السِّلعةَ لِنَفْسِه أو لِلقَرضِ بدَينٍ في ذِمَّتِه مُنفَردةً عن سِلَعِ القِراضِ وباعَها كذلك، فجَميعُ رِبحِها له، وخُسرُها عليه، ولا تُعتبَرُ قيمَتُها (١).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قال الإمامُ مالِكٌ: المُقارِضُ إذا اشتَرى سِلَعًا بمالِ القِراضِ فزادَ في ثَمنِها مِنْ عِندِه على صاحِبِ المالِ، فرَبُّ المالِ بالخيارِ، إنْ أحَبَّ أنْ يَدفعَ إليه ما زادَ وتَكونُ السِّلعةُ كلُّها على القِراضِ، وإنْ كَرِهَ رَبُّ المالِ ذلك كان العامِلُ شَريكًا لِرَبِّ المالِ بما زادَ مِنْ مالِه (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: ولا يَجوزُ أنْ يَشتريَ لِلقِراضِ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ ورِبحِه؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَرضَ بأنْ يَشغَلَ العامِلُ ذِمَّتَه إلا بذلك؛ فإنْ فعَل لَم يَقَعِ الزائِدُ لِجِهةِ القِراضِ.
فلو كان رأسُ المالِ وَحدَه أو مع رِبحِه مِئةٌ فاشتَرى عَبدًا بمِئةٍ ثم اشتَرى آخَرُ بعَينِ المِئةِ فالثاني باطِلٌ، سَواءٌ اشتَرى الأولُ بالعَينِ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إنِ اشتَراه بالعَينِ فقط صارَت مِلكًا لِلبائِعِ بالعَقدِ الأولِ؛ فإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ فقد صارَت مُستحَقَّةَ الصَّرفِ لِعَقدِ الأولِ، وإنِ اشتَرى الثاني في الذِّمَّةِ وقَع لِلعامِلِ حيث يَقَعُ لِلوَكيلِ إذا خالَف (٣).
стр. 5077
وقال الحَنابِلةُ: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ؛ لأنَّ الإذنْ لَم يَتناوَلْ غَيرَه؛ فإنْ كان رأسُ المالِ ألفًا فاشتَرى عَبدًا بألفٍ فهو لِلمُضاربةِ؛ لأنَّه مَأذونٌ فيه، وإنِ اشتَرى آخَرُ لَم يَدخُلْ في المُضاربةِ؛ لأنَّه غَيرُ مَأذونٍ فيه، وحُكمُه حُكمُ ما لو اشتَرى لِغَيرِه شَيئًا بغَيرِ إذنِه، ويَكونُ رِبحُه لِلمُضارِبِ إنْ رَبِحَ وخَسارَتُه عليه، إلا أنْ يأذَن رَبُّ المالِ؛ فإنْ تَلِف الألفُ قبلَ نَقدِه في الأولِ فعلى رَبِّ المالِ الثَّمنُ؛ لأنَّ الشِّراءَ بإذنِه، ويَصيرُ رأسُ المالِ الثَّمنَ الثانيَ؛ لأنَّ الأولَ تَلِف قبلَ تَصرُّفِه فيه، وإنْ تَلِف قبلَ الشِّراءِ لَم يَدخُلِ المُشتَري في المُضاربةِ؛ لأنَّها انفَسَخت قبلَ الشِّراءِ لِتَلفِ رأسِ المالِ وزَوالِ الإذنِ (١).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وإذا اشتَرى العامِلُ بمالِ القِراضِ مَتاعًا، وحمَله بكِراءٍ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ رَجاءَ الفَضلِ فبارَ عليه، واغتَرَق الكِراءُ المالَ؛ فإنْ كان فيه وَفاءٌ لِلكِراءِ فسَبيلُ ذلك إنْ كان بَقيَ مِنَ الكِراءِ شَيءٌ فعَلى العامِلِ لا على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه لا يَبيعُ بدَينٍ مِنْ غَيرِ المالِ الذي قارَضه فيه، ولا يَحمِلُ العامِلُ في ذلك على رَبِّ المالِ، لا أعلَمُ فيه خِلافًا، وهو أصلٌ وإجماعٌ (٢).
٥ - السَّفرُ بمالِ المُضاربةِ:
المُضارِبُ إذا نَهاه رَبُّ المالِ عن السَّفرِ بمالِ المُضاربةِ، لا يَجوزُ له
стр. 5078
السَّفرُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ فإنْ سافَرَ ضمِن، وإنْ أُذِن له في السَّفرِ جازَ بحَسَبِ الإذنِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المَنعَ منه لِحَقِّه، وقد رَضيَ به؛ فإنْ تَلِف المالُ بلا تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه (١).
واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُسافِرَ في مَوضِعٍ مَخوفٍ أو إلى بَلدٍ مَخوفٍ إنْ أذِنَ له رَبُّ المالِ في مُطلَقِ السَّفرِ؛ فإنْ فعَل فهو ضامِنٌ لِمَا يَتلَفُ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بفِعلِ ما ليس له فِعلُه، وإنْ سافَرَ في طَريقِ أمنٍ جازَ.
ثم اختلَفوا فيما إذا لَم يأذَنْ له أو يَنهَه رَبُّ المالِ هل له السَّفرُ بمالِ المُضاربةِ دونَ إذنٍ مِنْ رَبِّ المالِ أو لا، إذا كان البَلدُ أو الطَّريقُ آمِنًا؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنهما وابنُ حَبيبٍ وسَحنونٌ مِنَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافِرَ بمالِ مُضاربةً، ولو كان السَّفرُ قَريبًا والطَّريقُ آمِنًا، ولا مُؤنةَ في السَّفرِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ السَّفرَ مَظِنَّةُ الخَطرِ، وفيه تَغريرٌ بالمالِ؛ لأنَّه يَعرِضُ فيه الخَوفُ والفَسادُ، فلَم يَملِكْه المُضارِبُ مِنْ غَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ.
فإنْ سافَرَ بغَيرِ إذنِه أو خالَف فيما أذِن له ضَمِن ولو عاد مِنَ السَّفرِ.
قال الشافِعيَّة: ومَحلُّ امتِناعِ السَّفرِ إلى ما يَقرُبُ مِنْ بَلدِ المُضاربةِ إذا لَم يَعتَدْ أهلُ بَلدِ المُضاربةِ الذَّهابَ إليه لِيَبيعَ ويَعلَمَ المالِكُ بذلك، وإلا جازَ؛ لأنَّ هذا حَسَب عُرفِهم يُعَدُّ مِنْ أسواقِ البَلدِ.
стр. 5079
وقال الشافِعيَّةُ أيضًا: ولو ضارَبه بمَحلٍّ لا يَصلُحُ لِلإقامةِ -كالمَفازةِ- فالظاهِرُ -كما قال الأذرَعيُّ- أنَّه يَجوزُ له السَّفرُ بالمالِ إلى مَقصِدِه المَعلومِ لهما، ثم ليس له بَعدَ ذلك أنْ يُحدِثَ سفرًا إلى غَيرِ مَحَلِّ إقامَتِه؛ فإنْ أذِنَ له جازَ بحَسَبِ الإذنِ، وإنْ أطلَقَ الإذنَ سافَرَ، لِما جرَت به العادةُ مِنَ البِلادِ المَأمونةِ؛ فإنْ سافَر بغَيرِ إذنٍ أو خالَفَ فيما أُذِن له ضَمِن وأثِمَ، ولم تَنفَسخِ المُضاربةُ، ولو عاد مِنَ السَّفرِ، ثم إنْ كان المَتاعُ بالبَلدِ الذي سافَر إليه أكثَرَ قيمةً، أو تَساوَتِ القيمتانِ، صَحَّ البَيعُ واستَحقَّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ وإنْ كان مُتعدِّيًا بالسَّفرِ، ويَضمَنُ الثَّمنَ الذي باعَ به مالَ القِراضِ في سَفَرِه، وإنْ عادَ بالثَّمنِ مِنَ السَّفرِ؛ لأنَّ سَببَ الضَّمانِ -وهو السَّفرُ- لا يَزولُ بالعَودِ، وإنْ كان -المَتاعُ هناك- أقَلَّ مِنَ القيمةِ لَم يَصحَّ البَيعُ إلا أنْ يَكونَ النَّقصُ قَدْرًا يُتغابَنُ به.
وقالوا: إنْ أذِنَ له في السَّفرِ لا يُسافِرُ في البَحرِ إلا إنْ نَصَّ له عليه لِخَطَرِه، فلا يَكفي فيه الإذنُ في السَّفرِ، نَعَمْ إنْ عَيَّن له بَلدًا ولا طَريقَ له إلا البَحرُ كان له أنْ يُسافِرَ فيه، وإنْ لَم يَنُصَّ عليه، والإذْنُ مَحمولٌ عليه، قاله الأذرَعيُّ وغَيرُه، والمُرادُ بالبَحرِ المالِحُ، كما قاله الإسنَويُّ، وهل يَلحَقُ بالبَحرِ الأنهارُ العَظيمةُ، كالنِّيلِ والفُراتِ؟ قال الأذرَعيُّ: لَم أرَ فيه نَصًّا، وقال الشِّربينيُّ الخَطيبُ: الأحسَنُ أنْ يُقالَ: إنْ زادَ خَطَرُها على خَطرِ البَرِّ لَم يَجُزْ؛ إلا أنْ يَنُصَّ عليه كما قالَه ابنُ شُهبةَ.
وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنه والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ ذَكَره البُوَيطيُّ والحَنابِلةُ في
стр. 5080
المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافرَ بمالِ المُضاربةِ -بَرًّا وبَحرًا كما يَقولُ الحَنفيَّةُ- إنْ أطلَقَ رَبُّ المالِ الإذنَ في المُضاربةِ ولَم يُقيِّدْه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وعليه فلَفظُ المُضاربةِ يَدلُّ على ذلك المُضارِبِ ومَلَك المُضارِبُ ذلك بمُطلقِ العَقدِ؛ لأنَّ الإذنَ المُطلَقَ يَنصرِفُ إلى ما جرَت به العادةُ، والعادةُ جاريةٌ سَفَرًا وحَضَرًا، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ استِنماءُ المالِ، وهذا المَقصودُ بالسَّفرِ أوفَرُ، ولأنَّ العَقدَ صَدرَ مُطلَقًا عن المَكانِ، فيَجري على إطلاقِه، ولأنَّ مأخَذَ الاسمِ دَليلٌ عليه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وهو السَّيرُ، قال اللهُ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فإذا كان مَعنى المُضاربةِ السَّفرَ فمُحالٌ أنْ يُنافيَه مُطلَقُ عَقدِ المُضاربةِ؛ ولأنَّه طلَبُ الفَضلِ، وقد قال اللهُ وعَزَّ شَأنُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
ولأنَّ القِراضَ يَقتَضي التَّصرُّفَ في المالِ على العادةِ في طلَبِ تَنميتِه، والعادةُ جاريةٌ بالتِّجارةِ سَفرًا وحَضرًا؛ فإذا أُطلِق الإذنُ فقد دخَل على العادةِ، فيَتضمَّنُ ذلك التَّصرُّفُ كلَّ ما يُعتادُ مِثلُه، ولأنَّ مِنَ السِّلعِ ما قد جَرَت العادةُ أنَّه لا يُشتَرى إلا في السَّفرِ ولا يُنمَّى المالُ إلا فيه، وإلا أنْ يُحمَلَ إلى المَواضعِ المَقصودةِ به؛ فإذا ثبَت أنَّ له أنْ يَشتريَ تلك السِّلعةَ ثبَت له أنْ يُسافِرَ بها؛ لأنَّ تَنميتَها لا تَحصُلُ إلا به.
ورُويَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه فَرَّقَ بينَ الذي يَثبُتُ في وَطنِه وبينَ الذي لا يَثبُتُ، وبينَ ما له حَملٌ ومُؤنةٌ وبينَ ما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ في الشَّركةِ،
стр. 5081
فالمُضارِبُ على ذلك؛ لأنَّ ما له حَملٌ إذا احتاجَ إلى رَدِّه يَلزَمُه مُؤنةُ الرَّدِّ فيَتضَرَّرُ به ولا مُؤنةَ تَلزَمُه فيما لا حَملَ له.
وقد قال أبو يُوسُفَ عن أبي حَنيفةَ ﵀: إنَّه إذا دفَع إليه المالَ بالكوفةِ وهُما مِنْ أهلِها؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ قال: ليس له أنْ يُسافِرَ بالمالِ، ولو كان الدَّفعُ في مِصرٍ آخَرَ غَيرِ الكوفةِ فلِلمُضارِبِ أنْ يَخرجَ به حيثُ شاءَ.
ووَجهُ رِوايةِ أبي يُوسُفَ عنه أنَّ المُسافَرةَ بالمالِ مُخاطَرةٌ به، فلا يَجوزُ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ نَصًّا أو دِلالةً؛ فإذا دفَع المالَ إليه في بَلَدِهما ولَم يأذنْ له بالسَّفرِ نَصًّا ودِلالةً لَم يَكُنْ له أنْ يُسافِرَ، وإذا دفَع إليه في غَيرِ بَلَدِهما فقد وَجَد دِلالةَ الإذنِ بالرُّجوعِ إلى الوَطنِ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الإنسانَ لا يأخُذُ المالَ مُضارَبةً ويَترُكُ بَلَدَه، فكان دَفعُ المالِ في غَيرِ بَلَدِهما رِضًا بالرُّجوعِ إلى الوَطَنِ، فكان إذنًا دِلالةً.
وذهَب اللَّخميُّ مِنَ المالِكيَّةِ إلى أنَّ العامِلَ إذا كان مِنْ شأنِه السَّفرُ فلَه ذلك، وإلا فلا (١).
стр. 5082
نَفقةُ المُضارِبِ مِنْ مالِ المُضارَبةِ في السَّفرِ والحَضرِ:
المُضارِبُ إمَّا أنْ يُضارِبَ بالمالِ في الحَضرِ وإمَّا أنْ يُضارِبَ به في السَّفرِ:
أولًا: أنْ يُضارِبَ بالمالِ في الحَضرِ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في الجُملةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دَفعَ إلى رَجلٍ مالًا مُضارَبةً فعَمِل به في مِصرِه أو في أهلِه ولَم يُسافِرْ به فلا نَفقةَ له في مالِ المُضارَبةِ ولا على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ مُقامَه في مِصرِه أو في أهلِه لِكَونِه مُتوَطِّنًا فيه، لا لِأجلِ مالِ المُضاربةِ، ألَا تَرى أنَّه قَبلَ عَقدِ المُضاربةِ كان مُتوَطِّنًا في هذا المَوضعِ وكانت نَفَقتُه في مالِ نَفْسِه؟ فكذلك بعدَ المُضاربةِ (١).
стр. 5083
قال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ المُضارِبَ إذا باعَ بمِصرِه، ولَم يُسافِرْ بالمالِ إلى بَلدٍ آخَرَ، فليس له أنْ يَأكلَ منه على المُضاربةِ؛ إلَّا اللَّيثَ بنَ سَعدٍ؛ فإنَّه قال: له أنْ يَتغَدَّى منه إذا اشتغَل به عن الانقِلابِ إلى أهلِه لِلغَداءِ.
وإجماعُ الجُمهورِ على أنَّه لا يُنْفِقُ منه في الحَضرِ (١).
إلا أنَّ المالِكيَّةَ قالوا: هذا إذا لَم يَشغَلْه عن الوُجوهِ التي يَقتاتُ منها، وأمَّا إنْ شغَله فلَه الإنفاقُ كالمُسافِرِ؛ فإنْ كانت له صِناعةٌ يَقومُ منها عَيشُه أو تَجْرةٌ، فعَطَّل ما كان فيه لِأجلِ العَملِ بالقِراضِ كانت له النَّفقةُ كالذي يُسافِرُ به (٢).
وأجازَ الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ نَفقَتَه إذا كان هناك شَرطٌ أو عادةٌ، قالوا: ولا نَفَقةَ لِعامِلٍ مِنْ مالِ المُضاربةِ، ولو مع السَّفَرِ؛ لأنَّه دخَل على العَملِ بجُزءٍ فلا يَستحِقُّ غَيرَه، ولو استَحقَّه لَأفضَى إلى اختِصاصِه بالرِّبحِ إذا لَم يَربَحْ غَيرَها إلا بشَرطٍ كَوكيلٍ أو عادةٍ، كما نَصَّ على ذلك ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ، ويَصحُّ شَرطُها سَفرًا وحَضرًا؛ لأنَّها في مُقابَلةِ عَملِه؛ فإنْ شُرِطت نَفقةُ العامِلِ مُقدَّرةً فحَسَنٌ؛ قَطعًا لِلمُنازعةِ، وإنْ شُرِطت مُطلَقةً، واختلَفا؛ أي: تَشاحَّا في قَدْرِ النَّفقةِ؛ فلَه نَفقةُ مِثلِه عُرفًا مِنْ طَعامٍ وكِسوةٍ،
стр. 5084
كالزَّوجةِ وسائِرِ مَنْ تَجِبُ نَفَقتُه على غَيرِه؛ لأنَّ إطلاقَ النَّفقةِ يَقتَضي جَميعَ ما هو مِنْ ضَروراتِه المُعتادةِ، فكان له النَّفقةُ والكِسوةُ، وهي إباحةٌ، فلا تُنافِي ما تَقدَّم أنَّ شَرطَ دَراهمَ مَعلومةٍ يُبطِلُها. وتَردَّد ابنُ نَصرِ اللهِ، هل النَّفقةُ مِنْ رأسِ المالِ أو مِنَ الرِّبحِ؟ قال البُهوتيُّ: بل الظَّنُّ أنَّها مِنَ الرِّبحِ.
وإنْ تَعدَّد رَبُّ المالِ؛ بأنْ كان عامِلًا لاثنَيْن فأكثَرَ، أو عامِلاً لِواحِدٍ، ومعه مالٌ لِنَفْسِه أو بِضاعةٌ لِآخَرَ، واشتَرَطَ لِنَفْسِه نَفقةَ السَّفرِ؛ فالنَّفقةُ على قَدْرِ مالِ كلٍّ منهما، أو منهم؛ لأنَّ النَّفقةَ وَجبَت لِأجْلِ عَملِه في المالِ، فكانت على قَدْرِ مالِ كلٍّ فيه، إلا أنْ يَشرُطَها بَعضٌ مِنْ أربابِ المالِ مِنْ مالِه عالِمًا بالحالِ، وهو كَونُ العامِلِ يَعمَلُ في مالِ آخَرَ مع مالِه؛ فيَختَصُّ بمالِه؛ لِدُخولِه عليه؛ فإنْ لَم يَعلَمْ بالحالِ فعَليه بالحِصَّةِ، وحيثُ شُرِطت النَّفقةُ لِلعامِلِ، فادَّعى أنَّه أنفَقَ مِنْ مالِه المُختَصِّ به بنِيَّةِ الرُّجوعِ؛ قُبِل قَولُه؛ لأنَّه أمينٌ، ورجَع بما أنفَقه، ولو كان ذلك بعَد رُجوعِ مالِ المُضاربةِ لِرَبِّه واحِدًا كان أو مُتعَدِّدًا.
ولو لَقيَ رَبُّ المالِ العامِلَ ببَلدٍ كان قد أذِنَ له في سَفرِه إليه بالمالِ، وقد نَضَّ المالُ بأنْ صارَ المَتاعُ نَقدًا، فأخَذَه رَبُّه منه فلا نَفقةَ لِلعامِلِ؛ لِرُجوعِه إلى البَلدِ الذي سافَر منه؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ النَّفَقةَ ما داما في القِراضِ، وقد زال القِراضُ فزالَتِ النَّفقةُ، ولذلك لو مات لَم يَجِبْ تَكفينُه، ولو اشتَرطَ النَّفقةَ؛ لِانقِطاعِ القِراضِ بمَوتِه، فانقَطَعت النَّفقةُ.
وقد قيلَ له ذلك؛ لأنَّه كان شَرَط له نَفقةَ ذَهابِه ورُجوعِه وغَيرِ ذلك
стр. 5085
بتَسفيرِه إلى المَوضِعِ الذي أذِنَ له فيه مُعتَقِدًا أنَّه مُستحِقٌّ لِلنَّفقةِ ذاهِبًا وراجِعًا؛ فإذا قطَع عنه النَّفقةَ تَضرَّر بذلك (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا: إذا شرَط النَّفقةَ في السَّفرِ أو الحَضرِ فسَد العَقدُ في الأصَحِّ، وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يَصحُّ؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِ العَقدِ (٢).
ثانيًا: أنْ يُضارِبَ بالمالِ في السَّفرِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المُضارِبِ إذا سافَرَ بمالِ مُضاربةً هل تَكونُ نَفقَتُه في أثناء السَّفرِ مِنْ مالِ المُضاربةِ أو مِنْ مالِ نَفْسِه؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ نَفقةَ المُضارِبِ تَكونُ مِنْ مالِ نَفْسِه، وليس مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ نَفَقتَه تَخُصُّه، فكانت عليه كنَفَقةِ الحَضرِ، وأجرِ الطَّبيبِ وثَمنِ الطِّبِّ، ولأنَّه دخَل على أنَّه يَستحِقُّ مِنَ الرِّبحِ الجُزءَ المُسمَّى فلا يَكونُ له غَيرُه، ولأنَّه لو استَحقَّ النَّفقةَ أفضَى إلى أنْ يَختصَّ بالرِّبحِ إذا لَم يَربَحْ سِوى ما أنفَقَه؛ لأنَّ النَّفقةَ قد تَستغرِقُ الرِّبحَ فيَلزمُ انفِرادُه به، وقد تَزيدُ عليه فيَلزمُ أخذُه مِنْ رأسِ المالِ، وهو يُنافي مُقتَضاه.
فإنْ شرَط النَّفقةَ في السَّفرِ أو الحَضرِ فسَدَت المُضاربةُ عندَ الشافِعيَّةِ في الأصَحِّ كما تَقدَّم.
стр. 5086
وقال الحَنابِلةُ: يَصحُّ الشَّرطُ، فلو اشتَرَط أنَّ له النَّفقةَ في الحَضرِ أو السَّفرِ جازَ ذلك، وله ما قُدِّر له مِنْ مأكولٍ ومَلبوسٍ ومَركوبٍ وغَيرِه.
قال أحمدُ في رِوايةِ الأثرَمِ: أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَشترطَ نَفقةً مَحدودةً، وإنْ أطلَقَ صَحَّ، نَصَّ عليه، وله نَفَقتُه مِنَ المَأكولِ ولا كِسوةَ له.
قال أحمدُ: إذا قال: «له نَفَقتُه»، فإنَّه يُنفِقُ، قيلَ له: فيَكتَسي، قال: لا، إنَّما له النَّفقةُ.
