وعن حَرملةَ عن ابنِ وَهبٍ: سمِعتُ مالِكًا، وقالَ له رَجلٌ: طَلبُ العِلمِ فَريضةٌ؟ قالَ: طَلبُ العِلمِ حَسنٌ لمَن رُزقَ خيرُه، وهو قَسمٌ مِنْ اللهِ تَعالى.
وقالَ: لا يَكونُ إِمامًا مَنْ حدَّثَ بكلِّ ما سمِعَ.
وقالَ: إن حقًّا على طالبِ العِلمِ أنْ يَكونَ له وَقارٌ وسَكينةٌ وخَشيةٌ، وأنْ يَكونَ مُتبعًا لأَثرِ مَنْ مَضى قبلَه (١).
وقالَ الفَرويُّ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: إذا لم يَكنْ للإِنسانِ في نَفسِه خيرٌ، لم يَكنْ للناسِ فيه خيرٌ (٢).
وعن ابنِ وَهبْ عن مالِكٍ قالَ: بلَغَني أنَّه ما زهِدَ أحدٌ في الدُّنيا واتَّقى، إلا نطَقَ بالحِكمةِ (٣).
قالَ الذَّهبيُّ: قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ في «التمهيد»: هذا كتَبتُه من حِفظِي، وغابَ عني أَصلِي، إنَّ عبدَ اللهِ العُمريَّ العابدَ كتَبَ إلى مالِكٍ يَحضُّه على الانفِرادِ والعَملِ، فكتَبَ إليه مالِكٌ: إنَّ اللهَ قسَّمَ الأَعمالَ كما قسَّمَ الأَرزاقَ، فرُبَّ رَجلٍ فُتحَ له في الصَّلاةِ، ولم يُفتحْ له في الصَّومِ، وآخرَ فُتحَ له في الصَّدقةِ، ولم يُفتحْ له في الصَّومِ، وآخرَ فُتحَ له في الجِهادِ، فنَشرُ العِلمِ من أَفضلِ أَعمالِ البِرِّ، وقد رضِيتُ بما فُتحَ لي فيه. وما أظُنُّ ما أنا فيه بدونِ ما أنت فيه، وأَرجو أن يَكونَ كِلانا على خيرٍ وبِرٍّ (٤).
стр. 43
وعن خالدِ بنِ نِزارٍ قالَ: سمِعتُ مالِكَ بنَ أَنسٍ يَقولُ لفتًى من قُريشٍ: يا ابنَ أَخي، تَعلَّمِ الأدبَ قبلَ أنْ تَتعَلمَ العِلمَ.
٩ - شُيوخُه وتَلامِذتُه ﵏:
قالَ النَّوويُّ: قالَ الإِمامُ أَبو القاسمِ عبدُ المَلكِ بنُ زَيدِ بنِ ياسِينَ الدَّولعِيُّ في كِتابِه «الرِّسالَة المُصنَّفة في بَيانِ سُبلِ السُّنةِ المُشرَّفة»: أخَذَ مالِكٌ عن تِسعِمائةِ شَيخٍ، منهم ثَلاثُمائةٍ من التابِعينَ، وسِتُّمائةٍ من تابِعيهم ممَّن اختارَه وارتَضى دِينَه وفِقهَه وقِيامَه بحقِّ الرِّوايةِ وشُروطِها وخَلصَت الثِّقةُ به، وترَكَ الرِّوايةَ عن أهلِ دِينٍ وصَلاحٍ لا يَعرفونَ الرِّوايةَ (١).
قالَ الذَّهبيُّ: وأولُ طَلبِه للعِلمِ في حُدودِ سَنةِ عِشرينَ ومائةٍ، وفيها تُوفِّيَ الحَسنُ البَصريُّ، فأخَذَ عن نافعٍ ولازَمَه، وعن سَعيدٍ المَقبُريِّ، ونُعيمٍ المُجمرِ، ووَهبِ بنِ كَيسانَ، والزُّهريِّ، وابنِ المُنكدِرِ، وعامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، وعبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، وعبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، وزَيدِ بنِ أسلمَ، وصَفوانَ بنِ سُليمٍ، وإِسحاقَ بنِ أَبي طَلحةَ، ومُحمدِ بنِ يَحيى بن حِبانَ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ، وأَيوبَ السِّختِيانِيِّ، وأَبي الزِّنادِ، ورَبيعةَ ابنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، وخَلقٍ سِواهُم من عُلماءِ المَدينةِ؟ فقَلَّ ما رَوى عن غيرِ أهلِ بَلدِه.
ورَوى عنه من شُيوخِه: الزُّهريُّ، ورَبيعةُ، ويَحيى بنُ سَعيدٍ، وغَيرُهم، ومن أَقرانِه: الأَوزاعيُّ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ، وخَلقٌ، وابنُ المُبارَكِ، ويَحيى ابنُ سَعيدٍ القَطانُ، ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، وابنُ وَهبٍ، ومَعنُ بنُ عِيسى،
стр. 44
والشافِعيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ، وأَبو مُسهِرٍ، وأَبو عاصِمٍ، وعبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ التِّنيسيُّ، والقَعنَبيُّ، وسَعيدُ بنُ مَنصورٍ، ويَحيى بنُ يَحيى، ويَحيى ابن يَحيى القُرطبيُّ، ويَحيى بنُ بُكيرٍ، والنُّفيليُّ، ومُصعبُ الزُّبيرِيُّ، وأَبو مُصعبٍ الزُّهريُّ، وقُتيبةَ بنُ سَعيدٍ، وعُتبةُ بنُ عبدِ اللهِ المَروزيُّ، وهِشامُ بنُ عَمارٍ، وسُويدُ بنُ سَعيدٍ، وإِسماعيلُ بنُ مُوسى السُّديُّ، وخَلائقُ آخرُهم: أَحمدُ بنُ إِسماعيلَ السَّهميُّ (١).
١٠ - «مُوطَّأُ» الإِمامِ مالِكٍ ومَكانتُه:
قالَ القاضِي أَبو بَكرِ بنِ العَربيِّ: «الموطأ» هو الأصلُ الأولُ واللُّبابُ، وكتابُ البُخاريِّ هو الأصلُ الثانِي في هذا البابِ، وعليهما بَنى الجَميعُ، كمُسلمٍ والتِّرمذيِّ.
وقد صنَّفَ الإمامُ مالِكٌ «الموطأ»: وتَوخَّى فيه القَويَّ من أَحاديثِ أهلِ الحِجازِ، ومزَجَه بأَقوالِ الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم.
وقد وضَعَ مالِكٌ «الموطأ»: على نحوِ عَشرةِ آلافِ حَديثٍ، فلَم يَزلْ يَنظرُ فيه، في كلِّ سَنةٍ، ويُسقطُ منه حتى بقِيَ هذا.
وقد أخرَجَ ابنُ عبدِ البَرِّ عن عُمرَ بنِ عبدِ الواحدِ صاحبِ الأَوزاعيِّ، قالَ: عرَضْنا على مالِكٍ «الموطأ» في أرَبعينَ يومًا، فقالَ: كتابٌ ألَّفتُه في أرَبعينَ سَنةً أخَذتُموه في أربَعينَ يومًا؟ ما أقلَّ ما تَفقهونَ فيه!
