← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

الجُزءُ الزائِدُ على النِّصفِ المَشروطِ لِغَيرِ العامِلِ لا مُقابِلَ له، فبطَل شَرطُه، وإنْ جعَلا الرِّبحَ بينَهما نِصفَيْن فليس هذا شَرِكةً ولا مُضارَبةً؛ لأنَّ شَرِكةَ العِنانِ تَقتَضي أنْ يَشترِكا في المالِ والعَملِ، والمُضارَبةُ تَقتَضي أنَّ لِلعامِلِ نَصيبًا مِنَ الرِّبحِ في مُقابلةِ عَملِه، ولَم يَجعَلا له ههنا في مُقابَلةِ عَملِه شَيئًا، وغَنِما، جعَلا الرِّبحَ على قَدْرِ المالَيْن وعَملُه في نَصيبِ صاحِبِه تَبرُّعٌ فيَكونُ ذلك إبضاعًا، وهو جائِزٌ إنْ لَم يَكُنْ ذلك عِوَضًا عن قَرضٍ؛ فإنْ كان العامِلُ اقتَرَض الألفَ أو بَعضَها مِنْ صاحِبِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه جعَل عَملَه في مالِ صاحبِه عِوضًا عن قَرضِه وذلك غَيرُ جائِزٍ. وأمَّا إذا اشتَرك بَدنانِ بمالِ أحَدِهما مِثلَ أنْ يُخرِجَ أحَدُهما ألفًا ويَعمَلا جَميعًا فيه؛ فإنَّ لِلعامِلِ الذي لا مالَ له مِنَ الرِّبحِ ما اتَّفقا عليه؛ لأنَّه مُضارِبٌ مَحضٌ، فأشبَهَ ما لو يَعمَلُ معه رَبُّ المالِ. فحصَل مما ذَكَرنا أنَّ الرِّبحَ بينَهما على ما اصطَلَحا عليه في جَميعِ أنواعِ الشَّركةِ سَواءٌ، كما ذَكَرنا في المُضاربةِ التي فيها شَركةٌ على ما شَرَحنا. وإذا دفَع رَجلٌ إلى رَجلَيْن مالًا قِراضًا على النِّصفِ فنَضَّ المالُ وهو ثَلاثةُ آلافٍ، وقال رَبُّ المالِ: «رأسُ المالِ ألفانِ»، فصَدَّقه أحَدُهما وقال الآخَرُ: بل هو ألفٌ، فالقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه؛ فإذا حلَف أنَّ رأسَ المالِ ألفٌ والرِّبحَ ألفانِ فنَصيبُه منهما خَمسُمِئةٍ، يَتبقَّى ألفانِ وخَمسُمِئةٍ يأخُذُ رَبُّ المالِ ألفَيْن؛ لأنَّ الآخَرَ يُصدِّقُه ويَتبقَّى خَمسُمِئةٍ رِبحًا بينَ رَبِّ المالِ والعامِلِ الآخَرِ يَقتَسمانِها أثلاثًا: لِرَبِّ المالِ ثُلثاها ولِلعامِلِ ثُلثُها: مِئةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ وثُلثانِ، ولِرَبِّ المالِ ثَلاثُمِئةٍ وثَلاثةٌ وثَلاثونَ وثُلثٌ؛ لأنَّ نَصيبَ رَبِّ المالِ مِنَ

стр. 5147

الرِّبحِ نِصفُه، ونَصيبَ هذا العامِلِ رُبعُه، فيُقسَّمُ بينَهما بَقيَّةُ الرِّبحِ على ثَلاثةٍ، وما أخَذَه الحالِفُ فيما زادَ على قَدْرِه نَصيبُه كالتالِفِ منهما، والتالِفُ يُحسَبُ في المُضاربةِ مِنَ الرِّبحِ، قال ابنُ قُدامةَ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ (١). وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتعدَّدَ العامِلُ في القِراضِ بأنْ أخَذَ اثنان أو أكثَرَ مالًا قِراضًا مِنْ واحِدٍ، وجعَل لَهما مَثَلًا نِصفَ الرِّبحِ، فالرِّبحُ الذي لَهما يُفَضُّ عليهما ويُقسَّمُ على حَسَبِ عَملِهما إذا تَفاوَتا في العَملِ بالقِلَّةِ والكَثرةِ ولا يُقسَّمُ بينَهما بالسَّويَّةِ فلا يَجوزُ أنْ يَتَّحِدا في الرِّبحِ ويَختلِفا في العَملِ، كشَركةِ الأبدانِ؛ لأنَّ أحدَهما يأخُذُ بَعضَ رِبحِ صاحِبِه بغَيرِ شَيءٍ، كما لو أخذَ اثنانِ مالًا واحِدًا وجُعِل لِواحِدٍ نِصفُ الرِّبحِ ولِلآخَرِ ثُلثُه؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ يَكونُ عليه مِنَ العَملِ قَدْرُ ما جُعِل له مِنَ الرِّبحِ، ولا يَكونُ العَملُ عليهما بالسَّويَّةِ (٢). ٥ - دَفعُ مالَيْن مِنَ المالِكِ لِعامِلٍ واحِدٍ: نَصَّ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعملُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ سَواءٌ كان في وَقتٍ واحِدٍ أو في وَقتَيْن. قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعمَلُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ، وسَواءٌ كانا مُتَّفقَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ، ومِثلِها مِنَ

стр. 5148

الذَّهبِ، أو مُختلِفَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ ومِئةٍ مِنَ الفِضَّةِ، وسَواءٌ كانَ الجُزءُ فيهما مُتَّفقًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما، أو مُختلفًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ هذه، والثُّلثِ مِنْ رِبحِ الأُخرى، وسَواءٌ كان الرِّبحُ فيهما لَهما أو رِبحُ إحداهما لِأحَدِهما بعَينِه ورِبحُ الأُخرى لَهما مَعًا أو رِبحُ هذه لِرَبِّ المالِ، ورِبحُ الأُخرى لِلعامِلِ، كلُّ ذلك جائِزٌ إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ الدَّفعِ، أي: عندَ العَقدِ فيهما؛ لأنَّ ذلك يَرجعُ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ؛ فإنْ لَم يَشتَرِطا الخَلطَ لَم يَجُزِ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ الجُزءُ؛ إذْ لا تُهمةَ في أنْ يَعملَ في أحدِ المالَيْن أكثَرَ مِنَ الآخَرِ، بخِلافِ المُختَلِفَيْن في الجُزءِ؛ فإنَّه يُتَّهمُ أنْ يَعملَ في أكثَرِ الجُزأَيْن دونَ الآخَرِ عَملًا كَثيرًا. وكذلك يَجوزُ لِمُريدِ القِراضِ أنْ يَدفَعَ مالَيْن مُتعاقِبَيْن في عَقدَيْن، أي: واحدًا بعدَ واحِدٍ، لِعامِلٍ واحِدٍ، لكنْ دَفعَ الآخَرُ قبلَ شُغلِ المالِ الأولِ لِيَعملَ في كلِّ مالٍ على حِدَتِه، وسَواءٌ اتَّفقَ رأسُ المالِ أو اختلَف، وسَواءٌ اتَّفقَ الجُزءُ أو اختَلَف، كأنْ يَكونَ له في هذا نِصفُ الرِّبحِ وفي الآخَرِ ثُلثُه على ما مَرَّ، ومَحلُّ الجَوازِ في المالَيْن مَعًا أو مُتعاقِبَيْن اتَّفقا في الجُزءِ أو اختَلَفا، إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ دَفعِ الآخَرِ قبلَ شُغلِ الأولِ؛ لأنَّه يَرجعُ حينَئذٍ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، ولا تُهمةَ. فإنْ لمَ يَشترِطا الخَلطَ لَم يَجُزْ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ كما مَرَّ. فلو كان دَفعُ المالِ الثاني بعدَ شُغلِ المالِ الأولِ ولَم يَنِضَّ؛ فإنَّه يَجوزُ بشَرطِ عَدمِ الخَلطِ ولو مع اختِلافِ الجُزأَيْن؛ لأنَّه حينَئذٍ إذا خَسِر في

стр. 5149

أحَدِهما ليس عليه أن يَجبُرَه برِبحِ الآخَرِ، أمَّا إنْ شرَطا الخَلطَ بعدَ شُغلِ الأولِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ، وسَواءٌ اتَّفَق الجُزآنِ أو اختَلَفا وعَلَّلوا عَدمَ الجَوازِ بأنَّه قد يَخسَرُ في الآخَرِ فيَلزَمُه أنْ يَجبُرَه برِبحِ الأولِ. وكذلك يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَدفعَ إليه مالًا آخَرَ لِيَعملَ فيه مع الأولِ بعدَ نُضوضِ الأولِ -أي: صَيرورةِ المالِ دَراهمَ ودَنانيرَ، وذلك ببَيعِ السِّلعِ وقَبضِ ثَمنِها دَراهمَ ودَنانيرَ- بشَرطَيْن: أوَّلُهما: أنْ يَكونَ الأولُ قد نَضَّ مِنْ غَيرِ رِبحٍ فيه ولا خَسارةٍ، كما لو اشتَرى بمِئةٍ وباعَ أيضًا بمِئةٍ؛ فإنْ نَضَّ برِبحٍ أو خَسارةٍ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه إنْ نَضَّ برِبحٍ قد يَضيعُ على العامِلِ رِبحُه، وإنْ نَضَّ بخَسارةٍ قد يَجبُرُ القِراضُ الآخَرُ خَسارةَ الأولِ. والآخَرُ: أنْ يَتَّفقَ جُزؤُهما بأنْ يَكونَ الرِّبحُ لِلعاملِ في المالِ الآخَرِ كالرِّبحِ في المالِ الأولِ، كالثُّلثِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما. فإنِ اختَلَف جُزءُ الرِّبحِ المَشروطِ لِلعاملِ في الآخَرِ عما كان مَشروطًا له في الأولِ فلا يَجوزُ، وهذان الشَّرطانِ ذكَرهما خَليلٌ. إلا أنَّ الدَّرديرَ والدُّسوقيُّ -رحمهما الله- قالا: الحَقُّ أنَّه إذا نَضَّ الأولُ بمُساوٍ جازَ الدَّفعُ مُطلَقًا، سَواءٌ اتَّفقَ جُزؤُهما -أي: الرِّبحُ- أو اختلَف إنْ شرَطا الخَلطَ، وإلا مُنِع مُطلَقًا، اتَّفَق جُزؤُهما أو اختلَف (١).

