← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ذلك، والأئِمَّةُ جَعَلوا الدَّافِعَ مُتبرِّعًا، حتى يُوجَدَ إذْنٌ بلِسانِ المَقالِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ دفعَ إنسانٌ ثَوبَه إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ ونَحوِهِما؛ كَصَبَّاغٍ؛ لِيَعمَلَه -أي: لِيُقصِّرَه، أو يَخِيطَه، أو يَصبُغَه، ونَحوِ ذلك- ولَو لَم تكُنْ لِلقَصَّارِ ونَحوِه عادةٌ بأخْذِ أُجرةٍ، ولَم يَعقِدْ عَقدَ إجارةٍ، صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ حَيثُ كانا مُنتَصبيْنِ لِذلك؛ وإلَّا لَم يَستَحقَّا أجْرًا إلَّا بشَرطٍ، أو عَقدٍ، أو تَعريضٍ بأجْرٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ عُرْفٌ يَقومُ مَقامَ العَقدِ، فهو كَما لَو عَمِلَ بغَيرِ إذْنِ مالِكِه. أو استَعمَلَ إنسانٌ حَمَّالًا ونَحوَه، أو استَعمَلَ شاهِدًا -إنْ جازَ له أخْذُ أُجرةٍ، بأنْ عَجَزَ عن المَشيِ، أو تَأذَّى به؛ فلَه أخْذُ أُجرةِ مَركوبٍ- صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّ العُرفَ الجاريَ بذلك يَقومُ مَقامَ القَولِ، كَتَعريضِ الدَّافِعِ بالأُجرةِ، أي: نَحوَ: خُذْه وأنا أعلَمُ أنَّكَ مُتعَيِّشٌ، أو خُذْه وأنا أُرضيكَ، ونَحوِه، ممَّا يَدلُّ على إعطاءِ الأُجرةِ. وَكَذا دُخولُ حَمَّامٍ، ورُكوبُ سَفينةِ مَلَّاحٍ، وحَلْقُ رَأْسِه، وتَغسيلُه، وغَسْلُ ثَوْبِه، وشُرْبُه منه ماءً أو قَهوةً ونَحوَهما، مِنْ المُباحاتِ؛ فلَه أُجرةُ مِثلِه، ولَو لَم يكُنْ له عادةٌ بأخْذِ الأُجرةِ. وَكَذا لَو دفعَ ثَوبًا إلى رَجُلٍ لِيَبيعَه؛ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في القَصَّارِ، والخيَّاطِ، إنْ كانَ مُنتَصبًا يَبيعُ لِلنَّاسِ بأجْرٍ؛ فلَه أجْرُ مِثلِه، نَصَّ عليه أحمَدُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا شَيءَ.

стр. 5462

ومتى دفعَ ثَوبَه إلى أحَدِ هَؤُلاءِ ولَم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فلَه أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَختَلِفُ أُجرَتُها، ولَم يُعَيَّنْ؛ فجَرَى مَجرَى الإجارةِ الفاسِدةِ؛ فإنْ تَلِفَ الثَّوبُ مِنْ حِرزِه، أو بغَيرِ فِعلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضمَنُ في العَقدِ الصَّحيحِ لا يُضمَنُ في فاسِدِه، وإنْ تَلِفَ مِنْ فِعلِه، بتَخريقِه، أو دَقِّه، ضَمِنَه؛ لأنَّه إذا ضَمِنَه بذلك في العَقدِ الصَّحيحِ ففي الفاسِدِ أوْلَى. وقالَ أحمَدُ ﵀ فيمَن دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه ولَم يَقطَعْ له أجْرًا، بَلْ قالَ: أنا أُعطيكَ كَما تُعطَى، وهَلَكَ الثَّوبُ؛ فإنْ كانَ بخَرقٍ أو نَحوِه ممَّا لا تَجنيه يَده فلا ضَمانَ عليه، بيَّنَ الكِراءَ أو لَم يُبيِّنْ؛ والعِلَّةُ في ذلك ما ذَكَرْناه. وَإذا استَأجَرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ له كِتابًا إلى مَكَّةَ أو غَيرِها إلى صاحِبٍ له فحَمَلَه فوَجَدَ صاحِبَه غائِبًا فرَدَّه، استَحقَّ الأجْرَ بحَمْلِه في الذَّهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَريحًا، وفي الرَّدِّ تَضمينًا؛ لأنَّ تَقديرَ كَلامِه: وإنْ لَم تَجِدْ صاحِبَه، فرُدَّه؛ إذ لَيسَ سِوَى رَدِّه إلَّا تَضييعُه؛ فقَد عُلِمَ أنَّه لا يَرضَى تَضييعَه؛ فتَعيَّنَ رَدُّه. وقالَ المَرداويُّ ﵀: قالَ في «الإنصاف»: قولُهُ: وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ: فلا شَيءَ لَه، ولَو كانَ العَملُ تَخليصَ مَتاعِ غَيرِه مِنْ فَلاةٍ، ولَو كانَ هَلاكًا فيهم مُحقَّقًا، أو قَريبًا مِنه، كالبَحرِ، وفَمِ السَّبُعِ، وهو قولُ القاضي في المُجرَّدِ، ولَه احتِمالٌ بذلك في غيرِ المُجرَّدِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ جَماعةٍ مِنْ الأصحابِ.

стр. 5463

والصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ المَنصوصِ عن الإمامِ أحمدَ ﵀: أنَّه يَستَحقُّ أُجرةَ مِثلِه في ذلك؛ بخِلافِ اللُّقَطةِ، وعليه الأصحابُ. وَكذلك لَوِ انكَسَرَتِ السَّفينةُ؛ فخَلَّصَ قَومٌ الأموالَ مِنْ البَحرِ، فإنَّه يَجِبُ لَهمُ الأُجرةُ على المُلَّاكِ. ذكرَه في المُغني، والشَّرحِ، وشَرحِ ابنِ رَزينٍ، وغَيرِ ذلك. وَألحَقُ القاضي وابنُ عَقيلٍ والمُصَنِّفُ وجَماعةٌ بذلك: العبدَ إذا خَلَّصَه مِنْ فَلاةٍ مُهلِكةٍ. وقدَّمَه في الفُروعِ، وغَيرِه. ذكرَه في باب إحياءِ المَواتِ. وتَقدَّمَتِ الإشارةُ إلى ذلك هُناكَ. وحَكَى القاضي احتِمالًا في العَبدِ: بعدَ الوُجوبِ، كاللُّقَطةِ. وأورَدَ في المُجرَّدِ على نَصِّ الإمامِ أحمدَ فيمَن خَلَّصَ مِنْ سَبُعٍ شاةً، أو خَروفًا، أو غَيرَهما، أنَّه لِمالِكِه الأولِ. ولا شَيءَ لِلمُخَلِّصِ، وقالَ المَجدُ في مُسوَّدتِه: وعِندي أنَّ كَلامَ الإمامِ أحمدَ على ظاهِرِه في وُجوبِ الأُجرةِ على تَخليصِ المَتاعِ مِنْ المَهالِكِ، دونَ الآدَميِّ؛ لأنَّ الآدَميَّ أهلٌ في الجُملةِ لِحِفظِ نَفْسِه. قالَ في القاعِدةِ الرَّابِعةِ والثَّمانينَ: وفيه نَظَرٌ؛ فقَد يَكونُ صَغيرًا أو عاجِزًا، ويَكونُ تَخليصُه أهَمَّ وأوْلَى مِنْ المَتاعِ، وليسَ في كَلامِ الإمامِ أحمدَ تَفرِقةٌ. انتَهَى (١). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀ في «المُبدع»: ومَن عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ

стр. 5464

فلا شَيءَ له بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُهُ؛ لأنَّه بذلَ مَنفعَتَه مِنْ غيرِ عِوَضٍ؛ فلَم يَستَحقَّه، ولِئَلَّا يَلزَم الإنسانَ ما لَم يَلزَمْه، ولَم تَطِبْ نَفْسُه به، وهذا إذا لَم يكُنْ مَعَدًّا لِأخْذِ الأُجرةِ، فإنْ كانَ مَعَدًّا لَها وأذِنَ لَه، فلَه الأُجرةُ، لَكِنْ نَصَّ أحمَدُ على أنَّ مَنْ خَلَّصَ مَتاعًا لِغَيرِه يَستَحقُّ أجْرَ مِثلِه، بخِلافِ اللُّقَطةِ إلَّا في رَدِّ الآبِقِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ الجُعلَ بلا شَرطٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: مَذهَبُ مالِكٍ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ المَشهورُ عنه، وغَيرِهما: أنَّ كلَّ مَنْ أدَّى عن غَيرِه واجِبًا فلَه أنْ يَرجِعَ به عليه، إذا لَم يكُنْ مُتبرِّعًا بذلك، وإنْ أدَّاه بغَيرِ إذْنِه، مثلَ مَنْ قَضَى دَينَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، سَواءٌ كانَ قد ضَمِنَه بغَيرِ إذْنِه، وأدَّاه بغَيرِ إذْنِه، أو أدَّاه عنه بلا ضَمانٍ. وَكذلك مَنِ افتكَ أسيرًا مِنْ الأسْرِ بغَيرِ إذْنِه، يَرجِعُ عليه بما افتكَه به، وكذلك مَنْ أدَّى عن غَيرِه نَفَقةً واجِبةً عليه، مثلَ أنْ يُنفِقَ على ابنِه أو زَوجَتِه أو بَهائِمِه، لا سيَّما إذا كانَ لِلمُنفِقِ فيها حَقٌّ، مثلَ أنْ يَكونَ مُرتَهَنًا أو مُستَأجَرًا، أو كانَ مُؤتَمَنًا عليها، مثلَ المُودِعِ، ومِثلَ رَدِّ العَبدِ الآبِقِ، ومِثلَ إنفاقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ على البَهائِمِ المُشترَكةِ. وقَد دَلَّ على هذا الأصلِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فَأمَرَ بإيتاءِ الأجْرِ بمُجرَّدِ إرضاعِهِنَّ، ولَم يُشترَطْ عَقدُ استِئجارٍ، ولا إذْنُ الأبِ لَها في أنْ تُرضِعَ بالأجْرِ، بَلْ لَمَّا كانَ إرضاعُ الطِّفلِ واجِبًا على أبيه، فإنْ أرضَعَتْه المَرأةُ استَحقَّتِ الأجْرَ بمُجرَّدِ إرضاعِها، ثم قالَ: فهَكَذا

стр. 5465

جَميعُ الواجِباتِ عليه أنْ يُؤدِّيَها إلى مَنْ أدَّى عنه وأحسَنَ إليه بالأداءِ عَنهُ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: ولَو عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بإذْنِه، كَأنْ دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه، أو إلى خيَّاطٍ لِيَخِيطَه، أو إلى غسَّالٍ لِيَغسِلَه، أو جَلَسَ بينَ يَدَيْ حَلَّاقٍ لِيَحلِقَ رَأْسَه، أو دَلَّاكٍ لِيَدْلُكَه، ففعلَ ذلك ولَم يَذْكُرْ أحَدُهما أُجرةً، ولا ما يُفهِمُها بحَضرةِ الآخَرِ، فيَسمَعَه ويُجيبَ أو يَسكُتَ، ففيه أربَعةُ أوْجُهٍ: أصَحُّها -وهو المَنصوصُ عليه-: لا أُجرةَ لَه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ؛ لأنَّه لَم يَلتَزِمْ له عِوَضًا؛ فصارَ كَقَولِهِ: أطعِمْني، فأطعَمه، ولأنَّه لَو قالَ: أسْكِنِّي دارَكَ شَهرًا، فأسكَنَه، لَم يَستَحقَّ عليه أُجرةً بالإجماعِ. والثَّاني: له أُجرةُ مِثلِه، وهو قولُ المُزَنيِّ لِاستِهلاكِه مَنفعَتَه. والثَّالث: إنْ بَدَأ المَعمولُ له فقالَ: افعَلْ كَذا، لَزِمَه الأجرَةُ، وإنْ بَدَأ العامِلُ فقالَ: أعطِني ثَوبَكَ لِأُقَصِّرَه؛ فلا أُجرةَ. والرَّابِعُ: إنْ كانَ العامِلُ مَعروفًا بذلك العَملِ، وأخَذَ الأُجرةَ عليه، فلَه الأُجرةُ المُعتادةُ لِمِثلِ ذلك العَملِ، وقالَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ: تَجِبُ له الأُجرةُ التي جَرَتْ بها العادةُ، وإنْ زادَتْ على أُجرةِ المِثلِ. وإنْ لَم يكُنْ مَعروفًا بذلك العَملِ فلا أُجرةَ لَه. وقد يُستَحسَنُ تَرجيحُ هذا الوَجهِ لِوُضوحِ مُدرَكِه، ولِدِلالةِ العُرفِ على ذلك، وقيامِه مَقامَ اللَّفظِ، كَما في نَظائِرِه، فيَكونُ فيه أُجرةُ المِثلِ، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وعَلَى هذا عَملُ النَّاسِ، وقالَ الغَزاليُّ: إنَّه الأظهَرُ، وقالَ الشَّيخُ