стр. 45
وقالَ مالِكٌ: عرَضتُ كِتابي هذا على سَبعينَ فَقيهًا من فُقهاءِ المَدينةِ، فَكلُّهم واطأَني عليه فسمَّيتُه «الموطأ».
وقالَ الجَلالُ السّيوطيُّ: وما من مُرسَلٍ في «الموطأ» إلا وله عاضِدٌ أو عَواضدُ، فالصَّوابُ أنَّ «الموطأ» صَحيحٌ كلُّه، لا يُستَثنَى منه شيءٌ. اه
وقد صنَّفَ ابنُ عبدِ البَرِّ كِتابًا في وَصلِ ما في «الموطأ» من المُرسَلِ والمُنقطِعِ والمُعضَلِ، قالَ: ما فيه مِنْ قولِه: «بَلغَني»، ومِن قولِه: «عن الثِّقةِ» عندَه ما لَم يُسنِدْه أحدٌ وسِتونَ حَديثًا كلُّها مُسنَدةٌ من غيرِ طريقِ مالِكٍ، إلا أربَعةٌ لا تُعرَفُ.
قالَ الشَّيخُ مُحمَّد حبِيب اللهِ الشِّنقيطِيُّ في كِتابِه «دلِيل السالِك إلى مُوطأ الإمامِ مالِك» عندَ قولِه:
وقَد رَأيتُ بعضَ مُتقِني السُّننْ … مَنْ حازَ في كلِّ العُلومِ خيرَ فَنْ
عَزا إلى نَجلِ الصَّلاح أنْ وَصلْ … أربَعةَ الأَخبارِ فالكلُّ اتَّصلْ
فقد وصَلَ ابنُ الصَّلاحِ الأربَعةَ في تَأليفٍ مُستقِلٍّ.
قالَ الأُستاذُ مُحمَّد فُؤاد عَبد الباقِي: والعَجبُ مِنْ ابنِ الصَّلاحِ ﵀ كيف يَطلِعُ على اتِّصالِ جَميعِ أَحاديثِ «الموطأ»، حتى إنَّه وصَلَ الأربَعةَ التي اعتَرضَت ابنَ عبدِ البَرِّ بعَدمِ الوُقوفِ على طُرقِ اتِّصالِها، ومعَ هذا لَم يَزلْ مُقدِّمًا للصَّحيحَينِ عليه في الصِّحةِ، معَ أن «الموطأ» هو أَصلُها، وقد انتَهَجا مَنهجَه في سائرِ صَنيعِه، وأَخرَجا أَحاديثَه من طَريقِه.
وغايةُ أَمرِها أنَّ ما فيها من الأَحاديثِ أَزيدُ مما فيه.
стр. 46
قالَ أَحمَد شاكِر ﵀: ولكنَّه لَم يَذكُرِ الأَسانيدَ التي قالَ الفُلانِيُّ: إنَّ ابنَ الصَّلاحِ وصَلَ بها هذه الأَحاديثَ، فلا يَستَطيعُ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ أنْ يَحكُموا باتِّصالِها، إلا إذا وُجدَت أَسانيدُها وفُحصَت! حتَّى يَتبَينَ إن كانَت مُتصِلةً أو لا، وصَحيحةً أو لا (١).
١١ - وَفاتُه ﵀:
قالَ القَعنَبيُّ: سمِعتُهم يَقولونَ: عُمِّرَ مالِكٌ تِسعًا وثَمانينَ سَنةً، وماتَ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ ومائةٍ.
وقالَ إِسماعيلُ بنُ أَبي أُويسٍ: مرِضَ مالِكٌ، فسَألتُ بعضَ أَهلِنا عما قالَ عندَ المَوتِ: قالوا: تَشَّهدَ، ثم قالَ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
وتُوفِّيَ صَبيحةَ أرَبعَ عشْرةَ من رَبيعٍ الأَولِ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ ومائةٍ، فصلَّى عليه الأَميرُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ.
وغسَّلَه ابنُ أَبي زَنبَرٍ، وابنُ كِنانةَ، وابنُه يَحيى وكاتِبه حَبيبٌ يَصبَّانِ عليه الماءَ، ونزَلَ في قبْرِه جَماعةٌ، وأَوصَى أنْ يُكفَّنَ في ثِيابٍ بِيضٍ، وأنْ يُصلَى عليه في مَوضعِ الجَنائزِ، فصلَّى عليه الأَميرُ المَذكورُ، قالَ: وكانَ نائبًا لأَبيه مُحمدٍ على المَدينةِ، ثم مَشى أمامَ جِنازتِه، وحمَلَ نَعشَه، وبلَغَ كَفنُه خَمسةَ دَنانيرَ.
стр. 47
ويُقالُ: إنه في اللَّيلةِ التي ماتَ فيها رَأى رَجلٌ من الأَنصارِ قائِلًا يُنشِدُ:
لَقدْ أَصبحَ الإِسلامُ زُعزِعَ رُكنُه … غَداةَ ثَوى الهادِي لَدى مَلحدِ القَبرِ
إِمامُ الهُدى ما زالَ للعِلمِ صائِناً … علَيه سَلامُ اللهِ فِي آخِرِ الدَّهرِ
قالَ ابنُ القاسِمِ: ماتَ مالِكٌ عن مائةِ عِمامةٍ، فَضلًا عن سِواها.
وقالَ ابنُ أَبي أُويسٍ: بِيعَ ما في مَنزلِ خالِي من بُسطٍ، ومِنصَّاتٍ، ومَخادَّ، وغيرِ ذلك بما يُنيِّفُ على خَمسِمائةِ دِينارٍ (١).
الضَّيعةَ، فتحوَّلَت إلى مَحتِدِه، وهو ابنُ عامَينِ، فنشَأَ بمَكةَ، وأقبَلَ على الرَّميِ، حتى فاقَ الأَقرانَ، وصارَ يُصيبُ من عَشرةِ أَسهُمٍ تِسعةً، ثم أقبَلَ على العَربيةِ والشِّعرِ، فبَرَعَ في ذلك، وتقَدمَ، ثم حُببَ إليه الفقهُ، فسادَ أهلَ زَمانِه (١).
وقالَ العُليميُّ: أَبو عبدِ اللهِ الشافِعيُّ، الإمامُ الأَعظمُ، والحبْرُ المُكرمُ، أحدُ الأَئمةِ المُجتهِدينَ الأَعلامِ، إمامُ أهلِ السُّنةِ، رُكنُ الإِسلامِ، لقِيَ جدَّه شافِعُ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو مُترعرَعٌ، وكانَ أَبوه السائِبُ صاحِبُ رايةِ بَني هاشِمٍ، يومَ بَدرٍ فأُسرَ، وفَدى نَفسَه ثم أَسلمَ.
فقيلَ له: لِم لَم تُسلمْ قبلَ أن تَفديَ نَفسَك؟ فقالَ: ما كنتُ أَحرمُ المُسلِمينَ طُعمًا لَهم فِيَّ.
