← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

على أنَّه يَستحِقُّ المُضارَبةَ، وظاهِرُ الحالِ التَّساوي فكان القَولُ قَولَه. وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو اختلَفا في الرِّبحِ فقال رَبُّ المالِ: «شَرطتُ لكَ الثُّلثَ»، وقال المُضارِبُ: «شَرطتَ لي النِّصفَ»، ثم هلَك المالُ في يَدِ المُضارِبِ قال مُحمدٌ: يَضمَنُ المُضارِبُ السُّدسَ مِنَ الرِّبحِ يُؤدِّيه إلى رَبِّ المالِ مِنْ مالِه خاصَّةً ولا ضَمانَ عليه فيما سِوى ذلك؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ القَولَ في شَرطِ الرِّبحِ قَولُ رَبِّ المالِ، وإذا كان كذلك فنَصيبُ المُضارِبِ الثُّلثُ، وقد ادَّعى النِّصفَ، ومَنِ ادَّعى أمانةً في يَدِه ضَمِنها لذلك يَضمَنُ سُدسَ الرِّبحِ (١). وقال المالِكيَّةُ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ فقال العامِلُ: أخَذتُه على النِّصفِ، وقال رَبُّ المالِ على الثُّلثِ؛ فإنْ كان لَم يَعملْ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، أشبَهَ أو لَم يُشبِهْ؛ لأنَّ له أنْ يَنتزِعَه منه، وإنْ أحَبَّ الآخَرُ أنْ يَعملَه على الثُّلثِ عَمِل أو رَدَّه. فإنِ اختَلَفا بعدَ العَملِ وفي المالِ رِبحٌ كان القَولُ قَولَ العامِلِ بشَرطَيْن: الأولُ: أنْ يَدَّعيَ مُشبِهًا ويَحلِفَ سَواءٌ أشبَهَ رَبُّ المالِ أو لا، فإنْ نكَل صُدِّق رَبُّ المالِ ويَحلِفُ؛ فإنْ نَكَل صُدِّق مُدَّعي الأشبَهِ؛ فإنِ ادَّعيا ما لا يُشبِهُ كأنْ يَقولَ العامِلُ: «الثُّلثان»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «بل الثُّمنُ»، حلَفا ورجَعا لِقِراضِ المِثلِ وكذا لو نَكَلا.

стр. 5182

والآخَرُ: أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه أو وَديعةً عندَ أجنَبيٍّ أو عندَ رَبِّ المالِ، ومِثلَ كَونِ المالِ بيَدِه كَونُ الرِّبحِ أو الحِصَّةِ التي يَدَّعيها بيَدِه ومَفهومُه أنَّه لو سَلَّمه لِرَبِّه على وَجهِ المُفاصَلةِ لا يَكونُ القَولُ قَولَ العامِلِ، بل القَولُ لِرَبِّه ولو مع وُجودِ شَبَهِ العامِلِ، وهو كذلك إنْ بَعُدَ قيامُه، وأمَّا إنْ قَرُبَ فالقَولُ قَولُه. والقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ إنِ ادَّعى في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ الشَّبَهَ فَقط، ولَم يُشبِّهِ العامِلُ؛ فإنْ لَم يُشبِّهْ رَبُّه أيضًا فقِراضُ المِثلِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في القَدْرِ المَشروطِ لِلعامِلِ، كأنْ قال: «شَرطتَ النِّصفَ»، فقال المالِكُ: «بل الثُّلثَ»؛ فإنَّهما يَتحالَفان؛ لأنَّهما اختلَفا في عِوَضِ عَقدٍ مع اتِّفاقِهما على صِحَّتِه فيَتحالَفان كالمُتبايِعَيْن إذا اختلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ، وهل يَنفسِخُ بمُجرَّدِ الحَلِف؟ فيه قَولانِ: قيلَ: فإذا حلَفا، فُسِخ العَقدُ، والصَّحيحُ: أنَّه لا يَنفسِخُ بمُجرَّدِ التَّحالُفِ بل يَفسخانِه أو أحَدُهما أو الحاكِمُ. واختَصَّ الرِّبحُ والخُسرانُ بالمالِكِ ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه، وإنْ زادَت على ما ادَّعاه؛ لأنَّ مُقتَضى التَّحالُفِ والفَسخِ رُجوعُ كلٍّ مِنَ العِوَضَيْن لِصاحِبِه؛ فإنْ تَعذَّرَ تُرجَعُ قيمَتُه، وقد رجَع المالُ ورِبحُه لِلمالِكِ، وقياسُه رُجوعُ العَملِ لِلعامِلِ، لكنَّه تَعذَّر، فأوجَبْنا قيمَتَه، وهي الأُجرةُ.

стр. 5183

وفي وَجهٍ: أنَّ الأُجرةَ إنْ كانت أكثَرَ مما ادَّعاه العامِلُ فليس له إلا ما ادَّعاه (١). وقال الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: إنَّ العامِلَ إذا ادَّعى أُجرةَ المِثلِ وزيادةً يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِها فالقَولُ قَولُه، وإنِ ادَّعى أكثَرَ فالقَولُ قَولُه فيما وافَقَ أُجرةَ المِثلِ (٢). ٢ - الاختِلافُ في تَلَفِ رأسِ المالِ أو خَسارتِه: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُضارِبَ ورَبَّ المالِ إذا اختلَفا في تَلَفِ المالِ أو بَعضِه أو خَسارَتِه أو ضَياعِه بأنِ ادَّعى المُضارِبُ تَلفَ المالِ أو أنَّه خَسِر أو أنَّه سرَق أو غرَق أو ما أشبَهَ ذلك، وأنكَرَه رَبُّ المالِ، فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ مع يَمينِه عندَ جَميعِهم، إلا قَولًا لِلمالِكيَّةِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ المُضارِبَ أمينٌ، والأمينُ مُصدَّقٌ في أمانَتِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضيَه أمينًا في نَفْسِه، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا في الواقِعِ فهو أمينٌ، والأصلُ عَدمُ الخِيانةِ. وقال المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: وهذا إذا لَم تَقُمْ عليه بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ؛ فإذا قامَت بَيِّنةٌ أو قَرينةٌ تَشهَدُ على كَذِبِه يُحكَمُ بها ويَضمَنُ. ويُعرَفُ ذلك بسُؤالِ التُّجارِ في تلك السِّلعِ هل يَخسَرُ في مِثلِ هذا أو لا؛ فإنْ أجابوا بعَدمِ الخَسارةِ ضَمِن.

стр. 5184

وزادَ الحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى الهَلاكَ بأمرِ ظاهِرٍ كُلِّفَ ببَيِّنةٍ تَشهَدُ به، ثم حلَف بأنَّه تَلِف به. وأمَّا اليَمينُ فلِلمالِكيَّةِ فيه ثَلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: عليه اليَمينُ، وهو الراجِحُ، وقيلَ: بغَيرِ يَمينٍ، وقيلَ: تَتَوجَّه إنْ كان مُتَّهمًا وإلَّا فلا (١). وقال الشافِعيَّةُ: يُصدَّقُ العامِلُ بيَمينِه، هذا إذا لَم يَذكُرْ سَببَ التَّلفِ ولا يُكلَّفُ بَيانَ سَببِه، أمَّا إذا ذكَر سَببَ التَّلفِ، وكان السَّببُ خَفيًّا كالسَّرقةِ صُدِّق بيَمينِه، وإنِ ادَّعاه بسَببٍ ظاهِرٍ كالحَريقِ والغارةِ والسَّيلِ؛ فإنْ لَم يَعرِفْ ما ادَّعاه بتلك البُقعةِ لَم يُقبَلْ قَولُه في الهَلاكِ به، وإنْ عُرِف بالمُشاهدةِ أو الاستِفاضةِ نُظِر: إنْ عُرِف عُمومُه صُدِّق بلا يَمينٍ، وإنْ لَم يُعرَفْ عُمومُه واحتَمل أنَّه لَم يُصِبْ مالَ المُضاربةِ صُدِّق باليَمينِ (٢). ٣ - الاختِلافُ في قَدْرِ المالِ المَدفوعِ لِلمُضاربةِ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في قَدْرِ المالِ المَدفوعِ لِلمُضاربةِ، فقال رَبُّ المالِ: «دَفعتُ ألفَيْن»، مَثلًا، وقال العامِلُ: «بل دَفعتَ ألْفًا»، ولا بَيِّنةَ

стр. 5185

فالقَولُ قَولُ العامِلِ مع يَمينِه بإجماعِ العُلَماءِ (١)؛ لأنَّ الاختِلافَ فيما قبَضه العامِلُ، والأصلُ عَدمُ القَبضِ إلا فيما أقَرَّ به، ولأنَّ المالَ في يَدِ العامِلِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ يَدَّعي جَميعَه، والعامِلُ لا يُقِرُّ إلا ببَعضِه فكان القَولُ قَولَ صاحِبِ اليَدِ، ولأنَّه يَدَّعي عليه قَبضَ شَيءٍ وهو مُنكِرٌ والقَولُ قَولُ المُنكِرِ. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دفَع إلى الرَّجُلِ مالًا مُضاربةً، ثم اختلَفا، وقد جاء العامِلُ بألفَيْ دِرهَمٍ، فقال رَبُّ المالِ: «كان رأسُ المالِ ألفَيْ دِرهَمٍ»، وقال العامِلُ: «رأسُ المالِ ألفُ دِرهَمٍ، والرِّبحُ ألفُ دِرهَمٍ»، فالقَولُ قَولُ العامِلِ المَدفوعِ إليه المالُ مع يَمينِه، وذلك إذا لَم يَكُنْ لِرَبِّ المالِ بَيِّنةٌ (٢).

