← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رابعًا: «مُسنَد» يَضمُّ الأَحاديثَ التي جمَعَها أَبو العَباسِ بنُ مُحمدِ بنِ يَعقوبَ الأَصمُّ، من مُؤلفاتٍ مُختلفةٍ، وطُبعَ على هامِشِ كِتابِ «الأمّ». خامسًا: «اختِلاف الحَديث» وطُبعَ على هامِشِ كِتابِ «الأمّ». سادسًا: «العَقيدة». سابعًا: «أُصول الدِّين، ومَسائِل السُّنة». ثامنًا: «أَحكام القُرآن» وحقَّقَه العَطارُ في جُزأينِ. تاسعًا: «مَسائِل في الفِقهِ، سأَلها أَبو يُوسفَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ للشافِعيِّ، وأَجوبَتها». عاشرًا: «كتاب السَّبق والرَّمي». حادِي عشَرَ: «وَصيَّة». ثانِي عشَرَ: «الفِقه الأَكبَر» وطُبعَ في القاهِرةِ ١٩٠٠ م (١). ونَختمُ هذا الفَصلَ بكَلمتينِ: أحدُهما: للشافِعيِّ ﵀، ممَّا يَدلُّ على صِدقِه وإِخلاصِه في هذه المُصنَّفاتِ، والثانِيةُ: لإِسحاقَ بنِ راهَويهِ. أما الأُولَى: فقد رَوى البَيهقيُّ بسَندِه إلى رَبيعِ بنِ سُليمانَ، قالَ: سمِعتُ الشافِعيَّ يَقولُ: ودِدتُ أنَّ الناسَ أو الخَلقَ تَعلَّموا هذا (يَعني كُتبَه) على أنَّ لا يُنسبَ إليَّ منه شيءٌ (٢).

стр. 72

والثانِيةُ: عن مُحمدِ بنِ إِسحاقَ بنِ راهَويهِ قالَ: سمِعتُ أَبي، وسُئلَ: كيف وضَعَ الشافِعيُّ هذه الكُتبَ كلَّها، ولم يَكنْ بكَبيرِ السنِّ؟ فقالَ: عجَّلَ اللهُ له عَقلَه لقلَّةِ عُمرِه (١). ١١ - دُررٌ مِنْ أَقوالِه، ونُتفٌ مِنْ أَشعارِه: قالَ الشافِعيُّ ﵀: * طَلبُ العِلمِ أَفضَلُ من صَلاةِ النَّافلةِ. * زِينةُ العِلمِ الوَرعُ والحِلمُ. * لا عَيبَ بالعُلماءِ أَقبَحَ مِنْ رَغبتِهم فيما زهَّدَهم اللهُ فيه، وزُهدِهم فيما رغَّبَهم فيه. * ليسَ العِلمُ ما حُفظَ، العِلمُ ما نفَعَ. * مَنْ غلبَتْه الشَّهوةُ للدُّنيا، لزِمَتْه العُبوديةُ لأَهلِها. * ومَن رضِيَ بالقُنوعِ، زالَ عنه الخُضوعُ. * ولو علِمتُ أنَّ شُربَ الماءِ الباردِ يُنقِصُ مُروءَتي لَمَا شرِبتُه، ولو كنتُ اليومَ ممَّن يَقولُ الشِّعرَ لرَثيتُ المُروءةَ. * للمُروءةِ أرَبعةُ أَركانٍ: حُسنُ الخُلقِ، والسَّخاءُ، والتَّواضعُ، والنُّسكُ. * المُروءةُ: عِفةُ الجَوارحِ عمَّا لا يَعنِيها. * ليسَ بأَخيكَ مَنْ احتَجتَ إلى مُدارتِه.

стр. 73

* مَنْ صدَقَ في أُخوةِ أخِيه قبِلَ عِللَه، وسدَّ خَللَه، وغفَرَ زَللَه. * ليسَ سُرورٌ يَعدِلُ صُحبةَ الإِخوانِ، ولا غمٌّ يَعدِلُ فِراقَهم. * الشَّفاعاتُ زَكاةُ المُروءاتِ. * مَنْ صدَقَ اللهَ نَجا، ومَنْ أَشفَقَ على دِينِه سلِمَ مِنْ الرَّدى، ومَن زهِدَ في الدُّنيا قرَّت عَيناهُ بما يَراه مِنْ ثَوابِ اللهِ غدًا. * وقالَ لأخٍ له في اللهِ تَعالى يَعظُه ويُخوِّفُه: يا أَخي، إنَّ الدُّنيا دَحضُ مَزلةٍ، ودَارُ مَذلةٍ! عُمرانُها إلى الخَرابِ صائِرٌ، وساكِنُها للقُبورِ زائرٌ، شَملُها على الفُرقةِ مَوقوفٌ، وغِناها إلى الفَقرِ مَصروفٌ، والإِكثارُ فيها إِعسارٌ، والإِعسارُ فيها يَسارٌ، فافزَعْ إلى الله وارْضَ برِزقِ اللهِ تَعالى، ولا تَستلَفْ من دارِ بقائِك في دارِ فنائِك، فإنَّ عيشَك فَيءٌ زائِلٌ، وجِدارٌ مائِلٌ، أَكثِرْ مِنْ عَملِك، وقَصِّرْ في أَملِك (١). وقالَ ﵀: الشِّعرُ كَلامٌ حَسنُه كحُسنِ الكَلامِ، وقَبيحُه كقَبيحِ الكَلامِ، غيرَ أنَّه كَلامٌ باقٍ سائِرٌ، فذلك فَضلُه على سائِرِ الكَلامِ (٢). دخَلَ رَجلٌ على الشافِعيِّ، وهو مُتسَلقٍ على ظَهرِه، فقالَ: إنَّ أَصحابَ أَبي حَنيفةَ الفُصحاء، قالَ: فاستَوى الشافِعيُّ جالِسًا، وأنشَأَ يَقولُ:

стр. 74

فلَولا الشِّعرُ بالعُلماءِ يُزرِي … لكُنتُ اليَومَ أَشعَرَ مِنْ لَبيدِ وأَشجَعَ في الوَغى مِنْ كلِّ لَيثٍ … وآلِ مُهلَّبٍ وبَني يَزيدِ ولَولا خشيةُ الرَّحمنِ ربِّي … حَسبتُ الناسَ كلَّهمُ عَبيدِي (١) ومِن أَشعارِه ﵀: لا تَأسَ فِي الدُّنيا على فائِتٍ … وعندَك الإِسلامُ والعافِيَهْ إنْ فاتَ أَمرٌ كنتَ تَسعَى لهُ … ففيهِما مِنْ فائِتٍ كافِيَهْ ومنها: أمَتُّ مَطامِعي وأَرحْتُ نَفسِي … فإنَّ النَّفسَ ما طمِعَت تَهونُ وأَحيَيتُ القُنوعَ وكانَ مَيتًا … ففي إِحيائِهِ عَرضٌ مَصونُ (٢) ومنها: يا راكِبًا قِفْ بالمُحصّبِ مِنْ منًى … واهتِفْ بقاعِد خَيفِها والناهِضِ سَحرًا إذا فاضَ الحَجيجُ إلى منًى … فَيضًا كمُلتطِمِ الفُراتِ الغائِضِ إنْ كانَ رَفضًا حبُ آلِ مُحمدٍ … فلَيشَهدِ الثَّقلانِ أنِّي رافِضي وإنَّما قالَ هذه الأَبياتَ، حينَ نسَبَه الخَوارجُ إلى الرَّفضِ حَسدًا وبَغيًا. وقالَ البَيهقيُّ: وقد رَوينا عن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلَى: أنَّ الشافِعيَّ كانَ إذا ذكَرَ الرَّافضةَ، عابَهم أَشدَّ العَيبَ، ويَقولُ: شرُّ عِصابةٍ (٣).

стр. 75

وعن الرَّبيعِ قالَ: لما دخَلَ الشافِعيُّ مَصرَ، أَولَ قُدومِه إليها، جَفاه الناسُ، فلَم يَجلِسوا إليه، فقالَ له بعضُ من قدِمَ معَه: لو قلتَ شيئًا، يَجتمِعُ إِليك به الناسُ، قالَ: إِليك عني، وقال: أأَنثرُ دُرًّا بينَ سارِحةِ النَّعمْ … وأَنظِمُ مَنثورًا لرَاعيةِ الغَنمْ؟ لعَمري لِئن ضُيعَّتُ في شرِّ بَلدةٍ … فلَستُ مُضيعاً فيهمُ غُررَ الكلِمْ لَئنْ سهَّلَ اللَّهُ العَزيزُ بلُطفِه … وصادَفتُ أَهلًا للعُلومِ وللحِكمْ بثَثتُ مُفيدًا واستفَدتُ وِدادَهم … وإلا فمَخزونٌ لديَّ ومُكتتَمْ ومَن منَحَ الجُهالَ عِلماً أضَاعَه … ومَن منَعَ المُستَوجِبينَ فقَد ظلَمْ (١) ومِن أَشعارِه: النَّاسُ بالنَّاسِ ما دامَ الحَياةُ بِهمْ … والسَّعدُ لا شكَّ تاراتٌ وتاراتٌ وأَفضَلُ النَّاسِ ما بينَ الوَرى رَجلٌ … تُقضَى على يدِه للنَّاسِ حاجاتُ لا تَمنَعنَّ يدَ المَعروفِ عَنْ أَحدٍ … ما دُمتَ مُقتدِرًا فالسَّعدُ تاراتُ واشكُرْ فَضائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جُعلَتْ … إلَيكَ لا لكَ عندَ النَّاسِ حاجاتُ قَدْ ماتَ قَومٌ وما ماتَتْ مَكارمُهمْ … وعاشَ قَومٌ وهُمْ في النَّاسِ أَمواتُ ومِن أَشعارِه: إنَّ الطَّبيبَ بطِبِّه ودَوائهِ … لا يَستطيعُ دفاعَ مَكروهٍ أَتى

стр. 76

ما للطَّبيبِ يَموتُ بالدَّاءِ الذي … قد كانَ يُبْرئُ مثلَه فيما مَضى هلَكَ المُداوَى والمُداوِي والذي … جلَبَ الدَّواءَ وباعَه ومَن اشتَرى (١) ١٢ - وَصيُّتُه ﵀: قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: قُرئَ على مُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ ﵀ وأنا حاضرُ هذا الكِتابِ. كتَبَه مُحمدُ بنُ إِدريسَ بنِ العاصِ الشافِعيُّ في شَعبانَ سَنةَ ثَلاثٍ ومِائتينِ، وأُشهدُ اللهَ عالِمَ خائنَةِ الأَعينِ وما تُخفِي الصُّدورِ، وكَفى به -جلَّ ثَناؤُه- شَهيدًا، ثم من سمِعَه: أنَّه يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحمدًا عبدُه ورَسولُه ﷺ ، لم يَزلْ يَدينُ بذلك، وبه يَدينُ حتى يَتوفَّاه اللهُ تَعالى ويَبعثُه عليه، -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- وأنَّه يُوصي نَفسَه وجَماعةَ مَنْ سمِعَ وَصيتَه، بإِحلالِ ما أَحلَّ اللهُ ﵎، في كِتابِه، ثم على لِسانِ نَبيهِ ﷺ وتَحريمِ ما حرَّمَ اللهُ في الكِتابِ، ثم في السُّنةِ، ولا يُجاوِزوا من ذلك إلى غيرِه؛ -فإنَّ مُجاوزَتَه تَركُ فَرضِ اللهِ- وتَركِ ما خالَفَ الكِتابَ والسُّنةِ، وهما المُحدثاتُ، والمُحافَظةِ على أَداءِ فَرائضِ اللهِ، في القَولِ والعَملِ، والكَفِّ عن مَحارمِه خَوفًا للهِ ، وكَثرةِ ذِكرِ الوُقوفِ بينَ يدَي ربِّه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].