وُلدَ بغَزةَ مِنْ بَلادِ الشامِ على الأَصحِّ، في سَنةِ خَمسينَ ومِائةٍ؛ وهي السَّنةُ التي ماتَ فيها أَبو حَنيفةَ النُّعمانُ ﵀، وقيلَ: في اليومِ الذي ماتَ فيه، وقيلَ: كانَ مَولدُه بعَسقلانَ، وقيلَ: باليمنِ، ونشَأَ بمَكةَ، وكتَبَ العِلمَ بها، وبمَدينةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقدِمَ بَغدادَ مرَّتينِ، وخرَجَ إلى مِصرَ فنزَلَها، وكانَ وُصولُه إليها في سَنةِ تِسعٍ وتِسعينَ ومِائةٍ، وقيلَ: سَنةَ إحدَى ومِائتَينِ، ولَم يَزلْ بها إلى حينِ وَفاتِه (٢).
стр. 50
صِفتُه ﵀: ورَوى أَبو نُعيمٍ بسَندِه عن إِبراهيمَ بنِ مُرادٍ، قالَ: وكانَ الشافِعيُّ طَويلًا، نَبيلًا، جَسيمًا.
وقالَ الزَّعفرانِيُّ: كانَ الشافِعيُّ يُخضِّبُ بالحِناءِ، خَفيفَ العارِضتَينِ.
وقالَ المُزنِيُّ: ما رَأيتُ أَحسنَ وَجهًا من الشافِعيِّ، وكانَ ربَّما قبَضَ على لِحيتِه، فلا تَفضلُ عن قبضَتِه (١).
٢ - ابتِداءُ طَلبِه للعِلمِ ونُبوغُه فيه:
رَوى أَبو نُعيمٍ، بسَندِه عن أَبي بَكرِ بنِ إِدريسَ -وَراقِ الحُميديِّ- عن الشافِعيِّ، قالَ: كنتُ يَتيمًا في حِجرِ أمِّي، ولم يَكنْ معها ما تُعطِي المُعلمَ، وكانَ المُعلمُ قد رضِيَ مني أن أَخلُفَه إذا قامَ، فلمَّا ختَمتُ القُرآنَ، دخَلتُ المَسجدَ، فكنتُ أُجالِسُ العُلماءَ، فأَحفَظُ الحَديثَ أو المَسألةَ، وكانَ مَنزلُنا بمَكةَ في شِعبِ الخَيفِ، فكنتُ أَنظرُ إلى العَظمِ يَلوحُ، فأَكتبُ فيه الحَديثَ والمَسألةَ، وكانَت لنا جَرةٌ قَديمةٌ، فإذا امتَلأَ العَظمُ طرَحتُه في الجَرةِ (٢).
ورَوى البَيهقيُّ بسَندِه، عن مُصعبِ بنِ عبدِ اللهِ الزُّبيريِّ، قالَ: كانَ الشافِعيُّ في ابتِداءِ أَمرِه، يَطلبُ الشِّعرَ، وأَيامَ الناسِ والأَدبَ، ثم أخَذَ في الفقهِ بعدُ.
стр. 51
قالَ: وكانَ سَببُ أَخذِه في الفقهِ أنَّه كانَ يومًا يَسيرُ على دابَّةٍ له، خلفَه كاتِبُ أَبي، فتَمثَّلَ الشافِعيُّ ببَيتِ شِعرٍ، فقرَعَه كاتبُ أَبي بسَوطٍ، ثم قالَ له: مِثلُك تَذهبُ مُروءَتُه في مثلِ هذا! أينَ أنتَ عن الفقهِ؟ قالَ: فهَزَّه ذلك، فقصَدَ مُجالسَة الزّنجِيِّ ابنِ خالدٍ -وكانَ مُفتي مَكةَ-، ثم قدِمَ علينا، فلزِمَ، مالِكَ بنَ أَنسٍ (١).
ورَوى البَيهقيُّ كذلك عن أَبي بَكرٍ الحُميديِّ، فقالَ: قالَ الشافِعيُّ: خرَجتُ أَطلُبُ النَّحوَ والأَدبَ، فلقِيَني مُسلمُ بنُ خالدٍ، فقالَ: يا فَتى، مِنْ أين أنتَ؟ قلتُ: من أهلِ مَكةَ. قالَ: وأين مَنزلُك بها؟ قلتُ: بشِعبِ الخَيفِ، قالَ: من أيِّ قَبيلةٍ أنتَ؟ قلتُ: من وَلدِ عبدِ مَنافٍ، فقالَ: بَخٍ بَخٍ، لقد شرَّفَك اللهُ في الدُّنيا والآخرَةِ، ألا جعَلتَ فَهمَك هذا في الفقهِ، كانَ أَحسَنَ بك؟! (٢)
قالَ الذَّهبيُّ: وعن الشافِعيِّ قالَ: أَتيتُ مالِكًا وأَنا ابنُ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً -كذلك قالَ، والظاهِرُ أنَّه كانَ ابنَ ثَلاثٍ وعِشرينَ سَنةً- قالَ: فأَتيتُ ابنَ عمٍ لي والِي المَدينةِ فكلَّمَ مالِكًا فقالَ: اطلُبْ من يَقرأُ لك قلتُ: أنا أَقرأُ فقرَأتُ عليه فكانَ ربَّما قالَ لي لشيءٍ قد مَرَّ أُعدْه فأُعيدُه حِفظًا فكأنَّه أَعجَبَه ثم سأَلتُه عن مَسألةٍ فأَجابَني ثم أُخرى فقالَ: أنت تُحبُّ أن تَكونَ قاضِيًا (٣).
стр. 52
وقالَ النَّوويُّ ﵀ ما مُلخَّصُه: أخَذَ الشافِعيُّ ﵀ في الفِقهِ وحصَلَ منه على مُسلمِ بنِ خالِدٍ الزّنجيِّ وغيرِه من أَئمةِ مَكةَ ما حصَلَ، ورحَلَ إلى المَدينةِ قاصدًا الأَخذَ عن أَبي عبدِ اللهِ مالِكِ بنِ أَنسٍ ﵁ وأكرَمَه مالِكٌ ﵀ وعامَلَه لنَسبِه وعِلمِه وفَهمِه وعَقلِه وأَدبِه بما هو الَّلائقُ بهما وقرَأَ «الموطأ» على مالِكٍ حِفظًا فأَعجبَتْه قِراءتُه فكانَ مالِكٌ يَستزِيدُه من القِراءةِ لإِعجابِه من قِراءتِه ولازَمَ مالِكًا فقالَ له: اتقِّ اللهَ؛ فإنَّه سيَكونُ لك شَأنٌ.