وإنْ كان سَفَرُه طَويلًا يَحتاجُ إلى تَجديدِ كِسوةٍ فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُها؛ لأنَّه قيلَ له: فلَم يَشترطِ الكِسوةَ، إلا أنَّه في بَلدٍ بَعيدٍ وله مُقامٌ طَويلٌ يَحتاجُ فيه إلى كِسوةٍ، فقال: إذا أذِنَ له في النَّفقةِ فعَل ما لَم يَحمِلْ على مالِ الرَّجلِ، ولَم يَكُنْ ذلك قَصدَه، هذا مَعناه.
وقال القاضي وأبو الخَطَّابِ: إذا شرَط له النَّفقةَ فله جَميعُ نَفَقتِه مِنْ مَأكولٍ أو مَلبوسٍ بالمَعروفِ، وقال أحمَدُ: يُنْفِقُ على مَعنى ما كان يُنْفِقُ على نَفْسِه غَيرَ مُتعَدٍّ بالنَّفقةِ ولا مُضِرٍّ بالمالِ.
ولَم يَذهبْ أحمدُ إلى تَقديرِ النَّفقةِ؛ لأنَّ الأسعارَ تَختلِفُ، وقد تَقِلُّ وتَكثُرُ؛ فإنِ اختَلَفا في قَدْرِ النَّفقةِ فقال أبو الخَطَّابِ: يَرجِعُ في القُوتِ إلى الإطعامِ في الكَفَّارةِ وفي الكِسوةِ، إلى أقَلِّ مَلبوسٍ مِثلِه؛ فإنْ كان معه مالٌ لِنَفْسِه مع مالِ المُضارَبةِ أو كان معه مُضاربةٌ أُخرى أو بِضاعةٌ لِآخَرَ فالنَّفقةُ على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّ النَّفَقةَ إنَّما كانت لِأجلِ السَّفرِ، ولأنَّ السَّفرَ لِلمالَيْن فيَجِبُ أنْ تَكونَ النَّفقةُ مَقسومةً على قَدرِهما، إلا أنْ
стр. 5087
يَكونَ رَبُّ المالِ قد شرَط له النَّفقةَ مع عِلمِه بذلك (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ -بأربَعةِ قُيودٍ عِندَهم كما سيأتي- والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ في المُضاربةِ أنْ يُنفِقَ على نَفْسِه مِنْ مالِ القِراضِ في طَريقِه وفي المِصرِ الذي يأتيه لِأجْلِ العادةِ (٢)، وهذا لأنَّ خُروجَه وسَفَرَه لِأجْلِ مالِ المُضاربةِ، ولأنَّ الإنسانَ لا يَتحمَّلُ هذه المَشقَّةَ ثم يُنْفِقُ مِنْ مالِ نَفْسِه لِأجْلِ رِبحٍ مَوهومٍ عسى يَحصُلُ، وعَسى ألَّا يَحصُلَ، بل إنَّما رَضيَ بتَحمُّلِ هذه المَشقَّةِ باعتِبارِ مَنفعةٍ تَحصُلُ له وليس ذلك إلا بالإنفاقِ مِنْ مالِه الذي في يَدِه فيما يَرجِعُ إلى كِفايَتِه، بخِلافِ الوَكيلِ والمُستَبضِعِ؛ فإنَّه مُتبرِّعٌ في عَملِه لِغَيرِه غَيرُ طامِعٍ في شَيءٍ مِنْ مالِه لِأجْلِه، وبخِلافِ الأجيرِ؛ لأنَّه عامِلٌ له ببَدلٍ مَضمونٍ في ذِمَّةِ المُستأجِرِ، وذلك يَحصُلُ له بيَقينٍ، فأمَّا هذا فغَيرُ مُتبرِّعٍ وليس هو مُستَوجِبًا بَدلًا مَضمونًا، بل
стр. 5088
حَقُّه في رِبحٍ عَسى يَحصُلُ وعَسى ألَّا يَحصُلَ، فلا بُدَّ مِنْ أن يَحصُلَ له بإزاءِ ما تَحمَّلَ مِنَ المَشقَّةِ شَيءٌ مَعلومٌ، وذلك نَفَقتُه في المالِ، وهو بمَنزِلةِ الشَّريكِ، والشَّريكُ إذا سافَرَ بمالِ الشَّركةِ فنَفَقتُه في ذلك المالِ، فالمُضارِبُ كذلك، وهذا لأنَّه فَرَّغ نَفْسَه عن أشغالِه لِأجْلِ مالِ المُضاربةِ، فهو كالمَرأةِ إذا فَرَّغت نَفْسَها لِزَوجِها بالمُقامِ في بَيتِه، فأمَّا في المِصرِ فما فرَّغ نَفْسَه لِمالِ المُضاربةِ فلا يَستوجِبُ نَفَقتَه فيه.
ولأنَّ الرِّبحَ في بابِ المُضاربةِ يَحتمِلُ الوُجودَ والعَدمَ، والعاقِلُ لا يُسافِرُ بمالِ غَيرِه لِفائِدةٍ تَحتمِلُ الوُجودَ والعَدمَ مع تَعجيلِ النَّفقةِ مِنْ مالِ نَفْسِه، فلو لَم تُجعَلْ نَفَقتُه مِنْ مالِ المُضاربةِ لَامتَنَع الناسُ مِنْ قَبولِ المُضارباتِ مع مَساسِ الحاجةِ إليها، فكان إقدامُهما على هذا العَقدِ والحالُ ما وَصَفْنا إذنًا مِنْ رَبِّ المالِ لِلمُضارِبِ بالإنفاقِ مِنْ مالِ المُضاربةِ، فكان مَأذونًا في الإنفاقِ دِلالةً، فصارَ كما لو أذِنَ له به نَصًّا، ولأنَّه يُسافِرُ لِأجْلِ المالِ لا على سَبيلِ التَّبرُّعِ، ولا ببَدلِ واجِبٍ له لا مَحالةَ، فتَكونُ نَفَقتُه في المالِ بخِلافِ المُبضِعِ، لا يُسافِرُ بمالِ الغَيرِ على وَجهِ التَّبرُّعِ، وبخِلافِ الأجيرِ؛ لأنَّه يَعمَلُ ببَدلٍ لَازِمٍ في ذِمَّةِ المُستأجِرِ لا مَحالةَ، فلا يَستحِقُّ النَّفَقةَ.
ولأنَّا لو قُلنا: إنَّه يُنْفِقُ على نَفْسِه مِنْ مالِه؛ لَأدَّى إلى ألَّا يَحصُلَ له شَيءٌ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه يُنْفِقُ جَميعَ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ، وبما لا يَربَحُ فيُغرَّمُ النَّفقةَ.
ولأنَّ العامِلَ إنَّما سافَرَ بالمالِ طلَبًا لِلفَضلِ لا تَطوُّعًا، فلو قُلنا: إنَّه لا
стр. 5089
يَستحِقُّ النَّفقةَ لَأذهبَتْ نَفَقتُه رِبحَه وبأضعافِه، ولأنَّ ذلك يَصيرُ زيادةً يَنفرِدُ بها رَبُّ المالِ، وذلك خِلافُ مَوضوعِ القِراضِ، ولأنَّ سَفَرَه لَمَّا كان لِأجْلِ المالِ وطلَبِ تَنميتِه صار كبَعضِ كُلَفِ المالِ ومُؤنةِ الأُجراءِ.
قال الحَنفيَّةُ: ونَفَقتُه طَعامُه وكِسوتُه ودُهنُه وغَسلُ ثِيابِه ورُكوبُه في سَفَرِه إلى المِصرِ الذي أتاه بالمَعروفِ على قَدْرِ نَفَقةِ مِثلِه؛ لأنَّ هذا كلَّه مما لا بُدَّ منه في السَّفرِ وفي النَّوادِرِ عن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ رَحِمهما اللهُ: إنَّ دُهنَه ليس مِنْ جُملةِ النَّفقةِ، وكأنَّهما أرادا به في المَوضِعِ الذي لا يَحتاجُ فيه إلى استِعمالِ الدُّهنِ عادةً، فتَكونُ الحاجةُ إليه نادِرةً، والثابِتُ عُرفًا لا يَثبُتُ فيما هو نادِرٌ، ومُرادُ مُحمدٍ ﵀ إذا سافَرَ إلى المَواضِعِ التي يَحتاجُ فيها إلى استِعمالِ الدُّهنِ عادةً، وذلك في ديارِ الحِجازِ والعِراقِ، ثم المُستَحَقُّ هو نَفقةَ المِثلِ، وهو المَعروفُ كما في نَفقةِ الزَّوجةِ؛ فإنْ أنفَقَ أكثَرَ مِنْ ذلك حُسِب له مِنْ ذلك نَفقةُ مِثلِه، وكان ما بَقيَ عليه في مالِه؛ فإذا رجَع إلى مِثلِه وقد بَقيَ معه ثِيابٌ أو طَعامٌ أو غَير ذلك رَدَّه في مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ استِحقاقَه قد انتَهى برُجوعِه إلى مِصرِه، فعليه رَدُّ ما بَقيَ كالحاجِّ عن الغَيرِ إذا بَقيَ معه شَيءٌ مِنَ النَّفقةِ بعدَ رُجوعِه، وكالمَولى إذا بَوَّأ أَمَتَه مع زَوجِها بَيتًا ثم شَغَّلها بخِدمَتِه، وقد بَقيَ معها شَيءٌ مِنَ النَّفقةِ كان لِلزَّوجِ أنْ يَستردَّ ذلك منها.
فأمَّا الدَّواءُ والحِجامةُ والكُحلُ ونَحوُ ذلك ففي مالِه خاصَّةً دونَ مالِ المُضاربةِ، ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ -رَحِمَهما اللهُ أنَّ ذلك كلَّه في مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ مالَ المُضاربةِ مُدةَ سَفرِه في حاجتِه كمالِ
стр. 5090
نَفْسِه، فكَما أنَّه يَصرِفُ مالَ نَفْسِه في هذه الأشياءِ كما يَصرِفُ في النَّفقةِ، فكذلك مالُ المُضاربةِ.
وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّه إنَّما يَستوجِبُ النَّفَقةَ في مالِ المُضارَبةِ وثَمنِ الدَّواءِ وأُجرةِ الحَجَّامِ، وما يَحتاجُ إليه مِنَ العِلاجِ ليس مِنَ النَّفقةِ، ألَا تَرى أنَّ الزَّوجةَ لا تَستحِقُّ شَيئًا مِنْ ذلك على زَوجِها بخِلافِ النَّفقةِ، ثم الحاجةُ إلى هذه الأشياءِ غَيرُ مُعتادةٍ، بل هي نادِرةٌ، والنادِرُ لا يُستحَقُّ بطَريقِ العادةِ.
ولو استأجَرَ أجيرًا يَخدُمُه في سَفرِه وفي مِصرِه الذي أتاه لِيَخبِزَ له ويَطبُخَ ويَغسِلَ ثِيابَه ويَعمَلَ له ما لا بُدَّ له منه، احتَسَب بذلك على المُضارِبِ؛ لأنَّه لو لَم يَستأجِرِ احتاجَ إلى إقامةِ هذه الأعمالِ بنَفْسِه؛ فإنَّه ما لا بُدَّ له منه، وإذا عَمِل له أجيرُه تَفرَّغ هو لِلعَملِ في مالِ المُضاربةِ، فكان في هذا الاستِئجارِ مَنفَعةٌ لِلمُضاربةِ، وكذلك لو كان معه غِلمانٌ له يَعمَلونَ في المالِ كانوا بمَنزِلتِه، ونَفَقتُهم في مالِ المُضارَبةِ؛ لأنَّ نَفَقتَهم كنَفقتِه، وهُم يَعمَلون له في المالِ، كما يَعمَلُ هو، ومَن يَستحِقُّ نَفَقتَه على إنسانٍ يَستحِقُّ نَفقةَ خادِمِه كالمَرأةِ على زَوجِها، إلا أنَّها لا تَحتاجُ إلى الزِّيادةِ على خادِمٍ واحِدٍ في عَملِها لِلزَّوجِ في بَيتِه، وقد يَحتاجُ المُضارِبُ إلى غِلمانٍ يَعمَلون في المالِ معه، فلِهذا كانت نَفَقتُهم في مالِ المُضارَبةِ.