стр. 77

وأنْ يَنزلَ الدُّنيا حيثُ أنَزلَها اللهُ فإنَّه لم يَجعَلْها دارَ مَقامٍ، إلا مَقامَ مُدةٍ عاجِلةِ الانقِطاعِ، وإنَّما جعَلَها دارَ عَملٍ، وجعَلَ الآخرةَ دارَ قَرارٍ، وجَزاءً بما عمِلَ في الدُّنيا؟ من خيرٍ أو شرٍّ، إن لَم يَعفُ اللهُ -جلَّ ثَناؤُه- وألَّا تُخالِلَ أحدًا، إلا أحدًا تُخالِلهُ للهِ ممَّن يَعقِلُ الخُلةَ للهِ ﵎ ويُرجى منه إِفادةُ عِلمٍ ودِينٍ، وحُسنِ أَدبٍ في دُنيا، وأنْ يَعرفَ المَرءُ زَمانَه، ويَرغبَ إلى اللهِ -تعالى- في الخَلاصِ من شرِّ نَفسِه فيه، ويُمسِكَ عن الإِسرافِ بقَولٍ أو فِعلٍ، في أَمرٍ لا يَلزمُه وأنْ يُخلِصَ النِّيةَ للهِ -تَعالى- فيما قالَ وعمِلَ؛ فإنَّ اللهَ يَكفِيه ممَّا سِواه ولا يَكفِي منه شيءٌ غيرُه، وأَوصَى متى حدَثَ به المَوتُ الذي كتَبَه اللهُ على خَلقِه، الذي أَسألُ اللهَ العَونَ عليه، وعلى ما بعدَه، وكِفايةَ كلِّ همٍّ لي، دونَ الجَنةِ برَحمتِه. ولَم يُغيِّرْ وَصيتَه هذه. فذكَرَ الوَصيةَ في أُمورِ مَماليكِه، وأَولادِه، وصِفتِه، وغيرِها، وقالَ في آخرِها: ومُحمدُ بنُ إِدريسَ يَسألُ اللهَ القادِرَ على ما يَشاءُ أنْ يُصلِّيَ على مُحمدٍ عبدِه ورَسولِه، وأنْ يَرحمَه؛ فإنَّه فَقيرٌ إلى رَحمتِه، وأنْ يُجيرَه مِنْ النارِ، فإنَّه غَنيٌّ عن عَذابِه، وأنْ يُخلِفَه في جَميعِ ما خلَفَ، بأَفضَلَ ما خلَفَ به أحدًا مِنْ المُؤمِنينَ، وأنْ يَكفِيَهم فَقدَه، ويَجبُرَ مُصيبتَهم بعدَه، وأنْ يَقيَهم مَعاصِيَه، وإِتيانَ ما يَقبُحُ بهم، والحاجةَ إلى أحدٍ من خَلقِه بقُدرتِه (١).

стр. 78

١٣ - مَرضُه ووَفاتُه ﵀: قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: أَقامَ الشافِعيُّ ههُنا أرَبعَ سَنواتِ، فأَملَى أَلفًا وخَمسَمائةِ وَرقةٍ. وأخرَجَ كِتابَ «الأم» أَلفَي وَرقةٍ. وكِتابَ «السنة» وأَشياءَ كَثيرةً كلُّها في أرَبعِ سِنينَ. وكانَ عَليلًا، شَديدَ العلَّةِ، فكانَ ربَّما يَخرجُ الدَّمُ منه، وهو راكِبٌ، حتى تَمتلِئُ سَراويلُه ومَركَبُه وخُفُّه (١). وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: ما رَأيتُ أحدًا، لقِيَ من السُّقمِ، ما لقِيَ الشافِعيُّ، فدخَلتُ عليه يومًا، فقالَ لي: يا أَبا موسَى، اقرَأْ عليَّ ما بعدَ العِشرينَ والمِائةِ مِنْ آلِ عِمرانَ، وأخِفَّ القِراءةَ، ولا تُثقِلْ، فقَرأتُ عليه، فلمَّا أرَدتُ القِيامَ قالَ: لا تَغفَلْ عنِّي؛ فإنِّي مَكروبٌ، قالَ يُونسُ: عنَى الشافِعيُّ ﵁ بقِراءتِي بعدَ العِشرينَ والمائةِ ما لقِيَ النَّبيُّ ﷺ وأَصحابُه أو نحوُه (٢). وعن الرَّبيعِ قالَ: دخَلَ المُزنِيُّ على الشافِعيِّ، في مَرضِه الذي ماتَ فيه، فقالَ له كيف أَصبَحتَ يا أُستاذُ؟ فقالَ: أَصبَحتُ من الدُّنيا راحِلًا، ولإِخوانِي مُفارقًا، ولكَأسِ المَنيةِ شارِبًا، وعلى اللهِ وارِدًا، ولسُوءِ أَعمالِي مُلاقيًا، ثم رَمى بطَرفِه نحوَ السَّماءِ، واستَعبَرَ، ثم أنشَأَ يَقولُ:

стр. 79

إِليكَ إلهَ الخَلقِ أَرفَعُ رَغبتِي … وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجُودِ مُجرِمًا ولمَّا قَسى قَلبِي وضاقَتْ مَذاهبِي … جعَلتُ الرَّجا منِّي لعَفوِكَ سُلمَا تَعاظَمنِي ذَنبي فلَّما قَرنتُه … بعَفوكَ ربِّي كانَ عَفوُك أَعظمَا فما زِلتَ ذا عَفوٍ عن الذَّنبِ لَم تَزلْ … تَجودُ وتَعفُو مِنةً وتَكرُّمَا فلَولاكَ لم يَصمُدْ لإِبليسَ عابِدٌ … فكيفَ وقد أَغوَى صَفيَّك آدمَا فإنْ تَعفُ عنِّي تَعفُ عن مُتمرِّدٍ … ظَلومٍ غَشومٍ لا يَزايلُ مَأثمًا وإن تَنتقِمْ مني فلَستُ بآيسٍ … ولو أَدخَلوا نَفسِي بجُرمٍ جَهنَّما فجُرمِي عَظِيمٌ مِنْ قَديمٍ وحَادثٍ … وعَفوُك يا ذا العَفوِ أَعلَى وأَجسَمَا (١) قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: لمَّا كانَ معَ المَغربِ، لَيلةَ ماتَ الشافِعيُّ، قالَ له ابنُ عمِّه ابنُ يَعقوبَ: نَنزِلُ نُصلِّي؟ قالَ: تَجلِسونَ تَنتظِرونَ خُروجَ نَفسِي؟ فنزَلْنا ثم صعِدْنا فقُلنا: صلَّيْنا أصلَحَك اللهُ، قالَ: نَعمْ فاستَسقَى -وكانَ شِتاءً- فقالَ له ابنُ عمِّه: أَمزُجُه بالماءِ المُسخَّنِ؟ فقالَ له الشافِعيُّ ﵀: لا، بلْ برُبِّ السَّفرجَلِ، وتُوفِّي معَ العِشاءِ الآخِرةِ رَحمةُ اللهِ عليه (٢). قالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ: تُوفِّي الشافِعيُّ ﵀ و ﵁ لَيلةَ الجمُعةِ بعدَ المَغربِ وأنا عندَه، ودُفنَ يومَ الجمُعةِ بعدَ العَصرِ آخرَ يومٍ مِنْ رَجبٍ،

стр. 80

وانصرَفْنا مِنْ جِنازتِه، ورأَيْنا هِلالَ شَعبانَ، سَنةَ أرَبعٍ ومِائتَينِ (١) وهو ابنُ أَربعٍ وخَمسينَ سَنةً. وعن أَبي زَكريَّا -يَعني الأَعرَج- قالَ: سمِعتُ الرَّبيعَ يَقولُ: رَأيتُ في المَنامِ، أنَّ آدمَ ماتَ ﷺ ويُريدونَ أنْ يَخرُجوا بجِنازتِه، فلمَّا أَصبَحتُ، سأَلتُ بعضَ أَهلِ العِلمِ، عن ذلك فقالَ: هذا مَوتُ أَعلمِ أَهلِ الأَرضِ؛ إنَّ اللهَ علَّمَ آدمَ الأَسماءَ كلَّها، فما كانَ إِلا يَسيرًا حتى ماتَ الشافِعيُّ ﵀ (٢). وغرَبَت بذلك شَمسُ حَياتِه الدُّنيويةِ، ولكنَّ مَحبةَ هذا الإِمامِ وبَركةَ عِلمِه ومُصنَّفاتِه تَملأُ طِباقَ الأَرضِ، فما مِنْ صاحِبِ مَحبرةٍ، إلا وللشافِعيِّ عليه مِنةٌ، فنَسألُ اللهَ أنْ يَغفرَ لنا وله، وأنْ يَمنَّ علَينا وعليه بأَعلَى الدَّرجاتِ، واللهُ يَغفِرُ لنا تَقصيرَنا في تَرجمتِه، ويُمتِّعُنا في الآخرَةِ بصُحبتِه، ويُدخِلُنا وإِياهُ في فَسيحِ جَناتِه. وهذا أَوانُ تَركِ القَلمِ في تَرجمةِ هذا العلَمِ، والقُلوبُ بعدُ مُشتاقةٌ إلى صُحبتِه، والتَّمتعِ بكَمالِ عَقلِه، ووُفور فِطنتِه، وبَركةِ كَلماتِه، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على المَبعوثِ رَحمةً للعالَمينَ، وآل بَيتِه الطِّيبينَ، وأَصحابِه الغُرِّ المَيامينِ، وآخرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.

стр. 81

رابِعًا: إِمامُ أهلِ السُّنةِ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ: هذه السِّلسلةُ المُباركةُ «من أَعلامِ السَّلفِ» المَقصودُ بها تَربيةُ جيلِ الصَّحوةِ المُباركةِ، على أَخلاقِ العُلماءِ الأَعلامِ، والأئِمةِ الكِرامِ؛ حيث يَصحَبُ القارئَ الكَريمَ في كلِّ تَرجمةٍ عَلَمٌ من هؤلاء الأَعلامِ، يَرى زُهدَه، ووَرَعَه، وأَخلاقَه، ونَزاهَته، وصَبْرَه على دِينِ اللهِ، وبَذلَه لإِعزازِه، فصارَت لهم بذلك اليَدُ البَيضاءُ على الأُمةِ، إلى أنْ يَقومَ الناسُ لرَبِّ العالَمينَ، وتاريخُ الإِسلامِ غَنيٌّ زاخِرٌ بهذه الأَمثلةِ الرائِعةِ، والقِممِ الشامِخةِ، نَسألُ اللهَ أنْ يُميتَنا على حُبِّهم، وأنْ يَحشُرَنا في جَمعِهم. والعَلمُ الذي نَرفعُه اليَومَ، والإِمامُ الذي نَتشرَّفُ بتَرجمتِه؛ كما قالَ بعضُ العُلماءِ: كادَ أنْ يَكونَ إِمامًا في بَطنِ أُمِّه؛ إنَّه الذي أخبَرَ عنه الشافِعيُّ ﵀ فقالَ: رَأيتُ شابًّا ببَغدادَ، إذا قالَ: حدَّثَنا، قالَ الناسُ: صدَقَ، إنَّه الإمامُ الذي دخَلَ الكِيرَ، فخرَجَ ذَهبًا أَحمَرَ، وعُرضَت عليه الدُّنيا فأَباها، والبِدعةُ فنَفاها. قالَ بَعضُهم: لولا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ لصارَ الناسُ كلُّهم مُعتزلةً، قيلَ لبِشرٍ الحافي: لماذا لا تَخرجُ فتَقولُ كما قالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ؟ فقالَ: أتُريدونَ أنْ أَقومَ مَقامَ الأَنبياءِ؟ إنَّه العالِمُ العابِدُ الفَقيهُ الزاهِدُ، الصابِرُ في المِحنةِ، إمامُ أهلِ السُّنةِ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، وما أَحوجَ الطُّلابَ، والعُلماءَ، والدُّعاةَ إلى مَعرفةِ أَخبارِه، في أَزمنةٍ أطَلَّت فيها رُؤوسُ الفِتنِ، وكثُرَت فيها الإِحنُ والمِحنُ، وظهَرَ فيها العَلمانيونَ، والمُنافِقونَ، يُريدونَ أنْ يَنالوا من الإِسلامِ

