← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ مُسبِغِ النِّعمِ، ومُسوغِ القِسمِ، والمُنفرِدِ بالقِدمِ وبارئِ النَّسمِ، على ما وفَّقَ مَنْ اجتَباه من عِبادِه للتَّفقُّهِ في الدينِ، ونوَّهَ بذلك في الذِّكرِ الحَكيمِ فقالَ تعالَى وهو أَصدقُ القائِلينَ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. أَحمدُه سُبحانَه على ما شيَّدَ بمَنهجِ دِينِه أَركانَ الشَّريعةِ الغرَّاءِ، وسدَّدَ بأَحكامِه فُروعَ الحَنيفيةِ السَّمحاءِ، سُبحانَه عمَّ فَضلُه وإِحسانُه، وأَتَمَّ حُجتَه وبُرهانَه، وظهَرَ أمرُه وسُلطانُه، سُبحانَه ما أعظَمَ شانَه! أسبَغَ علينا بفَضلِه مَلابسَ إِنعامِه، وبصَّرَنا من شَرعِه بحَلالِه وحَرامِه، أَحمَدُه حَمدًا يَفوقُ حمدَ الحامِدينَ، وأَشكرُه شُكرًا عددَ الأَيامِ والسِّنينَ. وأَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، العالِمُ بانقِيادِ الأَفئدةِ وامتِناعِها، المُطَّلعُ على ضَمائرِ القُلوبِ في حالةِ افتِراقِها واجتِماعِها، وأَشهدُ أنَّ مُحمدًا عبدُه ورَسولُه، سيدُ الأَبرارِ المَبعوثُ من أَطهرِ بيتٍ في

стр. 2

مُضرَ بنِ نِزارٍ المَبعوثُ رَحمةً لِلعالَمينَ، ونورًا لسائرِ الخَلائقِ إلى يومِ الدِّينِ، أرسَلَه حينَ درَسَت أَعلامُ الهُدى، وظهَرَت أَعلامُ الرَّدى، وانطَمسَ مَنهجُ الحقِّ وعَفا، وأَشرفَ مِصباحُ الصِّدقِ على الانطِفا، فأَعلى مِنْ الدينِ مَعالمَه، ومِن حُكمِ الشَّرعِ دَلائلَه، فانشَرحَ به صُدورُ أهلِ الإِيمانِ، وانْزاحَت به شُبهاتُ أهلِ الطُّغيانِ، ﷺ ما دامَت السماءُ والأرضُ هذه في سُموِّها وهذه في اتِّساعِها، وعلى آلهِ البَررةِ، وصَحبِه الخِيرةِ، مَصابيحِ الأُممِ ومَفاتيحِ الكَرمِ، وخُلفاءِ الدِّينِ، وحُلفاءِ اليَقينِ، الذين بلَغوا من مَحاسنِ الفَضائلِ الغايةَ، ووصَلوا من مَكارمِ الفَواضلِ نِهايةَ النِّهايةِ، الحافِظينَ لمَعالمِ الدِّينِ عن الاندِراسِ والانطِماسِ، الذين كَسروا جُيوشَ المَردةِ، وفتَحوا حُصونَ قِلاعِها، وهجَروا في مَحبةِ داعِيهم إلى اللهِ الأَوطارِ والأَوطانِ، ولم يُعاودُوها بعدَ وَداعِها وحفِظوا على أَتباعِهم أَقوالَه وأَفعالَه وأَحوالَه حتى أمِنَت بهم السُّنةُ الشَّريفةُ من ضَياعِها. وبعدُ: فإنَّ العُلومَ وإن كانَت تَتعاظَمُ شَرفاً، وتَطلعُ في سَماءِ العُلا كَواكبُها شَرفًا، فلا مِريةَ في أن الفِقهَ أجلُّها قَدرًا، وأَعلاها فَخرًا وأَبلغُها فَضيلةً، وأَنجحُها وَسيلةً؛ لأنَّ به يُعرفُ الحَلالُ والحَرامُ، ويَدينُ الخاصُّ والعامُّ، وتبِينُ مَصابيحُ الهُدى من ظَلامِ الضَّلالِ وضَلالِ الظلامِ، قُطبُ الشَّريعةِ وأَساسُها، وقَلبُ الحَقيقةِ الذي إذا صلَحَ صلَحَت، فهو أَولى ما أُنفقَت فيه نَفايسُ الأَوقاتِ، وشمَّرَ في إِدراكِه والتَّمكنِ فيه أَصحابُ الأنفُسِ الزَّكياتِ، وبادَرَ إلى الاهتِمامِ به المُسارِعونَ إلى المَكرماتِ، وسارَعَ إلى

стр. 3

التَّحلِّي به مُستبِقو الخَيراتِ، وقد تَظاهَرَ على ما ذكَرْته جُملٌ من آياتِ القُرآنِ الكَريماتِ، والأَحاديثِ الصَّحيحةِ النَّبويةِ المَشهوراتِ، ولا ضَرورةَ إلى الإِطنابِ بذكْرِها هنا؛ لكَونِها الواضِحاتِ الجَلياتِ. وقد امتَنَّ الله على هذه الأُمةِ بإِبقاءِ طائِفةٍ منها على الحقِّ لا يَضرُّهم من خذَلُهم ولا من خالَفَهم حتى يَأتِيَ أمرُ اللهِ وهم على ذلك، وجعَلَ السَّببَ في بَقائِهم بَقاءَ عُلمائِهم واقتِداءَهم بأئِمتِهم وفُقائِهم، وجعَلَ هذه الأُمةَ معَ عُلمائِها كالأُممِ الخالِيةِ معَ أَنبيائِها، وأظهَرَ في كلِّ طَبقةٍ من فُقهائِها أَئمةً يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رَأيِها، وجعَلَ في سَلفِ هذه الأُمةِ أَئمةً من الأَعلامِ، مهَّدَ بهم قَواعدَ الإِسلامِ وأَوضحَ بهم مُشكلاتِ الأَحكامِ، اتِّفاقُهم حُجةٌ قاطِعةٌ، واختِلافُهم رَحمةٌ واسِعةٌ، تَحيا القُلوبُ بأَخبارِهم، وتَحصُلُ السَّعادةُ باقتِفاءِ أَثرِهم، ثم اختَصَّ منهم نَفرًا أَعلى قَدرَهم ومَناصبَهم، وأَبقى ذِكرَهم ومَذاهبِهم، فعلى أَقوالِهم مَدارُ الأَحكامِ، وبمَذاهبِهم يُفتِي فُقهاءُ الإِسلَام، وهم الأَئمةُ الأَربعةُ الأَعلامُ: أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ، عليهم من اللهِ الرَّحمةُ الواسِعةُ والرِّضوانُ، فللهِ دَرُّهم، هم نُجومُ السَّماءِ، تُشيرُ إليهم بالأَكفِّ الأَصابعِ، وشُمُّ الأُنوفِ يَخضعُ إليهم كلُّ شامِخِ الأَنفِ رافِعٌ، حلَّقوا على سُورِ الإِسلامِ كسُوارِ المِعصمِ في اليدِ، زيَّنَ اللهُ الأَرضَ بمَواطئِ أَقدامِهم، فهم أَصحابُ الفضلِ على أَهلِ المَشارقِ والمَغاربِ؛ فقد ملَأَ عِلمُهم الآفاقَ، وأذعَنَ لهم أهلُ الخلافِ والوِفاقِ، فجَزاهُم اللهُ عن صَنيعِهم جَزاءً مَوفورًا، وجعَلَ عَملَهم

стр. 4

مُتقبَّلًا وسَعيَهم مَشكورًا، ولم تَزلِ الأَئمةُ الأَعلامُ -قَديمًا وحَديثًا- كلٌّ منهم مُذعِنٌ لفَضلِهم، ومُشتغِلٌ بقِراءةِ كُتبِهم. من أجلِ ذلك قُمتُ بتَأليفِ كِتابي هذا «مَوسوعةُ الفقهِ على المَذاهبِ الأَربعةِ»، جمَعتُ فيه أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ بدءًا من الأَئمةِ إلى كلِّ عُلماءِ المَذاهبِ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخرِّينَ، وكانَ عمَلي في هذا الكِتابِ (بعدَ تَرجمةٍ عن الأَئمةِ الأَربعةِ ومُقدمةٍ ذكَرتُ فيها أَسبابَ اختِلافِهم، وهل الحقُّ واحدٌ أو كلٌّ مُجتهدٌ مُصيبٌ) ما يلي: أولًا: أَجمعُ أَقوالَ المَذاهبِ الأَربعةِ في كلِّ مَسألةٍ. ثانيًا: أَذكرُ الأَدلةَ التي استَدلُّوا بها سواءٌ أكانَت صَحيحةً أم ضَعيفةً، وسواءٌ من جهةِ النصِّ -قُرآنًا وسُنةً- أو مِنْ جِهةِ القِياسِ أو مِنْ غيرِها. ثالثًا: أَذكرُ جَميعَ الأَقوالِ في كلِّ مَذهبٍ: الراجحَ والمَرجوحَ والمَشهورَ وغيرَ المَشهورِ في المَذهبِ، وكذلك الرِّواياتِ عن الإِمامِ الواحدِ أَذكرُها وأُبيِّنُ مَنْ اختارَها مِنْ أَصحابِه. رابعًا: أَذكرُ المَصادرَ التي وَقفْتُ عليها ونقَلتُ منها أَقوالَ العُلماءِ في الهامشِ. خامسًا: اعتَمدتُ على أَقوالِ كلِّ مَذهبٍ من كُتبِ المَذهبِ نفسِه، سواءٌ المُتقدِّمينَ منهم أم المُتأخِّرينَ.

