من ذلك: ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (٢). (ح-٢٠٤٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٣). (ح-٢٠٤٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (٤). فإذا كانت العلة هي تكريم القبلة، فإن كل ما يعتبر عرفًا مخالفًا لتكريم القبلة فالمسلم منهي عنه، ومنه استدبار القبلة بعد الفراغ من الصلاة.

стр. 5618

• ويناقش: بأن القياس على البول والغائط لا يصح لأمرين: الأمر الأول: بأن هذا قياس مخالف للنص، فقد دل حديث سمرة وأنس وزيد بن خالد، وابن مسعود وأبي هريرة على استدبار القبلة بعد الفراغ من الصلاة، فبطل القياس. الأمر الثاني: قياس استدبار القبلة بعد الفراغ من الصلاة على استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط من قياس الأخف على الأغلظ، فلا يصح، والله أعلم. • دليل من قال: إن شاء استقبل جميع المصلين وإن شاء استقبل بعضهم: استدل أصحاب هذا القول بمجموع حديث سمرة وحديث البراء، وأن الإمام مخير بعد فراغه من الصلاة إن شاء قام من مقامه، وإن شاء انحرف عن القبلة، وكيف انحرف عن القبلة فقد امتثل السنة، سواء أكان ذلك باستقبال يمين الصف كما في حديث البراء، أم كان ذلك باستقبال جميع المصلين كما في حديث سمرة بن جندب. وإن شاء استقبل يسار الصف قياسًا على انصراف النبي ﷺ من الصلاة حيث كان النبي ﷺ ينصرف تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فلا تفضيل لليمين على الشمال، ولا لأحدهما على استقبال جميع المصلين. • الراجح: أن الإمام إذا اختار الانحراف عن القبلة فالأفضل أن يستقبل جميع المصلين كما هو ظاهر حديث سمرة بن جندب وأنس وزيد بن خالد وغيرهم من الأحاديث، وهي مقدمة على حديث البراء؛ للاختلاف في ثبوته وفي دلالته على مسألة البحث، والله أعلم.

стр. 5619

الفصل الثالث في الأدعية والأذكار المشروعة بعد الصلاة المدخل إلى المسألة: • الذكر والدعاء على قسمين: مطلق، ومقيد. • الأذكار والأدعية الواردة بعد الفراغ من الصلوات من الأذكار المقيدة. • جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا (١). [م-٧١٥] وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية أدعيةٍ وأذكار، وسورٍ وآيات تقال بعد الفراغ من الصلاة، ووقوع هذه الأحاديث متفرقة يدل على أنه لا يحفظ في السنة ترتيب بين هذه الأدعية، والأذكار، والسور، والآيات، وأن ترتيبها اجتهادي. (ح-٢٠٤٤) إلا ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. وفي رواية لمسلم: يا ذا الجلال والإكرام (٢). فقوله: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول … )، هل يفهم من حديث عائشة أن هذا الذكر كان يقوله ﷺ مباشرة بعد السلام، وقبل الانصراف، فيكون له الأولوية في الترتيب؟. فالجواب أن حديث عائشة جاء بثلاثة ألفاظ:

стр. 5620

أحدها، جاء بلفظ: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول: … ). وهذا لفظ أبي معاوية، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، وعبد الواحد بن زياد، كلهم عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة (١). وهذا اللفظ يحتمل: أن عائشة ﵂ أرادت تقدير وقت المكث، بمقدار قول الرجل هذا الذكر، فلا يتعين أنه كان يقول هذا الذكر بعينه، ولذلك لم تذكر الاستغفار ثلاثًا، مع أن حديث ثوبان ربط الاستغفار بهذا الذكر. قال ابن الهمام: «قولها لم يقعد إلا مقدار ما يقول، وذلك لا يستلزم سنية أن يقول ذلك بعينه في دبر كل صلاة؛ إذ لم تقل: حتى يقول، أو إلى أن يقول، فيجوز كونه ﷺ كان مرة يقوله، ومرة يقول غيره مما ذكرنا من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ، وما ضم إليه في بعض الروايات مما ذكرنا من قوله: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله إلخ، ومقتضى العبارة حينئذٍ أن السنة أن يفصل بذكر قدر ذلك، وذلك يكون تقريبًا، فقد يزيد قليلًا، وقد ينقص قليلًا، وقد يدرج، وقد يرتل» (٢). ويحتمل حديث عائشة ﵂: أنها أرادت أن النبي ﷺ يقول هذا الذكر بعينه، قبل أن يقوم، لا قدره من غيره. وبهذا رواه ثابت بن يزيد الأحول عن عاصم الأحول به، ولفظه: (ما كان رسول الله ﷺ ينتظر إذا سلم من الصلاة، إلا أن يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) (٣). وهذا اللفظ الثاني يرفع الاحتمال عن اللفظ الأول، وليس معارضًا له. وأما اللفظ الثالث: فقد رواه الثوري وشعبة، وجرير، عن عاصم بن سليمان به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يقول إذا سلم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وهذا اللفظ مطلق، لم يقيد بمقدار اللبث بعد الصلاة قبل أن يقوم.