وفي رِوايةٍ: أنَّه قالَ لي: إنَّ اللهَ تَعالى قد أَلقَى على قَلبِك نُورًا فلا تُطفئْه بالمَعصيةِ. ثم ولِي اليَمنَ واشتَهرَ من حُسنِ سِيرتِه وحَملِه الناسَ على السُّنةِ والطَّرائقِ الجَميلةِ أَشياءُ كَثيرةٌ مَعروفةٌ، ثم رحَلَ إلى العِراقِ في الاشتِغالِ بالعِلمِ، وناظَرَ مُحمدَ بنَ الحَسنِ وغيرَه، ونشَرَ عِلمَ الحَديثِ وأَقامَ مَذهبَ أَهلِه ونصَرَ السُّنةَ وشاعَ ذِكرُه وفَضلُه وتَزايَدَ تَزايُدًا ملَأَ البِقاعَ، وأَذعَنَ بفَضلِه المُوافِقونَ والمُخالِفونَ واعتَرفَ به العُلماءُ أَجمَعونَ، وعظُمَت عندَه الخَلائقُ ووُلاةُ الأُمورِ مَرتَبتُه، وظهَرَ من فَضلِه في مُناظَراتِه أَهلَ العِراقِ وغيرِهم ما لم يَظهَرْ لسِواهُ، عكَفَ للِاستِفادةِ منه الصِّغارُ والكِبارُ والأَئمةُ الأَخيارُ من أَهلِ الحَديثِ والفقهِ وغيرِهم، ورجَعَ كَثيرٌ منهم عن مَذاهبَ كانوا عليها إلى مَذهبِه وتَمسَّكوا بطَريقتِه وصنَّفَ في العِراقِ كِتابَه القَديمَ المُسمَّى «كِتاب الحُجَّة» ثم خرَجَ الشافِعيُّ ﵀ إلى مِصرَ سَنةَ تِسعٍ
стр. 53
وتِسعينَ ومائةٍ وصنَّفَ كُتبَه الجَديدةَ كلَّها بمِصرَ، وسارَ ذِكرُه في البُلدانِ وقصَدَه الناسُ في الشامِ واليَمنِ والعِراقِ (١).
٣ - ثَناءُ العُلماءِ عليه:
قالَ الحافظُ أَبو نُعيمٍ: ومنهم الإمامُ الكاملُ العالِمُ العامِلُ ذو الشَّرفِ المَنيفِ والخُلقِ الطَّريفِ، له السَّخاءُ والكَرمُ، وهو الضِّياءُ في الظُّلمِ، أَوضَحَ المُشكلاتِ، وأَفصَحَ عن المُعضِلاتِ، المُنتَشرُ عِلمُه شَرقًا وغَربًا، المُستَفيضُ مَذهبُه بَرًّا وبَحرًا، المُتبِّعُ للسُّننِ والآثارِ، المُقتدِي بما اجتَمعَ عليه المُهاجِرونَ والأَنصارُ، اقتَبسَ عن الأَئمةِ الأَخيارِ فحدَّثَ عنه الأَئمةُ الأَحبارُ، الحِجازِيُّ المُطلِبيُّ أَبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنِ إِدريسَ الشافِعيُّ ﵁ وأَرضاهُ، حازَ المَرتبةَ العالِيةَ وفازَ بالمَنقبةِ السامِيةِ؛ إذِ المَناقبُ والمَراتبُ يَستحِقُّها مَنْ له الدِينُ والحَسبُ، وقد ظفِرَ الشافِعيُّ بهما جَميعًا، شَرفُ العِلمِ العَملُ به وشَرفُ الحَسبِ قُربُه من رَسولِ اللهِ ﷺ فشَرفُه في العِلمِ ما خصَّه الله تَعالى به من تَصرُّفِه في وُجوهِ العِلمِ وتَبسُّطِه في فُنونِ الحِكمِ، فاستَنبطَ خَفياتِ المَعاني، وشرَحَ بفَهمٍ الأُصولَ والمَبانِي، ونالَ ذلك بما يَخصُّ اللهُ تَعالى به قُريشًا من نُبلِ الرَّأيِ (٢).
ورَوى الخَطيبُ بسَندِه إلى إِسحاقَ بنِ راهَويهِ قالَ: أخَذَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ
стр. 54
بيدِي وقالَ: تعالَ حتى أَذهبَ بك إلى مَنْ لَم ترَ عَيناكَ مثلُه، فذهَبَ بي إلى الشافِعيِّ (١).
وبسَندِه أيضًا إلى عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: قلتُ لأَبي: يا أَبتِ أيُّ شيءٍ كانَ الشافِعيُّ؟ فإني سمِعتُك تُكثِرُ من الدُّعاءِ له، فقالَ لي: يا بُنيَّ: الشافِعيُّ كالشَّمسِ للدُّنيا، وكالعافِيةِ للنَّاسِ، انظُرْ هل لهذَينِ من خَلفٍ أو منهما عِوضٍ (٢).
وعن أَيوبَ بنِ سُويدٍ قالَ: ما ظنَنتُ أنِّي أَعيشُ حتى أَرى مثلَ الشافِعيِّ (٣).
وعن صالحِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: ركِبَ الشافِعيُّ حِمارَه فجعَلَ أَبي يَمشِي والشافِعيُّ راكِبٌ وهو يُذاكِرُه، فبلَغَ ذلك يَحيى بنَ مَعينٍ، فبعَثَ إلى أَبي في ذلك، فبعَثَ إليه أنَّك لو كنتَ في الجانِبِ الآخرِ من الحِمارِ كانَ خيرًا لك هذا أو مَعناه (٤).
وعن حُميدِ بنِ زَنجوَيهِ قالَ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: يُروَى الحَديثُ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَمنُّ على أَهلِ دِينِه في رَأسِ
стр. 55
كلِّ مائةِ سَنةٍ برَجلٍ مِنْ أَهلِ بَيتِي يُبيِّنُ لهم أَمرَ دِينِهم» وإني نظَرتُ في سَنةِ مائةٍ فإذا رَجلٌ مِنْ آلِ رَسولِ اللهِ ﷺ مُحمدُ بنُ إِدريسَ (١).
وعن مُحمدِ بنِ الفَضلِ البَزارِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ حجَجتُ معَ أَحمدِ بنِ حَنبلٍ فنزَلْنا في مَكانٍ واحدٍ أو في دارٍ (يَعني مَكةَ)، وخرَجَ أَبو عبدِ اللهِ يَعنى أَحمدَ بنَ حَنبلٍ باكرًا وخرَجتُ أنا معَه فلما صلَّينا الصُّبحَ درتُ المَجالسَ فجِئتُ مَجلسَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ، وكنتُ أَدورُ مَجلسًا مَجلسًا؛ طالبًا لأَبي عبدِ اللهِ حتى وَجدتُه عندَ شابٍّ أَعرابيٍّ وعليه ثِيابٌ مَصبوغَةٌ وعلى رأسِه جُمةٌ فزاحَمتُه حتى قعَدتُ عندَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ ترَكتَ ابنَ عُيينةَ وعندَه الزُّهريُّ وعَمرُو بنُ دِينارٍ وزِيادُ بنُ عِلاقةَ ومِن التابِعينَ ما اللهُ به عَليمٌ؟ فقالَ: اسكُتْ؛ فإنْ فاتَك حَديثٌ بعُلوٍّ، تجِدْه بنُزولٍ، فلا يَضرُّك في دِينِك ولا في عَقلِك أو في فِقهِك وإن فاتَك عَقلُ هذا الفَتى أَخافُ أنْ لا تَجدَه إلى يومِ القِيامةِ، ما رَأيتُ أحدًا أَفقهَ في كِتابِ اللهِ تَعالى من هذا الفَتى القُرشيِّ. قلتُ: مَنْ هذا؟ قالَ: مُحمدُ ابنُ إِدريسَ الشافِعيُّ (٢).