وكذلك لو كان لِلمُضارِبِ دَوابُّ يَحمِلُ عليها مَتاعَ المُضاربةِ إلى مِصرٍ مِنَ الأمصارِ كان عَلفُها على المُضاربةِ ما دامَتْ في عَمَلِها؛ لأنَّها بالعَلفِ تَتقوَّى على حَملِ المَتاعِ، ومَنفعةُ ذلك راجِعةٌ إلى مالِ المُضاربةِ، وإذا أرادَ القِسمةَ بدأ برأسِ المالِ فأُخرِجَ مِنَ المالِ، وجُعِلت النَّفقةُ مما بَقيَ؛ فإنْ
стр. 5091
بَقيَ مِنْ ذلك شَيءٌ فهو الرِّبحُ يُقسَمُ بينَ المُضارِبِ ورَبِّ المالِ على ما اشتَرَطا، وكذلك لو كان أنفَقَ في سَفرِه مِنَ المالِ بَعضَه قبلَ أنْ يَشتريَ به شَيئًا، ثم اشتَرى بالبَقيَّةِ وباعَ ورَبِح استَوفى رَبُّ المالِ رأسَ مالِه كامِلًا؛ لأنَّ ما أنفَقه المُضارِبُ يُجعَلُ كالهالِكِ وقد بَيَّنَّا أنَّ العَقدَ يَبقى في الكُلِّ بعدَ هَلاكِ بَعضِ رأسِ المالِ فيَحصُلُ جَميعُ رأسِ المالِ، وما بَقيَ فهو بَينَهما على الشَّرطِ.
ولو دفَع المالَ مُضارَبةً إليه فخرَج إلى السَّوادِ يَشتَري به الطَّعامَ، وذلك مَسيرةُ يَومٍ أو يَومَيْن، فأقامَ في ذلك المَكانِ يَشتَري ويَبيعُ؛ فإنَّه يُنْفِقُ في طَريقِه ومُقامِه في ذلك المَكانِ مِنْ مالِ المُضاربةِ، وهذا ومَسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ في المَعنى سَواءٌ؛ لأنَّه إنَّما فارَق وَطنَه لِعَملِه في مالِ المُضاربةِ، وكذلك لو أقامَ في هذا المَوضِعِ أيضًا، فيَستوجِبُ النَّفَقةَ في مالِ المُضاربةِ، ولو كان في المِصرِ الذي فيه أهلُه، إلا أنَّ المِصرَ عِظَمُ أهلِه في أقصاه، والمُقامُ الذي يَتَّجِرُ فيه في الجانِبِ الآخَرِ، وكان يُقيمُ هناك لِيَتَّجِرَ ولا يَرجِعَ إلى أهلِه فلا نَفقةَ له في مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ نَواحيَ المِصرِ في حُكمِ ناحيةٍ واحِدةٍ، ألَا تَرى أنَّ المُقيمَ في ناحيةٍ مِنَ المِصرِ يَكونُ مُقيمًا في جَميعِ نَواحيه، وإذا خرَج مِنْ أهلِه على قَصدِ السَّفرِ لا يَصيرُ مُسافِرًا ما لَم يَنفصِلْ مِنْ عُمرانِ المِصرِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ مُقامَه في المِصرِ لَم يَكُنْ لِأجلِ المُضاربةِ، وعلى هذا قيلَ: لو كان يَخرُجُ لِلعَملِ إلى مَوضِعٍ قَريبٍ ويَعودُ إلى أهلِه قبلَ اللَّيلِ؛ فإنَّه لا يُنْفِقُ مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه مُقيمٌ في أهلِه إذا كان خُروجُه إلى مَوضعٍ لا يَحتاجُ إلى أنْ يَبيتَ في غَيرِ أهلِه.
стр. 5092
ولو كان له أهلٌ بالكوفةِ وأهلٌ بالبَصرةِ ووَطَنه فيهما جَميعًا فخرَج بالمالِ مِنَ الكوفةِ لِيَتَّجِرَ فيه بالبَصرةِ؛ فإنَّه يُنْفِقُ مِنْ مالِ المُضاربةِ في طَريقِه؛ فإذا دخَل البَصرةَ كانت نَفَقتُه على نَفْسِه ما دام بها؛ فإذا خرَج منها راجِعًا إلى الكوفةِ أنفَقَ مِنْ مالِ المُضاربةِ في سَفرِه؛ لأنَّ سفَره في الذَّهابِ والرُّجوعِ لِأجلِ المُضاربةِ، أمَّا في البَلدتَيْن فهو مُقيمٌ في أهلِه وإقامَتُه في أهلِه ليست لِأجلِ المُضاربةِ، ففي البَلدتَيْن يُنْفِقُ مِنْ مالِ نَفْسِه.
ولو كان أهلُ المُضارِبِ بالكوفةِ وأهلُ رَبِّ المالِ بالبَصرةِ فخرَج بالمالِ إلى البَصرةِ مع رَبِّ المالِ لِيَتَّجِرَ فيه فنَفَقتُه في طَريقِه، وبالبَصرةِ وفي رُجوعِه إلى الكوفةِ مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ مُقامَه بالبَصرةِ لِأجلِ مالِ المُضاربةِ، إذْ ليس له أهلٌ بالبَصرةِ لِتَكونَ البَصرةُ وَطنَ الإقامةِ له ويَستَوي إنْ نَوى الإقامةَ بها خَمسةَ عَشَرَ يَومًا أو أقَلَّ؛ لأنَّ التاجِرَ في المالِ العَظيمِ قد يَحتاجُ إلى هذا القَدْرِ مِنَ المُقامِ في بَلَدِه لِأجلِ التَّصرُّفِ في المالِ، وبهذه النِّيَّةِ تَصيرُ البَصرةُ وَطنًا مُستعارًا له بخِلافِ ما لو كان له بها أهلٌ أو تأهَّلَ بها؛ لأنَّه حينَئِذٍ تَصيرُ البَصرةُ وَطنَ إقامَتِه.
ولو دفَع إليه المالَ مُضاربةً وهُما بالكوفةِ وليستِ الكوفةُ بوَطنٍ لِلمُضارِبِ لَم يُنفِقْ على نَفْسِه مِنَ المالِ ما دام بالكوفةِ؛ لأنَّ إقامتَه بالكوفةِ على أيِّ وَجهٍ كان ليست لِأجلِ المُضاربةِ، ألَا تَرى أنَّه قبلَ عَقدِ المُضاربةِ كان مُقيمًا بها، فلا يَستوجِبُ النَّفقةَ في مالِ المُضاربةِ ما لَم يَخرُجْ منها؛ فإنْ خرَج منها إلى وَطَنِه ثم عاد إليها في تِجارَتِه أنفَقَ بالكوفةِ مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه حين سافَرَ بعدَ عَقدِ المُضاربةِ استَوجَبَ النَّفقةَ في مالِ المُضاربةِ،
стр. 5093
وصارتِ الكوفةُ في حَقِّه كسائِرِ البُلدانِ؛ لأنَّ وَطنَه بها كان مُستعارًا، وقد انتُقِضَ بالسَّفرِ، فرُجوعُه بعدَ ذلك إلى الكوفةِ وذَهابُه إلى مِصرٍ آخَرَ سَواءٌ، فإنْ تَزوَّج فيها امرأةً واتَّخذَها وَطنًا زالَت نَفَقتُه عن مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّ مُقامَه بها بعدَما تَزوَّج بها واتَّخذَها دارًا لِأجلِ أهلِه، لا لِأجلِ مالِ المُضاربةِ، فهي بمَنزِلةِ وَطنِه الأصليِّ (١).
وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يُنفِقَ على نَفْسِه مِنْ مالِ القِراضِ، ويُقضَى له بذلك بشُروطٍ أربَعةٍ:
١ - إنْ سافَر به لِلتِّجارةِ، أو احتاجَ إلى ما يَشرَعُ فيه لِتَنميةِ المالِ، ولو دونَ مَسافةِ القَصرِ مِنْ طَعامٍ وشَرابٍ ورُكوبٍ ومَسكَنٍ وما يَتعلَّقُ بذلك مِنْ حَمَّامٍ وغَسلِ ثَوبٍ على وَجهِ المَعروفِ، حتى يَرجِعَ لِوَطنِه، ويُقضَى له بذلك عندَ المُنازعةِ، ومَفهومُ الشَّرطِ أنَّه لا نَفقةَ له بالحَضرِ، ما لَم يَشغَلْه عن الوُجوهِ التي يَقتاتُ منها، وإلا فلَه الإنفاقُ.
٢ - ما لَم يَبْنِ بزَوجةٍ في البَلدِ الذي سافَرَ له لِلتِّجارةِ؛ فإنْ تَزوَّج في سَفَرِه بغَيرِ بَلَدِ إقامَتِه ولَم يَبْنِ بالزَّوجةِ فالنَّفقةُ مُستَمرَّةٌ؛ فإنْ بَنى بها أُسقِطت نَفقتُه منه، لا إنْ لَم يَبْنِ، ولَو دُعيَ لِلدُّخولِ، والمُرادُ بالبِناءِ الدُّخولُ؛ فإذا عَقدَ عليها لا تَسقُطُ نَفَقتُه ما لَم يَدخُلْ بها؛ فإنْ طَلَّقها بعدَ البِناءِ بها طَلاقًا بائِنًا عادَت له النَّفقةُ، ولو كانت حامِلًا؛ لأنَّ النَّفقةَ لِلحَملِ لا لِلزَّوجةِ.
стр. 5094
٣ - واحتَمَل المالُ الإنفاقَ منه، بأنْ يَكونَ كَثيرًا عُرفًا، فلا نَفقةَ في اليَسيرِ، كالأربَعينَ والخَمسينَ دينارًا خُصوصًا في زَمنِ الغَلاءِ.
٤ - أنْ يَكونَ السَّفرُ لِغَيرِ أهلٍ وحَجٍّ وغَزوٍ ورِباطٍ وصِلةِ رَحِمٍ وغَيرِها مِنَ القُرَبِ؛ فإنْ سافَرَ لِواحِدٍ منها فلا نَفقةَ له، والمُرادُ بالأهلِ الزَّوجةُ المَدخولُ بها، لا الأقاربُ، فهُم كالأجانِبِ، إلا أنْ يَقصِدَ بالسَّفرِ لهم صِلةَ الرَّحِمِ فلا نَفقةَ له كالحَجِّ.
ولو سافَر بأهلِه فلَه النَّفقةُ على نَفْسِه فَقَط في سَفرِه ذَهابًا وإيابًا دونَ أهلِه؛ فإنْ أقامَت معه في بَلَدِ التِّجارةِ؛ فإنَّ له أنْ يُنفِقَ عليها مِنْ مالِ القِراضِ في ظاهِرِ كَلامِهم، وقيلَ: لا نَفقةَ لها مُدةَ الإقامةِ بمَنزِلةِ ما لو بَنى بها في هذا البَلدِ.
وإذا جازَ له النَّفقةُ على نَفْسِه أنفَقَ ذَهابًا وإيابًا بالمَعروفِ، فلو أنفَق سَرَفًا تَعيَّن أنْ يَكونَ له القَدْرُ المُعتادُ.