стр. 82

وأهلِه، فلا يَكفي مَنْ يَرجو اللهَ، واليَومَ الآخِرَ، أنْ يَجتهدَ في العِبادةِ، وطَلبِ العِلمِ النافِعِ، حتى يَضمَّ إلى ذلك البَذلَ لإِعزازِ الدِّينِ، والجَهرَ بكَلمةِ الحَقِّ؛ حتى تَعلوَ رايةُ المُسلِمينَ. فقد تعرَّضَ الإمامُ للفِتنةِ من أربَعةٍ من الخُلفاءِ، وهُم: المَأمونُ، والمُعتصمُ، والواثِقُ، والمُتوكلُ، وقد كانَت الأُمةُ قبلَ ذلك تَرتفعُ فيها رايةُ أهلِ السُّنةِ إلى عَهدِ الخَليفةِ هارونَ الرَّشيدِ ﵀ فكانَ أهلُ البِدعِ يَستخِفُّونَ ببِدعتِهم، ولا يَجهَرونَ بباطِلِهم، حتى مالَ المَأمونُ بنُ هارونَ الرَّشيدِ إلى مَقالةِ المُعتزلةِ، وحاوَلَ أنْ يُجبِرَ العُلماءَ والقُضاةَ على القَولِ بمَذهبِه الرَّديءِ، فأجابَه أكثَرُهم تَقيةً، وقُتلَ مَنْ قُتلَ في المِحنةِ، ووقَفَ الإمامُ أَحمدُ مَوقفًا لا يَستطيعُه إلا نَبيٌّ، وقَفَ كأنَّه جَبلٌ شامِخٌ، تَكسَّرت عليه المِحنُ، وانهَزمَت على قَدمَيه الفِتنُ. ولمَّا هلَكَ المَأمونُ، تَبعَه المُعتصمُ، فجلَدَ الإمامَ، وحبَسَه ثَمانيةً وعِشرينَ شَهرًا، على أنْ يَلينَ، وكانَت له المَنزلةُ والمَكانةُ في قُلوبِ المُسلِمينَ، ما إنْ مالَ عن الحَقِّ، زلَّت بزَلَّتِه عالَمٌ لا يُحصَوْن من كَثرةٍ، وهَيَّأ اللهُ له أَسبابَ الثَّباتِ، فقالَ له بَعضُهم: ما عليكَ أنْ تَموتَ ههنا، فتَدخلَ الجَنةَ، وقالَ بعضُهم: إنْ عِشتَ عِشتَ حَميدًا، وإنْ مِتَّ مِتَّ شَهيدًا، فثبَتَ على الحَقِّ، حتى هلَكَ المُعتصمُ، ومِن بعدِه الواثِقُ، ثم أشرَقَت عليه خِلافةُ المُتوكِّلِ، وكان من أهلِ السُّنةِ، فرُفعَت أعلامُ السُّنةِ، ونُكِّسَت أَعلامُ البِدعةِ، وأهلَكَ اللهُ كلَّ مَنْ شارَكَ في المِحنةِ، ولكنَّ الإمامَ لم يَسلَمْ

стр. 83

في زَمنِ المُتوكلِ من الفِتنةِ، ولكنَّها فِتنةٌ من نَوعٍ جَديدٍ، إنَّها فِتنةُ الدُّنيا، فِتنةُ المالِ، والجاهِ، والدُّخولِ على السُّلطانِ، فقد حاوَلَ المُتوكلُ أنْ يُغدقَ على الإمامِ الأَموالَ، ولكنَّ إمامَنا، وعالِمَنا لم تُرهِبْه السِّياطُ والتَّعذيبُ، ولم يَجذِبْه بَريقُ المالِ، والسُّلطانِ، فقالَ: أسلَمُ من هؤلاء ستِّينَ سَنةً، ثم أُبتَلى بهم؟! فما قبِلَ من ذلك شَيئًا، وعاشَ بَقيةَ عُمرِه زاهِدًا في الدُّنيا، راغِبًا في الآخِرةِ، فازدادَ ارتِفاعًا في قُلوبِ الخَلقِ، وكان له أكبَرُ الأثرِ في عُلماءِ عَصرِه، ومِن بعدِ عَصرِه، فنشأت مَدرسةٌ هي مَدرسةُ الحَنابِلةِ، إِمامُها أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فللهِ دَرُّه! على اللهِ تَعالى أَجرُه، ونحن في ذَيلِ الزَّمانِ نَسمعُ أخبارَه، فتَمتَلئُ قُلوبُنا رَوعةً ومَحبةً له، فكيف بمَن عاصَروه، وشاهَدوا عِلمَه، وزُهدَه، وصَبْرَه، وليسَ الخبَرُ كالعَيانِ. وقبلَ أنْ نضَعَ القَلمَ في التَّقديمِ لهذا العَلمِ نَسألُ اللهَ أنْ يَنفعَ بهذه الكَلماتِ مَنْ قرَأَها، وأنْ يُقرِّبَنا بها من هؤلاء الأَعلامِ، وأنْ يَفتحَ علينا وعلى المُسلِمينَ، كما فتَحَ عليهم في الدِّينِ، وأنْ يَرزُقَنا بِرَّها، وذُخرَها يَومَ العَرضِ على رَبِّ العالَمين، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على مُحمدٍ وآلِه الطَّيِّبينَ، وأَصحابِه الغُرِّ المَيامينِ، والحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ. ١ - اسمُه ومَولِدُه وصِفَتُه: اسمُه: هو الإمامُ أبو عبدِ اللهِ أَحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنبلِ بنِ هِلالِ بنِ أسدِ بنِ إِدريسَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَيَّانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أنَسِ بنِ عَوفِ بنِ قاسِطِ بنِ مازِنِ بنِ شَيبانَ بنِ ذُهلِ بنِ ثَعلبةَ بنِ عُكابةَ بنِ صَعبِ بنِ عليِّ بنِ بَكرِ بنِ

стр. 84

وائِلِ بنِ قاسِطِ بنِ قُصَيِّ بنِ دُعميِّ بنِ جَديلةَ بنِ أسدِ بنِ رَبيعةَ بنِ نَزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدنانَ. وهذا النَّسبُ فيه مَنقبةٌ عَظيمةٌ ورُتبةٌ جَليلةٌ من وَجهَينِ: أحدُهما: حيث يُلاقي فيه نَسبَ رَسولِ اللهِ ﷺ في نَزارٍ؛ لأنَّ نَزارًا كانَ له أربَعةُ أَولادٍ، منهم مُضَرٌ ونَبيُّنا ﷺ من وَلدِه، ومنهم رَبيعةُ، وإمامُنا أبو عَبدِ اللهِ أَحمدُ من وَلدِه. والوَجهُ الثاني: أنَّه عَربيٌّ صَحيحُ النَّسبِ. مَولِدُه: حمَلَت به أُمُّه بمَروَ، وقدِمَت بَغدادَ وهي حامِلٌ به، فوَلدَته في شَهرِ رَبيعٍ الأولِ عامَ أربَعةٍ وسِتِّينَ ومِئةٍ، وكانَ أَبوه محمدٌ واليَ سَرخَسَ، وكانَ من أَبناءِ الدَّعوةِ العَباسيةِ، تُوفِّيَ وله ثَلاثونَ سَنةً، وكانَت وَفاتُه في عامِ تِسعةٍ وسَبعينَ ومِئةٍ (١). صِفتُه ﵀: قالَ ابنُ ذَرِيجٍ العُكبَريُّ: طلَبتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فسلَّمتُ عليه، وكانَ شَيخُنا مَخضوبًا، طِوالًا، أَسمَرَ شَديدَ السُّمرةِ. وعن مُحمدِ بنِ عَباسٍ النَّحويِّ قالَ: رَأيتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، حَسنَ الوَجهِ رِبعةً، يُخضِّبُ بالحِناءِ خِضابًا ليسَ بالقانِي، في لِحيتِه شَعراتٌ سُودٌ، ورَأيتُ ثيابَه غِلاظًا بِيضًا، ورَأيتُه مُعتَمًّا، وعليه إِزارٌ (٢).

стр. 85

وقالَ المَيمونِيُّ: ما أعلَمُ أنِّي رَأيتُ أحدًا أنظَفَ ثَوبًا، ولا أشَدَّ تَعاهدًا لنَفسِه في شارِبِه، وشَعرِ رأسِه، وبَدنِه، ولا أَنقى ثَوبًا من أَحمدَ بنِ حَنبلٍ (١). ٢ - ابتِدَاءُ طَلَبِه للعِلمِ ورِحْلاتِه ﵀: قالَ أبو نُعيمٍ: قالَ أبو الفَضلِ: قالَ أبي: طلَبتُ الحَديثَ وأنا ابنُ سِتَّ عَشرةَ سَنةً، وماتَ هُشيمٌ وأنا ابنُ عِشرينَ سَنةً، وأوَّلُ سَماعي من هُشيمٍ سَنةَ تِسعٍ وسَبعينَ، وكانَ ابنُ المُباركِ قدِمَ في هذه السَّنةِ، وهي آخِرُ قَدمةٍ قدِمَها، فذهَبتُ إلى مَجلسِه فقالوا: خرَجَ إلى طَرطوسَ، وتُوفِّيَ سَنةَ إِحدى وثَمانينَ (٢). وقالَ العُلَيميُّ ما مُلخَّصُه: وكانَت لَوائحُ النَّجابةِ تَظهرُ منه زَمنَ الصِّبا، وكانَ حِفظُه للعِلمِ من ذلك الزَّمانِ غَزيرًا، وعِلمُه به مُتوافِرًا، وربَّما كانَ يُريدُ البُكورَ في الحَديثِ، فتَأخذُ أمُّه بثِيابِه، فتَقولُ: حتى يُؤذِنَ الناسُ، أو حتى يُصبِحوا، وسافَرَ في طَلبِ العِلمِ أَسفارًا كَثيرةً إلى البِلادِ، والكُوفةِ، والبَصرةِ، والحِجازِ، ومَكةَ، والمَدينةِ، واليَمنِ، والشامِ، والثُّغورِ، والسَّواحلِ، والمَغربِ، والجَزائرِ، والفُراتَينِ جَميعًا، وأرضِ فارِسَ، وبَلدِ خُراسانَ، والجِبالِ، والأَطرافِ، وغيرِ ذلك. ثم رجَعَ إلى بَغدادَ، وسادَ أهلَ عَصرِه، ونصَرَ اللهُ به دِينَه، وصارَ أحَدَ

стр. 86

الأَعلامِ، وأئِمةِ الإسلامِ. طلَبَ الحَديثَ، وهو ابنُ سِتَّ عَشرةَ سَنةً، وخرَجَ إلى الكُوفةِ عامَ ماتَ هُشيمٌ؛ عامَ ثَلاثةٍ وثَمانينَ ومِئةٍ، وهو أوَّلُ سَفرٍ، وخرَجَ إلى البَصرةِ عامَ سِتةٍ وثَمانينَ، وخرَجَ إلى سُفيانَ بنِ عُيَينةَ إلى مَكةَ عامَ سَبعةٍ وثَمانينَ، وقد ماتَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ، وهو أولُ عامٍ حَجَّ فيه، وخرَجَ إلى عبدِ الرَّازقِ بصَنعاءَ اليَمنِ، عامَ سَبعةٍ وتِسعينَ، ورافَقَ يَحيى بنَ مَعينٍ. قالَ يَحيى: فلمَّا خرَجنا إلى عبدِ الرازقِ، إلى اليَمنِ، حجَجْنا، فبَيْنا أنا بالطَّوافِ إذا بعَبدِ الرازقِ في الطَّوافِ، فسلَّمتُ عليه، وقُلتُ له: هذا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فقالَ: حَيَّاه اللهُ وثبَّتَه، فإنَّه بلَغَني عنه كلُّ جَميلٍ. فقُلتُ لأَحمدَ: قد قرَّبَ اللهُ خُطانا، ووفَّرَ علينا النَّفقةَ، وأَراحَنا من مَسيرةِ شَهرٍ، فقالَ: إنِّي نَويتُ ببَغدادَ أنْ أسمَعَ عنه بصَنعاءَ، واللهِ لا غيَّرتُ نِيَّتي، فخرَجنا إلى صَنعاءَ فنَفِدت نَفقتُه، فعرَضَ علينا عبدُ الرازقِ دَراهمَ كَثيرةً، فلم يَقبَلْها، فقالَ: على وَجهِ القَرضِ، فأبَى وعرَضْنا عليه نَفقاتِنا، فلم يَقبَلْ، فاطَّلَعنا عليه وإذا هو به يَعمَلُ التكَّ (١) ويُفطرُ على ثَمنِها، واحتاجَ مَرةً، فأكرَى نَفسَه للجَمالِينَ، وحَجَّ خَمسَ حَجَّاتٍ، ثَلاثَ حِججٍ ماشيًا، واثنتَينِ راكِبًا، وأنفَقَ في بعضِ حَجَّاتِه عِشرينَ دِرهمًا. وكانَ من أَصحابِ الإِمامِ الشافِعيِّ وخَواصِّه، ولم يَزلْ يُصاحبُه إلى أن ارتحَلَ الشافِعيُّ إلى مِصرَ، وكانَ الشافِعيُّ يُجلُّه، ويُثني عليه ثَناءً حَسنًا.