стр. 5186

٤ - الاختِلافُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا: قد يَختلِفُ رَبُّ المالِ والعاملُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، وهذا له حالتان: الحالةُ الأُولى: أنْ يَختلِفا فيَقولَ العامِلُ: «كان قَرضًا»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «كان مُضاربةً»: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعاملُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، كما إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفًا يَتَّجِرُ فيه فرَبِح، فقال العامِلُ: «كان قَرضًا لي رِبحُه كلُّه»، وقال رَبُّ المالِ: «كان مُضاربةً، رِبحُه بينَنا»، فقد اختلَف الفُقهاءُ: هل القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ أو قَولُ الآخَرِ الذي أخذَ المالَ. فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ يَدَّعي عليه التَّمليكَ وهو مُنكِرٌ، ولأنَّه مِلكُه، فكان القَولُ قَولَه في صِفةِ خُروجِه عن يَدِه، ولأنَّ الإذنَ في التَّصرُّفِ مُستفادٌ مِنْ جِهةِ رَبِّ المالِ فالقَولُ قَولُه في بَيانِ الإذنِ والتَّسليطِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا حلَف قَسَّمنا الرِّبحَ بينَهما ويَحتمِلُ أنْ يَتحالَفا ويَكونَ لِلعامِلِ أكثَرُ الأمرَيْن مما شرَطه له مِنَ الرِّبحِ أو أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه إنْ كان الأكثَرُ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ فرَبُّ المالِ مُعترَفٌ به وهو يَدَّعي الرِّبحَ كلَّه، وإنْ كان أجرُ مِثلِه أكثَرَ فالقَولُ قَولُه في عَملِه مع يَمينِه، كما أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ في رِبحِ مالِه؛ فإذا حلَف قَبلَ قَولِه بأنَّه ما عمِل بهذا الشَّرطِ؛ وإنَّما عمِل لغَرضٍ لَم يَسلَمْ له فيَكونُ له أجْرُ المِثلِ.

стр. 5187

فإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُضارِبِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّها تُثبتُ التَّمليكَ، ولأنَّه لا تَنافيَ بَينَ البَيِّنتَيْن لِجَوازِ أنْ يَكونَ أعطاه بِضاعةً أو مُضاربةً ثم أقرَضَه. وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ إنْ أقامَ كلٌّ منهما بَيِّنةً بدَعواه تَعارَضت البَيِّنتانِ وسَقَطتا ويُقسَّمُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، نَصَّ عليه الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ مِلكِ رَبِّ المالِ عليه وتَبعُ الرِّبحِ، لكنْ قد اعتَرَف بنِصفِ الرِّبحِ منه لِلعامِلِ فبَقيَ المُتبقِّي على الأصلِ (١). وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ بيَمينِه؛ لأنَّ رِبحَ المالِ هنا مُدَّعًى في الرِّبحِ فلا يُصدَّقُ، ويَكونُ الرِّبحُ جَميعُه لِلعامِلِ وبَدلُ القَرضِ في ذِمَّتِه ولا يُقبَلُ قَولُه في دَفعِ المالِ لِرَبِّه إلا ببَيِّنةٍ مُؤاخَذةٍ له بمُقتَضى دَعواه، ويَترتَّبُ عليه أحكامُ القَرضِ (٢). قال الشَّرْوانيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ هذا مُصوَّرٌ بالاختِلافِ مع بَقاءِ المالِ … فلو كان الاختِلافُ هنا بعدَ التَّلفِ فالآخِذُ مُقِرٌّ بالبَدلِ لِمُنكِرِه كما هو ظاهِرٌ، فلو أقاما بَيِّنتَيْن -أي فيما لو كان المالُ باقِيًا- اتَّجه تَقديمُ بَيِّنةِ الآخِذِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ على قياسِ ما تَقدَّم (٣).

стр. 5188

الحالةُ الأُخرى: أنْ يَختَلِفا، فيَقولَ العامِلُ: «كان مُضاربةً»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «كان قَرضًا»: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، كما إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفًا فتَلِف أو ما شابَه، فقال العامِلُ: «كان مُضاربةً، وتَلِف، ولا شَيءَ لكَ عِندي»، وقال رَبُّ المالِ: «كان قَرضًا ويَجِبُ عليكَ رَدُّ مِثلِه». فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأشهَبُ مِنَ المالِكيَّةِ: القَولُ قَولُ العامِلِ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ الأخذَ كان بإذنِ رَبِّ المالِ، ورَبُّ المالِ يَدَّعي على المُضارِبِ الضَّمانَ وهو يُنْكِرُ فكان القَولُ قَولَه. وإنْ أقامَ كلٌّ منهما بَيِّنةً فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ رَبِّ المالِ عندَ الحَنفيَّةِ، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه يَدَّعي سُقوطَ الضَّمانِ مع اعتِرافِه بقَبضِه، ولأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ. والوَجهُ الآخَرُ عندَ الشافِعيَّةِ: بَيِّنةُ العامِلِ أوْلى (١). وهذا الحُكمُ عندَ الحَنفيَّةِ فيما إذا عَمِل بالمالِ، أمَّا إذا لَم يَكُنْ عَمِل بالمالِ وضاعَ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، قال السَّرخَسيُّ ﵀: ولو وُضِع في المالِ ثم قال العامِلُ: «دَفعتَه إلَيَّ مُضاربةً»، وقال رَبُّ المالِ: «دَفعتُه إليكَ

стр. 5189

قَرضًا»، فالقَولُ قَولُ رِبِّ المالِ؛ لأنَّ الإذنَ مُستفادٌ مِنْ جِهتِه، فالقَولُ قَولُه في بَيانِ صِفتِه، ولأنَّ العاملَ يَزعُمُ أنَّه كان نائِبًا عن رَبِّ المالِ في العَملِ، ورَبُّ المالِ يُنْكِرُ ذلك، فالقَولُ قَولُه، وإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ رَبِّ المالِ أيضًا؛ لأنَّه يُثبِتُ ببَيِّنتِه سَببَ تَمليكِ المالِ منه بالفَرضِ ووُجوبِ الضَّمانِ دَينًا له في ذِمَّتِه، فكانت بَيِّنتُه أوْلَى بالقَبولِ، ولأنَّه لا تَنافيَ بينَ البَيِّنتَيْن فالقَرضُ يُردُّ على المُضاربةِ فيُجعَلُ كأنَّه دَفعَه إليه مُضاربةً ثم أقرَضه منه، ولا يُمكِنُ أنْ يُجعلَ على عَكسِ هذا؛ لأنَّ المُضاربةَ لا تَرِدُ على القَرضِ، والقَرضَ يَرِدُ على المُضاربةِ. ولو لَم يَكُنْ عَمِل بالمالِ وضاعَ فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَدَّعي عليه سَببَ الضَّمانِ، والمُضارِبَ يُنكِرُ، وتَكونُ البَيِّنةُ بَيِّنةَ رَبِّ المالِ؛ لِإثباتِه الضَّمانَ دَينًا في ذِمَّةِ المُضارِبِ. ثم الفَرقُ بينَ هذا والأولِ أنَّ في هذا الفَصلِ تَصادَقا على أنَّه قبَضها بإذنِ المالِكِ، وذلك غَيرُ مُوجِبٍ لِلضَّمانِ عليه، فبَقيَت دَعوى رَبِّ المالِ سَببَ الضَّمانِ، وفي الفَصلِ الأولِ عَملُ العامِلِ في مِلكِ الغَيرِ سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ، وقد ظهَر ذلك، فيَحتاجُ إلى سَبَبٍ مُسقِطٍ لِلضَّمانِ عن نَفْسِه، وهو كَونُه نائِبًا عن المالِكِ في عَملِه في المالِ مُضاربةً، ولا يَثبُتُ هذا المُسقَطُ إلا بالبَيِّنةِ، ولا يُقالُ: تَصادَقا أنَّ عَملَه حصَل بإذنِ رَبِّ المالِ وتَسليطِه، فلا يَكونُ سَببًا لِوُجوبِ الضَّمانِ عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَزعُمُ أنَّه عَمِل لِنَفْسِه في مالِ نَفْسِه؛ فإذا لَم يَثبُتِ المِلكُ له لا يَكونُ هو عامِلًا بإذنِ رَبِّ المالِ،

стр. 5190

كما أقَرَّ به، فيَبقى عامِلًا في المالِ بغَيرِ إذنِه، وذلك مُوجِبٌ لِلضَّمانِ عليه (١). وقال المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه؛ لأنَّ العامِلَ قد أقَرَّ بأنَّ له قِبَلَه مالًا، ويَدَّعي أنَّه لا ضَمانَ عليه فيه، والأصلُ في القابِضِ لِمالِ غَيرِه الضَّمانُ، ولأنَّ الأصلَ تَصديقُ المالِكِ في كَيفيَّةِ خُروجِ مالِه مِنْ يَدِه. فلو أقاما بَيِّنتَيْن، قُدِّمت بَيِّنةُ العامِلِ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ؛ لأنَّها ناقِلةٌ عن الأصلِ، ولأنَّه خارِجٌ (٢). ٥ - الاختِلافُ في كَونِ المالِ كان مُضارَبةً أو بِضاعةً: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في المالِ الذي في يَدِه هل هو مُضاربةٌ أو بِضاعةٌ، بأنْ قال رَبُّ المالِ: «كان بِضاعةً فرِبحُه لي»، وقال العامِلُ: «كان مُضاربةً فرِبحُه لنا». فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ يَستفيدُ الرِّبحَ بشَرطِه، وهو مُنكِرٌ، فكان القَولُ قَولَه أنَّه لَم يَشترِطْ، ولأنَّ المُضارِبَ يَدَّعي استِحقاقًا في مالِ الغَيرِ فالقَولُ قَولُ صاحِبِ المالِ (٣). وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ بيَمينِه أنَّه ليس بمُضاربةٍ، ويَكونُ

стр. 5191

لِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه ما لَم يَزِدْ على ما ادَّعاه فلا يُزادُ، وإنْ نكَل كان القَولُ قَولَ العامِلِ مع يَمينِه إذا كان ممَّن يُستعمَلُ مِثلُه في المُضاربةِ. قال الدُّسوقيُّ ﵀: قد يُقالُ إذا كان القَولُ قَولَ رَبِّ المالِ يَنبَغي ألَّا يَكونَ لِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه وإلا فلا ثَمرةَ لِكَونِ القَولِ قَولَ رَبِّه، وأُجيبَ بأنَّ ثَمرةَ كَونِ القَولِ قَولَ رَبِّ المالِ عَدمُ غَرامةِ جُزءِ القِراضِ الذي ادَّعاه العامِلُ حيث زادَ، ووَجهُ كَونِ العامِلِ له أُجرةُ المِثلِ أنَّ دَعوى رَبِّ المالِ تَتضمَّنُ أنَّ العامِلَ تَبرَّعَ له بالعَملِ وهو يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعي أنَّه بأُجرةٍ فلَه أُجرةُ مِثلِه (١). وهذا الحُكمُ عندَ المالِكيَّةِ فيما إذا قالَ رَبُّ المالِ: «هي بِضاعةٌ بلا أجرٍ»؛ فإنْ قال العامِلُ: «هو قِراضٌ بجُزءٍ مِنَ الرِّبحِ»، وقال رَبُّه: «بِضاعةٌ بأجرٍ»، أو بالعَكسِ بأنْ قال العامِلُ: «بِضاعةٌ بأجرٍ»، وقال رَبُّه: «قِراضٌ»، فالقَولُ لِلعامِلِ بيَمينِه بأربَعةِ شُروطٍ: ١ - أنْ تَكونَ المُنازَعةُ بعدَ العَملِ المُوجِبِ لِلُزومِ القِراضِ. ٢ - أنْ يَكونَ مِثلُه يَعمَلُ في قِراضٍ. ٣ - أنْ يَكونَ مِثلُ المالِ يُدفَعُ قِراضًا. ٤ - أنْ يَزيدَ جُزءُ الرِّبحِ على أُجرةِ البِضاعةِ. فإذا اختَلَّ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ لَم يُقبَلْ قَولُه ولو حلَف، كما إذا وُجِدت ونكَل عن اليَمينِ لَم يُقبَلْ قَولُه وحلَف رَبُّه ودفَع أُجرةَ البِضاعةِ.