وإذا خرَج الإنسانُ لِحاجةٍ تَتعلَّقُ به غَيرِ أهلٍ وحَجٍّ وغَزوٍ، فأعطاه إنسانٌ قِراضًا ولو بعدَ أنِ اكتَرى وتَزوَّد لِلخُروجِ لِحاجَتِه؛ فإنَّ النَّفقةَ تُوزَّعُ على قَدْرِ ما يُنفِقُه في خُروجِه لِلحاجةِ، وعلى قَدْرِ مالِ القِراضِ؛ فإذا كان قَدْرُ ما يُنفِقُه في حاجَتِه مِئةً وما يُنفِقُه في عَملِ القِراضِ مِئةً كان على كل نِصفٍ ما يُنفِقُه، فتَكونُ المِئةُ مُوزَّعةً نِصفُها عليه ونِصفُها على مالِ القِراضِ، ولو كان الشأنُ أنَّ الذي يُنفِقُه على نَفْسِه في اشتِغالِه بالقِراضِ مِئتانِ وزَّع على الثُّلثِ والثُّلثَيْن (١).
стр. 5095
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في التاجِرِ الحاجِّ يأخُذُ مالًا قِراضًا:
قال عَبدُ الرَّحمنِ بنُ القاسِمِ: قُلنا لِمالِكٍ: إنَّ عندَنا تُجارًا قد عَرَفوا أيامَ المَوسِمِ يأخُذون المالَ قِراضًا فيَشتَرون البِغالَ والرَّقيقَ وغَيرَ ذلك فيَخرُجونَ بها فيَشهَدون بها المَوسِمَ، ولولا ذلك ما خرَجوا إلى المَوسِمِ فيما يُظَنُّ بهم، أفَتَرَى لهم نَفقةً في مالِ القِراضِ؟ فقال مالِكٌ: لا، أيَخرُجُ حاجًّا وتَكونُ نَفَقتُه مِنْ مالِ القِراضِ؟! فأبى ذلك، وقال: لا نَفقةَ له، ولا لِلغازي. قال: فقُلنا لِمالِكٍ في رُجوعِه، قال: ولا في رُجوعِه إلى بَيتِه، لا يَكونُ له نَفقةٌ، قال: فقُلنا له: فالرَّجلُ يَقدَمُ من بَلَدِه إلى بَلدٍ آخَرَ فيأخُذُ المالَ قِراضًا فيَسيرُ به إلى بَلَدِه، وفيها التِّجارةُ التي يُريدُ أنْ يَتَّجِرَ فيها، قال مالِكٌ: لا نَفقةَ له في ذَهابِه ولا في إقامَتِه في أهلِه، قال مالِكٌ: وله النَّفقةُ في رُجوعِه، ولَم يَجعَلْه مِثلَ الحاجِّ ولا الغازي، قال: ولقد سألتُ مالِكًا عن الرَّجلِ يَتجهَّزُ بمالٍ أخَذَه قِراضًا وأرادَ سَفرًا فتَكارَى به واشتَرى ثِيابًا لِنَفْسِه وطَعامًا مِنْ مالِ القِراضِ، فلَمَّا كانت اللَّيلةُ التي أرادَ الخُروجَ أتاه رَجلٌ بمالٍ فقال له: خُذْ هذا قِراضًا، فكيف تَرى أنْ تَكونَ له النَّفقةُ؟ أمِنَ المالِ الأولِ أم نَفَقتُه على المالَيْن جَميعًا؟ قال: بل نَفَقتُه على المالَيْن جَميعًا على قَدْرِهما (١).
وعلى مُقابِلِ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه لا يَستحِقُّ النَّفقةَ إلا في الرِّبحِ؛ لأنَّ مُقتَضى القِراضِ رَدُّ رأسِ المالِ.
стр. 5096
وكم يَستحِقُّ مِنَ النَّفقةِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: جَميعُ النَّفقةِ؛ لأنَّه يُسافِرُ لِأجلِ المالِ، فكان جَميعُ نَفَقتِه فيه.
والآخَرُ: أنه يَستحِقُّ ما زادَ لِأجلِ السَّفرِ على نَفقةِ الحَضرِ؛ لأنَّ ذلك هو القَدْرُ الذي لَزِمه لِأجلِ السَّفرِ.
وهل يَفتَقِرُ إلى تَقديرِ النَّفقةِ؟ فيه قَولانِ:
الأولُ: قال في البُويطِيِّ: يَفتَقِرُ إلى تَقديرِ النَّفقةِ في عَقدِ القِراضِ؛ لأنَّه جُزءٌ يَستحِقُّه العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ، فكان مُقدَّرًا، كحِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ.
والآخَرُ: لا يَفتَقِرُ، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ الأسفارَ تَختلِفُ، فيَقِلُّ الإنفاقُ فيها ويَكثُرُ، وذلك لا يُمكِنُ تَقديرُه، بخِلافِ حِصَّةِ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ، قال أبو العَبَّاسِ، وأبو إسحاقَ: يَضعُفُ التَّقديرُ جِدًّا.
قال النَّوَويُّ ﵀: ويَتفرَّعُ على الإثباتِ مَسائِلُ:
منها: لو استَصحَبَ مالَ نَفْسِه مع مالِ القِراضِ وُزِّعت النَّفقةُ على قَدْرِ المالَيْن، قال الإمامُ ويَجوزُ أنْ يَنظُرَ إلى قَدْرِ العَملِ على المالَيْن ويُوزَّعُ على أُجرةِ مِثلِهما.
وقال أبو الفَرجِ السَّرخَسيُّ ﵀: إنَّما يُوزَّعُ إذا كان مالُه قَدْرًا يُقصَدُ السَّفرُ له.
قُلتُ: قد قال بمِثلِ قَولِ السَّرخَسيِّ أبو علِيٍّ في «الإفصاحِ»، وصاحِبُ البَيانِ، واللهُ أعلَمُ.
стр. 5097
ومنها: لو رجَع العامِلُ ومعه فَضلُ زادٍ أو آلاتٌ أعَدَّها لِلسَّفَرِ كالمَطهَرةِ ونَحوِها لَزِمَه رَدُّها إلى مالِ القِراضِ على الصَّحيحِ.
ومنها: لو استَردَّ المالِكُ منه المالَ في الطَّريقِ أو في البَلدِ الذي سافَر إليه لَم يَستحِقَّ نَفقةَ الرُّجوعِ على الأصَحِّ كما لو خالَع زَوجتَه في السَّفرِ.
ومنها: أنَّه يُشترطُ ألَّا يُسرِفَ، بل يأخُذُ بالمَعروفِ، وما يأخُذُه يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يَكُنْ هناك رِبحٌ فهو خُسرانٌ لِحَقِّ المالِ، ومهما أقامَ في طَريقِه فَوقَ مُدةِ المُسافِرينَ في بَلدٍ لَم يأخُذْ لِتلك المُدةِ.
ومنها: لو شرَط نَفقةَ السَّفرِ في ابتِداءِ القِراضِ فهو تَأكيدٌ إذا أثبَتْناها، وإلا فسَد القِراضُ على الأصَحِّ، كما لو شرَط نَفقةَ الحَضرِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: لا؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِ العَقدِ، وعلى هذا في اشتِراطِ تَقديرِها وَجهانِ.
وعن رِوايةِ المُزَنيِّ في الجامِعِ أنَّه لا بُدَّ مِنْ شَرطِ النَّفقةِ في العَقدِ مُقدَّرةً، لكنْ لَم يُثبِتْها الأصحابُ (١).
٦ - البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ أو يَبيعَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، واختلَفوا فيما لو فعَل هل يَفسُدُ البَيعُ أو لا؟
стр. 5098
قال الحَنفيَّةُ: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه وإنْ قال له: اعمَلْ برأيِكَ، ولو اشتَرى يَصيرُ مُخالِفًا؛ لأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ بالشِّراءِ، والتَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا يَنصرِفُ إلى المُتعارَفِ، وهو أنْ يَكونَ بمِثلِ القيمةِ، أو بما يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، ولأنَّ الشِّراءَ بما لا يُتغابَنُ في مِثلِه مُحاباةٌ، ولأنَّ المُحاباةَ تَبرُّعٌ، ولأنَّ التَّبرُّعَ لا يَدخُلُ في عَقدِ المُضاربةِ.
فلو دفَع إليه ألفًا مُضارَبةً وأمَرَه أنْ يَعملَ في ذلك برأيِه فاشتَرى بها عَبدًا يُساوي خَمسَمِئةٍ فهو مُخالِفٌ مُشتَرٍ لِنَفْسِه ضامِنٌ لِلمالِ إنْ دَفَعه؛ لأنَّه اشتَرى بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، ولأنَّ المُضارِبَ في الشِّراءِ كالوَكيلِ، ولأنَّ الوَكيلَ لا يَملِكُ أنْ يَشتريَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ فيه، ولو اشتَرى العَبدُ بألفِ دِرهَمٍ وهو يُساوي تِسعَمِئةٍ وخَمسينَ جازَ على المُضاربةِ؛ لأنَّ قَدْرَ الخَمسينَ في الألفِ مما يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، وذلك عَفوٌ في حَقِّ الوَكيلِ بالشِّراءِ، ولو اشتَرى بها عَبدًا يُساوي ألفًا ثم باعَه بمِئةِ دِرهَمٍ جازَ في قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّه فيما يَبيعُ بمَنزِلةِ الوَكيلِ بالبَيعِ، ومِن أصلِه أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ يَملِكُ البَيعَ بغَبنٍ فاحِشٍ (١).
وقالوا: لِلمُضارِبِ الحَطُّ اليَسيرُ مِنْ ثَمنِ المَبيعِ مِنْ أجلِ العَيبِ، ولو كان ذلك أزيَدَ مِنْ حِصَّتِه، أمَّا إذا كان الحَطُّ الواقِعُ غَيرَ يَسيرٍ، بل كان فاحِشًا يَصحُّ هذا الحَطُّ أيضًا، ولكنْ يَضمَنُه المُضارِبُ لِرَبِّ المالِ (٢).
стр. 5099
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَبيعَ أو يَشتريَ بغَبنٍ فاحِشٍ لا يُحتمَلُ، كالوَكيلِ بلا إذنٍ مِنْ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَضُرُّ بالمالِكِ؛ فإنْ أذِنَ جازَ؛ لأنَّ المَنعَ لِحَقِّه، وقد زال بإذنِه، ومع جَوازِه يَنبَغي ألَّا يُبالِغَ في الغَبنِ لِيَبيعَ ما يُساوي مِئةً بعَشَرةٍ، بل يَبيعُ بما تَدلُّ القَرينةُ على ارتِكابِه عادةً في مِثلِ ذلك؛ فإنْ بالَغَ في الغَبنِ لَم يَصحَّ تَصرُّفُه (١).
وقال الحَنابِلةُ: حُكمُ المُضارِبِ حُكمُ الوَكيلِ، في أنَّه ليس له أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وألَّا يَشتريَ بأكثَرَ منه مما لا يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه؛ فإنْ فعَل فقد رُوِي عن أحمدَ أنَّ البَيعَ يَصحُّ، ويَضمَنُ النَّقصَ؛ لأنَّ الضَّررَ يَنجَبِرُ بضَمانِ النَّقصِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والقياسُ أنَّ البَيعَ باطِلٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ لَم يُؤذَنْ له فيه، فأشبَهَ بَيعَ الأجنَبيِّ، فعَلى هذا، إنْ تَعذَّرَ رَدُّ المَبيعِ، ضَمِن النَّقصَ أيضًا، وإنْ أمكَنَ رَدُّه، وَجَب رَدُّه إنْ كان باقِيًا، أو قيمَتِه إنْ كان تالِفًا، ولِرَبِّ المالِ مُطالَبةُ مَنْ شاءَ مِنَ العامِلِ أو المُشتَري؛ فإنْ أخَذَ مِنَ المُشتَري قيمَتَه رجَع المُشتَري على العامِلِ بالثَّمنِ، وإنْ رجَع على العامِلِ بقيمَتِه رجَع العامِلُ على المُشتَري بها ورَدَّ عليه الثَّمنَ؛ لأنَّ التَّلفَ حَصَل في يَدِه.