стр. 5466

عِزُّ الدِّينِ: إنَّه الأصَحُّ، وحَكاه الرُّويانيُّ في «الحِليةُ» عن الأكثَرِينَ، وقالَ: إنَّه الِاختيارُ، وقالَ في البَحر: وبِه أُفتي، وأفتَى به خَلائِقُ مِنْ المُتأخِّرينَ. وَإذا قُلْنا: لا أُجرةَ له على الأصَحِّ، فمَحَلُّه -كَما قالَ الأذرَعيُّ-: إذا كانَ حُرًّا مُطلَقَ التَصرُّفِ، أمَّا لَو كانَ عَبدًا أو مَحجورًا عليه بسَفَهٍ ونَحوِهِ، فلا؛ إذْ لَيسوا مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ بمَنافِعِهمُ المُقابَلةِ بالأعواضِ. واحتَرزَ بقَولِه: ولَم يَذكُرْ أُجرةً عَما إذا قالَ: مَجَّانًا؛ فلا يَستَحقُّ شَيئًا قَطعًا، وما لَو ذكرَ أُجرةً، يَستَحقُّها جَزْمًا، وإنْ كانَتْ صَحيحةً فالمُسمَّى، وإلَّا فأُجرةُ المِثلِ. وَلَو عَرضَ بذِكرِ أُجرةٍ ك: اعمَلْ وأنا أُرضيكَ، أو: اعمَلْ وما تَرى مِنِّي إلَّا ما يَسُرُّكَ، أو نَحوِ ذلك؛ كَقَولِكَ: حتى أُحاسِبَكَ، استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، كَما في البَيانِ وغَيرِه. وَيُستَثنَى مِنْ الخِلافِ المَذكورِ مَسائِلُ: الأُولى: عامِلُ المُساقاةِ إذا عَمِلَ ما لَيسَ مِنْ أعمالِها بإذْنِ المالِكِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ الأُجرةَ. ثانيتُها: عامِلُ الزَّكاةِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ العِوَضَ، ولَو لَم يُسَمَّ، قالَ الزَّركَشيُّ: ولا تُستَثنَى؛ لأنَّ الأُجرةَ ثابِتةٌ له بنَصِّ القُرآنِ؛ فهي مُسمَّاةٌ شَرعًا، وإنْ لَم يُسَمِّها الإمامُ. ثالِثَتُها: عامِلُ القِسمةِ بأمرِ الحاكِمِ فلِلقاسِمِ الأُجرةُ مِنْ غيرِ تَسميةِ كَذا، استَثناها بَعضُهم، ونازَعَ في التَّوشيحِ في استِثنائِها، وقالَ: إنَّه كَغَيرِه، وهو الظَّاهِرُ.

стр. 5467

وأمَّا في داخِلِ الحَمَّامِ بلا إذْنٍ مِنْ الحَمَّاميِّ، فإنَّه يَلزَمُه الأُجرةُ، وإنْ لَم يَجْرِ لَها ذِكْرٌ. والفَرقُ بَينَه وبَينَ القَصَّارِ ونَحوِه أنَّ هَؤُلاءِ صَرَفوا مَنافِعَهم لِغَيرِهم، وأنَّ الدَّاخِلَ لِلحَمَّامِ استَوفَى مَنفَعةَ الحَمَّامِ بسُكونِهِ، فإنْ أذِنَ له في الدُّخولِ فالحَمَّامُ فيهِ كالأجيرِ، كَما قالوا به فيمَن دخلَ سَفينةً بإذْنِ صاحِبِها، حتى أتَى السَّاحِلَ، ولَم يَجْرِ ذِكْرُ الأُجرةِ؛ فإنَّه كالأجيرِ فيما ذُكِرَ على الأوْجُهِ السَّابِقةِ، أصَحُّها: لا أُجرةَ لَه، فإنْ دخلَها بغَيرِ إذْنٍ استَحقَّ عليه الأُجرةَ. قالَ في المَطلَب: ولَعَلَّه فيما إذا لَم يَعلَمْ به مالِكُها حتى سَيَّرَها، وإلَّا فيُشبِهُ أنْ يَكونَ كَما لَو وَضَعَ مَتاعَه على دَابَّةِ غَيرِه، فسَيَّرَها مالِكُها؛ فإنَّه لا أُجرةَ على مالِكِه، ولا ضَمانَ (١). وقالَ العِمرانيُّ ﵀ في «البَيان»: إذا دفعَ إلى رَجُلٍ ثَوبًا لِيَخيطَه لَه، أو مَتاعًا لِيَحمِلَه له إلى مَكانٍ، فإنْ سَمَّى له أُجرةً صَحيحةً … استَحقَّ المُسمَّى، ولا كَلامَ، وإنْ سَمَّى له أُجرةً فاسِدةً، أو عَرضَ له بالأُجرةِ، بأنْ قالَ: اعمَلْ وأنا أُحاسِبُكَ على أُجرَتِكَ، أو لا تَرى مِنِّي إلَّا ما يَسُرُّكَ، استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّه قد عَرضَ له بالأُجرةِ، وهي مَجهولةٌ، فاستَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، كَما لَو سَمَّى له عِوَضًا فاسِدًا.

стр. 5468

وإنْ دفعَها إليه فعَمِلَها الأجيرُ، فهَلْ يَستَحقُّ أُجرةَ المِثْلِ؟ فيه أربَعةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّه يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّه قد أتلَفَ عليه مَنافِعَها، فاستَحقَّ عليه بَدَلَها، فهو كَما لَو أكرَهَه على العَملِ. والثَّاني -وهو قولُ أبي إسحاقَ-: إنِ استَدعَى الصَّانِعَ لِأنْ يَعمَلَ، بأنْ قالَ: أعطِني ثَوبَكَ لِأخيطَه، لَم يَستَحقَّ أُجرةً؛ لأنَّه اختارَ إتلافَ مَنفَعةِ نَفْسِه بغَيرِ عِوَضٍ. وإنِ استَدعاه ربُّ الثَّوبِ إلى العَملِ، بأنْ قالَ: خِطْ لي هذا الثَّوبَ، لَزِمَه أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه أدَّى ما عليه مَنفعَتُه؛ فاستَحقَّ عليه بَدَلَها. والثَّالث: إنْ كانَ الصَّانِعُ مَعروفًا بأخْذِ الأُجرةِ على العَملِ، استَحقَّ الأُجرةَ؛ لأنَّ العُرفَ في حَقِّه كالشَّرطِ، وإنْ كانَ غيرَ مَعروفٍ بذلك، فلا أُجرةَ لَه. والرَّابِعُ -وهو المَنصوصُ عليه-: (أنَّه لا يَستَحقُّ أُجرةً؛ لأنَّ المَنافِعَ لَيسَتْ بأوْلَى مِنْ الأعيانِ، وقَد ثبَتَ أنَّه لَو قدَّمَ إلى رَجُلٍ طَعامًا، وقالَ: كُلْهُ، لَم يَستَحقَّ عليه عِوَضَه، فكذلك هذا مِثلُه، واللَّهُ أعلمُ) (١). الخِيارُ في عَقدِ الإجارةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ الإجارةِ هَلْ يَصحُّ اشتِراطُ الخيارِ فيه أو لا؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ -عَلَى البَيانِ

стр. 5469

الآتي لِلحَنابِلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ شَرطُ الخيارِ في عَقدِ الإجارةِ، سَواءٌ كانَتْ مُعيَّنةً أو في الذِّمةِ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ مَحضةٍ، يَصحُّ فَسخُه بالإقالةِ، كالبَيعِ، فجازَ الخيارُ فيهِ؛ كالبَيعِ (١). قالَ الحَنابِلةُ: يثبُتُ خيارُ المَجلِسِ، وإنْ لَم يَشتَرِطْه العاقِدُ في الإجارةِ على عَيْنٍ، كَدارٍ وحَيَوانٍ، ولَو كانَتْ مدَّتُها تَلي العَقدَ بأنْ أجَّرَه الدَّارَ مثلًا شَهرًا مِنْ الآنَ، أو كانَتِ الإجارةُ على نَفعٍ في الذِّمةِ بأنِ استَأجَرَه لِخياطةِ ثَوبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ ونَحوِه؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ البَيعِ. وَيثبُتُ خيارُ الشَّرطِ في الإجارةِ في الذِّمةِ، كَخياطةِ ثَوبٍ، أو في إجارةٍ على مدَّةٍ لا تَلي العَقدَ، كَسَنةِ ثَلاثٍ في سَنةِ اثنَيْنِ، إذا شرطَ مدَّةً تَنقَضي قبلَ دُخولِ سَنةِ ثَلاثٍ، فإنْ وَلِيَت المدَّةُ العَقدَ، كَشَهرٍ مِنْ الآنَ، لَم يَصحَّ شَرطُ الخيارِ، لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى فَواتِ بَعضِ المَنافِعِ المَعقودِ عليها، أو استيفائِها في مدَّةِ الخيارِ، وكِلاهُما غيرُ جائِزٍ (٢). وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ إمَّا أنْ تَكونَ مَعقودةً على مدَّةٍ، وإمَّا أنْ تَكونَ

стр. 5470

مَعقودةً على عَملٍ؛ فالإجارةُ المَعقودةُ على زَمانٍ -أي: مدَّةٍ- وَهي إجارةُ العَينِ: لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وفي ثُبوتِ خِيارِ المَجلِسِ فيها وَجهانِ: أصَحُّهُما: لا يثبُتُ فيها، كَما لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّها غَرَرٌ؛ إذْ هو عَقدٌ على مَعدومٍ، والخِيارُ غَرَرٌ، فلا يُضَمُّ غَرَرٌ على غَرَرٍ. والآخَرُ: يثبُتُ فيها؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ، ولأنَّ قَدْرَه يَسيرٌ. وأمَّا الإجارةُ في الذِّمةِ: فتَكونُ مثلَ أنْ يَستَأجِرَه لِيَحصُلَ له بناءُ حائِطٍ، أو لِيَحصُلَ له خِياطةُ ثَوبٍ: ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يثبُتُ فيها الخيارانِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على ما لَم يُخلَقْ، وذلك غَرَرٌ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إليه غَرَرُ الخِيارِ. والثَّاني: يَثبُتانِ؛ لأنَّ بمُضيِّ المدَّةِ لا يَنفَصِلُ مِنْ المَعقودِ عليه شَيءٌ. والثَّالث: يثبُتُ فيها خيارُ المَجلِسِ، ولا يثبُتُ فيها خيارُ الشَّرطِ، كالسَّلمِ (١). المَعقودُ عليه في عَقدِ الإجارةِ هل هو المَنفَعةُ أو العَينُ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المَعقودِ عليه في عَقدِ الإجارةِ هَلْ هو العَينُ المُستَأجَرةُ أو المَنفَعةُ؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ

стр. 5471

الإجارةَ وارِدةٌ على المَنفَعةِ، لا العَينِ المُستَأجَرةِ، سَواءٌ وَردَتْ على العَينِ أو على الذِّمةِ؛ إذ لَو كانَ مَورِدُها العَينَ لامتَنَعَ رَهنُ العَينِ المُستَأجَرةِ والمَرهونةِ، وهذه الطَّريقة هي المَرْضيَّةُ عندَ الفُقهاءِ، فإنَّ مَعقودَ كلِّ عَقدٍ هو المَقصودُ مِنه، والمَنافِعُ هي المَقصودةُ، والإجارةُ عَقدُ تَمليكٍ، والمَنافِعُ هي التي تُمَلَّكُ، وتُستحَقُّ فيها، دونَ العَينِ، والأُجرةُ في الإجارةِ تَتوزَّعُ على المَنافِعِ، إذا تَبَعَّضَتْ في مَنازِلِ الفَسخِ والِانفِساخِ، فهي المَقصودةُ المَعقودُ عليها، ولَكنَّ الشَّرعَ احتَمَلَ إيرادَ العَقدِ عليها، وهي تَثبُتُ شَيئًا فشَيئًا؛ لِمَسيسِ الحاجةِ. وَلأنَّ المَنفَعةَ هي التي تُستَوفَى، ولأنَّ الأجْرَ في مُقابَلَتِها، ولِهَذا تُضمَنُ، دونَ العَينِ، وإنَّما أُضيفَ العَقدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنفَعةِ ومَنشَؤُها، كَما يُضافُ عَقدُ المُساقاةِ إلى البُستانِ، والمَعقودُ عليه الثَّمرةُ، والِانتِفاعُ تابِعٌ ضَرورةً، لأنَّ المَنفَعةَ لا تُوجَدُ إلَّا عَقِبَه. وليسَتِ المَنافِعُ رَقَبةَ العَينِ المُستَأجَرةِ، ولا ما يُعقَلُ مِنْ صِفاتِها، كَتَركُّبِ الجُدرانِ، وتَنَضُّدِ السَّقفِ على الهَيْئاتِ المَطلوبةِ، وغَيرِهما مِنْ الصِّفاتِ. فالمَنافِعُ إذَنْ نَعني بها تَهيُّؤَ العَينِ المُستَأجَرةِ لِانتِفاعِ المُستَأجِرِ بها في الوَجْهِ المَطلوبِ، ولا مَزيدَ في الأحكامِ الشَّرعيةِ على هذه المَواقِفِ (١).