стр. 5192

وإنَّما صُدِّق العامِلُ في جُزءِ الرِّبحِ فَقط، ولِهذا إذا كانت الأُجرةُ مِثلَ جُزءِ القِراضِ فلا يَمينَ؛ لأنَّهما اتَّفقا في المَعنى (١). وقال الحَنابِلةُ: إنْ قال رَبُّ المالِ: «كان بِضاعةً فرِبحُه لي»، وقال العامِلُ: «كان مُضاربةً فرِبحُه لنا»، حلَف كلٌّ منهما على إنكارِ ما ادَّعاه خَصمُه؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنكِرٌ لِما ادَّعاه خَصمُه عليه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، وكان لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه والَبقيَّةُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ نَماءَ مالِه تابِعٌ له. وقيلَ: يَكونُ لِلعاملِ أقَلُّ الأمرَيْن مِنْ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ أو أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه لا يَدَّعي أكثَرَ مِنْ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ، فلا يَستحِقُّ زيادةً عليه، وإنْ كان الأقَلُّ أُجرةَ مِثلِه لَم يَثبُتْ كَونُه مُضاربةً، فيَكونُ له أُجرةُ عَملِه. وفي احتِمالٍ عندَ الحَنابِلةِ ذكَره ابنُ قُدامةَ ﵀: أنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ؛ لأنَّه عَملُه له، فيَكونُ القَولُ قَولَه فيه (٢). ولَم أجِدْ قَولًا لِلشافِعيَّةِ في هذه المَسألةِ. ٦ - الاختِلافُ في كَونِ المالِ بِضاعةً أو قَرضًا: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ فقال رَبُّ المالِ: «كان بِضاعةً»، وقال العامِلُ: «كان قَرضًا»، قال الحَنابِلةُ: حلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إنكارِ ما ادَّعاه خَصمُه؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنكِرٌ لِما ادَّعاه خَصمُه عليه، والقَولُ قَولُ

стр. 5193

المُنكِرِ، وكان لِلعامِلِ أجرُ عَملِه فقط لا غَيرُ، والبَقيَّةُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ نَماءَ مالِه تابِعٌ له (١). وقال الحَنفيَّةُ: إذا قال المالِكُ: «كان بِضاعةً»، وقال ذو اليَدِ: «كان قَرضًا»، صُدِّق المالِكُ مع يَمينِه؛ لأنَّ ذا اليَدِ يَدَّعي عليه التَّمليكَ، وهو يُنْكِرُ دَعوى التَّمليكِ. فإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ ذو اليَدِ؛ لأنَّها تُثبِتُ التَّمليكَ، ولأنَّه لا تَنافيَ بينَ البَيِّنتَيْن لِجَوازِ أنْ يَكونَ أعطاه بِضاعةً ثم أقرَضَه (٢). ٧ - الاختِلافُ في كَونِ المالِ مُضاربةً أو غَصبًا: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ فقال رَبُّ المالِ: «قد غَصَبتَ المالَ مِنِّي»، وقال العامِلُ: «بل أخَذتَه مُضارَبةً وتَلِف»، فالقَولُ قَولُ العاملِ مع يَمينِه عندَ المالِكيَّةِ والحَنفيَّةِ على تَفصيلٍ عندَهم. قال الحَنفيَّةُ: لو قال المُضارِبُ: «دَفعتَه إلَيَّ مُضاربةً، وقد ضاعَ المالُ قَبلَ أنْ أعملَ به»، وقال رَبُّ المالِ: «أخَذتَه غَصبًا»، فلا ضَمانَ على المُضاربِ؛ لأنَّه ما أقَرَّ بوُجودِ السَّببِ المُوجِبِ لِلضَّمانِ عليه؛ وإنَّما أقَرَّ بتَسليمِ رَبِّ المالِ إليه، وذلك غَيرُ مُوجِبٍ لِلضَّمانِ عليه، ورَبُّ المالِ يَدَّعي عليه الغَصبَ المُوجِبَ لِلضَّمانِ، وهو يُنكِرُ؛ فإنْ كان عَمِل به ثم ضاعَ فهو ضامِنٌ لِلمالِ؛ لأنَّ عَملَه في مالِ الغَيرِ سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ عليه ما لَم

стр. 5194

يَثبُتْ إذنُ صاحِبِه فيه، ولَم يَثبُتْ ذلك لِإنكارِه، فأمَّا إنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُضارِبِ في الوَجهَيْن؛ لأنَّه يُثبِتُ تَسليمَ رَبِّ المالِ والإذنَ له في العَملِ ببَيِّنةٍ. ولو قال المُضارِبُ: «أخَذتُ منكَ هذا المالَ مُضاربةً فضاعَ قَبلَ أنْ أعمَلَ به أو بعدَما عَمِلتُ»، وقال رَبُّ المالِ: «أخَذتَه مِنِّي غَصبًا»، فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، والمُضارِبُ ضامِنٌ؛ لأنَّه أقَرَّ بالأخْذِ وهو سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ، ثم ادَّعى المُسقَطَ، وهو إذنُ صاحبِه، فلا يُصدَّقُ في ذلك إلا بحُجةٍ (١). وقال المالِكيَّةُ: إذا قال العامِلُ: «المالُ بيَدي مُضاربةً أو وَديعةً»، وقال رَبُّ المالِ: «بل غَصَبتَه مِنِّي أو سَرقتَه مِنِّي»؛ فإنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ مع يَمينِه والبَيِّنةَ على رَبِّ المالِ بأنْ يُثبِتَ ما ادَّعاه مِنَ الغَصبِ أو السَّرقةِ؛ لأنَّه مُدَّعٍ، ولأنَّ الأصلَ عَدمُ الغَصبِ والسَّرقةِ، ولو كان مِثلُه يُشبِهُ أنْ يَغصِبَ أو يَسرِقَ (٢). ٨ - الاختِلافُ في كَونِ المالِ مُضاربةً أو وَكالةً: قال الشافِعيَّةُ: إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في أصلِ المُضاربةِ فقال المالِكُ: «دَفعتُ إليكَ المالَ لِتَشتريَ لي بالوَكالةِ»، وقال العامِلُ: «بل قارَضتَني»، صُدِّقَ المالِكُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ مُقابلةِ العَملِ بشَيءٍ؛ فإذا حلَف أخَذَ المالِكُ المالَ ورِبحَه ولا أُجرةَ لِلعامِلِ.

стр. 5195

فإنْ أقاما بَيِّنتَيْن فالظاهِرُ تَقدُّمُ بَيِّنةِ العامِلِ؛ لأنَّ مَعها زيادةَ عِلمٍ. وقال الشِّهابُ الرَّمليُّ ﵀: صُدِّق المالِكُ بيَمينِه، إذِ القاعِدُة أنَّ مَنْ كان القَولُ قَولَه في أصلِ الشَّيءِ كان القَولُ قَولَه في صِفتِه، مع أنَّ الأصلَ عَدمُ الائتِمانِ الدافِعِ لِلضَّمانِ (١). ٩ - الاختِلافُ في كَونِ الملِ مُضاربةً أو وَديعةً أو قَرضًا: قال المالِكيَّةُ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ فقال رَبُّ المالِ: هو قَرضٌ، وقال العامِلُ: بل هو قِراضٌ أو وَديعةٌ، فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه على المَشهورِ في المَذهبِ؛ لأنَّ الأصلَ تَصديقُ المالِكِ في كَيفيَّةِ خُروجِ مالِه مِنْ يَدِه، ولأنَّ العامِلَ مُدَّعٍ يُريدُ طَرحَ الضَّمانِ عن نَفْسِه، وسَواءٌ كان تَنازُعُهما قَبلَ العَملِ أو بَعدَه، وقيلَ: يُصدَّقُ بعدَ العَملِ لا قَبلَه. ولو قال رَبُّ المالِ: «دَفعتُه لكَ قِراضًا»، وقال العامِلُ: «بَلْ قَرضًا»، صُدِّق العامِلُ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ هنا مُدَّعٍ لِلرِّبحِ فلا يُصدَّقُ، والحاصِلُ أنَّ القَولَ قَولُ مُدَّعي القَرضِ منهما. وإنْ قال رَبُّ المالِ: «هو وَديعةٌ عندَك»، وقال العامِلُ: بل هو قِراضٌ؛ فإنْ عَمِل فيه ضَمِنه العامِلُ لِتَعدِّيه؛ لأنَّه مُدَّعٍ على رَبِّه أنَّه أذِن له في تَحريكِه، والأصلُ عَدمُه، وإنْ ضاعَ قَبلَ العَملِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمينٌ على