стр. 5150

وقال الحَنابِلةُ: وإنْ دفَع رَبُّ المالِ إلى المُضارِبِ ألفَيْن في وَقتَيْن بأنْ دفَع إليه ألفًا مُضارَبةً ثم دفَع إليه ألفًا أُخرى لَم يَخلِطْهما بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه أفرَد كلَّ واحِدٍ بعَقدٍ، فكانا عَقدَيْن، فلا تُجبَرُ وَضيعةُ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ، كما لو نَهاه عن ذلك. فإنْ أذِنَ رَبُّ المالِ لِلمُضارِبِ في الخَلطِ قبلَ تَصرُّفِ المُضارِبِ في المالِ الأولِ جازَ وصارَ مُضاربةً واحِدةً، كما لو دفَعهما إليه مَرَّةً واحِدةً أو أذِن له في الخَلطِ بَعدَ التَّصرُّفِ وقد نَضَّ الأولُ جازَ وصارَ المالُ كلُّه مُضاربةً واحِدةً كما لو دفَعه إليه دُفعةً واحِدةً. وإنْ أذِنَ له في الخَلطِ بعدَ تَصرُّفِه في الأولِ ولَم يَنِضَّه فلا يَجوزُ الخَلطُ؛ لأنَّ حُكمَ العَقدِ الأولِ استَقرَّ فكان رِبحُه وخُسرانُه مُختصًّا به فضَمُّ الآخَرِ إليه يُوجِبُ جُبرانَ خُسرانِ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ؛ فإذا شُرِط ذلك في الآخَرِ فسَد. وإنْ لَم يأذنْ له في ضَمِّ الآخَرِ إلى الأولِ لَم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّه أفرَد كلَّ واحِدٍ بعَقدٍ فكانا عَقدَيْن لكلِّ عَقدٍ حُكمُ نَفْسِه، ولا تَجبُرُ وَضيعةُ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ كما لو نَهاه عن ذلك (١). أمَّا الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ فلَم أقِفْ على قَولٍ لهم في هذه المَسألةِ. ٦ - المُرابَحةُ بينَ رَبِّ المالِ والعامِلِ: قال الحَنفيَّةُ: تَجوزُ المُرابَحةُ بينَ رَبِّ المالِ والمُضارِبِ، وهي أنْ

стр. 5151

يَشتريَ رَبُّ المالِ مِنْ مُضارِبِه فيَبيعَه مُرابَحةً أو يَشتريَ المُضارِبُ مِنْ رَبِّ المالِ فيَبيعَه مُرابَحةً لكنَّه يَبيعُه على أقَلِّ الثَّمنَيْن، إلا إذا بيَّن الأمرَ على وَجهِه فيَبيعُه كيف شاءَ؛ وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ جَوازَ شِراءِ رَبِّ المالِ مِنَ المُضارِبِ، والمُضارِبِ مِنْ رَبِّ المالِ ثَبَت مَعدولًا به عن القياسِ؛ لِما ذَكَرنا أنَّ رَبَّ المالِ اشتَرى مالَ نَفْسِه بمالِ نَفْسِه، والمُضارِبَ يَبيعُ مالَ رَبِّ المالِ مِنْ رَبِّ المالِ، إذِ المالان مالُه، والقياسُ يأبى ذلك، إلا أنَّا استَحسَنَّا الجَوازَ لِتَعلُّقِ حَقِّ المُضاربِ بالمالِ، وهو مِلكُ التَّصرُّفِ، فجعَل ذلك بَيعًا في حَقِّهما لا في حَقِّ غَيرِهما، بل جُعِل في حَقِّ غَيرِهما مُلحَقًا بالعَدمِ. ولأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ يُجريه البائِعُ مِنْ غَيرِ بَيِّنةٍ واستِحلافٍ فتَجِبُ صيانَتُه عن الجِنايةِ وعن شُبهِ الجِنايةِ ما أمكَن، وقد تَمكَّنتِ التُّهمةُ في البَيعِ بينَهما لِجَوازِ أنَّ رَبَّ المالِ باعَه مِنَ المُضارِبِ بأكثَرَ مِنْ قيمَتِه ورَضيَ به المُضارِبُ؛ لأنَّ الجُودَ بمالِ الغَيرِ أمرٌ سَهلٌ؛ فكأنَّ تُهمةَ الجِنايةِ ثابِتةٌ والتُّهمةَ في هذا البابِ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ، فلا يَبيعُ مُرابَحةً إلا على أقَلِّ الثَّمنَيْن؛ إلا إذا بيَّن الأمرَ على وَجهِه فيَبيعُه كيفَ شاءَ؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ وقد زالَت (١). يَدُ المُضارِبِ يَدُ أمانةٍ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العامِلَ أمينٌ على ما في يَدِه مِنْ مالِ المُضاربةِ، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا في الواقِعِ؛ فإنْ تَلِف المالُ في يَدِه مِنْ غَيرِ تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه نائِبٌ عن رَبِّ المالِ في التَّصرُّفِ فلَم يَضمَنْ

стр. 5152

مِنْ غَيرِ تَفريطٍ كالمُودَعِ، ولأنَّه قبَضه بإذنِ المالِكِ؛ فإذا تَصرَّف فيه فهو وَكيلٌ فيه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مالِ الغَيرِ بأمرِه (١). اشتِراطُ ضَمانِ المالِ على المُضارِبِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ ضَمانِ المالِ على المُضارِبِ إنْ تَلِفَ بغَيرِ تَفريطٍ مِنَ العامِلِ. واختَلَفوا فيما إذا وقَع الشَّرطُ هل تَبطُلُ المُضاربةُ أو تَصحُّ مع فَسادِ الشَّرطِ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَقدَ صَحيحٌ والشَّرطَ باطِلٌ قياسًا بالشَّرطِ الفاسِدِ في البَيعِ على رِوايةِ أنَّ البَيعَ جائِزٌ والشَّرطَ باطِلٌ اعتِمادًا على حَديثِ بَريرةَ، ولأنَّه شَرطٌ لا يُؤثِّرُ في جَهالةِ الرِّبحِ فلَم يَفسُدْ به، كما لو شرَط لُزومَ المُضاربةِ، ويُفارِقُ شَرطَ الدَّراهمِ؛ لأنَّه إذا فسَد الشَّرطُ ثَبتَت حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهما في الرِّبحِ مَجهولةً. وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَقدَ باطِلٌ؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ فأفسَدَ المُضاربةَ، كما لو شُرِط لِأحدِهما فَضلُ دِرهَمٍ، ولأنَّ

стр. 5153

اشتِراطَ الضَّمانِ زيادةُ غَررٍ في القِراضِ نَفْسِه، ولأنَّه ليس مِنْ سُنَّةِ القِراضِ؛ فإنْ عَمِل فيه كان فيه قِراضُ المِثلِ عندَ المالِكيَّةِ وأُجرةُ المِثلِ عندَ الشافِعيَّةِ، سَواءٌ حصَل في المالِ رِبحٌ أو لَم يَحصُلْ. وأمَّا لو تَطوَّع العامِلُ بالضَّمانِ ففي صِحَّةِ ذلك القِراضِ وعَدمِها خِلافٌ عندَ المالِكيَّةِ (١). الحِيلةُ في تَضمينِ المُضارِبِ: الحِيلةُ في المُضاربةِ: قُلنا: الأصلُ أنَّ المُضارِبَ أمينٌ، فلا يَضمَنُ ما تَلِف تحتَ يَدِه مِنْ مالِ المُضاربةِ ما لَم يَتعدَّ أو يُقصِّرْ، ولو شرَط رَبُّ المالِ على المُضاربِ ضَمانَ مالِ المُضاربةِ لَم يَصحَّ. وقد ذكَر الحَنفيَّةُ وابنُ القَيِّمِ أكثَرَ مِنْ حيلةٍ لِتَضمينِه: الحيلةُ الأُولى: أنْ يُقرِضَه المالَ في ذِمَّتِه ثم يَقبِضَه المُضارِبُ منه؛ فإذا قَبضَه دفَعه إلى مالِكِه الأولِ مُضاربةً ثم يَدفَعُه رَبُّ المالِ إلى المُضاربِ بِضاعةً؛ فإنْ هلَك فهو مِنْ ضَمانِ المُضارِبِ؛ لأنَّه قد صارَ مَضمونًا

стр. 5154

عليه بالقَرضِ فتَسليمُه إلى رَبِّ المالِ مُضاربةً كتَسليمِ مالٍ له آخَرَ (١). والحِيلةُ الثانية: أنْ يُقرِضَ رَبُّ المالِ المُضارِبُ ما يُريدُ دَفعَه إليه، ثم يُخرجَ مِنْ عِندِه دِرهَمًا واحِدًا ويُسلِّمَه إليه ويُشهِدَ على ذلك، فيَكونَ رأسُ مالِ المُقرِضِ دِرهَمًا ورأسُ مالِ المُستَقرِضِ جَميعَ ما استَقرضَ فيُشارِكَه شَركةَ عِنانٍ على أنْ يَعمَلا بالمالَيْن جَميعًا على أنَّ ما رزَقه اللهُ بينَهما نِصفان، ثم بعدَ ذلك يَعمَلَ المُستقرِضُ خاصَّةً في المالِ؛ فإنْ عَمِل بالمالِ بإذنِ صاحِبِه فرَبِح كان الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطاه، وإنْ خَسِر كان الخُسرانُ على قَدْرِ المالَيْن، وعلى رَبِّ المالِ بقَدْرِ الدِّرهَمِ، وعلى المُضارِبِ بقَدْرِ رأسِ المالِ، ويَكونُ القَرضُ على حالِه، وذلك لأنَّ المُضارِبَ هو المُلزِمُ نَفْسَه الضَّمانَ بدُخولِه في القَرضِ (٢). وهذه الحِيلةُ تَصحُّ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ كما تَقدَّم؛ لأنَّه لا يُشتَرطُ عندَهم أنْ يَكونَ الرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن فيَجوزَ أنْ يَتفاضَلَ المالانِ مع تَساوي الرِّبحِ وأنْ يَتفاضَلَ الرِّبحُ مع تَساوي المالَيْن بخِلافِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ؛ فإنَّهم يَشتَرِطون أنْ يَكونَ الرِّبحُ والوَضيعةُ على قَدرِ المالَيْن لا على ما يَشتَرِطان.

стр. 5155

مَتى يَستحِقُّ المُضارِبُ الرِّبحَ: اختلَف الفُقهاءُ في المُضارِبِ هل يَملِكُ حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ بالظُّهورِ أو بالقِسمةِ؟ فذهَب الشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العامِلَ يَملِكُ حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ بمجرَّدِ الظُّهورِ قبلَ القِسمةِ؛ لأنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، فيَثبُتُ مُقتَضاه، وهو أنْ يَكونَ له جُزءٌ مِنَ الرِّبحِ؛ فإذا وُجِد يَجِبُ أنْ يَملِكَه بحُكمِ الشَّرطِ، كما يَملِكُ المُساقي حِصَّتَه مِنَ الثَّمرةِ؛ لِظُهورِها، وقياسًا على كلِّ شَرطٍ صَحيحٍ في عَقدٍ، ولأنَّ هذا الرِّبحَ مَملوكٌ فلا بُدَّ له مِنْ مالِكٍ، ورَبُّ المالِ لا يَملِكُه اتِّفاقًا، ولا تَثبُتُ أحكامُ المِلكِ في حَقِّه، فلَزِم أنْ يَكونَ لِلمُضارِبِ، ولأنَّه يَملِكُ المُطالَبةَ بالقِسمةِ، فكان مالِكًا كأحَدِ شَريكَيِ العِنانِ، ولا يَمنَعُ أنْ يَملِكَه ويَكونَ وِقايةً لِرأسِ المالِ، كنَصيبِ رأسِ المالِ مِنَ الرِّبحِ، وبهذا امتَنَع اختِصاصُه برِبحِه، ولأنَّه لو اختَصَّ -أي: رَبُّ المالِ- برِبحِ نَصيبِه لاستَحقَّ مِنَ الرِّبحِ أكثَرَ مما شُرِط له، ولا يَثبُتُ بالشَّرطِ ما يُخالِفُ مُقتَضاه، ولأنَّ العامِلَ إنَّما يَملِكُ فَسخَ القِراضِ بالمُطالَبةِ بحَقِّه مِنَ الرِّبحِ، ومَن مَلَك مُطالبةَ شَريكِه بقِسمةِ ما بَينَهما دَلَّ على أنَّه يَملِكُ حِصَّتَه بالظُّهورِ كالمالِ بينَ الشَّريكَيْن. لكنْ نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ المُضارِبَ لا يَملِكُ الأخذَ مِنَ الرِّبحِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ نَصيبَه مَشاعٌ، فلا يُقاسِمُ نَفْسَه، ولأنَّ مِلكَه له غَيرُ مُستقِرٍّ، وإنْ شرَط ألَّا يَملِكَه إلا بالقِسمةِ، لَم يَصحَّ الشَّرطُ؛ لِمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ. وقال الشافِعيَّةُ على هذا القَولِ: لا يَصحُّ تَصرُّفُ العامِلِ فيه؛ لأنَّه غَيرُ