стр. 5472

قالَ الحَنفيَّةُ: وإذا عُرِفَ أنَّ الإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، يَخرُجُ عليه بَعضُ المَسائِلِ: ١ - لا تَجوزُ إجارةُ الشَّجرِ والكَرْمِ لِلثَّمرِ؛ لأنَّ الثَمرَ عَينٌ، والإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، لا بَيعُ العَينِ. ٢ - لا تَجوزُ إجارةُ الشَّاةِ لِلَبنِها أو سَمنِها أو صُوفِها أو وَلَدِها؛ لأنَّ هذه أعيانٌ؛ فلا تُستحَقُّ بعَقدِ الإجارةِ، وكَذا إجارةُ الشَّاةِ لِتُرضِعَ جَدْيًا أو صَبِيًّا؛ لِمَا قُلْناه. ٣ - لا تَجوزُ إجارةُ ماءٍ في نَهَرٍ أو بِئرٍ أو قَناةٍ أو عَينٍ؛ لأنَّ الماءَ عَينٌ؛ فإنِ استَأجَرَ القَناةَ والعَينَ والبِئرَ مع الماءِ، لَم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّ المَقصودَ منه الماءُ، وهو عَينٌ. ٤ - لا يَجوزُ استِئجارُ الآجامِ التي فيها الماءُ لِلسَّمَكِ وغَيرِه مِنْ القَصَبِ والصَّيدِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَينٌ، فإنِ استَأجَرَها مع الماءِ فهو أفْسَدُ وأخبَثُ؛ لأنَّ استِئجارَها بدُونِ الماءِ فاسِدٌ، فكانَ مع الماءِ أفسَدَ. ٥ - لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي؛ لأنَّ الكَلَأَ عَينٌ؛ فلا تَحتَمِلُ الإجارةَ. ٦ - لا تَجوزُ إجارةُ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ولا تِبْرِهِما، وكَذا تِبْرُ النُّحاسِ والرَّصاصِ، ولا يَجوزُ استِئجارُ المَكيلاتِ والمَوزوناتِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ

стр. 5473

الِانتِفاعُ بها إلَّا بعدَ استِهلاكِ أعيانِها، والدَّاخِلُ تَحتَ الإجارةِ المَنفَعةُ، لا العَينُ، حتى لَوِ استَأجَرَ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ لِيُعَبِّرَ بها مِيزانًا أو حِنطةً لِيُعَبِّرَ بها مِكيالًا أو زَيتًا لِيُعَبِّرَ به أرطالًا أو أمنانًا أو وَقتًا مَعلومًا. فَقولانِ لِلحَنَفيةِ: ذكرَ في الأصلِ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك نَوعُ انتِفاعٍ بها، مع بَقاءِ عَينِها؛ فأشبَهَ استِئجارَ سَنجاتِ الميزانِ. وَذكرَ الكَرخيُّ ﵀: أنَّه لا يَجوزُ؛ لِفَقدِ شَرطٍ آخَرَ، وهو كَونُ المَنفَعةِ مَقصودةً، والِانتِفاعُ بهذه الأشياءِ مِنْ هذه الجِهةِ غيرُ مَقصودٍ عادةً. ٧ - لا يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ؛ لأنَّ المَقصودَ منه النَّسلُ، وذلك بإنزالِ الماءِ، وهو عَينٌ، وقَد رُوِيَ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه نَهَى عن عَسْبِ الفَحلِ، أي: كِرائِه؛ لأنَّ العَسْبَ في اللُّغةِ -وإنْ كانَ اسمًا لِلضِّرابِ- لا يُمكِنُ حَمْلُه عليه؛ لأنَّ ذلك لَيسَ بمَنهِيٍّ عنه؛ لِمَا في النَّهيِ عنه مِنْ قَطعِ النَّسلِ؛ فكَانَ المُرادُ منه كِراءَ عَسْبِ الفَحلِ، إلَّا أنَّه حَذَفَ الكِراءَ، وأقامَ العَسْبَ مَقامَه، كَما في قَولِهِ : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ونَحوِ ذلك. ٨ - لَوِ استَأجَرَ كَلبًا مُعَلَّمًا لِيَصيدَ، أو بازيًا، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه استِئجارٌ على العَينِ، وهو الصَّيدُ، وجِنسُ هذه المَسائِلِ تُخَرجُ على الأصلِ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: ألَيسَ استِئجارُ الظِّئرِ جائِزًا، وأنَّه استِئجارٌ على العَينِ، وهي اللَّبنُ، بدَليلِ أنَّها لَو أرضَعَتْه بلَبنِ شاةٍ لَم تَستَحِقَّ الأُجرةَ؟ فالجَوابُ: إنَّه رُوِيَ عن مُحمَّدٍ أنَّ العَقدَ يَقَعُ على خِدمةِ الصَّبيِّ، واللَّبنُ

стр. 5474

يَدخُلُ على طَريقِ التَّبَعِ، فكانَ ذلك استِئجارًا على المَنفَعةِ أيضًا، واستِيفاؤُها بالقيامِ بخِدمةِ الصَّبيِّ مِنْ غَسلِه وغَسلِ ثيابِه، وإلباسِها إيَّاه، وطَبخِ طَعامِه، ونَحوِ ذلك، واللَّبنُ يَدخُلُ فيه تَبَعًا؛ كالصَّبغِ في استِئجارِ الصَّباغِ، وإذا أرضَعَتْه بلَبنِ الشَّاةِ فلَم تَأتِ بما دخلَ تَحتَ العَقدِ فلا تَستَحِقُّ الأُجرةَ، كالصَّباغِ إذا صَبَغَ الثَّوبَ لَونًا آخَرَ غيرَ ما وقعَ عليه العَقدُ، أنَّه لا يَستَحقُّ الأجْرَ، وذا لا يَدلُّ على أنَّ المَعقودَ عليه لَيسَ هو المَنفَعةَ، كَذا هَهُنا. وَمِنْ مَشايِخِنا مَنْ قالَ: إنَّ المَعقودَ عليه هُناكَ العَينُ، وهي اللَّبنُ المَقصودُ، والخِدمةُ تَبَعٌ؛ لأنَّ المَقصودَ تَربيةُ الصَّبيِّ، ولا يَترَبَّى إلَّا باللَّبنِ، فأجرَى اللَّبنَ مَجرَى المَنافِعِ، ولِهَذا لا يَجوزُ بَيعُه، وعَلَى هذا يَخرُجُ استِئجارُ الأقطَعِ والأشَلِّ لِلخياطةِ بنَفْسِه، والقِصارةِ والكِتابةِ وكلِّ عَملٍ لا يَقومُ إلَّا باليَدَيْنِ، واستِئجارُ الأخرَسِ لِتَعليمِ الشِّعرِ والأدَبِ، والأعمَى لِنَقطِ المَصاحِفِ، أنَّه غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّ الإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، والمَنفَعةُ لا تَحدُثُ عادةً إلَّا عندَ سَلامةِ الآلاتِ والأسبابِ، وكَذا استِئجارُ الأرضِ السَّبخةِ والنَّزَّةِ لِلزِّراعةِ، وهي لا تَصلُحُ لَها؛ لأنَّ مَنفَعةَ الزِّراعةِ لا يُتصوَّرُ حُدوثُها مِنها عادةً؛ فلا تَقعُ الإجارةُ ببَيعِ المَنفَعةِ، فلَم تَجُزْ، وعَلَى هذا يَخرُجُ استِئجارُ المُصحَفِ، أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ مَنفَعةَ المُصحَفِ النَّظَرُ فيه والقِراءةُ مِنه، والنَّظَرُ في مُصحَفِ الآخرينَ والقِراءةُ منه مُباحانِ، والإجارةُ بَيعُ المَنفَعةِ، والمُباحُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلبَيعِ؛ كالأعيانِ المُباحةِ مِنْ الحَطَبِ والحَشيشِ. وَكَذا استِئجارُ كُتُبٍ لِيَقرَأَ فيها شِعرًا أو فِقهًا؛ لأنَّ مَنافِعَ الدَّفاتِرِ النَّظَرُ

стр. 5475

فيها، والنَّظَرُ في دَفتَرِ الآخرينَ مُباحٌ مِنْ غيرِ أجْرٍ، فصارَ كَما لَوِ استَأجَرَ ظِلَّ حائِطٍ في خارِجِ دارِه لِيَقعُدَ فيه. وَلَوِ استَأجَرَ شَيئًا مِنْ الكُتُبِ لِيَقرَأَ، فقَرَأ، فلا أجْرَ عليه؛ لِانعِدامِ عَقدِ المُعاوَضةِ، وعَلَى هذا أيضًا تَخرُجُ إجارةُ الآجامِ لِلسَّمَكِ والقَصَبِ، وإجارةُ المَراعي لِلكَلَأِ وسائِرِ الأعيانِ المُباحةِ غيرُ جائِزةٍ لِمَا بيَّنَّا (١). وَذَهَبَ بَعضُ الشافِعيَّةِ وبَعضُ الحَنفيَّةِ والمَروَزيُّ وشَيخَا الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ المَعقودَ عليه في الإجارةِ العَينُ المُستَأجَرةُ؛ لِيَستَوفيَ مِنها المَنفَعةَ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَعدومةٌ، ولأنَّ العَقدَ يُضافُ إلَيه؛ فيَقولُ: أجَّرْتُكَ داري، كَما يَقولُ: بِعتُكَها. قالَ شَيخَا الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ: إنَّ الأصلَ الذي سارَ عليه الفُقهاءُ، وَهو أنَّ المُستَحقَّ بعَقدِ الإجارةِ إنَّما هو المَنافِعُ، لا الأعيانُ، أصْلٌ فاسِدٌ، لَم يَدلَّ عليه كِتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صَحيحٌ؛ بَلِ الذي دَلَّتْ عليه الأُصولُ أنَّ الأعيانَ التي تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، مع بَقاءِ أصلِها، حُكمُها حُكم المَنافِعِ؛ كالثَّمرِ في الشَّجرِ، واللَّبنِ في الحَيَوانِ، والماءِ في البِئرِ، ولِهَذا سُوِّيَ بينَ النَّوعَيْنِ في الوَقفِ، فإنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ، وتَسبيلُ الفائِدةِ، فكَما يَجوزُ أنْ تَكونَ فائِدةُ الوَقفِ مَنفَعةً، كالسُّكنَى، وأنْ تَكونَ ثَمرةً، وأنْ تَكونَ لَبنًا، كَوَقفِ الماشيةِ للِانتِفاعِ بلَبنِها، وكذلك في بابِ التَّبرُّعاتِ؛ كالعاريةِ لِمَنْ يَنتفِعُ بالمَتاعِ ثم يَرُدُّه، والعاريةِ لِمَنْ يَأكُلُ ثَمرَ