стр. 5621

[زيادة (لم يقعد إلا مقدار ما يقول) تفرد بها عاصم، عن عبد الله بن الحارث على اختلاف عليه في لفظه، ورواه خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث، ولم يربط الذكر بمقدار اللبث] (١).

стр. 5622

فقد يقال: إن رواية خالد الحذاء أرجح من رواية عاصم، لسببين: أحدهما: أن خالدًا لم يختلف عليه في لفظ الحديث، وإذا كان مسلم قد خرج رواية عاصم، فقد أخرج رواية خالد. الثاني: أن رواية عاصم من رواية شعبة، والثوري وجرير عنه قد وافقت رواية

стр. 5623

خالد، وهذا مرجح آخر لرواية خالد، فالاختلاف على عاصم في لفظ الحديث مما يدل على عدم ضبطه. وعلى كل حال: إن رجحنا رواية خالد لم يكن في حديث عائشة ما يفيد تقديم هذا الذكر على غيره من الأذكار، ويكون تقديم بعضها على بعض محل اختيار المصلي، والأمر من حيث التشريع واسع، لم يرد فيه ما يدل على تقديم بعضها على بعض. وإن رجحنا رواية عاصم الأحول من غير رواية الثوري وشعبة وجرير عنه، قلنا: هذا الذكر مقدم على غيره. إذا عرفت ذلك أخي، ننتقل إلى الدخول إلى الأذكار والأدعية الواردة بعد الصلاة. وسوف أتعرض في هذا المبحث إلى موضوعين: الأول: بعض الأحاديث الواردة في أدعية وأذكار ما يقال بعد الفراغ من الصلاة، وحكم رفع الأيدي في دعاء ما بعد الصلاة. الموضوع الثاني: اختلاف العلماء في محل هذه الأدعية والأذكار، أتقال بعد الصلاة مباشرة، أم تقال بعد الفراغ من السنة البعدية.

стр. 5624

المبحث الأول في الأدعية والأذكار والآيات المشروعة بعد الصلاة الفرع الأول في الأدعية المشروعة بعد الصلوات المدخل إلى المسألة: • الأذكار نوعان، مطلق: لا حدَّ في قدره وجنسه ووقته، وليس مرتبطًا بسبب. ومقيد جنسًا وقدرًا وكيفية، وزمنًا، وسببًا. • الأذكار والأدعية بعد الصلوات من الأذكار المقيدة المرتبطة بأسبابها. • كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، ولا استبداله بغيره، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت. [م-٧١٦] ورد أدعية مشروعة بعد السلام، منها: الأول: الاستغفار ثلاثًا. (ح-٢٠٤٥) لما رواه مسلم من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمار، اسمه شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (١). الثاني: قول: (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك).

стр. 5625

(ح-٢٠٤٦) لما رواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (١). [والمحفوظ أن هذا الذكر يقال في الأذكار عند النوم] (٢). الثالث: روي بعد صلاة الفجر والمغرب قبل أن يكلم أحدًا من الناس، قول: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات. (ح-٢٠٤٧) لما رواه أحمد من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان الكناني، أن مسلم بن الحارث التميمي، حدثه، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا صليت الصبح، فقل قبل أن تكلم أحدًا من الناس: اللهم أجرني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن مت من يومك ذلك، كتب الله لك جوارًا من النار. وإذا صليت المغرب، فقل قبل أن تكلم أحدًا من الناس: اللهم أجرني من النار سبع مرات؛ فإنك إن مت من ليلتك تلك، كتب الله لك جوارا من النار (٣). [تفرد به الحارث بن مسلم بن الحارث، عن أبيه، وهو مجهول] (٤).