وعن سُويدِ بنِ سَعيدٍ قالَ: كُنا عندَ سُفيانَ بنِ عُيينةَ فجاءَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ فجلَسَ فرَوى ابنُ عُيينةَ حَديثًا رَقيقًا فغُشيَ على الشافِعيِّ، فقيلَ:
стр. 56
يا أَبا مُحمدٍ، ماتَ مُحمدُ بنُ إِدريسَ، فقالَ ابنُ عُيينةَ: إنْ كانَ قد ماتَ مُحمدُ ابنُ إِدريسَ فقد ماتَ أَفضلُ أَهلِ زَمانِه (١).
قالَ الرَّازيُّ ﵀: إنَّ ثَناءَ العُلماءِ على الإمامِ الشافِعيِّ أَكثرُ مِنْ أنْ يُحيطَ به الحَصرُ، ونحنُ نَذكرُ السَّببَ في مَحبَّتِهم له وثَنائِهم عليه، فنَقولُ: الناسُ كلُّهم كانوا قبلَ زَمانِ الشافِعيِّ فَريقَينِ: أَصحابَ الحَديثِ وأَصحابَ الرَّأيِ.
أما أَصحابُ الحَديثِ فكانوا حافِظينَ لأَخبارِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا أنَّهم كانوا عاجِزينَ عن النَّظرِ والجَدلِ، وكلَّما أَوردَ عليهم أحدُ أَصحابِ الرَّأيِ سُؤالًا أو إِشكالًا بَقَوا على ما في أَيدِيهم عاجِزينَ مُتحيِّرينَ.
أما أَصحابُ الرَّأيِ فكانوا أَصحابَ الجَدلِ والنَّظرِ إلا أنَّهم كانوا فارِغينَ من مَعرفةِ الآثارِ والسُّننِ.
وأما الشافِعيُّ فإنه كانَ عارِفًا بسُنةِ النَّبيِّ ﷺ مُحيطًا بقَوانينِها، وكانَ عارِفًا بآدابِ النَّظرِ والجَدلِ وقَويًّا فيه، وكانَ فَصيحَ اللِّسانِ قادرًا على قَهرِ الخُصومِ، فأخَذَ في نُصرةِ أَحاديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ وكانَ مَنْ أَوردَ عليه سُؤالًا أو إِشكالًا أَجابَ عنه بأَجوبةٍ شافِيةٍ كامِلةٍ فانقَطعَ بسَببِه استِيلاءُ أَهلِ الرَّأيِ على أَصحابِ الحَديثِ، وسقَطَ فِقهُهم، وتَخلَّصَ بسَببِه أَصحابُ الحَديثِ من شُبهاتِ أَصحابِ الرَّأيِ؛ فلهذا السَّببِ
стр. 57
انطَلقتِ الأَلسنُ بمَدحِه والثَّناءِ عليه وانقادَ له عُلماءُ الدِّينِ وأَكابرُ السَّلفِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
٤ - عِبادتُه وزُهدُه ووَرعُه ﵀:
قالَ بَحرُ بنُ نَصرٍ: ما رَأيتُ ولا سمِعتُ كانَ في عَصرِ الشافِعيِّ أَتقَى ولا أَورعَ من الشافِعيِّ، ولا أَحسَنَ صَوتًا منه بالقُرآنِ (٢).
وعن الحُسينِ الكَرابِيسيِّ قالَ: بِتُّ معَ الشافِعيِّ ثَمانينَ لَيلةً، فكانَ يُصلِّي ثُلثَ اللَّيلِ، وما رَأيتُه يَزيدُ عن خَمسينَ آيةً! فإذا أَكثَرَ فمِائةٌ، وكانَ لا يَمرُّ بآيةٍ إلا سألَ اللهَ لنَفسِه وللمُؤمِنينَ أَجمَعينَ، ولا يَمرُّ بآيةِ عَذابٍ إلا تَعوَّذَ باللهِ وسألَ النَّجاةَ لنَفسِه ولجَميعِ المُؤمِنينَ، فكأنَّما جمَعَ له الرَّجاءَ والرَّهبةَ معًا (٣).
وعن بَحرِ بنِ نَصرٍ قالَ: كُنا إذا أرَدْنا أنْ نَبكيَ، قُلنا بعضُنا لبعضٍ: قومُوا بِنا إلى هذا الفَتى المَطلبِيِّ نَقرأُ القُرآنَ، فإذا أتَيْناه استَفتحَ القُرآنَ حتى تَتساقَطُ الناسُ بينَ يدَيه ويَكثرُ عَجيجُهم بالبُكاءِ فإذا رَأى ذلك أَمسَكَ عن القِراءةِ من حُسنِ صَوتِه (٤).
стр. 58
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: كانَ الشافِعيُّ قد جزَّأَ اللَّيلَ ثَلاثةَ أَجزاءٍ: الثُّلثُ الأَولُ: يَكتبُ، والثُّلثُ الثانِي: يُصلِّي، والثُّلثُ الثالِثُ: يَنامُ (١).
وعن حَرمَلةَ قالَ: قالَ الشافِعيُّ: ما حلَفتُ باللهِ صادِقًا ولا كاذِبًا (٢).
قالَ الحارِثُ بنُ مِسكينٍ: أَرادَ الشافِعيُّ الخُروجَ إلى مَكةَ فأسلَمَ إلى قَصارٍ بَغداديةٍ مُرتَفعةٍ، فوقَعَ الحَريقُ، فاحتَرقَ دُكانَ القَصارِ، والثِّيابَ، فجاءَ القَصارُ، ومعَه قومٌ، فتحَمَّلَ بهم على الشافِعيِّ في تَأخيرِه، ليَدفعَ إليه قِيمةَ الثِّيابِ، فقالَ له الشافِعيُّ: قد اختَلفَ أَهلُ العِلمِ في تَضمينِ القَصارِ، ولم أَتبيَّنُ أنَّ الضَّمانَ يَجبُ، فلَستُ أَضمَنُك شَيئًا (٣).
وعن الحارِثِ بنِ شُريحٍ قالَ: دخَلتُ معَ الشافِعيِّ على خادِمِ الرَّشيدِ وهو في بَيتٍ قد فُرشَ بالدِّيباجِ، فلمَّا وضَعَ الشافِعيُّ رِجلَه على العَتبةِ، أبصَرَه فرجَعَ، ولَم يَدخلْ، فقالَ له الخادمُ: ادخُلْ، فقالَ: لا يَحلُ افتِراشُ هذا، فقامَ الخادِمُ، فتبَسمَ، حتى دخَلَ بيتًا، قد فُرشَ بالأرضِ، فدخَلَ الشافِعيُّ ثم أَقبلَ عليه فقالَ: هذا حَلالٌ، وهذا حَرامٌ، وهذا أَحسَنُ من ذاك وأَكثرُ ثَمنًا فتبَسمَ الخادِمُ وسكَتَ (٤).