стр. 87

قالَ حَرملةُ: سمِعتُ الشافِعيَّ ﵁ (١) يَقولُ عندَ قُدومِه إلى مِصرَ من العِراقِ: ما خلَّفتُ بالعِراقِ أحدًا يُشبهُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ (٢). وقالَ أَحمدُ الدَّورقيُّ: لمَّا قدِمَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، من عندِ عبدِ الرَّازقِ، رَأيتُ به شُحوبًا بمَكةَ، وقد تبيَّنَ عليه النَّصَبُ والتَّعبُ، فكلَّمتُه، فقالَ: هيِّنٌ فيما استَفَدناه من عبدِ الرازِقِ (٣). ٣ - ثَناءُ العُلَماءِ عليه ﵀: وهذا بَحرٌ لا يُدرَكُ قَعرُه، فلو تَتبَّعْنا أَقوالَ العُلماءِ في المَدحِ والثَّناءِ لطالَ الفَصلُ جِدًّا، فنَكتَفي بإِشاراتٍ، واللهُ يَغفرُ لنا تَقصيرَنا في حَقِّه. رَوى الخَطيبُ بسَندِه عن عليِّ بنِ المَدينيِّ قالَ: إنَّ اللهَ أعَزَّ هذا الدِّينَ برَجلَينِ ليسَ لهما ثالِثٌ: أَبو بَكرٍ الصِّديقُ يَومَ الرِّدةِ، وأَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَومَ المِحنةِ (٤). وقالَ الحُسينُ بنُ مُحمدِ بنِ حاتِمٍ؛ المَعروفُ بعُبيدٍ العِجلِ، عن مُهنَّا بنِ يَحيى الشاميِّ: ما رَأيتُ أحدًا أجمَعَ لكلِّ خيرٍ، من أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ولقد رَأيتُ سُفيانَ بنَ عُيَينةَ، ووَكيعًا، وعبدَ الرازقِ، وبَقيةَ بنَ الوَليدِ، وضَمرةَ بنَ

стр. 88

رَبيعةَ، وكَثيرًا من العُلماءِ، فما رَأيتُ مِثلَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ في عِلمِه وفِقهِه وزُهدِه ووَرعِه (١). وقالَ أبو يَعلى المَوصليُّ: سمِعتُ أحمدَ بنَ إِبراهيمَ الدَّورقيَّ يَقولُ: مَنْ سَمعتُموه يَذكرُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ بسُوءٍ، فاتَّهموه على الإِسلامِ (٢). وقالَ أبو جَعفرٍ مُحمدٌ المَوصليُّ: أنشدَنِي ابنُ أعيَنَ في أَحمدَ بنِ حَنبلٍ: أَضحى ابنُ حَنبلٍ مِحنةً مَأمونةً … وبحُبِّ أَحمدَ يُعرفُ المُتنسِّكُ وإذا رَأيتَ لأَحمدٍ مُتنقِّصًا … فاعلَمْ بأنَّ سُتورَه ستُهتَّكُ ورَوى أبو نُعيمٍ بسَندِه عن سَعيدِ بنِ الخَليلِ الخَزازِ: لو كانَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ في بَني إِسرائيلَ لَكانَ آيةً (٣). وقالَ المُزنِيُّ: قالَ لي الشافِعيُّ: رَأيتُ ببَغدادَ شابًّا إذا قالَ: حَدَّثنا، قالَ الناسُ كلُّهم: صدَقَ، قُلتُ: ومَن هو؟ قالَ: أَحمدُ بنُ حَنبلٍ (٤). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: قالَ أَصحابُ بِشرٍ الحافي له، حين ضُربَ أبي: لو أنَّك خرَجتَ فقُلتَ: إنِّي على قَولِ أَحمدَ، فقالَ: أتُريدونَ أنْ أَقومَ مَقامَ الأَنبياءِ (٥).

стр. 89

وقالَ إمامُ الأئِمةِ ابنُ خُزيمةَ: سمِعتُ مُحمدَ بنَ سَحتَوَيهِ، سمِعتُ أبا عُميرِ بنِ النَّحاسِ الرَّمليَّ، وذكَرَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فقالَ ﵀: «عن الدُّنيا ما كانَ أصبَرَه، وبالماضينَ ما كانَ أشبَهَه، وبالصالِحينَ ما كانَ ألحَقَه، عُرضَت له الدُّنيا فأباها، والبِدعُ فنَفاها» (١). وقالَ أبو داودَ: كانَت مَجالسُ أحمدَ مَجالسَ الآخِرةِ، لا يُذكرُ فيها شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا (٢). ورَوى الخَطيبُ بسَندِه عن أَحمدَ بنِ سَعيدٍ الدَّارِميِّ قالَ: ما رَأيتُ أسوَدَ الرأسِ، أحفَظَ لحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا أعلَمَ بفِقهٍ ومَعانيه، من أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ (٣). ورَوى بسَندِه أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: سمِعتُ أبا زَرعةَ الرازيَّ يَقولُ: كانَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَحفظُ ألفَ ألفِ حَديثٍ، فقيلَ له: وما يُدريكَ؟ قالَ: ذاكَرتُه فأخَذتُ عليه الأَبوابَ (٤). ورَوى أبو نُعَيمٍ بسَندِه عن خَلفِ بنِ سالِمٍ قالَ: كُنَّا في مَجلسِ يَزيدَ بنِ هارونَ، فمزَحَ يَزيدُ معَ مُستَمليه، فتنَحنَحَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فقالَ يَزيدُ: من تَنحنَحَ؟ فقيلَ له: أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، فضرَبَ بيَدِه على جَبينِه وقالَ: ألَا علَّمتُموني أنَّ أحمدَ ههنا حتى لا أمزَحَ؟ (٥).

стр. 90

ورَوى الخَطيبُ بسَندِه عن مُحمدِ بنِ الحُسينِ الأَنماطيِّ، قالَ: كُنا في مَجلسٍ فيه يَحيى بنِ مَعينٍ وأبو خَيثمةَ زُهيرُ بنُ حَربٍ، وجَماعةٌ من كِبارِ العُلماءِ، فجَعَلوا يُثنونَ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ويَذكرونَ فَضائِلَه، فقالَ رَجلٌ: لا تُكثِروا بَعضَ هذا القَولِ، فقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: وكَثرةُ الثَّناءِ على أَحمدَ ابنِ حَنبلٍ تُستنكَرُ؟ لو جلَسْنا بالثَّناءِ عليه، ما ذَكَرنا فَضائِلَه بكَمالِها (١). ٤ - زُهدُه ﵀: قالَ صالِحُ بنُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ: كانَ كَثيرًا ما يَأتدِمُ بالخَلِّ، وربَّما رأيتُه يأكُلُ الكِسَرَ، فيَنفُضُ الغُبارَ عنها، ثم يُصيِّرُها في قَصعةٍ، ويَصبُّ عليها الماءَ، حتى تَلينَ، ثم يَأكلُه بالمِلحِ، وما رأيتُه قَطُّ اشتَرى رُمَّانًا، ولا سَفَرجلًا، ولا شَيئًا من الفاكِهةِ، إلا أنْ يَشتريَ بِطيخةً، فيأكُلَها بالخُبزِ، أو عِنبًا، أو تَمرًا، فأمَّا غيرُ ذلك فما رأيتُه، وما اشتَراه، وكانَ ربَّما اشتَرَينا الشَّيءَ فنَستُرُه عنه، حتى لا يَرانا؛ فيُوبِّخَنا على ذلك (٢). قالَ صالِحٌ: ودخَلَ يَومًا إلى مَنزلي، وقد غيَّرنا سَقفًا لنا، فدَعاني ثم أَملى عليَّ حَديثَ الأَحنفِ بنِ قَيسٍ، قالَ: حَدَّثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ قالَ: حَدَّثنا حَمادُ بنُ سَلمةَ، عن يُونسَ، عن الحَسنِ، قالَ: قدِمَ الأَحنفُ بنُ قَيسٍ من سَفرٍ، وقد غُيِّرَ أسقُفُ بَيتِه بحُمرٍ وشَقائقَ وخَضَّروها، فقالوا له: أمَا تَرى

стр. 91

إلى سَقفِ بَيتِك؟ فقالَ: مَعذرةً إِليكم، إنِّي لم أرَه، لا أدخُلُه حتى تُغيِّروه (١). وعن موسى بنِ حَمادٍ البَربَريِّ قالَ: حُملَ إلى الحَسنِ بنِ عَبدِ العَزيزِ مِيراثُه من مِصرَ؛ مِئةُ ألفِ دِينارٍ، فحمَلَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ ثَلاثةَ أَكياسٍ؛ في كلِّ كِيسٍ ألفُ دِينارٍ، وقالَ: يا أَبا عبدِ اللهِ، هذه مِنْ مِيراثٍ حَلالٍ، فخُذها فاستَعِنْ بها على عانَتِك، قالَ: لا حاجةَ لي فيها، أنا في كِفايةٍ، فرَدَّها ولم يَقبلْ منه شَيئًا (٢). وقالَ إِسحاقُ بنُ هانِئٍ: بَكَّرت يَومًا؛ لأُعارضَ أَحمدَ بالزُّهدِ، فبَسَطت له حَصيرًا، ومَخدةً، فنظَرَ إلى الحَصيرِ والمَخدةِ فقالَ: ما هذا؟ قُلتُ: لتَجلسَ عليه، قالَ: ارفَعْه، الزُّهدُ لا يَحسُنُ إلا بالزُّهدِ، فرَفعتُه وجلَسَ على التُّرابِ (٣). ورَوى أبو نُعيمٍ بسَندِه عن صالِحِ بنِ أَحمدَ، قالَ: دَخلتُ على أَبي في أيامِ الواثِقِ -واللهُ يَعلمُ في أيِّ حالةٍ نحن-، وقد خرَجَ لصَلاةِ العَصرِ، وقد كانَ له لِبدٌ يَجلسُ عليها، قد أتَت عليها سِنونَ كَثيرةٌ، حتى قد بلِيَ، فإذا تحتَه كِتابُ كاغَدٍ، وإذا فيه: بُلِّغت يا أَبا عبدِ اللهِ ما أنت فيه من الضِّيقِ، وما عليك من الدَّينِ، وقد وجَّهتُ إِليك بأَربعةِ آلافِ دِرهمٍ، على يدَي فُلانٍ؛ لتَقضيَ دَينَك، وتُوسِّعَ بها على عِيالِك، وما هي من صَدقةٍ، ولا زَكاةٍ، وإنَّما هو