стр. 5476

الشَّجرةِ ثم يَرُدُّها، والمَنيحةِ لِمَنْ يَشرَبُ لَبنَ الشَّاةِ ثم يَرُدُّها، والقَرضِ لِمَنْ يَنتفِعُ بالدَّراهِمِ ثم يَرُدُّ بَدَلَها، القائِمَ مَقامَ عَينِها، فكذلك في الإجارةِ تارةً يُكريه العَينَ لِلمَنفَعةِ التي لَيسَتْ أعيانًا، وتارةً لِلعَينِ التي تَحدُثُ شَيئًا مِنْ بَعدِ شَيءٍ، مع بَقاءِ الأصْلِ؛ كَلَبنِ الظِّئرِ، ونَفعِ البِئرِ؛ فإنَّ هذه الأعيانَ لَمَّا كانَتْ تَحدُثُ شَيئًا بعدَ شَيءٍ مع بَقاءِ الأصْلِ كانَتْ كالمَنفَعةِ، والمُسوِّغُ لِلإجارةِ هو ما بَينَهما مِنْ القَدْرِ المُشتَرِكِ، وهو حُدوثُ المَقصودِ بالعَقدِ شَيئًا فشَيئًا، سَواءٌ كانَ الحادِثُ عَينًا، أو مَنفَعةً، وكَونُه جِسمًا أو مَعنًى قائِمًا بالجِسمِ، لا أثَرَ له في الجَوازِ والمَنعِ، مع اشتِراكِهِما في المُقتَضِي لِلجَوازِ، بَلْ هذا النَّوعُ مِنْ الأعيانِ الحادِثةِ شَيئًا فشَيئًا أحَقُّ بالجَوازِ؛ فإنَّ الأجسامَ أكَمُلَ مِنْ صِفاتِها، وطَرْدُ هذا القياسِ جَوازُ إجارةِ الحَيَوانِ غيرِ الآدَميِّ لِرَضاعِه؛ فإنَّ الحاجةَ تَدعو إلَيه، كَما تَدعو إليه في الظِّئرِ مِنْ بَناتِ آدَمَ بطَعامِها، وكِسوَتِها، ويَجوزُ استِئجارُ الظِّئرِ مِنْ البَهائِمِ بعَلَفِها، والماشيةِ إذا عاوَضَ على لَبنِها، فهو نَوعانِ: أحَدُهما: أنْ يُشترَى اللَّبنُ مدَّةً ويَكونَ العَلَفُ والخِدمةُ على البائِعِ، فهذا بَيعٌ مَحْضٌ. والآخَرُ: أنْ يُسَلِّمَها ويَكونَ عَلَفُها وخِدمَتُها عليه، ولَبنُها له مدَّةَ الإجارةِ؛ فهذا إجارةٌ، وهو كَضَمانِ البُستانِ سَواءٌ، وكالظِّئرِ؛ فإنَّ اللَّبنَ يُستَوْفَى شَيئًا فشَيئًا مع بَقاءِ الأصْلِ، فهو كاستِئجارِ العَينِ؛ لِيَسقيَ بها أرضَه، وقَد نَصَّ مالِكٌ على جَوازِ إجارةِ الحَيَوانِ مدَّةً لِلَبنِه، ثم مِنْ أصحابِه مَنْ جَوَّزَ ذلك تَبَعًا لِنَصِّه، ومِنهم مَنْ مَنَعَه، ومِنهم مَنْ شرطَ فيه شُروطًا ضَيَّقوا

стр. 5477

بها مَورِدَ النَّصِّ، ولَم يَدلَّ عليها نَصُّه، والصَّوابُ الجَوازُ، وهو مُوجِبُ القِياسِ المَحضِ، فالمُجَوِّزونَ أسَعَدُ بالنَّصِّ مِنْ المانِعينَ (١). وَذَهَبَ الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفظيٌّ، قالَ الرَّافِعيُّ: ويُشبِهُ ألَّا يَكونَ خِلافًا مُحقَّقًا، فالأولُ لا يَقطَعُ النَّظَرَ عن العَينِ، والثَّاني لا يَعني بها تَملُّكَها كَمِلْكِها بالشِّراءِ، بَلْ لِيَنتفِعَ بها، ووافَقَهُ النَّوَويُّ في الرَّوضةِ، على أنَّ الخِلافَ لَفظيٌّ. قالَ العِمرانيُّ ﵀: وليسَ كذلك، بَلْ له فَوائِدُ: إحداها: إذا لَم يَقبِضِ العَينَ المُستَأجَرةَ، ثم أرادَ إجارَتَها لِغَيرِ مُؤجِّرِها، ففيه خِلافٌ مُخَرَّجٌ على ذلك، إنْ قُلْنا: مَورِدُها العَينُ، لَم يَصحَّ، أو المَنفَعةُ، صَحَّ. الثَّانيةُ: الخِلافُ المَشهورُ في استِئجارِ الكَلبِ يَنبَني على ذلك. الثَّالثةُ: إجارةُ حُلِيِّ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ لا تَجوزُ على وَجْهٍ خَرجَه ابنُ الرِّفعةِ، على ذلك، واتَّفَقوا على صِحَّةِ إيجارِ الحُرِّ نَفْسَه، ولَم يُخَرِّجوا على ذلك، ونقلَ أسعَدُ المِيهَنيُّ عن بَعضِ الأصحابِ أنَّ المَعقودَ عليه شَيءٌ مُلتَزَمٌ في الذِّمةِ كَسائِرِ الدُّيونِ (٢).

стр. 5478

الرُّكنُ الثالِثُ: الأُجرةُ: الأُجرةُ هي ما يَلتَزِمُ به المُستَأجِرُ عِوَضًا عن المَنفَعةِ التي يَتمَلَّكُها، أو ما يَأخُذُه الأجيرُ مُقابِلَ عَملِه. يُشترَطُ في الأُجرةِ في الإجاراتِ ما يُشترَطُ في الثَّمنِ في البَيعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ العَقدَيْنِ مُعاوَضةُ المالِ بالمالِ، فما يَصلُحُ ثَمنًا في البِياعاتِ يَصلُحُ أُجرةً في الإجاراتِ، وما لا فلا، فيُشترَطُ فيها ما يَلي: ١ - أنْ تَكونَ مَعلومةً: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في الأُجرةِ أنْ تَكونَ مَعلومةً جِنسًا وقَدْرًا وصِفةً؛ كالثَّمنِ في المَبيعِ؛ فلا يَصحُّ أنْ تَكونَ مَجهولةً؛ لأنَّها عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ مَحضةٍ، كالثَّمنِ في المَبيعِ، ولأنَّ جَهالَتَها تُفضي إلى المُنازَعةِ، كَجَهالةِ الثَّمنِ في المَبيعِ. وذلك لِقَولِ الله تَعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ولِمَا رُوِيَ مَرفوعًا: «مَنِ استَأجَرَ أجيرًا فلْيُعْلِمْه أجْرَهُ» (١) (٢).

стр. 5479

وأمَّا كَيفيةُ العِلمِ بالأُجرةِ فهو على التَّفصيلِ التَّالي: قالَ الحَنفيَّةُ: والعِلمُ بالأُجرةِ لا يَحصُلُ إلَّا بالإشارةِ والتَّعيينِ، أو بالبَيانِ، وجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ الأجْرَ لا يَخلُو إمَّا أنْ يَكونَ شَيئًا بعَينِه، وإمَّا أنْ يكونَ بغَيرِ عَينِه. فَإنْ كانَ بعَينِه فإنَّه يَصيرُ مَعلومًا بالإشارةِ، ولا يَحتاجُ فيه إلى ذِكرِ الجِنسِ والصِّفةِ والنَّوعِ والقَدْرِ، سَواءٌ كانَ ممَّا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، أو ممَّا لا يَتعيَّنُ؛ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ويَكونُ تَعيينُها كِنايةً عن ذِكْرِ الجِنسِ والصِّفةِ والنَّوعِ والقَدْرِ؛ لأنَّ المُشارَ إليه إذا كانَ ممَّا له حَمْلٌ ومُؤنةٌ يَحتاجُ إلى بَيانِ مَكانِ الإيفاءِ، عندَ أبي حَنيفَةَ. وإنْ كانَ بغَيرِ عَينِه فإنْ كانَ ممَّا يثبُتُ دَيْنًا في الذِّمةِ في المُعاوَضاتِ المُطلَقةِ؛ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ والثِّيابِ، لا يَصيرُ مَعلومًا إلَّا ببَيانِ الجِنسِ والنَّوعِ مِنْ ذلك الجِنسِ والصِّفةِ والقَدْرِ، إلَّا أنَّ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ إذا لَم يكُنْ في البَلَدِ إلَّا نَقدٌ واحِدٌ، لا يُحتاجُ فيها إلى ذِكْرِ النَّوعِ والوَزنِ، ويُكتَفَى بذِكْرِ الجِنسِ، ويَقَعُ على نَقدِ البَلَدِ ووَزنِ البَلَدِ، وإنْ كانَ في البَلَدِ نُقودٌ مُختَلِفةٌ يَقَعُ على النَّقدِ الأغلَبِ، وإنْ كانَ فيه نُقودٌ غالِبةٌ فلا بدَّ مِنْ البَيانِ، فإنْ لَم يُبيَّنْ فَسَدَ العَقدُ. وَلا بدَّ مِنْ بَيانِ مَكانِ الإيفاءِ فيما له حَمْلٌ ومُؤنةٌ في قَولِ أبي حَنيفَةَ، وعِندَ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ لا يُشترَطُ ذلك، ويَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ.

стр. 5480

وَهَل يُشترَطُ الأجَلُ؟ ففي المَكيلاتِ، والمَوزوناتِ، والعَدَديَّاتِ المُتقارِبةِ لا يُشترَطُ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ كَما تَثبُتُ دَيْنًا في الذِّمةِ مُؤجَّلًا بطَريقِ السَّلمِ، تَثبُتُ دَيْنًا في الذِّمةِ مُطلَقًا، لا بطَريقِ السَّلمِ، بَلْ بطَريقِ القَرضِ، فكانَ لِثُبوتِها أجَلانِ، فإنْ ذُكِرَ الأجَلُ جازَ، وثبَتَ الأجَلُ، كالسَّلمِ، وإنْ لَم يُذكَرْ جازَ، كالقَرضِ. وأمَّا في الثِّيابِ فلا بدَّ مِنْ الأجَلِ؛ لأنَّها لا تَثبُتُ دَيْنًا في الذِّمةِ، إلَّا مُؤجَّلًا، فكانَ لِثُبوتِها أجَلٌ واحِدٌ، وهو السَّلمُ؛ فلا بدَّ فيها مِنْ الأجَلِ؛ كالسَّلمِ، وإنْ كانَ ممَّا لا يثبُتُ دَيْنًا في الذِّمةِ في عُقودِ المُعاوَضاتِ المُطلَقةِ؛ كالحَيَوانِ؛ فإنَّه لا يَصيرُ مَعلومًا بذِكْرِ الجِنسِ والنَّوعِ والصِّفةِ والقَدْرِ، ألَا تَرى أنَّه لا يَصلُحُ ثَمنًا في البِياعاتِ؛ فلا يَصلُحُ أُجرةً في الإجاراتِ. وَحُكمُ التَصرُّفِ في الأُجرةِ قبلَ القَبضِ، إذا وجبَتْ في الذِّمةِ، حُكمُ التَصرُّفِ في الثَّمنِ قبلَ القَبضِ إذا كانَ دَيْنًا. وَما كانَ مِنها عَيْنًا مُشارًا إلَيها فحُكمُه حُكمُ الثَّمنِ إذا كانَ عَيْنًا حتى لَو كانَ مَنقولًا لا يَجوزُ التَصرُّفُ فيه قبلَ القَبضِ، وإنْ كانَ عَقارًا فعلى الِاختِلافِ المَعروفِ في كِتابِ البُيوعِ أنَّه يَجوزُ عندَ أبي حَنيفَةَ، وأبي يُوسفَ، وعِندَ مُحمَّدٍ لا يَجوزُ، وهي مِنْ مَسائِلِ البُيوعِ. وَلَو استَأجَرَ عَبدًا بأجْرٍ مَعلومٍ وبِطَعامِه، أو استَأجَرَ دَابَّةً بأجْرٍ مَعلومٍ، وبِعَلَفِها لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّعامَ أوِ العَلَفَ يَصيرُ أُجرةً، وهو مَجهولٌ، فكانَتِ الأُجرةُ مَجهولةً، والقياسُ في استِئجارِ الظِّئرِ بطَعامِها وكِسوَتِها أنَّه لا يَجوزُ،

стр. 5481

وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ؛ لِجَهالةِ الأُجرةِ، وهي الطَّعامُ والكِسوةُ، إلَّا أنَّ أبا حَنيفَةَ استَحسَنَ الجَوازَ بالنَّصِّ، وهو قولُ اللهِ : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، من غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا كانَتِ الوالِدةُ مَنكوحةً أو مُطلَّقةً، وقولُه : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: الرِّزقُ والكِسوةُ، وذلك يَكونُ بعدَ مَوتِ المَولودِ، وفي قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] نَفَى اللهُ الجُناحَ عن الاستِرضاعِ مُطلَقًا. وَقولُهُما: الأُجرةُ مَجهولةٌ، مُسلَّمٌ به، لَكنَّ الجَهالةَ لا تَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ لِعَينِها، بَلْ لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ، وجَهالةُ الأُجرةِ في هذا البابِ لا تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بالمُسامَحةِ مع الأظآرِ، والتَّوسيعِ عليهِنَّ؛ شَفَقةً على الأولادِ، فأشبَهَتْ جَهالةَ القَفيزِ مِنْ الصُّبرةِ. وَلَوِ استَأجَرَ دارًا بأُجرةٍ مَعلومةٍ وشرطَ المُؤجِّرُ تَطيينَ الدَّارِ ومَرَمَّتَها، أو تَعليقَ بابٍ عليها، أو إدخالَ جِذعٍ في سَقْفِها على المُستَأجِرِ؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ؛ لأنَّ المَشروطَ يَصيرُ أُجرةً، وهو مَجهولٌ؛ فتَصيرُ الأُجرةُ مَجهولةً. وَكَذا إذا آجَرَ أرضًا وشَرطَ كَرْيَ نَهَرِها، أو حَفرَ بِئرِها، أو ضَرْبَ مُسنَّاةٍ عليها؛ لأنَّ ذلك كلَّه على المُؤاجِرِ، فإذا شرطَ على المُستَأجِرِ فقَد جعلَه أُجرةً، وهو مَجهولٌ؛ فصارَتِ الأُجرةُ مَجهولةً (١).

