مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ، مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعملُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ.
فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخُذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفَردَ بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلتِه شَيءٌ فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (١).
وقالوا: ويَصحُّ دَفعُ عَبدٍ أو دَفعُ دابَّةٍ أو قِربةٍ أو قِدرٍ أو آلةِ حَرثٍ أو نَورَجٍ أو مِنجَلٍ ونَحوِه لِمَنْ يَعملُ به بجُزءٍ مِنْ أُجرتِه، ويَصحُّ دَفعُ ثَوبٍ إلى مَنْ يَخيطه، أو دَفعُ غَزلٍ إلى مَنْ يَنسِجُه بجُزءٍ مِنْ رِبحِه.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ دفَع ثَوبَه إلى خَيَّاطٍ لِيُفصِّلَه قُمصانًا يَبيعُها وله نِصفُ رِبحِها بحَقِّ عَملِه جازَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَربٍ.
وإنْ دفَع غَزلًا إلى رَجلٍ يَنسِجُه ثَوبًا بثُلثِ ثَمنِه أو رُبعِه جازَ، نَصَّ عليه ولَم يُجِزْ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ شيئًا مِنْ ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَحمولٌ مَجهولٌ وعَملٌ مَجهولٌ، وقد ذكَرنا وَجهَ جَوازِه، وإنْ جعَل له مع ذلك
стр. 5042
دَراهمَ مَعلومةً لَم يَجُزْ، نَصَّ عليه، وعنه الجَوازُ، والصَّحيحُ الأولُ، وقال أبو بَكرٍ: هذا قَولٌ قَديمٌ، وما رُويَ غَيرُ هذا، فعليه المُعتمَدُ، قال الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ يَقولُ: لا بأسَ بالثَّوبِ يُدفَعُ بالثُّلثِ والرُّبعِ.
وسُئِلَ عن الرَّجلِ يُعطي الثَّوبَ بالثُّلثِ ودِرهَمٍ ودِرهَمَيْن قال: أكرَهُه؛ لأنَّ هذا شَيءٌ لا يُعرَفُ، والثُّلثُ إذا لَم يَكُنْ معه شَيءٌ نَراه جائِزًا؛ لِحَديثِ جابِرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى خَيبَرَ على الشَّطرِ، قيلَ لِأبي عَبدِ اللهِ: فإنْ كان النَّساجُ لا يَرضى حتى يُزادَ على الثُّلثِ دِرهمٌ، قال: فليَجعَلْ له ثُلثًا وعُشرَيْ ثُلثٍ ونِصفَ عُشرٍ، وما أشبَهَه، ورَوى الأثرمُ عن ابنِ سِيرينَ والنَّخَعيِّ والزُّهريِّ وأيُّوبَ ويَعلَى بنِ حَكيمٍ أنَّهم أجازوا ذلك، وقال ابنُ المُنذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ وقال أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ: هذا كلُّه فاسِدٌ، واختارَه ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَقيلٍ، وقالوا لو دفَع شَبَكةً إلى الصَّيادِ لِيَصيدَ بها السَّمكَ بينَهما نِصفَيْن، فالصَّيدُ كلُّه لِلصَّيادِ، ولِصاحبِ الشَّبَكةِ أجرُ مِثلِها، وقياسُ ما نُقِل عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّركةِ وما رزَق الله بينَهما على ما شرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ فيها، فصَحَّ دَفعُها ببَعضِ نَمائِها كالأرضِ (١).
ويَصحُّ حَصادُ زَرعٍ ورَضاعُ قِنٍّ واستيفاءُ مالٍ ونَحوُ ذلك، كبِناءِ دارٍ وطاحونٍ ونَجرِ بابٍ وطَحنِ نَحوِ بُرٍّ بجُزءٍ مَشاعٍ منه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ عليها، فصَحَّ العَقدُ عليها ببَعضِ نَمائِها كالشَّجرِ في المُساقاةِ، ولا
стр. 5043
يَصحُّ تَخريجُها على المُضاربةِ بالعُروضِ؛ لأنَّها إنَّما تَكونُ بالتِّجارةِ والتَّصرُفِ في رَقبةِ المالِ وهذا بخِلافِه، ولا يُعارضُه حَديثُ الدارَقُطنيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن عَسبِ الفَحلِ وعن قَفيزِ الطَّحَّانِ، لِحَملِه على قَفيزٍ مِنَ المَطحونِ، فلا يَدري البَقيَّةَ بَعدَه، فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً، ويَكونُ المِقدارُ هنا جُزءًا مَشاعًا، بخِلافِ ما قَدَّر له قَفيزًا؛ فإنَّه لا يَدري البَقيَّةَ بَعدَ القَفيزِ كم هي؟ فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً.
وإنْ جعَل له مع الجُزءِ المَشاعِ دِرهمًا فأكثَرَ لَم يَصحَّ نَصًّا، ويَصحُّ بَيعٌ ونَحوُه، كإيجارٍ لِمَتاعٍ وغَزوٍ بدابَّةٍ وبجُزءٍ مِنْ رِبحِه، أي: المَتاعِ، أو بجُزءٍ مِنْ سَهمِها، أي: الدَّابَّةِ، نَصَّ عليه فيمَن أعطى فرَسه على النِّصفِ مِنَ الغَنيمةِ، بخِلافِ ما لو قال: بِعْ عَبدي أو أجِّرْه والثَّمنُ أو الأُجرةُ بينَنا، فلا يَصحُّ، والثَّمنُ أو الأُجرةُ لِرَبِّه ولِلآخَرِ أُجرةُ مِثلِه.
ويَصحُّ دَفعُ دابَّةٍ أو نَحلٍ ونَحوِهما كعَبدٍ وأَمَةٍ لِمَنْ يَقومُ بهما مُدَّةً مَعلومةً، كسَنةٍ ونَحوِها، بجُزءٍ منهما، كرُبعِهما أو خُمسِهما، والنَّماءُ لِلدَّابَّةِ أو النَّحلِ ونَحوِهما مِلكٌ لهما، أي: الدافِعِ والمَدفوعِ إليه على حَسَبِ مِلكِهما؛ لأنَّه نَماؤُه.
قال البُخاريُّ في «صَحيحِه»، وقال مَعمَرٌ: لا بأسَ أنْ تَكونَ الماشيةُ على الثُّلثِ أو الرُّبعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
ولا يَجوزُ دَفعُ دابَّةٍ ونَحلٍ ونَحوِهما لِمَنْ يَقومُ بهما مُدةً ولو مَعلومةً بجُزءٍ مِنْ نَماءٍ، كدَرٍّ ونَسلٍ وصُوفٍ وعَسلٍ ونَحوِ ذلك، كمِسكٍ وزُبادٍ، لِحُصولِ نَمائِه بغَيرِ عَملٍ، وله أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه عَمِلَ بعِوضٍ لَم يُسَمَّ له.
стр. 5044
وعنه: يَصِحُّ، اختاره الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك»، هل له الزِّراعةُ؟ يَحتمِلُ ألَّا يَملِكَ ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ لا يُفهَمُ مِنْ إطلاقِها، وقد رُويَ عن أحمدَ ﵀ فيمَن دفَع إلى رَجلٍ ألفًا، وقال: «اتَّجِرْ فيها بما شِئتَ»، فزرَع فرِبحٍ فيه فالمُضاربةُ جائِزةٌ، والرِّبحُ بينَهما، قال القاضي: ظاهِرُ هذا أنَّ قَولَه: اتَّجِرْ بما شِئتَ دَخلَت فيه؛ لأنَّها مِنَ الوُجوهِ التي يُبتَغى بها النَّماءُ، وعلى هذا لو هلَك المالُ كلُّه لَم يَلزَمْه ضَمانُه (٢).
شُروطُ العَملِ في المُضاربةِ:
والعَملُ في المُضاربةِ يُشترطُ فيه شُروطٌ، بَعضُها لا تَصحُّ المُضاربةُ إلا بها، وتَفسُدُ المُضاربةُ إنْ تَخلَّفت هذه الشُّروطُ أو بَعضُها، وبَعضُها تَفسُدُ المُضاربةُ بوُجودِها، وهذه الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفقٌ عليه، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه.
تَصرُّفاتُ المُضاربِ العاملِ:
تَصرُّفاتُ المُضاربِ منها ما يَجوزُ له فِعلُه مِنْ غَيرِ نَصٍّ عليه، ومنها ما لا يَجوزُ له فِعلُه إلا بالنَّصِّ عليه، ويَختلِفُ حُكمُ ذلك بحَسَبِ ما إذا كانت المُضاربةُ مُطلقةً أو مُقيَّدةً، وكذلك مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ.
стр. 5045
والمُضاربةُ المُطلقةُ: هي أنْ يَدفعَ رَبُّ المالِ لِلمُضاربِ مالًا بدونِ قَيدٍ، مِنْ غَيرِ تَعيينِ رَبِّ المالِ لِلمُضاربِ العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ فيه أو الزَّمانَ أو صِفةَ العَملِ أو مَنْ يُعامِلُه، بل قال له: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً على أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَنا مُناصَفةً أو أثلاثًا أو نَحوَ ذلك»، وهذا النَّوعُ جائِزٌ باتِّفاقِ المَذاهبِ (١)، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما يَجوزُ لِلمُضاربِ فِعلُه وما لا يَجوزُ، كما سيأتي.
والمُضاربةُ المُقيَّدةُ: هي أنْ يُعيِّنَ رَبُّ المالِ شَيئًا مِنْ ذلك، بأنْ يُعيِّنَ له العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ ويُتاجرُ فيه، أو شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ أو ألَّا يُتاجِرَ إلا مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، أو إلا في وَقتٍ مُعيَّنٍ (٢).
وقد اختلَف العُلماءُ هل تَصحُّ هذه الشُّروطُ التي في المُضاربةِ المُقيَّدةِ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم أنَّ القِراضَ لو سلِمَ مِنَ الشُّروطِ فهو جائِزٌ (٣).
ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ هذه الشُّروطِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ سيأتي نَقلًا عنهم، ومنَع مِنْ ذلك المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ، وتَفسُدُ المُضاربةُ بذلك عندَهم على تَفصيلٍ سيأتي.
قال الحَنفيَّةُ: المُضاربةُ المُقيَّدةُ حُكمُها حُكمُ المُضاربةِ المُطلَقةِ لا تُفارِقُها إلا في قَدْرِ القَيدِ.
стр. 5046
والأصلُ فيه أنَّ القَيدَ إنْ كان مُفيدًا يَثبُتُ؛ لأنَّ الأصلَ في الشُّروطِ اعتبارُها ما أمكَنَ، وإذا كان القَيدُ مُفيدًا كان يُمكِنُ الاعتبارُ، ويُعتبَرُ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ عِنْدَ شُروطِهم»، ويَتقيَّدُ بالمَذكورِ، ويَبقى مُطلَقًا فيما وَراءَه على الأصلِ المَعهودِ في المُطلقِ، إذا قُيِّد ببَعضِ المَذكورِ، يَبقى مُطلَقًا فيما وَراءَه، كالعامِّ إذا خُصَّ منه بَعضُه يَبقى عامًّا فيما وَراءَه، وإنْ لَم يَكُنْ مُفيدًا لا يَثبُتُ، بل يَبقى مُطلَقًا؛ لأنَّ ما لا فائِدةَ فيه يُلغَى ويَلحَقُ بالعَدمِ، فإذا عَرَفنا هذا نَقولُ:
إذا دفَع رَجلٌ إلى رَجلٍ مالًا مُضاربةً على أنْ يَعملَ به في الكُوفةِ فليس له أنْ يَعملَ في غَيرِ الكُوفةِ؛ لأنَّ قَولَه: «على أنْ» مِنْ ألفاظِ الشَّرطِ، وهو شَرطٌ مُفيدٌ؛ لأنَّ الأماكِنَ تَختلِفُ بالرُّخصِ والغَلاءِ، وكذا في السَّفرِ خَطرٌ، فيُعتبَرُ، وحَقيقةُ الفِقهِ في ذلك أنَّ الإذنَ كان عَدمًا؛ وإنَّما يَحدُثُ بالعَقدِ، فيَبقى فيما وَراءَ ما تَناوَله العَقدُ على أصلِ العَدمِ.