стр. 92

شَيءٌ وَرثتُه من أَبي، فقَرأتُ الكِتابَ، ووَضعتُه، فلمَّا دخَلَ قُلتُ: يا أبَتِ، ما هذا الكِتابُ؟ فاحمَرَّ وَجهُه، وقالَ: رَفَعتُه منك، ثم قالَ: تَذهبُ بجَوابِه، فكتَبَ إلى الرَّجلِ: وصَلَ كِتابُك إليَّ، ونحن في عافيةٍ، فأمَّا الدَّينُ فإنَّه لرَجلٍ لا يُرهِقُنا، وأمَّا عِيالُنا فهُم في نِعمةٍ، والحَمدُ للهِ، فذهَبَ بالكِتابِ إلى الرَّجلِ الذي كان أوصَلَ كِتابَ الرَّجلِ، فقالَ: وَيحَك، لو أنَّ أَبا عبدِ اللهِ قبِلَ هذا الشَّيءَ، ورَمى به في شَبكةٍ مَثلًا في الدِّجلةِ، كانَ مَأجورًا؛ لأنَّ هذا الرَّجلَ لا يُعرفُ له مَعروفٌ، فلمَّا كانَ بعدَ حِينٍ، ورَدَّ كِتابَ الرَّجلِ بمِثلِ ذلك، فرَدَّ عليه الجَوابَ بمِثلِ ما رَدَّ، فلمَّا مَضَت سَنةٌ، أو أقَلُّ، أو أكثَرُ، ذَكَرناها، فقالَ: لو كُنَّا قَبِلناها كانَت قد ذهَبَت (١). وعن عَبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بنِ حَفصٍ قالَ: نزَلْنا بمَكةَ دارًا، وكانَ فيها شَيخٌ يُكْنَى بأبي بَكرِ بن سَماعةَ، وكانَ من أهلِ مَكةَ، قالَ: نزَلَ علينا أَبو عبدِ اللهِ في هذه الدارِ، وأنا غُلامٌ، فقالَ: فقالَت لي أُمِّي: الزَمْ هذا الرَّجلَ فاخدُمْه، فإنَّه رَجلٌ صالِحٌ، فكُنتُ أخدُمه، وكانَ يَخرجُ يَطلُبُ الحَديثَ، فسُرقَ مَتاعُه، وقُماشُه، فجاءَ، فقالَت لي أُمِّي: دخَلَ عليك السُّراقُ، فسَرَقوا قُماشَك، فقالَ: ما فعَلتَ بالأَلواحِ؟ فقالَت له أُمِّي: في الطاقِ، وما سألَ عن شَيءٍ غيرِها (٢). عن الرَّماديِّ قالَ: سمِعتُ عبدَ الرَّزاقِ، وذكَرَ أَحمدَ، فدمَعَت عَينُه، وقالَ: قدِمَ، وبلَغَني أنَّ نَفقتَه نَفِدَت، فأخَذتُ عَشرةَ دَنانيرَ، وعَرَضناها

стр. 93

عليه، فتبسَّمَ، وقالَ: يا أبا بَكرٍ، لو قبِلتُ شَيئًا من الناسِ قبِلتُ منك، ولم يَقبلْ مِني شَيئًا (١). ونَختِمُ بقَولِ العُليميِّ: أتَتْه الدُّنيا فأَباها، والرِّياسةُ فنَفاها، وعُرضَت عليه الأَموالُ، وفُوضَت إليه الأَحوالُ، وهو يَردُّ ذلك بتَعفُّفٍ وتَعلُّلٍ وتَقلُّلٍ، ويَقولُ: قَليلُ الدُّنيا يَجزي، وكَثيرُها لا يَجزي، ويَقولُ: أنا أَفرحُ إذا لم يَكُنْ عندي شَيءٌ، ويَقولُ: إنَّما هو طَعامٌ دونَ طَعامٍ، ولِباسٌ دونَ لِباسٍ، وأيامٌ قَلائلُ (٢). ٥ - وَرَعُه ﵀: قالَ قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ: لولا أَحمدُ لماتَ الوَرعُ (٣). قالَ العُلَيميُّ: فمِن بَعضِ وَرعِه أنَّه كانَ لأُمِّ وَلدِه عبدِ اللهِ دارٌ، يَأخذُ منها أَحمدُ دِرهمًا بحَقِّ مِيراثِه، فاحتاجَت إلى نَفقةٍ تُصلَحُ بها، فأصلَحَها ابنُه عبدُ اللهِ، فتَرَك الإمامُ أَحمدُ ﵁ أخْذَ الدِّرهمِ الذي كانَ يَأخذُه، وقالَ: قد أفسَدَه عليَّ، تورَّعَ عن أخْذِ حَقِّه من الأُجرةِ، خَشيةَ أنْ يَكونَ ابنُه أنفَقَ على الدارِ ممَّا يَصلُ إليه من الخَليفةِ، ونَهى وَلدَيه وعَمَّه عن أخْذِ العَطاءِ من مالِ الخَليفةِ، فاعتَذَروا بالحاجةِ، فهَجَرهم شَهرًا لأَخذِ العَطاءِ، ووُصِف له في عِلَّتِه قَرعةٌ تُشوَى، ويُؤخَذُ ماؤُها، فلمَّا جاؤُوا بالقَرعةِ، قالَ بعضُ مَنْ

стр. 94

حضَرَ: اجعَلوها في تَنُّورِ صالِحٍ؛ فإنَّهم قد خَبَزوا، فقالَ بيَدِه: لا، وأَبى أنْ يُوجَّهَ بها إلى مَنزلِ صالِحٍ، ومِثلُ هذا كَثيرٌ. وأَجرى عليه المُتوكلُ، وعلى وَلدِه، وأهلِه أربَعةَ آلافِ دِرهمٍ، في كلِّ شَهرٍ، فبعَثَ إليه أَبو عبدِ اللهِ أنَّهم عن كِفايةٍ، فبعَثَ إليه المُتوكلُ: إنَّما هذا لوَلدِك، ما لك ولهذا، فقالَ أَحمدُ: يا عَمِّ، ما بَقيَ من أَعمارِنا؟ كأنَّك بالأمرِ وقد نزَلَ بنا، فاللهَ اللهَ، فإنَّ أَولادَنا إنَّما يُريدونَ يَتأكَّلون بنا، وإنَّما هي أيامٌ قَلائلُ، ولو كُشفَ للعَبدِ عما قد حُجبَ عنه، لعرَفَ ما هو عليه من خَيرٍ، أو شَرٍّ، صبْرٌ قَليلٌ، وثَوابٌ طَويلٌ، إنَّما هذه فِتنةٌ (١). وقالَ صالِحٌ: كانَ أَبي إذا دَعا له رَجلٌ قالَ: ليسَ يُحرِزُ الرَّجلُ المُؤمنُ إلا حُفرتَه، الأَعمالُ بخَواتيمِها، قالَ أَبي في مَرضِه: أَخرِجْ كِتابَ عبدِ اللهِ بنِ إِدريسَ فقالَ: اقرَأْ علَيَّ حَديثَ لَيثٍ: إنَّ طاوُوسًا كانَ يَكرهُ الأَنينَ في المَرضِ، فما سمِعتُ لأَبي أَنينًا حتى ماتَ. وعن أَحمدَ بنِ مُحمدٍ التُّستَريِّ قالَ: ذَكَروا أنَّ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ أتى عليه ثَلاثةُ أيامٍ ما طعِمَ فيها، فبعَثَ إلى صَديقٍ له، فاقتَرَض منه دَقيقًا، فجَهَّزوه بسُرعةٍ، فقالَ: كيف ذا؟ قالوا: تَنُّورُ صالِحٍ مُسجَرٌ، فخَبَزنا فيه، فقالَ: ارفَعوا، وأمَرَ بسَدِّ بابٍ بينَه وبينَ صالِحٍ، قالَ الذَّهبيُّ: لكَونِه أخَذَ جائِزةَ المُتوكلِ (٢).

стр. 95

٦ - آدابُه وأَخلاقُه: قالَ الخَلالُ: حَدَّثنا ابنُ الحُسينِ أنَّ أَبا بَكرٍ المَروَزيَّ حَدَّثهم عن آدابِ أَبي عبدِ اللهِ، قالَ: كانَ أَبو عبدِ اللهِ لا يَجهلُ، وإنْ جُهلَ عليه حلَمَ، واحتمَلَ، ويَقولُ: يَكفي اللهُ، ولم يَكُنْ بالحَقودِ، ولا العَجولِ، كانَ كَثيرَ التَّواضعِ، حَسنَ الخُلقِ، دائِمَ البِشرِ، لَيِّنَ الجانِبِ، ليسَ بفَظٍّ، يُحبُّ في اللهِ، ويُبغِضُ في اللهِ، وإذا كانَ في أمرٍ من الدِّينِ، اشتَدَّ له غَضبُه، وكانَ يَحتمِلُ الأَذى من الجِيرانِ (١). وعن أَبي داودَ السِّجِستانِيِّ قالَ: لم يَكُنْ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ يَخوضُ في شَيءٍ مما يَخوضُ فيه الناسُ من أمرِ الدُّنيا، فإذا ذُكرَ العِلمُ تكلَّمَ. وقالَ: مُجالسةُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ مُجالسةُ الآخِرةِ، لا يُذكرُ فيها شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا، ما رَأيتُ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ ذكَرَ الدُّنيا قَطُّ (٢). وعن أبي الحُسينِ بنِ المُنادي قالَ: سمِعتُ جَدِّي يَقولُ: كانَ أَحمدُ من خيارِ الناسِ، وأكرَمِهم نَفسًا، وأحسَنِهم عِشرةً وأدَبًا، كَثيرَ الإِطراقِ والغَضِّ، مُعرِضًا عن القَبيحِ، واللَّغوِ، ولا يُسمعُ منه إلا المُذاكرةُ بالحَديثِ، وذِكرُ الصالِحينَ والزُّهادِ، عن وَقارٍ وسُكونٍ، ولَفظٍ حَسنٍ، وإذا لَقيَه إِنسانٌ بَشُرَ به، وأقبَلَ عليه، وكان يَتواضَعُ للشُّيوخِ تَواضُعًا شَديدًا، وكانوا يُكرِمونَه ويُعظِّمونَه، وكانَ يَفعلُ بيَحيى بنِ مَعينٍ ما لم يَفعَلْه بغيرِه من التَّواضعِ

стр. 96

والتَّبجيلِ، وكانَ يَحيى أكبَرَ منه بنَحوِ سَبعِ سِنينَ، وكانَ إذا دخَلَ من المَسجدِ إلى البَيتِ يَضربُ برِجلِه قبلَ أنْ يَدخلَ الدارَ حتى يُسمعَ ضَربُ نَعلِه لدُخولِه الدارَ، وربَّما تنَحنَحَ؛ ليَعلمَ من في الدارِ بدُخولِه (١). ورَوى أبو نُعَيمٍ بسَندِه عن العَباسِ بنِ مُحمدٍ الدُّوريِّ، قالَ: حَدَّثني عليُّ بنُ أبي مُرارةَ، جارٌ لنا، قالَ: كانَت أُمِّي مُقعَدةً نَحوَ عِشرينَ سَنةً، فقالَت لي يَومًا: اذهَبْ إلى أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فاسألْه أنْ يَدعوَ لي، فسِرتُ إليه، فدَقَقتُ عليه البابَ وهو في دِهليزِه، فلم يَفتحْ لي، وقالَ: مَنْ هذا؟ فقُلتُ: أنا من أهلِ ذاك الجانِبِ، سألَتْني أُمِّي وهي زَمِنةٌ مُقعَدةٌ أنْ أَسألَك أنْ تَدعوَ اللهَ لها، فسمِعتُ كَلامَه كَلامَ رَجلٍ مُغضَبٍ، فقالَ: نحن أَحوجُ إلى أنْ تَدعوَ اللهَ لنا، فوَلَّيتُ مُنصرِفًا، فخرَجَت امرأةٌ عَجوزٌ من دارِه فقالَت: أنت الذي كلَّمتَ أبا عبدِ اللهِ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَت: قد تَركتُه يَدعو اللهَ لها، قالَ: فجِئتُ من فَوري إلى البَيتِ، فدَقَقتُ البابَ فخرَجَت أُمِّي على رِجلَيْها تَمشي حتى فتَحَت البابَ، فقالَت: قد وهَبَ اللهُ ليَ العافيةَ (٢). وعن الحُسينِ بنِ إِسماعيلَ قالَ: سمِعتُ أبي يَقولُ: كانَ يَجتمِعُ في مَجلسِ أَحمدَ زُهاءُ خَمسةِ آلافٍ أو يَزيدونَ، أقَلُّ من خَمسِمِئةٍ يَكتُبونَ، والباقونَ يَتعلَّمونَ من حُسنِ الأدَبِ، وحُسنِ السَّمتِ (٣).