стр. 5626

الرابع: (ح-٢٠٤٨) ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة (يعقوب بن أبي سلمة)، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة كبَّر، ثم قال: وجهت وجهي … وذكر الحديث، وفيه: وإذا سَلَّم قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت (١). قوله: (إذا سلم) أي: إذا أراد أن يسلم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. أي إذا أردت قراءته، وكقوله سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، بدليل الرواية الأخرى، (ح-٢٠٤٩) فقد روى مسلم من طريق يوسف بن الماجشون، حدثني أبي (يعقوب بن أبي سلمة الماجشون)، عن عبد الرحمن الأعرج به، بلفظ: (أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين … وذكر الحديث، وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم:

стр. 5627

اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) (١). وحَمْلُ رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، على رواية ابن عمه يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أولى من افتراض التعارض بينهما. ورواه عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج به، وذكر فيه: ( … ويقول: عند انصرافه من الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت) (٢). والعندية مجملة؛ لشمولها: ما قبلُ وما بعدَ الانصراف من الصلاة، وقد تَعَيَّن حملها على قبيل الانصراف، لا بعده على ما ورد نصًا في رواية يوسف الماجشون، وابن الرجل أعلم برواية أبيه من غيره، ولأنه لم يختلف عليه في لفظ الحديث مما يدل على ضبطه (٣).

стр. 5628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5630

الخامس: من الدعاء (ح-٢٠٥٠) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق يحيى الحماني، حدثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: ما دنوت من نبيكم ﷺ في صلاة مكتوبة، أو تطوع إلا سمعته يدعو بهؤلاء الكلمات الدعوات، لا يزيد فيهن ولا ينقص منهن: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي، اللهم أنعشني، واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 5631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5632

(٦) واستدل بعض الفقهاء بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، فقد فسرها بعض السلف أن معنى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أي من الصلاة ﴿فَارْغَبْ﴾ أي فاجتهد في الدعاء. وهو أحد الأقوال في تفسيرها. (ث-٤٩١) روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا علي، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَارْغَبْ﴾، يقول: في الدعاء (١). [إسناده ضعيف] (٢). وروى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة، فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. [ضعيف جدًّا] (٣).

стр. 5633

(ث-٤٩٢) وروى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. [صحيح مقطوع] (١). واختلف التفسير عن مجاهد، (ث-٤٩٣) فرواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة (٢). [ضعيف] (٣). وقد رواه ابن جرير الطبري من طريق وكيع، وسفيان فرقهما، عن منصور، عن مجاهد، قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، قال: إذا فرغت من أمر الدنيا ﴿فَانْصَبْ﴾ فصلِّ (٤). [صحيح]. وهذا المعنى أقرب القولين، والقول الأول إن صح فهو محمول على أحد معنيين:

стр. 5634

الأول: أن يكون معنى إذا فرغت من الصلاة: أي فرغت من التشهد، وقد قال به عامر الشعبي، حيث صح عنه أنه قال: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك (١). والمعنى الثاني: إذا حملنا الفراغ على الانصراف من الصلاة، وليس على التشهد، فينبغي حمل الدعاء على المأثور فقط، كالاستغفار ثلاثًا، وحديث: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وليس على مطلق الدعاء؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ إذن بالدعاء المطلق بعد الصلاة، وإنما ثبت عنه بعض الأدعية، فيقتصر على ما صح منها. والله أعلم، حتى لا يكون ذلك استدراكًا على الشارع. وسوف أذكر لكم خلاف العلماء في الدعاء بعد الصلاة في المبحث التالي، أسأل الله وحده العون والتوفيق. وقد تركت بعض الأدعية الضعيفة اقتصارًا على ما ذكرته، وفيها الكفاية، ولأن بعضها سيأتي ذكره في مناسبات مختلفة في المباحث التالية إن شاء الله تعالى.

стр. 5635

الفرع الثاني في اختلاف العلماء في حكم الدعاء بعد الصلوات [م-٧١٧] اختلف العلماء في حكم الدعاء بعد الصلوات: فقيل: لا يشرع الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، على خلاف بينهم: فمنهم من استحب فقط الذكر المأثور، كابن تيمية في أحد قوليه (١). ومنهم من لم يستحب القعود في مصلاه بعد السلام، نقله ابن تيمية عن قوم لم يسمهم، واختاره بعض المالكية (٢).