стр. 5156

مُستقِرٍّ؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ. فلو اتَّفقَ خُسرانٌ، كان مِنَ الرِّبحِ دونَ رأسِ المالِ ما أمكَنَ. ولو اقتَسَما الرِّبحَ بالتَّراضي قبلَ فَسخِ العَقدِ، لَم يَحصُلْ الاستِقرارُ، بل لو حصَل خُسرانٌ بَعدَه، كان على العامِلِ جَبرُه بما أخَذَ. وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَملِكُه إلا بالقِسمةِ؛ لأنَّ العامِلَ لو ملَك شَيئًا مِنَ المالِ قَبلَ القِسمةِ لوَجَب أنْ يَكونَ شَريكًا لِرَبِّ المالِ كشَريكَيِ العِنانِ حتى لو تَلِف شَيءٌ مِنَ المالِ لَكان مَحسوبًا مِنَ المالَيْن فلَمَّا كان التالِفُ مَحسوبًا مِنَ الرِّبحِ دلَّ على أنَّه لا يَملِكُ شَيئًا مِنَ المالِ، ولأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ. ولأنَّه لو كان رأسُ المالِ ألفَيْن، فاشتَرى به عَبدَيْن، قيمَةُ كلِّ واحِدٍ ألفانِ، فأعتَقَ العامِلُ أحَدَهما، لَم يُعتَقْ؛ لأنَّه لا يَملِكُ فيهما شَيئًا، والعِلَّةُ فيه أنَّ المُقاسَمةَ لَم تَحصُلْ، فلَم يُلتَفت إلى الرِّبحِ في هذه الحالةِ. ولأنَّه لو اشتَرى بالمالِ عَبدَيْن كلُّ واحِدٍ يُساويه فأعتَقَهما رَبُّ المالِ عِتقًا ولَم يَضمَنْ لِلعامِلِ شَيئًا. قال الشافِعيَّةُ: وعلى هذا القَولِ له فيه حَقٌّ مُؤكَّدٌ حتى يُورَث عنه؛ لأنَّه -وإنْ لَم يَملِك فقد ثبَت له حَقُّ التَّملُّكِ-، ويُقدَّم على الغُرماءِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّه بالعَينِ، وله أنْ يَمتَنعَ مِنَ العَملِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ، ويَسعَى في التَّنضيضِ؛ لِيأخُذَ منه حَقَّه، ولو أتلَف المالِكُ المالَ، غُرِّمَ حِصَّةَ العامِلِ، وكان الإتلافُ كالاستِردادِ (١).

стр. 5157

وقال الحَنفيَّةُ: إنَّما يَستحِقُّ المُضارِبُ الرِّبحَ بالقِسمةِ وشَرطُ جَوازِ القِسمةِ قَبضُ رأسِ المالِ، فلا تَصِحُّ قِسمةُ الرِّبحِ قبلَ قَبضِ رأسِ المالِ حتى لو دفَع إلى رَجلٍ ألفَ دِرهَمٍ مُضارَبةً بالنِّصفِ فرَبِح ألفًا فاقتَسما الرِّبحَ ورأسُ المالِ في يَدِ المُضارِبِ لَم يَقبِضْه رَبُّ المالِ فهَلَكت الألفُ التي في يَدِ المُضارِبِ بَعدَ قِسمَتِهما الرِّبحَ؛ فإنَّ القِسمةَ الأُولى لَم تَصحَّ، وما قبَض رَبُّ المالِ فهو مَحسوبٌ عليه مِنْ رأسِ مالِه، وما قبَضه المُضارِبُ دَينٌ عليه يَرُدُّه إلى رَبِّ المالِ حتى يَستوفيَ رَبُّ المالِ رأسَ مالِه ولا تَصحُّ قِسمةُ الرِّبحِ حتى يَستوفيَ رَبُّ المالِ رأسَ المالِ والأصلُ في اعتبارِ هذا الشَّرطِ ما رُويَ مَرفوعًا أنَّه قال: «مَثَلُ المُؤمِنِ مَثَلُ التاجِرِ، لا يَسلَمُ له رِبحُه حتى يَسلَمَ له رأسُ مالِه، كذلك المُؤمِنُ لا تَسلَمُ له نَوافِلُه حتى تَسلَمَ له عَزائِمُه» (١) فدَلَّ الحَديثُ على أنَّ قِسمةَ الرِّبحِ قبلَ قَبضِ رأسِ المالِ لا تَصحُّ، ولأنَّ الرِّبحَ زِيادةٌ، ولأنَّ الزِّيادةَ على الشَّيءِ لا تَكونُ إلا بعدَ سَلامةِ الأصلِ، ولأنَّ المالَ إذا بَقيَ في يَدِ المُضارِبِ فحُكمُ المُضاربةِ بحالِها، فلو صَحَّحنا قِسمةَ الرِّبحِ لَثَبتت قِسمةُ الفَرعِ قبلَ الأصلِ، فهذا لا يَجوزُ، وإذا لَم تَصحَّ القِسمةُ فإذا

стр. 5158

هلَكَ ما في يَدِ المُضاربِ صارَ الذي اقتَسماه هو رأسَ المالِ، فوجَب على المُضاربِ أنْ يَردَّ منه تَمامَ رأسِ المالِ؛ فإنْ قبَض رَبُّ المالِ ألفَ دِرهَمٍ رأسَ مالِه أوَّلًا ثم اقتَسما الرِّبحَ ثم رَدَّ الألفَ التي قبَضها بعَينِها إلى يَدِ المُضاربِ على أنْ يَعملَ بها بالنِّصفِ فهذه مُضاربةٌ مُستَقبَلةٌ؛ فإنْ هلَكت في يَدِه لَم تَنتَقِضِ القِسمةُ الأُولى؛ لأنَّ رَبَّ المالِ لَمَّا استَوفى رأسَ المالِ انتَهَت المُضاربةُ وصَحَّتِ القِسمةُ؛ فإذا ردَّ المالَ فهذا عَقدٌ آخَرُ، فهَلاكُ المالِ فيه لا يُبطِلُ القِسمةَ في غَيرِه. ولو كان الرِّبحُ في المُضاربةِ الأُولى ألفَيْن واقتَسما الرِّبحَ فأخَذَ رَبُّ المالِ ألفًا والمُضارِبُ ألفًا ثم هَلَك ما في يَدِ المُضارِبِ؛ فإنَّ القِسمةَ باطِلةٌ وما قَبَضه رَبُّ المالِ مَحسوبٌ مِنْ رأسِ المالِ، ورَدَّ المُضارِبُ نِصفَ الألفِ الذي قبَض؛ لأنَّه لَمَّا هلَك ما في يَدِ المُضارِبِ مِنْ رأسِ المالِ قبلَ صِحَّةِ القِسمةِ صارَ ما قَبَضه رَبُّ المالِ رأسَ مالِه، وإذا صارَ ذلك رأسَ المالِ تَعيَّنَ الرِّبحُ فيما قبَضه المُضارِبُ بالقِسمةِ فيَكونُ بينَهما على الشَّرطِ فيَجِب عليه أنْ يَرُدَّ نِصفَه، وكذلك إنْ كان قد هلَك ما قبَضه المُضارِبُ مِنَ الرِّبحِ يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّ نِصفَه؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّه قبَض نَصيبَ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ لِنَفسِه فصارَ ذلك مَضمونًا عليه. ولو هلَك ما قبَض رَبُّ المالِ لَم يَتعيَّنْ بهَلاكِه شَيءٌ؛ لأنَّ ما هلَك بَعدَ القَبضِ يَهلِكُ في ضَمانِ القابِضِ فبَقاؤُه وهَلاكُه سَواءٌ (١).

стр. 5159

هل يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أو المُضارِبِ أنْ يأخُذَ مِنْ مالِ المُضاربةِ في أثناءِ العَقدِ: نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ رَبَّ المالِ والمُضاربَ لو اتَّفقا على قِسمةِ الرِّبحِ أو على قِسمةِ بَعضِه، أو اتَّفَقا على أنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ منهما كلَّ يَومٍ قَدْرًا مَعلومًا جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَعدوهما. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ طلَب أحَدُهما قِسمةَ الرِّبحِ دونَ رأسِ المالِ وأبى الآخَرُ قدَّم قَولَ المُمتَنِعِ؛ لأنَّه إنْ كان رَبُّ المالِ فلأنَّه لا يأمَنُ الخُسرانَ في رأسِ المالِ فيَجبُرُه بالرِّبحِ، وإنْ كان العامِلَ؛ فإنَّه لا يأمَنُ أنْ يَلزمَه رَدُّ ما أخَذَ في وَقتٍ لا يَقدِرُ عليه، وإنْ تَراضَيا على ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وسَواءٌ اتَّفَقا على قِسمةِ جَميعِه أو بَعضِه أو على أنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ منهما شَيئًا مَعلومًا يُنفِقُه ثم مَتى ظهَر في المالِ خُسرانٌ أو تَلِفَ كُلُّه لَزِم العامِلَ رَدُّ أقَلِّ الأمرَيْن مما أخَذَه أو نِصفِ خُسرانِ المالِ إذا اقتَسما الرِّبحَ نِصفَيْن، وبهذا قال الثَّوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ. وقال أبو حَنيفةَ: لا تَجوزُ القِسمةُ حتى يَستوفيَ رَبُّ المالِ مالَه، قال ابنُ المُنذِرِ: إذا اقتَسما الرِّبحَ ولَم يَقبِضْ رَبُّ المالِ رأسَ مالِه فأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَقولونَ: يَرُدُّ العامِلُ الرِّبحَ حتى يَستوفيَ رَبُّ المالِ مالَه. ولنا: على جَوازِ القِسمةِ أنَّ المالَ لَهما فجازَ لَهما أنْ يَقتَسِما بَعضَه كالشَّريكَيْن، أو أنْ نَقولَ: إنَّهما شَريكانِ فجازَ لَهما قِسمةُ الرِّبحِ قبلَ المُفاصَلةِ كشَريكَيِ العِنانِ (١).