وكذا لا يُعطيها بِضاعةً لِمَنْ يَخرجُ بها مِنَ الكُوفةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَملِكِ الإخراجَ بنَفْسِه فلَأنْ يَكونَ لا يَملِكُ الأمرَ بذلك أوْلى، وإنْ أخرَجها مِنَ الكُوفةِ؛ فإنِ اشتَرى بها وباعَ ضمِن؛ لأنَّه تَصرُّفٌ لا على الوَجهِ المَأذونِ، فصارَ فيه مُخالِفًا فيَضمَنُ، وكأنَّ المُشتَري لِنَفْسِه له رِبحُه وعليه وَضيعَتُه، لكنْ لا يَطيبُ له الرِّبحُ عندَ مُحمدٍ وأبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسُفَ يَطيبُ، وإنْ لَم يَشتَرِ بها شَيئًا حتى رَدَّها إلى الكُوفةِ بَرئَ مِنَ الضَّمانِ ورجَع المالُ مُضاربةً على حالِه؛ لأنَّه عاد إلى الوِفاقِ قبلَ تَقرُّرِ الخِلافِ فيُبرأُ عن الضَّمانِ كالمُودَعِ إذا خالَف ثم عادَ إلى الوِفاقِ.
стр. 5047
ولو لَم يَرُدَّه حتى هلَك قبلَ التَّصرُّفِ لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يَتصرَّفْ لَم يَتقرَّرِ الخِلافُ فلا يَضمَنُ.
ولو اشتَرى ببَعضِه ورَدَّ بَعضَه فما اشتَراه فهو له، وما رَدَّ رجَع على المُضاربةِ؛ لأنَّه تَقرَّر الخِلافُ في القَدْرِ المُشتَرى وزال عن القَدْرِ المَردودِ.
ولو دفَع إليه على أنْ يَعملَ في سُوقِ الكُوفةِ فعَمِلَ في الكُوفةِ في غَيرِ
سُوقِها فهو جائِزٌ على المُضاربةِ، استِحسانًا، والقياسُ أنَّه لا يَجوزُ.
وَجهُ القياسِ: أنَّه شرَط عليه العَملَ في مَكانٍ مُعيَّنٍ فلا يَجوزُ في غَيرِه، كما لو شرَط ذلك في بَلدٍ مُعيَّنٍ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّ التَّقييدَ بسُوقِ الكُوفةِ غَيرُ مُفيدٍ؛ لأنَّ البَلدَ الواحِدَ بمَنزِلةِ بُقعةٍ واحِدةٍ فلا فائِدةَ في التَّعليقِ بهذا الشَّرطِ فيُلغَى الشَّرطُ.
ولو قال له: اعمَلْ به في سُوقِ الكُوفةِ أو لا تَعمَلْ به إلا في سُوقِ الكُوفةِ فعَمِل في غَيرِ سُوقِ الكُوفةِ يَضمنُ؛ لأنَّ قَولَه: لا تَعمَلْ إلا في سُوقِ الكُوفةِ حَجرٌ له فلا يَجوزُ تَصرُّفُه بعدَ الحَجرِ، وفي الفَصلِ الأولِ ما حَجرَ عليه بل شرَط عليه أنْ يَكونَ عَملُه في السُّوقِ، والشَّرطُ غَيرُ مُفيدٍ، فأُلغيَ.
ولو قال له: «خُذْ هذا المالَ تَعملُ به في الكُوفةِ»، لَم يَجُزْ له العَملُ في غَيرِها؛ لأنَّ «في» كَلمةُ ظَرفٍ، فقد جعَل الكُوفةَ ظَرفًا لِلتَّصرُّفِ الذي أذِنَ له فيه، فلو جازَ في غَيرِها لَم تَكُنِ الكُوفةُ ظَرفًا لِتَصرُّفِه، وكذلك إذا قال له: فاعمَلْ به في الكُوفةِ، لِما قُلْنا، ولأنَّ الفاءَ مِنْ حُروفِ التَّعليقِ فتُوجِبُ تَعلُّقَ ما قَبلَها بما بعدَها؛ وإنَّما يَتعلَّقُ إذا لَم يَجُزِ التَّصرُّفُ في غَيرِها.
стр. 5048
وكذلك إذا قال: «خُذْ هذا المالَ بالتَّصرُّفِ بالكُوفةِ؛ لأنَّ الباءَ حَرفُ إلصاقٍ فتَقتَضي التِصاقَ الصِّفةِ بالمَوصوفِ، وهذا يَمنَعُ جَوازَ التَّصرُّفِ في غَيرِها.
ولو قال: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً واعمَلْ به في الكُوفةِ»، فلَه أنْ يَعمَلَ بالكوفةِ، وحيثما بدا له؛ لأنَّ قَولَه: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً»، إذنٌ له في التَّصرُّفِ مُطلَقًا، وقَولَه: «واعمَلْ به في الكوفةِ»، إذْنٌ له بالعَملِ في الكوفةِ، فكان له أنْ يَعملَ في أيِّ مَوضعٍ شاءَ، كمَن قال لِغَيرِه: «أعتِقْ عَبدًا مِنْ عَبيدي»، ثم قال له: «أعتِقْ عَبدي سالِمًا»، فله أنْ يُعتِقَ أيَّ عَبدٍ شاءَ، وألَّا يَتقيَّدَ التَّوكيلُ بإعتاقِ سالِمٍ، كذا هذا؛ إذِ المُضاربةُ تَوكيلٌ بالشِّراءِ والبَيعِ.
ولو قال: خُذْ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ على أنْ تَشتريَ به الطَّعامَ، أو قال: فاشتَرِ به الطَّعامَ، أو قال: تَشتَري به الطَّعامَ، أو قال: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ في الطَّعامِ»، فذلك كلُّه سَواءٌ، وليس له أنْ يَشتريَ سِوى الطَّعامِ بالإجماعِ؛ لِما ذكَرنا «على أنَّ» لِلشَّرطِ، والأصلُ في الشَّرطِ المَذكورِ في الكَلامِ اعتبارُه، والفاءُ لِتَعليقِ ما قَبلَها بما بعدَها.
وقَولُه: «يَشتَري به الطَّعامَ»، تَفسيرُ التَّصرُّفِ المأذونِ به، وقَولُه: «في الطَّعامِ»، «في» كَلمةُ ظَرفٍ؛ فإذا دخَلت على ما لا يَصلُحُ ظَرفًا تَصيرُ بمَعنى الشَّرطِ، وكلُّ ذلك يَقتَضي التَّقييدَ بالشَّرطِ المَذكورِ، وأنَّه شَرطٌ مُفيدٌ؛ لأنَّ بَعضَ أنواعِ التِّجارةِ يَكونُ أقرَبَ إلى المَقصودِ مِنْ بَعضٍ، وكذا الناسُ مُختلِفون في ذلك، فقد يَهتَدي الإنسانُ إلى بَعضِ التِّجارةِ دونَ بَعضٍ، فكان الشَّرطُ مُفيدًا فيَتقيَّدُ به ولا يَملِكُ أنْ يَشتريَ غَيرَ الطَّعامِ، والطَّعامُ هو الحِنطةُ
стр. 5049
ودَقيقُها؛ إذْ لا يُرادُ به كلُّ ما يُتطعَّمُ، بل بَعضٌ دونَ بَعضٍ، والأمرُ يَختلِفُ باختِلافِ عادةِ البُلدانِ، فاسمُ الطَّعامِ في عُرفِهم لا يَنطلِقُ إلا على الحِنطةِ ودَقيقِها، وكذلك لو ذكَر جِنسًا آخَرَ بأنْ قال له خُذ هذا المالَ مُضاربةً بالنِّصفِ على أنْ تَشتريَ به الدَّقيقَ أو الخُبزَ أو البُرَّ أو غَيرَ ذلك، فليس له أنْ يَعملَ مِنْ غَيرِ ذلك الجِنسِ بلا خِلافٍ، لكنْ له أنْ يَشتريَ ذلك الجِنسَ في المِصرِ وغَيرِه وأنْ يُبضِعَ فيه وأنْ يَعملَ فيه جَميعَ ما يَعمَلُه المُضارِبُ في المُضاربةِ المُطلَقةِ لِما ذكَرنا أنَّ اللَّفظَ المُطلَقَ إذا قُيِّد ببَعضِ الأشياءِ يَبقى على إطلاقِه فيما وَراءَه.
وقال ابنُ سَماعةَ: سَمِعتُ مُحمدًا قال في رَجلٍ دفَع إلى رَجلٍ مالًا مُضاربةً فقال له: «إنِ اشتَريتَ به الحِنطةَ فلك مِنَ الرِّبحِ النِّصفُ ولي النِّصفُ، وإنِ اشتَريتَ به الدَّقيقَ فلكَ الثُّلثُ ولي الثُّلثانِ»، فقال: هذا جائِزٌ، وله أنْ يَشتريَ أيَّ ذلك شاءَ على ما سَمَّى له رَبُّ المالِ؛ لأنَّه خَيَّره بينَ عَملَيْن مُختلِفَيْن فيَجوزُ كما لو خُيِّر الخَيَّاطُ بينَ الخِياطةِ الرُّوميَّةِ والخياطةِ الفارسيةِ.
ولو دفَع إليه على أنَّه إنْ عَمِل في المِصرِ فله ثُلثُ الرِّبحِ، وإنْ سافَر فله النِّصفُ جازَ والرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا، إنْ عمِل في المِصرِ فله الثُّلثُ، وإنْ سافَر فله النِّصفُ، ولو اشتَرى في المِصرِ وباعَ في السَّفرِ أو اشتَرى في السَّفرِ وباعَ في المِصرِ فقد رُويَ عن مُحمدٍ أنَّه قال: المُضاربةُ في هذا على الشِّراءِ؛ فإنِ اشتَرى في المِصرِ فما رَبِح في ذلك المَتاعِ فهو على ما شُرِط في المِصرِ، سَواءٌ باعَه في المِصرِ أو في غَيرِه؛ لأنَّ المُضاربَ إنَّما يَستحِقُّ الرِّبحَ
стр. 5050
بالعَملِ، والعَملُ يَحصُلُ بالشِّراءِ؛ فإذا اشتَرى في المِصرِ تَعيَّنَ أحَدُ العَملَيْن فلا يَتغيَّرُ بالسَّفرِ، وإنْ عَمِل ببَعضِ المالِ في السَّفرِ وببَعضٍ في الحَضرِ فرَبِح كلُّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن على ما شرَط.
ولو قال له: «على أنْ تَشتريَ مِنْ فُلانٍ وتَبيعَ منه»، جازَ، وهو على فُلانٍ خاصَّةً ليس له أنْ يَشتريَ ويَبيعَ مِنْ غَيرِه؛ لأنَّ هذا شَرطٌ مُفيدٌ لاختِلافِ الناسِ في الثِّقةِ والأمانةِ؛ لأنَّ الشِّراءَ مِنْ بَعضِ الناسِ قد يَكونُ أربَحَ؛ لِكَونِه أسهَلَ في البَيعِ، وقد يَكونُ أوثَقَ على المالِ، فكانَ التَّقييدُ مُفيدًا كالتَّقييدِ بنَوعٍ دونَ نَوعٍ.
ولو قال: «على أنْ تَشتريَ بها مِنْ أهلِ الكوفةِ وتَبيعَ»، فاشتَرى وباعَ مِنْ رِجالٍ بالكوفةِ مِنْ غَيرِ أهلِها فهو جائِزٌ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لا يُفيدُ إلا تَركَ السَّفرِ، كأنَّه قال: «على أنْ تَشتريَ ممَّن بالكُوفةِ».