стр. 5

سادسًا: أُبيِّنُ الصَّحيحَ والمُعتمَدَ والمَشهورَ في كلِّ مَذهبٍ في كلِّ مَسألةٍ وكذا الأَقوالُ الأُخرَى غيرُ المُعتمَدةِ والصَّحيحةِ في كلِّ مَذهبٍ، ولا أُرجِّحُ المَسألةَ تَرجيحًا من عِندي وإنما أُبيِّنُ الراجِحَ والمُعتمَدَ في المَذاهبِ. سابعًا: أَقومُ بتَخريجِ الأَحاديثِ التي استدَلّوا بها وأُبيِّنُ صَحيحَها من سَقيمِها. ثامنًا: أَعتمِدُ على كَلامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ ﵀ في الأَحاديثِ التي خارجَ الصَّحيحَينِ صِحةً وضَعفًا في جُلِّ الكِتابِ إن لم يَكنْ في كلِّه؛ لكيْ يَكونَ الكِتابُ على وَتيرةٍ واحِدةٍ؛ فكلُّ حَديثٍ قُلتُ فيه: صَحيحٌ أو ضَعيفٌ أو حَسنٌ أو أيُّ حُكمٍ عليه فجُلُّه على أَحكامِ الشيخِ الأَلبانِيِّ ﵀، والسَّببُ الذي جعَلَني أَعتمِدُ على تَحقيقِ الشيخِ الأَلبانِيِّ دونَ غيرِه أنه الوَحيدُ الذي له حُكمٌ على أَغلبِ أَحاديثِ الأَحكامِ؛ لتَحقيقِه السُّننَ الأَربعةَ التي عليها مَدارُ الأَحكامِ بعدَ الصَّحيحَينِ، ولأنِّي لمَّا قُمتُ في البِدايةِ بتَحقيقِ الأَحاديثِ بنَفسِي تَوسَّعَ الأمرُ جدًّا فوجَدْت أنَّ المَوسوعةَ ستَكونُ ضِعفَ ما هي عليه الآنَ وستَخرجُ عما وُضعَت له من بَيانِ الأَحكامِ الفِقهيةِ لا الحَديثيةِ. وفي الخِتامِ .. يَعلمُ اللهُ أنِّي قد اجتهَدتُ في هذا الكِتابِ قدرَ استِطاعَتي وشمَّرتُ عن ساعدِ الاجتِهادِ، وطلَبتُ من اللهِ المَعونةَ والسَّدادَ، والهِدايةَ إلى سَبيلِ الرَّشادِ، وأَستَغفرُ اللهَ تَعالَى عما يَقعُ لي من الخَللِ في بعضِ المَسائلِ، فإنَّ الإِنسانَ مَحلُّ النِّسيانِ، وأَسألُ مَنْ وقَفَ عليه أن يستُرَ زلَلي؛

стр. 6

فإنَّ بِضاعَتي مُزجاةٌ، ولستُ من أهلِ هذا المَيدانِ، ولكنِّي مُتطفِّلٌ على ذلك، لستُ من فُرسانِ تلك المَسالكِ، وإنِّي أَسألُه تَعالى أنْ يَعفوَ مِنْ صَحائفِنا ما زلَّ به البَنانُ، أو أَخلَّ به البَيانُ، وأنْ يَتقبَّلَ مِنا ما سطَّرْناه، وأنْ يجعَلَه حُجةً لنا لا حُجةً علينا حتى نَتمَنى أنَّنا ما كتَبْناه وما قرَأْناه، اللَّهمَّ يا مُحوِّلَ الأَحوالِ حوِّلْ حالَنا إلى أَحسنِ حالٍ بحَولِك وقُوتِك يا عَزيزُ يا مُتعالِ. وقد انتهَيْت من هذه المَوسوعةِ في أوَّلِ العَشرِ من ذي الحِجةِ لِلعامِ ١٤٤٣ من هِجرةِ سَيدِ الأَنامِ مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ ، المُوافقِ ٣٠/ ٦/ ٢٠٢٢ من مِيلادِ المَسيحِ عليه وعلى نَبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنا في هذا الوَقتِ لم أَبلغِ الأربَعينَ من عمُرِي؛ فقد بدَأتُ في هذه المَوسوعةِ في بلَدي «مصرَ» مُحافظةِ «دِمياط» الحَبيبةِ وأنا ابنُ الرَّابعةِ والعِشرينَ، وانتَهيتُ منها في بلَدي الثانِي «تُركيا» في مَدينةِ «إِسطَنبول» وأنا في نِهايةِ عقدِي الرابِعِ ومُشرِفٌ على الأربَعينَ من عمُرِي، فاستَغرَقَت مني ما يَقرُبُ من ستةَ عشرَ عامًا، مرَرَت فيها بكلِّ ما يَتخيَّلُه الإِنسانُ وما لا يَتخيَّلُه، من مَشقَّةٍ وتَعبٍ، وسهَرِ اللَّيالي الطِّوالِ، ومن فقرٍ وبُعدٍ عن الأهلِ والأَوطانِ، والانتِقالِ من مَكتبةٍ لأُخرَى ومن مَكانٍ لآخرَ، فله الحَمدُ على أن أَكرمَني بإِتمامِها على أَكملِ وجهٍ فهو وحدَه العالِمُ كيف حبَّرْتُها تَحبيرًا، وكيف تعِبتُ فيها حتى تَخرجَ مُتقنَةً غايةَ الإِتقانِ في نَقلِ المَذاهبِ والمُعتمَدِ منها وغيرِ المُعتمَدِ، معَ

стр. 7

سُهولةِ العِبارةِ والتَّفنُّنِ في كَيفيةِ عرضِ المَسألةِ بحيثُ تَسهُلُ على طالبِ العِلمِ الاستِفادةُ منها، فأنا أَعلمُ ما يُعانِيه من كُتبِ الفقهِ المُقارَنِ مِنْ صُعوبةٍ وسُوءِ عَرضٍ، فأَسألُه أن يُباركَ في عمُرِي، وأن يَنفعَ بهذه المَوسوعةِ العِبادَ في عامَّةِ البِلادِ، وأن يَسلُكَ بي سَبيلَ الرَّشادِ، وأن يُلهِمَني التَّوفيقَ والسَّدادَ. هذا وصَلِّ اللهُمَّ وسلِّمْ على سَيدِنا مُحمدٍ سَيدِ الأَنامِ، وعلى آلِه وأَصحابِه البَررةِ الكِرامِ، وأَتباعِه إلى مُنتهَى الإِسلامِ. كتَبَه ابنُ النَّجارِ الدِّمياطِيّ أَبو عَمارٍ يَاسرُ بنُ أَحمدَ بنِ بَدرِ بنِ النَّجارِ ٠٠٩٠٥٣٨٩١٠٨٤٣٢ yasserbadr29@gmail.com Yasserbadr40@yahoo.com

стр. 8

تَرجَمةُ الأَئمةِ الأربَعةِ ﵏ (١) أولاً: تَرجَمةُ الإمامِ أَبي حَنيفةَ النُّعمانِ بنِ ثابِتٍ: هذا الإمامُ تَبايَنَت أَقوالُ الناسِ فيه تَبايُنًا بَليغًا، فمِن مُعظِّمٍ أشدَّ تَعظيمٍ، فمُقدِّمٍ له على جَميعِ العُلماءِ، وهم مُتعصِّبةُ الأَحنافِ، وفي مُقابلِهم مَنْ انتَقصَه وطعَنَ في حِفظِه وفَضلِه، وقد ساقَ الخَطيبُ ﵀ في تَرجَمتِه أَقوالَ الفَريقينِ، إلا أنَّ أَسانيدَ مَنْ طعَنَ فيه الغالِبُ عليها الضَّعفُ الشَّديدُ، ومع تَتبُّعِ سِيرتِه وانتِقاءِ أَبعدِ الرِّواياتِ عن الغُلوِّ والقُصورِ، اتضَحَت لنا بفَضلِ اللهِ الأُمورُ، وظهَرَ ما أخبَرَ به الحَربيُّ: لا يَقعُ في أَبي حَنيفةَ إلا جاهِلٌ أو حاسِدٌ (٢). وإذا كانَ الأصلُ في المُسلمِ حُسنُ الظنِّ، فكيف بمَن شهِدَ له عُلماءُ عَصرِه الأَثباتُ بالعَدالةِ والفقهِ والشَّرفِ والفَضلِ، وكيف بمَن امتَلأتْ قُلوبُ المُسلِمينَ بمَحبَّتِه، وشُغلَت الأَلسِنةُ بالثَّناءِ عليه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «تلك عاجلُ بُشرى المُؤمنِ» رَواه مُسلمٌ.

стр. 9

الإمامُ أبو حَنفيةَ النُّعمانُ بنُ ثابِتٍ: قالَ التاجُ السُّبكيُّ: يَنبَغي لك أيُّها المُسترشِدُ أنْ تَسلُكَ سَبيلَ الأَدبِ معَ الأَئمةِ الماضِينَ، وأنْ لا تَنظُرَ إلى كَلامِ بعضِهم في بعضٍ، إلا إذا أُتِيَ ببُرهانٍ واضحٍ، ثم إنْ قدِرتَ على التَّأويلِ وتَحسينِ الظنِّ فدونَك، وإلا فاضرِبْ صَفحًا عما جَرى بينَهم، فإنَّك لم تُخلقْ لهذا، فاشتَغلْ بما يَعنِيك، ودعْ ما لا يَعنِيك، ولا يَزالُ طالبُ العلمِ عِندي نَبيلًا حتى يَخوضَ فيما جَرى بينَ السَّلفِ الماضِينَ، ويَقضي لبعضِهم على بعضٍ، فإياكَ ثم إياكَ أن تُصغيَ إلى ما اتَّفقَ بينَ أَبي حَنيفةَ وسُفيانَ الثَّوريِّ، أو بينَ مالِكٍ وابنِ أَبي ذِئبٍ، أو بينَ أَحمدَ بنِ صالحٍ والنَّسائيِّ، أو بينَ أَحمدَ والحارسِ بنِ أسدٍ المُحاسِبيِّ … وهَلمَّ جرًّا، إلى زَمانِ العزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ والشَّيخِ تقيِّ الدينِ بنِ الصَّلاحِ؛ فإنَّك إذا اشتغَلتَ بذلك، خشِيتُ عليك الهَلاكَ؛ فالقومُ أَئمةٌ أَعلامٌ، ولأَقوالِهم مَحامِلُ، وربَّما لم تَفهمْ بعضَها، فليسَ لنا إلا التَّرضي وَالسُّكوتُ عمَّا جَرى بينهم، كما نَقولُ فيما جَرى بينَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم (١). عن يَحيى بنِ مَعينٍ قالَ: سمِعتُ يَحيى القَطانَ يَقولُ: جالَسْنا -واللهِ- أَبا حَنيفةَ، وسمِعْنا منه، وكنتُ -واللهِ- إذا نظَرتُ إليه، عرَفتُ في وجهِه أنَّه يَتقِي اللهَ (٢).