стр. 5160

وقد نَصَّ الشافِعيَّةُ أيضًا على الجَوازِ إلا أنَّهم قد بَيَّنوا وفَصَّلوا فقالوا: لو استَردَّ المالِكُ بَعضَ مالِ القِراضِ قبلَ ظُهورِ رِبحٍ وخُسرانٍ فيه رَجَع رأسُ المالِ إلى ذلك المُتبَقِّي بَعدَ المُستَردِّ؛ لأنَّه لَم يُترَكْ في يَدِه غَيرُه، فصارَ كما لو اقتَصَر في الابتِداءِ على إعطائِه له، فلو كان مِئةً فاستَرَدَّ عَشَرةً، صارَ رأسُ المالِ تِسعينَ؛ لأنَّه لَم يَبقَ في يَدِه غَيرُه. وإنِ استَردَّ المالِكُ بغَيرِ رِضا العامِلِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ فالمُسترَدُّ منه شائِعٌ رِبحًا ورأسُ مالٍ؛ لِعَدمِ التَّمييزِ، وذلك على النِّسبةِ الحاصِلةِ مِنْ جُملةِ الرِّبحِ، ورأسُ المالِ لا يَلحَقُه حُكمُ المُتبَقِّي لاستِقرارِ مِلكِ العامِلِ على ما يَخُصُّه مِنَ الرِّبحِ بحَسَبِ الشَّرطِ فلا يَسقُطُ بما يَحصُلُ مِنَ الخُسرانِ بَعدَه. أمَّا إذا كان الاستِردادُ برِضا العامِلِ؛ فإنْ قصَد هو والمالِكُ الأخذَ مِنَ الأصلِ اختَصَّ به، أو مِنَ الرِّبحِ، فكذلك لكنْ يَملِكُ العامِلُ مما بيَدِه مِقدارَ ذلك على الإشاعةِ، وإنْ أطلَقا حُمِل على الإشاعةِ، وحينَئِذٍ الأشبَهُ -كما قال ابنُ الرِّفعةِ- أنْ تَكونَ حِصَّةُ العامِلِ قَرضًا، نَقَله عنه الإسنَويُّ وأقَرَّه ثم قال: وإذا كان الاستِردادُ بغَيرِ رِضاه لا يَنفُذُ تَصرُّفُه في نَصيبِه، وإنْ لَم يَملِكْه بالظُّهورِ. مِثالُه: رأسُ المالِ مِئةٌ مِنَ الدَّراهِمِ، والرِّبحُ عِشرونَ منها، واستَرَدَّ المالِكُ مِنْ ذلك عِشرينَ، فالرِّبحُ في هذا المِثالِ سُدسُ جَميعِ المالِ، وحينَئِذٍ يَكونُ المُسترَدُّ -وهو العِشرونَ- سُدسَه، وهو ثَلاثةُ دَراهِمَ، وثُلثٌ يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ فيَستقِرُّ لِلعامِلِ المَشروطُ منه، وهو دِرهمٌ وثُلثانِ إنْ شرَط له نِصفَ الرِّبحِ وبَقيَّتَه -أي: المُستَرَدِّ- وهو سِتةَ عَشَرَ وثُلثانِ مِنْ رأسِ المالِ،

стр. 5161

فيَعودُ رأسُ المالِ إلى ثلاثةُ وثَمانينَ وثُلثٍ، فلو عاد ما في يَدِه إلى ثَمانينَ لَم يَسقُطْ ما استقَرَّ له، بل يأخُذُ منها دِرهَمًا وثُلثَيْ دِرهَمٍ ويَرُدُّ البَقيَّةَ، وهي ثَمانيةٌ وسَبعونَ دِرهمًا وثُلثُ دِرهَمٍ. وإنِ استَردَّ المالِكُ بَعضَه بعدَ ظُهورِ الخُسرانِ فالخُسرانُ مُوزَّعٌ على المُسترَدِّ، والبَقيَّةُ بعدَه، وحينَئِذٍ لا يَلزَمُ جَبرُ حِصَّةِ المُسترَدِّ وهو عِشرونَ لو رَبِحَ المالُ بعدَ ذلك؛ لأنَّه لو رَدَّ الجَميعَ بعدَ الخُسرانِ لَم يَلزَمْه شَيءٌ، ويَصيرُ رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وحِصَّتُه مِنَ الخُسرانِ. مِثالُه: المالُ -أي: رأسُ المالِ- مِئةٌ، والخُسرانُ الحاصِلُ فيه عِشرونَ، ثم استرَدَّ المالِكُ عِشرينَ فرُبعُ العِشرينَ التي هي جَميعُ الخُسرانِ حِصَّةُ المُسترَدِّ منها خَمسةٌ، فكأنَّه استَردَّ خَمسةً وعِشرينَ ويَعودُ بعدَ ذلك رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وبعدَ حِصَّتِه مِنَ الخُسرانِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ؛ لأنَّ الخُسرانَ إذا وَزَّعناه على الثَّمانينَ خَصَّ كلَّ عِشرينَ خَمسةٌ، والعِشرونَ المُسترَدةُ حِصَّتُها خَمسةٌ، فيَبقى ما ذكَره، فلو رَبِح بعدَ ذلك شَيئًا قُسِّم بينَهما رِبحًا على حَسَب ما شَرَطاه (١). زَكاةُ مالِ المُضاربةِ: اختلَف الفُقهاءُ فيمَن يُخرِجُ زَكاةَ مالِ المُضاربةِ، ومَتى يُخرِجُ، على أقوالٍ، وتَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ، وهو على التَّفصيلِ الآتي.

стр. 5162

قال الحَنفيَّةُ: يُزكِّي المُضارِبُ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ إذا حالَ الحَولُ وعِندَه نِصابٌ وظهَر الرِّبحُ؛ فإنِ اشتَرى جاريةً قيمَتُها ألفانِ ورأسُ المالِ ألفٌ زَكَّى خَمسَمِئةٍ إذا حالَ الحَولُ ويُزكِّي رَبُّ المالِ ألفَيْنِ وخَمسَمِئةٍ. ولِلمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ رَبَّ المالِ بالقِسمةِ حتى يَحصُلَ له نَصيبُه مِنَ الرِّبحِ مُميَّزًا مِنْ مِلكِه صَحيحَ المِلكِ يَلزَمُه فيه الزَّكاةُ (١). قال المالِكيَّةُ: القِراضُ إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا في بَلدِ رَبِّ المالِ أو غائِبًا عنه. ١ - القِراضُ الحاضِرُ ببَلدِ رَبِّ المالِ حَقيقةً أو حُكمًا، كأنْ كان المالُ في غَيرِ بَلدِ رَبِّه لكنْ يَعلَمُ رَبُّه بحالِه: فيُزكِّيه رَبُّه زَكاةَ إدارةٍ، واختَلَفوا مَتى يُزكِّيه على ثَلاثةِ أقوالٍ: الأولُ: ما رَجَّحه خَليلٌ والدَّرديرُ، وقيلَ: هو ظاهِرُ المَذهبِ أنَّه يُزكِّيه كلَّ عامٍ مِنْ غَيرِ مالِ القِراضِ، لِئلَّا يَنقُصَ على العامِلِ، والرِّبحُ يَجبُرُه، وهو ضَرَرٌ على العامِلِ، إلا أنْ يَرضَى بذلك بشَرطِ أنْ يُديرَه العامِلُ، سَواءٌ كان رَبُّه مُديرًا أو مُحتكِرًا. والثاني -وهو المُعتمَدُ-: لا يُزكِّيه إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ويُزكِّي حينَئذٍ لِلسِّنينِ الماضيةِ كلِّها كالغائِبِ. والثالِثُ: أنَّه لا يُزكِّي إلا بعدَ المُفاصلةِ، ولكنْ لِسَنةٍ واحِدةٍ كالدَّينِ. ٢ - القِراضُ الغائِبُ عن بَلدِ رَبِّه ولا يُعلَمُ حالُه: لا يُزكِّيه رَبُّه ولو غابَ عنه سِنينَ حتى يَحضُرَ، إلا أنْ يأمُرَ العامِلَ أنْ يُزكِّيَه في حالِ غيابِه في كلِّ

стр. 5163

عامٍ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّه مِنْ رأسِ المالِ، فإذا لَم يُزكِّه العامِلُ في هذه السِّنينِ زَكَّاه رَبُّه بعدَ حُضورِه عن جَميعِ سِني الغيابِ مُبتَدِئًا بسَنةِ الحُضورِ أوَّلًا، فيُحسَبُ ما عليه مِنْ زَكاةٍ في هذه السَّنةِ الأخيرةِ، ثم يُخرِجُ بمِقدارِها عن كُلٍّ مِنَ السِّنينِ السابِقةِ بعدَ تَنزيلِ ما يُؤخَذُ مِنَ المالِ زَكاةً، هذا إذا كان القِراضُ في كلٍّ مِنَ السِّنينِ السابِقةِ مُساوِيًا لِلسَّنةِ الأخيرةِ أو زائِدًا عليها، أمَّا إنْ كان أقَلَّ زَكَّاه بقَدْرِه بعدَ تَنزيلِ ما أخذَ زَكاةً. ومثالُ ذلك: مَنْ عِندَه واحِدٌ وعِشرونَ دِينارًا، فغابَ بها العامِلُ خَمسَ سَنواتٍ، ثم وَجَدها بعدَ الحُضورِ كما هي، فعندَ ذلك يَبدأُ بالعامِ الأولِ والذي بعدَه ولا يُزكِّي الثالِثَ؛ لأنَّه قد نَقَص عن النِّصابِ. أمَّا إنْ كان رَبُّ القِراضِ أو العامِلُ أو هُما معًا مُحتَكِرْن فيُزكِّيه رَبُّه بعدَ قَبضِه بعامٍ واحِدٍ، ولو قامَ عندَ العامِلِ أعوامًا. وأمَّا الماشيةُ فحُكمُها أنْ تُعجَّل زَكاتُها، حَضرت أو غابَت، وسَواءٌ احتَكَرها العامِلُ أو أدارَها، ومِثلُ الماشيةِ الحَرثُ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّ المالِ، فلا تُجبَرُ بالرِّبحِ كالخَسارةِ. وأمَّا العامِلُ فيُزكِّي حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ -ولو كانت أقَلَّ مِنَ النِّصابِ- لِسَنةٍ واحِدةٍ بعدَ قَبضِها، ولو أقامَ القِراضَ بيَدِه سِنينَ، وسَواءٌ كان العامِلُ ورَبُّ القِراضِ مُديرَيْن أو مُحتَكرَيْن أو مُختلِفَيْن، وذلك بشُروطٍ خَمسةٍ، هي: ١ - إنْ قام القِراضُ بيَدِه حَولًا فأكثَرَ مِنْ يَومِ بَدأ الاتِّجارَ به، أمَّا إنْ كان بَقاؤُه أقَلَّ مِنْ ذلك فلا زَكاةَ عليه.