وكذلك إذا دفَع إليه مالًا مُضاربةً في الصَّرفِ على أنْ يَشتريَ مِنَ الصَّيارفةِ ويَبيعَ، كان له أنْ يَشتريَ مِنْ غَيرِ الصَّيارِفةِ ما بدا له مِنَ الصَّرفِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بالصَّيارِفةِ لا يُفيدُ إلا تَخصيصَ البَلدِ أو النَّوعِ؛ فإذا حصَل ذلك مِنْ صَيرَفيٍّ أو غَيرِه فهو سَواءٌ.
ولو دفَع إليه مالًا مُضاربةً ثم قال له بعدَ ذلك: «اشتَرِ به البَزَّ وبِعْ»، فله أنْ يَشتريَ البَزَّ وغَيرَه؛ لأنَّه أذِنَ بالشِّراءِ مُطلَقًا ثم أمرَه بشِراءِ البَزِّ فكان له أنْ يَشتريَ ما شاءَ، وهذا كقَولِه: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً واعمَلْ به بالكوفةِ»، إلا أنَّه هناك القَيدُ مُقارِنٌ وههنا مُتراخٍ وقد ذكَرناه.
стр. 5051
وذكَر القُدُوريُّ ﵀ أنَّ هذا مَحمولٌ على أنَّه نَهاه بعدَ الشِّراءِ، وأنَّ الحُكمَ في التَّقييدِ الطارِئِ على مُطلَقِ العَقدِ وأنَّه إنْ كان ذلك قبلَ الشِّراءِ يُعمَلُ، وإنْ كان بعدَما اشتَرى به لا يُعمَلُ، إلى أنْ يَبيعَه بمالِ عَينٍ فيُعمَلُ التَّقييدُ عندَ ذلك حتى لا يَجوزَ أنْ يَشتريَ إلا ما قال.
ولو دفَع إليه مالًا مُضاربةً على أنْ يَبيعَ ويَشتريَ بالنَّقدِ فليس له أنْ يَشتريَ ويَبيعَ إلا بالنَّقدِ؛ لأنَّ هذا التَّقييدَ مُفيدٌ فيَتقيَّدُ بالمَذكورِ.
ولو قال له: «بِعْ بنَسيئةٍ ولا تَبِعْ بالنَّقدِ»، فباعَ بالنَّقدِ جازَ؛ لأنَّ النَّقدَ أنفَعُ مِنَ النَّسيئةِ، فلَم يَكُنِ التَّقييدُ بها مُفيدًا فلا يَثبُتُ القَيدُ، وصارَ كما لو قال لِلوَكيلِ: «بِعْ بعَشَرةٍ»، فباعَ بأكثَرَ منها جازَ، كذا هذا (١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا اشتَرطَ رَبُّ المالِ على العامِلِ ألَّا يُسافِرَ بالمالِ أو أنْ يُسافِرَ به أو ألَّا يَتَّجِرَ إلا في بَلدٍ بعَينِه أو نَوعٍ بعَينِه، أو ألَّا يَشتريَ إلا مِنْ رَجلٍ بعَينِه، فهذا كلُّه صَحيحٌ، سَواءٌ كان هذا النَّوعُ مما يَعُمُّ وُجودُه أو لا يَعُمُّ، والرَّجلُ ممَّن يَكثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ؛ لأنَّه عَقدٌ يَصحُّ تَخصيصُه بنَوعٍ، فصَحَّ تَخصيصُه في رَجُلٍ بعَينِه، وسِلعةٍ بعَينِها، كالوَكالةِ.
أمَّا إذا شرَط ألَّا يَبيعَ إلا برأسِ المالِ أو أقَلَّ أو قال: «لا تَبِعْ إلا مِنْ فُلانٍ، ولا تَشتَرِ إلا مِنْ فُلانٍ ولا تَبِعْ إلا ممَّن اشتَريتَ منه»، لَم يَصِحَّ ذلك،
стр. 5052
وهي شُروطٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّها تُفوِّتُ المَقصودَ مِنَ المُضاربةِ، وهو الرِّبحُ، أو تَمنعُ الفَسخَ الجائِزَ بحُكمِ الأصلِ (١).
وقال المالِكيَّة: لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ رَبُّ المالِ على العامِلِ أنْ يُتاجِرَ فيما يَقِلُّ وُجودُه -أي: ما يُوجدُ تارةً ويُعدَمُ أُخرى-، بأنْ قال: «لا تَتَّجِرْ إلا في الشَّيءِ الفُلانيِّ»، وكان وُجودُه في بَلدِ القِراضِ قَليلًا؛ فإنْ فعَل وعمِل فسَد القِراضُ، وكان فيه قِراضُ المِثلِ في الرِّبحِ على المَشهورِ، وسَواءٌ خالَف واشتَرى غَيرَه أو اشتَراه، وقيلَ: له أُجرةُ مِثلِه.
وكذا لا يَجوزُ أنْ يُشترَطَ يَدُ رَبِّ المالِ مع العامِلِ في البَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ مما يَتعلَّقُ بالقِراضِ؛ فإنْ فعَل فسَد القِراضُ؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ، ولأنَّه يُوجِبُ زيادةَ جَهالةٍ في العَملِ، ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ، سَواءٌ حصَل رِبحٌ أو لا، بخِلافِ قِراضِ المِثلِ؛ فإنَّه يَكونُ في الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يَحصُلْ له رِبحٌ فلا شَيءَ له.
وكذا لا يَجوزُ اشتِراطُ مُشاورةِ رَبِّ المالِ ومُراجَعتِه في البَيعِ والشِّراءِ، ويَفسُدُ القِراضُ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ عليه والتَّضييقِ، وهو مُخالِفٌ سُنَّةَ القِراضِ، وفيه أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه لَم يَأتمِنْه على ذلك، فهو حينَئِذٍ شَبيهٌ بالأجيرِ؛ فلِهذا كان له أُجرةُ مِثلِه.
وكذا لا يَجوزُ اشتِراطُ أمينٍ على العامِلِ، أو اشتِراطُ تَعيينِ مَحَلٍّ لِلتَّجْرِ لا يَتعدَّاه لِغَيرِه، كسُوقٍ أو حانوتٍ، أو اشتِراطُ تَعيينِ زَمنٍ له لا يُتاجِرُ في
стр. 5053
غَيرِه، ولو تَعدَّد، ك: «لا تَشتَرِ أو لا تَبِعْ إلا في الشِّتاءِ، أو اشتَرِ في الصَّيفِ وبِعْ في الشِّتاءِ»؛ لأنَّ التَّحديدَ ببَعضِ السِّلعِ أو زَمانٍ مُعيَّنٍ تَحجيرٌ يُخِلُّ بحِكمةِ القِراضِ، لِاحتِمالِ ألَّا تُساعِدَه الأسواقُ في تلك السِّلعةِ أو ذلك الزَّمانِ، أو اشتِراطُ ألَّا يَشتريَ بالمالِ شَيئًا إلى بُلوغِ بَلدِ كذا، وبَعدَ بُلوغِه يَكونُ له التَّصرُّفُ في أيِّ مَحلٍّ، أو تَعيينُ شَخصٍ لِلشِّراءِ منه، بحَيثُ لا يَشتَري شَيئًا مِنْ غَيرِه، أو لِلبَيعِ له، بحيث لا يَبيعُ سِلعةً لِغَيرِه؛ فيَفسُدُ القِراضُ في ذلك كلِّه لِلتَّحجيرِ المُخالِفِ لِسُنَّةِ القِراضِ، وفيه أُجرةُ المِثلِ والرِّبحُ لِرَبِّ المالِ، والخَسارةُ عليه في الجَميعِ.
لأنَّ كلَّ شَرطٍ في عَقدٍ يُؤدِّي إلى فَواتِ المَقصودِ بالعَقدِ، أو تَعذُّرِه؛ فإنَّه مُبطِلٌ له، أصلُه إذا باعَه سِلعةً على ألَّا يَتصرَّفَ فيها أو ألَّا يَبيعَها، أو تَزوَّج امرأةً وشرَط ألَّا يَطأَها، وهذه صِفةُ تَنازُعِنا فيه في شَرطِ خُصوصِ التَّصرُّفِ مِنَ الوُجوهِ التي ذكَرناها، فوَجَب فَسادُ العَقدِ إذا وقَع عليها.
ووَجهُ قَولِهم: إنَّ القِراضَ الفاسِدَ يُرَدُّ العامِلُ فيه كلِّه إلى إجارةِ المِثلِ جُملةً مِنْ غَيرِ تَفصيلٍ أنَّ القِراضَ إجارةٌ بغَررٍ؛ لأنَّ العامِلَ يَعملُ في المالِ على جُزءٍ مما يُربَحُ فيه إنْ كان فيه رِبحٌ، إلا أنَّه استُثنِيَ مِنَ الأُصولِ لِلضَّرورةِ؛ فإنَّما يَجوزُ إذا وقَع على وَجهِه وسُنَّتِه.
فإذا وقَع على خِلافِ ذلك فليس بقِراضٍ، وإنْ سَمَّياه قِراضًا، وإنَّما هو إجارةٌ فاسِدةٌ، فيُرَدُّ فيها إلى إجارةِ مِثلِه، وإنَّما يَكونُ قِراضًا إذا عمِلا على سُنَّةِ القِراضِ، ألَا تَرى أنَّه لو قارَضه على أنْ يَعملَ له بالمالِ إلى أجَلِ كذا
стр. 5054
وكذا في كذا وكذا وله كذا وكذا لَكانت إجارةً، ولَم يَكُنْ قِراضًا، فلا مَعنى لِلاعتِبارِ بذِكرِ القِراضِ إلا إذا عمِل به على سُنَّتِه. وأيضًا فإنَّ القِراضَ عَقدٌ صَحيحٌ يُوجِبُ عِوَضًا مُسمًّى لِلعامِلِ بالعَملِ؛ فإذا كان فاسِدًا وجَب له أجرُ المِثلِ في عَملِه لِفَواتِه، أصلُه إذا استأجَره إجارةً فاسِدةً ففاتَتْ بالعَملِ أو باعَه بَيعًا فاسِدًا ففاتَتِ السِّلعةُ المَبيعةُ.
إلا أنَّهم أجازوا لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترِطَ على العامِلِ ألَّا يَنزِلَ وادِيًا أو لا يَسيرَ بالمالِ في اللَّيلِ؛ لِما فيه مِنَ الخَطرِ، أو ألَّا يَنزلَ بالمالِ في البَحرِ المالِحِ أو الحُلوِ؛ لِما فيه مِنَ الخَطرِ، أو أنْ يَبتاعَ سِلعةً بعَينِها له، وكان ذلك لِغَرضٍ صَحيحٍ مِنْ قِلَّةِ الرِّبحِ فيها، أو حُصولِ الوَضيعةِ فيها؛ فإنَّه يَعملُ بشَرطِه؛ لأنَّه شَرطٌ جائِزٌ، وضمِن العامِلُ المالَ إنْ خالَف واحِدًا مما ذُكِر، أي: وحصَل التَّلفُ بسَببِ المُخالفةِ، وأمَّا لو خاطَر وسلَّمَ ثم تَلِف المالُ بعدَ ذلك فلا ضَمانَ عليه (١).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ ألَّا يُضيِّقَ المالِكُ على العامِلِ في التَّصرُّفِ، وحينَئِذٍ لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ عليه شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ، كهذه الحِنطةِ أو هذا الثَّوبِ، أو شِراءَ نَوعٍ يَندُرُ وُجودُه، أو يَشرُطَ مُعاملةَ شَخصٍ بعَينِه، كـ: «لا
стр. 5055
تَبِعْ إلا لِزَيدٍ، ولا تَشتَرِ إلا منه»؛ لِإخلالِه بالمَقصودِ؛ لأنَّ المَتاعَ المُعيَّنَ قد لا يَربَحُ، والنادِرَ قد لا يَجِدُه، والشَّخصَ المُعيَّنَ قد لا يُعامِلُه، وقد لا يَجِدُ عندَه ما يُظَنُّ أنَّ فيه رِبحًا.