стр. 10

وقالَ سُفيانُ بنُ عُيينةَ: ما قدِمَ مَكةَ رَجلٌ في وقتِنا أكثرَ صَلاةً من أَبي حَنيفةَ (١). ورَوى الخَطيبُ بسندِه أَبياتًا مدَحَ فيها ابنُ المُبارَكِ أَبا حَنيفةَ ﵀ فقالَ: رَأيتُ أَبا حَنيفةَ كلَّ يَومٍ … يَزيدُ نَبالةً ويَزيدُ خَيرا ويَنطقُ بالصَّوابِ ويَصطفيهِ … إذا ما قالَ أهلُ الجَورِ جُورا يُقايسُ مَنْ يُقايسُه بلُبٍّ … فمَن ذا يَجعلُونَ له نَظيرَا كَفانا فَقدَ حَمادٍ وكانَت … مُصيبتُنا به أَمرًا كَبيرَا فردَّ شَماتةَ الأَعداءِ عنَّا … وأَبدَى بعدَه عِلماً كَثيرَا رَأيتُ أَبا حَنيفةَ حينَ يُؤتى … ويُطلبُ عِلمُه بَحرًا غَزيرَا إذا ما المُشكلاتُ تَدافَعتْها … رِجالُ العِلمِ كانَ بها بَصيرَا (٢) وبعدُ: فلَسْنا معَ مُتعصبَةِ الأَحنافِ الذين يَرفَعونَ الإمامَ أَبا حَنيفةَ فوقَ جميعِ عُلماءِ الأُمةِ، أو الذين يَعتقِدونَ أنَّ رَسولَ الله ﷺ بشَّرَ به، وأنَّه لقِيَ جَمعًا من الصَّحابةِ ورَوى عنهم، كما أنَّنا كذلك لَسْنا معَ الذين يَطعَنونَ فيه ويُجرِّحونَه، ويَنسُبونَ إليه الأَقاويلَ الشَّنيعةَ ظُلمًا وبُهتانًا، بل نَعتقِدُ أنَّه إمامٌ من أَئمةِ المُسلِمينَ، طيِّبُ السِّيرةِ والسَّريرةِ، سارَت بعُلومِه الرُّكبانُ، وانتَشرَ عِلمُه في سائرِ البُلدانِ، ونُشهِدُ اللهَ على حبِّنا له، وهو

стр. 11

من أَئمةِ الاجتِهادِ، مَأجورٌ على كلِّ حالٍ، إما أَجرًا كامِلًا إن كانَ مُصيبًا، وإما أَجرًا ناقِصًا إن أخطَأَ، وهو مَعذورٌ إنْ أخطَأَ، والأَئمةُ الأَربعةُ الكِرامُ لهم من المَنزلةِ الخاصَّةِ في قُلوبِ المُسلِمينَ؛ لانتِفاعِ الناسِ بعُلومِهم، ولعلَّ لهم من سَريرةِ الخيرِ ما رفَعَ اللهُ بهم مَنارَهم، وأَبقَى على مرِّ الزَّمانِ ذِكرَهم، فنَسألُ الله أن يُميتَنا على حبِّهم، وأن يَحشُرَنا في جَمعِهم يومَ يُحشرُ المَرءُ معَ من أحَبَّ، وصلِّ اللهُمَّ وبارِكْ على مُحمدٍ وآلِه وصَحبِه وسلِّمْ. ١ - اسمُه ومَولدُه وصِفتُه: اسمُه: النُّعمانُ بنُ ثابتِ بن زُوطَى التَّيميُّ الكوفِيُّ، مَولى بَني تَميمِ بنِ ثَعلبةَ، وقيلَ: سببُ تَكنِيتِه بأَبي حَنيفةَ مُلازَمتُه للدّواةِ المُسماةِ: حَنيفةَ بلُغةِ العِراقِ. مَولدُه: وُلدَ سنةَ ثَمانينَ بالكوفةِ، في خِلافةِ عبدِ المَلكِ بنِ مَرْوانَ، في حياةِ صِغارِ الصَّحابةِ، ورَأى أنسَ بنَ مالِكٍ لمَّا قدِمَ عليهم الكوفةَ، ولم يَثبُتْ له حرفٌ عن أحدٍ منهم. صِفتُه: قالَ أبو يُوسفَ ﵀: كانَ رَبْعةً، من أَحسنِ الناسِ صورةً، وأَبلغِهم نُطقًا، وأَكملِهم إِيرادًا، وأَحلاهُم نَغْمةً، وأَبينِهم حُجةً على مَنْ يُريدُ. وقالَ حَمادُ ولدُه: كانَ طَويلًا يَعلوهُ سُمرةٌ، جَميلًا حَسنَ الوجهِ، هَيبوبًا، لا يَتكلمُ إلا جَوابًا، ولا يَخوضُ فيما لا يَعنِيه.

стр. 12

قالَ أَحمدُ بنُ حَجرٍ الهَيثميُّ: ولا تَنافِيَ بينَ كونِه رَبْعةً، وبينَ كونِه طَويلًا؛ لأنَّه قد يَكونُ معَ كونِه رَبْعةً أَقربَ إلى الطولِ. وقالَ ابنُ المُباركِ: كانَ حَسنَ الوَجهِ، حَسنَ الثِّيابِ (١). وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنِ مُحمدِ بنِ المُغيرةَ: رَأيتُ أَبا حَنيفةَ شَيخًا يُفتي الناسَ بمَسجدِ الكوفةِ، على رَأسِه قَلنْسوةٌ سَوداءُ طَويلةٌ (٢). ٢ - ثَناءُ العُلماءِ عليه والردُّ على من طعَنَ فيه: قالَ الفُضيلُ بنُ عِياضٍ: كانَ أَبو حَنيفةَ رَجلًا فَقيهًا، مَعروفًا بالفقهِ، مَشهورًا بالوَرعِ، واسعَ المالِ، مَعروفًا بالأَفضالِ على من يَطيفُ به، صَبورًا على تَعليمِ العلمِ بالليلِ والنَّهارِ، كثيرَ الصَّمتِ، قَليلَ الكلامِ، حتى تَردَ مَسألةٌ في حلالٍ أو حرامٍ، فكانَ يُحسِنُ أن يدلَّ على الحقِّ، هارِبًا من مالِ السُّلطانِ (٣). وزادَ ابنُ الصَّباحِ: وكانَ إذا ورَدَت عليه مَسألةٌ فيها حَديثٍ صَحيحٍ تبِعَه، وإن كانَ عن الصَّحابةِ والتابِعينَ، وإلا قاسَ، وأحسَنَ القِياسَ (٤). وعن أَبي بكرِ بنِ عَياشٍ قالَ: ماتَ عمرُ بنُ سَعيدٍ أَخو سُفيانَ، فأتَيْنا نُعزِّيه، فإذا المَجلسُ غاصٌّ بأَهلِه، وفيهم عبدُ اللهِ بنُ إِدريسَ، إذ أَقبَلَ أَبوحَنيفةَ في جَماعةٍ معه، فلمَّا رآهُ سُفيانُ، تَحرَّكَ من مَجلسِه، ثم قامَ فاعْتنَقَه، وأَجلسَه في مَوضعِه، وقعَدَ بينَ يدَيه. قالَ أَبو بكرٍ: فاغتَظْت عليه.

стр. 13

وقالَ ابنُ إِدريسَ: ويحَك! ألا ترَى؟ فجلَسْنا حتى تَفرَّقَ الناسُ، فقُلتُ لعبدِ اللهِ بنِ إِدريسَ: لا تَقمْ حتى نَعلمَ ما عندَه في هذا. فقُلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، رَأيتُك اليومَ فعَلْت شيئًا أَنكرْتُه، وأَنكرَه أَصحابُنا عليك. قالَ: وما هو؟ قُلتُ: جاءَك أَبو حَنيفةَ، فقُمتَ إليه، وأَجلسْتَه في مَجلسِك، وصنَعتَ له صُنيعًا بَليغًا، وهذا عندَ أَصحابِنا مُنكَرٌ. فقالَ: ما أَنكرْتَ من ذاك؟ هذا رَجلٌ من العلمِ بمَكانٍ، فإن لم أَقمْ لعِلمِه، قُمتُ لسِنِّه، وإن لم أَقمْ لسِنِّه، قُمتُ لفِقهِه، وإن لم أَقمْ لفِقهِه، قُمتُ لوَرعِه، فأَحجَمَني، فلم يَكنْ عِندي جَوابٌ (١). وعن أَبي وَهبٍ مُحمدِ بنِ مُزاحِمٍ قالَ: سمِعْت عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ يَقولُ: رَأيتُ أَعبدَ الناسِ، ورَأيتُ أَورعَ الناسِ، ورَأيتُ أَعلمَ الناسِ، ورَأيتُ أَفقهَ الناسِ، فأما أَعبدُ الناسِ فعَبدُ العزيزِ بنُ أَبي رَوادٍ، وأما أَورعُ الناسِ فالفُضيلُ بنُ عِياضٍ، وأما أَعلمُ الناسِ فسُفيانُ الثَّوريُّ، وأما أَفقهُ الناسِ فأَبو حَنيفةَ. ثم قالَ: ما رَأيتُ في الفقهِ مِثلَه (٢). وعن يَحيى بنِ مَعينٍ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ ثِقةً، لا يُحدِّثُ بالحَديثِ إلا بما يَحفُظُه، ولا يُحدِّثُ بما لا يَحفظُ (٣).

стр. 14

وعن أَبي وَهبٍ مُحمدِ بنِ مُزاحِمٍ قالَ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ يَقولُ: لَولا أنَّ اللهَ أَعانَني بأَبي حَنيفةَ وسُفيانَ، كُنْتُ كسائرِ الناسِ (١). وعن الشافِعيِّ قالَ: قيلَ لمالِكٍ: هل رَأيتُ أَبا حَنيفةَ؟ قالَ: نَعم، رَأيتُ رَجلًا لو كلَّمَك في هذه الساريةِ أن يَجعلَها ذَهبًا، لقامَ بحُجتِه (٢). وعن قَيسِ بنِ الرَّبيعِ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ ورِعًا تَقيًّا مُفضَّلًا على إِخوانِه (٣). وقالَ شَريكُ: كانَ أَبو حَنيفةَ طَويلَ الصَّمتِ، كَثيرَ العَقلِ (٤). وقالَ يَزيدُ بنُ هارونَ: ما رَأيتُ أَحدًا أَحلمَ من أَبي حَنيفةَ (٥). وعن أَبي مُعاويةَ الضَّريرِ قالَ: حبُّ أَبي حَنيفةَ من السُّنةِ (٦). وقالَ الشافِعيُّ: الناسُ في الفقهِ عِيالٌ على أَبي حَنيفةَ (٧). وقالَ الذَّهبيُّ: وكانَ من أَذكياءِ بَني آدمَ، جمَعَ الفقهَ، والعِبادةَ، والوَرعَ، والسَّخاءَ، وكانَ لا يَقبلُ جَوائزَ الدَّولةِ (٨).