стр. 5196

الدَّعوتَيْن جَميعًا؛ لِاتِّفاقِهما على أنَّه كان أمانةً؛ لأنَّ أحَدَهما يَدَّعي أنَّه أمانةٌ على سَبيلِ الوَديعةِ والآخَرَ يَدَّعي أنَّه أمانةٌ على سَبيلِ القِراضِ. وإنْ قال رَبُّه: هو قِراضٌ، وقال العامِلُ: بل وَديعةٌ، فالقَولُ لِلعامِلِ؛ لأنَّ رَبَّه مُدَّعٍ على العامِلِ الرِّبحَ، وهذا إذا تَنازَعا بعدَ العَملِ وإلا فقَولُ رَبِّه كاختِلافِهما في الجُزءِ قبلَ العَدمِ (١). وقال الحَنفيَّةُ: لو قال رَبُّ المالِ: «أخَذتَه غَصبًا»، وقال القابِضُ: «دَفعتَه وَديعةً»، يَضمَنُ القابِضُ كما لو قال المُودَعُ: «أخَذتُه وَديعةً»، وقال المالِكُ: «أخَذتَه غَصبًا» (٢). ١٠ - الاختِلافُ في رَدِّ رأسِ المالِ على المالِكِ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والمُضارِبُ في رَدِّ رأسِ مالِ المُضاربةِ فادَّعى المُضارِبُ أنَّه رَدَّه على المالِكِ وأنكَره المالِكُ، اختلَف الفُقهاءُ هل يُقبَلُ قَولُ المُضاربِ أو قَولُ المالِكِ رَبِّ المالِ. فذهَب الحَنفيَّةُ (٣) والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ القَولَ

стр. 5197

قَولُ العامِلِ بيَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، ولأنَّ مُعظمَ النَّفعِ لِرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمُودَعِ، وانتِفاعُه هو ليس بها، بل بالعَملِ فيها، ولأنَّ المالِكَ يَملِكُ انتِزاعَها مِنْ يَدِه مَتى شاءَ، فهو كالوَكيلِ بغَيرِ جُعلٍ. قال الشافِعيَّةُ: كلُّ أمين ادَّعى الرَّدَّ على مَنِ ائتَمَنه يُصدَّقُ بيَمينِه إلا المُرتَهَنَ والمُستأجَرَ.

стр. 5198

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه إذا لَم تُوجدْ بَيِّنةٌ؛ لأنَّ العامِلَ قبَض المالَ لِنَفعِ نَفْسِه، فلَم يُقبَلْ قَولُه في رَدِّه كالمُستَعيرِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ مُنكِرٌ، والقَولَ قَولَ المُنكِرِ، ولأنَّ المُضاربَ لَم يَقبِضْ رأسَ المالِ إلا لِنَفعِ نَفْسِه ولَم يأخُذْه لِنَفعِ رَبِّ المالِ (١). وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ العامِلِ أنَّه رَدَّ مالَ المُضاربةِ إلى رَبِّه مع رِبحِه حيث قبَضه بغَيرِ بَيِّنةٍ، وإلا بأنْ قبَضه ببَيِّنةٍ فلا بُدَّ مِنْ بَيِّنةٍ تَشهَدُ له بالرَّدِّ على المَشهورِ؛ لأنَّ القاعِدةَ أنَّ كلَّ شَيءٍ أُخِذ بالإشهادِ لا يُبرأُ منه إلا بالإشهادِ، ولا بُدَّ أنْ تَكونَ البَيِّنةُ مَقصودةً لِلتَّوثُّقِ، وهي التي يُشهِدُها الدافِعُ على القابِضِ خَوفَ الجُحودِ، فلو أشهَدَها القابِضُ بغَيرِ حُضورِ رَبِّ المالِ أو أشهَدَها رَبُّ المالِ، لا لِخَوفِ الجُحودِ، فكما لو كان القَبضُ بلا بَيِّنةٍ، والظاهِرُ أنَّه يُقبَلُ قَولُ الدافِعِ في أنَّ إشهادَه لِخَوفِ الجُحودِ، ثم إنَّه لا بُدَّ مِنْ حَلِفِه على دَعوى الرَّدِّ، وإنْ لَم يَكُنْ مُتَّهمًا اتِّفاقًا. وهذا فيما إذا ادَّعى العامِلُ رَدَّ رأسِ المالِ ورِبحِه، أو ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ وحِصةِ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، حيث كان فيه رِبحٌ.

стр. 5199

وأمَّا إنِ ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ فَقط دونَ رِبحٍ، حيث كان فيه رِبحٌ ففيه ثَلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: عَدمُ قَبولِ قَولِه ولو أبقَى العامِلُ بيَدِه قَدْرَ حِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ وهو ظاهِرُ المُدوَّنةِ. والثاني: يُقبَلُ قَولُه، وهو لِلَّخميِّ. والثالِثُ: لا يُقبَلُ قَولُه، وهو لِلقابِسيِّ. والرابِعُ: يُقبَلُ إنِ ادَّعى رَدَّ رأسِه مع رَدِّ حَظِّ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، وأمَّا لو ادَّعى رَدَّ رأسِ المالِ فَقط مع بَقاءِ جَميعِ الرِّبحِ بيَدِه فلا يُقبلُ قَولُه، وهو قَولٌ القابِسيِّ وِفاقًا لِلمُدونةِ. والحاصِلُ أنَّ المُدونةَ ظاهِرُها عَدمُ القَبولِ في المَسألتَيْن، واللَّخميُّ يَقولُ بالقَبولِ فيهما، والقابِسيُّ يَقولُ بالقَبولِ في واحِدةٍ، وبعَدمِه في واحِدةٍ (١). ١١ - الاختِلافُ في العُمومِ والخُصوصِ والإطلاقِ والتَّقييدِ: قال الحَنفيَّةُ: إذا اختلَف رَبُّ المالِ والمُضارِبُ في العُمومِ والخُصوصِ فالقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي العُمومَ بأنِ ادَّعى أحَدُهما المُضاربةَ في عُمومِ التِّجاراتِ، أو في عُمومِ الأمكِنةِ، أو مع عُمومٍ مِنَ الأشخاصِ، وادَّعى الآخَرُ نَوعًا دونَ نَوعٍ، ومَكانًا دونَ مَكانٍ، وشَخصًا دونَ شَخصٍ؛ لأنَّ قَولَ مَنْ

стр. 5200

يَدَّعي العُمومَ مُوافِقٌ لِلمَقصودِ بالعَقدِ، إذِ المَقصودُ مِنَ العَقدِ هو الرِّبحُ، وهذا المَقصودُ في العُمومِ أوفَرُ. وكذلك لو اختلَفا في الإطلاقِ والتَّقييد فالقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي الإطلاقَ حتى لو قال رَبُّ المالِ: أذِنتُ لكَ أنْ تَتَّجِرَ في الحِنطةِ دونَ ما سِواها، وقال المُضارِبُ: ما سَمَّيتَ لي تِجارةً بعَينِها فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الإطلاقَ أقرَبُ إلى المَقصودِ بالعَقدِ على ما بَيَّنَّا. وقال الحَسَنُ بنُ زِيادٍ ﵀: إنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ في الفَصلَيْن جَميعًا، وقيلَ: إنَّه قَولُ زُفَرَ. ووَجهُه أنَّ الإذنَ يُستفادُ مِنْ رَبِّ المالِ، فكانَ القَولُ في ذلك قَولَه؛ فإنْ قامَتْ لهما بَيِّنةٌ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي العُمومِ في دَعوى العُمومِ والخُصوصِ؛ لأنَّها تُثبِتُ زيادةً، وفي دَعوى التَّقييدِ والإطلاقِ البَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي التَّقييدِ؛ لأنَّها تُثبِتُ زيادةً فيه، وبَيِّنةُ الإطلاقِ ساكِتةٌ. ولو اتَّفَقا على الخُصوصِ لكنَّهما اختلَفا في ذلك الخاصِّ فقال رَبُّ المالِ: «دَفعتُ المالَ إليكَ مُضارَبةً في البَزِّ»، وقال المُضارِبُ: «في الطَّعامِ»، فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّرجيحُ هنا بالمَقصودِ مِنَ العَقدِ؛ لِاستِوائِهما في ذلك، فتَرجَّحَ بالإذنِ، ويُستفادُ مِنْ رَبِّ المالِ؛ فإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُضارِبِ؛ لأنَّ بَيِّنتَه مُثبِتةٌ، وبَيِّنةَ رَبِّ المالِ نافيةٌ؛ لأنَّه لا يَحتاجُ إلى الإثباتِ، والمُضارِبُ يَحتاجُ إلى الإثباتِ

стр. 5201

لِدَفعِ الضَّمانِ عن نَفْسِه، فالبَيِّنةُ المُثبِتةُ لِلزِّيادةِ أوْلى، وقد قالوا في البَيِّنتَيْن إذا تعارَضَتا في صِفةِ الإذنِ وقد وُقِّتَتا: إنَّ الوَقتَ الأخيرَ أوْلى؛ لأنَّ الشَّرطَ الثاني يَنقُضُ الأوَّلَ فكان الرُّجوعُ إليه أوْلى (١).