стр. 5100
وأمَّا ما يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه، فغَيرُ مَمنوعٍ فيه؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه، وأمَّا إذا اشتَرى بأكثَرَ مِنْ ثَمنِ المِثلِ بعَينِ المالِ، فهو كالبَيعِ، وإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لَزمَ العامِلَ دونَ رَبِّ المالِ، إلا أنْ يُجيزَه، فيَكونَ له، هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، وقال القاضي: إنْ أطلَقَ الشِّراءَ ولَم يَذكُرْ رَبَّ المالِ، فكذلك، وإنْ صرَّح لِلبائِعِ: «إنَّني اشتَريتُه لِفُلانٍ»، فالبَيعُ باطِلٌ أيضًا (١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: واتَّفَق أهلُ العِلمِ -فيما عَلِمتُ- على أنَّ الوَكيلَ والمَأمونَ -يَشمَلُ المُضارِبَ وغَيرَه- ببَيعِ شَيءٍ أو شِرائِه إذا باعَ أو اشتَرى بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه فِعلُه ذلك باطِلٌ مَردودٌ (٢).
٧ - البَيعُ بعَرضٍ:
أجازَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ لِلمُضارِبِ أنْ يَبيعَ بعَرضٍ، قال المالِكيَّةُ: وإنْ لَم يأذَنْ رَبُّ المالِ؛ لأنَّه مِنَ التَّجْرِ الذي دخَل مع رَبِّ المالِ عليه، ولأنَّ الغَرضَ الرِّبحُ، وقد يَكونُ فيه، بخِلافِ الوَكيلِ (٣).
стр. 5101
٨ - الرَّدُّ بالعَيبِ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَرُدَّ سِلعةً مِنْ سِلعِ القِراضِ لِأجلِ عَيبٍ فيها، ولا كَلامَ لِرَبِّ المالِ في ذلك؛ لِتَعلُّقِ حَقِّ العامِلِ بالزِّيادةِ التي في السِّلعةِ.
قال الحَنفيَّةُ: حُقوقُ العَقدِ في الشِّراءِ والبَيعِ تَرجِعُ إلى المُضارِبِ، لا إلى رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ هو العاقِدُ، فهو الذي يُطالِبُ بتَسليمِ المَبيعِ، ويُطالِبُ بتَسليمِ الثَّمنِ ويَقبِضُ المَبيعَ والثَّمنَ، ويَرُدُّ بالعَيبِ ويُرَدُّ عليه، ويُخاصَمُ؛ لِما قُلنا.
ولو اشتَرى المُضارِبُ عَبدًا مَعيبًا قد عَلِم رَبُّ المالِ بعَيبِه ولَم يَعلَمْ به المُضارِبُ فلِلمُضارِبِ أنْ يَرُدَّه ولو كان عَلِم بالعَيبِ، ولَم يَعلَمْ به رَبُّ المالِ لَم يَكُنْ لِلمُضارِبِ أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالمُضارِبِ، لا برَبِّ المالِ، فيُعتبَرُ عِلمُ المُضارِبِ لا عِلمُ رَبِّ المالِ.
ولو اشتَرى عَبدًا فظهَر به عَيبٌ فقال رَبُّ المالِ بعدَ الشِّراءِ: «رَضيتُ بهذا العَبدِ بطَل الرَّدُّ»؛ لأنَّ المِلكَ لِرَبِّ المالِ؛ فإذا رَضيَ به فقد أبطَل حَقَّ نَفْسِه.
ولو أنَّ رَبَّ المالِ دفَع إليه ألفَ دِرهَمٍ مُضارَبةً على أنْ يَشتريَ بها عَبدَ فُلانٍ بعَينِه ثم يَبيعَه، فاشتَراه المُضارِبُ ولَم يَرَه فليس له أنْ يَرُدَّه بخيارِ الرُّؤيةِ، ولا بخيارِ العَيبِ؛ لأنَّ أمرَه بالشِّراءِ بعدَ العِلمِ رِضًا منه بذلك العَيبِ، فكأنَّه قال بعدَ الشِّراءِ: «قد رَضيتُ»، بخِلافِ ما إذا أمَرَه بشِراءِ عَبدٍ
стр. 5102
غَيرِ مُعيَّنٍ؛ لأنَّه لا يَعلَمُ أنَّه يَشتَري العَبدَ المَعيبَ لا مَحالةَ حتى يَكونَ عِلمُه دِلالةَ الرِّضا به، وهل له أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ في دارٍ اشتَراها أجنَبيٌّ إلى جَنبِ دارِ المُضارِبِ أو باعَ رَبُّ المالِ دارًا لِنَفْسِه، والمُضارِبُ شَفيعُها بدارٍ أُخرى مِنَ المُضارَبةِ، ففيه تَفصيلٌ (١).
قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمُضارِبِ إذا اشتَرى شَيئًا ثم اطَّلَع فيه على عَيبٍ أنْ يَرُدَّه وإنْ أبى رَبُّ المالِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّ العاملِ بالزِّيادةِ، وهذا إذا كان الشِّراءُ ببَعضِ مالِ القِراضِ، فأمَّا إنِ اشتَرى بالجَميعِ سِلعةً ثم وجَد فيها عَيبًا فلِرَبِّ المالِ قَبولُ ذلك المَعيبِ بالثَّمنِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ رَبِّ المالِ على العامِلِ أنْ يَقولَ له: أنتَ إذا رَدَدتَ ذلك نَضَّ المالُ، فلي أنْ آخُذَه؛ فإنْ كان الثَّمنُ عَرضًا لَم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ العامِلَ يَرجو رِبحَه إذا عادَ في يَدِه، وزادَ بَعضُهم قَيدًا آخَرَ، وهو أنْ يأخُذَه رَبُّه لِنَفْسِه على وَجهِ المُفاضَلةِ لا البَيعِ (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: لِلعامِلِ الرَّدُّ بعَيبٍ تَقتَضيه مَصلَحةٌ وإنْ رَضيَ المالِكُ؛ لأنَّ لِلعامِلِ حَقًّا في المالِ فلا يَمنَعُ منه رِضا المالِكِ، بخِلافِ الوَكيلِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في المالِ، ومَحَلُّه إذا ظَنَّ السَّلامةَ فبانَ مَعيبًا، وله شِراؤُه مع عِلمِه بعَيبِه إنْ رآه مُربِحًا.
فإنِ اقتَضَتِ المَصلَحةُ الإمساكَ لِلمَعيبِ لا يَرُدُّه العامِلُ في الأصَحِّ؛ لِإخلالِه بمَقصودِ العَقدِ.
стр. 5103
والرَّأيُ الآخَرُ: له الرَّدُّ كالوَكيلِ.
وأجابَ الأولُ بأنَّ الوَكيلَ ليس له شِراءُ المَعيبِ، بخِلافِ العامِلِ إذا رأى فيه رِبحًا كما مَرَّ، فلا يَرُدُّ ما فيه مَصلَحةٌ بخِلافِ الوَكيلِ.
فإنِ استَوى الرَّدُّ والإمساكُ كان له الرَّدُّ قَطعًا، ويَجِبُ على العامِلِ مُراعاةُ المَصلحةِ في الرَّدِّ والإمساكِ.
ولِلمالِكِ الرَّدُّ لِما اشتَراه العامِلُ مَعيبًا حيث جازَ لِلعامِلِ الرَّدُّ، بل هو أوْلَى بجَوازِ ذلك؛ لأنَّه مالِكُ الأصلِ.
فإنِ اختَلَفا -أي: المالِكُ والعامِلُ- في الرَّدِّ والإمساكِ، أي: لِاختِلافِهما في المَصلَحةِ، عَمِل مِنْ جِهةِ الحاكِمِ أو المُحكِّمِ بالمَصلَحةِ الثابِتةِ عندَه في ذلك؛ لأنَّ كُلًّا منهما له حَقٌّ، سَواءٌ طلَب المالِكُ دونَ العامِلِ الإمساكَ، أو العَكسُ.
فإنِ استَوى الحالُ في الرَّدِّ والإمساكِ قال في «المَطلَبِ»: يَرجِعُ إلى العامِلِ إنْ جَوَّزنا له شِراءَ المَعيبِ بقيمَتِه، أي: وهو الأصَحُّ كما مَرَّ إنْ رأى فيه مَصلَحةً (١).
وقال الحَنابِلةُ: لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ المَعيبَ إذا رأى المَصلَحةَ فيه؛ لأنَّ المَقصودَ الرِّبحُ، وقد يَكونُ الرِّبحُ في المَعيبِ؛ فإنِ اشتَراه يَظُنُّه سَليمًا فبانَ مَعيبًا فله فِعلُ ما يَرى المَصلحةَ فيه مِنْ رَدِّه بالعَيبِ أو إمساكِه وأخْذِ أرشِ
стр. 5104
العَيبِ؛ فإنِ اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ فطالَبَه أحَدُهما وأباه الآخَرُ فعَل ما فيه النَّظرُ والحَظُّ؛ لأنَّ المَقصودَ تَحصيلُ الحَظِّ فيَحتمِلُ الأمرَ على ما فيه الحَظُّ، وأمَّا الشَّريكانِ إذا اختَلَفا في رَدِّ المَعيبِ فلِطالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نَصيبِه ولِلآخَرِ إمساكُ نَصيبِه إلا أنْ يَكونَ البائِعُ لَم يَعلَمْ أنَّ الشِّراءَ لهما جَميعًا فلا يَلزمُه قَبولُ رَدِّ بَعضِه؛ لأنَّ ظاهِرَ الحالِ أنَّ العَقدَ لِمَنْ وَليَه، فلَم يَجُزْ إدخالُ الضَّررِ على البائِعِ بتَبعيضِ الصَّفقةِ عليه، ولو أرادَ الذي وَليَ العَقدَ رَدَّ بَعضِ المَبيعِ وإمساكَ بَعضٍ كان حُكمُه حُكمَ ما لو أراد شَريكُه ذلك (١).
٩ - المُضارِبُ يَرهَنُ ويَرتَهِنُ في مالِ المُضاربةِ:
اختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليه، أو بالدَّينِ الذي له، أو لا يَجوزُ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ عندَ الحاجةِ أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليه، أو يَرتَهِنَ بالدَّينِ الذي له؛ لأنَّ الرَّهنَ يُرادُ لِلإيفاءِ والارتِهانِ يُرادُ لِلاستيفاءِ، وهو يَملِكُ الإيفاءَ والاستيفاءِ، فمَلَك ما يُرادُ لها؛ لأنَّ الارتِهانَ بمَنزِلةِ الاستيفاءِ، وإلى المُضارِبِ استيفاءُ الدَّينِ الواجِبِ لِلمُضارَبةِ، ولو كانت المُضاربةُ ألفَيْن واشتَرى عَبدًا بألفٍ وقَبَضه ونَقَدها ثم اشتَرى مَتاعًا بالألفٍ الأُخرى وقَبَضه على أنْ أعطاه العَبدُ بها رَهنًا فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الرَّهنَ بمَنزِلةِ الاستيفاءِ، والدَّينُ الواجِبُ بتَصرُّفِه لِلمُضاربةِ إنَّما يَقتَضيه مِنْ مالِ المُضارَبةِ.