стр. 5164

٢ - وكان العامِلُ ورَبُّ المالِ حُرَّيْن. ٣ - أنْ يَكونا مُسلِمَيْن. ٤ - أنْ يَكونا بلا دَيْنٍ عليهما. ٥ - أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ نِصابًا فأكثَرَ، أو كان رأسُ المالِ مع الرِّبحِ أقَلَّ مِنْ نِصابٍ، ولكِنْ عندَ رَبِّه ما يُكمِلُه؛ لأنَّ زَكاتَه تابِعةٌ لِزَكاةِ رَبِّ المالِ. فإنْ كان رأسُ المالِ عَشَرةَ دَنانيرَ ودفَعها رَبُّها لِلعامِلِ على أنْ يَكونَ لِرَبِّها جُزءٌ مِنْ مِئةِ جُزءٍ مِنَ الرِّبحِ فرِبحُ المالِ مِئةٌ؛ فإنَّ رَبَّه لا يُزكِّي؛ لأنَّ مَجموعَ رأسِ المالِ وحِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ أحدَ عَشَرَ، وكذلك العامِلُ لا يُزكِّي بل يَستقبِلُ بما خَصَّه وهو تِسعةٌ وتِسعونَ حَولًا مِنْ وَقتِ قَبضِه (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفَ دِرهَمٍ قِراضًا على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفان فحالَ الحَولُ وقد صارتْ ألفَيْن بُنِيت على المُضاربَ، متى يَملِكُ الرِّبحَ؟ وفيه قَولانِ كما تَقدَّم: أحَدُهما: يَملِكُه بالمُقاسَمةِ، وهو الأظهَرُ في المَذهبِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاةُ الجَميعِ على رَبِّ المالِ؛ فإنْ أخرَجَها مِنْ عَينِ المالِ فمِن أينَ تُحسَبُ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:

стр. 5165

أحَدُها: أنَّه يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّها مِنْ مُؤنِ المالِ، فتُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ كأُجرةِ النَّقَّالِ، والوَزَّانِ، والكَيَّالِ. والثاني: تُحسَبُ مِنْ رأسِ المالِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ دَينٌ عليه في الذِّمَّةِ في أحَدِ القَولَيْن؛ فإذا قَضاه مِنَ المالِ حُسِبَ مِنْ رأسِ المالِ كسائِرِ الدُّيونِ. والثالِثُ: أنَّها تُحسَبُ مِنْ رأسِ المالِ والرِّبحِ جَميعًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في رأسِ المالِ والرِّبحِ، فحَسَبَ المُخرَجِ منهما. مِثالُه: رأسُ المالِ مِئتانِ والرِّبحُ مِئةٌ فثُلثا المُخرَجِ مِنْ رأسِ المالِ وثُلثُه مِنَ الرِّبحِ. ومُقابِلُ الأظهَرِ أنَّه يَملِكُ الرِّبحَ بالظُّهورِ، فعلى هذا يَجِبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفٍ وخَمسِمِئةٍ وإخراجُها على ما ذَكَرناه بلا خِلافٍ، ولا يَلزَمُه زَكاةُ حِصَّةِ العامِلِ بلا خِلافٍ. ثم إنْ أرادَ إخراجَ الزَّكاةِ مِنْ مالِ القِراضِ مِنْ أينَ تُحسَبُ؟ فيه الأوجُهُ الثلاثةُ، هذا حُكمُ المالِكِ. أمَّا العامِلُ على هذا القَولِ فهل يَلزَمُه زَكاةُ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ؟ فيه ثَلاثُ حالاتٍ: أصَحُّها: تَجِبُ على العامِلِ زَكاةُ خَمسِمِئةٍ؛ لأنَّه مالِكٌ قادِرٌ على الفَسخِ والمُقاسَمةِ في كلِّ وَقتٍ، والتَّصرُّفُ بعدَ القِسمةِ في نَصيبِه، فلَزِمه الزَّكاةُ، غيرَ أنَّه لا يَلزَمُه إخراجُها؛ لأنَّه لا يَدري هل يَسلَمُ له أو لا، فلَم يَلزَمْه إخراجُ زَكاتِه كالمالِ الغائِبِ؛ فإنْ أخرَجَ زَكاتَه مِنْ غَيرِ المالِ جازَ، وإنْ أرادَ إخراجَه مِنَ المالِ ففيه وَجهانِ:

стр. 5166

أحَدُهما: ليس له ذلك، ولِلمالِكِ مَنعُه؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ، فلَعلَّه يَخسَرُ فلا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ. والآخَرُ: له ذلك بغَيرِ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكمِ الإسلامِ ووُجوبِ الزِّكاةِ. وبهذا كلِّه إذا كان المالِكُ والعامِلُ مِنْ أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ جَميعًا، فأمَّا إذا كان المالِكُ مِنْ أهلِها دونَ العامِلِ، وقُلنا: الجَميعُ لِلمالِكِ ما لَم يُقسَّمْ، فعليه زَكاةُ الجَميعِ، وإنْ قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فعليه زَكاةُ رأسِ المالِ ونَصيبُه مِنَ الرِّبحِ، ولا يَكمُلُ نَصيبُه إذا لَم يَبلُغْ نِصابًا بنَصيبِ العامِلِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ الزَّكاةِ فلا تَصحُّ خُلطَتُه. وأمَّا إذا كان العامِلُ مِنْ أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ دونَ المالِكِ؛ فإنْ قُلنا: كلُّه لِلمالِكِ قَبلَ القِسمةِ فلا زَكاةَ، وإنْ قُلنا: لِلعامِلِ حِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ السابِقُ؛ فإنْ أوجَبناها فذلك إذا بَلَغت حِصَّتُه نِصابًا، أو كان له ما يَتِمُّ به نِصابٌ ولا تَثبُتُ الخُلطةُ. وليس له إخراجُ الزَّكاةِ مِنْ غَيرِ المالِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَدخُلْ في العَقدِ على إخراجِ زَكاةٍ مِنَ المالِ. والحالةُ الأُخرى: أنَّه على قَولِ المَغصوبِ والمَجحودِ؛ لأنَّه غَيرُ مُتمكِّنٍ في الحالِ مِنْ كَمالِ التَّصرُّفِ. والحالةُ الثالِثةُ: القَطعُ بعَدمِ الزَّكاةِ عليه لِضَعفِ مِلكِه وعَدمِ استِقرارِه لِاحتِمالِ الخُسرانِ فأشبَهَ المُكاتَبَ.

стр. 5167

قال النَّوَويُّ ﵀: فحصَل أنَّ المَذهَبَ الإيجابُ على العامِلِ، وفي ابتِداءِ حَولِه في نَصيبِه خَمسةُ أوْجُهٍ أصَحُّها: المَنصوصُ مِنْ حينِ الظُّهورِ؛ لأنَّه مِلكٌ مِنْ حينِئِذٍ. الثاني: مِنْ حينِ يَقومُ المالُ على المالِكِ لِأجلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يَتحقَّقُ الرِّبحُ إلا بذلك. والثالِثُ: مِنْ حينِ المُقاسَمةِ؛ لأنَّه لا يَستقِرُّ مِلكُه إلا مِنْ حينِئِذٍ، وهذا غَلطٌ وإنْ كان مَشهورًا؛ لأنَّ حاصِلَه أنَّ العامِلَ لا زَكاةَ في نَصيبِه؛ لأنَّه بعدَ المُقاسَمةِ ليس بعامِلٍ بل مالِكٌ مِلكًا مُستقِرًّا كامِلَ التَّصرُّفِ فيه، والتَّفريعُ على أنَّه يُملِكُ بالظُّهورِ، فالقَولُ بأنَّه لا يَكونُ حَولُه إلا مِنَ المُقاسَمةِ، رُجوعًا إلى أنَّه لا زَكاةَ عليه قبلَ القِسمةِ. والوَجهُ الرابِعُ: حَولُه حَولُ رأسِ المالِ، وهذا أيضًا غَلطٌ صَريحٌ؛ لأنَّه حينَئِذٍ لَم يَكُنْ مالِكًا، فكيف يَبني مِلكَه وحَولَه على حَولِ غَيرِه ولا خِلافَ أنَّ حَولَ الإنسانِ لا يُبنَى على حَولِ غَيرِه إلا الوارِثَ على قَولٍ ضَعيفٍ، لِكَونِه قائِمًا مَقامَ المُورِّثِ. الخامِسُ: أنَّه مِنْ حينِ اشتَرى العامِلُ السِّلعةَ، وهو غَلَطٌ. قال النَّوَويُّ ﵀: قال أصحابُنا: ثم إذا تَمَّ حَولُ العامِلِ ونَصيبُه لا يَبلُغُ نِصابًا لكنَّه مع جُملةِ المالِ يَبلُغُ نِصابًا؛ فإنْ أثبَتْنا الخُلطةَ في النَّقدَيْن فعليه الزَّكاةُ وإلا فلا، إلا أنْ يَكونَ له مِنْ جِنسِه ما يُكمِلُ به النِّصابَ، وهذا إذا لَم نَقُلِ ابتِداءُ الحَولِ مِنَ المُقاسَمةِ؛ فإنْ جَعَلناه منها سَقَط اعتِبارُ الخُلطةِ.

стр. 5168

قال أصحابُنا: وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ على العامِلِ لَم يَلزَمْه إخراجُها قبلَ القِسمةِ، وهذا هو المَذهَبُ وبه قَطَع المُصنِّفُ وسائِرُ العِراقيِّينَ والجُمهورُ؛ فإذا اقتَسَما زَكَّى ما مَضى، وفيه وَجهٌ أنَّه يَلزَمُه الإخراجُ في الحالِ؛ لِتَمكُّنِه مِنَ القِسمةِ … والصَّوابُ الأولُ؛ لأنَّ المالَ ليس في يَدِه ولا تَصرُّفِه، فلا يَكونُ أكبَرَ مِنَ المالِ الغائِبِ الذي تُرْجَى سَلامَتُه ويُخافُ تَلَفُه (١). وقال الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في حِصَّةِ مُضارِبٍ مِنْ رِبحٍ قبلَ قِسمةٍ ولو قُلنا إنَّه يَملِكُ حِصَّتَه بالظُّهورِ لِعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه وِقايةٌ لِرأسِ المالِ فمِلكُه ناقِصٌ ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ نَصَّا كالأصلِ تَبَعًا له لِمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِمالِه، ولا يَجِبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصَّةِ المُضارِبِ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه غَيرُ مالِكٍ لها، فلو دفَع حُرٌّ مُسلِمٌ إلى رَجُلٍ ألفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد رَبِح المالُ ألفَيْن فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفَيْن، رأسِ المالِ وحِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ، وإذا أدَّاها -أي: زَكاةَ مالِ المُضاربةِ- رَبُّه مِنْ غَيرِ مالِ المُضاربةِ فرأسُ المالِ باقٍ؛ لأنَّه لَم يَطرَأْ عليه ما يَنقُصُه، وإنْ أدَّى زَكاتَه منه تُحسَبُ زَكاتُه مِنْ أصلِ المالِ، ومَن قَدَّر حِصَّتَه -أي: رَبِّ المالِ- مِنَ الرِّبحِ يُنقِصُ رُبعَ عُشرِ رأسِ المالِ مع رُبعِ عُشرِ حِصةِ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، ولا تُحسَبُ كلُّها مِنْ رأسِ المالِ وَحدَه ولا مِنَ الرِّبح وَحدَه، فيَكونُ خَمسةً وعِشرينَ، فيَصيرُ رأسُ المالِ تِسعَمِئةٍ وخَمسةً وسَبعينَ.