أمَّا النَّوعُ الذي لا يَندُرُ وُجودُه؛ فإنَّه يَصحُّ، ولو كان يَنقطِعُ، كالفَواكِه الرَّطبةِ؛ لِانتِفاءِ الضِّيقِ، وكذا إنْ ندَرَ، وكان بمَكانٍ يُوجدُ فيه في الأغلَبِ، ولو نَهاه عن هذه الأُمورِ صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه شِراءُ غَيرِ هذه السِّلعِ، والشِّراءُ والبَيعُ مِنْ غَيرِ زَيدٍ (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا في المُقارِضِ، يَشتَرطُ رَبُّ المالِ عليه خُصوصَ التَّصرُّفِ، مِثلَ أنْ يَشترطَ عليه تَعيينَ جِنسٍ ما مِنَ السِّلعِ، أو تَعيينَ جِنسٍ ما مِنَ البَيعِ، أو تَعيينَ مَوضِعٍ ما لِلتِّجارةِ، أو تَعيينَ صِنفٍ ما مِنَ الناسِ يَتَّجِرُ معهم، فقال مالِكٌ والشافِعيُّ في اشتِراطِ جِنسٍ مِنَ السِّلعِ: لا يَجوزُ ذلك إلا أنْ يَكونَ ذلك الجِنسُ مِنَ السِّلعِ التي لا تَختَلِفُ وَقتًا ما مِنْ أوقاتِ السَّنةِ.
وقال أبو حَنيفةَ: يَلزمُه ما اشتَرطَ عليه، وإنْ تَصرَّف في غَيرِ ما اشتَرطَ عليه ضمِن.
فمالِكٌ والشافِعيُّ رأيا أنَّ هذا الاشتِراطَ مِنْ بابِ التَّضييقِ على المُقارِضِ، فيَعظُمُ الغَررُ بذلك، وأبو حَنيفةَ استَخفَّ الغَررَ المَوجودَ في
стр. 5056
ذلك، كما لو اشتَرط عليه ألَّا يَشتريَ جِنسًا ما مِنَ السِّلعِ لَكانَ على شَرطِه في ذلك بإجماعٍ (١).
تَوقيتُ المُضاربةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المُضاربةِ هل تَصحُّ أنْ يُشترَطَ أنْ تَكونَ مُؤقَّتةً بمُدةٍ أو لا بُدَّ مِنْ عَدمِ التَّقييدِ -بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّها إلى غَيرِ أجَلٍ جائِزةٌ-؟.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ أنْ تَكونَ المُضاربةُ مُؤقَّتةً بوَقتٍ، فلو قال له: خُذْ هذا المالَ مُضاربةً إلى شَهرٍ أو سَنةٍ جازتِ المُضاربةُ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ، ولأنَّ التَّوكيلَ يَحتمِلُ التَّخصيصَ بوَقتٍ دونَ وَقتٍ، ويَبطُلُ العَقدُ بمُضيِّ الوَقتِ المُحدَّدِ؛ لأنَّ الحُكمَ المُؤقَّتَ يَنتَهي بمُضيِّ الوَقتِ، ولأنَّه تَوكيلٌ فيُوَقَّتُ بما وَقَّته، والتَّوقيتُ مُفيدٌ؛ فإنَّه تَقييدٌ بالزَّمانِ، فصارَ كالتَّقييدِ بالنَّوعِ والمَكانِ (٢)؛ ولأنَّه تَصرُّفٌ يُوقَّتُ بنَوعٍ مِنَ المَتاعِ، فجازَ تَوقيتُه في الزَّمانِ، كالوَكالةِ؛ ولأنَّ لرَبِّ المالِ مَنعُه مِنَ البَيعِ والشِّراءِ في كلِّ وَقتٍ إذا رَضيَ أنْ يأخُذَ بمالِه عَرضًا؛ فإذا شرَط ذلك فقد شرَط ما هو مِنْ مُقتَضى العَقدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انقَضتِ السَّنةُ فلا تَشتَرِ شَيئًا.
стр. 5057
قال منها: سألتُ أحمدَ عن رَجلٍ أعطى رَجلًا ألفًا مُضاربةً شَهرًا؛ فإذا مَضى شَهرٌ تَكونُ قَرضًا، قال: لا بأسَ به، قُلتُ: فإذا جاءَ الشَّهرُ وهي مَتاعٌ قال: إذا باعَ المَتاعَ يَكونُ قَرضًا (١).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ، وحَكاه الطَّحاويُّ عن الحَنفيَّةِ وخَطَّأه الكاسانيُّ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوقيتُ المُضاربةِ بوَقتٍ بأنْ يُقارضَه إلى مُدةٍ مَعلومةٍ لا يَفسَخُها قَبلَها، ولا على أنَّه إذا انقَضتِ المُدةُ انفَسَخ العَقدُ، فلَم يَجُزْ أنْ يَبيعَ ما اشتَراه مِنَ المَتاعِ، ولا أنْ يَستأنِفَ شِراءَ غَيرِه، ومتى وقَع العَقدُ على ذلك كان فاسِدًا؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ الخارجِ عن سُنَّةِ القِراضِ، ولأنَّ القِراضَ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ لكلِّ واحِدٍ منهما تَركُه لو شاءَ؛ فإذا شرَط الأجلَ فكأنَّما منَع نَفْسَه مِنْ تَركِه، وذلك غَيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه كالوَكالةِ، وهو مُتضمِّنٌ لِمَعناها؛ لأنَّ المالَ لِلمالِكِ، وإنَّما يَتصرَّفُ العامِلُ فيه لِطَلبِ الفَضلِ فيه والنَّماءِ نِيابةً عن المالِكِ، والقَدرُ الذي يَفترِقان فيه أنَّ التَّوكيلَ لا يَتضمَّنُ شَركةَ الوَكيلِ لِلمُوكِّلِ في الرِّبحِ، والقِراضُ يَتضمَّنُ ذلك؛ فإذا ثبَت ذلك صَحَّ أنَّه مِنَ العُقودِ الجائِزةِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ ما أخرَجه إلى اللُّزومِ باطِلًا؛ لأنَّه يُخرِجُه عن بابِه وأصلِه، وتَوقيتُه يَقتَضي اللُّزومَ، فوجَب فَسادُه؛ فإذا وقَع رُدَّ إلى قِراضِ مِثلِه عن المالِكيَّةِ (٢).
стр. 5058
وعلَّل أبو حَفصٍ العُكبَريُّ عَدمَ الجَوازِ بثلاثةِ مَعانٍ:
أحَدُها: أنَّه عَقدٌ يَقعُ مُطلَقًا؛ فإذا شرَط قَطْعَه لَم يَصحَّ كالنِّكاحِ.
الثاني: أنَّ هذا ليس مِنْ مُقتَضى العَقدِ، وليس له فيه مَصلحةٌ، فأشبَهَ ما لو شرَطَ ألَّا يَبيعَ، وبَيانُه أنَّه ليس مِنْ مُقتَضى العَقدِ أنَّه يَقتَضي أنْ يَكونَ رأسُ المالِ ناضًّا؛ فإذا منَعه البَيعَ لَم يَنِضَّ.
الثالِثُ: أنَّ هذا يُؤدِّي إلى ضَررٍ بالعامِلِ؛ لأنَّه قد يَكونُ الرِّبحُ والحَظُّ في بَقيَّةِ المَتاعِ، ويَبيعُه بعدَ السَّنةِ فيَمتنِعُ ذلك بمُضِيِّها (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يُشترطُ بَيانُ مُدةِ القِراضِ لأنَّهما قادِران على فَسخِ القِراضِ متى أرادا، فلو ذكَر مُدةً كشَهرٍ لَم يَصحَّ لِإخلالِ التَّأقيتِ بمَقصودِ القِراضِ، فقد لا يَربَحُ في المُدةِ وإنْ عَيَّنَ مُدةً كشَهرٍ، ومَنَعَه التَّصرُّفَ أو البَيعَ بعدَها فسَد العَقدُ؛ لِما مَرَّ أنَّه يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ فإنَّه قد لا يَجِدُ راغِبًا في المُدةِ ولا تَحصُلُ التِّجارةُ والرِّبحُ، ومع ذلك هو مُخالِفٌ لِمُقتَضى العَقدِ أيضًا؛ فإنَّ مُقتَضاه بعدَ الفَسخِ تَنضيضُ رأسِ المالِ، ومَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ بعدَ المُدةِ يَمنَعُ مِنْ ذلك.
وإنْ منَعه الشِّراءَ فَقطْ كأنْ قال: «لا تَشتَرِ بعدَها ولكَ البَيعُ»، فلا يَفسُدُ البَيعُ في الأصَحِّ لِحُصولِ الاستِرباحِ بالبَيعِ الذي له فِعلُه بَعدَ الشَّهرِ، ولأنَّ المالِكَ مُتمكِّنٌ مِنْ مَنعِه مِنَ الشِّراءِ في كلِّ وَقتٍ، فجازَ أنْ يَتعرَّضَ له في العَقدِ بخِلافِ المَنعِ مِنَ البَيعِ.
стр. 5059
ورأيٌ آخَرُ: يَفسُدُ؛ لأنَّ ما كان وَضعُه على الإطلاقِ كان التَّأقيتُ منُافيًا له؛ كالبَيعِ والنِّكاحِ.
وصُورةُ المَسألةِ: أنْ تَكونَ المُدةُ يَتأتَّى فيها الشِّراءُ لِغَرضِ الرِّبحِ، بخِلافِ ساعةٍ ونَحوِها، فلو قال: «قارَضتُك سَنةً» ولَم يَزِدْ فالأصَحُّ المَنصوصُ: البُطلانُ (١).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا القِراضُ إلى أجَلٍ فلا يَجوزُ عندَ الجَميعِ لا إلى سَنةٍ ولا إلى سِنينَ مَعلومةٍ ولا إلى أجَلٍ مِنَ الآجالِ؛ فإنْ وقَع فَسخٌ ما لَم يَشرَعِ العامِلُ في الشِّراءِ بالمالِ؛ فإنْ كان ذلك مَضى ورُدَّ إلى قِراضِ مِثلِه عندَ مالِكٍ، وأمَّا الشافِعيُّ فيُرَدُّ عندَه إلى أُجرةِ مِثلِه، وكذلك كلُّ قِراضٍ فاسِدٍ، هذا قَولُه وقَولُ عَبدِ العَزيزِ بنِ أبي سَلمةَ الماجِشونِ.
وأمَّا أبو حَنيفةَ فقال في المُضاربةِ إلى أجَلٍ: جائِزةٌ، إلا أنْ يَتفاسَخا (٢).
تَعليقُ المُضاربةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المُضاربةِ هل يَصحُّ أنَّ تَعليقَها على شَرطٍ مُستقبَلٍ، ك: «إذا جاء زَيدٌ أو جاء رأسُ الشَّهرِ فضارِبْ» أو لا يَجوزُ؟
فذهَب الحَنابِلةُ -وهو مُقتَضى نُصوصِ الحَنفيَّةِ- إلى الجَوازِ، وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى عَدمِ الجَوازِ.
стр. 5060
قال الحَنابِلةُ: تَصحُّ المُضاربةُ مُعلَّقةً؛ لأنَّها إذنٌ في التَّصرُّفِ فجازَ تَعليقُه على شَرطٍ مُستقبَلٍ كالوَكالةِ، كقَولِ رَبِّ المالِ لِلعامِلِ: «إذا جاءَ زَيدٌ فضارِبْ بهذا المالِ أو اقبِضْ دَيْني مِنْ فُلانٍ، وضارِبْ به»؛ لأنَّه وَكيلُه في قَبضِ الدَّينِ، ومَأذونٌ له في التَّصرُّفِ، فجازَ جَعلُه مُضاربةً إذا قبَضه، ك: «اقبِضْ ألفًا مِنْ غُلامي وضارِبْ به» (١).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَعليقُ القِراضِ بأنْ يَقولَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد قارَضتُك»؛ قياسًا على غَيرِه مِنَ العُقودِ، وكذا لو أنجَزه وعَلَّق التَّصرُّفَ، كقَولِه: «قارَضتُك الآنَ، ولكنْ لا تتصَرَّفْ إلا بعدَ شَهرٍ»، أو: «إذا جاءَ الوَقتُ الفُلانيُّ فاعمَلْ فيه»، فباطِلٌ عندَ المالِكيَّةِ، وفي الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ، وهو مُقابِلُ الأصَحِّ: يَصحُّ كالوَكالةِ (٢).