стр. 5202

مَطلَبٌ في الجُحودِ بعدَ الإقرارِ ١ - إذا أقَرَّ العامِلُ بالرِّبحِ ثم أنكَرَ: قال الحَنفيَّةُ: لو قال المُضارِبُ: «رَبِحتُ ألفًا»، ثم قال: «لَم أربَحْ إلا خَمسَمِئةٍ» ضمِن الخَمسَمِئةِ المَجحودةِ، ولا يَضمَنُ البَقيَّةَ (١). وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لو قال: «رَبِحتُ ألفًا»، ثم قال: «خَسِرتُ ذلك»، قُبلَ قَولُه بيَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ يُقبلُ قَولُه في التَّلفِ، فقُبِلَ قَولُه في الخَسارةِ كالوَكيلِ. وإنْ قال: «غَلِطتُ في الحِسابِ أو نَسيتُ فظَنَنتُ أنَّني رَبِحتُ ذلك ثم نَظَرتُ في الحِسابِ فلَم أكُنْ رَبِحتُ، أو كَذَبتُ فيما قُلتُ خَوفًا مِنَ انتِزاعِ المالِ مِنْ يَدي»، لَم يُقبَلْ قَولُه في رُجوعِه؛ لأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ لِغَيرِه، فلَم يُقبَلْ قَولُه في الرُّجوعِ، كما لو أقَرَّ بأنَّ رأسَ المالِ ألفٌ، ثم رجَع أو أقَرَّ لِغَيرِه بمالٍ ثم رجَع عنه. قال الشافِعيَّةُ: فإنْ عَلِم رَبُّ المالِ بصِدقِه فيما قاله لَم يَمنَعْه مُطالَبَتَه، وإنِ لَم يَعلَمْ كان له مُطالَبتُه، والعامِلُ راجِعٌ في إقرارِه، فلَم يُقبلْ رُجوعُه؛

стр. 5203

فإنْ سألَ العامِلُ إحلافَ رَبِّ المالِ أنَّه يَستحِقُّ عليه ما كان أقَرَّ به مِنَ الرِّبحِ؛ فإنْ ذكَر شُبهةً مُحتمَلةً استَحقَّ بها إحلافَ رَبِّ المالِ، وإذا لَم يَذكُرْ شُبهةً ففي إحلافِه وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّ له إحلافَه لِإمكانِ قَولِه. والوَجهُ الآخَرُ: ليس له إحلافُه لِما تَقدَّم مِنْ إقرارِه. فإنْ قال: قد كان حصَل في المالِ رِبحٌ ثم تَلِف قُبِلَ قَولُه عندَ الاحتِمالِ بأنْ حدَث كَسادٌ؛ لأنَّه أمينٌ، فقُبِلَ قَولُه في التَّلفِ وعليه اليَمينُ إنْ كَذَّبه رَبُّ المالِ؛ لأنَّه أمينٌ؛ فإذا لَم يَحتمِلْ لَم يُقبلْ. وهكذا لو ادَّعى أنَّه جَبَر بالرِّبحِ خُسرانًا مِنْ بَعدُ، قُبِل قَولُه لِاحتِمالِه وعليه اليَمينُ إنْ كَذَّبه (١). ٢ - إذا أنكَرَ العامِلُ ثم أقَرَّ: قال الحَنفيَّةُ: لو جحَد المُضارِبُ المُضاربةَ أصلًا ورَبُّ المالِ يَدَّعي دَفعَ المالِ إليه مُضاربةً فالقَولُ قَولُ المُضاربِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَدَّعي عليه قَبضَ مالِه وهو يُنْكِرُ فكان القَولُ قَولَه. ولو جحَد ثم أقَرَّ بأنْ دَفَع إلى رَجلٍ مالًا مُضاربةً ثم طلَبه منه فقال: «لَم

стр. 5204

تَدفَعْ إلَيَّ شَيئًا»، ثم قال: «بلى، أستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ، قد دَفَعتَ إلَيَّ ألفَ دِرهَمٍ مُضاربةً»، فهو ضامِنٌ لِلمالِ؛ لأنَّه أمينٌ، والأمينُ إذا جحَد الأمانةَ ضمِن كالمُودَعِ، وهذا لأنَّ عَقدَ المُضاربةِ ليس بعَقدٍ لَازِمٍ بل هو عَقدٌ جائِزٌ مُحتمِلٌ لِلفَسخِ، فكان جُحودُه فَسخًا له أو رَفعًا له، وإذا ارتفَع العَقدُ صارَ المالُ مَضمونًا عليه كالوَديعةِ؛ فإنِ اشتَرى بها مع الجُحودِ كان مُشتَريًا لِنَفْسِه؛ لأنَّه ضامِنٌ لِلمالِ فلا يَبقى حُكمُ المُضاربةِ؛ لأنَّ مِنْ حُكمِ المُضارِبِ أنْ يَكونَ المالُ أمانةً في يَدِه؛ فإذا صارَ ضَمينًا لَم يَبقَ أمينًا؛ فإنْ أقَرَّ بعدَ الجُحودِ لا يَرتفِعُ الضَّمانُ؛ لأنَّ العَقدَ قد ارتَفَع بالجُحودِ فلا يَعودُ إلا بسَببٍ جَديدٍ. فإنِ اشتَرى بها بعدَ الإقرارِ فالقياسُ أنْ يَكونَ ما اشتَراه لِنَفْسِه؛ لأنَّه قد ضمِن المالَ بجُحودِه فلا يُبرأُ منه بفِعلِه، وفي الاستِحسانِ يَكونُ ما اشتَراه على المُضاربةِ ويُبرأُ مِنَ الضَّمانِ؛ لأنَّ الأمرَ بالشِّراءِ لَم يَرتفِعْ بالجُحودِ، بل هو قائِمٌ مع الجُحودِ؛ لأنَّ الضَّمانَ لا يُنافي الأمرَ بالشِّراءِ، بدَليلِ أنَّ مَنْ غَصَب مِنْ آخَرَ شَيئًا فأمَرَ المَغصوبُ منه الغاصِبَ ببَيعِ المَغصوبِ أو بالشِّراءِ به صَحَّ الأمرُ، وإنْ كان المَغصوبُ مَضمونًا على الغاصِبِ، وإذا بَقيَ الأمرُ بَعدَ الجُحودِ؛ فإذا اشتَرى بمُوجِبِ الأمرِ وقَع الشِّراءُ لِلآمرِ، ولن يَقَعَ الشِّراءُ له إلا بعدَ انتِفاءِ الضَّمانِ وصارَ كالغاصِبِ إذا باعَ المَغصوبَ بأمرِ المالِكِ وسَلَّم أنَّه يُبرأُ مِنَ الضَّمانِ، كذا هذا. ولو قال المُضارِبُ لِرَبِّ المالِ: «دَفَعتُ إليكَ رأسَ المالِ، والذي في يَدي رِبحٌ»، ثم قال: «لَم أدفَعْ، لكنَّه هلَك»، فهو ضامِنٌ كالمُودَعِ إذا ادَّعى رَدَّ الوَديعةِ، ثم أقرَّ أنَّه لَم يَرُدَّ، ولكنَّه هلَك.

стр. 5205

ولو ادَّعى المُضارِبُ الوَضيعةَ، وقال رَبُّ المالِ: «بل رَبِحتَ»، فصُولِحَ بينَهما برأسِ المالِ، لَم يَصحَّ (١). ٣ - إذا خسِر العامِلُ فاستَقرَض لِإكمالِ مالِ المُضاربةِ خَشيةَ انتِزاعِه منه: قال الشافِعيَّةُ: إذا قارَضَ إنسانًا على ألْفٍ، فتَصرَّف فيها فخَسِر مِئةً ونَضَّ المالُ في يَدِه تِسعَمِئةٍ، فخافَ مِنَ المالِكِ أنْ يَراه ناقِصًا يَستَرجِعُ منه المالَ، فاستَقرضَ مِنْ غَيرِه مِئةً وأضافَها إلى المالِ، ثم عرَضه على المالِكِ كامِلًا رَجاءَ أنْ يُقِرَّه في يَدِه فيَرُدَّ القَرضَ إلى مالِكه، ففسَخ المالِكُ العَقدَ واستَردَّ الألفَ، فادَّعى المُقرِضُ أنَّ له في المالِ مِئةً أقرَضه إياها، وأنَّه يَستحِقُّها وأقامَ على ذلك بَيِّنةً لَم يُقبَلْ قَولُه، ولَم يَكُنْ له أخْذُ المِئةِ؛ لأنَّ المُستقرِضَ مَلَكها، وزالَ مِلكُه عنها إلى رَبِّ المالِ، فصارَ بمَنزِلةِ ما لو تَلِفت في يَدِه، ويَكونُ حَقُّ المُقرِضِ في ذِمَّةِ العامِلِ. ونقَل المُتوَلِّي عن الشافِعيِّ أنَّه نقَل عن ابنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ أنَّ لِلمُقرِضِ أنْ يَسترجِعَ المِئةَ مِنْ رَبِّ المالِ. قال الشافِعيُّ ﵀: وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ العامِلَ مَلَكها بالقَرضِ واعتَرَف بأنَّ جَميعَ المالِ حَقُ المالِكِ، وسَلَّمه إليه؛ فإذا رجَع فيه لَم يُقبَلْ رُجوعُه، والمُقرِضُ لَم يُعطِه شَيئًا فلا مُطالَبةَ له عليه (٢).

стр. 5206

وهو أيضًا قَولُ الحَنابِلةِ؛ فإنَّهم قالوا: ولو أنَّ العامِلَ خَسِر فقال لِرَجلٍ: «أقرِضْني ما أُتَمِّمُ به رأسَ المالِ لِأعرِضَه على رَبِّه؛ فإنَّني أخشى أنْ يَنزِعَه مِنَّي إنْ عَلِم بالخَسارةِ»، فأقرَضه فعَرَضه على رَبِّ المالِ وقال: «هذا رأسُ مالِكَ»، فأخَذه فلَه ذلك، ولا يُقبَلُ رُجوعُ العامِلِ عن إقرارِه إنْ رجَع، ولا تُقبَلُ شَهادةُ المُقرِضِ له؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفعًا، وليس له مُطالبةُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ العامِلَ مَلَكه بالقَرضِ ثم سَلَّمه إلى رَبِّ المالِ، ولكنْ يَرجِعُ المُقرِضُ على العامِلِ لا غَيرُ (١).