стр. 5105
وذهَب الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه خَطرًا (١).
قال الحَنفيَّةُ: وإذا مات رَبُّ المالِ والمُضارَبةُ عُروضٌ فرَهنَ المُضارِبُ منها شَيئًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المُضارَبةَ تَنتَقِضُ بمَوتِ رَبِّ المالِ كالشَّركةِ؛ وإنَّما يَملِكُ مِنَ التَّصرُّفِ بعدَ ذلك مَا يَنِضُّ به المالُ ويُرَدُّ رأسُ المالِ ويُقسَّمُ الرِّبحُ مع الوَرثةِ، والرَّهنُ ليس مِنْ هذا في شَيءٍ، بما لا يَملِكُ أنْ يَرهَنَ، فيَكونُ هو ضامِنًا بخِلافِ ما لو باعَ شَيئًا مِنَ المالِ؛ لأنَّه إنْ باعه بالنَّقدِ فهو تَصرُّفٌ في الذي يَنِضُّ به المالُ، وإنْ باعَه بالعَرضِ فكذلك أيضًا؛ لأنَّ هذا العَرضَ ربما لا يُشتَرى بالنَّقدِ، فتَبادُلُه بعَرضٍ آخَرَ يَشتَري ذلك منه بالنَّقدِ.
وإذا رهَن رَبُّ المالِ مَتاعًا مِنَ المُضاربةِ وفيه فَضلٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ حَقَّ المُضاربِ في الفَضلِ مَملوكٌ له، فلا يَصحُّ رَهنُ رَبِّ المالِ فيه بغَيرِ رِضا المُطالِبِ فلا يَصحُّ فيما وَراءَ ذلك لِأجلِ الشُّيوعِ؛ فإذا لَم يَكُنْ فيه فَضلٌ على رأسِ المالِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه رَهنٌ مَلَك نَفْسَه بدَيْنه، ولكنْ يَضمَنُ قيمةَ ذلك؛ لأنَّه صارَ مُخرِجًا له مِنَ المُضارَبةِ، وكان فيه حَقٌّ لِلمُضارِبِ، ألَا تَرى أنَّه لو نَهاه عن التَّصرُّفِ فيه لا يُعمَلُ بنَهيِه فيَصيرُ ضامِنًا لِحَقِّه كما لو استَهلَكه، وعلى قَولِ زُفَرَ لا يَضمَنُ له شَيئًا (٢).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَجوزُ رَهنُ المُقارِضِ؛ لأنَّ الرَّهنَ
стр. 5106
غَيرُ مَضمونٍ إلا أنْ يأذَنَ رَبُّ المالِ لِلمُقارِضِ يَرهَنُ بدَينٍ له مَعروفٍ، وكذلك لا يَجوزُ ارتِهانُه إلا أنْ يأذَنَ له رَبُّ المالِ أنْ يَبيعَ بالدَّينِ؛ فإذا باعَ بالدَّينِ فالرَّهنُ ازدِيادٌ له، ولا يَجوزُ ارتِهانُه إلا في مالِ صاحِبِ المالِ؛ فإنْ رهَن عن غَيرِه فهو ضامِنٌ ولا يَجوزُ الرَّهنُ (١).
وقال في مَوضِعٍ آخَرَ: وليس لِلمُقارِضِ أنْ يَرهنَ؛ لأنَّ المِلكَ لِصاحِبِ المالِ، كان في المُقارضةِ فَضلٌ على رأسِ المالِ أو لَم يَكُنْ؛ وإنَّما مَلَّك المُقارِضُ الراهِنَ شَيئًا مِنَ الفَضلِ شَرَطه له إنْ سلَّم حتى يَصيرَ رأسُ مالِ المُقارِضِ إليه أخَذَ شَرطَه، وإنْ لَم يُسلِّمْ لَم يَكُنْ له شَيءٌ (٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في هذه المَسألةِ.
١٠ - التَّبرُّعُ والإقراضُ والمُحاباةُ والسَّفتَجةُ بمالِ المُضارَبةِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَتبرَّعَ أو يُقرِضَ أو يُحابيَ بمالِ المُضارَبةِ بلا إذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ فعَل ضَمِن.
قال الحَنفيَّةُ: ليس لِلمُضاربِ أنْ يُقرِضَ مالَ المُضاربةِ؛ لأنَّ القَرضَ تَبرُّعٌ في الحالِ، إذْ لا يُقابِلُه عِوَضٌ لِلحالِ؛ وإنَّما يَصيرُ مُبادلةً في الثاني ومالُ الغَيرِ لا يَحتمِلُ التَّبرُّعَ.
وكذلك الهِبةُ والصَّدَقةُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما تَبرُّعٌ.
стр. 5107
ولا يأخُذُ سَفتَجةً؛ لأنَّ أخْذَها استِدانةٌ، وهو لا يَملِكُ الاستِدانةَ.
وكذا لا يُعطَى سَفتَجةً؛ لأنَّ إعطاءَ السَّفتَجةِ إقراضٌ، وهو لا يَملِكُ الإقراضَ إلا بالتَّنصيصِ عليه هكذا، قال مُحمدٌ عن أبي حَنيفةَ: إنَّه قال: ليس له أنْ يُقرِضَ ولا أنْ يأخُذَ سَفتَجةً حتى يأمُرَه بذلك بعَينِه، فيَقولَ له خُذِ السَّفاتِجَ وأقرِضْ إنْ أحبَبتَ.
فأمَّا إذا قال له: «اعمَلْ في ذلك برأيِكَ»؛ فإنَّما هذا على البَيعِ والشِّراءِ والشَّركةِ والمُضارَبةِ وخَلطِ المالِ، وهذا قَولُ أبي يُوسُفَ، وقَولُنا، لِما ذَكَرنا أنَّ قَولَه: «اعمَلْ في ذلك برأيِك»، تَفويضُ الرَّأيِ إليه في المُضاربةِ والتَّبرُّعِ ليس مِنْ عَملِ المُضارَبةِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: ليس لِلعامِلِ أنْ يَهَب مِنْ مالِ القِراضِ شَيئًا لِغَيرِ ثَوابٍ بكَثيرٍ، ولو لِلاستِئلافِ، وأمَّا هِبةُ القَليلِ كدَفعِ لُقمةٍ لِسائِلٍ ونَحوِها فجائِزٌ، كما أنَّه يَجوزُ له أنْ يَهَب لِلثَّوابِ؛ لأنَّها بَيعٌ، والفَرقُ بينَ الشَّريكِ وعامِلِ القِراضِ حيث جازَ لِلشَّريكِ هِبةُ كَثيرٍ لِلِاستِئلافِ دونَ المُقارِضِ أنَّ العامِلَ الراجِحَ فيه أنَّه أجيرٌ، والقَولُ بأنَّه شَريكٌ مَرجوحٌ وحينَئِذٍ فالشَّريكُ أقوى منه.
ولا يُولِّي بسِلعةٍ مِنَ القِراضِ بأنْ يَشتريَ السِّلعةَ لِلقِراضِ فيُولِّيَها لِغَيرِه بمِثلِ ما اشتَرى به لِتَعلُّقِ حَقِّ رَبِّ المالِ بالرِّبحِ فيها، وهذا ما لَم يَخَفِ الوَضيعةَ -أي الخُسرَ- فيها وإلا جازَ.
стр. 5108
وله أنْ يأتيَ بطَعامٍ إلى قَومٍ ويَأتونَ بمِثلِه، وذلك له واسِعٌ إذا لَم يَتعمَّدْ أنْ يَتفضَّلَ عليهم؛ فإنْ تَعمَّدَ ذلك بغَيرِ إذنِ صاحِبِه فليَتحلَّلْ صاحِبَه؛ فإنْ حَلَّله فلا بأسَ به، وإنْ أبى فليُكافِئْه بمِثلِه إنْ كان شَيئًا له مُكافأةٌ، أي يُعطيه بقَدْرِ ما يَخُصُّه، أي: فيما زادَه مِنَ الطَّعامِ على غَيرِه.
وقال الباجيُّ: إنِ اجتَمَع مع رُفقائِه فجاؤُوا بطَعامٍ على ما يَتخارَجُه الرُّفَقاءُ في السَّفرِ فذلك واسِعٌ، وإنْ كان بَعضُه أكثَرَ مِنْ بَعضٍ ما لَم يَتعمَّدْ أنْ يَتفضَّلَ عليهم بأمرٍ مُستَنكَرٍ.
وإنْ كان مِنهم مَنْ يأكُلُ في بَعضِ الأوقاتِ أكثَرَ مِنْ صاحِبِه ومَن يَصومُ في يَومٍ دونَ رُفقائِه فذلك جائِزٌ، وكذلك إذا أخرَج كلُّ واحِدٍ منهم بقَدْرِ ما يَتساوى فيه ثم يُنفِقون منه في طَعامِهم وغَيرِه مما مَسَّتهم الحاجةُ إليه، وذلك لأنَّ انفِرادَ كلِّ إنسانٍ بتَوَلِّي طَعامِه يَشُقُّ عليه ويَشغَلُه عما هو بسَبَبِه مِنْ أمرِ تِجارَتِه، قال ابنُ عَرَفةَ: وكذلك غَيرُ المُسافِرينَ، قالَه بَعضُ مَنْ لَقيتُ، وهو واضِحٌ. اه.
وسمِع ابنُ القاسِمِ: لا بأسَ على عامِلِ القِراضِ في إعطاءِ السائِلِ الكِسرةَ، وكذلك التَّمراتُ. قال ابنُ رُشدٍ؛ لأنَّه مِنَ اليَسيرِ الذي لا يُتشاحُّ في مِثلِه.
وكذا الوَصيُّ يُعطي السائِلَ مِنْ مالِ يَتيمِه، وأصلُه قَولُ اللهِ : ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] الآيةَ (١).
стр. 5109
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَتصدَّقُ العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ ولو بكِسرةٍ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتناوَلْه (١).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَهَبُ المُضارِبُ مِنْ مالِ المُضارَبةِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ، ونقَل حَنبَلٌ عن الإمامِ أحمدَ أنَّ له أنْ يَتبرَّعَ ببَعضِ الثَّمنِ لِمَصلَحةٍ.
ولا يَجوزُ له أنْ يُقرِضَ مِنْ مالِ المُضارَبةِ وظاهِرُه ولو برَهنٍ.
ولا يَجوزُ له أنْ يُحابيَ في بَيعٍ أو شِراءٍ لِمُنافاتِه مَقصودَ الشَّركةِ، وهو طَلَب الرِّبحِ.
ولا يأخُذُ بمالِ المُضارَبةِ سَفتَجةً بأنْ يَدفعَ المُضارِبُ مِنْ مالِ المُضارَبةِ إلى إنسانٍ، ويأخُذُ منه -أي: المَدفوعِ إليه- كِتابًا إلى وَكيلٍ ببَلدٍ آخَرَ يَستَوفي منه ما أخَذَه منه مُوكِّلُه أو يُعطيها -أي: السَّفتَجةَ- بأنْ يَشتريَ المُضارِبُ عَرضًا لِلمُضاربةِ، ويُعطيَ بثَمنِه كِتابًا إلى وَكيلِه -أي: المُشتَري- ببَلدٍ آخَرَ لِيَستَوفيَ البائِعُ منه -أي: الثَّمنِ-؛ لأنَّ فيه خَطرًا لَم يُؤذَنْ فيه (٢).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: ولا يَهَبُ المُقارِضُ شَيئًا مِنْ مالِ القِراضِ، ولا يُعطي منه سائِلًا، ولا يُكافِئُ أحَدًا.