стр. 15

وقالَ ضِرارُ بنُ صُردَ: سُئلَ يَزيدُ بنُ هارونَ أيُّهما أَفقهُ: الثَّوريُّ أو أَبو حَنيفةَ؟ فقالَ: أَبو حَنيفةَ أَفقهُ، وسُفيانُ أَحفظُ للحَديثِ (١). قالَ في هامشِ «السِّير»: وأما ما يُؤثَرُ عن النَّسائيِّ وابنِ عَديٍّ من تَضعيفِهما لأَبي حَنيفةَ من جِهةِ حِفظِه، فهو مَردودٌ لا يُعتدُّ به في جَنبِ تَوثيقِ أَئمةِ الجَرحِ والتَّعديلِ، من أَمثالِ عليِّ بنِ المَدينيِّ، ويَحيى بنِ مَعينٍ، وشُعبةَ، وإِسرائيلَ بنِ يُونسَ، ويَحيى بنِ آدمَ، وابنِ داودَ الخَرْيبيِّ، والحَسنِ ابن صالحٍ وغيرِهم، فهؤلاء كلُّهم مُعاصرِونَ لأبي حَنيفةَ، أو قَريبو العَهدِ به، وهم أَعلمُ الناسِ به، وأَعلمُ من النَّسائيِّ وابنِ عَديٍّ وأَمثالِهما من المُتأخِّرينَ عن أَبي حَنيفةَ بكَثيرٍ كالدَّارقُطنيِّ الذي وُلدَ بعدَ مِائتَي سنةٍ من وَفاةِ أبي حَنيفةَ، فقولُ هؤلاء الأَئمةِ الأَقربُ والأَعلمُ وأَحرى بالقَبولِ، وقولُ المُتأخِّرينَ زمنًا أَجدرُ بالرَّمي في حَضيضِ الخُمولِ. وقد نقَلَ الشَّيخُ ابنُ حَجرٍ المَكيُّ في «الخيرات الحسان» (ص: ٣٤) قولَ شُعبةَ بنِ الحَجاجِ في أَبي حَنيفةَ: كانَ -واللهِ- حَسنَ الفَهمِ، جَيدَ الحِفظِ. وهذا نصٌّ صَريحٌ في قُوةِ حِفظِه، صادِرٌ عمَّن هو مَشهودٌ له بالإِمامةِ وبالتَّدينِ والتَّشددِ في نَقدِ الرِّجالِ، وبهذا القولِ الرَّشيدِ يَسقُطُ كلُّ ما ادَّعاهُ المُتعصِّبونَ والحاقِدونَ، من مُتقدِّمٍ ومُتأخِّرٍ، من ضَعفِ هذا الإمامِ العَظيمِ (٢).

стр. 16

وقالَ السُّبكيُّ: ضَرورةٌ نافِعةٌ لا تَراها في شيءٍ من كُتبِ الأُصولِ، فإنَّك إذا سمِعتَ أنَّ الجَّرحَ مُقدَّمٌ على التَّعديلِ، ورَأيتَ الجَّرحَ والتَّعديلَ، وكُنتَ غِرًّا بالأُمورِ، أو فَدمًا مُقتصِرًا على مَنقولِ الأُصولِ، حَسِبتَ أنَّ العَملَ على جَرحِه، فإيَّاك والحذرَ كلَّ الحذرِ من هذا الحُسبانِ، بل الصَّوابُ عندَنا أن مَنْ ثبَتَت إِمامتُه وعَدالتُه، وكثُرَ مادِحوه ومُزكُّوه، وندُرَ جارِحوه، وكانَت هناكَ قَرينةٌ دالَّةٌ على سَببِ جَرحِه، مِنْ تَعصبٍّ مَذهبيٍّ أو غيرِه، فإنَّا لا نَلتفِتُ إلى الجَرحِ فيه، ونَعملُ فيه بالعَدالةِ، وإلا فلو فتَحْنا هذا البابَ، وأخَذْنا تَقديمَ الجَرحِ على إِطلاقِه، لَما سلِمَ لنا أَحدٌ من الأَئمةِ، وإذا ما من إمامٍ إلا وقد طعَنَ فيه طاعِنونَ، وهلَكَ فيه الهالِكونَ (١). ٣ - عِبادتُه ﵀: عن أسدِ بنِ عَمرٍو: أنَّ أَبا حَنيفةَ ﵀ صلَّى العِشاءَ والصُّبحَ بوُضوءٍ أَربعينَ سَنةً (٢). وعن بِشرِ بنِ الوَليدِ عن القاضِي أَبي يُوسفَ قالَ: بينَما أنا أَمشي معَ أَبي حَنيفةَ، إذ سمِعْت رَجلًا يَقولُ لآخرَ: هذا أَبو حَنيفةَ لا يَنامُ اللَّيلَ. فقالَ أَبو حَنيفةَ: واللهِ، لا يُتحدَّثُ عني بما لم أَفعلْ، فكانَ يُحيِي اللَّيلَ صلاةً وتَضرُّعًا ودُعاءً (٣).

стр. 17

وعن المُثنَّى بنِ رَجاءٍ قالَ: جعَلَ أَبو حَنيفةَ على نَفسِه إن حلَفَ باللهِ صادِقًا أن يَتصدَّقُ بدِينارٍ، وكانَ إذا أَنفقَ على عِيالِه نَفقةً، تَصدَّقَ بمِثلِها (١). وقالَ أَبو عاصِمٍ النَّبيلُ: كانَ أَبو حَنيفةَ يُسمَّى الوَتِد؛ لكَثرةِ صَلاتِه (٢). وعن يَحيى بنِ عبدِ الحَميدِ الحِمانِيِّ عن أَبيه: أنَّه صحِبَ أَبا حَنيفةَ سِتةَ أَشهرٍ، قالَ: فما رَأيتُه صلَّى الغَداةَ إلا بوُضوءِ عِشاءِ الآخِرةِ، وكانَ يَختِمُ كلَّ لَيلةٍ عندَ السَّحرِ (٣). وعن القاسِمِ بنِ مَعنٍ: أنَّ أَبا حَنيفةَ قامَ لَيلةً يُردِّدُ قولَه تَعالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ويَبكي ويَتضرَّعُ إلى الفَجرِ (٤). وقالَ الفَضلُ بنُ دُكينٍ: رَأيتُ جَماعةً من التابِعينَ وغيرِهم، فما رَأيتُ أَحسنَ صلاةً من أَبي حَنيفةَ، ولقد كانَ قبلَ الدُّخولِ في الصلاةِ يَبكي ويَدعو (٥). وقالَت أمُّ وَلدٍ لأَبي حَنيفةَ: ما توسَّدَ فِراشًا بليلٍ منذُ عرَفْته، وإنَّما كانَ نَومُه بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بالصَّيفِ، وأولَ اللَّيلِ بمَسجدِه في الشِّتاءِ (٦). وقالَ ابنُ أَبي رَوادٍ: ما رَأيتُ أَصبَرَ على الطَّوافِ والفُتيا بمَكةَ منه، إنَّما كانَ كلَّ اللَّيلِ والنَّهارِ في طَلبِ الآخرةِ والنَّجاةِ، ولقد شاهَدتُه عشْرَ لَيالٍ،

стр. 18

فما رَأيتُه نامَ بالليلِ، ولا هدَأَ ساعةً من نَهارٍ، من طَوافٍ وصلاةٍ أو تَعليمٍ (١). وعن سُفيانَ بنِ عُيينةَ قالَ: ما قدِمَ مَكةَ رَجلٌ في وقتِنا أَكثرَ صلاةً من أَبي حَنيفةَ (٢). ٤ - وَرعُه ﵀: عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ قالَ: قدِمتُ الكوفةَ، فسأَلتُ عن أَورعِ أَهلِها فقالوا: أَبو حَنيفةَ (٣). وقالَ مَكيُّ بنُ إِبراهيمَ: جالَستُ الكوفِيِّينِ، فما رَأيتُ أَورعَ من أَبي حَنيفةَ (٤). وعن عليِّ بنِ حَفصٍ البَزارِ قالَ: كانَ حَفصُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ شَريكَ أَبي حَنيفةَ، وكانَ أَبو حَنيفةَ يُجهِّزُ عليه، فبعَثَ إليه رِفقةً بمَتاعٍ، وأَعلمَه أن في ثَوبِ كذا وكذا عَيبًا، فإذا بعْتَه فبيِّنْ، فباعَ حَفصٌ المَتاعَ ونسِيَ أن يُبيِّنَ، ولم يُعلِمْ لمَن باعَه، فلمَّا علِمَ أَبو حَنيفةَ تَصدَّقَ بثَمنِ المَتاعِ كلِّه (٥). ٥ - سَماحتُه وكَرمُه ﵀: عن قَيسِ بنِ الرَّبيعِ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ رَجلًا وَرعًا، فَقيهًا مَحسودًا، كَثيرَ الصِّلةِ والبِرِّ لكلِّ من لجَأَ إليه، كَثيرَ الأَفضالِ على إِخوانِه (٦).

стр. 19

وعن حَفصِ بنِ حَمزةَ القُرشيِّ قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ ربَّما مرَّ به الرَّجلُ، فيَجلِسُ إليه لغيرِ قَصدٍ ولا مُجالَسةٍ، فإذا قامَ سأَلَ عنه، فإن كانَت به فاقةٌ وصَلَه، وإن مرِضَ عادَه، حتى يَجرُّه إلى مواصَلتِه، وكانَ أَكرمَ الناسِ مُجالَسةً (١). ٦ - اتِّباعُه للسُّنةِ ﵀: عن سَعيدِ بنِ سالمٍ البَصريِّ قالَ: سمِعتُ أَبا حَنيفةَ يَقولُ: لَقيتُ عَطاءً بمَكةَ فسأَلتُه عن شيءٍ، فقالَ: مِنْ أين أتيْتَ؟ قُلتُ: من أَهلِ الكوفةِ. قالَ: أنتَ من القَريةِ الذين فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيعًا؟ قُلتُ: نَعم. قالَ: فمِن أيِّ الأَصنافِ أنتَ؟ قُلتُ: ممَّن لا يَسبُّ السَّلفِ، ويُؤمنُ بالقَدرِ، ولا يُكفّرُ أَحدًا بذَنبٍ. قالَ: فقالَ لي عَطاءٌ: عرَفتَ، فلزَمْ (٢). قالَ العَلامةُ أَحمدُ بنُ حَجرٍ الهَيثميُّ المَكيُّ: اعلَمْ أنَّه يَتعيَّنُ عليك أنْ لا تَفهَمَ من أَقوالِ العُلماءِ عن أَبي حَنيفةَ وأَصحابِه: أنَّهم أَصحابُ الرَّأيِ، أنَّ مُرادَهم بذلك تَنقيصَهم، ولا نِسبتَهم إلى أنَّهم يُقدِّمونَ رَأيَهم على سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا على قَولِ أَصحابِه؛ لأنَّه بَراءٌ من ذلك. فقد جاءَ عن أَبي حَنيفةَ من طُرقٍ كَثيرةٍ ما مُلخَّصُه: أنَّه أولًا يَأخذُ بما في القُرآنِ، فإن لم يَجدْ، فبالسُّنةِ، فإن لم يَجدْ، فبقَولِ الصَّحابةِ، فإن اختَلفوا، أخَذَ بما كانَ أَقربَ إلى القُرآنِ أو السُّنةِ من أَقوالِهم، ولم يَخرجْ عليهم،