стр. 97

وعن أبي بَكرٍ المُطَّوعيِّ، قالَ: اختَلَفتُ إلى أَبي عبدِ اللهِ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً وهو يَقرأُ «المُسندَ» على أَولادِه، فما كتَبتُ منه حَديثًا واحِدًا، وإنَّما كُنْتُ أنظُرُ إلى هَديِه وأَخلاقِه وآدابِه (١). ٧ - تَمسُّكُه بالسُّنَنِ: قالَ أبو نُعَيمٍ: وكانَ الإمامُ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، مَوضِعُه من الإِمامةِ مَوضعُ الدِّعامةِ؛ لقُدوتِه بالآثارِ، ومُلازَمتِه للأَخيارِ، لا يَرى له عن الآثارِ مَعدِلًا، ولا يَرى للرَّأيِ مَعقِلًا، كانَ في حِفظِ الآثارِ الجَبلَ العَظيمَ، وفي العِللِ والتَّعليلِ، البَحرَ العَميمَ (٢). وعن عَبدِ المَلكِ المَيمونِيِّ قالَ: ما رَأتْ عَيني أفضَلَ من أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، وما رَأيتُ أحدًا من المُحدِّثينَ أشَدَّ تَعظيمًا لحُرُماتِ اللهِ وسُنةِ نَبيِّه ﷺ إذا صَحَّت عنه ولا أشَدَّ اتِّباعًا منه. وقالَ الإمامُ أَحمدُ: ما كتَبتُ حَديثًا عن النَّبيِّ ﷺ إلا وقد عمِلتُ به، حتى مَرَّ بي في الحَديثِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتَجمَ وأَعطَى أَبا طَيبةَ دِينارًا» فأَعطيتُ الحَجَّامَ دِينارًا، وتَسرَّى واختَفى ثَلاثًا (٣).

стр. 98

وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: ما رَأيتُ أبي حدَّثَ من غيرِ كِتابٍ، إلا بأقَلَّ من مِئةِ حَديثٍ، وسمِعتُ أبي يَقولُ: قالَ الشافِعيُّ: يا أَبا عبدِ اللهِ، إذا صَحَّ عندَكم الحَديثُ، فأَخبِرونِي حتى نَرجعَ إليه، أنتُم أعلَمُ بالأَخبارِ الصِّحاحِ مِنَّا، فإِذا كان خَبَرٌ صَحيحٌ، فأعلِمْني حتى أذهَبَ إِليه، كُوفيًّا كانَ، أو بَصريًّا، أو شامِيًّا. قالَ الذَّهبيُّ: لم يَحتَجْ إلى أنْ يَقولَ: حِجازيًّا، فإنَّه كانَ بَصيرًا بحَديثِ الحِجازِ، ولا قالَ: مِصريًّا، فإنَّ غيرَهما كانَ أقعَدَ بحَديثِ مِصرَ منهما (١). ٨ - مِحنَتُه ﵀: مَضَت سُنةُ اللهِ في عِبادِه أنَّه يَمتحِنُهم حتى يَظهرَ بالامتِحانِ صِدقُ الصادِقينَ، وكَذبُ الكَذابينَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] وسُئلَ النَّبيُّ ﷺ عن أشَدِّ الناسِ بَلاءً فقالَ: «الأَنبياءُ ثم الأمثَلُ فالأمثَلُ» (٢). وقد سُئلَ الإمامُ الشافِعيُّ: هل الأفضَلُ أنْ يُمكَّنَ العَبدُ أو يُبتَلى؟ فقالَ: لا يُمكَّنُ حتى يُبتَلى، وما تعرَّضَ له إِمامُنا، وإِمامُ الدُّنيا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ ﵀ يَدلُّ على مَكانتِه في الإِيمانِ، وعُلوِّ شأنِه عندَ المَلكِ الدَّيانِ، قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].

стр. 99

وقالَ بَعضُ السَّلفِ: لمَّا أخَذوا برأسِ الأمرِ، جَعَلناهم رُؤوسًا، فبالصَّبْرِ واليَقينِ تُنالُ الإِمامةُ في الدِّينِ، وقد أخَذَ اللهُ على أهلِ العِلمِ المِيثاقَ أنْ يُبيِّنوا للناسِ الحَقَّ ولا يَكتُموه. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أفضَلُ الجِهادِ كَلِمةُ عَدلٍ عِنْدَ سُلطَانٍ جائِرٍ، أو أمِيرٍ جائِرٍ» (١). قالَ العُلماءُ: وإنَّما كانَ ذلك أفضَلَ الجِهادِ؛ لأنَّ الجِهادَ تَعريضٌ للنَّفسِ للتَّلفِ، وكَلمةُ العَدلِ عندَ السُّلطانِ الجائِرِ، يَغلِبُ على الظَّنِّ تَلفُها. فالواجِبُ على العُلماءِ والدُّعاةِ إلى اللهِ الجَهرُ بكَلمةِ الحَقِّ، غيرَ هائِبينَ، ولا وَجِلينَ. قالَ الذَّهبيُّ ﵀: الصَّدعُ بالحَقِّ عَظيمٌ يَحتاجُ إلى قُوةٍ وإِخلاصٍ؛ فالمُخلِصُ بلا قُوةٍ، يَعجِزُ عن القيامِ به، والقَويُّ بلا إِخلاصٍ يُخذَلُ، فمَن قامَ به كامِلًا، فهو صِدِّيقٌ، ومَن ضعُفَ فلا أقَلَّ من التَّألُّمِ والإِنكارِ بالقَلبِ، وليسَ وَراءَ ذلك إِيمانٌ، فلا قُوةَ إلا باللهِ (٢). وقد تعاقَبَ على الإِمامِ أَحمدَ أربَعةُ خُلفاءَ، بَعضُهم بالتَّهديدِ والوَعيدِ، وبَعضُهم بالضَّربِ والحَبسِ، وبَعضُهم بالنَّفيِ والتَّشريدِ، وبَعضُهم بالتَّرغيبِ في الرِّياسةِ والمالِ، ولا يَزدادُ الإِمامُ إلا ثِقةً، وإِيمانًا، ويَقينًا، وهذا شأنُ الإِيمانِ الصادِقِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].

стр. 100

فالمُؤمِنونَ الصادِقونَ يَزدادونَ بالبَلاءِ إِيمانًا، وتَسليمًا، والمُنافِقونَ، يَخافونَ من لا شَيءَ، كما قالَ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]. قالَ العُليميُّ ما مُلخَّصُه: لمَّا ولِيَ المَأمونُ أبو جَعفرِ بنُ هارونَ الرَّشيدِ، وكانَت وِلايَتُه في المُحرمِ، وقيلَ: في رَجبٍ عامَ ثَمانيةٍ وتِسعينَ ومِئةٍ، صارَ إليه قَومٌ من المُعتزلةِ، وأَزاغوه عن طَريقِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وحَسَّنوا له قَبيحَ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فصارَ إلى مَقالتِهم، وقُدِّرَ أنَّه في آخِرِ عُمرِه، خرَجَ من بَغدادَ لغَزوِ بِلادِ الرُّومِ، فعَنَّ له أنْ يَكتبَ إلى إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ بنِ مُصعبٍ صاحِبِ الشُّرطةِ أنْ يَدعوَ الناسَ إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فاستَدعَى جَماعةً من العُلماءِ والقُضاةِ وأئِمةِ الحَديثِ، ودَعاهُم إلى ذلك، فامتَنَعوا، فهَدَّدهم، فأَجابَ أكثَرُهم مُكرَهينَ، واستمَرَّ الإِمامُ ﵁ على الامتِناعِ، واشتَدَّ غَضبُه. فلمَّا أصرَّ الإمامُ أَحمدُ على الامتِناعِ، حُملَ على بَعيرٍ، وسَيَّروه إلى الخَليفةِ. قالَ أبو جَعفرٍ الأَنباريُّ: لمَّا حُملَ الإِمامُ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، إلى المَأمونِ أُخبِرتُ، فعبَرتُ الفُراتَ، فإذا هو جالِسٌ في الخانِ، فسلَّمتُ عليه، فقالَ: يا أبا جَعفرٍ تَعنَّيتَ، فقُلتُ: ليسَ هذا عَناءً، وقُلتُ له: يا هذا، أنت اليَومَ رأسُ الناسِ، والناسُ يَقتَدونَ بكم، فواللهِ لئِن أجَبتَ إلى خَلقِ القُرآنِ ليُجيبَنَّ بإِجابَتِك خَلقٌ كَثيرٌ من خَلقِ اللهِ تَعالى، وإنْ لم تُجِبْ، ليَمتَنِعنَّ خَلقٌ من الناسِ كَثيرٌ، ومع هذا فإنَّ الرَّجلُ إنْ لم يَقتُلْك، فإنَّك تَموتُ، ولا بدَّ من

стр. 101

المَوتِ، فاتَّقِ اللهَ، ولا تُجِبْهم إلى شَيءٍ، فجعَلَ أَحمدُ يَبكي، ويَقولُ: ما شاءَ اللهُ!! ما شاءَ اللهُ!! ثم سارَ أَحمدُ إلى المَأمونِ، فبلَغَه تَوعُّدُ الخَليفةِ له بالقَتلِ، إنْ لم يُجِبْه إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فتَوجَّهَ الإِمامُ أَحمدُ بالدُّعاءِ إلى اللهِ تَعالى، ألَّا يَجمعَ بينَه وبينَه، فبَينا هو في الطَّريقِ، قبلَ وُصولِه إليه إذ جاءَهم الصَّريخُ بمَوتِ المَأمونِ. وكانَ مَوتُه في شَهرِ رَجبٍ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، فرُدَّ الإِمامُ إلى بَغدادَ، وحُبسَ، ثم وَلي الخِلافةَ المُعتصمُ، وهو أَبو إِسحاقَ، مُحمدُ بنُ هارونَ الرَّشيدِ. وقدِمَ من بِلادِ الرُّومِ، فدخَلَ بَغدادَ في مُستهلِّ شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، فامتُحنَ الإِمامُ أَحمدُ، وضُربَ بينَ يَدَيه. وكانَ من خبَرِ المِحنةِ أنَّ المُعتصمَ لمَّا قصَدَ إِحضارَ الإِمامِ، ازدَحَم الناسُ على بابِه، كيَومِ عِيدٍ، وبسَطَ بمَجلِسِه بِساطًا، ونصَبَ كُرسيًّا جلَسَ عليه، ثم قالَ: أحضِروا أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فأَحضَروه، فلمَّا وقَفَ بينَ يَدَيه سلَّم عليه، فقالَ له: يا أَحمدُ، تَكلَّمْ ولا تَخَفْ، فقالَ الإمامُ أَحمدُ: واللهِ لقد دخَلتُ عليكَ وما في قَلبي مِثقالُ حَبةٍ من الفَزعِ، فقالَ له المُعتصمُ: ما تَقولُ في القُرآنِ؟ فقالَ: كَلامُ اللهِ قَديمٌ، غيرُ مَخلوقٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فقالَ له: عندَك حُجةٌ غيرُ هذا؟ فقالَ: نَعَمْ، قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١)