стр. 5207

فصل في انتِهاءِ عَقدِ المُضارَبةِ وبُطلانِها ذكَر الفُقهاءُ عِدَّةَ أسبابٍ إذا حصَل واحِدٌ منها بطَل عَقدُ المُضاربةِ وانتَهى وهي ما يَلي: ١ - إذا عَزَل رَبُّ المالِ المُضارِبَ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُضاربةَ تَنفسِخُ إذا عَزَل رَبُّ المالِ المُضارِبَ أو نَهاه عن التَّصرُّفِ؛ لأنَّ المُضاربةَ عندَهم عَقدٌ جائِزٌ، فيَجوزُ لكلٍّ منهما فَسخُها. قال الحَنفيَّةُ: عَقدُ المُضاربةِ غَيرُ لَازمٍ، ولكلِّ واحِدٍ منهما -أعني رَبَّ المالِ والمُضارِبَ- الفَسخُ، لكنْ عندَ وُجودِ شَرطِه، وهو: ١ - عِلمُ صاحبِه بالعَزلِ؛ فإذا عزَل رَبُّ المالِ المُضارِبَ فلَم يَعلَمْ بعَزلِه حتى اشتَرى وباعَ فتَصرُّفه جائِزٌ؛ لأنَّه وَكيلٌ مِنْ جِهتِه، وعَزلُ الوَكيلِ قَصدًا يَتوقَّفُ على عِلمِه. ٢ - أنْ يَكونَ المالُ ناضًّا؛ فإنْ عَلِم المُضارِبُ بعَزلِه، والمالُ عُروضٌ فله أنْ يَبيعَها ولا يَمنَعَه العَزلُ عن ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ قد تَمَّت بالشِّراءِ وصَحَّت فلا يَجوزُ له العَزلُ بعدَ ذلك؛ لأنَّ حَقَّه قد ثبَت في الرِّبحِ،

стр. 5208

وإنَّما يَظهَرُ بالقِسمةِ، وهي تُبتَنى على رأسِ المالِ، وإنَّما يَنِضُّ بالبَيعِ. فإذا باعَ العُروضَ فلا يَجوزُ له أنْ يَشتريَ بثَمَنِها شَيئًا آخَرَ؛ لأنَّها قد صارتْ نَقدًا. ويُشترطُ أيضًا أنْ يَكونَ رأسُ المالِ عَينًا وَقتَ الفَسخِ، دَراهمَ أو دَنانيرَ، حتى لو نَهى رَبُّ المالِ المُضاربَ عن التَّصرُّفِ، ورأسُ المالِ عُروضٌ وَقتَ النَّهيِ لَم يَصحَّ نَهيُه، وله أنْ يَبيعَها؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِها بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ لِيَظهرَ الرِّبحُ، فكان النَّهيُ والفَسخُ إبطالًا لِحَقِّه في التَّصرُّفِ فلا يَملِكُ ذلك، وإنْ كان رأسُ المالِ دَراهمَ أو دَنانيرَ وَقتَ الفَسخِ والنَّهيِ صَحَّ الفَسخُ والنَّهيُ، لكنْ له أنْ يَصرِفَ الدَّراهمَ إلى الدَّنانيرِ، والدَّنانيرَ إلى الدَّراهمِ؛ لأنَّ ذلك لا يُعدُّ بَيعًا، لِاتِّحادِهما في الثَّمَنيَّةِ، فإذا كان رأسُ المالِ دَنانيرَ والذي نَضَّ (١) له دَراهمَ، أو على العَكسِ فله أنْ يَبيعَها بجِنسِ رأسِ المالِ استِحسانًا؛ لأنَّ الرِّبحَ لا يَظهَرُ إلا به. وإذا افتَرَق رَبُّ المالِ والمُضارِبُ، وفي المالِ دُيونٌ وقد رَبِح المُضارِبُ فيه أجبَرَه الحاكِمُ على اقتِضاءِ الدُّيونِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ الأجيرِ؛ لأنَّ الرِّبحَ له كالأُجرةِ، ولأنَّ عَمَله حصَل بعِوضٍ فيُجبَرُ على إتمامِه كالأجيرِ (٢).

стр. 5209

وقال الشافِعيَّةُ: القِراضُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَفسَخَه متى شاءَ مِنْ غَيرِ حُضورِ الآخَرِ ورِضاه، كما تَقدَّم. ويَحصُلُ الفَسخُ بقَولِه: «فَسَختُ عَقدَ القِرانِ، أو رَفَعتُه، أو أبطَلتُه، أو لا تَتصرَّفْ بعدَ هذا»، أو نَحوَ ذلك، وباستِرجاعِ المالِ، فإنِ استَرجعَ بَعضَه انفسَخ فيه وبَقيَ في البَقيَّةِ، وبإعتاقِه واستِيلادِه له كالوَكالةِ. ولو حبَس العامِلَ ومَنَعه التَّصرُّفَ، أو قال: لا قِراضَ بَينَنا، أو باعَ ما اشتَراه العامِلُ لِلقِراضِ عُزِل في أصَحِّ الوَجهَيْن، وفي الوَجهِ الآخَرِ: لَم يَنعَزِلْ. وقيلَ بالفَرقِ بينَ أنْ يَكونَ له غَرَضٌ أو لا. ولِلعامِلِ بعدَ الفَسخِ بَيعُ مالِ القِراضِ إذا تَوقَّع فيه رِبحًا، كأنْ ظَفِر بسُوقٍ أو براغِبٍ فلا يَشتَري لارتِفاعِ العَقدِ مع كَونِه لا حَظَّ له فيه. ويَلزَمُ العامِلَ الاستيفاءُ لِدَينِ مالِ القِراضِ والرِّبحِ معًا على الصَّحيحِ إذا انفسَخ القِراضُ مِنْ أحَدِهما أو هُما فيَلزَمُه تَنضيضُ جَميعِ الدَّينِ لِيَرُدَّ كما أخَذَ. وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يَكونَ المالِكُ قد أذِن له في المُعاملةِ بالدَّينِ؛ فإذا انفسَخ القِراضُ وهناك دَينٌ لَزِم العامِلَ أنْ يَتقاضاه لِيَنِضَّ سَواءٌ كان هناك رِبحٌ أو لا. ويَلزَمُ العاملَ أيضًا تَنضيضُ رأسِ المالِ إنْ كان ما بيَدِه عندَ الفَسخِ عَرضًا وطَلَب المالِكُ تَنضيضَه، سَواءٌ أكان في المالِ رِبحٌ أو لا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، فيُصيِّرُه نَقدًا لِيَرُدَّه كما أخَذه.

стр. 5210

وكذلك الحُكمُ لو كان ما بيَدِه نَقدًا مِنْ غَيرِ جِنسِ رأسِ المالِ أو مِنْ جِنسِه، ولكنْ مِنْ غَيرِ صِفتِه، كالصِّحاحِ والمُكسَّرةِ فكالعُروضِ. ولو أبطَل السُّلطانُ النَّقدَ الذي جَرى عليه القِراضُ والمالُ عَرضٌ رُدَّ مِنَ الأولِ. وقيلَ: مِنَ الحادِثِ. فإنْ لَم يَطلُبِ المالِكُ التَّنضيضَ لَم يَجِبْ إلا أنْ يَكونَ هو المالَ المَحجورَ عليه وحَظَّه في التَّنضيضِ فيَجِبُ. ولو قال المالِكُ: «لا تَبِعْ ونُقسِّمُ العُروضَ بتَقويمِ عَدلَيْن»، أو قال: «أُعطيكَ نَصيبَكَ مِنَ الرِّبحِ ناضًّا»، أُجيبَ وكذا لو رَضيَ بأخذِ العُروضِ مِنَ العامِلِ بالقيمةِ، ولَم يَزِدْ راغِبٌ، فلو حدَث بعدَ ذلك غَلاءٌ لَم يُؤثِّرْ. وخرَج بقَدْرِ رأسِ المالِ الزائدِ عليه فلا يَلزمُه تَنضيضُه، بل هو عَرضٌ اشتَرَك فيه اثنانِ لا يُكلَّفُ أحَدُهما بَيعَه، نَعَمْ لو كان بَيعُ بَعضِه يُنقِصُ قيمَتَه كالعَبدِ لَزمَه تَنضيضُ الكلِّ. وليس لِلعامِلِ تَأخيرُ البَيعِ إلى مَوسمِ رَواجِ المَتاعِ؛ لأنَّ حَقَّ المالِكِ مُعجَّلٌ. وقيل: لا يَلزَمُ العامِلَ التَّنضيضُ إذا لَم يَكُنْ رَبِح إذ لا فائِدةَ له فيه؛ لأنَّ الغَرَض مِنَ البَيعِ أنْ يَظهرَ الرِّبحُ فيَصِلَ العامِلُ إلى حَقِّه منه، وقد زال هذا المَعنى. ولو استَردَّ المالِكُ بَعضَ مالِ القِراضِ قبلَ ظُهورِ رِبحٍ وخُسرانٍ فيه

стр. 5211

رجَع رأسُ المالِ إلى ذلك المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ؛ لأنَّه لَم يَترُكْ في يَدِه غَيرَه فصارَ كما لو اقتَصَر في الابتِداءِ على إعطائِه له، فلو كان مِئةً فاستَردَّ عَشَرةً، صارَ رأسُ المالِ تِسعينَ؛ لأنَّه لَم يَبْقَ في يَدِه غَيرُه. وإنِ استَردَّ المالِكُ بغَيرِ رِضا العامِلِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ فالمُسترَدُّ منه شائِعٌ رِبحًا ورأسَ مالٍ؛ لِعَدمِ التَّمييزِ، وذلك على النِّسبةِ الحاصِلةِ مِنْ جُملةِ الرِّبحِ، ورأسُ المالِ لا يَلحَقُه حُكمُ المُتبَقِّي لاستِقرارِ مِلكِ العامِلِ على ما يَخُصُّه مِنَ الرِّبحِ بحَسَبِ الشَّرطِ فلا يَسقُطُ بما يَحصُلُ مِنَ الخُسرانِ بعدَه. أمَّا إذا كان الاستِردادُ برِضا العامِلِ؛ فإنْ قصَد هو والمالِكُ الأخذَ مِنَ الأصلِ اختَصَّ به، أو مِنَ الرِّبحِ فكذلك، لكنْ يَملِكُ العامِلُ مما بيَدِه مِقدارَ ذلك على الإشاعةِ، وإنْ أطلَقا حُمِل على الإشاعةِ، وحينَئذٍ الأشبَهُ -كما قال ابنُ الرِّفعةِ- أنْ تَكونَ حِصَّةُ العامِلِ قَرضًا، نقَلَه عنه الإسنَويُّ وأقَرَّه، ثم قال: وإذا كان الاستِردادُ بغَيرِ رِضاه، لا يَنفُذُ تَصرُّفُه في نَصيبِه، وإنْ لَم يَملِكْه بالظُّهورِ. مِثالُه: رأسُ المالِ مِئةٌ مِنَ الدَّراهِمِ والرِّبحُ عِشرونَ منها، واستَرَدَّ المالِكُ مِنْ ذلك عِشرينَ فالرِّبحُ في هذا المِثالِ سُدسُ جَميعِ المالِ، وحينَئِذٍ يَكونُ المُسترَدُّ -وهو العِشرونَ- سُدسَه، وهو ثَلاثةُ دَراهِمَ وثُلثٌ، يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ فيَستقِرُّ لِلعامِلِ المَشروطُ منه، وهو دِرهمٌ وثُلثانِ، إنْ شُرِط له نِصفُ الرِّبحِ. وبَقيَّتُه -أي: المُسترَدِّ- هو سِتَّةَ عَشَرَ وثُلثانِ مِنْ رأسِ المالِ، فيَعودُ رأسُ المالِ إلى ثلاثةٍ وثَمانينَ وثُلثٍ، فلو عادَ ما في يَدِه إلى ثَمانينَ لَم يَسقُطْ