ما يَجوزُ لِلمُضارِبِ فِعلُه وما لا يَجوزُ:
١ - بَيعُ المُضارِبِ نَسيئةً:
المُضارِبُ إذا باع بالنَّسيئةِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ قد نَهاه رَبُّ المالِ عن البَيعِ نَسيئةً، وإمَّا أنْ يَكونَ قد أذِنَ له، وإمَّا أنَّه لَم يأمُرْه ولَم يَنهَه.
فإذا نَهاه عن البَيعِ نَسيئةً فباعَ نَسيئةً؛ فإنَّه يَضمَنُ بإجماعِ العُلماءِ.
стр. 5061
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ رَبَّ المالِ إذا نَهى العامِلَ أنْ يَبيعَ بنَسيئةٍ -فباعَ بنَسيئةٍ- ضامِنٌ (١)؛ لأنَّه لا تَجوزُ مُخالفةُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ بالإذنِ، فلا يَتصرَّفُ في غَيرِ ما أذِنَ له فيه، كالوَكيلِ، ولأنَّ ذلك لا يَمنَعُ مَقصودَ المُضاربةِ، وقد يَطلُبُ بذلك الفائِدةَ في العادةِ (٢).
وإنْ أذِنَ له في البَيعِ نَسيئةً فباعَ نَسيئةً فلا ضَمانَ عليه إجماعًا.
أمَّا إذا لَم يَنهَه عن البَيعِ بنَسيئةٍ ولَم يَأمُرْه، اختَلَف العُلماءُ هل يَجوزُ له ذلك أو لا؟
فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ نَسَاءً؛ لأنَّ إذنَه في التِّجارةِ والمُضاربةِ يَنصرِفُ إلى التِّجارةِ المُعتادةِ، وهذا عادةُ التُّجارِ، فيَدخُلُ تَحتَ الإذنِ كلُّ ما هو تِجارةٌ، أو ما لا بُدَّ لِلتِّجارةِ منه، ولأنَّه يُقصدُ به الرِّبحُ، ولأنَّ الرِّبحَ في النَّسَاءِ أكثَرُ، وهو أقرَبُ إلى تَحصيلِ مَقصودِ رَبِّ المالِ، وهو الرِّبحُ، فالرِّبحُ في الأغلَبِ إنَّما يَحصُلُ بالبَيعِ بالنَّسيئةِ دونَ البَيعِ بالنَّقدِ، ولأنَّ تَسليطَ المُضارِبِ على المالِ ليس بمَقصودِ رَبِّ المالِ، إنَّما مَقصودُه تَحصيلُ الرِّبحِ بطَريقِ التِّجارةِ، وذلك حاصِلٌ، والدَّليلُ على أنَّ البَيعَ بالنَّسيئةِ تِجارةٌ مُطلَقةٌ قَولُ اللهِ : ﴿إِلَّا أَنْ
стр. 5062
تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فهذا يُبيِّنُ أنَّ التِّجارةَ قد تَكونُ غائِبةً وليس ذلك إلا بالبَيعِ بالنَّسيئةِ.
وهذا إذا باعَ إلى أجَلٍ مُعتادٍ، أمَّا إذا باعَ إلى أجَلٍ لا يَبيعُ التُّجارُ إليه، ولا هو مُعتادٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّهم العُمدةُ في هذا البابِ، ولأنَّ الأمرَ العامَّ يَنصرِفُ إلى المَعروفِ بينَ الناسِ، ولِهذا كان له أنْ يَستكريَ سَفينةً لِلرُّكوبِ وليس له شِراؤُها لِلرُّكوبِ، اعتِبارًا لِعادةِ التُّجارِ.
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأبو يُوسُفَ ومُحمدٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّه ليس له أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ، إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه نائِبٌ في البَيعِ فلَم يَجُزْ له البَيعُ نَسيئةً بغَيرِ إذنٍ صَريحٍ فيه كالوَكيلِ، وذلك لأنَّ النائِبَ لا يَجوزُ له التَّصرُّفُ إلا على وَجهِ الحَظِّ والاحتِياطِ، وفي النَّسيئةِ تَغريرٌ بالمالِ، وقَرينةُ الحالِ تَقيُّدُ مُطلَقِ الكَلامِ فيَصيرُ كأنَّه قال له: «بِعْه حالًّا»، ولأنَّه قد يَتلَفُ رأسُ المالِ، فتَبقى العُهدةُ على المالِكِ.
وقال الشافِعيَّةُ: وإنْ باعَ بإذنِ رَبِّ المالِ جازَ، ويَجِبُ أنْ يَكونَ البَيعُ مِنْ ثِقةٍ مَليءٍ، ويَجِبُ عليه الإشهادُ؛ فإنْ تَرَكه ولَم يُشهِدْ ضمِن، ويَكتَفي بشاهِدٍ واحِدٍ وبمَستورٍ، ولا يَجِبُ عليه الإشهادُ في البَيعِ حالًّا؛ لأنَّه يَحبِسُ المَبيعَ إلى قَبضِ الثَّمنِ؛ فإنْ سلَّمَ المَبيعَ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ ضمِن إلا أنْ يأذَنَ له المالِكُ في التَّسليمِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، سلَّمه، ولَم يَلزمْه الإشهادُ ولا يَضمنُ لِلإذنِ؛ لأنَّ العادةَ تَركُ الإشهادِ في البَيعِ الحالِّ.
стр. 5063
وإنْ قَدَّرَ لِلعامِلِ مُدةً تَعيَّنت، لا يَزيدُ عليها، ولا يَنقُصُ، وإنْ أطلَقَ الأجَلَ، حُمِلَ على العُرفِ.
قال الماوَرديُّ ﵀: ولا يَجوزُ عندَ الإذنِ بالنَّسيئةِ أنْ يَشتريَ أو يَبيعَ سَلَمًا؛ لأنَّ عَقدَ السَّلَمِ أكثَرُ غَررًا، نَعَمْ إنْ أذِنَ له في الشِّراءِ سَلَمًا جازَ، أو في البَيعِ سَلَمًا لَم يَجُزْ، وفَرقٌ بينَهما بوُجودِ الحَظِّ في الأغلَبِ في الشِّراءِ دونَ البَيعِ، قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ: والأوجَهُ -كما قال شَيخُنا- جَوازُه في صُورةِ البَيعِ أيضًا؛ لِوُجودِ الرِّضا مِنَ الجانبَيْن.
وليس له أنْ يَشتريَ شَيئًا بثَمنِ مِثلِه، وهو لا يَرجو حُصولَ رِبحٍ فيه؛ لأنَّ الإذنَ لا يَقتَضيه، قاله الماوَرديُّ، ولا يَشتَري بغَيرِ جِنسِ رأسِ المالِ.
قال الماوَرديُّ ﵀: ولو شرَط على العامِلِ البَيعَ المُؤجَّلَ دونَ الحالِّ فسَد العَقدُ (١).
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى» في المُقارِضِ يَبيعُ بالنَّسيئةِ:
قال: وقال مالِكٌ: لا يَجوزُ لِلمُقارِضِ أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ، وهو ضامِنٌ إنْ باعَ بنَسيئةٍ بغَيرِ أمرِه (٢).
وقال الشَّيخُ مُحمد عليش ﵀: لو باعَ العامِلُ شَيئًا مِنْ سِلَعِ القِراضِ
стр. 5064
بدَينٍ بلا إذنِ رَبِّ المالِ يَضمنُ فيها لِلإمامِ مالِكٍ ﵁ لا يَجوزُ لِلعاملِ أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ فعَل بغَيرِ إذنِه ضمِن، وهذا ما لَم يُشترَطْ في أصلِ العَقدِ، قال أبو الحَسَنِ؛ لأنَّ بُيوعَ المُسلِمين إنَّما هي بالنَّقدِ في الأغلَبِ؛ فإنْ وقَع عَقدُ القِراضِ مُبهمًا انصَرَف إلى العُرفِ. اه.
فيُؤخَذُ منه أنَّه إذا كان العُرفُ البَيعَ بالدَّينِ انصرَف المُبهمُ إليه، وهو ظاهِرٌ (١).
فإنْ باعَ بالدَّينِ فالرِّبحُ بينَهما والخَسارةُ عليه على المَشهورِ (٢).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا قُلنا: له البَيعُ نَساءً، فالبَيعُ صَحيحٌ، ومهما فاتَ مِنَ الثَّمنِ لا يَلزَمُه ضَمانُه، إلا أنْ يُفرِّطَ ببَيعِ مَنْ لا يُوثَقُ به، أو مَنْ لا يَعرِفُه، فيَلزمُه ضَمانُ الثَّمنِ الذي انكَسَر على المُشتَرِي.
وإنْ قُلنا: ليس له البَيعُ نَساءً فالبَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّه فعَل ما لَم يُؤذَنْ له فيه، فأشبَهَ البَيعَ مِنَ الأجنَبيِّ، إلا على الرِّوايةِ التي تَقولُ: يَقِفُ بَيعُ الأجنَبيِّ على الإجازةِ، فههنا مِثلُه، ويَحتمِلُ قَولُ الخِرَقيِّ صِحَّةَ البَيعِ؛ فإنَّه إنَّما ذكَر الضَّمانَ، ولَم يَذكُرْ فَسادَ البَيعِ، وعلى كلِّ حالٍ يَلزَمُ العامِلَ الضَّمانُ؛ لأنَّ ذَهابَ الثَّمنِ حصَل بتَفريطِه؛ فإنْ قُلنا بفَسادِ البَيعِ ضمِن المَبيعَ بقيمَتِه إذا تَعذَّر عليه استِرجاعُه، إمَّا لِتَلفِ المَبيعِ أو امتِناعِ المُشتَرِي مِنْ رَدِّه إليه.
стр. 5065
وإنْ قُلنا بصِحَّتِه احتَمَل أنْ يَضمنَه بقيمَتِه أيضًا؛ لأنَّه لَم يَفُتْ بالبَيعِ أكثَرُ منها، ولا يَنحَفِظُ بتَركِه سِواها، وزيادةُ الثَّمنِ حِصلَت بتَفريطِه فلا يَضمنُها، واحتمَل أنْ يَضمَن الثَّمنَ؛ لأنَّه وجَب بالبَيعِ وفاتَ بتَفريطِ البائِعِ، وإنْ نقَص عن القيمةِ فقد انتقَل الوُجوبُ إليه، بدَليلِ أنَّه لو حصَل الثَّمنُ لَم يَضمنْ شَيئًا (١).
لكنَّ الخِلافَ السابِقَ بينَ أبي حَنيفةَ وصاحبَيْه فيما إذا باع نَسيئةً، أمَّا لو باع بالنَّقدِ ثم أخَّر الثَّمنَ جازَ بالإجماعِ.
أمَّا عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ فلأنَّ الوَكيلَ يَملِكُ ذلك، فالمُضارِبُ أوْلَى؛ لأنَّه أقْوَى منه تَصرُّفًا، إلا أنَّ المُضارِبَ لا يَضمنُ؛ لأنَّ له أنْ يُقايلَ ثم يَبيعَ نَسيئةً، ولا كذلك الوَكيلُ؛ لأنَّه لا يَملِكُ ذلك.
وأما عندَ أبي يُوسُفَ فلأنَّه يَملِكُ الإقالةَ، ثم البَيعَ بالنَّساءِ، بخِلافِ الوَكيلِ؛ فإنَّه لا يَملِكُ الإقالةَ.
يَعني أنَّ الوَكيلَ عندَهما يَملِكُ الإقالةَ وتَأخيرَ الثَّمنِ إلا أنَّهما قالا في الوَكيلِ إذا أخَّر الثَّمنَ ضَمِن، والمُضارِبُ لا يَضمنُ؛ لأنَّ المُضاربَ يَملِكُ أنْ يَستقيلَ، ثم يَبيعَ بنَسيئةٍ، فكذلك يَملِكُ أنْ يُؤخِّرَ ابتِداءً، ولا يَضمَنُ، والوَكيلُ لا يَملِكُ أنْ يُقايلَ، ثم يَبيعَ بالنَّساءِ؛ فإذا أخَّر ضمِن، وأمَّا أبو يُوسُفَ فقال: لا يَجوزُ تأخيرُ الوَكيلِ، ويَجوزُ تأخيرُ المُضارِبِ لِما ذكَرنا.