стр. 5482

وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ كَونُ الأُجرةِ التي في الذِّمةِ مَعلومةً جِنسًا وقَدْرًا وصِفةً؛ كالثَّمنِ في البَيعِ، فإنْ كانَتْ مُعيَّنةً كَفَتْ مُشاهَدَتُها إنْ كانَتْ على مَنفَعةٍ مُعيَّنةٍ، أو في الذِّمةِ، فلا يَصحُّ استِئجارُ الدَّارِ مثلًا بالعِمارةِ، كأجَّرتُكَها بما تَحتاجُ إليه مِنْ عِمارةٍ، أو بدِينارٍ مثلًا، تَعمُرُها بهِ؛ لأنَّ العَملَ بَعضُ الأُجرةِ، وهو مَجهولٌ، فتَصيرُ الأُجرةُ مَجهولةً، فإنْ أجَّرَه الدَّارَ بدَراهِمَ مَعلومةٍ بلا شَرطٍ، وأذِنَ له في صَرفِها في العِمارةِ مِنْ غيرِ شَرطٍ، صَحَّ. وَلا يَصحُّ أيضًا إجارةُ دابَّةٍ شَهرًا مثلًا بنَحوِ العَلَفِ، كَرِياضَتِها، لِلجَهالةِ، ولا يَصحُّ أيضًا استِئجارُ سَلَّاخٍ لِيَسلَخَ الشَّاةَ بالجِلدِ الذي عليها، ولا طَحَّانٍ على أنْ يَطحَنَ البُرَّ مثلًا ببَعضِ الدَّقيقِ منه كَرُبُعِه، أو بالنُّخالةِ مِنه؛ لِلجَهلِ بثَخانةِ الجِلدِ وبِقَدْرِ الدَّقيقِ والنُّخالةِ، ولِعَدَمِ القُدرةِ على الأُجرةِ حالَّةً، فضابِطُ ما يُبطِلُ أنْ تُجعَلَ الأُجرةُ شَيئًا يَحصُلُ بعَملِ الأجيرِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ مَعرِفةُ الأُجرةِ بما يَحصُلُ به مَعرِفةُ الثَّمنِ قياسًا عليه، ويُعتبَرُ العِلمُ بالرُّؤيةِ أو بالصِّفةِ؛ كالبَيعِ، سَواءً، فإنْ كانَ العِوَضُ مَعلومًا بالمُشاهَدةِ دونَ القَدْرِ، كالصُّبرةِ، احتَمَلَ وجهيْنِ، أشبَهُهُما الجَوازُ، وهو المَذهَبُ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَعلومٌ يَجوزُ به البَيعُ، فجازَتْ به الإجارةُ، كَما لَو عَلِمَ قَدْرَه.

стр. 5483

والآخَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه قد يَنفَسِخُ العَقدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبرةِ؛ فلا يَدري بكَمْ يَرجِعُ، فاشتُرِطَ مَعرِفةُ قَدْرِه، كَعِوَضِ السَّلمِ فيه، والأولُ أوْلَى، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ أنَّ العِلمَ بالقَدْرِ في عِوَضِ السَّلمِ لَيسَ بشَرطٍ، ثم الفَرقُ بَينَهما أنَّ المَنفَعةَ ههُنا أُجريتْ مَجرَى الأعيانِ؛ لأنَّها مُتعلِّقةٌ بعَينٍ حاضِرةٍ، والمُسلِمُ يَتعَلَّقُ بمَعدومٍ؛ فافتَرقا. وَكلُّ ما جازَ ثَمنًا في البَيعِ جازَ عِوَضًا في الإجارةِ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةِ أشبَهَ البَيعَ؛ فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَكونَ العِوَضُ عَينًا ومَنفَعةً. وَلَوِ استَأجَرَ رَجُلًا لِيَسلَخَ له بَهيمةً بجِلدِها، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَعلَمُ هَلْ يَخرُجُ الجِلدُ سَليمًا أو لا، وهَل هو ثَخينٌ أو رَقيقٌ، ولأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ ثَمنًا في البَيعِ؛ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الإجارةِ، كَسائِرِ المَجهولاتِ؛ فإنْ سَلَخَه بذلك فلَه أجْرُ مِثلِه، وإنِ استَأجَرَه لِطَرحِ مَيْتةٍ بجِلدِها فهو أبلَغُ في الفَسادِ؛ لأنَّ جِلدَ المَيْتةِ نَجِسٌ، لا يَجوزُ بَيعُه، وقَد خَرجَ بمَوتِه عن كَونِه مِلْكًا، وإنْ فعلَ فلَه أجْرُ مِثلِه أيضًا. وَلَوِ استَأجَرَ راعيًا لِغَنَمٍ بثُلُثِ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها وشَعرِها، أو نِصفِه، أو جَميعِه، لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الأجْرَ غيرُ مَعلومٍ، ولا يَصلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، وقالَ إسماعيلُ بنُ سَعيدٍ: سَألتُ أحمدَ عن الرجُلِ يَدفَعُ البَقَرةَ إلى الرجُلِ على أنْ يَعلِفَها ويَتحَفَّظَها، وما وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَينَهما، فقالَ: أكرَهُ ذلك، وبِه قالَ أبو أيُّوبَ، وأبو خَيثَمةَ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّ العِوَضَ مَجهولٌ مَعدومٌ، ولا يَدري أيُوجَدُ أم لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصلُحُ أنْ يَكونَ ثَمنًا؛ فإنْ قيلَ: فقَد جَوَّزتُم دَفعَ الدَّابَّةِ إلى مَنْ يَعمَلُ عليها بنِصفِ رِبْحِها، قُلْنا:

стр. 5484

إنَّما جازَ ثَم تَشبيهًا بالمُضارَبةِ؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ، فجازَ اشتِراطُ جُزءٍ مِنْ النَّماءِ والمُساقاةِ، كالمُضارَبةِ، وفي مَسألَتِنا لا يُمكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصولُه على عَملِه فيها؛ فلَم يُمكِنْ إلحاقُه بذلك، وإنِ استَأجَرَه على رِعايَتها مدَّةً مَعلومةً بنِصفِها أو جُزءٍ مَعلومٍ مِنها، صَحَّ؛ لأنَّ العَملَ والأجْرَ والمدَّةَ مَعلومةٌ، فصَحَّ، كَما جُعِلَ الأجْرُ دَراهِمَ، ويَكونُ النَّماءُ الحاصِلُ بَينَهما بحُكمِ المِلْكِ؛ لأنَّه مِلْكُ الجُزءِ المَجعولِ له مِنها في الحالِ؛ فيَكونُ له نَماؤُه، كَما لَوِ اشتَراهُ (١). حُكمُ إجارةِ المَنافِعِ بالمَنافِعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المَنافِعِ بالمَنافِعِ، سَواءٌ كانَتْ بجِنْسِها، كَما لَوِ استَأجَرَ دارًا بسُكنَى دارٍ أُخرَى، أو بخِلافِ جِنسِها، كَما لَوِ استَأجَرَ دارًا برُكوبِ دَابَّةٍ، أو خِدمةِ عَبدٍ. فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ تَكونَ الأُجرةُ مَنفَعةً، سَواءٌ كانَتْ مِنْ جِنسِها، كَما لَوِ استَأجَرَ دارًا بسُكنَى دارٍ أُخرَى، أو بخِلافِ جِنسِها، كَما لَوِ استَأجَرَ دارًا برُكوبِ دَابَّةٍ، أو خِدمةِ عَبدٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى -إخبارًا عن شُعَيبٍ أنَّه قالَ-: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فجعلَ النِّكاحَ عِوَضَ الإجارةِ.

стр. 5485

وقد جَوَّزتِ الشَّريعةُ عَقدَ النِّكاحِ بتَعليمِ القُرآنِ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ امْرَأَةً عَرضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ … فَذكرَ الحَدِيثَ، وَالرجُلَ الذي خَطَبَهَا، فقالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وقد زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ» (١). وهو مُقابَلةُ مَنفَعةِ التَّعليمِ بمَنفَعةِ البُضعِ، والتَّقديرُ زَوَّجتُكَها بتَعليمِ ما مَعَكَ مِنْ القُرآنِ، أو بتَلقينِ ما مَعَكَ مِنْ القُرآنِ. وَلأنَّهما مَنفعَتانِ يَجوزُ عَقدُ الإجارةِ على كلِّ واحِدٍ مِنهما في الِانفِرادِ، فجازَ أنْ يَعقِدَ على إحداهُما بالأُخرَى، كَما لَو كانا مِنْ جِنسَيْنِ. وَلأنَّ عُقودَ المُعاوَضاتِ ضَربانِ: أعيانٌ، ومَنافِعُ، فإذا كانَتِ الأعيانُ يَجوزُ بَيعُ إحداهَا بأُخرَى مِنْ جِنسٍ وجِنسَيْنِ، فكذلك المَنافِعُ. وَلأنَّ المَنافِعَ في الإجارةِ كالأعيانِ في البَيعِ، ثم الأعيانُ يَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ، فكذلك المَنافِعُ. وَلأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَكونَ ثَمنًا في البَيعِ جازَ عِوَضًا في الإجارةِ فكَما جازَ أنْ يَكونَ العِوَضُ عَينًا جازَ أنْ يَكونَ مَنفَعةً سَواءٌ كانَ الجِنسُ واحِدًا أو مُختَلِفًا. وَلا رِبًا في المَنافِعِ أصْلًا، حتى لَو أجَّرَ دارًا بمَنفَعةِ دارَيْنِ، أو أجَّرَ ذَهَبًا بذَهَبٍ، جازَ، ولا يُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ، كَما نَصَّ على ذلك الشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ. وقالَ الحَنابِلةُ: وتَصحُّ إجارةُ حُلِيٍّ بأُجرةٍ مِنْ غيرِ جِنسِه، وكَذا بأُجرةٍ

стр. 5486

مِنْ جِنسِه؛ لأنَّه عَينٌ يُنتَفَعُ بها مَنفَعةً مَقصودةً مع بَقائِها؛ فجازَتْ إجارَتُه؛ كالأراضي. وإنْ قالَ صاحِبُ الثَّوبِ لِخيَّاطٍ: إنْ خِطتَ هذا الثَّوبَ اليَومَ فلَكَ دِرهمٌ، أو إنْ خِطتَه رُوميًّا فلَكَ دِرهمٌ، وإنْ خِطتَه غَدًا أو فارسيًّا فلَكَ نِصفُ دِرهمٍ، لَم يَصحَّ، أو قالَ ربُّ أرضٍ: إنْ زَرَعْتَها بُرًّا فبِخَمسةٍ، أو قالَ ربُّ حانُوتٍ: إنْ فَتَحتَ خيَّاطًا فبِخَمسةٍ، وإنْ زَرَعْتَ ذُرَةً أو فَتَحتَ حَدَّادًا فبِعَشَرةٍ، ونَحوَه ممَّا لَم يَقَعْ فيه جَزْمٌ، لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّه عَقدٌ واحِدٌ اختَلفَ فيه العِوَضُ بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ ونَحوِهما، فلَم يَصحَّ، كبِعتُكَ بعَشَرةٍ نَقدًا، أو بإحدَى عَشرَةَ نَسيئةً، ما لَم يَتفَرَّقا على أحَدِهِما، كَما تَقدَّمَ في البَيعِ، وبِهَذا يَقولُ الشَّافعيَّةُ. وإنْ أكراهُ دَابَّةً، وقالَ: إنْ رَدَدْتَها اليَومَ فبِخَمسةٍ، وغَدًا فبِعَشَرةٍ، أو أكراه عَشَرةَ أيَّامٍ بعَشَرةِ دَراهِمَ، وما زادَ فلكلِّ يَومٍ كَذا، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُؤدِّي إلى التَّنازُعِ؛ لأنَّه عَيَّنَ لكلِّ زَمنٍ عِوَضًا مَعلومًا، فصَحَّ. وَلا يَصحُّ أنْ يَكتَريَ مدَّةً مَجهولةً؛ كاكتِرائِه فَرَسًا مدَّةَ غَزاتِه، أو غَيرَها؛ لأنَّه لا يَدْري متى تَنقَضي، وقَد تَطولُ وقد تَقصُرُ؛ فيُؤدِّي إلى التَّنازُعِ، وإنْ سَمَّى لكلِّ يَومٍ شَيئًا مَعلومًا جازَ، وصَحَّ العَقدُ؛ لِمَا تَقدَّمَ. وإنْ أكراه الدَّارَ ونَحوَها: كلُّ شَهرٍ بدِرهَمٍ، أو اكتَراهُ لِلسَّقْيِ: كلُّ دَلوٍ بثَمرةٍ، صَحَّ العَقدُ؛ لِمَا رُويَ عن عَلِيٍّ ﵁ قالَ: «جُعْتُ مَرَّةً بالمَدِينَةِ جُوعًا شَديدًا، فَخَرَجتُ أَطْلُبُ العَملَ في عَوالي المَدينَةِ، فإذا أنا بامْرَأَةٍ قد