стр. 20

فإن لم يَجدْ لأَحدٍ منهم قولًا، لم يَأخذْ بقولِ أحدٍ من التابِعينَ، بل يَجتِهدُ كما اجتَهدوا. وقالَ الفُضيلُ بنُ عِياضٍ: إنْ كانَ في المَسألةِ حَديثٌ صَحيحٌ تبِعَه، وإن كانَ عن الصَّحابةِ أو التابِعينَ فكذلك، وإلا قاسَ فأَحسَنَ القِياسَ. وقالَ ابنُ المُبارَكِ «روايةً عنه»: إذا جاءَ الحَديثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فعلى الرَّأسِ والعَينِ، وإذا جاءَ عن الصَّحابةِ اختَرْنا، ولم نَخرجْ عن أَقوالِهم، وإذا جاءَ عن التابِعينَ، زاحَمْناهم. وعنه أيضًا: عَجبًا للناسِ! يَقولونَ: أَفتى بالرَّأيِ؟ ما أُفتي إلا بالأثَرِ. وعنه أيضًا: ليسَ لأَحدٍ أنْ يَقولَ برَأيهِ معَ كِتابِ اللهِ تَعالَى، ولا معَ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا ما أَجمَعَ عليه الصَّحابةُ، وأما ما اختَلفوا فيه، فنَتخيَّرُ من أَقاويلِهم أَقربَه إلى كِتابِ الله تَعالَى أو إلى السُّنةِ ونَجتهِدُ، وما جاوزَ ذلك فالاجتِهادُ بالرَّأيِ لمَن عرَفَ الاختِلافَ وقاسَ، وعلى هذا كانوا (١). ٧ - مِحنتُه ﵀: عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو: أنَّ ابنَ هُبيرةَ ضرَبَ أَبا حَنيفةَ مائةَ سَوطٍ وعشَرةَ أَسواطٍ في أنْ يليَ القَضاءَ فأَبى، وكانَ ابنُ هُبيرةَ عاملَ مَرْوانَ على العِراقِ في زَمنِ بَني أُميةَ (٢).

стр. 21

وعن يَحيى بنِ عبدِ الحَميدِ عن أَبيه قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ يَخرجُ كلَّ يومٍ -أو قالَ: بينَ الأَيامِ- فيُضرَبُ ليَدخلَ في القَضاءِ فأَبى، ولقد بَكى في بعضِ الأَيامِ، فلمَّا أُطلقَ قالَ لي: كانَ غمُّ والدَتي أَشدُّ عليَّ من الضَّربِ (١). وعن بِشرِ بنِ الوَليدِ قالَ: طلَبَ المَنصورُ أَبا حَنيفةَ فأَرادَه على القَضاءِ وحلَفَ ليَليَنَّ فأَبى، وحلَفَ إنِّي لا أَفعلُ. فقالَ الرَّبيعُ الحاجبُ: تَرى أَميرَ المُؤمِنينَ يَحلِفُ وأنتَ تَحلِفُ؟ قالَ: أَميرُ المُؤمِنينَ على كَفارةِ يَمينِه أَقدرُ منِّي، فأمَرَ به إلى السِّجنِ، فماتَ فيه ببَغدادَ (٢). وقيلَ: دفَعَه أَبو جَعفرٍ إلى صاحبِ شُرطتِه حُمَيدٍ الطُّوسيِّ، فقالَ: يا شَيخُ، إنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ يَدفعُ إليَّ الرَّجلَ، فيَقولُ لي: اقتُلْه، أو اقطْعَه، أو اضرِبْه، ولا أَعلمُ بقصَّتِه، فماذا أَفعلُ؟ فقالَ: هل يَأمرُك أَميرُ المُؤمِنينَ بأمرٍ وقد وجَبَ، أو بأمرٍ لم يَجبْ؟ قالَ: بل بما قد وجَبَ. قالَ: فبادِرْ إلى الواجِبِ (٣). وعن مُغيثِ بنِ بُديلٍ قالَ: دَعا المَنصورُ أَبا حَنيفةَ إِلى القَضاءِ فامتَنعَ، فقالَ: أَترغبُ عما نحنُ فيه؟ فقالَ: لا أصلُحُ، قالَ: كذَبتَ، قالَ: فقد حكَمَ أَميرُ المُؤمِنينَ عليَّ أنْ لا أصلُحَ إنْ كنتُ كاذِبًا، وإن كنْتُ صادقًا فقد أخبَرْتُكم أنِّي لا أَصلحُ، فحبَسَه.

стр. 22

ورَوى نحوَها إِسماعيلُ بنُ أَبي أُويسٍ عن الرَّبيعِ الحاجبِ. وفيها قالَ أَبو حَنيفةَ: واللهِ، ما أَنا بمَأمونِ الرِّضى فكيفَ أكونُ مَأمونَ الغَضبِ؟! فلا أَصلُحُ لذلك. قالَ المَنصورُ: كذَبتَ، بل تَصلُحُ. فقالَ: كيف تُحلُّ أنْ تُولِّي من يَكذِبُ؟ وقيلَ: إنَّ أَبا حَنيفةَ ولِيَ القَضاءَ، فقَضى قَضيةً واحِدةً، وبقِيَ يَومينِ، ثم اشتْكى سِتةَ أَيامٍ، وتُوفِّيَ. وقالَ الفَقيهُ أَبو عبدِ الله الصَّيْمريُّ: لم يَقبلِ العَهدَ بالقَضاءِ، فضُربَ وحُبسَ، وماتَ في السِّجنِ (١). ٨ - شُيوخُه وتَلامِذتُه ﵀: شُيوخُه: قالَ الحافظُ: رَوى عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ، وعاصمِ بنِ أَبي النَّجودِ، وعَلقمَةَ بن مَرثَدٍ، وحَمادِ بنِ أَبي سُليمانَ، والحَكمِ بنِ عُتيبةَ، وسَلمةَ بنِ كُهيلٍ، وأَبي جَعفرِ بنِ عليٍّ، وعليِّ بنِ الأَقمرِ، وزِيادِ بنِ عِلاقةَ، وسَعيدِ بنِ مَسروقٍ الثَّوريِّ، وعَديِّ بنِ ثابتٍ الأَنصاريِّ، وعَطيةَ بنِ سَعيدٍ العُوفِيِّ، وأَبي سُفيانَ السَّعديِّ، وعبدِ الكَريمِ أَبي أُميةَ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ الأَنصاريِّ، وهِشامِ بنِ عُروةَ، وآخَرينَ (٢). تَلامذَتُه: قالَ الحافظُ: وعنه ابنُه حَمادٌ، وإِبراهيمُ بنُ طَهمانَ، وحَمزةُ ابن حَبيبٍ الزَّياتُ، وزُفرُ بنُ الهُذيلِ، وأَبو يُوسفَ القاضِي، وأَبو يَحيى

стр. 23

الحِمانِيُّ، وعِيسى بن يُونسَ، ووَكيعٌ، ويَزيدُ بنُ زُريعٍ، وأسدُ بنُ عَمرِو بنِ البَجليُّ، وحَكامُ بنُ يَعلى بن سَلمٍ الرَّازيُّ، وخارِجةُ بنُ مَصعبٍ، وعبدُ المَجيدِ بنُ أَبي رَوادٍ، وعليُّ بنُ مُسهِرٍ، ومُحمدُ بنُ بِشرٍ العَبديِّ، وعبدُ الرَّزاقِ، ومُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ، ومُصعبُ بنُ المِقدامِ، ويَحيى بنُ يَمانٍ، وأَبو عِصمةَ نُوحُ بنُ أَبي مَريمَ، وأَبو عبدِ الرَّحمنِ المُقرِي، وأَبو عاصمٍ، وآخَرونَ (١). ٩ - بَراعتُه ﵀ في الفقهِ: قالَ يَحيى بنُ سَعيدٍ القَطانُ: لا نَكذِبُ اللهَ، ما سمِعْنا أَحسنَ مِنْ رَأيِ أَبي حَنيفةَ (٢). وقالَ عليُّ بنُ عاصمٍ: لو وُزنَ عِلمُ أَبي حَنيفةَ بعِلمِ أَهلِ زَمانِه، لرجَحَ عليهم (٣). وقالَ حَفصُ بنُ غِياثٍ: كَلامُ أَبي حَنيفةَ في الفقهِ أَدقُّ مِنْ الشَّعرِ، لا يَعيبُه إِلا جاهلٌ (٤).

стр. 24

ورُويَ عن الأَعمشِ: أنَّه سُئلَ عن مَسألةٍ فقالَ: إنَّما يُحسِنُ هذا النُّعمانُ ابنُ ثابتٍ الخَزازُ، وأظُنُّه بُورِكَ له في عَملِه (١). وقالَ جَريرٌ: قالَ لي مُغيرةُ: جالِسْ أَبا حَنيفةَ تَفقَهْ؛ فإنَّ إِبراهيمَ النَّخعيَّ لو كانَ حيًّا لجالَسَه (٢). وقالَ ابنُ المُبارَكِ: أَبو حَنيفةَ أَفقهُ الناسِ (٣). وقالَ الشافعِيُّ: الناسُ في الفقهِ عِيالٌ على أَبي حنيفةَ. قالَ الذَّهبيُّ: الإِمامةُ في الفقهِ ودَقائقِه مُسلَّمةٌ إلى هذا الإمامِ، وهذا أَمرٌ لا شكَّ فيه. وليسَ يَصحُّ في الأَذهانِ شيءٌ … إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَليلِ وسِيرتُه تَحتمِلُ أن تُفردَ في مُجلدَينِ ﵁ ورحِمَه (٤). ١٠ - وَفاتُه ﵀: قالَ الذَّهبيُّ في «العبر»: وقد رُوي أنَّ المَنصورَ سَقاه السمَّ، فماتَ شَهيدًا ﵀ (٥).