وعن الرَّبيعِ قالَ: قالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحَكمِ للشافِعيِّ: إن عزَمتَ أنْ تَسكُنَ البَلدَ -يَعنِي مِصر- فلَيكُنْ لك قُوتُ سَنةٍ، ومَجلسٌ من السُّلطانِ
стр. 59
تتَعزَّزُ به، فقالَ له الشافِعيُّ: يا أَبا مُحمدٍ، من لم تُعزُّه التَّقوى فلا عزَّ له، ولقد وُلِدتُ بغَزةَ، ورُبِّيتُ بالحِجازِ، وما عندَنا قُوتُ لَيلةٍ، وما بِتْنا جِياعًا (١).
وقيلَ للشافِعيِّ: ما لك تُدمِنُ إِمساكَ العَصى، ولستَ بضَعيفٍ؟ قالَ: لأَذكُرَ أنِّي مُسافِرٌ، يَعني في الدُّنيا (٢).
وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: قالَ لي الشافِعيُّ: يا أَبا مُوسى، أَنِستُ بالفَقرِ، حتى صِرتُ لا أَستوحِشُ منه (٣).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: قالَ لي الشافِعيُّ: يا رَبيعُ، عليك بالزُّهدِ، فلَلزُّهدِ على الزاهدِ أَحسَنُ من الحُليِّ على المَرأةِ الناهِدِ (٤).
وعن عبدِ اللهِ بنِ مُحمدٍ البَلويِّ قالَ: جلَسْنا ذاتَ يومٍ، نتَذاكَرُ الزُّهادَ، والعُبادَ، والعُلماءَ، وما بلَغَ من زُهدِهم، وفَصاحتِهم، وعِلمِهم، فبينَما نحنُ كذلك، إذ دخَلَ علينا عُمرُ بن نُباتةَ فقالَ: فبماذا تَتحاوَرونَ؟ قُلنا: نَتذاكَرُ الزُّهادَ والعُبادَ والعُلماءَ، وما بلَغَ من فَصاحتِهم، فقالَ عُمرُ بنُ نُباتةَ: واللهِ، ما رَأيتُ رَجلًا قطُّ أَورَعَ ولا أَخشَعَ ولا أَفصَحَ ولا أَسمَحَ ولا أَعلَمَ ولا أَكرَمَ ولا أَجمَلَ ولا أَنبَلَ ولا أَفضَلَ مِنْ مُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ (٥).
стр. 60
٥ - سَخاؤُه وجُودُه ﵀:
عن الحُميديِّ قالَ: قدِمَ الشافِعيُّ ﵀ من صَنعاءَ إلى مَكةَ، بعَشرةِ آلافِ دِينارٍ في مِنديلٍ، فضرَبَ خِباءَه في مَوضعٍ خارِجًا من مَكةَ، فكانَ الناسُ يَأتوه، فما برَحَ حتى ذهبَتْ كلُّها (١).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قالَ: كانَ الشافِعيُّ راكِبًا حِمارًا، فمرَّ على سُوقِ الحَذائينَ، فسقَطَ سَوطُه من يدِه، فوثَبَ غُلامٌ من الحَذائينَ، فأخَذَ السَّوطُ، ومسَحَه بكُمِّه، وناوَلَه إِياه، فقالَ الشافِعيُّ لغُلامِه: ادفَعْ تلك الدَّنانيرَ التي معَك إلى هذا الفَتى، قالَ الرَّبيعُ: فلَستُ أَدرِي، كانَت تِسعةَ دَنانيرَ أو سِتةً (٢).
وعن الرَّبيعِ بنِ سَلمانَ قالَ: تَزوجْتُ، فسأَلنِي الشافِعيُّ: كم أصدَقْتَها؟ فقلتُ: ثَلاثينَ دِينارًا، قالَ: كم أَعطيتَها؟ فقلتُ: سِتةَ دَنانيرَ، فصعِدَ دارَه وأرسَلَ إليَّ بصُرَّة، فيها أربَعةٌ وعِشرونَ دِينارًا (٣).
قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: كانَ الشافِعيُّ أَسخَى الناسِ بما يَجدُ، وكانَ يَمرُّ بِنا، فإنْ وجدَنِي وإلا قالَ: قُولوا لمُحمدٍ إذا جاءَ، يَأتي المَنزلَ، فإنِّي لا أَتغذَّى حتى يَجيءَ، فربَّما جئتُه، فإذا قعَدتُ معَه على الغِذاءِ قالَ: يا جارِيةُ، أَنضِجي لنا فالُوذجَ، فلا تَزالُ المائِدةُ بينَ يدَيه، حتى تَفرغَ منه ويَتغذَّى (٤).
стр. 61
وعن الرَّبيعِ قالَ: أخَذَ رَجلٌ برِكابِ الشافِعيِّ، فقالَ: يا رَبيعُ، أعْطِه أرَبعةَ دَنانيرَ، واعذُرْني عندَه (١).
وعن الرَّبيعِ قالَ: كُنا معَ الشافِعيِّ ﵀ وقد خرَجَ من مَسجدِ مِصرَ، فانقَطعَ شِسعُ نَعلِه، فأَصلَحَ له رَجلٌ شِسعَه، ودفَعَ إليه، فقالَ: يا رَبيعُ، معَك من نَفقتِنا شيءٌ؟ قلتُ: نَعمْ، قالَ: كم؟ قلتُ: سَبعةَ دَنانيرَ، قالَ: ادفَعْها إليه (٢).
قالَ مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحَكمِ: جاءَنا الشافِعيُّ إلى مَنزلِنا، قالَ: فقالَ لي: ارَكْب دابَّتي هذه، قالَ: فركِبْتُها، قالَ: فقالَ لي: أَقبَلَ بها، وأَدبَرَ، ففَعلتُ، فقالَ: إنِّي أَراكَ بها لبِقًا، فخُذْها فهي لك، قالَ: وكانَ من أَسخى الناسِ، ثم ذكَرَ قِصةَ التَّمرِ (٣).
وقِصةُ التَّمرِ رَواها أيضًا البَيهقيُّ عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكمِ قالَ: كانَ الشافِعيُّ ﵀ مِنْ أَسخى الناسِ، قالَ: وكنتُ آكلُ معَ الشافِعيِّ تَمرًا مُلوَّزًا من هذه الجِرارِ، فجاءَ رَجلٌ فقعَدَ، وأكَلَ، وكانَ يَجلسُ إليه.
فلمَّا فرَغَ مِنْ الأَكلِ، قالَ الرَّجلُ للشافِعيِّ: ما تَقولُه في أَكلِ الفُجاءةِ؟ قالَ: فلوَى الشافِعيُّ عُنقَه إِليَّ وقالَ: هلَّا كانَ سُؤالُه قبلَ أن يَأكلَ (٤).
стр. 62
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: السَّخاءُ والكَرمُ، يُغطيانِ عُيوبَ الدُّنيا والآخرَةِ، بعدَ أنْ لا يَلحقَهما بِدعةٌ (١).