стр. 5487

جَمَعَتْ مدَرًا، فَظَنَنْتُهَا تُرِيدُ بَلَّهُ، فَأَتَيْتُهَا فَقَاطَعْتُهَا: كلُّ ذَنوبٍ على تَمْرَةٍ، فَمدَدتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنوبًا، حتى مَجَلَتْ يَدايَ ثمَّ أَتَيتُ المَاءَ فَأَصَبتُ منه، ثمَّ أَتَيْتُهَا، فقُلتُ بكَفَّيَّ هكذا بينَ يَدَيْهَا، وبَسَطَ إسْمَاعِيلُ يَدَيْهِ، وجَمَعَها، فعَدَّتْ لي سِتَّ عَشرَةَ تَمرَةً فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فأَكَلَ مَعي منها» (١). وَمِثلُه ما تَقدَّمَ إذا باعَه الصُّبرةَ: كلُّ قَفيزٍ بدِرهَمٍ، فعلى هذا تَلزَمُ الإجارةُ في الشَّهرِ الأولِ بإطلاقِ العَقدِ، وما بَعدَه يَكونُ مُراعًى، فكلَّما دخلَ شَهرٌ لَزِمَهُما حُكمُ الإجارةِ إنْ لَم يَفسَخا الإجارةَ أوَّلَه؛ لأنَّ دُخولَه بمَنزِلةِ إيقاعِ العَقدِ على عَيْنِه ابتِداءً؛ لأنَّ شُروعَه في كلِّ شَهرٍ مع ما تَقدَّمَ في العَقدِ مِنْ الِاتِّفاقِ على تَقديرِ أجْرِه والرِّضا ببَذْلِه به جَرَى ابتِداءُ العَقدِ عليه، وصارَ، كالبَيعِ بالمُعاطاةِ إذا جَرَى مِنْ المُساوَمةِ ما دَلَّ على الرِّضا بها (٢). وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ المَنفَعةِ إذا كانَتْ مِنْ جِنسِ المَعقودِ عليه، أو مِنْ غيرِ جِنسِه. فَإنْ كانَتِ المَنفَعةُ مِنْ جِنسِ المَعقودِ عليه؛ كَإجارةِ السُّكنَى بالسُّكنَى، والخِدمةِ بالخِدمةِ، والرُّكوبِ بالرُّكوبِ، والزِّراعةِ بالزِّراعةِ، لا تَجوزُ.

стр. 5488

وأمَّا إذا كانَتْ مِنْ خِلافِ الجِنسِ، كَإجارةِ السُّكنَى بالخِدمةِ، والخِدمةِ بالرُّكوبِ، ونَحوِ ذلك؛ تَجوزُ. وَذلك لأنَّ اتِّحادَ الجِنسِ لا يَصحُّ فيه تَأجيلُ القَبضِ، وقَد عَرفتَ أنَّ المَنفَعةَ تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا؛ فهي مُؤجَّلةٌ طَبعًا، أمَّا اختِلافُ الجِنسِ فإنَّه يَصحُّ معه تَأجيلُ القَبضِ. وَحَقيقةُ الفِقهِ في المَسألةِ هي أنَّ الإجارةَ عَقدُ شَرْعٍ، بخِلافِ القياسِ؛ لِحاجةِ النَّاسِ، ولا حاجَةَ تَقعُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ؛ فبَقيَ على أصْلِ القِياسِ، والحاجةُ تَتحقَّقُ عندَ اختِلافِ الجِنسِ؛ فيَجوزُ (١). ٢ - أنْ تَكونَ طاهِرةً: يُشترَطُ في الأُجرةِ أنْ تَكونَ طاهِرةً؛ فلا تَصحُّ أنْ تَكونَ شَيئًا نَجِسًا؛ كالمَيْتةِ؛ لأنَّ كلَّ ما جازَ ثَمنًا في البَيعِ جازَ عِوَضًا في الإجارةِ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ أشبَهَ البَيعَ، فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَيْتةً، وليس خِنزيرًا. ٣ - أنْ يَكونَ مُنتَفِعًا بها نَفعًا مُباحًا: يُشترَطُ في الأُجرةِ أنْ تَكونَ مُنتَفَعًا بها نَفعًا مُباحًا لِلتَّعليلِ السَّابِقِ. ٤ - أنْ يَكونَ قادِرًا على تَسليمِها: فلا يَصحُّ أنْ تَكونَ الأُجرةُ سَمَكًا في ماءٍ، ولا طَيرًا في الهَواءِ، ولا بَعيرًا شارِدًا، ولا عَبدًا آبِقًا، كَما في البَيعِ. وَهَذا كلُّه مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ (٢).

стр. 5489

٥ - استِحقاقُ الأُجرةِ بمُجرَّدِ العَقدِ ووُجوبُ تَسليمِها: الأُجرةُ في الإجارةِ لا تَخْلُو مِنْ ثَلاثةِ أحوالٍ: إمَّا أنْ يَشتَرِطوا تَعجيلَها في المَجلِسِ، وإمَّا أنْ يَشتَرِطوا تَأجيلَها، وإمَّا أنْ يَعقِدوا مُطلَقًا دونَ شَرطِ تَأجيلٍ ولا شَرطِ تَعجيلٍ. الأولُ: أنْ يَشتَرِطوا تَعجيلَها في المَجلِسِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُستَأجِرَ إذا اشترَطَ تَسليمَ الأُجرةِ في المَجلِسِ صَحَّ؛ لأنَّ ثُبوتَ المِلْكِ في العِوَضَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ لِتَحقيقِ مَعنَى المُعاوَضةِ المُطلَقةِ، وتَحقيقِ المُساواةِ، التي هي مَطلوبُ العاقِدَيْنِ، ومَعنَى المُعاوَضةِ والمُساواةِ لا يَتحقَّقُ إلَّا في ثُبوتِ المِلْكِ فيهِما في زَمانٍ واحِدٍ؛ فإذا شُرِطَ التَّعجيلُ لَم تُوجَدِ المُعاوَضةُ المُطلَقةُ، بَلْ تُوجَدُ المُقيَّدةُ بشَرطِ التَّعجيلِ؛ فيَجِبُ اعتِبارُ شَرطِهِما؛ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ عِند شُروطِهم»، فيثبُتُ المِلْكُ في العِوَضِ قبلَ ثُبوتِه في المُعوَّضِ، ولِهَذا صَحَّ التَّعجيلِ في ثَمنِ المَبيعِ، وإنْ كانَ إطلاقُ العَقدِ يَقتَضي الحُلولَ، كَذا هَذا (١). والثَّاني: أنْ يَشتَرِطوا تأجيلَها: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُؤجِّرَ والمُستَأجِرَ لَو شَرَطا في إجارةِ العَينِ تَأجيلَ الأجرِ -كَإجارةِ العَقارِ أو دَابَّةٍ أو شَخصٍ، كَما لَو قالَ: أجَّرتُكَ هذه الدَّارَ، أو السَّيَّارةَ الفُلانيَّةَ، لِسَيَّارةٍ مُعيَّنةٍ يَعرِفُها المُتعاقدانِ، أو أنْ يَستَأجِرَ شَخصًا مُعيَّنًا لِعَملٍ ما، أو لِيَخيطَ له هذا الثَّوبَ- صَحَّ، وهو إلى أجَلِه، وإنْ

стр. 5490

شرطَه مُنجَّمًا يَومًا يَومًا، أو شَهرًا شَهرًا، أو أقَلَّ مِنْ ذلك أو أكثَرَ، فهو على ما اتَّفَقا عليه؛ لأنَّ إجارةَ العَينِ كَبَيعِها، وبَيعُها يَصحُّ بثَمنٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ، فكذلك إجارَتُها. قالَ الماوَرديُّ ﵀: وإنْ شَرَطا تَأجيلِها أو تَنجيمِها تَكونُ مُؤجَّلةً أو مُنَجَّمةً، إجماعًا (١). والصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ ووَجْهٌ لِلحَنابِلةِ: أنَّ الإجارةَ الوارِدةَ على مَنفَعةٍ مُتعلِّقةٍ بالذِّمةِ، كَأنْ يَستَأجِرَ دَابَّةً أو سَيَّارةً مَوصوفةً في ذِمَّتِه إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ، أو يُؤجِّرَه سَيَّارةً مَوصوفةً في ذِمَّتِه مدَّةً مُعيَّنةً، أو أنْ يُلزِمَ المُستَأجِرُ المُؤجِّرَ عَملًا في ذِمَّتِه، كَبِناءٍ أو خِياطةٍ أو نَحوِ ذلك، فيَقبَلَ، فهذه يُشترَطُ لِصِحَّتِها تَسليمُ الأُجرةِ في المَجلِسِ قَطعًا، إذا عُقِدَتْ بلَفظِ السَّلمِ، كَرَأْسِ مالِ السَّلمِ؛ لأنَّها سَلَمٌ في المَنافِعِ، كألزَمتُ ذِمَّتكَ خِياطةً أو بِناءً بهذه الدَّراهِمِ، أو أسلَمتُ إلَيكَ هذه الدَّراهِمَ في خِياطةِ كَذا، أو أسلَمتُ إلَيكَ هذه الدَّراهِمَ في دَابَّةٍ صِفَتُها كَذا، ولا بدَّ في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مِنْ ذِكْرِ الحَمْلِ أوِ البِناءِ، ونَحوِهِما؛ لِتَنفَصِلَ عن حَقيقةِ السَّلمِ في الأعيانِ إلى السَّلمِ في المَنافِعِ، والسَّلمُ في المَنافِعِ جائِزٌ. وَكَذا إنْ عُقِدَتْ بلَفظِ الإجارةِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، كَأنْ قالَ: استَأجَرتُ مِنْكَ دابَّةً صِفَتُها كَذا؛ لِتَحمِلَني إلى مَوضِعِ كَذا، نَظَرَا إلى

стр. 5491

المَعنَى، فلا يَجوزُ فيها تَأخيرُ الأُجرةِ ولا الِاستِبدالُ عَنها ولا الحَوالةُ بها ولا عليها، ولا الإبراءُ مِنها (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شرطَا تأجيلَها جازَ، إلَّا أنْ يَكونَ العَقدُ على مَنفَعةٍ في الذِّمةِ، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَجوزُ؛ لأنَّه عِوضٌ في الإجارةِ؛ فجازَ تأجيلُه، كما لو كانَ على عَينٍ. والآخَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه عَقدٌ على ما في الذِّمةِ؛ فلم يَجُزْ تأجيلُ عِوَضِه، كالسَّلمِ (٢). والثالِثُ: أنْ يَعقِدوا مُطلَقًا دونَ شَرطِ تَأجيلٍ ولا تَعجيلٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ الإجارةِ إذا وَردَ مُطلَقًا عن شَرطِ التَّعجيلِ أو التَّأجيلِ، هَلْ تَلزَمُ الأُجرةُ في الحالِ ويَملِكُها المُؤجِّرُ بالعَقدِ نَفْسِه أو لا يَملِكُها ولا يَستَحقُّها إلَّا يَومًا بيَومٍ، أو شَيئًا فشَيئًا، أو لا يَستَحقُّ الأُجرةَ إلَّا بعدَ مُضيِّ جَميعِ المدَّةِ. فذهبَ الشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها تَجِبُ بمُجرَّدِ العَقدِ إذا أُطلِقَ ولَم يَشتَرِطِ المُستَأجِرُ أجَلًا، كَما يَملِكُ البائِعُ الثَّمنَ بالبَيعِ، ولأنَّ ما لَزِمَ مِنْ عُقودِ المَنافِعِ استُحِقَّ العِوَضُ فيه حالًّا؛ كالنِّكاحِ، ولأنَّ كلَّ عِوَضٍ تَعَجَّلَ