стр. 25

وقالَ الهَيثميُّ: رَوى جَماعةٌ أنَّه رُفعَ إليه قِدحٌ فيه سمٌّ ليَشربَ، فامتَنعَ وقالَ: إنِّي لأعلَمُ ما فيه، ولا أُعِينُ على قتلِ نَفسي، فطُرحَ، ثم صُبَّ في فِيه قَهرًا، فماتَ. وقيلَ: إنَّ ذلك كانَ بحَضرةِ المَنصورِ، وصحَّ أنَّه لمَّا أَحسَّ بالمَوتِ سجَدَ، فخرَجَت نَفسُه وهو ساجدٌ. وقيلَ: الامتِناعُ عن القَضاءِ لا يُوجبُ للمَنصورِ أن يَقتُلَه هذه القِتلةَ الشَّنيعةَ؟ وإنَّما السَّببُ في ذلك أن بعضَ أَعداءِ أَبي حَنيفةَ دسَّ إِلى المَنصورِ أنَّ أَبا حَنيفةَ هو الذي أَثارَ عليه إِبراهيمَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ الحَسنِ بنِ الحُسينِ ابنِ عليٍّ ﵁ الخارجَ عليه بالبَصرةِ، فخافَ خَوفًا شَديدًا، ولم يَقرَّ له قَرارٌ، وأنَّه قوَّاه بمالٍ كَثيرٍ، فخشِيَ المَنصورُ من مَيلِه إِلى إِبراهيمَ؛ لأنَّه -أَعني: أَبا حَنيفةَ- كانَ وَجيهًا، ذا مالٍ واسعٍ من التِّجارةِ، فطلَبَه لبَغدادَ، ولم يَجسُرْ على قَتلِه بغيرِ سَببٍ، فطلَبَ منه القَضاءَ معَ عِلمِه بأنَّه لا يَقبلُه؛ ليَتوصَّلَ بذلك إلى قتلِه (١). واتفَقوا على أنَّه -رَحمةُ اللهِ عليهِ- ماتَ سَنةَ مائةٍ وخَمسينَ، عن سَبعينَ سنةً، قالَ كَثيرونُ: وكانَ موتُه في رَجبٍ، وقيلَ: في شَعبانَ، وقيلَ: نصفَ شَوالٍ، ولم يُخلفْ غيرَ ولدِه حَمادٍ (٢).

стр. 26

ثانيًا: مالِكُ بنُ أَنسٍ إمامُ دارِ الهِجرةِ: مالِكُ بنُ أَنسٍ ﵀، نَجمُ السُّننِ، ووارِثُ العُلومِ النَّبويةِ، والسُّننِ المُصطَفويةِ، في مَدينةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قالَ الإمامُ الذَّهبيُّ: قد كانَ هذا الإمامُ من الكُبراءِ والسُّعداءِ، والسادةِ العُلماءِ ذا حِشمةٍ وتَجمُّلٍ وعَبيدٍ، ودارٍ فاخِرةٍ، ونِعمةٍ ظاهِرةٍ، ورِفعةٍ في الدُّنيا والآخِرةِ، كانَ يَقبلُ الهَدايا، ويَأكلُ طَيبًّا ويَعملُ صالِحًا، وما أَحسَنَ قَولَ ابنِ المُبارَكِ فيه: صَموتٌ إذا ما الصَّمتُ زيَّنَ أَهلَه … وفتَّاقُ أبَكارِ الكَلامِ المُختَّمِ وَعى ما وَعى القُرآنُ من كلِّ حكمَةٍ … وسِيطَت له الآدابُ باللَّحمِ والدَّمِ (١) وقالَ أَبو مُصعبٍ: كانوا يَزدحِمونَ على بابِ مالِكٍ، حتى يُقتَتلوا من الزَّحمِ، وكُنا نَكونُ عندَه فلا يُكلِّمُ ذا ذا، ولا يَلتفِتُ ذا إِلى ذا، والناسُ قابِلونَ برُءوسِهم هكذا، وكانَت السَّلاطينُ تَهابُه، وهم قابِلونَ منه ومُستمِعونَ، وكانَ يَقولُ: لا ونَعم، ولا يُقالُ له: من أين قُلتَ هذا؟! (٢). وقالَ بعضُهم واصِفًا مالِكًا ﵀: يَدعُ الجَوابَ ولا يُراجَعُ هَيبَةً … والسَّائلُونَ نَواكِسُ الأَذقانِ نورُ الوَقارِ وعزُّ سُلطانِ التُّقى … فهُو المَهيبُ وليسَ ذا سُلطانِ

стр. 27

والدَّارسُ لتَرجَمةِ الإمامِ يَقفُ على شيءٍ من أَسبابِ هذه الهَيبةِ وهذا القَبولِ، وقد أشَرْنا إلى شيءٍ من ذلك في غُضونِ التَّرجَمةِ، فمِن ذلك أنَّه كانَ كَثيرَ التَّعظيمِ لحَديثِ النَّبيِّ ﷺ ، فإذا أَرادَ أن يُحدِّثَ اغتَسلَ، وتَطيَّبَ، وسرَّحَ لِحيتَه، وجلَسَ على منصَّةٍ، ولا يَزالُ يُبخرُ بالعودِ حتى يَفرغَ، ومَن أَعزَّ دِينَ الله أَعزَّه اللهُ، ومَن نصَرَ دِينَ اللهِ نصَرَه اللهُ، قالَ تعالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، ومِن ذلك قُوةُ حُجتِه في نَصرِ السُّنةِ، وشِدتُه على أَهلِ الأَهواءِ والبِدعةِ، ومن ذلك احتِااطُه في الرِّوايةِ؛ نُصرةً للشَّريعةِ، فلا يَروِي إلا عن ثِقةٍ، ولا يَروِي إلا عمَّن عُرفَ بالرِّوايةِ، وأنَّه من أَهلِ الحَديثِ، وهو الذي قالَ: لا يُؤخذُ العِلمُ عن أَربعةٍ: سَفيهٍ يُعلِنُ السَّفهَ، وإن كانَ أَروى الناسِ، وصاحبِ بِدعةٍ يَدعو إلى هَواه، ومَن يَكذِبُ في حَديثِ الناسِ، وإن كنتُ لا أَتَّهمُه في الحَديثِ، وصالحٍ عابدٍ فاضلٍ، إذا كانَ لا يَحفظُ ما يُحدِّثُ به (١). قالَ ابنُ أَبي حَاتمٍ: كانَ مالِكٌ ﵀ أولَ مَنْ انتَقى الرِّجالَ من الفُقهاءِ بالمَدينةِ، وأعرَضَ عمَّن ليسَ بثِقةٍ في الحَديثِ، ولم يَكنْ يَروِي إلا ما صحَّ، ولا يُحدِّثُ إلا عن ثِقةٍ، معَ الفقهِ والدِّينِ والفَضلِ والنُّسكِ (٢). بقِيَ أنْ تَعرِفَ أنَّ أَصحَّ الأَسانيدِ: مالِكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ.

стр. 28

وأَصحُّ الكُتبِ المُصنَّفةِ في زَمانِه «موطَّأ» مالِكٍ، كما أَشارَ الشافِعيُّ ﵀، وذلك قبلَ تَصنيفِ «الصَّحيحَينِ»، واللهُ يَغفِرُ لنا وله، ويُدخلُنا وإِياهُ جَنةً عاليةً قُطوفُها دانِيةً. ١ - اسمُه ومَولدُه وصِفتُه: اسمُه: مالِكُ بنُ أَنسِ بنِ مالِكِ بنِ أَبي عامرِ بنِ عَمرِو بنِ الحارثِ بنِ غَيمانَ بنِ خُثيلِ بنِ عَمرِو بنِ الحارثِ، وهو ذو أَصبحٍ الأَصبحِيُّ الحِميرِيُّ، أَبو عبدِ الله المَدنِيُّ، إمامُ دارِ الهِجرةِ، وعِدادُهم في بَني تَيمِ بنِ مُرةَ من قُريشٍ، حُلفاءِ عُثمانَ بنِ عُبيدِ اللهِ التَّيميِّ، أَخي طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ (١). مَولدُه: قالَ الذَّهبيُّ: مَولدُ الإمامِ مالِكٍ على الأَصحِّ في سنةِ ثلاثٍ وتِسعينَ، عامَ مَوتِ أَنسٍ خادِمِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ونشَأَ في صِيانةٍ ورَفاهيةٍ وتَجمُّلٍ (٢). صِفتُه: عن مُطرفِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: كانَ مالِكُ بنُ أَنسٍ طَويلًا، عَظيمَ الهامةِ، أَصلعَ أَبيضَ الرأسِ واللِّحيةِ، شَديدَ البَياضِ إلى الشُّقرةِ (٣). وعن عِيسى بن عمرَ المَدنِيِّ قالَ: ما رَأيتُ بَياضاً قطُّ ولا حُمرةً أَحسنَ من وجهِ مالِكٍ، ولا أَشدَّ بَياضَ ثَوبٍ من مالِكٍ (٤).

стр. 29

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قالَ: ما رَأيتُ أَهيبَ من مالِكٍ، ولا أَتمَّ عَقلًا، ولا أَشدَّ تَقوى (١). ٢ - ابتِداءُ طَلبِه للعِلمِ وثَناءُ العُلماءِ عليه: قالَ الذَّهبيُّ: وطلَبَ مالِكٌ العِلمَ وهو ابنُ بِضعَ عشْرةَ سنةً، وتَأهَّلَ للفُتيا وجلَسَ للِإفادةِ وله إِحدى وعِشرونَ سنةً، وحدَّثَ عنه جَماعةٍ وهو حيٌّ شابٌّ طَريٌّ، وقصَدَه طَلبةُ العِلمِ من الآفاقِ في آخرِ دَولةِ أَبي جَعفرِ المَنصورِ، وما بعدَ ذلك، وازدَحموا عليه في خِلافةِ الرَّشيدِ، وإلى أنْ ماتَ (٢). عن عبدِ اللهِ ابنِ المُبارَكِ قالَ: ما رَأيتُ رَجلًا ارتَفعَ مِثلَ مالِكِ بنِ أَنسٍ، ليسَ له كَثيرُ صلاةٍ ولا صِيامٍ، إلا أنْ تَكونَ له سَريرةٌ (٣). قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: قُلتُ لأَبي: مَنْ أَثبَتُ أَصحابِ الزُّهريِّ؟ قالَ: مالِكُ أَثبَتُ في كلِّ شيءٍ (٤). وقالَ الشافِعيُّ: إِذا ذُكرَ العُلماءُ فمالِكٌ النَّجمُ (٥). وعن ابنِ عُيينةَ قالَ: مالِكٌ عالمُ أَهلِ الحِجازِ، هو حُجةُ زَمانِه (٦).