стр. 5212

ما استَقرَّ له، بل يأخُذُ منها دِرهمًا وثُلثَيْ دِرهَمٍ، ويُرَدُّ البَقيَّةُ، وهي ثَمانيةٌ وسَبعونَ دِرهمًا وثُلثُ دِرهَمٍ. وإنِ استَردَّ المالِكُ بَعضَه بعدَ ظُهورِ الخُسرانِ فالخُسرانُ مُوزَّعٌ على المُسترَدِّ، والبَقيَّةُ بعدَه، وحينَئذٍ لا يَلزَمُ جَبرُ حِصَّةِ المُسترَدِّ -وهو عِشرونَ- لو رَبِح المالُ بعدَ ذلك؛ لأنَّه لو رَدَّ الجَميعَ بعدَ الخُسرانِ لَم يَلزمْه شَيءٌ، ويَصيرُ رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وحِصَّتُه مِنَ الخُسرانِ. مِثالُه: المالُ -أي: رأسُ المالِ- مِئةٌ، والخُسرانُ الحاصِلُ فيه عِشرونَ ثم استَردَّ المالِكُ عِشرينَ فرُبعُ العِشرينَ التي هي جَميعُ الخُسرانِ، وحِصَّةُ المُسترَدِّ منها خَمسةٌ، فكأنَّه استرَدَّ خَمسةً وعِشرينَ، ويَعودُ بعدَ ذلك رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ، وبعدَ حِصَّتِه مِنَ الخُسرانِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ؛ لأنَّ الخُسرانَ إذا وَزَّعناه على الثَّمانينَ خَصَّ كلَّ عِشرينَ خَمسةٌ، والعِشرونَ المُسترَدَّةُ حِصَّتُها خَمسةٌ، فيَبقى ما ذكَره، فلو رَبِح بعدَ ذلك شَيئًا قُسِّم بينَهما رِبحًا على حَسَبِ ما شَرَطاه (١). وقال الحَنابِلةُ: المُضاربةُ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ تَنفسِخُ بفَسخِ أحَدِهما أيَّهما كان، وبمَوتِه وجُنونِه، والحَجرِ عليه لِسَفَهٍ؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ في مالِ غَيرِه فهو كالوَكيلِ، ولا فَرقَ بينَ ما قبلَ التَّصرُّفِ وبعدَه.

стр. 5213

فإذا انفَسَخت والمالُ ناضٌّ لا رِبحَ فيه أخَذه رَبُّه، وإنْ كان فيه رِبحٌ قَسَّما الرِّبحَ على ما شرَطاه. وإنِ انفَسَخت المُضاربةُ والمالُ عَرضٌ فاتَّفَقا على بَيعِه أو قَسْمِه أو أخذِه جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَعدوهما، فيُقوَّمُ العَرضُ عليه وتُدفَعُ حِصَّةُ العامِلِ؛ لأنَّه أسقَطَ مِنَ العامِلِ البَيعَ. وإنْ قصَد رَبُّ المالِ الحِيلةَ لِيَختَصَّ بالرِّبحِ بأنْ كان العامِلُ اشتَرى خَزًّا في الصَّيفِ لِيَربحَ في الشِّتاءِ أو يَرجُوَ دُخولَ مَوسِمٍ أو قَفلٍ؛ فإنَّ حَقَّه يَبقى مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ أصلَ المَذهَبِ أنَّ الحِيلَ لا أثَرَ لها. وإذا ارتفَع السِّعرُ بعدَ ذلك -أي: بعدَ التَّقويمِ على المالِكِ ودَفعِه حِصَّةَ العامِلِ- لَم يَكُنْ لِلمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ بقِسطِه على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، كما لو ارتفَع بعدَ بَيعِه لِأجنَبيٍّ. وإذا لَم يَرضَ رَبُّ المالِ أنْ يأخُذَ عَرضًا وطلَب البَيعَ أو طلَبه ابتِداءً مِنْ غَيرِ فَسخِ المُضاربةِ فله ذلك، ويَلزَمُ المُضارِبَ بَيعُه مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهَبِ، وإنْ لَم يَكُنْ فيه رِبحٌ، وقبَضَ ثَمنَه؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ نَضًّا كما أخَذَه. وقيلَ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ أو كان فيه رِبحٌ وأسقَطَ العامِلُ حَقَّه منه. وإنْ طلَب العامِلُ البَيعَ وأبى رَبُّ المالِ وقد ظهَر في المالِ رِبحٌ أُجبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبحِ، ولا يَظهرُ إلا بالبَيعِ، وإنْ

стр. 5214

لَم يَظهَرْ رِبحٌ لَم يُجبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضيَه مالِكُه كذلك فلَم يُجبَرْ على بَيعِه. وإنْ طلَب رَبُّ المالِ البَيعَ وأبى العامِلُ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يُجبَرُ العامِلُ على البَيعِ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَه. والآخَرُ: لا يُجبَرُ إذا لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، أو أُسقِطَ حَقُّه مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه بالفَسخِ زالَ تَصرُّفُه وصارَ أجنَبيًّا مِنَ المالِ، فأشبَهَ الوَكيلَ إذا اشتَرى ما يَستحِقُّ رَدَّه، فزالَتْ وَكالتُه قبلَ رَدِّه. ولو كان رأسُ المالِ دَنانيرَ فصارَ دَراهمَ أو دَراهمَ فصارَ دَنانيرَ فهو كَما لو كان عَرضًا على ما شُرِح، إنْ رَضيَه رَبُّ المالِ وإلا لَزِمَ العامِلَ إعادَتُه كما كان. وإذا نَضَّ رأسُ المالِ جَميعُه لَم يَلزَمِ العامِلَ أنْ يَنِضَّ له البَقيَّةَ؛ لأنَّه شَرِكةٌ بينَهما، ولا يَلزَمُ الشَّريكَ أنْ يَنِضَّ مالَ شَريكِه، ولأنَّه إنَّما لَزمَه أنْ يَنِضَّ رأسَ المالِ لِيَرُدَّ رأسَ مالِه على صِفتِه، ولا يُوجدُ هذا المَعنى في الرِّبحِ، وهذا على المَذهبِ إنَّما يَلزَمُه البَيعُ في مِقدارِ رأسِ المالِ، والصَّحيحُ مِنَ المَذهَبِ يَلزَمُه في الجَميعِ. وإنِ انفَسَخ القِراضُ والمالُ دَينٌ لَزِم العامِلَ تَقاضيه سَواءٌ ظهَر في المالِ رِبحٌ أو لَم يَظهَرْ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَقتَضي رَدَّ رأسِ المالِ على صِفتِه، والدُّيونُ لا تَجري مَجرى الناضِّ، فلَزِمه أنْ يَنِضَّه كما لو ظهَر في المالِ رِبحٌ، وكما لو كان رأسُ المالِ عَرضًا، ويُفارِقُ الوَكيلَ؛ فإنَّه لا يَلزَمُه رَدُّ المالِ كما

стр. 5215

قبَضه، ولِهذا لا يَلزَمُه بَيعُ العُروضِ، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الفَسخِ مِنَ العامِلِ أو مِنْ رَبِّ المالِ. فإنِ اقتَضى منه قَدْرَ رأسِ المالِ أو كان الدَّينُ قَدْرَ الرِّبحِ أو دونَه لَزِم العامِلَ تَقاضيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ عندَ وُصولِه إليهما على وَجهٍ يُمكِنُ قِسمَتُه، ووُصولُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى حَقِّه منه، ولا يَحصُلُ ذلك إلا بعدَ تَقاضيه (١). وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ لكلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ والعامِلِ فَسخَ القِراضِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، أي: شِراءِ السِّلعِ بالمالِ؛ لأنَّ عَقدَه غَيرُ لَازمٍ بإجماعٍ. ولِرَبِّ القِراضِ فَقط الفَسخُ إنْ تَزوَّد العامِلُ مِنْ مالِ القِراضِ ولَم يَظعَنْ مِنْ بَلَدِه -أي: يَشرَعْ في السَّفرِ- إذ لا ضَرَرَ عليه في ذلك، وإنَّما الضَّررُ على رَبِّ المالِ فيما صرَف مِنْ مالِه. وليس لِلعامِلِ حينَئذٍ فَسخٌ، بل الكَلامُ لِرَبِّ المالِ دونَ العامِلِ؛ لأنَّ التَّزوُّدَ مِنْ مالِ القِراضِ بالنِّسبةِ لِلعامِلِ عَملٌ، فيَلزَمُه تَمامُه، إلا أنْ يَلتزِمَ له العامِلُ غُرمَ ما اشتَرى به الزادَ لِرَبِّ المالِ؛ فإنْ تَزوَّد العامِلُ مِنْ مالِه فلَه الفَسخُ، لا لِرَبِّ المالِ، إلا أنْ يَدفعَ له رَبُّ المالِ ما غَرِمه في الزادِ. وإلا بأنْ عَمِل فيه في الحَضرِ أو ظعَن في السَّفرِ فلِنُضوضِ المالِ ببَيعِ