стр. 5636

قال ابن مفلح في الفروع: «ولم يستحبه شيخنا -يعني ابن تيمية- بعد الكل (يعني كل الصلوات) لغير أمر عارض كاستسقاء، واستنصار» (١). وقال شيخنا ابن عثيمين: «الدعاء بعد السلام يقصد به تنقية الصلاة من الخلل كالاستغفار ثلاثًا، وأما دعاء المصلي لنفسه فقبل السلام» (٢).

стр. 5637

وقيل: يدعو بكل دعاء جائز مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وهذان قولان متقابلان.

стр. 5638

قال النووي: «يستحب أن يدعو أيضًا بعد السلام بالاتفاق، وجاءت في هذه المواضع أحاديث كثيرة صحيحة في الذكر والدعاء قد جمعتها في كتاب الأذكار» (١). وجاء في شرح المقدمة الحضرمية: «يندب الذكر والدعاء بعد الصلاة … ويحصل أصل السنة ولو بغير مأثور» (٢). وقال ابن قدامة: «ويستحب ذكر الله تعالى، والدعاء عقيب صلاته، ويستحب من ذلك ما ورد به الأثر» (٣). وقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «ويدعو بما يجوز من أمر الدين والدنيا» (٤). وجاء في الروض المربع: «يسن أن يستغفر ثلاثًا .... ويدعو بعد كل مكتوبة مخلصًا في دعائه» (٥). وقيل: يستحب للمصلي إذا فرغ من الذكر المشروع أن يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء دعاء مطلقًا، وهذا الدعاء لا يرتبط سببه كونه جاء في دبر الصلاة، وإنما سببه تقدم الثناء على الله بالتسبيح والتحميد والتكبير، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، وهذا من آداب الدعاء، وهذا اختيار ابن القيم (٦). وقيل: يشرع الدعاء بعد صلاتي الصبح والعصر، قال به بعض الشافعية والحنابلة عوضًا عن السنة البعدية (٧).

стр. 5639

وقيل: يشرع الدعاء بما ورد في الأحاديث الصحيحة خاصة، وهو ظاهر ترجمة البخاري في صحيحه، واختاره بعض المتأخرين (١). قال البخاري في صحيحه: باب الدعاء بعد الصلاة، ثم ساق بإسناده حديث أبي هريرة: تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا، وحديث المغيرة وفيه: … اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت. وقيل: يشرع أحيانًا بعد النافلة، ولا يشرع في المكتوبة، اختاره سماحة الشيخ ابن باز (٢). فهذه خمسة أو ستة أقوال في المسألة. • دليل من قال: لا يشرع الدعاء مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٠٥١) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. وفي رواية لمسلم: يا ذا الجلال والإكرام (٣).

стр. 5640

• وأجيب: بأن المراد بحديث عائشة نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر هذا الذكر، لا نفي الدعاء الخاص. الدليل الثاني: «عامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سَلَّم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي» (١). ويقول ابن تيمية: «المصلي يناجي ربه، فدعاؤه له ومسألته إياه، وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد انصرافه عنه» (٢). • ويناقش بأكثر من وجه: الوجه الأول: هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا. الوجه الثاني: كون الصلاة موضعًا للدعاء أو كون الدعاء فيها أولى ذلك لا يمنع من الدعاء بعدها، ولا يلزم من الدعاء بعد الصلاة ترك الدعاء فيها، فلا تزاحم، فهذا السجود أمرنا فيه بالاجتهاد بالدعاء؛ لقرب العبد من ربه، ولم يمنع ذلك من الدعاء في آخر التشهد، وبين السجدتين، بل وحتى في الركوع، والحَكَم في ذلك هو النص الشرعي. وهذه الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، ومع ذلك أمرنا بالذكر بعد الفراغ من الصلاة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. الوجه الثالث: إن كان القول بنفي مشروعية الدعاء بعد الصلاة أنه لا يشرع الدعاء مطلقًا، فالأحاديث الصحيحة ترد هذا القول، وقد سبق ذكرها، وبعضها في
следующие страницы →