وعن إِبراهيمَ بنِ مُحمدٍ قالَ: كنتُ في مَجلسِ أَحمدَ بنِ يُوسفَ النَّقليِّ، صاحِبِ أَبي عُبيدٍ القاسِمِ بنِ سَلامٍ، فجَرى ذِكرُ الشافِعيِّ وأَخلاقُه، وفِقهُه، وسَماحتُه، فقَالوا: ما شبَّهْناه إلا بأَبياتٍ أنشَدَها حَفصُ بنُ عُمرَ الأَزديُّ المَقرعيُّ لبعضِ الأَعرابِ:
إنْ زُرتَ ساحَتَه تَرجُو سَماحتَه … بَلَّتك راحَتُه بالجودِ والكَرمِ
أَخلاقُه كَرمٌ وَقولُه نَعمٌ … يَقولُها بفمِ بَحبَحت فاحْتكِم
ما ضرَّ زائِرَه يَرجُو أَنامِلَه … إنْ كانَ ذا رحِم أو غيرَ ذي رحِم
الجودُ غُرتُه والمَجدُ غايَتُه … يَقولُها بفم قد لَجَّ فِي نعمِ (٢)
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: دفَعَ إليَّ الشافِعيُّ دَراهمَ، لأشتَريَ له حمَلًا، وأَمرَني أنْ أَشويَ ذلك، قالَ: فنَسيتُ، واشتَريتُ سمَكتَينِ، وشَويتُهما، فأَتيتُه بهما، فنظَرَ فقالَ: يا أَبا مُحمدٍ كُلهُما، فقد اشتَهيتَهما (٣).
٦ - اتِّباعُه للسُّنةِ وذَمهُ لأَهلِ الأَهواءِ:
عن مَيمونَ بنِ مَهرانَ قالَ: قالَ لي أَحمدُ بنُ حَنبلٍ: مَا لك لا تَنظرُ في كُتبِ الشافِعيِّ؟ فما من أحدٍ وضَعَ الكُتبَ أَتبَعَ للسُّنةِ مِنْ الشافِعيِّ (٤).
стр. 63
وعن أَبي جَعفرٍ التِّرمذيِّ قالَ: أَردتُ أنْ أَكتبَ كُتبَ الرَّأيِ فرَأيتُ النَّبيَّ ﷺ في المَنامِ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ فأَكتبُ رَأى الشافِعيِّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : إنَّه ليسَ برَأيٍ إنَّه ردٌّ على مَنْ خالَفَ سُنتِي (١).
وعن أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: قدِمَ علينا نُعيمُ بنُ حَمادٍ، وحثَّنا على طَلبِ المُسندِ، فلمَّا قدِمَ علينا الشافِعيُّ، وضَعَنا على المَحجةِ البَيضاءِ (٢).
وقالَ الرَّبيعُ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: إذا وجَدتُم في كِتابي خِلافَ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فقُولوا بها ودَعوا ما قلتُه.
وقالَ: سمِعتُه يَقولُ، وقالَ له رَجلٌ: يا أَبا عبدِ اللهِ نَأخذُ بهذا الحَديثِ؟
فقال: متى رَويتُ عن رَسولِ الله حَديثًا صَحيحًا ولَم آخُذْ به، فأُشهِدُكم أنَّ عَقلي قد ذهَبَ (٣).
وقالَ الحُميديُّ: رَوى الشافِعيُّ يومًا حدِيثًا فقلتُ: أَتأخذُ به؟ فقالَ: رَأيتُني خرَجتُ من كَنيسةٍ، أو علَيَّ زُنارًا، حتى إِذا سمِعتُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا لا أقول به.
وقالَ الشافِعيُّ: إِذا صحَّ الحَديثُ فهو مَذهَبي.
وقالَ: إذا صحَّ الحَديثُ فاضرِبوا بقَولِي الحائِطَ (٤).
стр. 64
قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: لَأنْ يَلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خَلا الشِّركَ باللهِ خيرٌ من أنْ يَلقاه بشيءٍ مِنْ الهَوى (١).
وعن أَبي ثورٍ قالَ: سمِعتُ الشافِعيُّ يَقولُ: حُكمِي في أَهلِ الكَلامِ، أنْ يُضرَبوا بالجَريدِ، ويُحملوا على الإِبلِ، ويُطافُ بهم في العَشائرِ والقَبائلِ، ويُنادَى عليهم: هذا جَزاءُ مَنْ ترَكَ الكِتابَ والسُّنةَ وأَقبلَ على الكَلامِ.
وعن أَبي ثورٍ قالَ: سمِعتُ الشافِعيُّ يَقولُ: مَنْ ارتَدى بالكَلامِ، لمْ يُفلحْ.
قالَ البَيهقيُّ: وإنَّما يَعنى -واللهُ أَعلَمُ- كَلامَ أَهلِ الأَهواءِ، الذين ترَكوا الكِتابَ والسُّنةَ، وجعَلوا مُعولَهم عُقولَهم، وأخَذوا في تَسويةِ الكِتابِ عليها، وحينَ حُملَت إليهم السُّنةُ بزِيادةِ بَيانٍ لنَقضِ أَقاويلِهم، اتَّهموا رُواتَها وأَعرَضوا عنها (٢).
فأما أَهلُ السُّنةِ، فمَذهبُهم في الأُصولِ مَبنيٌّ على الكِتابِ والسُّنةِ، وإنَّما أخَذَ مَنْ أخَذَ منهم في العَقلِ؛ إِبطالًا لمَذهبِ مَنْ زعَمَ أنَّه غيرُ مُستقِيمٍ في العَقلِ (٣).
стр. 65
٧ - فِقهُه ﵀:
عن عُبيدِ بنِ مُحمدِ بنِ خَلفٍ البَزازِ قالَ: سُئلَ أَبو ثورٍ؟ فقيلَ له: أيُّهما أَفقَهُ: الشافِعيُّ أو مُحمدُ بنُ الحَسنِ؟ فقالَ أَبو ثورٍ: الشافِعيُّ أَفقَهُ مِنْ مُحمدٍ وأَبي يُوسفَ وأَبي حَنيفةَ وحَمادٍ وإِبراهيمَ وعَلقمةَ والأَسودِ (١).
وعن أَحمدَ بنِ يَحيى قالَ: سمِعتُ الحُميديُّ يَقولُ: سمِعتُ سَيدَ الفُقهاءِ، مُحمدَ بنَ إِدريسَ الشافِعيَّ (٢).
وعن الرَّبيعِ قالَ: سمِعتُ الحُميديَّ يَقولُ: «عن مُسلمِ بنِ خالدٍ» أنَّه قالَ للشافِعيِّ: أَفتِ يا أَبا عبدِ اللهِ؛ فقد -والله- آنَ لك أنْ تُفتيَ، وهو ابنُ خمسَ عشْرةَ سنةً (٣).