стр. 5216

السِّلعِ، ولا كَلامَ لِواحِدٍ منهما في فَسخِه، فيَبقى المالُ تحتَ يَدِ العامِلِ لِنُضوضِه، والنُّضوضُ خُلوصُ المالِ ورُجوعُه عَينًا كما كان، وبه تَمَّ العَملُ، فليس لِلعامِلِ تَحريكُ المالِ بَعدَه في الحَضرِ إلا بإذنٍ، وجازَ في السَّفرِ إلى أنْ يَصِلَ لِبَلدِ القِراضِ إلا لِمَنعٍ مِنْ رَبِّ المالِ لِلعامِلِ عن التَّحريكِ في السَّفرِ بعدَ النُّضوضِ فليس له التَّحريكُ حينَئذٍ. وإنْ طلَب أحَدُهما نُضوضَه ببَيعِ سِلعةٍ لِيَظهرَ المالُ، وطَلَبَ الآخَرُ الصَّبرَ لِغَرضٍ كزِيادةِ رِبحٍ؛ نَظرَ الحاكِمُ فيما هو الأصلَحُ مِنْ تَعجيلٍ أو تأخيرٍ لِسُوقٍ يَرجوه ونَحوِه، أخَّره فيَحكُمُ به وإلا أمَرَ ببَيعِه. فإنِ اتَّفقا على نُضوضِه جازَ، كما لو اتَّفَقا على قِسمةِ العُروضِ بالقيمةِ؛ فإذا لَم يَكُنْ حاكِمٌ شَرعيٌّ فجَماعةُ المُسلِمينَ ويَكفي منهم اثنان أو واحِدٌ عارِفٌ يَرضَيانِه (١). وقد تَقدَّم هذا التَّفصيلُ في حُكمِ القِراضِ هل هو عَقدٌ لَازِمٌ أو جائِزٌ؟ لكنْ أُعيده هنا لِأهمِّيَّتِه. ٢ - إذا ماتَ رَبُّ المالِ أو العامِلُ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا مات رَبُّ المالِ أو المُضارِبُ بطَل عَقدُ المُضاربةِ، أما مَوتُ المُضارِبِ:

стр. 5217

فلأنَّ عَقدَ المُضاربةِ عُقِد له، دونَ غَيرِه، فأشبَهَ الوَكالةَ، ومَوتُ الوَكيلِ يُبطِلُ الوَكالةَ. وأمَّا مَوتُ رَبِّ المالِ: فلأنَّ المُضاربةَ تُصرَفُ بالإذنِ، والمَوتَ يُزيلُ الإذنَ، ولأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ، ومَوتَ المُوكِّلِ يُبطِلُ الوَكالةَ. وسَواءٌ عَلِم المُضارِبُ بمَوتِ رَبِّ المالِ أو لَم يَعلَمْ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكميٌّ، فلا يَقِفُ على العِلمِ، كما نَصَّ على ذلك الحَنفيَّةُ (١). وقال الشافِعيَّةُ: وإذا كان المَيِّتُ المالِكَ فلِلعامِلِ البَيعُ واستيفاءُ الدُّيونِ بغَيرِ إذنِ الوارِثِ، بخِلافِ ما إذا ماتَ العامِلُ؛ فإنَّه لا يَملِكُ وارِثُه البَيعَ والاستيفاءَ دونَ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بتَصرُّفِه؛ فإنْ أذِن المالِكُ لِوَرثتِه بالبَيعِ والتَّنضيضِ فذاك، وإلا تَولَّاه أمينٌ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ. ولو أرادَ الاستِمرارَ على العَقدِ؛ فإنْ كان المالُ ناضًّا فلَهما ذلك، بأنْ يَستأنِفا عَقدًا بشَرطِه، ولا بأسَ بوُقوعِه قبلَ القِسمةِ، وهل يَنعَقِدُ بلَفظِ التَّركِ والتَّقريرِ، بأنْ يَقولَ الوارِثُ، أو القائِمُ بأمرِه: «تَركتُك أو قَرَّرتُك على ما كُنْتَ عليه»؟ فيه وَجهانِ: أصَحُّهما: نَعَمْ؛ لِفَهمِ المَعنى. وإذا كان المالُ عَرضًا ففي جَوازِ تَقريرِه على القِراضِ وَجهانِ: أصَحُّهما المَنعُ؛ لأنَّ القِراضَ الأولَ انقَطَع بالمَوتِ، ولا يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على عَرضٍ.

стр. 5218

ولا يَجوزُ تَقريرُ وارِثِه على القِراضِ إذا كان المالُ عَرضًا؛ فإنْ كان ناضًّا فلَهما ذلك بعَقدٍ مُستأنَفٍ. فإنْ كان رأسُ مالِ المَيِّتِ مِئةً والرِّبحُ مِئتَيْن وجَدَّد الوارِثُ العَقدَ مع العامِلِ مُناصَفةً كما كان بلا قِسمةٍ فرأسُ مالِ الوارِثِ مِئتانِ مِنْ ثَلاثِمِئةٍ، والمِئةُ المُتبَقِّيةُ لِلعامِلِ، فعندَ المُقاسمةِ يأخُذُها وقِسطَها مِنَ الرِّبحِ، ويأخُذُ الوارِثُ رأسَ مالِه مِئتَيْن ويَقتَسِمان ما بَقيَ (١). وقال الحَنابِلةُ: إنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِ العامِلِ أو مع وَليِّه إنْ لَم يَكُنِ الوارِثُ جائِزَ التَّصرُّفِ وكانَ المالُ ناضًّا جازَ لِعَدمِ المانِعِ، ويَكونُ رأسُ المالِ الذي أعطاه المَوروثُ وحِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ رأسَ مالٍ، وحِصَّةُ العَملِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له مَشاعًا، وهذه الإشاعةُ لا تَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ؛ لأنَّ الشَّريكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمنَعُ التَّصرُّفَ. وإنْ كان المالُ عَرضًا وأرادَ الوارِثُ مع العامِلِ إتمامَه لَم يَجُزِ القِراضُ عليه؛ لأنَّ القِراضَ قد بطَل بالمَوتِ، ودفَع العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعُه ويُقسِّمُ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ لِاشتِراكِهما فيه. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه؛ لأنَّه قال في رِوايةِ علِيِّ بنِ سَعيدٍ: إذا ماتَ

стр. 5219

رَبُّ المالِ لَم يَجُزْ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَ وأنْ يَشتريَ إلا بإذنِ الوَرثةِ، فظاهِرُ هذا بَقاءُ العامِلِ على قِراضِه؛ لأنَّ هذا إتمامٌ لِلقِراضِ لا ابتداءٌ له، ولأنَّ القِراضَ إنَّما مُنِعَ في العُروضِ؛ لأنَّه يَحتاجُ عندَ المُفاصَلةِ إلى رَدِّ مِثلِها أو قِسمَتِها، ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الأوقاتِ، وهذا غَيرُ مَوجودٍ ههنا؛ لأنَّ رأسَ المالِ غَيرُ العُروضِ، وحُكمُه باقٍ، ألَا تَرى أنَّ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَه لِيُسلِّمَ رأسَ المالِ ويُقسِّمَ البَقيَّةَ. والوَجهُ الأولُ أقيَسُ؛ لأنَّ المالَ لو كان ناضًّا كان ابتِداءَ قِراضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له يَختَصُّ بها دونَ رَبِّ المالِ، وإنْ كان المالُ ناضًّا بخَسارةٍ أو تَلفٍ كان رأسُ المالِ المَوجودِ منه حالَ ابتِداءِ القِراضِ، فلو جَوَّزنا ابتِداءَ القِراضِ ههنا وبِناءَهما على القِراضِ لَصارتْ حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ غَيرَ مُختَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما مِنَ الرِّبحِ مُشتَركةً بينَهما، وحُسِبت عليه العُروضُ بأكثَرَ مِنْ قيمَتها فيما إذا كان المالُ ناقِصًا، وهذا لا يَجوزُ في القِراضِ بغَيرِ خِلافٍ، وكَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على أنَّه يَبيعُ ويَشتري بإذنِ الوَرثةِ كبَيعِه وشِرائِه بعدَ انفِساخِ القِراضِ. ولِلعامِلِ بَيعُ عُروضٍ، واقتِضاءُ دُيونٍ. وإنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ، وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِه أو وَلِيِّه؛ فإنْ كان ناضًّا جازَ كما قُلنا فيما إذا ماتَ رَبُّ المالِ، وإنْ كان عَرضًا لَم يَجُزِ ابتِداءُ القِراضِ إلا على الوَجهِ الذي يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على العُروضِ فيه، بأنْ تُقوَّمَ العُروضُ ويُجعَلَ رأسُ المالِ قيمَتَها يَومَ العَقدِ؛ لأنَّ الذي كان منه العَملُ قد ماتَ أو جُنَّ وذهَب

стр. 5220

عَملُه، ولَم يُخلِّفْ أصلًا يَبني عليه وارِثُه، بخِلافِ ما إذا مات رَبُّ المالِ؛ فإنَّ المالَ المُقارَضَ عليه مَوجودٌ ومَنافِعَه مَوجودةٌ فأمكَن استِدامةُ العَقدِ وبِناءُ الوارِثِ عليه. وعلى الأولِ يَدفَعُ العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعَه ويُقسِّمَ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ، ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ؛ لِاشتِراكِهما فيه (١). وقال المالِكيَّةُ: لا يَنفسِخُ عَقدُ القِراضِ بمَوتِ العامِلِ؛ وإنَّما لَم يَنفسِخِ ارتِكابًا لِأخَفِّ الضَّررَيْن، وهُما ضَررُ الوَرثةِ في الفَسخِ، وضَررُ رَبِّه في إبقائِه عِندَهم ولا شَكَّ أنَّ ضَرَرَ الوَرثةِ بالفَسخِ أشَدُّ لِضَياعِ حَقِّهم في عَملِ مُورِّثِهم. فإنْ ماتَ العامِلُ قَبلَ نُضوضِ المالِ وله وارِثٌ أمينٌ، ولو كان دونَ أمانةِ مُورِّثِهم أنْ يُكمِلَه على حُكمِ ما كان مُورِّثُه؛ فإنْ لَم يَكُنْ أمينًا فعَليه أنْ يأتيَ بأمينٍ، كالمَيِّتِ في الأمانةِ والثِّقةِ؛ فإنْ لَم يَجِدْ أمينًا سلَّم الوَرثةُ المالَ لِرَبِّه هَدرًا، أي: بغَيرِ شَيءٍ مِنْ رِبحٍ أو أُجرةٍ؛ لأنَّ عَملَ القِراضِ كالجُعلِ لا يَستحِقُّ العامِلُ فيه شَيئًا إلا بتَمامِ العَملِ. وهذا إذا مات العامِلُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ؛ فإنْ ماتَ قَبلَ أنْ يَعملَ فيه فالمالُ لِصاحِبِه.
следующие страницы →