стр. 5492

بالشَّرطِ فإطلاقُه يُوجِبُ حُلولَه، كالثَّمنِ، ولأنَّ الأُصولَ مَوضوعةٌ على أنَّ تَسليمَ المُعوَّضِ يُوجِبُ تَسليمَ العِوَضِ؛ لِيَستَويَ حُكمُ المُتعاقدَيْنِ فيما يَملِكانِه مِنْ عِوَضٍ ومُعوَّضٍ؛ فلا يَكونُ حَظُّ أحَدِهِما فيه أقوَى مِنْ حَظِّ الآخَرِ، كالبَيعِ إذا سُلِّمَ المَبيعُ فيه وجبَ تَسليمُ الثَّمنِ؛ وكالنِّكاحِ إذا حَصَلَ التَّمكينُ وجبَ تَسليمُ الصَّداقِ، كذلك الإجارةُ إذا حَصَلَ تَسليمُ المَنفَعةِ وجبَ تَسليمُ الأُجرةِ، والمَنافِعُ هَهُنا بالتَّمكينِ مَقبوضةٌ حُكمًا، وإنْ لَم يَكُنِ القَبضُ مستقِرًّا؛ لِأُمورٍ أربَعةٍ: قالَ الماوَرديُّ ﵀: أحَدُها: ما ذكرَه الشافِعيُّ أنَّها لَو كانَتْ مُؤجَّلةً وبِالتَّمكينِ غيرَ مَقبوضةِ لَمَا جازَ تَأجيلُ الأُجرةِ؛ لأنَّه يَصيرُ دَيْنًا بدَيْنٍ، وقَد وَردَ النَّهيُ عنه، وفي إجماعِهم على جَوازِ تَأجيلِها دَليلٌ على حُصولِ قَبضِها. والثَّاني: أنَّها لَو لَم تكُنْ مَقبوضةً لَمَا جازَ لِمُستَأجِرِ الدَّارِ أنْ يُؤجِّرَها؛ لأنَّ بَيعَ ما لَم يُقبَضْ باطِلٌ، وفي إجماعِهم على جَوازِ إجارَتِها دَليلٌ على حُصولِ قَبضِها. والثَّالث: أنَّ الزَّوجةَ لا يَلزَمُها التَّمكينُ مِنْ نَفْسِها إلَّا بعدَ قَبضِ صَداقْها، ولَو كانَ صَداقُها سُكنَى دارٍ تَسَلَّمَتْها لَزِمَها تَسليمُ نَفْسِها، فلَولا حُصولُ قَبضِها لِصَداقِها ما أُلزِمَتْ تَسليمَ نَفْسِها. والرَّابِعُ: أنَّ الأُجرةَ لَو لَم تُملَكْ بتَسليمِ الدَّارِ والتَّمكينِ مِنْ السُّكنَى لَمَا جازَتِ المُضارَبةُ عليها، وأنْ يَأخُذَ مِنْ الذَّهَبِ وَرِقًا وعَنِ الوَرِقِ ذَهَبًا، كَما لا يَجوزُ مِثلُ ذلك في الدُّيونِ المُؤجَّلةِ، وفي جَوازِ ذلك دَليلٌ على وُجوبِها،

стр. 5493

وإذا ثبَتَ بما ذَكَرْنا مِنْ الشَّواهِدِ أنَّ المَنافِعَ في حُكمِ المَقبوضةِ بالتَّمكينِ لَزِمَ تَسليمُ ما في مُقابَلَتِها مِنْ الأُجرةِ. فَإن قيلَ: فلِمَ جَعَلتُمُ المَنافِعَ مَقبوضةً حُكمًا، وإنْ لَم يَكُنِ القَبضُ مُستقِرًّا، وجَعَلتُمُ الأُجرةَ مَقبوضةً قَبضًا مستقِرًّا؟ قيلَ: لأنَّه لَيسَ يُمكِنُ أنْ تَكونَ الأُجرةُ مَقبوضةً حُكمًا، فجَعَلْنا القَبضَ فيها مُستقِرًّا، ولا يُمكِنُ في المَنافِعِ أنْ يَكونَ القَبضُ فيها مُستقِرًّا فجَعَلناه حُكمًا على أنَّهما سَواءٌ؛ لأنَّ مَعنَى قَولِنا: إنَّ المَنافِعَ مَقبوضةٌ حُكمًا، أنَّه قد يَتصرَّفُ في الدَّارِ، وإنْ جازَ أنْ يَزولَ مِلْكُه عن مَنافِعِها بالهَدمِ، كذلك الأُجرةُ قد يَتصرَّفُ فيها المُؤجِّرُ، وإنْ جازَ أنْ يَزولَ مِلْكُه عَنها بالهَدمِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أطلَقَ العَقدَ وَجَبتْ به حالَّةً، ويَجِبُ تَسليمُها بتَسليمِ العَينِ؛ لأنَّها عِوَضٌ في مُعاوَضةٍ، فتُستحَقُّ بمُطلَقِ العَقدِ؛ كالثَّمنِ. وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ في الذِّمةِ استُحِقَّ استِيفاءُ الأُجرةِ عندَ انقِضاءِ العَملِ، ولا يَجِبُ تَسليمُ الأُجرةِ، وإنْ وجبَتْ بالعَقدِ، وعلى هذا وَردتِ النُّصوصُ؛ كقولِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (٢).

стр. 5494

وَلأنَّ الأجيرَ إنَّما يُوَفَّى أجْرَه إذا قَضَى عَملَه؛ لأنَّه عِوَضٌ فلا يُستحَقُّ تَسليمُه إلَّا مع تَسليمِ المُعوَّضِ، كالصَّداقِ والثَّمنِ، وفارَقَ الإجارةَ على الأعيانِ؛ لأنَّ تَسليمَها أُجريَ مَجرَى تَسليمِ نَفْعِها، ومتى كانتْ على عَملٍ في الذِّمةِ لَم يَحصُلْ تَسليمُ المَنفَعةِ، ولا يَقومُ مَقامَها، فيَتَوَقَّفُ استِحقاقُ تَسليمِ الأجْرِ على تَسليمِ العَملِ؛ فإنْ عَمِلَ بَعضَه فلَه أُجرةُ المِثلِ لِمَا عَمِلَ، وقيلَ: إنْ كانَ مَعذورًا في تَركِ العَملِ وإلَّا احتَمَلَ وجهيْنِ، وقالَ ابنُ أبي موسَى: مَنِ استُؤجِرَ لِعَملٍ مَعلومٍ استَحقَّ الأجرَ عندَ إيفاءِ العَملِ، وإنِ استُؤجِرَ: كلُّ يَومٍ بأُجرةٍ مَعلومةٍ فلَه أجْرُ كلِّ يَومٍ عندَ تَمامِهِ (١). وذَهَبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ -وسيَأْتي تَفصيلُ المالِكيَّةِ- إلى أنَّ الأُجرةَ لا تَجِبُ بالعَقدِ نَفْسِه، ولا بتَسليمِ العَينِ المُستَأْجَرةِ، وإنَّما تُستحَقُّ الأُجرةُ أوَّلًا بأوَّلٍ، شَيئًا فَشيَئًا. لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثم غَدَرَ، وَرجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمنَهُ، وَرجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى منه ولَم يُؤْتِه أُجْرَتَهُ» (٢). ففيه دَليلٌ على أنَّ الأجْرَ لا يُملَكُ بالعَقدِ نَفْسِه؛ لأنَّه ألحَقَ الوَعيدَ به، بمَنعِ الأجْرِ بعدَ العَملِ، فلو كانَ الأجْرُ يَجِبُ تَسليمُه بالعَقدِ نَفْسِه لَمَا شرطَ استِيفاءَ العَملِ لِذِكْرِ الوَعيدِ على مَنْعِ الأجْرِ.

стр. 5495

ولِقَولِه ﷺ : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (١). وذلك حَثٌّ على تَعجيلِها وَقتَ استِحقاقِها، ومَنْعِ تَأخيرِها عَنه، فلَو كانَتْ مُستَحقَّةً بمُجرَّدِ العَقدِ لَكانَ أمرًا بتَأخيرِها، وذلك يُنافي المَقصودَ بالخَبَرِ؛ لأنَّه جعلَ أوَّلَ أوقاتِ المُسارَعةِ بعدَ الفَراغِ مِنْ العَملِ قبلَ جُفوفِ العَرقِ، فدَلَّ على أنَّ أوَّلَ وَقتِ الوُجوبِ هَذا. وَلأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ مَحضةٍ، فلَم يَلزَمْ تَسليمُه بمُجرَّدِ العَقدِ دونَ تَسليمِ المَعقودِ عليه، كالأثمانِ بالبُيوعاتِ. قالَ الحَنفيَّةُ: الأُجرةُ لا تُملَكُ بالعَقدِ نَفسِه، ولا يَجِبُ تَسليمُها به، عَينًا كانَ أو دَيْنًا؛ فإنْ عُقِدَ مُطلَقًا فالحُكمُ يثبُتُ في العِوَضَيْنِ في وَقتٍ واحِدٍ، فيثبُتُ المِلْكُ لِلمُؤاجِرِ في الأُجرةِ وَقتَ ثُبوتِ المِلْكِ لِلمُستَأجِرِ في المَنفَعةِ، ويثبُتُ شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِ مَحَلِّه، وهو المَنفَعةُ؛ لأنَّها تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا؛ لأنَّ المُعاوَضةَ المُطلَقةَ إذا لَم يَثبُتِ المِلْكُ فيها في أحَدِ العِوَضَيْنِ لا يثبُتُ في العِوَضِ الآخَرِ؛ إذْ لَو ثبَتَ لا يَكونُ مُعاوَضةً حَقيقةً؛ لأنَّه لا يُقابِلُه عِوَضٌ، ولأنَّ المُساواةَ في العُقودِ المُطلَقةِ مَطلوبُ العاقِدَيْنِ، ولا مُساواةَ إذا لَم يَثبُتِ المِلْكُ في أحَدِ العِوَضَيْنِ، والمِلْكُ لَم يَثبُتْ في أحَدِ العِوَضَيْنِ، وهو مَنافِعُ المدَّةِ؛ لأنَّها مَعدومةٌ حَقيقةً، فلا تَثبُتُ في الأُجرةِ في الحالِ تَحقيقًا لِلمُعاوَضةِ المُطلَقةِ. وَإنَّما تُملَكُ بأحَدِ مَعانٍ ثَلاثةٍ؛ إمَّا بالتَّعجيلِ، أو بشَرطِ التَّعجيلِ، أو باستِيفاءِ ما يُقابِلُه.

стр. 5496

وقد كانَ أبو حَنيفَةَ أوَّلًا يَقولُ: إنَّ الأُجرةَ لا تَجِبُ إلَّا بعدَ مُضيِّ المدَّةِ مثلَ استِئجارِ الأرضِ سَنةً أو عَشرَ سِنينَ، وهو قولُ زُفَرَ، ثم رَجعَ هُنا، فقالَ: تَجِبُ يَومًا فيَومًا، وفي الإجارةِ على المَسافةِ، مثلَ أنِ استَأجَرَ بَعيرًا إلى مَكَّةَ ذاهِبًا وجائِيًا، كانَ قولُه الأولُ أنَّه لا يَلزَمُه تَسليمُ الأجْرِ حتى يَعودَ، وهو قولُ زُفَرَ، ثم رَجعَ، وقالَ: يُسَلَّمُ حالًّا فحالًّا. وَذكرَ الكَرخِيُّ أنَّه يُسَلِّمُ أُجرةَ كلِّ مَرحَلةٍ إذا انتَهَى إلَيها، وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ. وَجهُ قَولِ أبي حَنيفَةَ الأولِ أنَّ مَنافِعَ المدَّةِ أو المَسافةِ مِنْ حَيثُ إنَّها مَعقودٌ عليها شَيءٌ واحِدٌ، فما لَم يَستَوفِها كلَّها لا يَجِبُ شَيءٌ مِنْ بَدَلِها، كَمَنِ استَأجَرَ خيَّاطًا يَخيطُ ثَوبًا، فخاطَ بَعضَه، أنَّه لا يَستَحقُّ الأُجرةَ حتى يَفرُغَ مِنه، وكَذا القَصَّارُ والصَّباغُ. وَجْهُ قَولِه الآخَرِ -وهو المَشهورُ- أنَّه مِلْكُ البَدَلِ، وهو المَنفَعةُ، وأنَّها تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، على حَسَبِ حُدوثِ الزَّمانِ، فيَملِكُها شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِها، فكَذا ما يُقابِلُها؛ فكانَ يَنبَغي أنْ يَجِبَ عليه تَسليمُ الأُجرةِ ساعةً فساعةً، إلَّا أنَّ ذلك مُتعَذِّرٌ، فاستَحسَنَ فقالَ يَومًا فيَومًا، ومَرحَلةً فمَرحَلةً؛ لأنَّه لا يُعذَرُ فيه، ورُوِيَ عن أبي يُوسفَ فيمَنِ استَأجَرَ بَعيرًا إلى مَكَّةَ أنَّه إذا بَلَغَ ثُلُثَ الطَّريقِ أو نِصفَه أُعطِيَ مِنْ الأجرِ بحِسابِه استِحسانًا، وذكرَ الكَرخيُّ أنَّ هذا قولُ أبي يُوسفَ الأخيرُ، ووَجْهُه أنَّ السَّيرَ إلى ثُلُثِ الطَّريقِ أو نِصْفِه مَنفَعةٌ مَقصودةٌ في الجُملةِ، فإذا وُجِدَ ذلك القَدْرُ يَلزَمُه تَسليمُ بَدَلِه.