стр. 30

قالَ الذَّهبيُّ: كانَ عالِمَ المَدينةِ في زَمانِه بعدَ رَسولِه ﷺ وصاحِبَيه، زيدُ بنِ ثابتٍ، وعائِشةُ، ثم ابنُ عمرَ، ثم سَعيدُ بنِ المُسيِّبِ، ثم الزُّهريُّ، ثم عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ثم مالِكٌ (١). وقالَ كذلك: لم يَكنْ بالمَدينةِ عالِمٌ بعدَ التابِعينَ يُشبِهُ مالِكًا في العلمِ، والفقهِ والجَلالةِ والحِفظِ؛ فقد كانَ بها بعدَ الصَّحابةِ مثلُ: سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والفُقهاءِ السَّبعةِ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، وعِكرِمةَ، ونافِعٍ، وطَبقتِهم، ثم زَيدِ بنِ أسلَمَ، وابنِ شِهابٍ، وأَبي الزِّنادِ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ، وصَفوانَ بنِ سُليمٍ، ورَبيعةَ بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، وطَبقتِهم، فلمَّا تَفانوا اشتَهرَ ذِكرُ مالِكٍ بها، وابنُ أَبي ذِئبٍ، وعبدُ العَزيزِ بنُ الماجِشونَ، وفُليحُ بنُ سُليمانَ، والدَّراوَرديُّ، وأَقرانُهم، فكانَ مالِكٌ هو المَقدَّمُ فيهم على الإِطلاقِ، والذي تُضرَبُ إليه آباطُ الإِبلِ مِنْ الآفاقِ (٢). قالَ ابنُ مَهديٍّ: أَئمةُ الناسِ في زَمانِهم أَربعةٌ: الثَّوريُّ، ومالِكٌ، والأَوزاعيُّ، وحَمادُ بن زيدٍ. وقالَ: ما رَأيتُ أَحدًا أَعقلَ من مالِكٍ (٣).

стр. 31

قالَ الواقِديُّ: كانَ مالِكٌ يَجلِسُ في مَنزِلِه على ضِجاعٍ ونَمارِقَ، مَطروحَةٍ يَمنْةً ويَسْرةً في سائرِ البَيتِ لمَن يَأتِي، وكانَ مَجلِسُه مَجلِسَ وَقارٍ وحِلمٍ، وكانَ مَهيبًا ونَبيلًا، ليسَ في مَجلِسِه شيءٌ من المِراءِ واللَّغطِ، وكانَ الغُرباءُ يَسأَلونَه عن الحَديثِ بعدَ الحَديثِ، وربَّما أذِنَ لبعضِهم فقرَأَ عليه، وكانَ له كاتِبٌ يُقالُ له: حَبيبٌ، قد نسَخَ كُتبَه ويَقرأُ للجَماعةِ، فإِذا أخطَأَ، فتَحَ عليه مالِكٌ، وكانَ ذلك قَليلًا (١). عن بَقيةَ قالَ: ما بقِيَ على وجهِ الأَرضِ أَعلمُ بسُنةٍ ماضِيةٍ منك يا مالِكُ (٢). ٣ - عِزةُ نَفسِه وتَوقيرُه لحَديثِ النَّبيِّ ﷺ -: عن ابنِ أَبي أُويسٍ قالَ: كانَ مالكٌ إذا أَرادَ أن يُحدِّثَ، تَوضأَ، وجلَسَ على صَدرِ فِراشِه، وسرَّحَ لِحيتَه، وتَمكَّنَ من الجُلوسِ بوَقارٍ وهَيبةٍ، ثم حدَّثَ. فقيلَ له في ذلك، فقالَ: أُحبُّ أن أُعظِّمَ حَديثَ النَّبيِّ ﷺ ، ولا أُحدِّثُ به إلا على طَهارةٍ مُتمكنًا، وكانَ يَكرهُ أنْ يُحدِّثَ في الطَّريقِ وهو قائمٌ أو مُستَعجلٌ، فقالَ: أُحبُّ أن يُفهمَ ما أُحدِّثُ به عن رَسولِ اللهِ ﷺ (٣).

стр. 32

وعن مَعنِ بنِ عِيسى قالَ: كانَ مالِكُ بنُ أَنسٍ إذا أَرادَ أن يَجلِسَ للحَديثِ، اغتَسلَ وتَبخَّرَ وتَطيَّبَ، فإذا رفَعَ أَحدٌ صَوتَه في مَجلِسِه، زجَرَه وقالَ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فمَن رفَعَ صَوتَه عندَ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ فكأنَّما رفَعَ صَوتَه فوقَ صَوتِ رَسولِ اللهِ ﷺ (١). وعن عمرَ بنِ المُحبِّرِ الرُّعَينيِّ قالَ: قدِمَ المَهديُّ المَدينةَ، فبعَثَ إلى مالِكٍ فأَتاه، فقالَ لِهارونَ ومُوسى: اسمَعا منه. فبعَثا إليه فلم يُجبْهما، فأعَلَما المَهديَّ فكلَّمَه، فقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، العلمُ يُؤتَى أَهلُه. فقالَ: صدَقَ مالِكٌ، صِيرا إِليه، فلمَّا صارَا إليه قالَ له مُؤدِّبُهما: اقرَأْ علينا. قالَ: إنَّ أَهلَ المَدينةِ يَقرأونَ على العالِمِ، كما يَقرأُ الصِّبيانُ على المُعلِّمِ، فإن أَخطَئوا أَفتاهُم، فرجَعوا إلى المَهديِّ، فبعَثَ إلى مالِكٍ فكلَّمَه، فقالَ: سمِعتُ ابنَ شِهابٍ يَقولُ: جمَعْنا هذا العِلمَ في الرَّوضةِ من رِجالٍ، وهم يا أَميرَ المُؤمِنينَ: سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وأَبو سَلمةَ، وعُروةُ، والقاسمُ، وسالِمٌ، وخارِجةُ بنُ زيدٍ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، ونافعٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ هُرمزَ، ومِن بعدِهم أَبو الزِّنادِ، ورَبيعةُ، ويَحيى بنُ سَعيدٍ، وابنُ شِهابٍ. وكلُّ هؤلاء يُقرأُ عليهم ولا يَقرءونَ. فقالَ: في هؤلاء قُدوةٌ؛ صِيروا إليه فاقْرَءوا عليه، ففَعلوا (٢).

стр. 33

وعن ابنِ القاسمِ قالَ: قيلَ لمالِكٍ: لِم لَم تَأخذْ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ؟ قالَ: أَتيْتُه فوجَدْتُهم يَأخُذونَ عنه قِيامًا، فأجلَلتُ حَديثَ رَسولِ الله ﷺ أنْ آخذُه قائمًا (١). ٤ - احتِياطُه في الرِّوايةِ وتَحرِّيه في نَقدِ الرِّجالِ: عن مَنصورِ بنِ سَلمةَ الخُزاعيِّ قالَ: كنتُ عندَ مالك فقالَ له رَجلٌ: يا أَبا عبدِ الله، أَقمْتُ على بابِك سَبعينَ يومًا، وقد كتَبْتُ سِتينَ حَديثًا. فقالَ: سِتونَ حَديثًا، وكأنَّه يَستَكثرُه. فقالَ له الرجلُ: ربَّما كتَبْنَا بالكوفةِ في المَجلِسِ سِتينَ حَديثًا. قالَ: وكيف بالعِراقِ دارُ الضَّربِ، يُضربُ باللَّيلِ، ويُنفَقُ بالنَّهارِ؟ (٢) وعن مُحمدِ بنِ إِسحاقَ الثَّقفيِّ السَّراجِ قالَ: سأَلتُ مُحمدَ بنَ إِسماعيلَ البُخاريَّ عن أَصحِّ الأَسانيدِ،، فقالَ: مالِكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ (٣). وعن سُفيانَ بنِ عُيينةَ قالَ: ما كانَ أَشدَّ انتِقادَ مالِكٍ للرِّجالِ، وأَعلمَه بشَأنِهم (٤). قالَ الذَّهبيُّ: وقد كانَ مالكٌ إِمامًا في نقدِ الرِّجالِ، حافِظًا، مُجوِّدًا، مُتقنًا (٥).

стр. 34

قالَ بِشرُ بنُ عُمرَ الزَّهرانِيُّ: سأَلتُ مَالكًا عن رجلٍ، فقالَ: هل رَأيتَه في كُتبِي؟ قلتُ: لا. قالَ: لو كانَ ثقةً، لرَأيتَه في كُتبِي (١). قالَ الذَّهبيُّ: فهذا القولُ يُعطيكَ بأنه لا يَروِي إلا عمن هو عندَه ثقةٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أن يَرويَ عن كل الثِّقاتِ، ثم لا يَلزمُ مما قالَ أنَّ كلَّ مَنْ رَوى عنه -وهو عندَه ثقةٌ- أنْ يَكونُ ثقةً عندَ باقِي الحُفاظِ؛ فقد يَخفى عليه من حالِ شَيخِه ما يَظهرُ لغيرِه، إلا أنَّه بكلِّ حالٍ كثيرُ التَّحرِّي في نقدِ الرِّجالِ (٢). عن عُثمانَ بنِ كِنانةَ عن مالِكٍ قالَ: ربَّما جلَسَ إلينا الشَّيخُ فيُحدِّثُ جُلَّ نَهارِه، ما نَأخذُ عنه حَديثًا واحدًا، وما بنا أن نَتهِمَه، ولكن لم يَكنْ من أهلِ الحَديثِ (٣). وعن ابنِ عُيينةَ قالَ: ما نحنُ عندَ مالِكٍ، إنَّما كُنا نَتبعُ آثارَ مالِكٍ، ونَنظرُ الشَّيخَ إن كانَ كتَبَ عنه مالِكٌ، كتَبْنا عنه (٤). وعنه قالَ: كانَ مالِكٌ لا يُبلِّغُ من الحَديثِ إلا صَحيحًا، ولم يُحدِّثْ إلا عن ثقةٍ، ما أَرى المَدينةَ إِلا ستَخرجُ بعدَ موتِه، يَعني: من العِلمِ (٥).

стр. 35

قالَ الشافِعيُّ: قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: أقَمتُ عندَ مالِكٍ ثلاثَ سِنينَ وكَسرًا، وسمِعتُ من لَفظِه أَكثرَ من سَبعِمائةِ حَديثٍ، فكانَ مُحمدٌ إذا حدَّثَ عن مالِكٍ امتَلأَ مَنزلُه، وإذا حدَّثَ عن غيرِه مِنْ الكُوفِّيينَ لم يِجئْه إلا اليَسيرُ (١). وعن مُحمدِ بنِ الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ ﵁ يَقولُ: إذا جاءَ الحَديثُ عن مالِكٍ فاشدُدْ يدَيكَ به (٢). وعنه عن الشافِعيِّ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا شكَّ في الحَديثِ طرَحَه كلَّه (٣). وعن حَبيبِ بنِ زُريقٍ قالَ: قلتُ لمالِكِ بنِ أَنسٍ لِم لمْ تَكتُبْ عن صالحٍ مَولَى التَّوأمةِ، وحِزامِ بنِ عُثمانَ، وعُمرَ مَولَى غُفرةَ؟ قالَ: أدرَكتُ عن سَبعينَ تابِعيًّا في هذا المَسجدِ، ما أخَذتُ العِلمَ إلا عن الثِّقاتِ المَأمونِينَ (٤). ٥ - تَورُّعُه عنِ الفَتوَى: عن مالِكٍ قالَ: جُنةُ العالِمِ: «لا أَدري» فإِن أغفَلَها أُصيبَت مَقاتلُه (٥). وعن الهَيثمِ بنِ جَميلٍ قالَ: سمِعتُ مالِكًا سُئلَ عن ثَمانٍ وأربَعينَ مَسألةً، فأَجابَ في اثْنتَينِ وثلاثِينَ منها ب «لا أَدري» (٦).