стр. 5169

وليس لِعامِلٍ إخراجُ زَكاةٍ تَلزَمُ رَبَّ المالِ بلا إذنِه نَصًّا، فيَضمَنُها؛ لأنَّه ليس وَلِيًّا له، ولا وَكيلًا عنه فيها. ويَصحُّ شَرطُ كلٍّ منهما -أي: رَبِّ المالِ والعامِلِ- زَكاةَ حِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ على الآخَرِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ شَرطِه لِنَفْسِه نِصفَ الرِّبحِ وثُمنَ عُشرِهِ مَثَلًا. ولا يَصحُّ شَرطُ زَكاةِ رأسِ المالِ أو زَكاةِ بَعضِه مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه قد يَحطُّ بالرِّبحِ كشَرطِ دَراهِمَ مَعلومةٍ (١). حُكمُ القِراضِ هل هو عَقدٌ لازِمٌ أو جائِزٌ؟ اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُضاربةَ قبلَ العَملِ جائِزةٌ، فيَجوزُ لِكُلٍّ مِنَ العامِلِ ورَبِّ المالِ فَسخُ العَقدِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ. وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: لَازِمةٌ بالعَقدِ. ثم اختَلَفوا إذا عَمِل المُضارِبُ بمالِ المُضاربةِ هل يَجوزُ له أنْ يَفسَخَ عَقدَ المُضاربةِ أو لا يَجوزُ، إلا بإذنِ شَريكِه. فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ عَقدَ المُضاربةِ جائِزٌ، فيَجوزُ لِكلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ أو العامِلِ فَسخُ عَقدِ المُضاربةِ متى شاءَ، سَواءٌ كان قبلَ العَملِ أو بعدَه، لكنْ على تَفصيلٍ عندَهم بيانُه كما يَلي:

стр. 5170

قال الحَنفيَّةُ: عَقدُ المُضاربةِ غَيرُ لَازِمٍ ولكلِّ واحِدٍ منهما -أعني رَبَّ المالِ والمُضارِبَ- الفَسخُ، لكنْ عندَ وُجودِ شَرطِه وهو عِلمُ صاحِبِه. فإذا عَزلَ رَبُّ المالِ المُضارِبَ فلَم يَعلَمْ بعَزلِه حتى اشتَرى وباعَ فتَصرُّفُه جائِزٌ؛ لأنَّه وَكيلٌ مِنْ جِهتِه، وعَزلُ الوَكيلِ قَصدًا يَتوقَّفُ على عِلمِه. وإنْ عَلِمَ المُضارِبُ بعَزلِه، والمالُ عُروضٌ فلَه أنْ يَبيعَها ولا يَمنَعُه العَزلُ عن ذلك؛ لأنَّ المُضارَبةَ قد تَمَّتْ بالشِّراءِ وصَحَّت فلا يَجوزُ له العَزلُ بعدَ ذلك؛ لأنَّ حَقَّه قد ثبَت في الرِّبحِ، وإنَّما يَظهَرُ بالقِسمةِ، وهي تُبتَنى على رأسِ المالِ، وإنَّما يَنِضُّ بالبَيعِ. فإذا باعَ العُروضَ فلا يَجوزُ له أنْ يَشتريَ بثَمنِها شَيئًا آخَرَ؛ لأنَّها قد صارَتْ نَقدًا. ويُشترطُ أيضًا أنْ يَكونَ رَأسُ المالِ عَينًا وَقتَ الفَسخِ، دَراهمَ أو دَنانيرَ، حتى لو نَهى رَبُّ المالِ المُضارِبَ عن التَّصرُّفِ ورأسُ المالِ عُروضٌ وَقتَ النَّهيِ لَم يَصحَّ نَهيُه، وله أنْ يَبيعَها؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِها بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ لِيَظهرَ الرِّبحُ فكان النَّهيُ والفَسخُ إبطالًا لِحَقِّه في التَّصرُّفِ فلا يَملِكُ ذلك، وإنْ كان رأسُ المالِ دَراهمَ أو دَنانيرَ وَقتَ الفَسخِ والنَّهيِ صَحَّ الفَسخُ والنَّهيُ، لكنْ له أنْ يَصرِفَ الدَّراهمَ إلى الدَّنانيرِ والدَّنانيرَ إلى الدَّراهمِ؛ لأنَّ ذلك لا يُعدُّ بَيعًا لِاتِّحادِهما في الثَّمَنيَّةِ؛ فإذا كان رأسُ المالِ دَنانيرَ والذي نَضَّ (١)

стр. 5171

له دَراهمَ، أو على العَكسِ فله أنْ يَبيعَها بجِنسِ رأسِ المالِ استِحسانًا؛ لأنَّ الرِّبحَ لا يَظهَرُ إلا به. وإذا افتَرَق رَبُّ المالِ والمُضارِبُ، وفي المالِ دُيونٌ وقد رَبِح المُضاربُ فيه أجبَرَه الحاكِمُ على اقتِضاءِ الدُّيونِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ الأجيرِ؛ لأنَّ الرِّبحَ له كالأُجرةِ، ولأنَّ عَملَه حَصَل بعِوَضٍ فيُجبَرُ على إتمامِه كالأجيرِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: القِراضُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَفسَخَه متى شاءَ مِنْ غَيرِ حُضورِ الآخَرِ ورِضاه؛ لأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ تَصرُّفَ العامِلِ في رَقبةِ المالِ بإذنِ رَبِّ المالِ، فكان جائِزًا كالوَكالةِ؛ لأنَّ القِراضَ في ابتِدائِه وَكالةٌ وفي انتِهائِه إمَّا شَركةٌ، إذا مَلَّكنا العامِلَ بالظُّهورِ، وإمَّا جَعالةٌ إذا لَم نُملِّكْه به، وكلُّها عُقودٌ جائِزةٌ. ويَحصُلُ الفَسخُ بقَولِه: «فَسختُ عَقدَ القِرانِ أو رَفَعتُه أو أبطَلتُه، أو لا تَتصَرَّفْ بعدَ هذا»، أو نَحوَ ذلك، وباستِرجاعِ المالِ؛ فإنِ استَرجعَ بَعضَه انفسَخ فيه وبَقيَ في البَقيَّةِ، وبإعتاقِه واستِيلادِه له كالوَكالةِ. ولو حبَس العامِلَ ومَنَعه التَّصرُّفَ، أو قال: «لا قِراضَ بَينَنا»، أو باعَ ما اشتَراه العامِلُ لِلقِراضِ عُزِل في أصَحِّ الوَجهَيْن، والوَجهُ الآخَرُ: لَم يَنعَزِلْ. وقيل: بالفَرقِ بينَ أنْ يَكونَ له غَرَضٌ أو لا.

стр. 5172

ولِلعامِلِ بعدَ الفَسخِ بَيعُ مالِ القِراضِ إذا تَوقَّعَ فيه رِبحًا، كأنْ ظَفِر بسُوقٍ أو براغِبٍ فلا يَشتري لِارتِفاعِ العَقدِ مع كَونِه لا حَظَّ له فيه. ويَلزَمُ العامِلَ الاستيفاءُ لِدَينِ مالِ القِراضِ والرِّبحِ مَعًا على الصَّحيحِ إذا انفَسَخ القِراضُ مِنْ أحَدِهما أو منهما فيَلزَمُه تَنضيضُ جَميعِ الدَّينِ لِيَرُدَّ كما أخَذَ. وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يَكونَ المالِكُ قد أذِن له في المُعامَلةِ بالدَّينِ؛ فإذا انفَسَخ القِراضُ وهناك دَينٌ لَزِم العامِلَ أنْ يَتقاضاه لِيَنِضَّ، سَواءٌ كان هناك رِبحٌ أو لا. ويَلزمُ العامِلَ أيضًا تَنضيضُ رأسِ المالِ إنْ كان ما بيَدِه عندَ الفَسخِ عَرضًا وطَلَب المالِكُ تَنضيضَه سَواءٌ أكانَ في المالِ رِبحٌ أو لا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، فيُصيِّرُه نَقدًا لِيَرُدَّه كما أخَذَه، وكذلك الحُكمُ لو كان ما بيَدِه نَقدًا مِنْ غَيرِ جِنسِ رأسِ المالِ أو مِنْ جِنسِه، ولكنْ مِنْ غَيرِ صِفتِه كالصِّحاحِ والمُكسَّرةِ فكالعُروضِ. ولو أبطَل السُّلطانُ النَّقدَ الذي جَرى عليه القِراضُ، والمالُ عَرضٌ رُدَّ مِنَ الأولِ. وقيلَ: مِنَ الحادِثِ. فإنْ لَم يَطلُبِ المالِكُ التَّنضيضَ لَم يَجِبْ إلا أنْ يَكونَ المالُ هو المَحجورَ عليه، وحَظُّه في التَّنضيضِ فيَجِبُ. ولو قال المالِكُ: لا تَبِعْ ونُقسِّمِ العُروضَ بتَقويمِ عَدلَيْن، أو قال:

стр. 5173

«أُعطيكَ نَصيبَك مِنَ الرِّبحِ ناضًّا»، أُجيبَ، وكذا لو رَضيَ بأخذِ العُروضِ مِنَ العامِلِ بالقيمةِ، ولَم يَزِدْ راغِبٌ فلو حدَث بعدَ ذلك غَلاءٌ لَم يُؤثِّرْ. وخرَج بقَدْرِ رأسِ المالِ الزائِدُ عليه، فلا يَلزَمُه تَنضيضُه، بل هو عَرضٌ اشتَرَك فيه اثنانِ لا يُكلَّفُ أحَدُهما بَيعَه، نَعَمْ لو كان بَيعُ بَعضِه يَنقُصُ قيمَتَه كالعَبدِ لَزِمه تَنضيضُ الكُلِّ. وليس لِلعامِلِ تأخيرُ البَيعِ إلى مَوسِمِ رَواجِ المَتاعِ؛ لأنَّ حقَّ المالِكِ مُعجَّلٌ. وقيل: لا يَلزمُ العامِلَ التَّنضيضُ إذا لَم يَكُنْ رَبِح، إذْ لا فائِدةَ له فيه؛ لأنَّ الغَرضَ مِنَ البَيعِ أنْ يَظهرَ الرِّبحُ فَيصلَ العامِلِ إلى حَقِّه منه، وقد زالَ هذا المَعنى. ولو استَردَّ المالِكُ بَعضَ مالِ القِراضِ قبلَ ظُهورِ رِبحٍ وخُسرانٍ فيه رجَع رأسُ المالِ إلى ذلك الباقي بعدَ المُسترَدِّ؛ لأنَّه لَم يَتركْ في يَدِه غَيرَه فصارَ كما لو اقتَصرَ في الابتِداءِ على إعطائِه له، فلو كان مِئةً فاستَردَّ عَشرةً، صارَ رأسُ المالِ تِسعينَ؛ لأنَّه لَم يَبقَ في يَدِه غَيرُه. وإنِ استَردَّ المالِكُ بغَيرِ رِضا العامِلِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ فالمُسترَدُّ منه شائِعٌ رِبحًا ورأسَ مالٍ؛ لِعَدمِ التَّمييزِ، وذلك على النِّسبةِ الحاصِلةِ مِنْ جُملةِ الرِّبحِ، ورأسُ المالِ لا يَلحَقُه حُكمُ البَقيَّةِ؛ لاستِقرارِ مِلكِ العامِلِ على ما يَخُصُّه مِنَ الرِّبحِ بحَسَبِ الشَّرطِ، فلا يَسقُطُ بما يَحصُلُ مِنَ الخُسرانِ بَعدَه. أمَّا إذا كان الاستِردادُ برِضا العامِلِ؛ فإنْ قصَد هو والمالِكُ الأخْذَ مِنَ