стр. 5497

هَذا إذا وقعَ العَقدُ مُطلَقًا عن شَرطِ تَعجيلِ الأُجرةِ، فأمَّا إذا شُرِطَ في تَعجيلِها مُلِّكَتْ بالشَّرطِ، وَوجبَ تَعجيلُها إجماعًا، كَما تَقدَّمَ. فالحاصِلُ أنَّ الأُجرةَ لا تُملَكُ إلَّا بأحَدِ مَعانٍ ثَلاثةٍ: أحَدُها: شَرطُ التَّعجيلِ في العَقدِ نَفسِه، كَما تَقدَّمَ. والثَّاني: التَّعجيلُ مِنْ غيرِ شَرط؛ لأنَّه لَمَّا عَجَّلَ الأُجرةَ غيرَ مُقتَضَى مُطلَقِ العَقدِ، ولَه هذه الوِلايةُ؛ لأنَّ التَّأخيرَ ثبَتَ حَقًّا لَه؛ فيَملِكُ إبطالَه بالتَّعجيلِ، كَما لَو كانَ عليه دَيْنٌ مُؤجَّلٌ فعَجَّلَه، ولأنَّ العَقدَ سَبَبُ استِحقاقِ الأُجرةِ، فالِاستِحقاقُ -وإنْ لَم يَثبُتْ- انعَقدَ سَبَبُه، وتَعجيلُ الحُكمِ قبلَ الوُجوبِ بعدَ وُجودِ سَبَبِ الوُجوبِ جائِزٌ؛ كَتَعجيلِ الكَفَّارةِ بعدَ الجُرحِ قبلَ المَوتِ. والثَّالث: استِيفاءُ المَعقودِ عليه؛ لأنَّه يَملِكُ المُعوَّضَ، فيَملِكُ المُؤاجِرُ العِوَضَ في مُقابَلَتِه؛ تَحقيقًا لِلمُعاوَضةِ المُطلَقةِ، وتَسويةً بينَ العاقِدَيْنِ في حُكمِ العَقدِ المُطلَقِ، وعَلَى هذا الأصلِ تُبنَى الإجارةُ المُضافةُ إلى زَمانٍ في المُستَقبَلِ، بأنْ قالَ: أجَّرتُكَ هذه الدَّارَ غَدًا أو رَأسَ شَهرِ كَذا، أو قالَ: أجَّرتُكَ هذه الدَّارَ سَنةً أوَّلُها غُرَّةُ شَهرِ رَمَضانَ أنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ العَقدَ يَنعَقِدُ شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِ المَعقودِ عليه شَيئًا فشَيئًا، وهو المَنفَعةُ؛ فكانَ العَقدُ مُضافًا إلى حينِ وُجودِ المَنفَعةِ مِنْ طَريقِ الدِّلالةِ، فالتَّنصيصُ على الإضافةِ يَكونُ مُقَرِّرًا مُقتَضَى العَقدِ، إلَّا أنَّا جَوَّزْنا الإضافةَ في الإجارةِ دونَ البَيعِ؛ لِلضَّرورةِ؛ لأنَّ المَنفَعةَ حالَ وُجودِها لا يُمكِنُ إنشاءُ العَقدِ عليها، فدَعَتِ الضَّرورةُ إلى الإضافةِ، ولا ضَرورةَ في بَيعِ العَينِ؛ لِإمكانِ

стр. 5498

إيقاعِ العَقدِ عليها بعدَ وُجودِها؛ لِكَونِها مُحتَمِلةً لِلبَقاءِ؛ فلا ضَرورةَ إلى الإضافةِ (١). أما المالِكيَّةُ فلهم تَفصيلٌ في تعجيلِ الأُجرةِ وتأخيرِها: قالوا: الأصْلُ في الأُجرةِ في الإجارةِ التَّأجيلُ؛ لأنَّ العَقدَ على المَنافِعِ بمَنزِلةِ العَقدِ على الأعيانِ، فإذا لَم يُستَحقَّ الثَّمنُ بمُجرَّدِ العَقدِ على الأعيانِ إلَّا بعدَ دَفعِ المَثمونِ، وجبَ أنْ تَكونَ الإجارةُ كذلك. وَيَجِبُ تَعجيلُ الأُجرةِ فيما يَلي: ١ - يُعَجَّلُ الأجْرُ وُجوبًا؛ فلا يُؤَخَّرُ لِأكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وإلَّا فَسَدَ العَقدُ إنْ كانَ مُعيَّنًا، كَما إذا استَأْجَرَ بثَوبٍ مُعيَّنٍ، أو كانَتِ الأُجرةُ طَعامًا؛ لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى بَيعٍ مُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبضُه. ولَم يَجْرِ العُرفُ بعَدَمِ تَعجيلِ المُعيَّنِ، بأنْ يَكونَ العُرفُ فيه التَّأخيرَ، أو لا يُوجَدُ فيه عُرفٌ بتَعجيلٍ ولا تَأخيرٍ، فإنْ جَرَى بذلك فَسَدَ العَقدُ، ولَو عُجِّلَ بالفِعلِ، إلَّا أنْ يُشترَطَ التَّعجيلُ في العَقدِ، أو يُشترَطَ الخُلفُ في الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ. ٢ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا شُرِطَ عندَ عَقدِ الإجارةِ تَعجيلُه. ٣ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا جَرَتِ العادةُ بتَعجيلِه في الإجارةِ. ٤ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا كانَ في مَنافِعَ مَضمونةٍ في ذِمَّةِ

стр. 5499

المُؤجِّرِ، كاستأجَرتُكَ على فِعلِ كَذا في ذِمَّتِكَ إنْ شِئتَ عَمِلتَه بنَفسِكَ أو بغَيرِكَ، أو على أنْ تَحمِلَني على دَوابِّكَ لِبَلَدِ كَذا؛ فيَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ فيها، وإلَّا أدَّى إلى ابتِداءِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، بَيانُه أنَّ ذِمَّتَه مَشغولةٌ لَكَ بالدَّابَّةِ، وأنَّ ذِمَّتكَ مَشغولةٌ له بالدَّراهِمِ. وَهَذا ما لَم يُشرَعْ في المَنافِعِ المَضمونةِ، فإنْ شَرَعَ في السَّيرِ مثلًا جازَ التَّأخيرُ؛ لِانتِفاءِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ حينَئِذٍ، بِناءً على أنَّ قَبضَ الأوائِلِ كَقَبضِ الأواخِرِ؛ لأنَّه لَمَّا شَرَعَ في السَّيرِ كَأنَّه استَوفَى جَميعَ المَنفَعةِ، ولأنَّ نَقدَ أوائِلِ الرُّكوبِ كَقَبضِ جَميعِه؛ إذْ هو أكثَرُ المَقدورِ عليه في قَبضِه. وليسَ المُرادُ أنَّه لَم يُشرَعْ فيها الآنَ؛ وإنَّما المُرادُ لَم يُشرَعْ فيها بعدَ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وتَأخيرُ اليَومَيْنِ والثَّلاثةِ لا يَضُرُّ؛ لأنَّه سَلَمٌ، حتى لَو هَلَكَ يَجري على بابِ السَّلمِ. وَيَكفي تَعجيلُ اليَسيرِ مِنْ الأجْرِ؛ كالدِّينارِ والدِّينارَيْنِ؛ لِبُعدِ مَسافةِ السَّفَرِ، كالكَرْيِ لِلحَجِّ مثلًا، كانَ ذلك في الإبَّانِ أو قَبلَه، وذلك لِلضَّرورةِ؛ لأنَّه لَو وجبَ تَعجيلُ جَميعِ الأجْرِ في السَّفَرِ البَعيدِ؛ كالحَجِّ ونَحوِه لَضاعَتْ أموالُ النَّاسِ عليهم بسَبَبِ هُروبِ الجَمَّالِينَ بالأجْرِ، ومَحَلُّ كِفايةِ تَعجيلِ اليَسيرِ إذا كانَتِ الأُجرةُ كَثيرةً، وإلَّا فلا بدَّ مِنْ تَعجيلِها كلِّها. والقولُ قولُ المُكرِي إذا طَلَب التَّعجيلَ في المَضمونةِ، وطَلَب المُكتَرِي الشُّروعَ وعَدَمَ التَّعجيلِ. متى لا يَجِبُ تَعجيلُ الأُجرةِ: وَإذا لَم يَكُنِ الأجْرُ مُعيَّنًا، ولا شُرِطَ تَعجيلُه، ولا عُرْفَ بتَعجيلِه

стр. 5500

ولا عادةَ، ولَم تَكُنِ المَنافِعُ مَضمونةً فلا يَجِبُ تَعجيلُ شَيءٍ مِنْ الأُجرةِ إلَّا بالتَّمكُّنِ مِنْ استيفاءِ ما يُقابِلُه مِنْ المَنفَعةِ، فكلَّما استَوفَى مَنفَعةَ يَومٍ استَحقَّ أُجرَتَه. والمُرادُ باليَومِ القِطعةُ المُعيَّنةُ مِنْ الزَمنِ، لا حَقيقةُ اليَومِ، وهذا عندَ المُشاحَنةِ، وأمَّا إنْ تَراضَيَا على شَيءٍ، يُعمَلُ به، يَجوزُ تَعجيلُ الجَميعِ وتَأخيرُه؛ فإنِ اشتُرِطَ التَّعجيلُ أو جَرَى به عُرفٌ عُجِّلَ، كَما مَرَّ. وَهَذا في غيرِ الصَّانِعِ والأجيرِ، بَلْ في كِراءِ العَقارِ والرَّواحِلِ والآدَميِّ لِلخِدمةِ، أمَّا الصَّانِعُ والأجيرُ فليسَ لَهُما أُجرةٌ إلَّا بعدَ التَّمامِ. جاءَ في «المُدوَّنةُ»: إذا أرادَ الصُّنَّاعُ والأُجَراءُ تَعجيلَ الأجْرِ قبلَ الفَراغِ، وامتَنَعَ ربُّ الشَّيءِ، حُمِلوا على المُتعارَفِ بينَ النَّاسِ؛ فإنْ لَم يكُنْ لَهم سُنَّةٌ لَم يُقضَ لَهم بشَيءٍ إلَّا بعدَ الفَراغِ، وأمَّا في الكِراءِ في دارٍ أو راحِلةٍ أو في إجارةِ بَيعِ السِّلَعِ ونَحوِها، فبِقَدْرِ ما مَضَى، وليسَ لِخيَّاطٍ خاطَ نِصفَ القَميصِ أخْذُ نِصفِ أُجرَتِه إذا لَم يَأخُذْه على ذلك، بَلْ حتى يُتِمَّه. انتَهَى. والفَرقُ بينَ الأجيرِ والصَّانِعِ أنَّ بائِعَ مَنفَعةِ يَدِه إنْ كانَ لا يَحوزُ ما فيه عَملُه؛ كالبَنَّاءِ والنَّجَّارِ، فهو أجيرٌ، وإنْ كانَ يَحوزُه فإنْ كانَ لَم يُخرِجْ فيه شَيئًا مِنْ عِندِهِ؛ كالخيَّاطِ والحَدَّادِ والصَّائِغِ فصانِعٌ، وإنْ كانَ يُخرِجُ فيه شَيئًا مِنْ عِندِه كالصَّباغِ فبائِعٌ صانِعٌ. قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: الأُجرةُ لا يُستحَقُّ تَسليمُها بمُجرَّدِ العَقدِ، ولا بتَسليمِ العَينِ المُستَأجَرةِ، وإنَّما تُستحَقُّ الأُجرةُ أوَّلًا بأوَّلٍ لكلِّ
следующие страницы →