стр. 36

وعن خالدِ بنِ خِداشٍ قالَ: قدِمتُ على مالِكٍ بأربَعينَ مَسألةً، فما أَجابَني منها إلا في خَمسِ مَسائلَ (١). وعن مالِكٍ أنَّه سمِعَ عبدَ اللهِ بنَ يَزيدَ بنِ هُرمزَ يَقولُ: يَنبغِي للعالِمِ أنْ يُورثَ جُلساءَه قولَ: «لا أَدري»؛ حتَّى يَكونَ ذلك أَصلًا يَفزعونَ إليه (٢). وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قالَ: رَأيتُ رَجلًا جاءَ إلى مالِكِ بنِ أَنسٍ يَسألُه عن شيءٍ أَيامًا ما يُجيبُه، فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إنِّي أُريدُ الخُروجَ قالَ: فأطرَقَ طَويلًا ثم رفَعَ رأسَه، وقالَ: ما شاءَ اللهُ، يا هذا، إنِّي إنَّما أَتكلَّمُ فيما أَحتَسبُ فيه الخيرَ (٣). وعنه قالَ: سألَ رَجلٌ مالِكًا عن مَسألةٍ فقالَ: لا أُحسِنُها، فقالَ الرَّجلُ: إنِّي ضرَبتُ إليك من كذا كذا لأَسألَك عنها. فقالَ له مالِكٌ: إذا رجَعتَ إلى مَكانِك ومَوضعِك، فأخبِرْهم أنِّي قد قلتُ لك: إنِّي لا أُحسِنُها (٤). وعن سَعيدِ بنِ سُليمانَ قالَ: قلَّما سمِعتُ مالِكًا يُفتي بشيءٍ، إلا تَلا هذه الآيةَ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] (٥). وعن عَمرِو بنِ يَزيدَ -شَيخٍ من أَهلِ مِصرَ - صَديقٍ لمالِكِ بنِ أَنسٍ قالَ: قلتُ لمالِكٍ: يا أَبا عبدِ اللهِ، يَأتِيك ناسٌ من بُلدانٍ شتَّى، قد أَنضَوا

стр. 37

مَطاياهُم، وأَنفَقوا نَفقاتِهم، يَسأَلونَك عما جعَلَ اللهُ عندَك من العِلمِ، تَقولُ: لا أَدري؟! فقالَ: يا عبدَ اللهِ، يَأتِيني الشامِيُّ من شامِه، والعِراقيُّ من عِراقِه، والمِصريُّ من مِصرِه، فيَسأَلونَني عن الشيءِ، لعَلِّي أن يَبدوَ لي فيه غيرُ ما أُجيبُ به، فأين أَجدُهم؟ قالَ عَمرٌو: فأخبَرتُ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ بقولِ مالِكٍ (١). ٦ - نُصرَتُه للسُّنةِ وشِدتُه على أَهلِ البدَعِ: عن مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ووُلاةُ الأمرِ من بعدِه سُننًا، الأخذُ بها اتِّباعٌ لكِتابِ اللهِ، واستِكمالٌ بطاعَةِ اللهِ، وقُوةٌ على دينِ اللهِ، ليسَ لأحدٍ تَغييرُها، ولا تَبديلُها، ولا النَّظرُ في شيءٍ خالَفَها، مَنْ اهتَدَى بها فهو مُهتدٍ، ومَن استَنصرَ بها فهو مَنصورٌ، ومَن ترَكَها واتَّبعَ غيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ ولَّاه اللهُ ما توَلَّى، وأصْلَاه جَهنَّمَ وساءَت مَصيرًا (٢). وعن يَحيى بنِ خَلفٍ الطَّرطوسِيِّ -وكانَ من ثِقاتِ المُسلِمينَ- قالَ: كنتُ عندَ مالك، فدخَلَ عليه رَجلٌ فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ما تَقولُ فيمن يَقولُ: القرآنُ مَخلوقٌ؟ فقالَ مالِكٌ: زِنديقٌ، اقتُلوهُ. فقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إنَّما أَحكِي كَلامًا سمِعتُه. قالَ: إنَّما سمِعتُه منك، وعظَّمَ هذا القولَ (٣).

стр. 38

وحدَّثَ أَبو ثورٍ عن الشافِعيِّ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا جاءَه بعضُ أَهلِ الأَهواءِ قالَ: أمَا إنِّي على بَينةٍ من دِيني، وأمَّا أنتَ فشاكٌّ، اذهَبْ إلى شاكٍّ مثلَك، فخاصِمْه (١). وقالَ القاضِي عِياضٌ: قالَ أَبو طالبٍ المَكيُّ: كانَ مالِكٌ ﵀ أبعَدَ الناسِ عن مَذاهبِ المُتكلِّمينَ، وأشَدَّ نَقدًا للعِراقِيينَ، ثم قالَ القاضِي عِياضٌ: قالَ سُفيانُ بنُ عُيينةَ: سألَ رَجلٌ مالِكًا فقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استَوى؟ فسكَتَ مالِكٌ حتَّى عَلاه الرُّحَضاءُ، ثم قالَ: الاستِواءُ منه مَعلومٌ، والكَيفُ منه غيرُ مَعقولٍ، والسُّؤالُ عن هذا بِدعةٌ، والإِيمانُ به واجبٌ، وإنِّي لأَظنُّك ضالًّا، أَخرِجوه. فنَاداه الرُّجلُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، واللهِ، لقد سأَلتُ عنها أهلَ البَصرةِ، والكوفةِ، والعراقِ ولم أَجدْ أحدًا وُفقَ لِما وُفقتَ له (٢). عن سَعيدِ بنِ عبدِ الجَبارِ قالَ: رَأيي فيهم: أن يُستَتابوا، فإن تَابوا وإلا قُتلوا -يَعني القَدرِيةَ- (٣). وعن عُثمانَ بنِ صالحٍ وأَحمدَ بنِ سَعيدٍ الدَّراميِّ قالَا: حدَّثَنا عُثمانُ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى مالِكٍ وسألَه عن مَسألةٍ، فقالَ له: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ كذا. فقالَ الرَّجلُ: أرَأيتَ؟! قالَ مالِكٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ

стр. 39

يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١). وعن أَبي حَفصٍ قالَ: سمِعتُ مالِكَ بنَ أَنسٍ قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قومٌ يَقولونَ إلى ثَوابِه، قالَ مالِكٌ: كذَبوا، فأين هم عن قولِ اللهِ تَعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] (٢). وكانَ يَقولُ: لستُ أَري لأحدٍ يَسبُّ أَصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ في الفيءِ سَهمًا (٣). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الرَّماحِ قالَ: دخَلتُ على مالِكٍ فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ما في الصَّلاةِ من فَريضةٍ؟ وما فيها من سُنةٍ؟ أو قالَ نافِلةٍ. فقالَ مالِكٌ: كَلامُ الزَّنادقةِ! أَخرِجوه (٤). ٧ - مِحنَتُه ﵀: قالَ مُحمدُ بنُ جَريرٍ: كانَ مالِكٌ قد ضُربَ بالسِّياطِ واختُلفَ في سَببِ ذلك، فحدَّثَني العَباسُ بنُ الوَليدِ حدَّثَنا ابنُ ذَكوانَ عن مَرْوانَ الطَاطريِّ: أنَّ أَبا جَعفرٍ نَهى مالِكًا عن الحَديثِ: «ليسَ على مُستكرَهٍ طَلاقٌ»، ثم دسَّ إليه من يَسألُه على رُءوسِ الناسِ، فضرَبَه بالسِّياطِ (٥).

стр. 40

وعن الفَضلِ بنِ زِيادٍ القَطانِ قالَ: سأَلتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ: مَنْ ضرَبَ مالِكَ بنَ أَنسٍ؟ قالَ: ضرَبَه بعضُ الوُلاةِ، لا أَدري مَنْ هو، إنَّما ضرَبَه في طَلاقِ المُكرَهِ، كانَ لا يُجيزُه، فضرَبَه لذلك (١). وعن أَبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ أَحمدَ بنِ راشدٍ قالَ: سمِعتُ أَبا داودَ يَقولُ: ضرَبَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ مالِكَ بنَ أَنسٍ في طَلاقِ المُكرَهِ، وحَكى له بعضُ أَصحابِ بنِ وَهبٍ: أنَّ مالِكَ بنَ أَنسٍ لمَّا ضُربَ حُلقَ وحُملَ على بَعيرٍ، فقيلَ له: نادِ على نَفسِك، قالَ: فقالَ: أَلا مَنْ عرَفَني فقد عرَفَني، ومَن لَم يَعرفْني فأنا مالِكُ بنُ أَنسِ بنِ أَبي عامرٍ الأَصبحِيُّ، وأنا أَقولُ: طَلاقُ المُكرَهِ ليسَ بشيءٍ. قالَ: بلَغَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ أنَّه يُنادِي على نَفسِه بذلك، فقالَ: أَدرِكوه، أَنزِلوه (٢). ورَوى ابنُ سَعدٍ عن الواقِديِّ قالَ: لمَّا دُعيَ مالِكٌ وشُوورَ وسُمعَ منه وقُبلَ قولُه، حُسدَ وبَغَوه بكلِّ شيءٍ، فلما ولِيَ جَعفرُ بنُ سُليمانَ المَدينةَ سَعوا به إليه، وكَثُروا عليه عندَه، وقالوا: لا يَرى أَيمانَ بَيعتِكم هذه بشيءٍ، وهو يَأخذُ بحَديثٍ رَواه عن ثابِتِ بنِ الأَحنفِ في طَلاقِ المُكرَهِ أنَّه لا يَجوزُ عندَه، قالَ: فغضِبَ جَعفرٌ، فدَعا بمالِكٍ، فاحتَجَّ عليه بما رُفعَ إليه عنه، فأمَرَ بتَجريدِه وضَربِه بالسِّياطِ، وجُبذَت يدُه حتى انخَلعَت من كَتفِه، وارتَكبَ منه أَمرٌ عَظيمٌ، فواللهِ، ما زالَ مالِكٌ بعدُ في رِفعةٍ وعُلوٍّ (٣).
следующие страницы →