стр. 5066
وقال الحَنفيَّةُ: إنْ قال رَبُّ المالِ لِلمُضارِبِ: لا تَبِعْ إلا بالنَّقدِ لَم يَكُنْ له أنْ يَبيعَ إلا بالنَّقدِ؛ لأنَّ المُضاربةَ يَدخُلُها التَّخصيصُ، وله في ذلك مَنفَعةٌ، وهي تَعجيلُ المالِ؛ فإنْ أمرَه أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ فله أنْ يَبيعَ بالنَّقدِ والنَّسيئةِ؛ لأنَّه يَكونُ بالنَّقدِ خَيرًا له، وإنْ نَهاه عنه، كما لو وَكَّل رَجلًا أنْ يَبيعَ له عَبدًا بألفٍ وألَّا يَبيعَه بأكثَرَ مِنْ ذلك كان له أنْ يَبيعَه بألفٍ، وبما زاد عليه.
واختلَفوا فيما إذا ادَّعى المُضارِبُ أنَّ رَبَّ المالِ أذِنَ له في البِيعِ والشِّراءِ نَقدًا ونَسيئةً، وقال رَبُّ المالِ: أذِنتُ لكَ بالنَّقدِ.
فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمَدُ: القَولُ قَولُ المُضارِبِ مع يَمينِه؛ لأنَّه يَدَّعي ما هو مُقتَضى مُطلَقِ العَقدِ، وتَكونُ البَيِّنةُ بَيِّنةَ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه هو المُحتاجُ إلى إثباتِ المُعيَّنِ بالبَيِّنةِ.
وقال الشافِعيُّ ﵀: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه (١).
стр. 5067
٢ - شِراءُ المُضارِبِ بالنَّسيئةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المُضارِبِ هل يَجوزُ له أنْ يَشتريَ بالنَّسيئةِ إذا لَم يأذَنْ له رَبُّ المالِ ولَم يَنهَه أو لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ بالنَّسيئةِ، كما يَجوزُ له البَيعُ بالنَّسيئةِ، لأنَّ كلَّ ذلك مِنْ صَنيعِ التُّجارِ، فيَنتَظمُه إطلاقُ العَقدِ، وأصلُه أنَّ المُضارِبَ مَأمورٌ بالتِّجارةِ، فيَدخُلُ تحتَ الإذنِ كلُّ ما هو تِجارةٌ، أو ما لا بُدَّ لِلتِّجارةِ منه (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَشتريَ سِلَعًا لِلقِراضِ بنَسيئةٍ، وإنْ أذِن رَبُّه له في ذلك، وأمَّا شِراؤُه لِنَفْسِه فجائِزٌ إذا لَم يَشغَلْه عنِ القِراضِ.
والفَرقُ أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَ بنَسيئةٍ إذا أذِنَ له رَبُّ المالِ، كما تَقدَّم، وأنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَشتريَ بنَسيئةٍ ولو أذنَ له رَبٌّ المالِ في ذلك، لأنَّ بَيعَه بالدَّينِ فيه تَعريضٌ لِإتلافِ المالِ، وهو مِنْ حَقِّ رَبِّه؛ فإذا أذِن جازَ له ذلك، وأمَّا شِراؤه بالدَّينِ؛ فإنَّه يَكونُ ضامِنًا، فالرِّبحُ له ولا شَيءَ منه لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه ﷺ «نَهى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، فكيف يأخُذُ رَبُّ المالِ رِبحَ ما يَضمَنُه العامِلُ في ذِمَّتِه، وهذا حيث كان لِرَبِّ المالِ حِصَّةٌ مِنَ الرِّبحِ، ولو كان الرِّبحُ كلُّه لِلعامِلِ جازَ، إذْ تَخلَّص حينَئِذٍ مِنْ نَهيِه ﷺ مِنْ رِبحِ ما لَم يُضمَنْ.
стр. 5068
فإنِ اشتَرى سِلعةً بدَينٍ لِلقِراضِ فالرِّبحُ لِلعامِلِ، أي رِبحُ تلك السِّلعةِ، ولا شَيءَ منه لِرَبِّ المالِ.
كما أنَّ الخُسرَ عليه، كما لو اشتَرى بدَينٍ لِنَفْسِه، ثم إذا اشتَرى تلك السِّلعةَ لِنَفْسِه أو لِلقَرضِ بدَينٍ في ذِمَّتِه مُنفَردةً عن سِلَعِ القِراضِ وباعَها كذلك، فجَميعُ رِبحِها له وخُسرُها عليه، ولا تُعتبَرُ قيمَتُها (١).
أمَّا الشِّراءُ بالنَّسيئةِ عندَ الشافِعيَّةِ فلَم يَنُصَّ عليه الشَّيخانِ، وصَرَّحَ الإمامُ الماوَرديُّ ومُتأخِّرو الشافِعيَّةِ بجَوازِه عندَ الإذنِ؛ فإذا لَم يأذَنْ فلا يَجوزُ، قال الماوَرديُّ: ولا يَجوزُ عندَ الإذنِ بالنَّسيئةِ أنْ يَشتريَ أو يَبيعَ سَلَمًا؛ لأنَّ عَقدَ السَّلَمِ أكثَرُ غَررًا، نَعَمْ إنْ أذِنَ له في الشِّراءِ سَلَمًا جازَ أو في البَيعِ سَلمًا لَم يَجُزْ (٢)، وفُرِّقَ بينَهما بوُجودِ الحَظِّ في الأغلَبِ في الشِّراءِ دونَ البَيعِ.
قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: والأوْجَهُ -كما قال شَيخُنا- جَوازُه في صُورةِ البَيعِ أيضًا؛ لِوُجودِ الرِّضا مِنَ الجانبَيْن.
وليس له أنْ يَشتريَ شَيئًا بثَمنِ مِثلِه، وهو لا يَرجو حُصولَ رِبحٍ فيه؛ لأنَّ الإذنَ لا يَقتَضيه، قاله الماوَرديُّ، ولا يَشتَري بغَيرِ جِنسِ رأسِ المالِ (٣).
стр. 5069
وقال ابنُ شطا الدِّمياطيُّ ﵀ في شَرحِه ل «فَتحِ المُعينِ»: قَولُه: ولا بنَسيئةٍ، أي: ولا يَتصرَّفُ بنَسيئةٍ، أي: بأجَلٍ في بَيعٍ أو شِراءٍ أيضًا؛ لِلغَررِ، ولأنَّه قد يَتلَفُ رأسُ المالِ، فتَبقَى العُهدةُ مُتعلِّقةً بالمالِكِ. اه.
وقَولُه: بلا إذنٍ فيهما، أي: في الغَبنِ والنَّسيئةِ، أمَّا بالإذنِ، فيَجوزُ؛ لأنَّ المَنعَ لِحَقِّه، وقد زالَ بإذنِه (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقال ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: وإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لَزِم العامِلَ دونَ رَبِّ المالِ، إلا أنْ يُجيزَه فيَكونَ له، هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ.
وقال القاضي: إنْ أطلَقَ الشِّراءَ ولَم يَذكُرْ رَبَّ المالِ فكذلك، وإنْ صَرَّح لِلبائِعِ قائلًا: «اشتَريتُه لِفُلانٍ»، فالبَيعُ باطِلٌ أيضًا (٢).
٣ - الإحالةُ بالثَّمنِ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُحيلَ ويَحتالَ بالثَّمنِ.
قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُحيلَ ويَحتالَ بالثَّمنِ، ولو احتالَ المُضارِبُ بالثَّمنِ على رَجلٍ، والمُحالُ عليه أيسَرُ أو أعسَرُ: فهو جائِزٌ؛ ولو احتالَ بالثَّمنِ على الأيسَرِ أو على الأعسَرِ جازَ؛ لأنَّ الحَوالةَ مِنْ عادةِ
стр. 5070
التُّجارِ؛ لأنَّهم ربما تَمكَّنوا مِنَ الاقتِضاءِ مِنَ المُحالِ عليه أكثَرَ مما يَتمكَّنونَ مِنَ اقتِضاءِ المُحيلِ، وليس هذا كالوَصيِّ إذا احتالَ بمالِ اليَتيمِ؛ فإنَّه يُعتبَرُ فيه الأصلَحُ؛ لأنَّ تَصرُّفَه مُقيَّدٌ بشَرطِ النَّظرِ؛ فإنْ كان ذلك أصلَحَ جازَ، وإلا لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الوَصيَّ يَتصرَّفُ لِليَتيمِ على وَجهِ الاحتِياطِ، فما لا احتياطَ فيه لا يَجوزُ، وتَصرَّفَ فيه المُضارِبُ على عادةِ التُّجارِ فيما اعتادوه جازَ (١).
وقال الحَنابِلةُ: حُكمُ المُضاربةِ حُكمُ الشَّركةِ فيما لِلعامِلِ أنْ يَفعلَه أو ألَّا يَفعلَه وما يَلزَمُه فِعلُه وفي الشُّروطِ؛ لأنَّ ما جازَ في إحداهما جازَ في الأُخرى لاشتِراكِهما في التَّصرُّفِ في الإذنِ، وكذا المَنعُ، أي: ما امتُنِعَ في إحداهما امتُنِع في الأُخرى. وقد قالوا: لِلشَّريكِ أنْ يُحيلَ ويَحتالَ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ، وهو يَملِكُها، فكذلك في المُضاربةِ (٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فقد جاء في «المُدوَّنةِ»: قُلتُ: أرأيتَ لو أنَّ رَجُلًا أخَذَ مالًا قِراضًا فاشتَرى به وباعَ، فلَمَّا باعَ بَعضَ السِّلعةِ احتالَ بالثَّمنِ على رَجلٍ مَليءٍ أو مُعسِرٍ إلى أجَلٍ، أتُراه ضامِنًا؟ قال: قال مالِكٌ: إذا باعَ العامِلُ بالدَّينِ مِنْ غَيرِ أنْ يَأمُرَه رَبُّ المالِ بذلك فهو ضامِنٌ، فأُراهُ إذا احتالَ بذلك إلى أجَلٍ فهو ضامِنٌ، كمَن باعَ بالدَّينِ (٣).
стр. 5071
ولَم أجِدْ قَولًا لِلشافِعيَّةِ في هذه المَسألةِ، وإنْ كان مُقتَضى كَلامِهم يَدلُّ على عَدمِ الجَوازِ؛ لأنَّهم قالوا: يَجِبُ على العامِلِ أنْ يَتصرَّفَ مُحتاطًا، وهذا ليس مِنَ الاحتياطِ، واللهُ أعلَمُ.
٤ - الشِّراءُ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ:
ذهَب فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ سِلعًا لِلقِراضِ بأكثَرَ مِنْ مالِ القِراضِ؛ فإنْ فعَل ضَمِن.
قال الحَنفيَّةُ: إذا قبَض المُضارِبُ مالَ المُضاربةِ فليس له أنْ يَشتريَ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ الذي في يَدِه؛ لأنَّ الزِّيادةَ تَكونُ دَينًا وليس في يَدِه مِنْ مالِ المُضاربةِ ما يُؤدِّيه حتى لو اشتَرى سِلعةً بألفَيْ دِرهَمٍ ومالُ المُضاربةِ ألفٌ، كانت حِصَّةُ الألفِ مِنَ السِّلعةِ المُشتراةِ لِلمُضاربةِ، وحِصَّةُ ما زادَ على الألفِ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، له رِبحُ ذلك وعليه وَضيعتُه، والزِّيادةُ دَينٌ عليه في مالِه؛ لأنَّه يَملِكُ الشِّراءَ بالألفِ، ولا يَملِكُ الشِّراءَ بما زادَ عليها لِلمُضارَبةِ، ويَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه فوقَع له.