وعن حَرملةَ بنِ يَحيى قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه، وفي فِيها تَمرةٌ: إن أَكلتِيها فأنتِ طالقٌ، وإن طرَحتِاها فأنتِ طالقٌ، قالَ: تَأكلُ نِصفهَا وتَطرحُ نِصفَها. (٤)
وعن المُزنِيِّ قالَ: سُئلَ الشافِعيُّ عن نَعامةٍ ابتَلعَت جَوهرةً لرَجلٍ آخرَ؟ فقالَ: لستُ آمُره بشيءٍ، ولكنْ إنْ كانَ صاحبُ الجَوهرةِ، كيِّسًا غَدا على
стр. 66
النَّعامةِ، فذبَحَها واستَخرَجَ جَوهرتَه، ثم ضمِنَ لصاحبِ النَّعامةِ ما بينَ قِيمتِها حيةً ومَذبوحةً (١).
وعن مَعمرِ بنِ شَبيبٍ، قالَ: سمِعتُ المَأمونَ يَقولُ لمُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ: يا مُحمدُ، لأيِّ عِلةٍ خلَقَ اللهُ الذُّبابَ؟ قالَ: فأطرَقَ ثم قالَ له: مَذلةً للمُلوكِ يا أميرَ المُؤمِنينَ، قالَ: فضحِكَ المَأمونُ، وقالَ: يا مُحمدُ، رَأيتُ الذُّبابةَ قد سقَطَت على خدِّي؟ قالَ: نَعم يا أميرَ المُؤمِنينَ، ولقد سألَتْني وما عندِي جَوابٌ، فأخَذَني من ذلك الزَّمعُ، فلما رَأيتُ الذُّبابةَ قد سقَطَت بمَوضعٍ لا يَنالُه أحدٌ، انفَتحَ فيه الجَوابُ، فقالَ: للهِ دَركَ يا مُحمدُ (٢).
قالَ إِبراهيمُ بنُ أَبي طالِبٍ الحافِظُ: سأَلتُ أَبا قُدامةَ السَّرخسيُّ، عن الشافِعيِّ، وأَحمدَ، وأَبي عُبيدٍ، وابنِ راهوَيهِ، فقالَ: الشافِعيُّ أَفقَهُهم (٣).
وعن الرَّبيعِ قالَ: كنتُ يومًا عندَ الشافِعيِّ، فجاءَه رَجلٌ فقالَ: أيُّها العالِمُ، ما تَقولُ في حالفٍ حلَفَ إن كانَ في كُمِّي دَراهمُ أَكثرُ من ثَلاثةٍ، فعَبدِي حرٌّ؟ وكان في كُمِّه أرَبعةُ دَراهمَ، فقالَ: لَم يعتَقْ عبدُه، قالَ: لِم؟ قالَ: لأنَّه استَثنى من جُملةِ ما في كُمِّه دَراهمَ، والدِّرهمُ لا يَكونُ دِراهمَ فقالَ: آمَنتُ بالذي فوَّهَك هذا العِلمَ (٤).
стр. 67
٨ - بَراعَتُه في التَّصنيفِ وبَركةُ مُصنَّفاتِه:
الشافِعيُّ ﵀ أَولُ من صنَّفَ في أُصولِ الفِقهِ وأَحكامِ القُرآنِ، وقد تَسابَقَ العُلماءُ والأَكابرُ على اقتِناءِ مُصنَّفاتِه والاستِفادةِ منها، وأعظَمُ كُتبِه كِتابُه «الرسالة»؛ فهو على سُهولةِ لَفظِه، كَثيرُ المَعاني، عَظيمُ المَباني، شاهِدٌ برَجاحةِ عَقلِه، وكَمالِ بَصيرتِه، وعُذوبةِ لَفظِه.
وعن أَبي ثورٍ قالَ: كتَبَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ إلى الشافِعيِّ وهو شابٌّ: أنْ يضَعَ له كِتابًا فيه مَعاني القُرآنِ، ويَجمعُ قَبولَ الأَخبارِ فيه، وحُجةَ الإِجماعِ، والناسِخَ والمَنسوخَ من القُرآنِ والسُّنةِ، فوضَعَ له كِتابَ «الرسالة».
قالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ: ما أُصلِّي صَلاةً إلا وأَدعو للشافِعيِّ فيها (١).
وعن المُزنِيِّ قالَ: قرَأتُ كِتابَ «الرسالة» للشافِعيِّ خَمسَمائةِ مَرةٍ، ما من مَرةٍ منها إلا واستفَدتُ منها فائِدةً جَديدةً، لَم أَستفِدْها في الأُخرى (٢).
وعن مُحمدِ بنِ مُسلمِ بنِ وارةَ قالَ: قدِمتُ من مِصرَ، فأَتيتُ أَبا عبدِ اللهِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ أُسلِّمُ عليه، قالَ: كتَبتَ كُتبَ الشافِعيِّ؟ قلتُ: لا، قالَ: فرَّطتَ، ما علِمْنا المُجملَ مِنْ المُفصلِ، ولا ناسِخَ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، من مَنسوخِه، حتى جالَسْنا الشافِعيَّ، قالَ: فحمَلَني ذلك إلى أن رجَعتُ إلى مِصرَ، وكتَبتُها ثم قدِمتُ (٣).
стр. 68
وعن أَحمدَ بنِ مَسلمةَ النَّيسابورِيِّ قالَ: تَزوَّحَ إِسحاقُ بنُ راهَويهِ بمَروَ، بامرَأةِ رَجلٍ عندَه كُتبُ الشافِعيِّ، فتُوفِّيَ، لم يَتزوَّجْ إلا لحالِ كُتبِ الشافِعيِّ، فوضَعَ جامِعَه الكَبيرَ على كِتابِ الشافِعيِّ، ووضَعَ جامِعَه الصَّغيرَ على جامِعِ الثَّوريِّ الصَّغيرِ (١).
وقالَ أَبو بَكرٍ الصَّومعيُّ: سمِعتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: صاحِبُ حَديثٍ لا يَشبعُ من كُتبِ الشافِعيِّ (٢).
وقالَ الجاحِظُ: نظَرتُ في كُتبِ هؤلاءِ النَّبغةِ: الذين نبَغوا في العِلمِ، فلَم أرَ أَحسَنَ تَأليفًا من المَطلبيِّ، كأنَّ لِسانَه يَنظِمُ الدُّررَ.
قالَ العَلامةُ أَحمدُ شاكِر: فكُتبُه كلُّها مُثلٌ رَائعةٌ مِنْ الأدبِ العَربيِّ النَّقيِّ في الذِّروةِ العُليا مِنْ البَلاغةِ، يَكتبُ على سَجيتِه، وعلى فِطرتِه، ولا يَتكلَّفُ، ولا يَتصنَّعُ، أَفصَحُ نَثرٍ تَقرؤُه بعدَ القُرآنِ والحَديثِ، ولا يُسامِيه قائِلٌ، ولا يُدانِيه كاتِبٌ (٣).
وعن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: أُريتُ في المَنامِ كأنَّ آتٍ أَتانِي، فحمَلَ كُتبِي، وبثَّها في الهَواءِ، فتَطايرَت، فاستَعبَرتُ بعضَ المُعبِّرينَ، فقالَ: إِنْ صدَقَت رُؤياكَ، لَم يَبقَ بلدٌ مِنْ بُلدانِ الإِسلامِ إِلا ودخَلَه عِلمُك (٤).