стр. 102

عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١، ٢] ولم يَقُلْ: الرَّحمنُ خلَقَ القُرآنَ، وقَولُه تَعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١، ٢] ولم يَقُلْ: يَس والقُرآنِ المَخلوقِ، فقالَ المُعتصِمُ: احبِسوه، فحُبسَ وتفرَّقَ الناسُ. فلمَّا كانَ من الغَدِ، جلَسَ المُعتصمُ على كُرسيِّه، وقالَ: هاتوا أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فاجتمَعَ الناسُ، وسُمعَت لهم ضَجةٌ ببَغدادَ، فلمَّا جِيءَ به، وقَفَ بينَ يَدَيه، والسُّيوفُ قد جُرِّدت، والرِّماحُ قد رُكِزَت، والأَتراسُ نُصبَت، والسِّياطُ قد طُرحَت، فسألَه المُعتصِمُ عمَّا يَقولُ في القُرآنِ، قالَ: أَقولُ: غيرُ مَخلوقٍ، قالَ: ومِن أينَ قُلتَ؟ فقالَ: حَدَّثني عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن الزُّهريِّ، عن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ كلَّمَ مُوسى بمِئةِ ألفِ كَلمةٍ وعِشرينَ ألفَ كَلمةٍ وثَلاثِمئةِ كَلمةٍ وثَلاثَ عَشرةَ كَلمةً فكانَ الكَلامُ من اللهِ والاستِماعُ من مُوسى» ثم قالَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فإنْ يَكنِ القَولُ من اللهِ تَعالى فإنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ. وأحضَرَ المُعتصِمُ له الفُقهاءَ والقُضاةَ، فناظَروا بحَضرتِه، في مُدةِ ثَلاثةِ أَيامٍ، وهو يُناظِرُهم، ويَظهَرُ عليهم بالحُججِ القاطِعةِ، ويَقولُ: أنا رَجلٌ علِمتُ عِلمًا، ولم أَعلمْ فيه بهذا، أَعطونِي شَيئًا من كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه ﷺ حتى أَقولَ به، وكُلَّما ناظَروه وألزَموه القَولَ بخَلقِ القُرآنِ، يَقولُ لهم: كيف أَقولُ ما لم يُقَلْ؟ وكانَ من المُعتصِمينَ (١) عليه مُحمدُ بنُ

стр. 103

عبدِ المَلكِ الزَّياتُ، وَزيرُ المُعتصِمِ، وأَحمدُ بنُ أبي القاضي، وبِشرٌ المَريسيُّ، وكانا من المُعتزلةِ قائِلَينِ بخَلقِ القُرآنِ، فقالَ ابنُ أبي داودَ وبِشرٌ للخَليفةِ: اقتُلْه حتى نَستريحَ منه، هذا كافِرٌ مُضِلٌّ، فقالَ: إنِّي عاهَدتُ اللهَ ألَّا أقتُلَه بسَيفٍ، وألا آمُرَ بقَتلِه بسَيفٍ، فقالا له: اضرِبْه بالسِّياطِ، فقالَ المُعتصِمُ له: وقَرابَتي من رَسولِ اللهِ ﷺ لأَضربَنَّك بالسِّياطِ، أو تَقولَه كما أَقولُ، فلم يُرهِبْه ذلك، فقالَ المُعتصِمُ: أحضِروا الجَلَّادينَ، فأُحضِروا، فقالَ المُعتصِمُ لواحِدٍ منهم: بكم سَوطٍ تَقتُلُه؟ قالَ: بعَشرةٍ، قالَ: خُذْه إليك، فأُخرجَ الإِمامُ أَحمدُ من أَثوابِه، وشُدَّ في يَدَيه حَبلانِ جَديدانِ، ولمَّا جِيءَ بالسِّياطِ نظَرَ إليها المُعتصِمُ قالَ: ائْتُوني بغيرِها، ثم قالَ للجَلَّادينَ: تَقدَّموا، فلمَّا ضُربَ سَوطًا قالَ: بِسمِ اللهِ، فلمَّا ضُربَ الثانِيَ قالَ: لا حَولَ ولا قُوةَ إلا باللهِ، فلمَّا ضُربَ الثالِثَ قالَ: القُرآنُ كَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ، فلمَّا ضُربَ الرابِعَ قالَ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وجعَلَ الرَّجلُ يَتقدَّمُ إلى الإمامِ أَحمدَ، فيَضربُه سَوطَين، فيُحرِّضُه المُعتصِمُ على التَّشديدِ في الضَّربِ، فلمَّا ضُربَ تِسعةَ عَشرَ سَوطًا قامَ إليه المُعتصِمُ فقالَ له: يا أَحمدُ، عَلامَ تَقتُلُ نَفسَك؟ إنِّي واللهِ عليك لشَفيقٌ، قالَ أَحمدُ: فجعَلَ عُجَيفٌ يَنخُسُني بقائِمةِ سَيفِه، وقالَ: تُريدُ أنْ تَغلِبَ هؤلاء كلَّهم؟ وجعَلَ بَعضُهم يَقولُ: وَيلَك! الخَليفةُ على رأسِك قائِمٌ، وقالَ بَعضُهم: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، دَمُه في عُنقي اقتُلْه، وجَعَلوا يَقولونَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، إنَّه صائِمٌ، وأنتَ في الشَّمسِ قائِمٌ، فقالَ لي: وَيحَك يا أَحمدُ، ما تَقولُ؟ فأَقولُ: أَعطوني شَيئًا من كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه حتى أَقولَ به، ثم رجَعَ الخَليفةُ

стр. 104

فجلَسَ، ثم قالَ للجَلَّادِ: تَقدَّمْ، وحرَّضَه على إِيجاعِه بالضَّربِ، ثم قامَ الثانيةَ، فجعَلَ يَقولُ: وَيحَك يا أَحمدُ، أَجِبْني، قالَ الإِمامُ أَحمدُ: فجَعَلوا يُقبِلونَ علَيَّ، ويَقولونَ: يا أَحمدُ؛ إِمامُك على رأسِك قائِمٌ، وجعَلَ بَعضُهم يَقولُ: من صنَعَ من أَصحابِك في هذا الأمرِ ما تَصنعُ؟ قالَ: وجعَلَ المُعتصِمُ يَقولُ: وَيحَك!! أجِبْني إلى شَيءٍ لك منه أدْنى فَرجٍ، حتى أُطلِقَ عنك بيَدي، فقُلتُ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، أَعطوني شَيئًا من كِتابِ اللهِ، وسُنةِ رَسولِه ﷺ ، حتى أَقولَ به، فرجَعَ المُعتصِمُ، فجلَسَ، وقالَ للجَلَّادينَ: تَقدَّموا، فجعَلَ الجَلَّادُ يَتقدَّمُ ويَضربُني سَوطَين، ويَتنَحَّى، وهو عندَ ذلك يُحرِّضُهم على التَّشديدِ في الضَّربِ، ويَقولُ: شُدُّوا قطَعَ اللهُ أيديَكم قالَ: قالَ الإِمامُ أَحمدُ: فذهَبَ عَقلي، فأفَقتُ بعدَ ذلك، فإذا الأَقيادُ قد أُطلِقت عنِّي، فقالَ رَجلٌ ممَّن حضَرَ: إنَّا كَفَيناك على وَجهِك، وطَرَحنا على ظَهرِك باريةً (١) ودُسْناك، قالَ: فما شَعَرت بشَيءٍ من ذلك، فأتَوْني بسَويقٍ، فقالوا لي: اشرَبْ وتَقيَّأْ، فقُلتُ: لستُ أُفطرُ، ثم جِيءَ بي إلى دارِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ، فحَضرَت صَلاةُ الظُّهرِ فتَقدَّمَ ابنُ سَماعةَ فصَلَّى، فلمَّا انفَتَل من الصَّلاةِ قالَ لي: صلَّيتَ والدَّمُ يَسيلُ في ثَوبِك، فقُلتُ: قد صَلَّى عُمرُ وجُرحُه يَثغَبُ دَمًا (٢). وقالَ بَعضُ المُؤرِّخينَ: إنَّ المِحنةَ كانَت في عامِ تِسعةَ عَشرَ ومِئتَيْن، ورَأيتُ في مَوضعٍ أنَّها كانَت في العَشرِ الأَواخِرِ من رَمضانَ، عامَ عِشرينَ

стр. 105

ومِئتَينِ، والصَّوابُ ما قَدَّمناه عن ابتِداءِ خَبَرِ المِحنةِ، أو وُقوعِها في شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ ومِئتَينِ، بدَليلِ أنَّ بِشرًا المَريسيَّ هو الذي تَولَّى كِبْرَها، وماتَ بشَهرِ ذي الحِجةِ في عامِ ثَمانيةَ عَشرَ، وقد قيلَ: إنَّ مَوتَه كانَ عامَ تِسعةَ عَشرَ، كما قالَه بعضُ المُؤرِّخينَ، والأوَّلُ أوْلى؛ لأنَّ المُعتصِمَ وَليَ الخِلافةَ بعدَ المَأمونِ، ودخَلَ بَغدادَ في غُرةِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، كما تَقدَّمَ، والإمامُ أَحمدُ في الحَبسِ، وامتَحَنه عَقِبَ دُخولِه بَغدادَ. وقد رَأيتُ في مَوضعٍ آخَرَ أنَّ الإمامَ أَحمدَ أُخرجَ من السِّجنِ في شَهرِ رَمضانَ، عامَ عِشرينَ ومِئتَينِ، وهذا مُتَّجهٌ، يُعضِّدُه ما قدَّمناه قَريبًا، أنَّه مكَثَ في السِّجنِ نَحوَ ثَمانيةٍ وعِشرينَ شَهرًا؛ لأنَّ ابتِداءَ حَبسِه في أَيامِ المَأمونِ، قبلَ وَفاتِه، وكانَت وَفاةُ المَأمونِ في رَجبٍ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، فمِن ذلك التاريخِ إلى رَمضانَ عامِ عِشرينَ نَحوُ ثَمانيةٍ وعِشرينَ شَهرًا، فيَظهرُ من ذلك صِحةُ القَولِ بأنَّ المِحنةَ في شَهرِ رَمضانَ، عامَ ثَمانيةٍ وعِشرينَ ومِئتَينِ واللهُ أعلَمُ. لمَّا وَلي الواثِقُ بعدَ المُعتصِمِ، وهو أبو جَعفرٍ هارونُ المُعتصِمُ، وكانَت وِلايتُه في رَبيعٍ الأولِ، عامَ سَبعةٍ وعِشرينَ ومِئتَينِ، لم يَتعرَّضْ للإِمامِ أَحمدَ في شَيءٍ، إلا أنَّه بعَثَ إليه يَقولُ: لا تُساكِنِّي بأرضٍ، وقيلَ: أمَرَه ألَّا يَخرجَ من بَيتِه، فصارَ الإِمامُ أَحمدُ يَختَفي في الأَماكنِ، ثم صارَ إلى مَنزلِه، فاختَفى فيه عِدةَ أشهُرٍ إلى أنْ ماتَ الواثِقُ (١).