وكذلك قالوا: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَستدينَ على مالِ المُضارَبةِ إلا بالتَّنصيصِ عليه، ولو استَدانَ لَم يَجُزْ على رَبِّ المالِ، ويَكونُ دَينًا على المُضارِبِ في مالِه؛ لأنَّ الاستِدانةَ إثباتُ زِيادةٍ في رأسِ المالِ مِنْ غَيرِ رِضا رَبِّ المالِ، بل فيه إثباتُ زِيادةِ ضَمانٍ على رَبِّ المالِ مِنْ غَيرِ رِضاه؛ لأنَّ ثمَن المُشتَرَى برأسِ المالِ في بابِ المُضاربةِ مَضمونٌ على رَبِّ المالِ بدَليلِ
стр. 5072
أنَّ المُضارِبَ لو اشتَرى برأسِ المالِ ثم هلَك المُشتَرى قبلَ التَّسليمِ؛ فإنَّ المُضارِبَ يَرجِعُ إلى رَبِّ المالِ بمِثلِه، فلو جَوَّزْنا الاستِدانةَ على المُضاربةِ لَألزَمناه زيادةَ ضَمانٍ لَم يَرضَ به، وهذا لا يَجوزُ.
ثم الاستِدانةُ هي: أنْ يَشتريَ المُضارِبُ شَيئًا بثَمنِ دَينٍ ليس في يَدِه مِنْ جِنسِه حتى إنَّه لو لَم يَكُنْ في يَدِه شَيءٌ مِنْ رأسِ المالِ مِنَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ بأنْ كان اشتَرى برأسِ المالِ سِلعةً ثم اشتَرى شَيئًا بالدَّراهِمِ أو الدَّنانيرِ لَم يَجُزْ على المُضارَبةِ، وكان المُشتَرِي له عليه ثَمنُه مِنْ مالِه؛ لأنَّه اشتَرى بثَمنٍ ليس في يَدِه مِنْ جِنسِه، فكان مُستَدينًا على المُضارَبةِ، فلَم تَجُزْ على رَبِّ المالِ، وجازَ عليه؛ لأنَّ الشِّراءَ وُجِد نَفاذًا عليه؛ كالوَكيلِ بالشِّراءِ إذا خالَف، وسَواءٌ كان اشتَرى بثَمنٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ؛ لأنَّه لَمَّا اشتَرى بما ليس في يَدِه مِنْ جِنسِه صارَ مُستَدينًا على المُضارَبةِ، وهو لا يَملِكُ ذلك.
ولو كان ما في يَدِ المُضارِبِ مِنَ العَبدِ أو العَرضِ يُساوي رأسَ المالِ أو أكثَرَ، فاشتَرى شَيئًا لِلمُضاربةِ بالدَّراهمِ والدَّنانيرِ لِيَبيعَ العَرضَ ويُؤدِّيَ ثَمنَه منها لَم يَجُزْ، سَواءٌ كان الثَّمنُ حالًّا أو مُؤجَّلًا لِما ذكَرنا أنَّه استِدانةٌ.
ولو باع ما في يَدِه مِنَ العَرضِ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ وحصَل ذلك في يَدِه قبلَ حُلولِ الأجَلِ لَم يَنتفِعْ بذلك؛ لأنَّه لَمَّا خالَف في حالةِ الشِّراءِ لَزِمه الثَّمنُ وصارَتِ السِّلعةُ له؛ لأنَّه لَم يَملِكِ الشِّراءَ لِلمُضاربةِ فوقَع العَقدُ له فلا يَصيرُ بعدَ ذلك لِلمُضاربةِ.
ولو كان في يَدِه مِنْ مالِ المُضاربةِ مَكيلًا أو مَوزونًا فاشتَرى ثَوبًا أو عَبدًا
стр. 5073
بمَكيلٍ أو مَوزونٍ مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ كان المُشتَرَى لِلمُضارِبِ؛ لأنَّ في يَدِه مِنْ جِنسِه، فلَم يَكُنِ استِدانةً، ولو كان في يَدِه دَراهمُ فاشتَرى سِلعةً بدَراهمَ نَسيئةً لَم يَكُنِ استِدانةً؛ لأنَّ في يَدِه مِنْ جِنسِه، ولو كان في يَدِه دَراهمُ فاشتَرى بدَنانيرَ أو كان في يَدِه دَنانيرُ فاشتَرى بدَراهمَ فالقياسُ ألَّا يَجوزَ على رَبِّ المالِ، وهو قَولُ زُفَرَ، وفي الاستِحسانِ يَجوزُ.
وَجهُ القياسِ: أنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ جِنسانِ مُختَلِفانِ حَقيقةً، فقد اشتَرى بما ليس في يَدِه مِنْ جِنسِه، فيَكونُ استِدانةً، كما لو اشتَرى بالعُروضِ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ عندَ التُّجارِ كجِنسٍ واحِدٍ لأنَّهما أثمانُ الأشياءِ، وبهما تُقدَّرُ النَّفقاتُ وأُروشُ الجِناياتِ وقيمةُ المُتلفاتِ، ولا يَتعذَّرُ نَقلُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ، فكانا بمَنزِلةِ شَيءٍ واحِدٍ، فكان مُشتَريًا بثَمنٍ في يَدِه مِنْ جِنسِه.
ولو كان رأسُ المالِ ألفَ دِرهمٍ فاشتَرى سِلعةً بألفٍ أو بدَنانيرَ أو بفُلوسٍ قيمةُ ذلك ألفٌ، لا يَملِكُ أنْ يَشتريَ بعدَ ذلك على ألفِ المُضاربةِ شَيئًا بألفٍ أُخرى أو غَيرِ ذلك؛ لأنَّ مالَ المُضاربةِ كان مُستحَقًّا بالثَّمنِ الأوَّلِ فلو اشتَرى بعدَ ذلك لَصارَ مُستَدينًا على مالِ المُضاربةِ، فلا يَملِكُ ذلك؛ فإنِ اشتَرى عليها أوَّلًا عَبدًا بخَمسِمِئةٍ لا يَملِكُ بعدَ ذلك أنْ يَشتريَ إلا بقَدْرِ خَمسِمِئةٍ؛ لأنَّ الخَمسَمِئةِ خرَجت مِنَ المُضاربةِ، وكذلك كلُّ دَينٍ يَلحَقُ رأسَ المالِ؛ لأنَّ ذلك صارَ مُستحَقًّا مِنْ رأسِ المالِ، فيَخرجُ القَدْرُ المُستحَقُّ مِنَ المُضاربةِ؛ فإذا اشتَرى بأكثَرَ مما بَقيَ صارَ مُستَدينًا على مالِ المُضاربةِ، فلا يَصحُّ.
стр. 5074
ولو باعَ المُضارِبُ واشتَرى وتَصرَّفَ في مالِ المُضاربةِ فحصَل في يَدِه صُنوفٌ مِنَ الأموالِ مِنَ المَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ وغَيرِ ذلك مِنْ سائِرِ الأموالِ ولَم يَكُنْ في يَدِه دَراهمُ ولا دَنانيرُ ولا فُلوسٌ فليس له أنْ يَشتريَ مَتاعًا بثَمنٍ ليس في يَدِه مِثلُه مِنْ جِنسِه وصِفتِه وقَدْرِه، بأنِ اشتَرى عَبدًا بكُرِّ حِنطةٍ مَوصوفةٍ؛ فإنِ اشتَرى بكُرِّ حِنطةٍ وَسَطٍ وفي يَدِه الوَسطُ، أو بكُرِّ حِنطةٍ جَيِّدةٍ وفي يَدِه جازَ، وإنْ كان في يَدِه أجوَدُ مما اشتَرى به أو أدوَنُ لَم يَكُنْ لِلمُضاربةِ، وكان لِلمُضارِبِ؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ في يَدِه مِثلُ الثَّمنِ صارَ مُستَدينًا على المُضاربةِ، فلا يَجوزُ.
ثم في جَميعِ ما ذكَرنا أنَّه لا يَجوزُ مِنَ المُضارِبِ الاستِدانةُ على رَبِّ المالِ يَستَوي فيه ما إذا قال رَبُّ المالِ: «اعمَلْ برأيِكَ»، أو لَم يَقُلْ؛ لأنَّ قَولَه: «اعمَلْ برأيِكَ»، تَفويضٌ إليه فيما هُمْ مِنَ المُضارَبةِ والاستِدانةِ لَم تَدخُلْ في عَقدِ المُضاربةِ، فلا يَملِكُها المُضارِبُ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ بها نَصًّا.
ثم كما لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ الاستِدانةُ على مالِ المُضاربةِ لا يَجوزُ له الاستِدانةُ على إصلاحِ مالِ المُضاربةِ حتى لو اشتَرى المُضارِبُ بجَميعِ مالِ المُضاربةِ ثِيابًا ثم استأجَرَ على حَملِها أو على قِصارَتِها أو نَقلِها كان مُتطوِّعًا في ذلك كلِّه؛ لأنَّه إذا لَم يَبْقَ في يَدِه شَيءٌ مِنْ رأسِ المالِ صارَ بالاستِئجارِ مُستَدينًا على المُضارَبةِ فلَم يَجُزْ عليها فصارَ عاقِدًا لِنَفْسِه مُتطوِّعًا في مالِ الغَيرِ، كما لو حمَل مَتاعًا لِغَيرِه أو قَصَّر ثيابًا لِغَيرِه بغَيرِ أمرِه.
وإذا أُذِن لِلمُضارِبِ أنْ يَستدينَ على مالِ المُضاربةِ جازَ له الاستِدانةُ
стр. 5075
وما يَستدينُه يَكونُ شَركةً بينَهما، شَركةَ وُجوهٍ، وكان المُشتَرى بينَهما نِصفَيْن؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أنْ يُجعَل المُشتَرَى بالدَّينِ مُضاربةً؛ لأنَّ المُضارَبةَ لا تَجوزُ إلا في مالِ عَينٍ فتُجعَلُ شَركةَ وُجوهٍ، ويَكونُ المُشتَرَى بينَهما نِصفَيْن؛ لأنَّ مُطلَقَ الشَّركةِ يَقتَضي التَّساوي، وسَواءٌ كان الرِّبحُ بينَهما في المُضاربةِ نِصفَيْن أو أثلاثًا؛ لأنَّ هذه شَركةٌ على حِدةٍ، فلا يُبنى على حُكمِ المُضاربةِ، وقد بَيَّنَّا في كِتابِ الشَّركةِ أنَّه لا يَجوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبحِ في شَركةِ الوُجوهِ إلا بشَرطِ التَّفاضُلِ في الضَّمانِ؛ فإنْ شرَطا التَّفاضُلَ في الضَّمانِ كان الرِّبحُ كذلك، وإنْ أطلَقا كان المُشتَرَى نِصفَيْن لا يَجوزُ فيه التَّفاضُلُ في الرِّبحِ، وإذا صارَت هذه شَركةَ وُجوهٍ صارَ الثَّمنُ دَينًا عليهما مِنْ غَيرِه مُضارَبةً، فلا يَملِكُ المُضارِبُ أنْ يَرهَنَ به مالَ المُضارَبةِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ فإنْ أذِنَ له أنْ يَرهَنَ بجَميعِ الثَّمنِ فقد أعارَه نِصفَ الرَّهنِ لِيَرهَنَ بدَينِه، وإنْ هلَك صارَ مَضمونًا عليه (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَشتريَ لِلقِراضِ بأكثَرَ مِنْ مالِ القِراضِ، ولو بنَقدٍ مِنْ عِندِه؛ لِلنَّهيِ عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، وذلك؛ لأنَّ العامِلَ يَضمَنُ ما زادَ في ذِمَّتِه، ويَكونُ في القِراضِ وحينَئِذٍ يُؤدِّي إلى ما ذُكِر.
فإنِ اشتَرى سِلعةً بأكثَرَ مِنْ مالِه فالرِّبحُ لِلعامِلِ، أي: رِبحُ تلك السِّلعةِ، ولا شَيءَ منه لِرَبِّ المالِ.