стр. 5174

الأصلِ اختَصَّ به، أو مِنَ الرِّبحِ فكذلك، لكنْ يَملِكُ العامِلُ ممَّا بيَدِه مِقدارَ ذلك على الإشاعةِ، وإنْ أطلَقا حُمِل على الإشاعةِ، وحينَئذٍ الأشبَهُ -كما قال ابنُ الرِّفعةِ- أنْ تَكونَ حِصَّةُ العامِلِ قَرضًا نَقَله عنه الإسنويُّ وأقَرَّه، ثم قال: وإذا كان الاستِردادُ بغَيرِ رِضاه لا يَنفُذُ تَصَرُّفُه في نَصيبِه، وإنْ لَم يَملِكْه بالظُّهورِ. مثالُه: رأسُ المالِ مِئةٌ مِنَ الدَّراهمِ والرِّبحُ عِشرونَ منها، واستَردَّ المالِكُ مِنْ ذلك عِشرينَ فالرِّبحُ في هذا المِثالِ سُدسُ جَميعِ المالِ، وحينَئذٍ يَكونُ المُسترَدُّ -وهو العِشرونَ- سُدسَه، وهو ثَلاثةُ دَراهِمَ، وثُلثٌ يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ فيَستقِرُّ لِلعامِلِ المَشروطُ منه، وهو دِرهَمٌ وثُلثانِ إنْ شرَط له نِصفَ الرِّبحِ وبَقيَّتَه -أي: المُسترَدِّ- وهو سِتةَ عَشَرَ وثُلثانِ مِنْ رأسِ المالِ فيَعودُ رأسُ المالِ إلى ثلاثةٍ وثَمانينَ وثُلثٍ، فلو عادَ ما في يَدِه إلى ثَمانينَ لَم يَسقُطْ ما استَقرَّ له، بل يأخُذُ منه دِرهَمًا وثُلثَيْ دِرهَمٍ ويَرُدُّ البَقيَّةَ، وهي ثَمانيةٌ وسَبعونَ دِرهمًا وثُلثُ دِرهمٍ. وإنِ استَردَّ المالِكُ بَعضَه بعدَ ظُهورِ الخُسرانِ فالخُسرانُ مُوَّزعٌ على المُسترَدِّ، والبَقيَّةُ بَعدَه، وحينَئِذٍ لا يلَزمُ جَبرُ حِصَّةِ المُسترَدِّ، وهو عِشرونَ، لو رَبِحَ المالُ بعدَ ذلك؛ لأنَّه لو ردَّ الجَميعَ بعدَ الخُسرانِ لَم يَلزمْه شَيءٌ، ويَصيرُ رأسُ المالِ هو المُتبَقِّيَ بعدَ المُسترَدِّ، وحِصَّتَه مِنَ الخُسرانِ. مِثالُه: المالُ -أي: رأسُ المالِ- مِئةٌ، والخُسرانُ الحاصِلُ فيه عِشرونَ، ثم استرَدَّ المالِكُ عِشرينَ، فرُبعُ العِشرينَ التي هي جَميعُ الخُسرانِ حِصَّةُ المُسترَدِّ منها خَمسةٌ، فكأنَّه استرَدَّ خَمسةً وعِشرينَ ويَعودُ بعدَ ذلك رأسُ

стр. 5175

المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وبعدَ حِصَّتِه مِنَ الخُسرانِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ؛ لأنَّ الخُسرانَ إذا وَزَّعناه على الثَّمانينَ خَصَّ كلَّ عِشرينَ خَمسةٌ، والعِشرونَ المُسترَدةُ حِصَّتُها خَمسةٌ، فيَبقى ما ذكَره، فلو رَبِح بعدَ ذلك شَيئًا قُسِّمَ بَينَهما رِبحًا على حَسَبِ ما شَرَطاه (١). وقال الحَنابِلةُ: المُضاربةُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ تَنفسِخُ بفَسخِ أحَدِهما، أيَّهما كان، وبمَوتِه وجُنونِه والحَجرِ عليه لِسَفهٍ؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ في مالِ غَيرِه فهو كالوَكيلِ ولا فَرقَ بينَ ما قبلَ التَّصرُّفِ وما بعدَه. فإذا انفسَختْ والمالُ ناضٌّ لا رِبحَ فيه أخذَه رَبُّه وإنْ كان فيه رِبحٌ قَسَّما الرِّبحَ على ما شرَطاه. وإنِ انفَسَخت المُضاربةُ والمالُ عَرضٌ فاتَّفقا على بَيعِه أو قَسْمِه أو أخْذِه جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَعدوهما، فيَقومُ العَرضُ عليه ويَدفعُ حِصَّةَ العامِلِ؛ لأنَّه أسقَطَ مِنَ العامِلِ البَيعَ. وإنْ قصَد رَبُّ المالِ الحِيلةَ لِيَختصَّ بالرِّبحِ بأنْ كان العامِلُ اشتَرى خَزًّا في الصَّيفِ لِيَربحَ في الشِّتاءِ أو يَرجوَ دُخولَ مَوسمٍ أو قَفلٍ؛ فإنَّ حَقَّه يَبقى مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ أصلَ المَذهبِ أنَّ الحِيلَ لا أثَرَ لها. وإذا ارتفَع السِّعرُ بعدَ ذلك، أي: بعدَ التَّقويمِ على المالِكِ ودَفعِه حِصَّةَ

стр. 5176

العامِلِ، لَم يَكُنْ لِلمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ بقِسطِه على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، كما لو ارتَفَع بعدَ بَيعِه لِأجنَبيٍّ. وإذا لَم يَرضَ رَبُّ المالِ أنْ يأخُذَ عَرضًا وطَلبَ البَيعَ، أو طَلَبه ابتِداءً مِنْ غَيرِ فَسخِ المُضاربةِ فله ذلك، ويَلزمُ المُضاربَ بَيعُه مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، وإنْ لَم يَكُنْ فيه رِبحٌ وقَبَض ثَمنَه؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ نَضًّا كما أخَذَه. وقيلَ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ أو كان فيه رِبحٌ وأسقَط العامِلُ حَقَّه منه. وإنْ طلَب العامِلُ البَيعَ وأبى رَبُّ المالِ وقد ظهَر في المالِ رِبحٌ أُجبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبحِ ولا يَظهَرُ إلا بالبَيعِ، وإذا لَم يَظهَرْ رِبحٌ لَم يُجبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضيَه مالِكُه كذلك، فلَم يُجبَرْ على بَيعِه. وإنْ طلَب رَبُّ المالِ البَيعَ وأبى العامِلُ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يُجبَرُ العامِلُ على البَيعِ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَه. والآخَرُ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ أو أسقَط حَقَّه مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه بالفَسخِ زالَ تَصرُّفُه وصارَ أجنَبيًّا مِنَ المالِ فأشبَهَ الوَكيلَ إذا اشتَرى ما يَستحِقُّ رَدَّه فزالَت وَكالتُه قَبلَ رَدِّه. ولو كان رأسُ المالِ دَنانيرَ فصارَ دَراهمَ، أو كان دَراهمَ فصارَ دَنانيرَ فهو كما لو كان عَرضًا على ما شرَح، إنْ رَضيَه رَبُّ المالِ وإلَّا لَزمَ العامِلَ إعادَتُه كما كان.

стр. 5177

وإذا نَضَّ رأسُ المالِ جَميعُه لَم يَلزَمِ العامِلَ أنْ يَنِضَّ له البَقيَّةَ؛ لأنَّه شَركةٌ بينَهما ولا يَلزمُ الشَّريكَ أنْ يَنِضَّ مالَ شَريكِه، ولأنَّه إنَّما لَزمَه أنْ يَنِضَّ رأسَ المالِ لِيَرُدَّ رأسَ مالِه على صِفتِه، ولا يُوجدُ هذا المَعنى في الرِّبحِ، وهذا على المَذهبِ إنَّما يَلزَمُه البَيعُ في مِقدارِ رأسِ المالِ، والصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ يَلزمُه في الجَميعِ. وإنِ انفَسَخ القِراضُ والمالُ دَينٌ لَزِم العامِلَ تَقاضيه سَواءٌ ظهَر في المالِ رِبحٌ أو لَم يَظهرْ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَقتَضي رَدَّ رأسِ المالِ على صِفتِه والدُّيونُ لا تَجري مَجرى الناضِّ فلَزِمه أنْ يَنِضَّه كما لو ظهَر في المالِ رِبحٌ، وكما لو كان رأسُ المالِ عَرضًا، ويُفارِقُ الوَكيلَ؛ فإنَّه لا يَلزَمُه رَدُّ المالِ كما قبَضه، ولِهذا لا يَلزَمُه بَيعُ العُروضِ، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الفَسخِ مِنَ العامِلِ أو رَبِّ المالِ. فإنِ اقتَضى منه قَدْرَ رأسِ المالِ أو كان الدَّينُ قَدْرَ الرِّبحِ أو دونَه لَزِم العامِلَ تَقاضيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ عندَ وُصولِه إليهما على وَجهٍ يُمكِنُ قِسمَتُه ووُصولُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى حَقِّه منه، ولا يَحصُلُ ذلك إلا بعدَ تَقاضيه (١).

стр. 5178

وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ (١) إلى أنَّ المُضاربةَ مِنَ العُقودِ اللَّازِمةِ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ لا قبلَ الشُّروعِ فيه. قال المالِكيَّةُ: لكلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ والعامِلِ فَسخُ القِراضِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، أي: شِراءِ السِّلعِ بالمالِ؛ لأنَّ عَقدَه غَيرُ لَازِمٍ بإجماعٍ. ولِرَبِّ القِراضِ فَقط الفَسخُ إنْ تَزوَّدَ العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ ولَم يَظعَنْ مِنْ بَلَده -أي: يَشرَعْ في السَّفرِ- إذْ لا ضَرَرَ عليه في ذلك، وإنَّما الضَّررُ على رَبِّ المالِ فيما صرَف مِنْ مالِه. وليس لِلعامِلِ حينَئِذٍ فَسخٌ، بل الكَلامُ لِرَبِّ المالِ دونَ العامِلِ؛ لأنَّ التَّزوُّدَ مِنْ مالِ القِراضِ بالنِّسبةِ لِلعاملِ عَملٌ فيَلزَمُه تَمامُه، إلا أنْ يَلتزمَ له العامِلُ غُرمَ ما اشتَرى به الزادَ لِرَبِّ المالِ؛ فإنْ تَزوَّدَ العامِلُ مِنْ مالِه فله الفَسخُ لا لِرَبِّ المالِ، إلا أنْ يَدفعَ له رَبُّ المالِ ما غُرِّمَه في الزادِ.

стр. 5179

وإلا بأنْ عمِل فيه في الحضَر أو ظعَن في السَّفرِ فلِنُضوضِ المالِ ببَيعِ السِّلعِ، ولا كَلامَ لِواحِدٍ منهما في فَسخِه، فيَبقى المالُ تَحتَ يَدِ العامِلِ لِنُضوضِه، والنُّضوضُ خُلوصُ المالِ ورُجوعُه عَينًا كما كان، وبه تَمَّ العَملُ فليس لِلعاملِ تَحريكُ المالِ بعدَه في الحضَرِ إلا بإذنٍ، وجازَ في السَّفرِ إلى أنْ يَصِلَ لبَلدِ القِراضِ إلا لِمَنعٍ مِنْ رَبِّ المالِ لِلعامِلِ عن التَّحريكِ في السَّفرِ بعدَ النُّضوضِ فليس له التَّحريكُ حينَئذٍ. وإنْ طلَب أحَدُهما نُضوضَه ببَيعِ سِلعةٍ لِيَظهرَ المالُ، وطلَبَ الآخَرُ الصَّبرَ لِغَرضٍ كزِيادةِ رِبحٍ؛ نظَر الحاكِمُ فيما هو الأصلَحُ مِنْ تَعجيلٍ أو تأخيرٍ لِسُوقٍ يَرجوها ونَحو ذلك أخَّرَه، فيَحكُمُ به وإلا أمَرَ ببَيعِه. فإنِ اتَّفَقا على نُضوضِه جازَ، كما لو اتَّفقا على قِسمةِ العُروضِ بالقيمةِ؛ فإنْ لَم يَكُنْ حاكِمٌ شَرعيٌّ فجَماعةُ المُسلِمينَ ويَكفي منهم اثنان أو واحِدٌ عارِفٌ يَرضَيانِه (١).