стр. 106

ولمَّا وَليَ المُتوكِّلُ بعدَ الواثِقِ، وهو أبو الفَضلِ جَعفرُ بنُ المُعتصِمِ، وكانَت وِلايتُه في ذي الحِجةِ عامَ اثنَين وثلاثينَ ومِئتَينِ، خالَفَ ما كانَ عليه المَأمونُ والمُعتصِمُ والواثِقُ من الاعتِقادِ، وطعَنَ عليهم فيما كانوا يَقولونَه من خَلقِ القُرآنِ، ونَهى عن الجِدالِ والمُناظَرةِ عن الأَداءِ، وعاقَبَ عليه، وأمَرَ بإِظهارِ الرِّوايةِ للحَديثِ، فأظهَرَ اللهُ به السُّنةَ، وأَماتَ به البِدعةَ، وكشَفَ عن الخَلقِ تلك الغُمةَ، وأنارَ به تلك الظُّلمةَ، وأطلَقَ من كانَ اعتُقلَ بسَببِ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، ورفَعَ المِحنةَ عن الناسِ، فاستَبشرَ الناسُ بوِلايتِه، وأمَرَ بالقَبضِ على مُحمدِ بنِ عبدِ المَلكِ الزَّياتِ الوَزيرِ، ووضَعَه في تَنُّورٍ إلى أنْ ماتَ، وذلك في عامِ ثَلاثةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وابتَلى اللهُ أَحمدَ بنَ أبي داودَ بالفالِجِ، بعدَ مَوتِ الوَزيرِ بسَبعةٍ وأربَعينَ يَومًا، فوَليَ القَضاءَ مَكانَه وَلدُه؛ أبو الوَليدِ مُحمدٌ، فلم تَكُنْ طَريقَتُه مَرضيَّةً، وكَثُرَ ذامُّوه، وقَلَّ شاكِروه، ثم سخِطَ المُتوكِّلُ على أَحمدَ بنِ أبي داودَ، ووَلدِه مُحمدٍ، في عامِ تِسعةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وأخَذَ جَميعَ ضِياعِ الأبِ وأموالَه من الوَلدِ، مِئةً وعِشرينَ ألفَ دِينارٍ، وجَواهرَ بأربَعينَ ألفَ دِينارٍ، وسَيَّره إلى بَغدادَ من «سُرَّ من رأى» (١). ووَليَ القاضي يَحيَى بنُ أَكثمَ مَنصِبَ قاضي القُضاةِ (٢)؛ فإنَّه كانَ من أئِمةِ الدِّينِ، وعُلماءِ السُّنةِ، ثم ماتَ أَحمدُ بنُ أبي داودَ بمَرضِ الفالِجِ، في

стр. 107

المُحرمِ، عامَ أربَعينَ ومِئتَينِ، وماتَ وَلدُه مُحمدٌ قبلَه بعِشرينَ يَومًا، وكانَ بِشرٌ المَريسيُّ قد أهلَكَه اللهُ وماتَ في ذي الحِجةِ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، وقيلَ: تِسعةَ عَشرَ ومِئتَينِ. وعن عِمرانَ بنِ مُوسى قالَ: دَخلتُ على أبي العُروقِ الجَلَّادِ، الذي ضرَبَ أَحمدَ؛ لأنظُرَ إليه؛ فمكَثَ خَمسةً وأربَعينَ يَومًا يَنبَحُ؛ كما يَنبَحُ الكَلبُ. وقد انتقَمَ اللهُ من كلِّ خُصومِه، المُبتدِعينَ الذين سَعَوْا في أمرِه، وخذَلَهم، ونصَرَه عليهم بحَولِ اللهِ وقُوَّتِه، وبَركةِ كِتابِه، وسُنةِ نَبيِّه مُحمدٍ ﷺ . وشرَعَ المُتوكلُ في الإِحسانِ إلى الإِمامِ أَحمدَ، وتَعظيمِه، وإِكرامِه، وكتَبَ إلى نائِبِه ببَغدادَ، إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ أنْ يَبعثَ إليه بالإِمامِ أَحمدَ، فجهَّزَه مُعظَّمًا مُكرَّمًا إلى الخَليفةِ المُتوكِّلِ على اللهِ بسُرَّ مَنْ رأى، قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: وبعَثَ المُتوكِّلُ إليه يَقولُ: قد أحبَبتُ أنْ أَراكَ، وأتبَرَّكَ بدُعائِك، فخرَجنا من بَغدادَ، فأنزَلَنا دارًا، والمُتوكِّلُ يَرانا من وَراءِ السِّتْرِ، وأخبَرَ بَعضَ الخَدمِ أنَّ المُتوكِّلَ لمَّا كانَ قاعِدًا وَراءَ السِّتْرِ، ودخَلَ الإمامُ الدارَ، قالَ لأُمِّه: يا أُمَّاه، قد أنارَتِ الدارُ، قالَ عبدُ اللهِ: فأمَرَ لأَبي بثِيابٍ، ودَراهمَ، وخِلعةٍ، فبَكى، وقالَ: أسلَمُ من هؤلاء مُنذُ سِتِّينَ سَنةً، فلمَّا كانَ آخِرُ العُمرِ ابتُليتُ بهم، ولمَّا جاؤُوا بالخِلعةِ لم يَمسَّها، ولا غيَّرَها، فجَعَلها على كَتفَيْه، فما زالَ يَتحرَّكُ حتى رَمَى بها، وأرسَلَ إليه المُتوكِّلُ مالًا جَزيلًا، فأبى أنْ يَقبَلَه، فقيلَ له: إنْ رَددتَه وجَدَ عليك في نَفسِه، ففرَّقَه على مُستحِقِّيه، ولم يأخُذْ منه شَيئًا، وكانَ كلَّ يَومٍ يُرسِلُ إليه مِنْ طَعامِه الخاصِّ، فلا يَأكلُ منه لُقمةً.

стр. 108

قالَ صالِحٌ: وأمَرَ المُتوكِّلُ أنْ يُشتَرى له دار، فقالَ: يا صالِحُ، لئِن أقرَرتَ لهم بشِراءِ دارٍ ليَكونَنَّ القَطيعةَ بَيني وبينَك، فلم يَزلْ يَدفعُ شِراءَ الدارِ حتى اندفَعَ، ثم عادَ إلى بَغدادَ، وكانَ المُتوكِّلُ لا يُولِّي أحدًا إلا بمَشورةِ الإِمامِ أَحمدَ، ومكَثَ الإمامُ إلى حينِ وَفاتِه قلَّ أنْ يَأتيَ يَومٌ إلا ورِسالةُ الخَليفةِ تَنفُذُ إليه في أُمورٍ يُشاوِرُه فيها، ويَستَشيرُه، -رحمهما الله- ورَضيَ عنهما (١). ٩ - شُيوخُه وتَلامِذَتُه: شُيوخُه ﵏: قالَ الخَطيبُ (٢): سمِعَ من إِسماعيلَ بنِ عُلَيةَ، وهُشيمِ ابنِ بَشيرٍ، وحَمادِ بنِ خالِدٍ الخَيَّاطِ، ومَنصورِ بنِ سَلمةَ الخُزاعيِّ، والمُظفَّرِ ابنِ مُدرِكٍ، وعُثمانَ بنِ عُمرَ بنِ فارِسٍ، وأبي النَّضرِ هاشِمِ بنِ القاسِمِ، وأَبي سَعيدٍ مَولى بَني هاشِمٍ، ومُحمدِ بنِ يَزيدَ، ويَزيدَ بنِ هارونَ الواسِطِيَّينِ، ومُحمدِ بنِ أَبي عَديٍّ، ومُحمدِ بنِ جَعفرٍ غُندَرٍ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ القَطَّانِ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، وبِشرِ بنِ المُفضَّلِ، ومُحمدِ بنِ بَكرٍ البُرَّسانِيِّ، وأَبي داودَ الطَّيالسِيِّ، ورَوحِ بنِ عُبادةَ، ووَكيعِ بنِ الجَراحِ، وأبي مُعاويةَ الضَّريرِ، وعبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ، وأبي أُسامةَ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، ويَحيى بنِ سُلَيمٍ الطَّائِفيِّ، ومُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ، وإِبراهيمَ بنِ سَعدٍ الزُّهريِّ، وعبدِ الرَّزاقِ بنِ هَمَّامٍ، وأَبي قُرةَ مُوسى بنِ طارِقٍ، والوَليدِ بنِ مُسلمٍ، وأبي مِسهَرٍ

стр. 109

الدِّمَشقيِّ، وأبي اليَمانِ، وعليِّ بنِ عَياشٍ، وبِشرِ بنِ شُعَيبِ بنِ أبي حَمزةَ الحِمْصِيَّينِ، وخَلقٍ سِوى هؤلاءِ، يَطولُ ذِكرُهم، ويَشقُّ إِحصاءُ أَسمائِهم، وذكَرَ المُزِّيُّ في تَهذيبِه مِئةً وأربَعةً من شُيوخِه، وليس ذلك كذلك على سَبيلِ الاستِقصاءِ، واللهُ أعلَمُ (١). تَلامذَتُه ﵏: قالَ الخَطيبُ: ورَوى عنه غيرُ واحِدٍ من شُيوخِه، الذين سَمَّيناهم، وحدَّثَ أيضًا عنه ابْناه صالِحٌ وعبدُ اللهِ، وابنُ عَمِّه حَنبلُ بنُ إِسحاقَ، والحَسنُ بنُ الصَّباحِ البَزارُ، ومُحمدُ بنُ إِسحاقَ الصاغانِيُّ، وعَباسُ بنُ مُحمدٍ الدُّوريُّ، ومُحمدُ بنُ عُبيدِ اللهِ المُنادي، ومُحمدُ بنُ إِسماعيلَ البُخاريُّ، ومُسلمُ بنُ الحَجاجِ النَّيسابوريُّ، وأَبو زُرعةَ، وأَبو حاتِمٍ الرازِيَّانِ، وأبو داودَ السِّجستانِيُّ، وأَبو بَكرٍ الأثرَمُ، وأَبو بَكرٍ المَروَزيُّ، ويَعقوبُ بنُ أبي شَيبةَ، وأَحمدُ بنُ أبي خَيثَمةَ، وأَبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، وإِبراهيمُ الحَربيُّ، وموسَى بنُ هارونَ، وعبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ البَغويُّ، وغيرُهم. وقد ذكَرَ المِزِّيُّ أيضًا في «تَهذيبِه» ثَمانيةً وثَمانينَ من تَلامِذتِه، وفيهم جُملةٌ من شُيوخِه، منهم مُحمدُ بنُ إِدريسَ الشافِعيُّ، ووَكيعُ بنُ الجَراحِ، ويَحيى بنُ آدَمَ، ويَزيدُ بنُ هارونَ، ومن أَقرانِه عليُّ بنُ المَدينيِّ، ويَحيى ابنُ مَعينٍ، ودُحَيمٌ الشاميُّ، وأَحمدُ بنُ أَبي الحَواريِّ، وأَحمدُ بنُ صالِحٍ المِصريُّ (٢).

стр. 110

١٠ - مُؤَلَّفاتُه ﵀: قالَ الذَّهبيُّ ما مُلخَّصُه: قالَ ابنُ الجَوزيِّ: كانَ الإِمامُ لا يَرى وَضعَ الكُتبِ، ويَنهَى عن كِتابةِ كَلامِه ومَسائِلِه، ولو رَأى ذلك لكانَت له تَصانيفُ كَثيرةٌ، وصنَّفَ «المُسنَد» وهو ثَلاثونَ ألفَ حَديثٍ، وكانَ يَقولُ لابنِه عبدِ اللهِ: احتفِظْ بهذا المُسنَد؛ فإنَّه سيَكونُ للناسِ إِمامًا، و «التَّفسير» وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، و «الناسِخ والمَنسوخ» و «التاريخ» و «حَديث شُعبة» و «المُقدَّم والمُؤخَّر في القُرآن» و «جَوابات القُرآن» و «المَناسِك» و «الكَبير والصَّغير»، وأَشياءُ أُخرى. وقالَ الذَّهبيُّ: وكِتابُ «الإِيمان» وكِتابُ «الأَشرِبة»، ورأيتُ له وَرقةً من كِتابِ «الفَرائِض» فتَفسيرُه المَذكورُ شَيءٌ لا وُجودَ له، ولو وُجدَ لاجتهَدَ الفُضلاءُ في تَحصيلِه، ثم لو ألَّفَ تَفسيرًا لَما كانَ يَكونُ أزيَدَ من عَشرةِ آلافِ أثَرٍ، ولاقتَضى أنْ يَكونَ في خَمسِ مُجلَّداتٍ، فهذا تَفسيرُ ابنِ جَريرٍ الذي جمَعَ فيه فأوْعَى، لا يَبلُغُ عِشرينَ ألفًا، وما ذكَرَ تَفسيرَ أَحمدَ أحدٌ سِوى أبي الحَسنِ بنِ المُنادي، فقالَ في «تاريخه» لم يَكُنْ أحدٌ أروَى في الدُّنيا عن أَبيه من عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ؛ لأنَّه سمِعَ منه (المُسنَد) وهو ثَلاثونَ ألفًا، و (التَّفسير) وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، سمِعَ ثُلثَيه، والباقي وِجادةٌ.
следующие страницы →