كما أنَّ الخُسرَ عليه، كما لو اشتَرى بدَينٍ لِنَفْسِه، ثم إذا اشتَرى تلك
стр. 5076
السِّلعةَ لِنَفْسِه أو لِلقَرضِ بدَينٍ في ذِمَّتِه مُنفَردةً عن سِلَعِ القِراضِ وباعَها كذلك، فجَميعُ رِبحِها له، وخُسرُها عليه، ولا تُعتبَرُ قيمَتُها (١).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قال الإمامُ مالِكٌ: المُقارِضُ إذا اشتَرى سِلَعًا بمالِ القِراضِ فزادَ في ثَمنِها مِنْ عِندِه على صاحِبِ المالِ، فرَبُّ المالِ بالخيارِ، إنْ أحَبَّ أنْ يَدفعَ إليه ما زادَ وتَكونُ السِّلعةُ كلُّها على القِراضِ، وإنْ كَرِهَ رَبُّ المالِ ذلك كان العامِلُ شَريكًا لِرَبِّ المالِ بما زادَ مِنْ مالِه (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: ولا يَجوزُ أنْ يَشتريَ لِلقِراضِ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ ورِبحِه؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَرضَ بأنْ يَشغَلَ العامِلُ ذِمَّتَه إلا بذلك؛ فإنْ فعَل لَم يَقَعِ الزائِدُ لِجِهةِ القِراضِ.
فلو كان رأسُ المالِ وَحدَه أو مع رِبحِه مِئةٌ فاشتَرى عَبدًا بمِئةٍ ثم اشتَرى آخَرُ بعَينِ المِئةِ فالثاني باطِلٌ، سَواءٌ اشتَرى الأولُ بالعَينِ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إنِ اشتَراه بالعَينِ فقط صارَت مِلكًا لِلبائِعِ بالعَقدِ الأولِ؛ فإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ فقد صارَت مُستحَقَّةَ الصَّرفِ لِعَقدِ الأولِ، وإنِ اشتَرى الثاني في الذِّمَّةِ وقَع لِلعامِلِ حيث يَقَعُ لِلوَكيلِ إذا خالَف (٣).
стр. 5077
وقال الحَنابِلةُ: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ؛ لأنَّ الإذنْ لَم يَتناوَلْ غَيرَه؛ فإنْ كان رأسُ المالِ ألفًا فاشتَرى عَبدًا بألفٍ فهو لِلمُضاربةِ؛ لأنَّه مَأذونٌ فيه، وإنِ اشتَرى آخَرُ لَم يَدخُلْ في المُضاربةِ؛ لأنَّه غَيرُ مَأذونٍ فيه، وحُكمُه حُكمُ ما لو اشتَرى لِغَيرِه شَيئًا بغَيرِ إذنِه، ويَكونُ رِبحُه لِلمُضارِبِ إنْ رَبِحَ وخَسارَتُه عليه، إلا أنْ يأذَن رَبُّ المالِ؛ فإنْ تَلِف الألفُ قبلَ نَقدِه في الأولِ فعلى رَبِّ المالِ الثَّمنُ؛ لأنَّ الشِّراءَ بإذنِه، ويَصيرُ رأسُ المالِ الثَّمنَ الثانيَ؛ لأنَّ الأولَ تَلِف قبلَ تَصرُّفِه فيه، وإنْ تَلِف قبلَ الشِّراءِ لَم يَدخُلِ المُشتَري في المُضاربةِ؛ لأنَّها انفَسَخت قبلَ الشِّراءِ لِتَلفِ رأسِ المالِ وزَوالِ الإذنِ (١).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وإذا اشتَرى العامِلُ بمالِ القِراضِ مَتاعًا، وحمَله بكِراءٍ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ رَجاءَ الفَضلِ فبارَ عليه، واغتَرَق الكِراءُ المالَ؛ فإنْ كان فيه وَفاءٌ لِلكِراءِ فسَبيلُ ذلك إنْ كان بَقيَ مِنَ الكِراءِ شَيءٌ فعَلى العامِلِ لا على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه لا يَبيعُ بدَينٍ مِنْ غَيرِ المالِ الذي قارَضه فيه، ولا يَحمِلُ العامِلُ في ذلك على رَبِّ المالِ، لا أعلَمُ فيه خِلافًا، وهو أصلٌ وإجماعٌ (٢).
٥ - السَّفرُ بمالِ المُضاربةِ:
المُضارِبُ إذا نَهاه رَبُّ المالِ عن السَّفرِ بمالِ المُضاربةِ، لا يَجوزُ له
стр. 5078
السَّفرُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ فإنْ سافَرَ ضمِن، وإنْ أُذِن له في السَّفرِ جازَ بحَسَبِ الإذنِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المَنعَ منه لِحَقِّه، وقد رَضيَ به؛ فإنْ تَلِف المالُ بلا تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه (١).
واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُسافِرَ في مَوضِعٍ مَخوفٍ أو إلى بَلدٍ مَخوفٍ إنْ أذِنَ له رَبُّ المالِ في مُطلَقِ السَّفرِ؛ فإنْ فعَل فهو ضامِنٌ لِمَا يَتلَفُ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بفِعلِ ما ليس له فِعلُه، وإنْ سافَرَ في طَريقِ أمنٍ جازَ.
ثم اختلَفوا فيما إذا لَم يأذَنْ له أو يَنهَه رَبُّ المالِ هل له السَّفرُ بمالِ المُضاربةِ دونَ إذنٍ مِنْ رَبِّ المالِ أو لا، إذا كان البَلدُ أو الطَّريقُ آمِنًا؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنهما وابنُ حَبيبٍ وسَحنونٌ مِنَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافِرَ بمالِ مُضاربةً، ولو كان السَّفرُ قَريبًا والطَّريقُ آمِنًا، ولا مُؤنةَ في السَّفرِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ السَّفرَ مَظِنَّةُ الخَطرِ، وفيه تَغريرٌ بالمالِ؛ لأنَّه يَعرِضُ فيه الخَوفُ والفَسادُ، فلَم يَملِكْه المُضارِبُ مِنْ غَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ.
فإنْ سافَرَ بغَيرِ إذنِه أو خالَف فيما أذِن له ضَمِن ولو عاد مِنَ السَّفرِ.
قال الشافِعيَّة: ومَحلُّ امتِناعِ السَّفرِ إلى ما يَقرُبُ مِنْ بَلدِ المُضاربةِ إذا لَم يَعتَدْ أهلُ بَلدِ المُضاربةِ الذَّهابَ إليه لِيَبيعَ ويَعلَمَ المالِكُ بذلك، وإلا جازَ؛ لأنَّ هذا حَسَب عُرفِهم يُعَدُّ مِنْ أسواقِ البَلدِ.
стр. 5079
وقال الشافِعيَّةُ أيضًا: ولو ضارَبه بمَحلٍّ لا يَصلُحُ لِلإقامةِ -كالمَفازةِ- فالظاهِرُ -كما قال الأذرَعيُّ- أنَّه يَجوزُ له السَّفرُ بالمالِ إلى مَقصِدِه المَعلومِ لهما، ثم ليس له بَعدَ ذلك أنْ يُحدِثَ سفرًا إلى غَيرِ مَحَلِّ إقامَتِه؛ فإنْ أذِنَ له جازَ بحَسَبِ الإذنِ، وإنْ أطلَقَ الإذنَ سافَرَ، لِما جرَت به العادةُ مِنَ البِلادِ المَأمونةِ؛ فإنْ سافَر بغَيرِ إذنٍ أو خالَفَ فيما أُذِن له ضَمِن وأثِمَ، ولم تَنفَسخِ المُضاربةُ، ولو عاد مِنَ السَّفرِ، ثم إنْ كان المَتاعُ بالبَلدِ الذي سافَر إليه أكثَرَ قيمةً، أو تَساوَتِ القيمتانِ، صَحَّ البَيعُ واستَحقَّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ وإنْ كان مُتعدِّيًا بالسَّفرِ، ويَضمَنُ الثَّمنَ الذي باعَ به مالَ القِراضِ في سَفَرِه، وإنْ عادَ بالثَّمنِ مِنَ السَّفرِ؛ لأنَّ سَببَ الضَّمانِ -وهو السَّفرُ- لا يَزولُ بالعَودِ، وإنْ كان -المَتاعُ هناك- أقَلَّ مِنَ القيمةِ لَم يَصحَّ البَيعُ إلا أنْ يَكونَ النَّقصُ قَدْرًا يُتغابَنُ به.
وقالوا: إنْ أذِنَ له في السَّفرِ لا يُسافِرُ في البَحرِ إلا إنْ نَصَّ له عليه لِخَطَرِه، فلا يَكفي فيه الإذنُ في السَّفرِ، نَعَمْ إنْ عَيَّن له بَلدًا ولا طَريقَ له إلا البَحرُ كان له أنْ يُسافِرَ فيه، وإنْ لَم يَنُصَّ عليه، والإذْنُ مَحمولٌ عليه، قاله الأذرَعيُّ وغَيرُه، والمُرادُ بالبَحرِ المالِحُ، كما قاله الإسنَويُّ، وهل يَلحَقُ بالبَحرِ الأنهارُ العَظيمةُ، كالنِّيلِ والفُراتِ؟ قال الأذرَعيُّ: لَم أرَ فيه نَصًّا، وقال الشِّربينيُّ الخَطيبُ: الأحسَنُ أنْ يُقالَ: إنْ زادَ خَطَرُها على خَطرِ البَرِّ لَم يَجُزْ؛ إلا أنْ يَنُصَّ عليه كما قالَه ابنُ شُهبةَ.
وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنه والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ ذَكَره البُوَيطيُّ والحَنابِلةُ في
стр. 5080
المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافرَ بمالِ المُضاربةِ -بَرًّا وبَحرًا كما يَقولُ الحَنفيَّةُ- إنْ أطلَقَ رَبُّ المالِ الإذنَ في المُضاربةِ ولَم يُقيِّدْه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وعليه فلَفظُ المُضاربةِ يَدلُّ على ذلك المُضارِبِ ومَلَك المُضارِبُ ذلك بمُطلقِ العَقدِ؛ لأنَّ الإذنَ المُطلَقَ يَنصرِفُ إلى ما جرَت به العادةُ، والعادةُ جاريةٌ سَفَرًا وحَضَرًا، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ استِنماءُ المالِ، وهذا المَقصودُ بالسَّفرِ أوفَرُ، ولأنَّ العَقدَ صَدرَ مُطلَقًا عن المَكانِ، فيَجري على إطلاقِه، ولأنَّ مأخَذَ الاسمِ دَليلٌ عليه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وهو السَّيرُ، قال اللهُ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فإذا كان مَعنى المُضاربةِ السَّفرَ فمُحالٌ أنْ يُنافيَه مُطلَقُ عَقدِ المُضاربةِ؛ ولأنَّه طلَبُ الفَضلِ، وقد قال اللهُ وعَزَّ شَأنُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
ولأنَّ القِراضَ يَقتَضي التَّصرُّفَ في المالِ على العادةِ في طلَبِ تَنميتِه، والعادةُ جاريةٌ بالتِّجارةِ سَفرًا وحَضرًا؛ فإذا أُطلِق الإذنُ فقد دخَل على العادةِ، فيَتضمَّنُ ذلك التَّصرُّفُ كلَّ ما يُعتادُ مِثلُه، ولأنَّ مِنَ السِّلعِ ما قد جَرَت العادةُ أنَّه لا يُشتَرى إلا في السَّفرِ ولا يُنمَّى المالُ إلا فيه، وإلا أنْ يُحمَلَ إلى المَواضعِ المَقصودةِ به؛ فإذا ثبَت أنَّ له أنْ يَشتريَ تلك السِّلعةَ ثبَت له أنْ يُسافِرَ بها؛ لأنَّ تَنميتَها لا تَحصُلُ إلا به.
ورُويَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه فَرَّقَ بينَ الذي يَثبُتُ في وَطنِه وبينَ الذي لا يَثبُتُ، وبينَ ما له حَملٌ ومُؤنةٌ وبينَ ما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ في الشَّركةِ،