فإنْ خالَط غَيرَه في أكلٍ، وجعَل حِصَّتَه ولَم يَتفضَّلْ عليهم فلا بأسَ به؛
стр. 5110
فإنْ فعَل مِنْ ذلك شَيئًا يُحلِّلُ رَبَّ المالِ؛ فإنْ لَم يُحلِّلْه فليُكافِئْه بمِثلِ ذلك، فيما له مُكافأةٌ، هذا كلُّه مما لا خِلافَ فيه (١).
١١ - التَّوكيلُ بالبَيعِ والشِّراءِ في مالِ المُضاربةِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في المُضارِبِ هل له أنْ يُوكِّلَ غَيرَه في أنْ يَبيعَ ويَشتريَ مِنْ مالِ المُضاربةِ أو لا يَجوزُ؟
فذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ التَّوكيلُ بالبَيعِ والشِّراءِ فيما يَتولَّى مِثلَه مِنَ العَملِ بنَفْسِه كالوَكيلِ، أمَّا فيما لا يَتولَّى مِثلَه بنَفْسِه أو يُعجِزُه فيَجوزُ.
وجاء في «المُدوَّنةِ» في المُقارِضِ يُوَكِّلُ مَنْ يَتقاضى له دَينَ القِراضِ فيَتلَفُ:
قُلتُ: أرأيتَ مُقارِضًا وَكَّل وَكيلًا يَتقاضى له دَينًا مِنْ مالِ القِراضِ فتَقاضاه فتَلِف منه، أيَجوزُ هذا؟ قال: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: إذا قارَضَ المُقارِضُ بغَيرِ إذْنِ رَبِّ المالِ، ضمِن، فهذا أراه ضامِنًا إنْ تَلِف المالُ في يَدِ الوَكيلِ، إلا أنَّه لو استَودَع مِنْ غَيرِ خَوفٍ ضَمِن (٢).
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ التَّوكيلُ بالبَيعِ والشِّراءِ، وذلك لِعُمومِ تَصرُّفِه وكَثرَتِه وطُولِ مُدَّتِه
стр. 5111
في الأغلَبِ، وهذه قَرائِنُ تَدلُّ على الإذنِ في التَّوكيلِ في البَيعِ والشِّراءِ (١).
١٢ - إيداعُ مالِ المُضارَبةِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في المُضارِبِ هل له أنْ يُودِعَ مالَ المُضارَبةِ أو لا يَجوزُ له؟
ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُودِعَ مالَ المُضارَبةِ بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ إذا كان لِحاجةٍ؛ لأنَّه عادةُ التُّجارِ، وقد تَدعو الحاجةُ إلى الإيداعِ؛ لأنَّه مِنْ ضَرورةِ الشَّركةِ أشبَهَ دَفعَ المَتاعِ إلى الحَمَّالِ، ولأنَّ لِلمُضارِبِ أنْ يَدفعَ مالَ المُضارَبةِ لِمَنْ يَحفَظُه بأجرٍ، فلَأنْ يَدفَعَه لِمَنْ يَحفَظُه بلا أجرٍ -وهو المُودَعُ- أوْلَى.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه ليس مِنَ المُضاربةِ، وفيه غَررٌ (٢).
وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُقارِضِ أنْ يُودِعَ مالَ المُضارَبةِ إلا لِعُذرٍ كنُزولِه في مَحَلِّ خَوفٍ بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ أودَعَ لِغَيرِ عُذرٍ وتَلِف المالُ فإنَّه يَضمَنُ، وسَواءٌ كان المالُ واسِعًا أو لا؟ ويُصدَّقُ في دَعوى العُذرِ وإنْ كان لِغَيرِ عُذرٍ ضمِن.
стр. 5112
قال اللَّخميُّ ﵀: وقال ابنُ القاسِمِ في المُقارِضِ: ليس له أنْ يُودِعَ القِراضَ، ولا أنْ يُرسِلَه مع غَيرِه (١).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في المُقارِضِ يَستودِعُ غَيرَه مِنْ مالِ القِراضِ.
قُلتُ: أرأيتَ المُقارِضَ، إذا أذِنتُ له أنْ يَبيعَ بالنَّقدِ وبالنَّسيئةِ، أيَكونُ له أنْ يَستودِعَ غَيرَه؟ قال: لا، إلَّا على خَوفٍ، مِثلَما يَجوزُ لِصاحِبِ الوَديعةِ الذي يَستودِعُها. قُلتُ: وهذا قَولُ مالِكٍ؟ قال: قال مالِكٌ في الوَديعةِ إنِ استَودَعها غَيرَه ضامِنٌ، إلا مِنْ عُذرٍ، مِنْ خَرابِ مَنزِلٍ أو إرادةِ سَفَرٍ، أو ألَّا يَكونَ مَنزِلُه حَريزًا، أو ألَّا يَكونَ عندَه مَنْ يَثِقُ به، فيَستودِعَه، فلا ضَمانَ عليه، فمَسألتُكَ مِثلُه.
قُلتُ: أرأيتَ العامِلَ، ألَه أنْ يَستودِعَ مالَ القِراضِ؟ قال: لا يَكونُ له ذلك، إلا على وَجهِ خَوفٍ، أو إنَّما فَعلَه نَظرًا لِخَوفٍ تَخَوَّفَه بمَنزِلةِ الوَديعةِ تَكونُ عندَ الرَّجلِ ومَنزِلهُ مَعورٌ.
قال مالِكٌ في مِثلِ هذا: إذا استَودَعَه غَيرَه مِنْ خَوفٍ دخَل عليه، قال مالِكٌ: فلا ضَمانَ عليه إنِ استَودَعه، إذا كان بهذه الحالِ، فالقِراضُ عندي بمَنزِلةِ الوَديعةِ (٢).
ولَم أقِفْ لِلشافِعيَّةِ على قَولٍ في هذه المَسألةِ.
стр. 5113
١٣ - الاستِئجارُ على المُضاربةِ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ لِلمُضارِبِ أنْ يَستأجرَ مِنْ مالِ المُضاربةِ إذا كان المالُ كَثيرًا لا يَستطيعُ القيامَ بجَميعِه، أو كانت العادةُ ألَّا يَتولَّى هذه الأعمالَ بنَفْسِه؛ فإنِ استأجَرَ ولا حاجةَ لِلاستِئجارِ ضَمِن.
قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَستأجرَ مَنْ يَعمَلُ في المالِ؛ لأنَّه مِنْ عادةِ التُّجارِ وضَروراتِ التِّجارةِ أيضًا؛ لأنَّ الإنسانَ قد لا يَتمكَّنُ مِنْ جَميعِ الأعمالِ بنَفْسِه فيَحتاجُ إلى الأجيرِ.
وله أنْ يَستأجرَ البُيوتَ لِيَجعلَ المالَ فيها؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على حِفظِ المالِ إلا به، وله أنْ يَستأجِرَ السُّفُنَ والدَّوابَّ لِلحَملِ؛ لأنَّ الحَملَ مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ طَريقٌ يَحصُلُ به الرِّبحُ ولا يُمكِنُه النَّقلُ بنَفْسِه (١).
وقال المالِكيَّةُ: وعلى العامِلِ ما جَرَت العادةُ به، كالنَّشرِ والطَّيِّ لِلثِّيابِ الخَفيفَيْن، لا الكَثيرَيْن مما لَم تَجْرِ العادةُ به، وعليه الأجرُ مِنْ مالِه إنِ استأجَر على ذلك، لا على رَبِّ المالِ، ولا مِنَ الرِّبحِ، ومِثلُ ما ذُكِر النَّقلُ الخَفيفُ.
وأمَّا ما جَرَت العادةُ ألَّا يَتولَّاه، وتَولَّاه وهو مِنْ مَصلحةِ المالِ فله أجرُه إنِ ادَّعى أنَّه عَملُه لِيَرجِعَ بأجرِه، وخالَفَه رَبُّ المالِ بيَمينٍ؛ لأنَّها دَعوى بشَيءٍ مَعروفٍ، فتَتوجَّهُ عليه اليَمينُ حيث كانت دَعوى رَبِّ المالِ أنَّ
стр. 5114
العامِلَ نَصَّ على أنَّه على وَجهِ المَعروفِ، وأمَّا إنْ كان لِسُكوتِه فلا يَحلِفُ.
وله أيضًا أنْ يَستأجِرَ مِنَ المالِ إذا كان كَثيرًا لا يَقوى عليه مَنْ يَكفيه بَعضَ مُؤنَتِه مِنَ الأعمالِ أعمالٌ لا يَعمَلُها العامِلُ وليس مِثلُه يَعمَلُها (١).
وقال الشافِعيَّةُ: على العامِلِ فِعلُ كلِّ ما يُعتادُ فِعلُه مِنْ عَملِ القِراضِ بحَسَبِ العُرفِ مما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفْسِه كطَيِّ الثَّوبِ ونَشرِه وذَرعِ الثَّوبِ وإدراجِه في الصُّندوقِ ووَزنِ الخَفيفِ كذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِسكٍ؛ لاقتِضاءِ العُرفِ ذلك، لا الأمتعةِ الثَّقيلةِ فليس عليه وَزنُها ولا نَحوُه كحَملِها ونَقلِها مِنَ الخانِ مَثَلًا لِلسُّوقِ وعَكسِه والنِّداءِ عليه لِجَريانِ العُرفِ بالاستِئجارِ لذلك.
وما لا يَلزَمُه كأُجرةِ كَيلٍ وحِفظٍ، فله الاستِئجارُ عليه مِنْ مالِ القِراضِ؛ لأنَّه مِنْ تَتمَّةِ التِّجارةِ ومَصالِحِها، ولو فعَله بنَفْسِه لَم يَستحِقَّ أُجرةً.
وما يَلزَمُه فِعلُه لو اكتَرى عليه مَنْ فَعلَه فالأُجرةُ في مالِه لا في مالِ القِراضِ، فلو شرَط على المالِكِ الاستِئجارَ عليه مِنْ مالِ القِراضِ حُكيَ فيه وَجهانِ، والظاهِرُ منهما عَدَمُ الصِّحةِ (٢).
وقال الحَنابِلةُ: على العامِلِ أنْ يَتولَّى بنَفْسِه كلَّ ما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه المُضارِبُ بنَفْسِه مِنْ نَشرِ الثَّوبِ وطَيِّه وعَرضِه على المُشتَري
стр. 5115
ومُساوَمتِه وعَقدِ البَيعِ معه وأخذِ الثَّمنِ وانتِقادِه وشَدِّ الكيسِ وخَتمِه وإحرازِه في الصُّندوقِ ونَحوِ ذلك، ولا أجرَ له عليه؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لِلرِّبحِ في مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجَرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ -مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ- فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعمَلُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ.
فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبَرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفرَد بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لِذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلَتِه شَيءٌ، فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (١).
١٤ - خَلطُ المُضارِبِ مالَ المُضاربةِ بمالِه أو بغَيرِ مالِه:
ذهَب جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربَعةِ إلى أنَّ المُضارِبَ إذا خلَط مالَ المُضارَبةِ بمالِه ولَم يَتميَّزْ، أو بمالِ غَيرِه لِيَعملَ بهما، ولَم يأذَنْ له رَبُّ المالِ؛ فإنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّه أمانةٌ، فهي كالوَديعةِ.
فإنْ قال له: اعمَلْ برأيكَ جازَ له ذلك عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أيضًا، وإليكَ تَفصيلَ أقوالِهم.