стр. 5180

فصل في اختِلافُ العامِلِ ورَبِّ المالِ قد يَختلِفُ العامِلُ ورَبُّ المالِ في أُمورٍ تَتعلَّقُ بالمالِ والمُضاربةِ، وهي على التَّفصيلِ الآتي: ١ - الاختِلافُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في قَدرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ فادَّعى العامِلُ النِّصفَ مَثلًا وقال رَبُّ المالِ: «الثُّلثُ»، هل يَكونُ القَولُ قَولَ رَبِّ المالِ أو قَولَ العامِلِ، أو يَتحالَفان؟ على أقوالٍ: قال الحَنفيَّةُ -خِلافًا لِزُفَرَ والحَنابِلةِ في المَذهبِ-: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يُنْكِرُ السُّدسَ الزائِدَ واشتِراطُه له والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، ولأنَّه لو أنكَر الرِّبحَ رأسًا كان القَولُ قَولَه، فكذلك قَدرُه، ولأنَّ شَرطَ الرِّبحِ يُستفادُ مِنْ قِبَلِه، فكان القَولُ في مِقدارِ المَشروطِ قَولَه، ألَا تَرى أنَّه لو أنكَرَ الشَّرطَ رأسًا فقال: لَم أشرُطْ لكَ رِبحًا؛ وإنَّما دَفعتُ إليكَ بِضاعةً، كان القَولُ قَولَه، فكذا إذا أقَرَّ ببَعضٍ دونَ بَعضٍ. فإنْ أقاما جَميعًا البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ العامِلِ. وقال زُفَرُ وأبو حَنيفةَ في قَولِه الأولِ: القَولُ قَولُ العامِلِ؛ لِأنَّهما اتَّفقا

стр. 5181

على أنَّه يَستحِقُّ المُضارَبةَ، وظاهِرُ الحالِ التَّساوي فكان القَولُ قَولَه. وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو اختلَفا في الرِّبحِ فقال رَبُّ المالِ: «شَرطتُ لكَ الثُّلثَ»، وقال المُضارِبُ: «شَرطتَ لي النِّصفَ»، ثم هلَك المالُ في يَدِ المُضارِبِ قال مُحمدٌ: يَضمَنُ المُضارِبُ السُّدسَ مِنَ الرِّبحِ يُؤدِّيه إلى رَبِّ المالِ مِنْ مالِه خاصَّةً ولا ضَمانَ عليه فيما سِوى ذلك؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ القَولَ في شَرطِ الرِّبحِ قَولُ رَبِّ المالِ، وإذا كان كذلك فنَصيبُ المُضارِبِ الثُّلثُ، وقد ادَّعى النِّصفَ، ومَنِ ادَّعى أمانةً في يَدِه ضَمِنها لذلك يَضمَنُ سُدسَ الرِّبحِ (١). وقال المالِكيَّةُ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ فقال العامِلُ: أخَذتُه على النِّصفِ، وقال رَبُّ المالِ على الثُّلثِ؛ فإنْ كان لَم يَعملْ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، أشبَهَ أو لَم يُشبِهْ؛ لأنَّ له أنْ يَنتزِعَه منه، وإنْ أحَبَّ الآخَرُ أنْ يَعملَه على الثُّلثِ عَمِل أو رَدَّه. فإنِ اختَلَفا بعدَ العَملِ وفي المالِ رِبحٌ كان القَولُ قَولَ العامِلِ بشَرطَيْن: الأولُ: أنْ يَدَّعيَ مُشبِهًا ويَحلِفَ سَواءٌ أشبَهَ رَبُّ المالِ أو لا، فإنْ نكَل صُدِّق رَبُّ المالِ ويَحلِفُ؛ فإنْ نَكَل صُدِّق مُدَّعي الأشبَهِ؛ فإنِ ادَّعيا ما لا يُشبِهُ كأنْ يَقولَ العامِلُ: «الثُّلثان»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «بل الثُّمنُ»، حلَفا ورجَعا لِقِراضِ المِثلِ وكذا لو نَكَلا.

стр. 5182

والآخَرُ: أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه أو وَديعةً عندَ أجنَبيٍّ أو عندَ رَبِّ المالِ، ومِثلَ كَونِ المالِ بيَدِه كَونُ الرِّبحِ أو الحِصَّةِ التي يَدَّعيها بيَدِه ومَفهومُه أنَّه لو سَلَّمه لِرَبِّه على وَجهِ المُفاصَلةِ لا يَكونُ القَولُ قَولَ العامِلِ، بل القَولُ لِرَبِّه ولو مع وُجودِ شَبَهِ العامِلِ، وهو كذلك إنْ بَعُدَ قيامُه، وأمَّا إنْ قَرُبَ فالقَولُ قَولُه. والقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ إنِ ادَّعى في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ الشَّبَهَ فَقط، ولَم يُشبِّهِ العامِلُ؛ فإنْ لَم يُشبِّهْ رَبُّه أيضًا فقِراضُ المِثلِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في القَدْرِ المَشروطِ لِلعامِلِ، كأنْ قال: «شَرطتَ النِّصفَ»، فقال المالِكُ: «بل الثُّلثَ»؛ فإنَّهما يَتحالَفان؛ لأنَّهما اختلَفا في عِوَضِ عَقدٍ مع اتِّفاقِهما على صِحَّتِه فيَتحالَفان كالمُتبايِعَيْن إذا اختلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ، وهل يَنفسِخُ بمُجرَّدِ الحَلِف؟ فيه قَولانِ: قيلَ: فإذا حلَفا، فُسِخ العَقدُ، والصَّحيحُ: أنَّه لا يَنفسِخُ بمُجرَّدِ التَّحالُفِ بل يَفسخانِه أو أحَدُهما أو الحاكِمُ. واختَصَّ الرِّبحُ والخُسرانُ بالمالِكِ ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه، وإنْ زادَت على ما ادَّعاه؛ لأنَّ مُقتَضى التَّحالُفِ والفَسخِ رُجوعُ كلٍّ مِنَ العِوَضَيْن لِصاحِبِه؛ فإنْ تَعذَّرَ تُرجَعُ قيمَتُه، وقد رجَع المالُ ورِبحُه لِلمالِكِ، وقياسُه رُجوعُ العَملِ لِلعامِلِ، لكنَّه تَعذَّر، فأوجَبْنا قيمَتَه، وهي الأُجرةُ.

стр. 5183

وفي وَجهٍ: أنَّ الأُجرةَ إنْ كانت أكثَرَ مما ادَّعاه العامِلُ فليس له إلا ما ادَّعاه (١). وقال الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: إنَّ العامِلَ إذا ادَّعى أُجرةَ المِثلِ وزيادةً يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِها فالقَولُ قَولُه، وإنِ ادَّعى أكثَرَ فالقَولُ قَولُه فيما وافَقَ أُجرةَ المِثلِ (٢). ٢ - الاختِلافُ في تَلَفِ رأسِ المالِ أو خَسارتِه: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُضارِبَ ورَبَّ المالِ إذا اختلَفا في تَلَفِ المالِ أو بَعضِه أو خَسارَتِه أو ضَياعِه بأنِ ادَّعى المُضارِبُ تَلفَ المالِ أو أنَّه خَسِر أو أنَّه سرَق أو غرَق أو ما أشبَهَ ذلك، وأنكَرَه رَبُّ المالِ، فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ مع يَمينِه عندَ جَميعِهم، إلا قَولًا لِلمالِكيَّةِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ المُضارِبَ أمينٌ، والأمينُ مُصدَّقٌ في أمانَتِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضيَه أمينًا في نَفْسِه، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا في الواقِعِ فهو أمينٌ، والأصلُ عَدمُ الخِيانةِ. وقال المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: وهذا إذا لَم تَقُمْ عليه بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ؛ فإذا قامَت بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ تَشهَدُ على كَذِبِه يُحكَمُ بها ويَضمَنُ. ويُعرَفُ ذلك بسُؤالِ التُّجارِ في تلك السِّلعِ هل يَخسَرُ في مِثلِ هذا أو لا؛ فإنْ أجابوا بعَدمِ الخَسارةِ ضَمِن.

стр. 5184

وزادَ الحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى الهَلاكَ بأمرِ ظاهِرٍ كُلِّفَ ببَيِّنةٍ تَشهَدُ به، ثم حلَف بأنَّه تَلِف به. وأمَّا اليَمينُ فلِلمالِكيَّةِ فيه ثَلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: عليه اليَمينُ، وهو الراجِحُ، وقيلَ: بغَيرِ يَمينٍ، وقيلَ: تَتَوجَّه إنْ كان مُتَّهمًا وإلَّا فلا (١). وقال الشافِعيَّةُ: يُصدَّقُ العامِلُ بيَمينِه، هذا إذا لَم يَذكُرْ سَببَ التَّلفِ ولا يُكلَّفُ بَيانَ سَببِه، أمَّا إذا ذكَر سَببَ التَّلفِ، وكان السَّببُ خَفيًّا كالسَّرقةِ صُدِّق بيَمينِه، وإنِ ادَّعاه بسَببٍ ظاهِرٍ كالحَريقِ والغارةِ والسَّيلِ؛ فإنْ لَم يَعرِفْ ما ادَّعاه بتلك البُقعةِ لَم يُقبَلْ قَولُه في الهَلاكِ به، وإنْ عُرِف بالمُشاهدةِ أو الاستِفاضةِ نُظِر: إنْ عُرِف عُمومُه صُدِّق بلا يَمينٍ، وإنْ لَم يُعرَفْ عُمومُه واحتَمل أنَّه لَم يُصِبْ مالَ المُضاربةِ صُدِّق باليَمينِ (٢). ٣ - الاختِلافُ في قَدْرِ المالِ المَدفوعِ لِلمُضاربةِ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في قَدْرِ المالِ المَدفوعِ لِلمُضاربةِ، فقال رَبُّ المالِ: «دَفعتُ ألفَيْن»، مَثلًا، وقال العامِلُ: «بل دَفعتَ ألْفًا»، ولا بَيِّنةَ

стр. 5185

فالقَولُ قَولُ العامِلِ مع يَمينِه بإجماعِ العُلَماءِ (١)؛ لأنَّ الاختِلافَ فيما قبَضه العامِلُ، والأصلُ عَدمُ القَبضِ إلا فيما أقَرَّ به، ولأنَّ المالَ في يَدِ العامِلِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ يَدَّعي جَميعَه، والعامِلُ لا يُقِرُّ إلا ببَعضِه فكان القَولُ قَولَ صاحِبِ اليَدِ، ولأنَّه يَدَّعي عليه قَبضَ شَيءٍ وهو مُنكِرٌ والقَولُ قَولُ المُنكِرِ. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دفَع إلى الرَّجُلِ مالًا مُضاربةً، ثم اختلَفا، وقد جاء العامِلُ بألفَيْ دِرهَمٍ، فقال رَبُّ المالِ: «كان رأسُ المالِ ألفَيْ دِرهَمٍ»، وقال العامِلُ: «رأسُ المالِ ألفُ دِرهَمٍ، والرِّبحُ ألفُ دِرهَمٍ»، فالقَولُ قَولُ العامِلِ المَدفوعِ إليه المالُ مع يَمينِه، وذلك إذا لَم يَكُنْ لِرَبِّ المالِ بَيِّنةٌ (٢).
следующие страницы →